الحزب الهاشمي  

1- مقدمة لابد منها

2- نماذج من الكتابات التي تناولت هذا العمل حال ظهوره أول مرة

3- تأسيس

4- الكعبات

5- مكة حلم السيادة

6- قصي بن كلاب

7- الصراع على السلطة بعد قصي

8- بو هاشم من التكتيك إلى الأيديولوجيا

9- جذور الأيديولوجيا الحنيفية

10- ظهور النبي المنتظر

11 - العصبية والسياسة

12 - الدولة

13- مصادر البحث

حمل هذا الكتاب على جهازك

عودة الى الصفحة الرئيسية

العصبية والسياسة

 

وعظم الأمر على الحزب المناوئ فذهب رؤوس القوم : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب بن أمية ، وغيرهم من الأشراف لمقابلة أبي طالب عم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) : لثنيه عما اعتزم ، فكان أن ردهم أبو طالب رداً حسناً ، ولم يتوقف النبي عما اعتزم ؛ فعادوا إلى أبي طالب مرة أخرى ؛ فقالوا له :

 

يا أبا طالب ، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا ، وإنا قد

استنهيناك عن ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا والله لا نصبر

على هذا ؛ من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ،

حتى تكفه عنا ، أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين ..

فعظم علي أبي طالب فراق قومه وعداوتهم .

 

ودعا أبو طالب ابن أخيه ، وكاشفه بما كان من أمر بني العمومة فقال : يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا : كذا وكذا .. فأبق عليّ وعلي نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق : محاولاً بذلك وقف أمر قد يجر حرباً لا تبقى تجارة ولا نسلاً ، لكن هذا الاجتماع التاريخي بين العم وابن أخيه ، لم ينته كما بدأ ، بدليل أن أبا طالب ختمه بقوله : اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبداً .

وكانت النتيجة التي سجلتها كتب التاريخ الإسلامي أن .. حقب الأمر ، وحميت الحرب ، وتنابذ القوم ، وبادأ بعضهم بعضاً وقام حزب عبد الدار يستجمع حلفاءه لمواجهة ما بدأت نذره في الأفق (1) برغم نداء بعض العقلاء ، مثل عتبة بن ربيعة الذي التقى النبي ، وأدرك الأهداف الكبرى للدعوة ؛ فقام يقول لقريش :

 

يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي ، وخلوا بين هذا

الرجل وما هو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي

سمعت منه نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه

بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه

عزكم ، وكنتم أسعد الناس به (2) .

 

وعلى الطرف الآخر ؛ أعلن الهاشميون أنهم قد منعوا فتاهم ؛ برغم عدم متابعة دعوته دينياً ؛ اللهم إلا أفراداً فرادي ، فكانت عصبيتهم القبلية درعاً قوياً لدعوة حفيد عبد المطلب ، التي استنفرت الحزب المناوئ الذي أصر على زعمه أنها دعوة لو كتب لها النجاح لصار الأمر كله إلى البيت الهاشمي . وفي روايتها عن هذه المنعة الهاشمية : تقول سيرة ابن هشام : وقد قام أبو طالب حين رأى قريشاً يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وعبد المطلب ؛ فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والقيام دونه فاجتمعوا إليه وقاموا معه ، وأجابوه لما دعاهم إليه ، إلا ما كان من أمر أبي لهب " (3) .

 

وأبو لهب هو عبد العزي بن عبد المطلب عم النبي ، ولقب بهذا اللقب لحمرة شديدة في وجهه وحسن ، وهو من تبت الآيات الكريمة يديه ؛ لأنه كان حريصاً على مسالمة بيت عبد شمس المناوئ ؛ لأن امرأته في الآيات حمالة الحطب كانت في الصدارة من شريفات البيت الأموي ، وكانت شقيقة أبي سفيان رأس هذا البيت .

 

ويتجلى مدى هذه المنعة الهاشمية وقوتها ، وأثرها على نفوس الأطراف المناوئة ؛ في قول بن عبد الله لعمر بن الخطاب ، وقد التقاه يسعى لقتل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) " والله لقد غشتك نفسك في نفسك يا عمر ، أترى بني عيد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا ؟ ، وبهذا يمكن إدراك ما وصل إليه حال بني العمومة وحزبهم ، وأبناء عبد مناف الهاشميين الذين ظهر فيهم نبي الأمة وموحد كلمتها ، لكن كان كل الهم لدي الأحلاف أنه يمكنه بدعوته حيازة كل الألوية لبيته وعشيرته . وفي أشعار أبي طالب اعتزاز واضح بأهله وبنيه ورهطه ؛ مع عمق غير خاف في النظرة السياسية للوضع المكي ، ومثال لذلك قوله :

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخرة

فعبد مناف سرها وصميمها

وإن حصلت أشراف عبد مناف

ففي هاشم أشرافها وقديمها

وإن فخرت هاشم يوما فإن محمدا

هو المصطفى سرها وكريمها

تداعت قريش غثها وسمينها علينا

فلم تظفر وطاشت حلومها (4)

 

نعم ؛ ليحلم بنو عبد الدار ؛ ليحلم نوفل ؛ ليحلم بنو عبد شمس ؛ ليحلم الأمويون ما شاءوا فالرؤية التنبؤية لأبي طالب ، تتوقع أو تخطط ؛ لتطيش هذه الحلوم ؛ لأن هاشماً ستقف مع محمد ( صلى الله عليه وسلم ) حتى تنصره وتنتصر به ، ويوضح جانب آخر من شعر أبي طالب سر هذا الجهر في مواجهة حزب عبد الدار بقوله :

ولما رأيت القوم لاود فيهم

وقد قطعوا كل العري والوسائل

وقد صارحونا بالعداوة والأذي

وقد طاوعوا أمر العدو المزايل

وقد حالفوا علينا ، وقد أظنهم

يعضون غيظا خلفنا بالأنامل

أحضرت عند البيت رهطي وإخواتي

وأمسكت من أثوابه بالرصائل (5)

 

ويفهم من أبيات أبي طالب هنا أنه لما رأى العداوة بادية في الحزب المناوئ ، وأنهم برغم عري القرابة حالفوا ضدهم أحلافاً ؛ غيظاً وكمداً وحسداً ، لأن منهم نبياً جمع رهطه وأهله وتعاهدوا عند الكعبة وهم يمسكون بأرديتها ، وعلى الطرف الآخر ! نجد عمرو بن هشام الملقب بأبي جهل يقول : " ماذا سمعت ؟ تنازعنا نحن وبني عبد مناف الشرف ؛ أطعموا فاطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء !! والله لا نؤمن به ولا نصدقه " (6)

ثم يرسل شعره قائلاً :

أتونا بإفك كي يضلوا عقولنا

وليس مضلا إفكهم عقل ذي عقل (7)

 

ومن الجدير بالذكر أن عمرو بن هشام لم يكن رجلاً أحمق أو أبله ؛ بدلالة تحاكم العرب إليه في النفورة والمشاورة والمخايرة منذ حداثته ؛ حتى إنهم أدخلوه دار الندوة صبياً ، وقال عنه حكيم فزارة ؛ قطبة بن سيار ؛ لما تنافر إليه ابن طفيل وعلقمة بن علاثة عليكم بالحديد الذهن ، الحديث السن " (8) وعلى ذلك ؛ فلم يكن أمام عبد الدار وعبد شمس منعاً للحرب إلا أن تطبق على بني هاشم عقوبات التجار ؛ بمحاصرتهم اقتصادياً ؛ فكان أن جاءها الرد من أبي طالب بتحد هاشمي سافر في قوله :

كذبتم ورب البيت نترك مكة

ونظعن إلا أمركم في بلابل

كذبتم وبيت الله نبزي محمدا

ولما تطاعون دونه ونناضل

ونسلمه ، حتى نصرع حوله

ونذهل عن أبنائنا والحلائل

وينهض قوم في الجديد إليكم

نهوض الروايا تحت الصلاصل

وأما لعمر الله أن جد ما أري

لتلتبسن أسيافنا وبالأماثل

فإن يلقيا ، أو يمكن الله منهما

نكل لهما صاعا بصاع المكايل (9)

 

وإلى رؤوس حزب عبد الدار : أبي الوليد ، وعتبة وأبى سفيان ، يتوجه مستميلاً متحبباً محذراً :

 

وسائل أبا الوليد : ماذا حبوتنا

بسعيك فينا معرض ، كالمخاتل

وكنت أمرا ممن يعاش برأيه

ورحمته فينا ولست بجاهل

فعتبة : لا تسمع بنا قول كاشح

حسود كذوب مبغض ذي دغاول

وفر أبو سفيان عني معرضا

كما مر قبل من عظام المقاول

يفر إلى نجد ويرد مياهه

ويزعم : أني لست عنكم بغاف

ويخبرنا فعل المناصح أنه : شفيق

ويضفي عارمات الدواخل (10)

 

ولما لا يجد وداً ؛ يعلن أهداف البيت الهاشمي السياسية ، بوضوح جهير ومباشر ، فيقول :

جزي الله عنا عبد شمس ونوفلا

عقوبة شر عاجلا غير أجل

بميزات قسط لا يخس شعيرة له

شاهد من نفسه غير عائل

فأبلغ قصيا : أن سينشر أمرنا

وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل

وكان لنا حوض السقاية فيهم

ونحن الكدي من غالب والكواهل

شباب من المطيبين وهاشم

كبيض السيوف بين أيدي الصياقل

فما أدركوا ذحلا ، ولا سفكوا دما

وما حالفوا إلا شرار القبائل

بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم

ضواري أسود فوق لحم الخرادل (11)

 

وعن شدة تعلقه بابن أخيه وكلفه به ، وأنه لولا المسبة و العار لأمن بدعوته الدينية ، يقول

لعمري لقد كلفت وجد بأحمد

وإخوته دأب في حومة المجد فاصل

فلا زال في الدنيا جمال لأهلها

وزينا لمن والاه رب المشاكل

فمن مثله في الناس أي مؤمل

إذا قاسه الحكام عند التفاضل

لكن اتبعناه على كل حالة

من الدهر ، جد غير قول التهازل

لقد علموا أن ابننا لا مكذب

لدينا ، ولا يعني بقول الأباطل (12)

فأصبح أحمد فينا في أرومة

تقصر عن سوء المتطاول

حدبت بنفسي وحميته

ودافعت بالذرا والكلائل

فأيده رب العباد بنصره

وأظهر دينا حقه غير باطل (13)

 

هوامش

  1. ابن هشام : السيرة ج1 ، ص 238 و 241 .
  2. نفسه : ص 262 .
  3. نفسه : ص 242 .
  4. الموضع نفسه .
  5. نفسه : ص 245 .
  6. ابن سيد الناس : عيون الأثر ، ج1 ص140
  7. ابن هشام : السيرة ، ج2 ، ص 247 .
  8. جواد علي : المفصل ، ج5 ، ص 235 .
  9. الشهر ستاني : الملل والنحل ، ج2 ، ص 240 . وانظر ابن هشام ، السيرة ج1 ، ص 247 .
  10. ابن هشام : السيرة ، ج1 ، ص 248 و249 .
  11. نفسه : ج22 ،ص249 و 251 .
  12. نفسه : ج1 ، ص 251 .
  13. البيهقي : دلائل النبوة ، ج2 ، ص 444 .