مجتمع يثرب

مقدمة

مجتمع يثرب قبل الإسلام

مجتمع الصحابة

المرأة في مجتمع يثرب

مجتمع الذكور والإناث

الجنس في مجتمع يثرب

مشكلة " المغيبات "

حمل هذا الكتاب على جهازك

عودة الى الصفحة الرئيسية

4ـ مجتمع الذكور والإناث

كانت نزعة معافسة النساء لدى رجال " المجتمع اليثربي " من القوة بحيث دفعتهم إلى تحطيم الحواجز التي أقامتها " النصوص المقدسة " صراحة وبلا موارية مثل : من يظاهر من امرأته ثم يعتليها قبل التكفير وآجر يركب زوجته وهي حائض أو مستحاضة وثالث يطؤها في نهار رمضان ورابع ينكح امرأة أبيه أو يعاشرها دون عقدة نكاح وبتعبير الخبر " يدخل عليها " والمملوك الذي يشرع في مفاخذة جارية سيده بادئاً - كالعادة بتقبيلها وقد يحدث العكس : المرأة تسعى إلى أجير زوجها ليشبعها ويروي لها ظمأها لعجز زوجها عن ذلك .. الخ.

كل هؤلاء ذكوراً وإناثاً يعلمون علم اليقين أن الفعل الذي قارفوه حرمته عليهم الشريعة التي بلغها محمد نزعة التلاقي بالآخر تغلبهم وتقهرهم وتملك عليهم نفوسهم وعقولهم ووجدانهم وتعطل ملكة التفكير السديد عليهم فلا يرون في " النصوص المقدسة " إلا قيوداً تحول دون انطلاقهم : -

- ( أوس بن الصامت بن قيس الخزرجي ظاهر من امرأته فوطئها قبل أن يكفر )

وهذا رجل آخر يرتكب ذات المخالفة :

- أخبرنا أبو سلمة ومحمد بن عبد الرحمن أن سلمة بن حجر البياضي جعل امرأته كظهر أمه حتى يمضي رمضان ؛ فلما مضى نصف رمضان وقع عليها فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال اعتق رقبة )

فهذا الصحابي سلمة - أراد أن يتفرغ للعبادة في رمضان ولما كان يشك في قوة إرادته فقد ظاهر امرأته طوال ذاك الشهر لكي لا يقربها حتى انصرام الشهر ولكنه لم يصبر أكثر من أسبوعين وفي ليلة النصف بدل أن يحيها بالصلاة والدعاء والذكر والتهجد .. الخ وثب على امرأته فوطئها غير عابئ لا باليمين ؛ يمين الظهار الذي قطعه على نفسه ولا بالنص الذي يمنع ملامسة النساء إبان مدة الظهار ؛ لأن نزعة التواصل مع الجنس الأخر غلابة قهارة تكتسح في طريقها العقود والمواثيق والإيمان بل والنصوص نفسها.

وهذا الآخر لا يراعي للصيام حرمة ويسيطر عليه الدافع ويهيمن على نفسه وحواسه ويشل عقله فيسارع إلى امرأته فيعتليها في نهار رمضان غير عابئ بحرمة الشهر وقدسيته ولا بالنصوص الناهية :

- (عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال : بينما نحن جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله هلكت قال : مالك ؟ قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم )

ولا يقال دفعاً لذلك الرجل كان صائماً صيام تطوع لا صيام رمضان والرد عليه أنه لو كان كذلك لما أسرع إلى محمد لظنه أنه هلك لأنه لو كان صيام تطوع لكان في مقدوره الإعادة كما أن بقية الحديث تقطع بوقوع الامتطاء في نهار رمضان.

وهناك العديد من الأحاديث والأخبار التي تقطع بوقوع ملامسة الزوجات في نهار رمضان وهذا الخبر سقناه على سبيل المثال لا الحصر منعاً من الإملال والإطالة.

 

- ( كان لزنباع الخذامي عبد يقال له " سندر" وجده جارية له فخصاه وجدعه فأتى سندر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إلى زنباع وقال :

من مثل به وأحرق بالنار فهو حر؛ وهو مولى الله عز وجل ورسوله واعتق سندر فقال له سندر: يا رسول الله أوص بي فقال : أوصى بك كل مسلم ؛ فلما توفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعاله أبو بكر حتى توفى ثم أتى بعده إلى عمر فقال عمر : إن شئت أن تقيم عندي أجريت عليك ؛ وإلا فانظر أي المواضع أحب إليك فأكتب لك فاختار سندر مصر ؛ فكتب له إلى عمرو بن العاص أن يحفظ فيه وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قدم إلى عمرو بن العاص قطعة أرضاً واسعة وداراً فكان سندر يعيش فيها ؛ فلما مات قبضت في مال الله ).

 

نزعة التماس بالجنس الأخر شملت الأحرار والعبيد ونرى أن محمداً قابل العبد الذي هم بالزنا بجارية سيده بالرفق واللين ؛ خاصة وأن سيده عاقبه عقاباً صارماً . وفي المجتمع اليثربي كان النسوان والرجال على قدم المساواة في السعي إلى الالتقاء بالآخر وفي الصور السابقة كان الذكران هم أصحاب المبادرة ولكن الخبر الذي نسوقه بعد قليل يثبت أن النساء لم يكن أقل إقداماً على ذلك ولم يحل الحياء الأنثوي المعروف دون اتخاذ الخطوة الأولى لشدة النزعة:

 

( عن عبيد الله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد بن خالد جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله فقال خصمه وكان أفقه منه صدق وإذن لي رسول الله أن أتكلم فقال له رسول الله-صلى الله عليه وسلم - قل ؛ فقال : إن ابني هذا كان عسيفاً ( = أجيرا ) على أهل هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم وإني سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام لأقضين بينكم بكتاب الله المائة شاة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ويا أنيس اغد على امرأة هذا فسلها فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها )

 

ولا يقال أن المرأة كانت مكرهة أي أن العسيف ( الأجير ) قد أكرهها لأنها لو كانت كذلك لما أمر محمد برجمها لأن الإكراه يرفع الحد ولقالت لأنيس ذلك عندما طلب منه محمد أن يذهب إليها ليسألها فإن اعترفت رجمها إذن الفعل تم برضاها ولما كان شريكها عسيفاً ( أجيراً ) لديها = لدى زوجها فلا شك أنها هي التي أغرته على ذلك سواء بالقول أو بالحركات أو باللين .. الخ لأن الأجير لا يجرؤ على الاقتراب منها بدون ذلك الخلاصة أن الخطوة الأولى كانت من قبلها تحت تأثير النزعة المشبوبة لدى أفراد ذلك المجتمع من الجنسين ؛ وفي بعض الأحيان كان ذلك الدافع من القوة بحيث يجبر صاحبه ليس على تحطيم ( النصوص المقدسة ) فحسب بل على تجاوز الحد الأدنى من الالتزام الخلقي الذي ينبع من الفطرة السوية :

- ( عن البراء بن عازب قال : مر بي عمي الحارث بن عمر ومعه راية فقلت أين تريد ؟ فقال : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمر أن أضرب عنقه وأخذ ماله )

وتلك الواقعة تكررت وذكرت المصادر تكرارها ما يقطع بأنها كانت شائعة مألوفة.

- ( عن معاوية بن قرة عن أبيه قال : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أضرب عنقه وأصفي دمه وفي رواية أخرى وأصفي ماله )

وكان الزواج من أرملة الأب معروفاً وليس منكراً في " المجتمع اليثربي " وهو ما يسمى في علم الاجتماع بـ " وراثة النساء " ثم جاء الإسلام فحرمه وسماه ( فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً ) .

ولا شك أن الذين مارسوه سواء في هاتين النازلتين أو في غيرهما لا يجهلون ذلك ولكن يبدو أن تلك العادة كانت متمكنة وذات جذور ضاربة في الأعماق خاصة وأنه يحقق الري وإطفاء الشهوة بلا مقابل للرجل : والمرأة تجد لدى الابن من الفتوة والشباب والقوة ما يعوضها عن ضعف أبيه وهرمه ؛ خاصة وأن الرجال في ذلك المجتمع كانوا يحرصون على أن تكون الزوجة الثانية والثالثة صغيرة السن ليمتع نفسه بها غير عابئ بالفارق في العمر الذي يصل في أحيان كثيرة إلى ثلاثين أو أربعين عاماً فلما يموت تسعد بالالتقاء مع ابنه الذي قد يكون نديداً لها أو أصغر منها ليعطيها ما كانت محرومة منه أيام أبيه.

والعقوبات الصوارم التي أمر بها محمد : التصفية الجسدية وإستصفاء المال تشي بأن المسألة لم تكن فردية بل جماعية أو جمعية أي متكررة ومتواترة - ولكن في بعض الأحيان يكون طرفا العلاقة ( = امرأة الأب والأبن ) أكثر دهاء فلا يعقدان نكاحاً ولكن المباشرة بينها تتم في الخفاء والكتمان :

(قال أبي كعب : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم - فقال: أن فلاناً يدخل على امرأة أبيه فقال أبي : لو كنت أنا لضربته بالسيف ؛ فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -وقال : ما أغيرك يا أبي إني لأغير منك والله أغير مني ) .

 

وواضح من سياق الحديث أن الرجل يدخل على زوجة أبيه دخولاً مريباً وكانت تسعد بذلك بل ربما كانت تسعى إليه وتشجعه وأن الريبة هي التي دفعت الشاكي إلى تقديم شكواه إلى محمد وهناك ملحوظة على درجة كبيرة من الأهمية وهو أن الخبر لا يفهم منه أن الأب متوفى ؛ لعله كان مسافراً في تجارة أو سرية فانتهز الابن فرصة غيابه واتصل بزوجته ؛ إلى هذا الحد بلغ طغيان وازع الاتصال بالآخر: نكاح أرملة الأب أو مخاذنة زوجته عندما يولي ظهره ويغيب عن بيته !!

لم يفلت من هذا النزوع العارم نحو الآخر صحاب ذوو أسماء لوامع:

- ( عن خوات بن جبير بن النعمان عن أبيه قال :

خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة فخرجت من جبائي فإذا بنسوة حولي فلبست حلة ثم أتيتهن فجلست إليهن أتحدث معهن ؛ فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا جبير ما يجلسك هنا ؟ قلت : يا رسول الله بعير لي شرد )

هذا الصحابي خارج في غزوة ومعه محمد أو هو مع محمد أي قريب منه ولكن كل ذلك يهون في سبيل الاتصال بالآخر فسارع بلبس حلة - لزوم التأنق - وأتى إلى النسوة وجلس إليهن يسامرهن ويبادلهن أطراف الحديث الشهي لعل الحديث يجر وراءه ما هو أعمق ؛ ولما يضبطه محمد متلبسا وينكر عليه جلوسه ذاك لا يتورع أن يدعي أن سبباً آخر هو الذي دفعه لذلك وهو شرود بعيره ؛ ومن البديهي أن ذلك لم يفت على فطنة محمد فكان كلما يراه ؛ يسأله : ما فعل بعيرك - ولم يحدثنا الخبر عما إذا كانت تلك النسوان صواحب جبير هن زوجات الخارجين في الغزوة أو من الجيرة - ولعله مما لفت النظر أنهن لم يجدن غضاضة في الجلوس مع جبير والتحدث معه مما يقطع بأن ذلك المجتمع لم يكن مغلقاً كما كتب المتأخرين في وصفه.

 

- ( حدثنا عمر بن أبي قيس عن عاصم عن عكرمة عن حمنة بنت جحش أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها ).

( وحمنة هذه أخت زينب بنت جحش التي تزوجها محمد بموجب آية من القرآن بعد أن كانت عند زيد ابنه ثم مولاه وحمنة كانت زوجا لمصعب بن عمير ؛ قتل عنها يوم أحد فتزوجها طلحة بن عبيد الله )

وكلاهما من أكابر الصحابة فالأول أرسله محمد قبل هجرته ليثرب ليقرئ اليثاربة القرآن ولذا أطلق عليه لقب " المقرئ " ولعب دوراً بارزاً في إدخال عدد من زعمائهم في دين محمد أما الآخر فهو من مجلس ( العشرة المبشرين بالجنة ) وهو" مجلس شورى محمد " والصورة الإسلامية لـ " ملأ قريش " حاكم مدينة القداسة : مكة قبل الإسلام ؛ وسواء كان هذا أم ذاك فقد كان لا يجد غضاضة في مباطنة حمنة وهي مستحاضة.

أما عمر بن الخطاب فقد أقدم على ما هو أوعر

- ( عن عبد الحميد بن زيد بن الخطاب قال : كان لعمر بن الخطاب امرأة تكره الجماع فكان إذا أراد أن يأتيها اعتلت عليه بالحيض فوقع عليها فإذا هي صادقة ؛ فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره أن يتصدق بخمس دينار )

هنا حديث أسري أي راويه من صاحب الخبر فعبد الحميد هو ابن أخي عمر ومعرفة ما إذا كانت المرأة حائضاً ليست معضلة فالحيض له رائحة نفاذة ولون دمه متميز ولكن ابن الخطاب لم يستطع أن يكبح جموح شهوته حتى بعد أن تثبت من صدق زوجته وأنها فعلاً كانت حائضاً.

وهناك أخبار تدل على أن الدافع كان متوهجاً لدى ابن الخطاب : -

- ( عن ابن عباس قال : جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله : هلكت قال : ما الذي أهلكك قال : حولت رحلي البارحة فلم يرد عليه شيئاً فأوحى الله إلى رسوله هذه الآية ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) ؛ أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة )

الخبر يدل على أن ابن الخطاب من الذين يتلذذون بالمرأة مستلقية أو مقبلة أو مدبرة والذين يفرشونها فرشاً مؤثراً ولقد أيده محمد بآية من القرآن في أتيان المرأة مدبرة ( مع تجنب الدبر ) ومن ساعتها أصبحت رخصة لا لعمر وحده ولكن للمسلمين كافة ومن الملاحظ أن محمداً قال لابن الخطاب ( اتق الحيضة ) لأنه جامع إحدى زوجاته وهي حائض كما ثبت في الخبر الذي سقناه فهو يلفت نظره لعدم تكرار ذلك مرة أخرى.

 

حتى وهو صائم لم يكن ابن الخطاب يملك نفسه أو يسيطر عليها :

- ( عن جابر أن عمر قال : هششت فقبلت وأنا صائم ؛ فقلت : يا رسول الله صنعت اليوم أمراً عظيماً قبلت وأنا صائم فقال : أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم ؟ قلت لا بأس ؛ قال : فمه )

والصائم يكون في حالة روحية سامية لأن الصيام لله وهو الذي يجزي به كما أجبر محمد ومن ثم لا يفكر الصائم حتى في مقدمات الجماع مثل التقبيل لأن مثل هذه الأفعال تنافي روحانية الصوم ولكن يبدو أن ابن الخطاب كان له رأي آخر وتفسير مغاير للصيام -

ومما يؤكد أن دافع الالتقاء بالأنثى كان متقداً عند ابن الخطاب هو الخبر الآتي الذي قبل أن نسطره نبدأ بمقدمة شارحة :

عندما شرع الصيام كان يحرم على المسلم الأكل والجماع بعد أن ينام في الليل بمعنى أنه إذا نام لا يحل له الطعام والشراب والاقتراب من الزوجة حتى يصبح ؛ ولكن أصحاب النوازع المتوهجة في الالتقاء بالجنس الأخر مثل ابن الخطاب لم يعبأوا بهذا التحريم وتجاوزوه :

- ( عن ابن عباس قال : إن الناس كانوا قبل أن ينزل الصوم ما نزل فيهم يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن الناس فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولم يأت أهله حتى يفطر من القابلة ؛ فبلغنا أن عمر بن الخطاب نام ووجب عليه الصوم ووقع على أهله ثم جاء إلى النبي - ص -فقال : أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت ؟ قال : ما صنعت ؟ قال : إني سولت لي نفسي فوقعت على أهلي بعد ما نمت ؛ وأنا أريد الصوم ؛ فزعموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما كنت خليقاً أن تفعل ؛ فنزل الكتاب ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم )؛ وفي رواية : قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه - فقال : يا رسول الله إني أردت من أهلي البارحة ما يريد الرجل من أهله ؛ فقالت : إنها قد نامت فظنتها . تعتل فواقعتها ؛ فنزل في عمر ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ).

وفي رواية ثالثة : فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة قد سمر عنده فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت :

إني قد نمت فقال : ما نمت ثم وقع بها )

هذا الخبر برواياته المختلفة التي حملتها مصادر موثوقة يثير عدة أمور:

أـ أن ابن الخطاب لا يتورع عن أتيان أهله سواء بعد نومه هو أو نوم الزوجة رغم أنه يعلم تمام العلم أن ذلك منهي عنه ومحرمالخ.

ب ـ أنه يرمي زوجه بالكذب عندما تخبره أنها نامت ليحلل وقوعه عليها.

ج ـ أن محمداً عاتبه على ذلك بقوله له ( ما كنت خليقاً أن تفعل )

د ـ يقول عمر " إني أردت من أهلي البارحة ما يريد الرجل من أهله " وهي عبارة بالغة الدلالة وتفصح عن نظرة الرجل إلى المرأة في ذلك المجتمع الأمي فكل ما يؤيده منها هو المفاخذة فلا يريد منها :مسامرة لطيفة أو مشاورة في أمر عام أو خاص لأنها في نظره مجرد ماعون يفرغ فيه شهوته.

هـ ـ أن محمداً للمرة الثانية على التوالي يحل لعمر الورطة التي وقع فيها بأن يتلو آية قرآنية وقد سبق أن رأينا أن ذلك حدث عندما حول ابن الخطاب رحله وأتى امرأته وهي مدبرة ( مع تجنب الدبر )

- ( روى الشافعي في مسنده عن زينب بنت أبي سلمة أنها أرتضعت من أسماء امرأة الزبير قالت : فكنت أراه أباً وكان يدخل على وأنا أمشط رأسي فيأخذ ببعض قرون رأسي ويقول أقبلي على )

والزبير من أكابر الصحابة وهو زوج أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة وزينب بنت أم سلمة إحدى زوجات محمد.

 

ونظراً لان التقاء الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر طقس يومي من الطقوس الاجتماعية المعتادة في مجتمع يثرب فقد اضطر محمد دفعاً للحرج عن أصحابه أن يبيح لهم أن يسيروا في المسجد وهم جنب :

 

( عن زيد بن اسلم قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشون في المسجد وهم جنب )

ولو كانت حالة الجنابة فردية لما صرح بذلك ولكن هذا التصريح يفيد أن الحالة كانت جماعية وبدرجة شديدة الكثافة بحيث لو حظر المشي في المسجد مع الجنابة لأحدث ارتكاباً في صفوف الصحبة خاصة وإن المسجد آنذاك كان يستعمل لغير الصلاة وذلك وراثة عن المسجد الحرام ودار الندوة قبل ظهور الإسلام.

وكانت بعض الوقائع على درجة معقولة من الجنوح :

- ( روى جابر قال : ... فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها حتى رأيت ما دعاني إلى نكاحها )

ما الذي دفع جابر بن عبد الله وكان من المقربين لمحمد إلى أن يتخبأ ليرى ما يدعوه إلى نكاحها لأن المرأة على الأقل - كانت تكشف وجهها وكفيها - إذن كان يريد أن يرى غيرهما مما لا تظهره المرأة إلا في المنزل وهو ما يحتاج لمن يريد أن يطلع عليه إلى التخبؤ لأنها لو فطنت إليه لخبأته عنه ؛ هذه الأجزاء المستورة هي ما عبر عنها جابر : حتى رأيت " ما دعاني إلى نكاحها " فلما أعجبته تزوجها.

 

ولم تكن " التجاوزات " مقصورة على مشاهير الصحابة ممن ذكرنا بعضهم على سبيل المثال بل تعدتهم إلى صحابيات معروفات بل ومقربات إلى محمد :

- ( عن عبد الرحمن بن أبي رافع أن أم هاني بنت أبي طالب خرجت متبرجة قد بدا قرطاها فقال لها عمر بن الخطاب : اعملي فإن محمدا لا يغني عنك شيئا فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فقال رسول الله - ص - : ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي ... تنال حاوحكم )

حاوحكم قبيلتان . إن تبرج أم هانيء بنت أبي طالب أخت على وبنت عم محمد ؛ أفزع عمر بن الخطاب حتى لفت نظرها إلى أن محمداً لا يغني عنها شيئاً أي يوم الحساب فتشكوه إلى محمد - فيصرح محمد بأن له شفاعة أكيدة يوم القيامة وأن أول من تنالهم هم أهل بيته أي بني هاشم ؛ فهو لم ينف واقعة تبرجها ولم يخطئ ابن الخطاب في لفت نظرها إلى ذلك ولكنه أخذ عليه إنكاره شفاعته وأنها ستشمل بني هاشم وأم هانئ منهم أي أن تبرج أم هانئ مغفور لها بالشفاعة المحمدية.

ولكن ما الذي يدعو أم هانئ وهي من هي إلى التبرج ؟ إنها بلا شك ضواغط "مجتمع يثرب".

 

هذه الفصلة نفردها لصحابيين من ذوي الشهرة لكل منهما قصة تدخل في نطاق هذا الموضوع ؛ وقد اشتركا معاً في الحكاية الأولى أما الأخرى فقد انفرد بها أحدهما وهو الأعلى مكانة والأذيع صيتاً والأكثر تقديراً .

والخبران موثقان توثيقاً محكماً وقد وردا في العديد من الدواوين والكتب التي تكاد تبلغ حد القداسة ومن ثم لا يرقى إليها شك ولا تقرب منها ريبة.

 

أما أولهما فهو المغيرة بن شعبة:

فهو - بادئ ذي بدء من كتاب محمد أي الذين كانوا يكتبون له الرسائل التي يمليها عليهم وكان لا يفعل ذلك إلا من يحوز على الثقة بعد أن خان أحدهم الأمانة وارتد وهرب إلى مكة وادعى أنه من كتاب ألفاظ القرآن التي كان يمليها عليه محمد - واتصاف المغيرة بأنه من كتاب محمد مسألة متواترة جاءت في الكتب التي تناولت حياة الصحابة وأحوالهم منها كتاب " أسد الغابة في معرفة الصحابة "

- ( قال المغيرة بن شعبة : حصنت تسعاً وتسعين امرأة ما أمسكت فيهن واحدة منهن واحد على حب ؛ ولكني أحفظها لمنصبها وولدها ؛ فكنت أسترضيهن بالباه شاباً ؛ فلما أن شبت وضعفت عن الحركة أسترضيهن بالعطية )

 

والخبر صحيح في أن مجتمع يثرب الذي عاش فيه المغيرة ملازماً لمحمد إذ عمل كاتباً له بعبارته لا يعبأ بالحب بين الرجل والمرأة ورغم سمو هذه العاطفة فلم يكن لها أقل موضع في ذاك المجتمع إنما مدار العلاقة بين الطرفين ومحورها كان أمرين : الباه أي قوة الجماع والمال فهما السبيل لاسترضاء إناث ذاك المجتمع فإذا كنت شاباً استطعت أن تروضهن وتسترضيهن بالباه أم إن كنت شيخاً اضمحلت قوتك ووهنت حركتك فليس أمامك إلا الأموال والهدايا والعطايا ؛ ولعلنا لاحظنا :أن الباه جاء في المقام الأول بعبارة أحد الفاعلين البارزين في ذلك المجتمع وكل خبر نسوقه يؤكد الفكرة التي تتمحور عليها دراستنا هذه . ثم نعود إلى سياق الخبر:

 

نحن لا نعول كثيراً على ما أورده الجاحظ مع تقديرنا البالغ له ولمكانته في الفكر والأدب لأننا إنما نعتمد في دراستنا هذه على المصادر التراثية التي تلقتها الأمة بالترحاب والتجلة والتي ربما تبلغ حد القداسة ومؤلفات الجاحظ ليست كذلك مع نفاستها الشديدة وذلك لأمرين :

أ ـ ربما دفعته نزعته الأدبية إلى المبالغة والتهويل.

ب ـ ما عرف عنه من وجهة اعتزالية تجعله غير مقبول لدى أهل السنة والجماعة.

نسطر ذلك حتى نقطع السبيل على أي فلحاس حتى لا يصيح ناعقاً أو ينعق صائحا أن مصادرنا هي كتب الأدب والنوادر والأمالي مع تقديرنا لها جميعها وأنها جزء من تراثنا الذي نعتز به ويترك عشرات المصادر الأخرى ويتمسك بهذا المصدر اليتيم وإذا كان القارئ يستهول أن يكون المغيرة بن شعبة قد أحصن تسعاً وتسعين زوجة ويرى أن ذلك مبالغة فاضحة من الجاحظ فإننا نورد فيما يلي ما جاء به كتاب تراثي صاحبه من الذين أرخوا للصحابة وهو موضع تقدير من الأمة ؛ وهو كتاب " الاستيعاب في معرفة الأصحاب " لـ ابن عبد البر:

  1. ( قال : حدثنا سحنون عن ابن نافع قال : أحصن المغيرة بن شعبة ثلاثمائة امرأة في الإسلام ؛ قال ابن وضاح : غير ابن نافع يقول : ألف امرأة ) ؛ ولا شك أن في كلا الرقمين مبالغة وبذلك نكون قد ظلمنا الجاحظ إذ رميناه بالتهويل لأن ما ذكرناه لا يبلغ ثلث الأول وعشر الآخر.

     

    ومع ذلك إذا سرنا في سبيل اتهام الجاحظ بالمبالغة وقلنا إن المغيرة أحصن في الإسلام وحده تصف العدد أي خمسين امرأة فحسب ألا يدل ذلك على أن نزعة التلاقي بالجنس الآخر أو بتعبير ابن شعبة ذاته ( الباه ) كانت في ذلك المجتمع متوقدة ومتوهجة بل ومشتعلة بصورة قل أن نرى لها مثيلاً في المجتمعات الأخرى قديماً وحديثاً !!

     

    حكاية المغيرة مع أم جميل :

    يبدو أن الباه عند المغيرة بن شعبة كان مشبوباً بطريقة غير عادية فرغم أنه تزوج ذلك العدد من الزوجات فإنه لم يكتف بذلك بل :

    - ( جعل يختلف إلى امرأة من بني هلال يقال لها أم جميل بنت محجن بن الأفقم بن شعينة بن الهزم وكان لها زوج من ثقيف يقال له الحجاج بن عتيك ؛ فبلغ ذلك أبا بكرة بن مسروح مولى النبي صلى الله عليه وسلم من مولدي ثقيف وشبل بن معبد بن عبيد البجلي ونافع بن الحارث بن كلدة الثقفي وزياد بن أبيه ( الذي ألحقه معاوية فيما بعد بأبيه سفيان بن حرب .إ .هـ . ) فرصدوه حتى إذا دخلوا عليه هجموا عليه فإذا هما عريانان وهو متبطنها ؛ فخرجوا حتى أتوا عمر بن الخطاب فشهدوا عنده بما رأوا ؛ فقال عمر لأبي موسى الأشعري : أني أريد أن أبعثك إلى بلد قد عشش فيه الشيطان قال فأعنى بعدة من الأنصار ؛ فبعث معه البراء بن مالك وعمران بن الحصين وأبا نجيد الخزاعي و عوف بن وهب الخزاعي ؛ فولاه البصرة وأمره بإشخاص المغيرة فأشخصه بعد قدومه بثلاث.

    فلما صار إلى عمر جمع بينه وبين الشهود ؛ فقال نافع بن الحارث :

    رأيته على بطن المرأة يحتفز عليها ورأيته يدخل ما معه ويخرجه كالميل في المكحلة ثم شهد شبل ابن معبد على شهادته ثم أبو بكرة ثم أقبل زياد رابعاً ؛ فلما نظر إليه عمر قال : أما أرى فيه وجه رجل أرجو ألا يرجم رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على يده ولا يخزى بشهادته ؛ وكان المغيرة قدم من مصر فأسلم وشهد الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال زياد : رأيت منظراً قبيحاً وسمعت نفساً عالياً وما أدري أخالطها أم لا ويقال : لم يشهد بشيء.

    فأمر عمر بالثلاثة فجلدوا ؛ فقال شبل : أتجلد شهود الحق وتبطل الحد ؛ فلما جلد أبو بكرة قال أشهد أن المغيرة زان ؛ فقال عمر: حدوه ؛ فقال علي : إن جعلتها شهادة فارجم صاحبك ؛ فحلف أبو بكرة ألا يكلم زياداً أبداً وكان أخاه لأمه سمية ؛ ثم إن عمر ردهم إلى مصرهم)

     

    أما عز الدين ابن الأثير الجزري فيروي الواقعة باختصار:

     

  2. (روى أبو عثمان النهدي قال : شهد أبو بكرة ونافع يعني ابن علقمة وشبل بن معبد على المغيرة أنهم نظروا إليه كما ينظرون إلى المرود في المكحلة فجاء زياد ( بن أبيه ) فقال عمر : جاء رجل لا يشهد إلا بالحق : رأيت مجلساً قبيحاً وانتهازاً وفي رواية : رأيت إستاتنبوا ونفساً يعلو وساقين كأنهما أذنا حمار ولا أعلم وراء ذلك فجلدهم عمر )

     

     

    أما صاحب " الاستيعاب " فقد روى الواقعة في أكثر من موضع نكتفي باثنين :

    في ترجمة أبي بكرة :

    - ( وكان من فضلاء الصحابة وهو الذي شهد على المغيرة بن شعبة فبت الشهادة وجلده عمر حد القذف إذ لم تتم الشهادة )

    وكذلك في ترجمة زياد بن أبي سفيان :

     

  3. ( فلما شهد على المغيرة مع أخيه أبي بكرة وأخيه أبي نافع وشبل ابن معبد وحد عمر ثلاثتهم دونه إذ لم يقطع الشهادة وقطعوها )

     

    والخبر مشهور ورد في العديد من كتب السير والتواريخ ولا مطعن عليه والمغيرة وقت حدوث الواقعة كان والياً للبصرة وهو بلا شك آنذاك قد جاوز الأربعين وقارب الخمسين ( على أقل تقدير ) ومع ذلك يقارف تلك الفعلة وعنده ولا شك أربع زوجات خلاف الإماء والجواري وملك اليمين ، فكيف كان حاله وهو شاب قوي في العشرين من عمره ، ولم يراع أنه حاكم المصر وأحد الصحابة الذين يعتبرهم المسلمون قدوة وأسوة !!!

    والذي لا شك فيه أن الخطاب مارس نفوذه كخليفة لدى الشاهد الرابع زياد وأوحى له بالعبارات التي قالها إن المغيرة من صحب محمد وإنه سوف يرجم إذا شهد بذات شهادة الثلاثة الذين سبقوه فوعاها زياد جيداً خاصة وأنه كان عاملاً لعمر على بعض صدقات البصرة أي كان موظفا لدى عمر ؛ فشهد ( = زياد ) شهادة مائعة فأفلت المغيرة من الرجم وأقيم الحد على الشهود الثلاثة وعلى رأسهم أبو بكرة الذي قال في حقه الحسن البصري سيد التابعين ( لم ينزل البصرة من الصحابة ممن سكنها أفضل من عمران بن الحصين وأبي بكرة ) .

    ومن الطريف أن زياداً لقي جزاءه على يد ابن الخطاب نفسه إذ عزله من عمله الذي ذكرناه آنفاً لأن ابن الخطاب قدر أن الذي يلون شهادته لا يصعب عليه أن يغل في الصدقات .

    لقد عز على عمر أن يرجم أحد الصحابة بتهمة الزنا ولكن توقيع الحدود والحكم بالعدل والشرع أولى ليعرف المسلمون جميعهم وغيرهم أن الناس كلهم سواسية أمام الأحكام لا فرق بينهم ، وحتى إذا سلمنا جدلاً أن ما أتاه المغيرة مع أم جميل ( التي لم يعبأ أن زوجها من قبيلته ثقيف ) لا يبلغ حد الزنا ولكنه يشكل أفعالاً عديدة تحرمها الشريعة ، التي أعلنها محمد منها : دخول بيت مسلم في غيابه والخلوة بزوجته ، والتعري في بيته ، وتعرية زوجته والنظر إليها عارية كما ولدتها أمها والالتصاق بها والاستمتاع بها ( دون أن يبلغ حد الجماع ) ...الخ.

    أليست كل هذه مخالفات جسيمة للشرع كانت توجب على ابن الخطاب أن يعزر المغيرة ، لم يفعل عمر شيئاً من ذلك بل على العكس كافأ المغيرة إذ نقله من ولاية البصرة إلى ولاية الكوفة ... !!

     

    هذه هي الواقعة التي اقترفها ابن شعبة :

    صحابي كان يكتب لمحمد أي ملازماً له ومنذ دخوله الإسلام في صلح الحديبية وهو لزيق به ثم يوليه عمر على أحد الأمصار وكان في تلك الأيام في نهاية مرحلة الكهولة وبداية الشيخوخة وتزوج عدداً لا يحصى من الزوجات خلاف ملك اليمين ومع هذا يقدم على ذلك أليس هذا دليلاً ناصعاً على عرامة النزوع للآخر وحدته وشدته لدى أفراد ذلك المجتمع ؟؟

    أما الآخر فهو : عمر بن الخطاب :

    الواقعة التي سنسطرها بعد قليل حدثت من ابن الخطاب وهو خليفة ، إذ كان يشعر بسخط " بني هاشم " لتوليه وأبي بكر من قبله الخلافة وهما من فرعي " تيم وعدى " أقل مقاماً بما لا يقاس في قريش منهم ، فخطب ابنة لعلي من فاطمة بنت محمد ، أراد بذلك أن يضرب عصفورين بحجر واحد أي يحقق هدفين :

     

    أ ـ أن يمتص غضب الهاشميين رهط محمد وأحق الناس بخلافته في ملكه كما صرحوا بذلك مراراً على ألسنة كبرائهم وذلك بأن يصهر إلى على مرشحهم الرئيسي لتولي الخلافة.

    ب ـ أن يمتع نفسه بعد أن صار خليفة وحاكماً على الإمبراطورية الإسلامية التي بدأت تتخلق ملامحها وبعد أن تدفقت الغنائم من البلاد الموطوءة بحد السيف وطفق الصحاب يجنون الثمار الشهية والتي ما كانوا يحلمون بها من غزواتهم وفتوحاتهم . وهناك خبر مشهور " جعل رزقي تحت سيفي أو رمحي " وكانت لعلي " ابنة صغيرة تعد نديدة لحفيدات ابن الخطاب ، والهاشميات وهن من ذؤابة قريش أي أرستقراطيتها كن يتميزن بالجمال الفائق وقد رأينا منذ قليل كيف كانت أم هانيء ( عمة أم كلثوم ) تتبرج لتظهر جمالها حتى خاشنها عمر فشكته لابن عمها محمد ..

     

    وتذكر بيت الشعر الذي يسجل وضاءة الهاشميات :

    " بعيدة مهوى القرط إما ... لنوفل أبوهما وإمال عبد مناف والهاشميات يدخلن تحت دوحة " عبد مناف "

    لقى ابن الخطاب مناوأة من علي وعقيل ( عم البنت ) والحسن والحسين ( شقيقها وحفيدي محمد الأثيرين ) ولكن عمر أخذ يداور ويناور ويضغط واستثمر سلطانه كخليفة وحاكم بأمره وبيده المنع والمنح وأن له تحديد الأنصبة التي تخص كلاً منهم من الغنائم الأسطورية التي تدفقت على يثرب وأدارت رؤوس الصحبة وأولادهم وتلك الغنائم في واقع الأمر هي ناتج عرق الفلاحين والعمال والشغيلة في البلاد التي وطئوها بقوة السلاح . ولم يكتف ابن الخطاب بذلك التلويح أو التلميح بل لجأ إلى " ذهب المعز " فأغرى علياً وبنيه بصداق قدره أربعون ألف درهم في الوقت الذي كان فيه يشجب ظاهرة المغالاة في المهور التي ضربت " المجتمع اليثربي " نتيجة وصول الأموال الوفيرة إلى أيديهم فتغيرت أحوالهم الاقتصادية ولكن العادة جرت على طول التاريخ أن ما يعظ الحاكم به " رعيته " شيء وما يفعله هو وأهل بيته شيء مغاير تماماً فلا بأس أن يقف ابن الخطاب على المنبر ويحث الرعية على أربعين ألف درهم نحلة أي مهراً لابنته الصغيرة الجميلة أم كلثوم !!!

    وأثمرت أساليب ابن الخطاب المتباينة وأفلحت في شل معارضة عقيل والحسن والحسين واستطاع أن يفوز بزواج الطفلة الوضيئة:

     

  4. ( كان عمر قال لعلي : زوجني يا أبا الحسن فإني سمعت رسول الله ص يقول : كل نسب وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري .. فزوجه أم كلثوم.

     

     

  5. وفي رواية : أن عمر بن الخطاب خطب أم كلثوم فقال علي : إنها صغيرة فقال عمر : يا أبا الحسن زوجنيها فإني أرصد من كرامتها مالا يرصدها أحد ، فقال علي أنا أبعثها إليك فإن رضيت فقد زوجتكها فبعثها إليه ببرد وقال لها : قولي له : هذا البرد الذي قلت لك فقالت ذلك لعمر فقال : قولي له قد رضيته رضى الله عنك ، ووضع يده على ساقها فكشفها فقالت له : أتفعل هذا ؟ لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك ثم خرجت حتى جاءت أباها وأخبرته بالخبر وقالت : بعثتني إلى شيخ سوء ! فقال : مهلا ًيا بنية فإنه زوجك )

     

    إن كشف عمر لساق البنت ثابت في عدة مصادر ، منها ما أورده ابن قدامة في موسوعته الفقهية " المغنى " :

    - ( وقد روى عن سعيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر قال : خطب عمر بن الخطاب ابنة علي فذكر منها صغراً فقالوا إنما ردك فعاوده فقال نرسل بها إليك تنظر إليها فكشف عن ساقيها فقالت أرسل ( أي أرخ ثوبي ) لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينك ) .

    في ذلك المجتمع المتوقد بنزعة مخالطة الآخر كان الساق هو ميزان أنوثة المرأة فإن كان خدلجا . دل ذلك على أنهار وعاء ممتاز للمباضعة والمفاخذة والمباطنة...وفي سيرة الصحابي بسر بن أرطأة وكان من شيعة معاوية الأوفياء وفعل بشيعة على الأفاعيل ومن بينها أسر المسلمات وبيعهن جواري في السوق وذلك لأول مرة في تاريخ الإسلام كان المشترون قبل الشراء يكشفون عن ساقي المرأة المسلمة قبل شرائها من أعوان بسر فإن وجدوها ممتلئين أتموا الصفقة وإلا فلا ، لأن امتلاء الساقين كان علامة فارقة في هذا المضمار .

     

    لذا لما أرسل على ابنته أم كلثوم إلى خطيبها ابن الخطاب بادر بمعاينة ساقيها حتى يتأكد من جودة البضاعة أو الصنف ؛ و لما كانت البنت حرة و شريفة فأمها فاطمة بنت محمد ، فقد استنكرت هذا الفعل من الخليفة و صاحت في وجهه " أتفعل هذا ؟ لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك ، وفي رواية " المغنى " : " للطمت عينك " وأسرعت إلى أبيها تشكو الشيخ الذي هو في سن جدها ومع ذلك لم يتورع عن كشف ساقيها !! فأرتبك علي ولم يجد ما يرد به علي سخطها إلا قوله " مهلاً يا بنية إنه زوجك " ليهدئ من ثورته فهي لم تصبح زوجته إذ أين العقد ومتى انعقد وأين الشاهدان والعلانية .. الخ.

    وأحسن الفروض أن أمير المؤمنين كان خاطباً لم يتجاوز بعد مرحلة الخطبة ، وهنا لعل القارئ يسأل :

    هل يجوز للخاطب حسب الشرع الذي حمله محمد إلى الناس أن يكشف عن ساقي مخطوبته ويعاينهما ؟

    وهل يمكن لأي خاطب أن يقتدي بعمر في ذلك باعتباره من النجوم الذين إذا اقتدي بهم المسلم اهتدى ؟ أم هي من خواص عمر وحده دون المسلمين ؟ أم أن عمر اعتمد في ذلك على أنه ممن شهد بدراً وبايع تحت الشجرة فمهما فعل أو تجاوز فإن خطاياه مغفورة له خاصة وأنه من " العشرة المبشرين بالجنة " الذين لا تضرهم البتة أفعالهم ؟

    أياً كان الأمر فإن الواقعتين اللتين صدرتا من اثنين من أكابر الصحابةتقطع بتأكيد ما وثقناه من أن النزوع للآخر لدى أفراد ذلك المجتمع ذكوراً وإناثاً كان دفاقاً ، ولذا فهو وضع الصحابة ذوي الرتب العوالي و "عامة المسلمين " في كفتين متساويتين لأن الأولين في نهاية المطاف ما هم إلا بشر تعتريهم كغيرهم النوازع الطبيعية وأنهم لا يستطيعون الانفلات من إكراهات المجتمع الذي يحيون بين جنباته.

     

    من شدة ذلك الوازع على أعضاء " مجتمع يثرب " أن غطى على بصيرتهم فلم يفرقوا بين ما إذا كان المكان مما يجوز إظهاره فيه أو هل الميقات مناسب لإبدائه أم هل المهمة الموكولة إلى العضو تحتم عليه كتمانه أم لا.

    لم يفرقوا بين ذلك كله بل إنه غلبهم حتى في أشد الأماكن والأوقات قداسة وفي أحرج الظروف وأدقها وأصعبها ... في المعركة ... أو إبان تبليغ رسالة حملها محمد لهم :

     

  6. ( من رواية يحيى بن عبد الله بن الحارث قال : لما دخل رسول الله ص مكة يوم الفتح قال سعد بن عبادة ما رأينا من نساء قريش ما يذكر من الجمال ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم - : هل رأيت بنات أبي أمية بن المغيرة ؟

     

    هل رأيت قريبة ؟ هل رأيت هندا ؟ إنك رأيتهن وقد أصبن بآبائهن.

     

    لم يشغل فتح مكة وهو مرحلة فاصلة في تاريخ فجر الإسلام الصحابي المعروف وأحد زعماء الأنصار وسيد الخزرج سعد بن عبادة أن يرنو ببصره متفحصاً نسوان قريش ثم يصدر حكمه بعد ذلك أنهن لسن على المستوى الذي يذاع عنهن من الجمال والوضاءة ؛ ولكن هذا الحكم لم يرض محمداً القرشي فيرد عليه أنك رأيتهن وهن في حالة حداد على قتلاهن من الآباء والأبناء ويضرب له أمثلة على حسناوات قريش ومنهن هند بنت أبي أمية ، المعروفة بأم سلمة إحدى زوجاته التسع.

     

  7. ( عن عبد الله بن الزبير أنه قال : والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة ) .

     

    والزبير أحد أعضاء " مجلس العشرة المبشرين بالجنة " أو " مجلس شورى محمد " الذي حل محل " ملأ قريش " الذي كان يحكم مدينة القداسة مكة قبل الإسلام وابن عمة محمد وأحد المقربين إليه ولا يقال دفعاً لنظر الزبير إلى خدم هند وصويحباتها أنه كان يريد أن يتأكد هروبهن فكان يكفيه أن يراهن مدبرات موليات ولا حاجة به بعد ذلك إلى تصويب بصره إلى سيقانهن أو خدمهن أو مواضع رباط سراويلهن أو خلاخيلهن ، وكان ذلك في عركة أحد ، إحدى المعارك الهامة في أول الإسلام.

     

  8. ( قال خارجة بن جزي العذري يوم تبوك سمعت رجلا يقول يا رسول الله أيباضع أهل الجنة ؟ )

     

    لم تمنع أهوال معركة تبوك هذا الرجل أن يسأل عن المباضعة في الجنة ، أو لعله يريد أن يطمئن أنه لو استشهد ودخل الجنة هل فيها مباضعة وهل يستمر يباضع الحورية التي ستكون من نصيبه كما يفعل حالياً في الدنيا مع زوجته أو زوجاته الأربع !!

    ألا يقطع هذا الخبر أن مفاخذة النسوان كانت لديهم هاجساً ملحاً يشغل عليهم حواسهم حتى في أحرج الأوقات ؟

    = ( وأردف ( = محمد ) الفضل بن العباس بن عبد الله صلى الله عليه وسلم مرت به ظعن أي نسوان غالباً ما يكن في الهوادج يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل فحول وجهه إلى الشق الآخر فأخذ ينظر فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر )

     

  9. ( عن عبد الله بن عباس قال : كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر )

     

    كان ذلك في حجة الوداع .

     

    وهكذا وفي أقدس المشاعر والأوقات يصر الفضل على أن يبصبص للحاجات ورغم أن محمداً ( ابن عمه ) حول وجهه أكثر من مرة إلى الجهة الأخرى ، إلا أنه يعاود التطلع إليهن.

    وعندما جاءت امرأة خثمعية تقول الروايات إنها حسناء وضيئة إلى محمد تستفتيه في أمور دينها ينتهزها الفضل فرصة فيمعن النظر إليها وترد هي إليه التحية بأحسن منها فتحدق ببصرها فيه ولا يرى محمداً بـُداً من فض هذا الاشتباك البصري فيلفت وجه الفضل إلى الشق الآخر ولكن الأخير مصر على البصبصة

    ويبدو أن الخثمعيات كن آنذاك يتميزن بالملاحة والحسن فهناك خثمعية هي أسماء بنت عميس تعاقب عليها خمسة أزواج من الصحابة من بينهم شقيقان هما جعفر وعلي ابنا أبي طالب والحمزة بن عبد المطلب وأبو بكر بن أبي قحافة. وخبر الفضل والمرأة الخثمعية ورد في جل المصادر التراثية رفيعة الدرجة أي أن التشكيك فيه ضرب من المكابرة ، وهو مثل فاقع على طغيان تلك النزعة نزعة الالتقاء بالآخر من كلا الطرفين وأنها غلابة وقهاره تهيمن على أفراد ذاك المجتمع فتجعلهم يحطمون في طريقهم كل القيم ، فلا قدسية صحبة محمد ولا قدسية المكان ولا قدسية الزمان تقف حائلاً في طريقهم ، ولعل طغيان تلك النزعة لدى أولئك تتضح جلية في الإجابة عن السؤال الآتي : هل يجرؤ مسلم في أيامنا هذه مهما بلغ استهتاره على أن يبصبص إلى النسوان الحاجات في المشاعر المقدسة ؟ وهل تجرؤ حاجة مهما كانت درجة انحلالها - على أن تبادل حاجاً نظرات مشبوبة في يوم عرفة أو في أيام منى !!

     

     

  10. ( عن يحيى بن كثير عن عطاء بن السائب قال : كنا عند عبد الله بن الحارث فقال : أتدرون لمن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - : " من كذب على فليتبوأ مقعده من النار " قال : قلنا : لا ، قال إنما قال ذلك من قبل عبد الله بن أبي جذعة أتى ثقيفاً بالطائف فقال : هذه حلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أتبوأ أي بيوتكم شئت فقالوا : هذه بيوتنا فتبوأ أيها شئت ، فانتظر سواد الليل فقال : أتبوأ أي نسائكم شئت ، فقالوا : إن عهدنا برسول الله صلى الله عليه وسلم يحرم الزنا فسنرسل إليه رسولاً فسار إليه وقدم عليه عند الظهر فقال : يا رسول الله أنا رسول ثقيف إليك إن ابن أبي جذعة أتانا فقال : هذه حلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أتبوأ أي بيوتكم شئت فقلنا هذه بيوتنا فتبوأ أيها شئت فانتظر سواد الليل فقال :

     

    أتبوأ أي نسائكم شئت فقلنا : عهدنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحرم الزنا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً لم أرى أشد منه.

    ثم أرسل رجلين ليقتلاه ويحرقاه بالنار... ثم قال : لا أركما تأتيناه إلا وقد كفيتماه ... فخرج ابن أبي جذعة في ليلة مطيرة ليقضي حاجته فلدغته حية ... فأحرقه الرسولان )

     

    وفي رواية الطبراني في المعجم الكبير :

     

  11. ( فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث رجلاً من الأنصار وقال له :

     

اذهب إلى فلان فاقتله وأحرقه بالنار فانتهى إليه وقد مات وقبض فأمر به فنبش ثم أحرقه بالنار )

هذا الصحابي الذي ائتمنه محمد وأرسله في مهمة وأعطاه حلته كعلامة وهكذا كانوا يفعلون في تلك الأيام يخون الأمانة ويحاول أن يستخدم العلامة لتحقيق غرضه الدنيء ويخبر ثقيفا أن محمداً أباح له نساءهم يختار منهن ما يحلو له ، ولكن الثقيفين كانوا أذكى منه فلم ينخدعوا ، خاصة وأن ما طلبه منهم هو زنا صراح من قبله وديوثة من جانبهم وعهدهم بمحمد أنه يحرم ذلك ويحد فاعله فكيف يأمر به !!

والعقاب الشديد الذي أمر بإنزاله بابن أبي جذعة الذي بلغ حد تحريق رمته كان جزاء وفاقاً.

هكذا كان وصال النسوان ومخالطتهن في ذلك المجتمع ، وتلك كانت هيمنته على أفراده حتى إن أحدهم لا يتورع عن أن ينسب إلى محمد أبشع تهمة وذلك في سبيل تحقيق رغبته.