أيوب

 

 

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج
باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين

 

 

 

 

 

قام الأخ المبارك الدكتور ناجي الفونس بالمشاركة في المقدمة، كما قام الكثير من الأحباء بالكتابة على الكومبيوتر.

 

 

 

الأسفار الشعريَّة والحِكَميَّة

في أسفار موسى الخمسة يكتشف الإنسان رعاية الله القدوس للإنسان، فيشتهي أن يكون مقدسًا كما أنه هو قدوس. لكن لا يوجد إنسان واحد قادر أن يحفظ الشريعة تمامًا، فسقط الكل تحت لعنة الناموس، وصارت الحاجة ماسة إلي مخلصٍ ينقذ النفوس من الفساد.

وفي الأسفار التاريخية يدرك المؤمن خطة الله ضابط التاريخ، والذي يهيئ البشرية لقبول المخلص القادم، والذي بحبه يصير ابنًا لدواد، خاضعًا للزمن الذي خلقه!

والآن في الأسفار الشعريَّة والحكميَّة يتعرف المؤمن على المفهوم الروحي للعبادة. إنها علاقة حب متبادل، مع تقديس كل عاطفة وموهبة ليكون المؤمن بكل كيانه للرب، ويتمتع باقتناء محبوبه السماوي العجيب.  

ففي سفر أيوب يرى وسط جهاده المُر في وادي الألم والدموع كيف يتعدى عالم البشر ليرى قيام معركة بين الله إلهه وبين عدو الخير إبليس لحسابه، تنتهي بسمو المؤمن، وارتفاع قلبه فوق الزمنيات ليرتمي في الحضن الإلهي.

وفي سفر الأمثال يقدم الأب كما الأم لابنهما "سليمان" خبرتهما في الرب بأمثال يمكن أن يحفظها عن ظهر قلب، تصير علامات روحية في طريقة الروحي كما الزمني. هذه الأمثال يحتاج إليها الملك العظيم الممجد كما العامل الفقير البسيط، والمتعلم كما الأمي.

وينشد سفر الجامعة قصيدة تكشف عن حقيقة العالم الحاضر، بكونه "باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح"، لا لكي تفسد سعادة المؤمن، وإنما لكي تجنبه الاتحاد بالباطل فيصير باطلاً، وتدفعه إلي الالتصاق بالحق السماوي ليحيا إلي الأبد.

وجاء سفر ابن سيراخ يكشف عن حياة المؤمن في أمثالٍ، تعتبر امتدادًا وشرحًا لما ورد في سفر الأمثال.

ويصور لنا سفر الحكمة الحاجة إلي الاتحاد مع حكمة الله كما العروس بعريسها، لتكون رفيقًا للمؤمن، فيسلك ببرّ الله، ويأنف من الشرّ ولا يطيقه.

أمّا سفر المزامير فهو سفر المرتل الحلو المتألم، كيف يتحول الألم في حياة المؤمن إلى أنشودة تملأ النفس عذوبة وسلامًا في الرب، وتقديم ذبائح تسبيح موضع سرور الله.

أخيرًا، ففي نشيد الأناشيد ترتفع النفس بروح الله إلي أحضانه الإلهية، لتتنعم بعرسٍ أبديٍ لا يشيخ!

الأسفار الحكمية أو الشعرية

"الحكمة" في العبرية تترجم "مهارة في الحياة"، إذ يتطلع اليهود إلى الحكمة لا كأفكارٍ فلسفيةٍ مجردة، بل إمكانية حياة. لذا فإن "الله" هو مركز الحكمة ومصدرها (أم 7:1). تحوي الأسفار الحكمية الآتي:

1- أمثال شعبية تعين الإنسان على الحياة اليومية المقدسة في الرب.

2- تشبيهات لها معانٍ روحية.

3- مناقشات تعالج مشاكل الحياة.

المسيح حكمتنا الحقيقية

1. الألم هو مدرسة الحكمة أو معركة الحكمة، تتجلى هذه المعركة في سفر أيوب.

v     لتكن آلامك كتبًا تنصحك.

v     يوجد فرح هو أسى، إذ يخفي فيه بؤسًا. ويوجد بؤس نافع، هو ينبوع أفراح العالم الجديد.

مار أفرام السرياني

v     التألم من أجل المسيح هو نعمة، هو عطية النعمة، نعمة مجانية. إذن لا تخجلوا من عطية النعمة، فإنها أكثر عجبًا من قوة إقامة الموتى وصنع العجائب. فإنني بهذه أنا مدين، أما هنا (بالألم) فالمسيح مدين لي. لهذا يليق بنا ليس فقط ألا نخجل، بل نفرح بنوالنا هذه العطية[1].

v     يقيس الله الألم حسب الاحتياج إليه.

v     بيت الحزن يعلم العطف والحكمة.

v     وُلد الحزن والموت من الخطية، وهما يفترسان الخطية.

v     يُعطى الحزن لنا عن قصدٍ، لكي يشفينا من الخطية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     ابن الله تألم ليجعلنا أبناء لله، وابن الإنسان (نحن البشر) يرفض أن يتألم لكي تستمر بنوته لله!

الشهيد كبريانوس

v     بدون تجارب لا يخلص أحد.

القديس أوغريس

2. لا يٌفقد الألم سلام المؤمن ولا فرحه الداخلي، فقد حولت الآلام شخصية داود إلى "مرتل إسرائيل الحلو"، كما يظهر في سفر المزامير.

3. يقدم لنا سليمان الحكيم الحكمة كشخصٍ يرفعنا من الأرض، ليدخل بنا إلى الأحضان الإلهية.

v     ففي سفر الأمثال يؤكد أن بدء الحكمة هي مخافة الرب.

v  إذ يقتني المؤمن مخافة الرب ويدرك أبوة الله الحانية التي تقوده في كل جوانب حياته يصغر العالم جدًا في عينيه، فيرى "باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح". ليس من جديد في العالم، ولا ما يشبع النفس. هذا هو موضوع سفر الجامعة.

v  أخيرًا تصعد النفس على سلم الحكمة لتجد من يشبعها، العريس السماوي، الحكمة الإلهي نفسه، فتتغنى بتسبحة نشيد الأناشيد، تسبحة العرس الأبدي.

هكذا تبدأ الأسفار الحكمية بمعركة الألم والصراع مع عدو الحكمة وتنتهي بأغنية العرس المفرحة. تبدأ بالإعلان عن الحاجة إلى المخلص قائد المعركة ضد إبليس، وواهب الحكمة بلا انقطاع، وتنتهي بأن يحملنا فوق كل أحداث العالم، لندخل في حجال عرسه، ونشاركه أمجاده الأبدية. أنها أسفار مسيانية، مركزها المسيح حكمة الله الأزلي.


 

-

- مقدمة

 

اَلأَصْحَاحُ الثَّانِي وَالْعِشْرُون

- الباب الأول

 

اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ (صمت الله!)

الأصحاح الأول (شهادة الله لأيوب)

 

اَلأَصْحَاحُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ (ألا من محكمة لتقديم التماس!)

الأصحاح الثاني (جولة جديدة)

 

اَلأَصْحَاحُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ (آخر هجوم ضد أيوب)

- الباب الثاني

 

اَلأَصْحَاحُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ (أيوب يؤكد علي عظمة الله)

الأصحاح الثالث (مرثاة أيوب)

 

اَلأَصْحَاحُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ (أيوب يؤكد براءته)

- الباب الثالث

 

اَلأَصْحَاحُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ (الحكمة: من يدركها؟)

الأصحاح الرابع (الحديث الأول لأَلِيفَاز التَّيْمَانِي)

 

اَلأَصْحَاحُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ (الإنسان الصالح كرمزٍ للمسيا)

الأصحاح الخامس (كيف يمكنك أن تطَوَّب؟)

 

اَلأَصْحَاحُ الثَّلاَثُونَ (مرثاة مُرة)

الأصحاح السادس (حاجة المتألم إلى مواساة أصحابه)

 

اَلأَصْحَاحُ الْحَادِي وَالثَّلاَثُونَ (فحص النفس)

الأصحاح السابع (شهوة الموت)

 

- الباب الرابع

الأصحاح الثامن (حكمة القدامى)

 

اَلأَصْحَاحُ الثَّانِي وَالثَّلاَثُونَ (ليتحدث أيضًا الشاب!)

الأصحاح التاسع (الحاجة إلى مُصالح وسيط)

 

اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ وَالثَّلاَثُونَ (الوسيط الواحد!)

الأصحاح العاشر (هل التفكير في المصير هو الحل؟)

 

اَلأَصْحَاحُ الرَّابِعُ وَالثَّلاَثُونَ (الحديث الثاني لأليهو)

الأصحاح الحادي عشر (نظريات وحقائق!)

 

اَلأَصْحَاحُ الْخَامِسُ وَالثَّلاَثُونَ (حديث أليهو الثالث)

اَلأَصْحَاحُ الثَّانِي عَشَر (نظريات وحقائق)

 

اَلأَصْحَاحُ السَّادِسُ وَالثَّلاَثُونَ (حديث أليهو الرابع)

اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ عَشَرَ (عتاب جريء)

 

اَلأَصْحَاحُ السَّابِعُ وَالثَّلاَثُونَ (الله في العاصفة)

اَلأَصْحَاحُ الرَّابِعُ عَشَرَ (حياتنا وقتية)

 

- الباب الخامس

اَلأَصْحَاحُ الْخَامِسُ عَشَرَ (بدء الدورة الثانية)

 

اَلأَصْحَاحُ الثَّامِنُ وَالثَّلاَثُونَ (الخليقة الجامدة)

اَلأَصْحَاحُ السَّادِسُ عَشَرَ (مرثاة مع الرجاء في الوسيط!)

 

اَلأَصْحَاحُ التَّاسِعُ وَالثَّلاَثُونَ (حيوانات البرية والطيور الجارحة)

اَلأَصْحَاحُ السَّابِعُ عَشَرَ (الرجاء في الوسيط الإلهي!)

 

اَلأَصْحَاحُ الأَرْبَعُونَ (هزيمة إبليس "بهيموث" المتشامخ)

اَلأَصْحَاحُ الثَّامِنُ عَشَرَ (صورة مُرَّة للدمار)

 

اَلأَصْحَاحُ الْحَادِي وَالأَرْبَعُونَ (التنين الذي لا يُروض)

اَلأَصْحَاحُ التَّاسِعُ عَشَرَ (هل الله عدوِّي؟)

 

- الباب السادس

اَلأَصْحَاحُ الْعِشْرُونَ (صورة بشعة للشرير)

 

اَلأَصْحَاحُ الثَّانِي وَالأَرْبَعُونَ (عودة أيوب إلى المجد!)

اَلأَصْحَاحُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ (رخاء الأشرار في هذا العالم)

 

 

 

 

مقدمة

في

سفر أيوب

سفر كل عصرٍ

سفر أيوب هو سفر كل عصرٍ، حيث يعالج مشكلة الألم الذي يحتمله الإنسان ولا يفهم ما وراء الشر الذي يضايقه. يقدم لنا هذا السفر نموذجًا لاحتمال الأبرار آلام الجسد في صبرٍٍ. وكما يقول يعقوب الرسول: "خذوا يا إخوتي مثالاً لاحتمال المشقات والأناة... ها نحن نطوب الصابرين. قد سمعتم بصبر أيوب، ورأيتم عاقبة الرب" (يع 5: 10-11). تكشف لنا تجربة أيوب عن طرق معاملات الله مع البشر.

أيوب الأممي

كان أيوب وأصدقاؤه من أبناء الشرق، يعيشون على حدود الجزيرة العربية وبلاد أدوم التي هي أرض الحكماء، في أرض عوص. اسم عوص مشتق من كلمة "يعص"، وتعني بالعربية "يعظ"، وقد اشتهر سكان تلك المنطقة بالكلام والوعظ والحكمة.

ظهر غالبًا في أيام يعقوب، إذ لا نسمع في السفر عن الخروج، كما كان أيوب يقوم بالعمل الكهنوتي عن العائلة، ولا يذكر شيئًا عن العبادة الوثنية سوى عبادة الأملاك السمائية، وهي من أقدم العبادات.

كان بكر ناحور شقيق إبراهيم ويُدعى عوص. واحتفظ نسله بعبادة الله، ودُعي الله إله ناحور (تك 53:31). يرى البعض أنه من نسل إبراهيم لكنه لم يأتِ من نسل إسحق، بل من أبناء قطورة زوجة إبراهيم الذين صرفهم شرقًا إلى بلاد المشرق وبالإجمال لم يكن أيوب إسرائيليًا بل أمميًا، ومع ذلك لم يكن في الأرض نظيره في التقوى. وهكذا أظهر سفر أيوب وجود أشخاص أبرار أمام الله ليسوا من إسرائيل.

v     ليس لأن عيسو قد رُفض دين نسله الخارجون منه، فنرى يعقوب المخادع له أبناء غير مؤمنين، وكان لعيسو أبناء مؤمنون وأعزاء لدى الله. ليس من شك أنه يوجد كثيرون غير مؤمنين من أبناء يعقوب، فإن اليهود جميعهم، سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين يرجع أصلهم إليه، كما يوجد أبناء لعيسو صالحون وأمناء كما يدل على ذلك أيوب كمثال الذي هو من نسل عيسو[2].

الأب إمبروسياستر

معنى اسم أيوب العبراني الأصل لا يُعرف على وجه التحقيق، فالبعض يظن أنه يعني "راجع" أو "تائب"، أيضًا "المُبتلى" أو "المُجَرب" و"الصابر"، وأيضًا "هدف العداوة". يرى البعض أن معناه "مكروه"، لذا يظن بعض الدارسين أنه أخذ هذا اللقب بعد دخوله في التجربة، وتحول أصدقائه إلى مقاومته. ويظن البعض أن هذا الاسم مشتق من "يأب" العبرية ومعناها "محب". وآخرون قالوا إنه من أصل عربي من "آب يؤوب" أي بمعنى "الراجع إلى الله".

يرى البعض - بناء على ما جاء في رسائل تل العمارنة وغيرها من النصوص المصرية والحثية القديمة - أنه كان اسمًا شائعًا في الألف الثانية قبل الميلاد، وأن الصيغة الأصلية للاسم هي "أيّاب" التي قد تعني "أين أبي؟" أو "بلا أب"، أي "يتيم".

جاء في النص السبعيني ملاحظة أن أيوب حسب التقليد هو يوباب الملك الثاني لأدوم، الوارد في تكوين 36: 33.

كيف يبدو سفر أيوب؟

بالرغم من أن سفر أيوب هو من الأسفار الإلهية إلا أنه يحوي حوارًا مستفيضًا بين شخصيات السفر. هذا الحوار ليس هو كلام الله نفسه، لكنه مدون بإلهام من الله. وبعض فقرات من الحوار أظهر الله عدم رضاه عنها كقوله: "من هذا الذي يظلم القضاء بلا معرفة؟" (أي 2:38). ولكن السفر يذكرها كما قيلت لمنفعتنا.

يقدم لنا الكاتب في أسلوبٍ نثريٍ خبر رجل مستقيم (1:1) لا عيب فيه، يتقي الله، ويحيد عن الشر. يعيش وسط أبنائه وذويه حياة سعيدة، سمح الله له بضرباتٍ من الشيطان، فخسر خيراته، ثم فقد بنيه وبناته، وأخيرًا أصابته قروح خبيثة، غير أنه تحمَّل كل هذا خاضعًا لإرادة الله بتواضعٍ: "الرب أعطى، والرب أخذ، فليكن اسم الرب مباركًا" (21:1). أنقبل السعادة من الله ولا نقبل منه الشقاء؟ (راجع 10:2) وكانت النتيجة: في هذا كله لم يخطئ أيوب بشفتيه (10:2).

جاء إلى أيوب ثلاثة أصدقاء يعزونه هم: أليفاز التيماني، وبلدد الشوحي، وصوفر النعماتي. وجلسوا معه على الأرض صامتين سبعة أيام وسبع ليالٍ، بعد هذا فتح أيوب فاه ليكشف عن المرارة التي بداخله. فبدأ حوار بين أيوب وأصدقائه، أكد أيوب أنه بريء، وظل منذهلاً أمام الشرور التي تنصب عليه. أما الأصدقاء فتصرفوا كممثلين مؤتمنين على اللاهوت التقليدي في هذا الوقت، وهو أن الله يعاقب في هذه الحياة الأشرار، ويجازي الأبرار بحسب أعمالهم، فإرسال المصائب دليل على وجود خطيئة سابقة. ويمتد هذا الحوار على ثلاث دورات. يتكلم على التوالي كل من أصدقاء أيوب ويجيبهم أيوب. بعد هذا يدخل أليهو بن يرخئيل البوزي من عشيرة رام ليقدم براهين تبرر تصرف الله في خلائقه. وأخيرًا يظهر الله في العاصفة ووسط جوٍ مهيب، ويستعرض أمام أيوب بعض الخلائق العجيبة وبعض أسرار الكون. ويسأل أيوب:

"أين كنت حينما أسست الأرض؟

هل تعلم من حدد أبعادها؟

هل تعلم من مدّ عليها الخيط (المطمار) ليقيسها؟

إلى أي شيء تستند العواميد؟

من وضع حجر زاويتها؟" [4:38-6]

لم يجد أيوب جوابًا، فاستسلم وركع في التراب والرماد تائبًا نادمًا (6:42). وإن كان أيوب وسط مرارة نفسه تفوَّه بكلماتٍ قاسية، لكنه لم يكف عن أن يلقي بنفسه على الله، وسرعان ما يتأسف على ما صدر منه من كلمات.

عاد أيوب إلى ما كان له من كرامة، وعادت إليه خيراته مضاعفة، وأعطيت له عائلة كبيرة قبل أن يموت شيخًا شبعان الأيام (42: 16).

تساؤلات حول السفر

دراسة أسلوب سفر أيوب على ما هو عليه الآن أثارت العديد من الأسئلة منها:

ما هي العلاقة بين المقدمة والخاتمة النثرية بالحوار الشعري؟

هل أحاديث يهوه جزء أصيل في مكونات السفر، أم يوجد لها أكثر من وثيقة مختلفة؟

هل تلك الأحاديث أصلية في السفر، أم أضيفت إليه بعد ذلك؟

هل أحاديث أليهو أصلية؟

هل أضيفت قصيدة الحكمة؟

هل عدم وجود حديث ثالث لصوفر يعني فقدان ذلك الحديث، أم أنه مقصود؟

أجاب كل دارس على هذه الأسئلة بطريقته الخاصة المختلفة عن الأخرى، حتى أن عدد الآراء التي قيلت في هذا الموضوع يفوق الحصر.

غاية السفر

إن كان سفر إستير يعلن عن عناية الله بشعبه في أرض السبي، فإن أيوب يعلن عن رعايته لرجل أممي، إن صح التعبير، أحب الله، واستحق تسجيل اسمه وسيرته في الكتاب المقدس. كشف أيضًا عن جوانب من سرّ الألم في حياة القديسين، ويوضح الفارق بين تعزيات البشر وتعزيات الله.

يقدم لنا السفر شخصية أيوب كمثالٍ حيٍ للمؤمن الذي يثق في رعاية الله وعنايته بالرغم من عدم معرفته ما وراء الستار. إنه بار في عيني الله، لكنه ليس بدون خطية أو أخطاء.

أوضح القديس أمبروسيوس في كتابه "صلاة أيوب وداود" غاية هذا السفر، فقال:

v     يبرهن كتاب الله المقدس في عدة عبارات أنه لابد للإنسان أن يعاني هنا من اضطراباتٍ في هذه الحياة، كما تُتاح له تعزيات كثيرة أيضًا. وفي وسط تلك الأمور جميعها، فإن روحًا تتسم بالعزيمة القوية واليقظة وإدراك الصواب (الحق) يجب أن تغلب الضيقات الراهنة، وتتطلع إلى تلك الوعود بالفرح الأبدي.

حقًا وبالفعل تفوق التعزيات الضيقات والأتعاب، لأنها تمنح الهدوء والطمأنينة وسط الصعاب الحالية، وتعطي الرجاء في الأمور العتيدة. لهذا يقول بولس الرسول أيضًا: "إن آلام الزمان الحاضر، لا تُقاس بالمجد العتيد" (رو 18:8).

حقًا إنها لا تستحق أن تُقارن بالتعزية. ناهيك عن الحديث عن ثمرة الفداء[3].

v     على هذا الأساس، شهد القديس داود بحقٍ، في كل أعماله، وخصوصًا في المزمور الواحد والأربعين (42) أنه كان يسرع إلى المجد، لأنه قال: "متى أجيء وأتراءى قدام الله؟" (مز 2:42). وقد صوّر في هذا المزمور تصويرًا بليغًا الاضطرابات التي يسببها ضعف الإنسان من جهة، والتعزيات التي من الرب من جهة أخرى. وفيه يصلي أيضًا داود لله عنا، كأن الله نسي عمله الخاص والفيض والوفرة والنعمة التي وهبها للإنسان. فقد هجر الإنسان الذي قرر أن يحميه ويكرمه، وألقى به في الهلاك، ضعيفًا ومحطّمًا بضعفات متنوعة (مز 42: 10-11).

وفعل القديس أيوب نفس الشيء قبل داود، لكن كان الأخير يركز بالأكثر على الدروس الأخلاقية (moral)، أما الأول فبأكثر شدة وعنفًا! لهذا وضعت في قلبي أن أتأمل صلوات كليهما معًا، لأن فيهما تصَّورًا لطبيعة الحياة الإنسانية، ودفاعًا عن قضية الإنسان، ويظهر منهما الوضع المتميز لتلك الطبيعة البشرية. لهذا يجب أن نهتم بهذه الصلوات بالترتيب[4].

القديس أمبروسيوس

v     لنقتدِ الآن بأيوب الفريد في استقامته وتقواه، الذي يحيد عن كل شرٍ، والذي أغار الشيطان مسلكه، وسرعان ما استشرى ضده، فتساقطت السهام كالبرد حتى فرغت جعبته. وتلقاها ذلك البطل دون أن يكبو. لو جمعنا كل محن العالم وويلاته التي يمكن أن تحل بإنسان في حياته من فقرٍ ومرضٍ وموت أبنائه، وانتقام الأعداء، وجحود الأصدقاء والجوع والسخرية والإهانات والافترءات... وصببناها على رأس شخصٍ واحدٍ كما انصبت على رأس أيوب البار لعرفنا قيمته وجَلَدَه[5].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     هذا ما نتعلمه من حالة أيوب. يضع الله القادرين أن يحتملوا التجربة حتى الموت أمام الضعفاء كنموذجٍ لهم[6].

v     يتعلم (الإنسان) الاحتمال من أيوب، هذا الذي ليس فقط عندما بدأت ظروف الحياة أن تنقلب ضده، ففي لحظة اندفع من الغنى إلي الفقر المدقع، ومن كونه أبًا لأبناء فاضلين تحول إلي الثكل (الحرمان من الأبناء)، ومع هذا بقي كما هو، محتفظًا بتدبير نفسه دون أن يتحطم. بل ولم يثر في غضب ضد أصدقائه الذين جاءوا لتعزيته فوطأوا عليه بأقدامهم، فتفاقمت متاعبه[7].

القديس باسيليوس الكبير

v     لست أعرف بأيّ لقب أدعو هذا البار.

هل أدعوه مصارعًا؟ إنه يفوق ذلك، بنواله مثل هذا العدد من الأكاليل!

هل أدعوه صخرة؟ إني أراه أكثر صلابة منها.

هل جنديًا؟ أدرك أنه أكثر قوة في جَلًده.

هل أدعوه برجًا؟ لكنه يقوم في الحكمة؟

هل أدعوه شجرة؟ أراه أكثر سخاء منها.

هل ثمرة؟ يظهر أنه أكثر جمالاً منها.

هل كنزًا؟ يُعرف بأنه أكثر غنى من هذا.

بهذا فإنني لا أجد لقبًا أدعو به هذا القديس[8].

الأب قيصريوس أسقف آرل

v     إني أصعد المنبر لا لأمدح أيوب وحده. يوجد فيكم أيوبون كثيرون أمتدحهم. في كل واحدٍ منكم أيوب جديد، حيث يظهر صبر هذا القديس وبسالته من جديد[9].

القديس أمبروسيوس

v     استخدم الشيطان كل حيله الشريرة ضد أيوب الطوباوي محاولاً أن يفرض عليه شر الخطية، فلم يقطع عنه فقط الاحتياجات الزمنية، بل وحاول أن يُرعبه بكل مصائب الحرمان التي لم تكن متوقعة، كموت أولاده السبعة (وبناته الثلاث)، وإصابته بقروح مميتة، وعذابات لا تُطاق من رأسه حتى أخمص قدميه، لكن أيوب بقيَ في هذا كله ثابتًا غير مجدِّفٍ[10].

v     صبر أيوب وانتفاعه بالتجارب التي بها ازداد صلاحًا لم ينتفع به الشيطان، بل أيوب وحده لأنه احتمل بصبر[11].

v     فإننا نقرأ عن المكافأة التي نالها الطوباوي أيوب، والذي تُوج بالنصرة من الناحية اليمينية، لأنه إذ كان أبًا لسبعة بنين (وبناته الثلاث) وكان غنيًا وصاحب ثروة طائلة، كان يقدم كل يومٍ ذبائح لله لأجل تطهيرهم، وذلك لشغفه أن يكونوا مقبولين وأعزاء لدى الله أكثر منه. وكان يفتح بابه لكل غريبٍ إذ كان: "عيونًا للعمي وأرجلاً للعُرج" (أي 15:29)، وكسا أكتاف التعابى بصوف غنمه. وكان أبًا للأيتام وزوجًا للأرامل، ولم يكن يفرح قط لسقوط عدوٍ له. وقد بقي نفس الرجل في حياة الفضيلة بصورة أعظم عندما انتصر على المصائب من الناحية اليسارية، عندما أُخِذ منه أولاده السبعة (وثلاثة بنات) في لحظة، فإنه كأب لم يتغلب عليه الحزن المرّ، بل كخادمٍ حقيقي لله ابتهج بإرادة خالقه.

وإذ صار فقيرًا بعدما كان صاحب ثروة، ومُعدمًا بعد أن كان غنيًا، وهزيلاً بعدما كان قويًا، ومؤدبًا ومرذولاً بعدما كان مشهورًا وصاحب شرف، في كل هذا احتفظ بثبات عقلة من غير أي اضطراب.

وأخيرًا إذ تجرد من كل شيء جلس وسط الرماد وكان يحُك جسده بسبب ما أصابه، زافرًا بتنهدات حارة، ومع هذا لم يسقط في اليأس ولا جدف أو تذمر على خالقه[12].

الأب ثيؤدور

سمات السفر

بالإضافة إلى أنه سفر مُوحى به، فإنه أحد القطع الأدبية الرائعة في العالم[13]. بجانب ما حمله السفر من حقائق علمية اكتشفت حديثًا، فهو قطعة شعرية رائعة من أعظم ما عرفه الأدب القديم والحديث، يتذوقها من يقرأه في لغته الأصلية. كقصة متماسكة متصلة تتوفر فيها كل عناصر الحبكة القصصية وانسجام الشخصيات مع سياق القصة، وكلها دلائل على الفن القصصي الرفيع.

1. يكمن مفتاح السفر في الآيات ١: ٩-١١؛ ٢: ٤-٥، حيث يرى الشيطان أن الإنسان يخدم الله من أجل هباته. فإن نُزعت عنه هذه الهبات وحلت به الضيقات، يعطي الإنسان القفا لله.

2. من أبرز ما قدمه السفر الكشف عن مفهوم العقيدة الإيمانية. فقد كان الأصدقاء الثلاثة فلاسفة، علماء لاهوت، أصحاب معرفة، متدينين، يجيدون معرفة صفات الله، خاصة العدل الإلهي، لكن معرفتهم نظرية عقلانية، قدموا حقائق لاهوتية أكثرها صادقة وهامة، لكنهم لم يتمتعوا بالحقائق والأسرار الإلهية كحياة يتمتعون بها في سلوكم اليومي. جاءت عقائدهم جافة بلا روح، بل ومدمرة لهم ولمن حولهم.

3. طابع السفر ولغته وما ورد فيه من عادات وأفكار تكشف عن قِدَمْ السفر. طول عمر أيوب يكشف عن أنه ينتمي إلى عصر الآباء قبل موسى النبي. لا يشير إلى النظام اللاوي للذبائح والكهنوت، ولا عن وجود أمة إسرائيل. هذا كله جعل أغلب الدارسين يعتقدون أنه أقدم أسفار الكتاب المقدس.

4. الله محب للحوار: يقدم لنا سفر أيوب صورة رائعة عن معاملات الله مع خليقته. فمع أنه الله القدير، خالق السماء والأرض، لكنه يقدس حرية الإرادة. أعطى حتى للشيطان المقاوم والمُفتري والمُضل فرصته للحوار بكل حرية، ومع شهادة الله لعبده البار أيوب استمع لاتهام الشيطان ضده بطول أناةٍ حتى يكتشف المضل نفسه برّ أيوب. مع ما حمله حواره مع الله من لوم لله أحيانًا، إلا أن الله يعمل في القلب المفتوح الصريح.

يظهر الله في هذا السفر، سواء في حواره مع الشيطان، أو مع أيوب أنه محب للحوار، وليس لإصدار أوامرٍ ونواهٍ لكي تُنفذ إلزامًا دون اعتراض. إنه أب يعلمنا كيف نتعامل حتى مع مقاومينا، نستمع بطول أناة لأولادنا ومرؤوسينا والمقاومين لنا، ونعطيهم فرصتهم للتعبير عن أنفسهم.

5. الله قريب من أولاده، خاصة وهم في أتون التجارب، سواء خلال أعماله الظاهرة أو الخفية. إنه يخفي أحيانًا عن الأعين حضرته في وسط أولاده حتى يزكيهم في إيمانهم. الله ليس مصدر الألم والشقاء والضيق، لكنه يسمح به، لتزكية قديسيه.

v     أيها الأحباء، هل التجربة صعبة؟ دعونا نحتمل المصاعب، لأنه ليس أحد يتجنب الرماح وتراب المعركة يفوز بالإكليل. هل العدو يخدعكم، وحربه بلا فائدة؟...

هذه التجارب ضعيفة، لأن الرب قد مزج شرهم بالضعف. لكن دعونا نحذر من صراخنا بصوت عالٍ بسبب ألمٍ قليلٍ. إننا بهذا نكون مدانين. إذ تحرمون أنفسكم من المكافأة الأبدية التي تُعطى للأبرار.

أنتم أبناء الذين اعترفوا بالمسيح. أنتم أبناء الشهداء. لقد قاوموا حتى الدم ضد الخطية. لذلك اجعلوا أمثلة من هؤلاء قريبة وعزيزة لديكم لتصبحوا شجعان لأجل مسيحيتكم.

ليس فينا من يُنزع جلده من جسده... لم يعانِ أحد منا من مصادرة مسكنه... لم نُسق إلي المنفى، لم نسجن... إذن ما هو حجم المعاناة التي تكبدناها؟... حقيقة ربما نعتبر مصدر ألمنا هو أننا لم نعانِ شيئًا. وأننا غير مستحقين لآلام المسيح[14].

القديس باسيليوس الكبير

v     كرب هو الطريق الذي يدخل بنا إلى الحياة، وضيّق أيضًا، لكن المكافأة رائعة وعظيمة إذ ندخله في مجدٍ![15]

القدّيس كبريانوس

6. تقدم لنا هذه القصيدة الشعرية في عبارات واضحة الحقائق الخمس:

أ- فكرة عن علم اللاهوت البدائي: تم البحث في هذا السفر بغاية الوضوح والإسهاب والوقار والفصاحة الروحية عن وجود الله، وصفاته المجيدة وكمالاته، وحكمته التي لا تُوصف، وقدرته التي لا تُقاوم، ومجده الذي لا يُدرك، وعدله الذي لا يُلغى، وعظمته التي لا يُعبر عنها.

ب- يقدم لنا عينة من تقوى بعض الأممين، فأيوب لم يكن من شعب الله الخاص، لم يكن إسرائيليًا، ولا دخيلاً على إسرائيل، ومع ذلك لم يكن هناك نظير له في التقوى.

ج- يقدم لنا تفسيرًا للمشكلتين الغامضتين، وهما نجاح الأشرار أحيانًا ونكبات الأبرار. يطمئننا القدّيس أغسطينوس أنه وإن وُجدت الحنطة مختلطة بالتبن هنا، لكن هذا لن يؤذي الحنطة ولا يفقدها إكليلها، فسيأتي الوقت المعين لعزلها عن التبن، حيث يُحرق التبن في النار: [هذا التبن لا يُهلك من هم حنطة الرب، والذين هم قليلون إن قورنوا بالآخرين، لكنهم هم جمع عظيم. لا يهلك مختارو الله الذين يُجمعون من أقاصي العالم، من أربعة رياح، من أقصى السماء إلى أقصاها (مت 24: 31). ويصرخ المختارون قائلين: "خلِّص يا رب، لأنه قد انقرض التقي، لأنه قد انقطع الأمناء من بني البشر" (مز 12: 1). فيقول لهم الرب: "من يصبر إلى المنتهى (حيث يُقيد الشرّ) فهذا يخلُص" (مت 24: 13)[16].]

د- يقدم لنا مثالاً عظيمًا للصبر والاتصال الوثيق بالله وسط النكبات الشديدة.

هـ- يقدم لنا رمزًا للسيد المسيح، وبصفة عامة نقول إن أيوب كابد الآلام الشديدة، وأخلى نفسه وتواضع، من أجل هذا نال مجدًا عظيمًا. وهكذا وضع المسيح نفسه لكي نرتفع نحن. قال القديس جيروم إن أيوب كان رمزًا للمسيح، الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب (عب 2:12) واضطهده الناس والشيطان وقتيًا، وبدا أيضًا كأن الله قد تركه. لكنه قام من الأموات أخيرًا، لكي يشفع حتى من أجل خاصته الذين أضافوا ضيقًا على ضيقاته.

7. كمال أيوب: كان القديس يوحنا الذهبي الفم أسيرًا لشخصيتين من الكتاب المقدس، يعشقهما، حتى متى أشار إلى إحداهما لا يقدر أن يكمل ما كان يكتبه أو يتحدث عنه، بل يسترسل في الحديث عن هذه الشخصية العجيبة ليعود بعد فترة معتذرًا أنه قد ابتعد عن موضوع كتابته أو حديثه. هاتان الشخصيتان هما أيوب البار من العهد القديم، وبولس الرسول من العهد الجديد!

كان أيوب كاملاً في فضائله. تعني كلمة "كامل" في لغة السفر مستقيمًا، أو يسير على خط مستقيم، وليس فيه غش أو دوران. كان مستقيمًا في سائر معاملاته، أمينًا في وعوده، ليس قدام الناس فحسب، بل وأمام الله الذي يشهد لكماله. وسرّ كمال أيوب واستقامته هو أنه يتقي الله ويحيد عن الشر. ذُكر في الكتاب المقدس ضمن ثلاثة رجال مباركين هم: نوح ودانيال وأيوب )حز 14: 14-20).

لقد كرّر القدّيس أغسطينوس في مواضع كثيرة قول القدّيس أمبروسيوس: [ليس أحد في العالم بلا خطيّة[17].] لكننا مدعوون لنكون قديسين كاملين بشركتنا الحية العملية مع يسوع المسيح ربنا.

v     ليس من يدعو نفسه قديسًا هو قديس، بل ذاك الذي يؤمن بالرب يسوع، ويعيش حسب تعليمه[18].

ثيؤدوروت أسقف قورش

v     كل مؤمن هو قديس بالرغم من كونه إنسانًا يعيش في العالم، إذ يقول (الرسول) "لأن الرجل غير المؤمن مقدس في المرأة، والمرأة غير المؤمنة مقدسة في الرجل" (١ كو ٧: ١٤). أنظر كيف يقيم الإيمان القداسة؟ فإن رأينا علمانيًا (واحدًا من الشعب) في ضيقة يلزمنا أن نمد يدنا إليه، فلا نكون غيورين تجاه سكان الجبال وحدهم، فإن هؤلاء بحق هم قديسون في سلوكهم كما بالإيمان، أما الأولون فقديسون بإيمانهم والكثير منهم بالسلوك أيضًا. إذن ليتنا لا نذهب إلى راهبٍ ملقى في السجن، بينما نمتنع عن الذهاب إلى واحدٍ من الشعب. فالأخير قديس وأخ[19].

v     هو نفسه جعلنا قدّيسين، لكنّنا مدعوّون أن نبقى قدّيسين. القدّيس هو من يحيا في الإيمان، ويسلك حياة بلا لوم[20].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

8. أيوب والبرّ الذاتي: يرى البعض أنه لم تكن توجد خطورة من كمال أيوب وقداسته سوى معرفته بكماله، وقد ملأت أفكار البرّ الذاتي حياة أيوب ولازمته طويلاً. من هنا استطاع المجرب أن يجد فيه مكانًا ليشتكي عليه، مما جعل الله يقبل طلب إبليس ويتركه ليجرب أيوب!

ولم يكن هذا الكلام تجنيًا على أيوب البار، بل يظهر من تصرفاته وأقواله صدق هذا الكلام. فمنذ البداية يذكر الكتاب المقدس عن أيوب أنه قدم ذبائح عن بنيه قائلاً ربما أخطأوا، أو هم يحتاجون إلى ذبائح دونه، لأنه اعتبر نفسه غير محتاج مثلهم. ونراه يقول عن نفسه: "كامل أنا، لا أبالي بنفسي، رذلت صباي". وفي الحقيقة كان أيوب يتطلع إلى برّه في وسط جيلٍ معوجٍ ضالٍ، ولكن حين رأى الله أخيرًا عرف حقيقة نفسه حيث يضع نفسه في التراب والرماد.

تمسك أيوب ببرِّه كنبي في العهد القديم يحمل إلينا رمزًا ولو ضئيلاً لكمال السيد المسيح الذي وحده بلا خطية.

v     الله وحده هو البارّ والذي يبرّر، يهب الإنسان البرّ.

إنهم يطلبون أن يُثبتوا برّ أنفسهم، بمعنى أنهم يظنّون بأن الصلاح هو من عندهم لا عطيّة إلهية. بهذا "لم يخضعوا لبرّ الله" (رو 10: 3)، لأنهم متكبرون ويحسبون أنهم قادرون على إرضاء الله بذواتهم لا بما لله[21].

القدّيس أغسطينوس

9. كانت الحياة تبدو سهلة أمام أيوب، هينة مبهجة، يعيش في الفردوس دون أن يدخل مطلقًا إلى بستان جثسيماني، كأنه ينصب لنفسه خيمة على جبل التجلي! كان كمن يعيش إلى جوار شجرة الحياة، ولم يتعود حمل الصليب بعد. كان من الذين يريدون أن يدخلوا إلى ملكوت الله من الباب الواسع والطريق الرحب، ولقد أراد الله له أن يجرب الطريق الضيق، والصليب والجلجثة، يجرب الأحزان والضيقات ليأخذ بركة الضيقات.

10. لم يقدر أصدقاء أيوب أن يعزوه للأسباب التالية:

أ- لم يأتوا ليعزوه بل ليدينوه.

ب- لم يدركوا معنى التجارب ولم يختبروها.

ج- كلماتهم بشرية، وليست من الله.

11. اتجاهات أصدقاء أيوب:

أ- سار أليفاز في أقواله طريق الاختبار الشخصي (أي 28:41).

ب- انقاد بلدد بالعنف والشدة نحو التقليد البشري وحجة القدامى (أي 8:8).

ج- تبع صوفر طريق الناموس القديم الحرفي (أي 14:11-15).

د- أليهو: روحاني، وهو رمز الوسيط الإلهي.

12. يوبخ الله أيوب، قائلاً له: "من هذا الذي يظلم القضاء بلا معرفة؟" (أي 1:38). هنا يعاتب الله أيوب لكونه يتظلم على قضاء الله، وكأنه يريد أن يقول لأيوب.

* أه يا أيوب لو كان لديك معرفة بأسرار الكون والخلائق غير المنظورة، لما شكوت من قضائي.

* إنني يا أيوب أريد أن أخرس الشيطان المدعي عليك لكي تدخل معي إلى الأبدية وأنت مُزكى، لا يسيطر شيطان عليك.

* كل ما نزعه الشيطان في حقده وحسده سأرده لك مضاعفًا، فهل هذا قضاء ظالم؟

ما يعوق عمل روح الله فينا، هو إننا نريد أن نفرض عليه مشيئتنا، ولا نريد أن نخضع نحن لمشيئته. ليتنا نتعلم أن نعيش في روعة التسليم للمشيئة الإلهية.

v     "المجد لله في كل شيء". فإني لن أكف عن القول بهذا مهما حلّ بي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     لا يحدث شيء بدون الله: نحن نعلم ذلك من مصادر كثيرة. كل من يتحقق أن الله هو العقل والحكمة والصلاح الكامل والحق، وأنه لا يسمح بشيء ليس صالحًا وبه الحق الذي له. لهذا فإن من يتحقق هذا يدرك أن تدابير الله ليس فيها عنصر المصادفة أو التشويش... إنها تناسبنا، ونعرف أن هذه الأمور تحدث للأفضل.

القديس غريغوريوس النيسي

13. لن ييأس إبليس من مقاومة الله في أولاده، لكن قدر ما يثابر على مقاومتهم يمتلئ كأس شره، وتكمل هزيمته، وتتحول مقاومته إلى بركات لأولاد الله.

v     ما يقوله سفر أيوب عنه هو مخيف ومرعب (أي 40: 18؛ 41: 7). جنباه نحاس، وظهره حديد مسبوك، أحشاؤه من حجارة صنفرة. هذا وأكثر منه يقول عنه الكتاب المقدس. هذا هو قائد الفرق الشيطانية العظيم والقدير. ولكن ماذا يدعوه صاحب القوة الحق والفريد؟ إنه "ثعلب صغير!" (نش 2: 15). كل الذين مع الشيطان، قواته بكاملها هي موضع سخرية. الله يدعوهم بذات الاسم "الثعالب الصغيرة" ويحث الصيادين ضدهم[22].

القديس غريغوريوس النيسي

v     لا تخافوا مطلقًا تهديدات الشيطان، فإنّه مشلول كأعصاب ميّت[23].

هرماس

الإطار الذي دُون فيه سفر أيوب وقيمته

قصة أيوب إحدى القصص الأدبية العظيمة في الأدب العبري، ولعل هذا ما ساعد على أن يكون لها مثل هذا الانتشار الواسع في كل العالم. عالج السفر مشكلة طالما تئن منها الشعوب عبر الأجيال، وهي:

أ- التعليم التقليدي عن المجازاة الإلهية: في العهد القديم نرى الله يتعامل مع الشعب، لكنه لا يتجاهل الفرد. فتحدث إرميا (29:31–30) وحزقيال (12:14–1:18) عن مسئولية الإنسان الشخصية والمجازاة الإلهية سواء كانت مكافأة لأعمال خيرة، أو عقابًا لأعمال شريرة حسب التصرف الشخصي. قال حزقيال بلسان الرب: الإنسان الذي يخطئ هو الذي يموت (حز 2:15–4)، واستند هذا التعليم إلى أسس ثابتة، فأعلن أن الله العادل (إر 10:17؛ مز 7:36)، يجازي كل واحدٍ حسب أعماله (أم 3:24). لكن عدالة الله هذه تتم على الأرض، لأن الشعب العبراني لم يكن يؤمن بعد بوضوح بقيامة الموتى وخلود النفس، لم يكن ينشغل بحياة ثانية بعد الموت. وبما أنهم لا يهتمون بعدالة الله في العالم الآخر،  يرون ضرورة أن تتم على هذه الأرض، والرب يعطي الإنسان أجرته في هذه الدنيا، يجعل البار سعيدًا والشرير شقيًا.

ب- الاختبار اليومي يكذب هذه النظرية: يوجد صديقون يصيبهم ما يليق بعمل الأشرار، ويوجد أشرار يصيبهم ما يليق بعمل الصديقين. من جانبٍ آخر يقول سفر الجامعة (9 :2-3) كل الناس لهم مصير واحد، البار والشرير.

يتشكك المؤمنون حينما يرون الأشرار في أمان، لهذا توسل الحكماء إلى الأبرار بأن لا يتمثلوا بالأشرار ولا يسيروا في طرقهم (أم 31:3، 17:23 مز 1:37). قال الحكماء بأن للألم مكانة في خطة الله، وهو يساعد على التكفير عن خطايانا، وأن المحنة ليست عقابًا من الله، بل هي نعمة من لدنه، وهو يؤدب الأبناء الذين يحبهم (أم 11:3-12). تعطي المحنة قوة ونقاوة، تشبه النار التي تنقي الذهب. بهذا يطمئن البار بأنه سيخرج من المحنة وتعود إليه السعادة مضاعفة، أما الشرير فلن يفلت من العقاب (مز 21:11)، وإن نسله سيصيبه الشقاء.

حاول الحكماء أن يدافعوا عن عدالة الله، ويؤكدوا للمؤمنين أنهم هم الرابحون في النهاية، ولكنهم نسوا الواقع اليومي. فجاء سفر أيوب يفتح عيونهم على ما يصيب الناس في هذا العالم، ويفتح قلوبهم إلى الإيمان بإلهٍ يريد أن يرفعنا على مستوى العطاء المجاني إلى مستوى الإيمان المطلق الذي يسير على هُدى كلمة الله بالرغم من الظلام المحيط به.

آلام أيوب التي نتجت عن ادعاءات الشيطان ضد تقوى أيوب وعن الإذن الإلهي بذلك تثبت أنها ليست برهانًا على لعنة القضاء الإلهي على أيوب، كما حاول أصحابه أن يثبتوا. إنما هي برهان على الثقة الإلهية فيه، وتحدي الرب للشيطان، ليثبت له برّ أيوب. فسفر أيوب تفسير بليغ لعدم كفاءة العقل البشري على الإجابة على الأسئلة البشرية، فظهور الأصدقاء لنصح أيوب يؤدي إلى الجدال والأمل الكاذب واليأس، بينما ظهور الله يؤدي إلى الخضوع والإيمان والشجاعة. كلمة الإنسان عاجزة عن اختراق ظلمة عقل أيوب، أما كلمة الله فتجلب النور الدائم. ويتطلع سفر أيوب إلى السيد المسيح، فتُثار المشاكل وتُسمع أنات التوجع، وهذه كلها يستطيع ربنا يسوع وحده أن يعالجها. في القلب البشري فراغ لا يستطيع إلا ربنا يسوع المسيح وحده أن يملأه.

كاتب السفر وتاريخ كتابته

غير معروف على وجه التحقيق اسم كاتب هذا السفر. فيما يلي بعض الآراء:

1. يرى البعض أن هذا السفر سُجل في نفس عصر الحدث نفسه بواسطة أيوب نفسه، أو أليهو أحد أصدقائه الأربعة.

2. يرى كثير من الآباء أن موسى النبي كتبه وهو في مديان لتعزية الشعب الساقط تحت العبودية، وليثقوا في عمل الله معهم. ويميل الربيون إلي نسب السفر إلي موسى النبي. وكان رئيس الكهنة يقرأ سفر أيوب للتعزية قبل يوم كبير[24].

3. يرى البعض أن أليهو هو كاتب المناقشات، وأن موسى النبي كتب الأصحاحين الأولين والأصحاح الأخير، إذ دُعي الله "يهوه" في هذه الأصحاحات الثلاثة، ولم يُذكر إلا مرة واحد في المناقشات (أي 12: 9)، وهو الاسم الذي لم يعرفه الآباء الأولون قبل موسى (خر 6: 3). إذ كان الله يعرف بالقدير (شاداي)، وقد ذكر في السفر أكثر من ثلاثين مرة.

واضح أن السفر كُتب قبل موسى النبي، حيث لم يشر إلى خروج إسرائيل من مصر حيث خلصهم الله من مرارة عبودية فرعون، ولا أشار إلى الناموس.

لم يُوجه السفر إلى شعبٍ معينٍ، لكنه وُجد بين أسفار العهد القديم، مُوحى به من الله. يعتقد البعض أنه كُتب للشعب اليهودي كدرسٍ لهم عن عناية الله الفائقة لمحبيه وسط آلامهم وتجاربهم، غير أن طابع السفر جامعي، يحدث كل إنسان في البشرية دون تقيدٍ بجنسٍ معينٍ. إنه كتاب كل عصر لكل إنسان وكل أمة، تحتاج إليه كل البشرية في كل حين لتتلمس خطة الله من نحو الإنسان، ورعايته له.

4. يرى البعض أن الكاتب هو أحد العبرانيين الملمين بآداب بلادهم، وهو شاعر عبقري ومفكر عميق، انفتح على سرّ الله، وارتبط بمثالٍ أخلاقيٍ سامٍ، وأحس بشقاء الناس وبالضيق الذي يعيشون فيه.

5. سُجل في عصر سليمان؛ أخذ بهذا لوثر و Franz Delitzsch وآخرون. يستحسن بعض الدارسين هذا الرأي، لأن سليمان الحكيم كان مهتمًا بمعالجة المشاكل الواقعية في الحياة، وأن سفر الأمثال إلى حدٍ ما حمل ذات الفكر الذي لسفر أيوب. كل من السفرين يهتم بالحكمة كأمرٍ جوهريٍ وحيويٍ في حياة المؤمن. هذا وإن كان سليمان نفسه أو أحد معاصريه قد سجل السفر، فهذا يتفق مع انفتاح شخصية سليمان على الشعوب والأمم الأخرى.

6. كاتب السفر هو إشعياء أو حزقيا أو باروخ صديق إرميا. ويرى البعض أنه سُجل في وقت السبي، إما قبله مباشرة أو بعده، ربما في أيام حكم منسى. يعتمد أصحاب هذا الرأي على أن السفر جاء نتيجة تشكك البعض في عناية الله الذي سمح لإسرائيل بالهزيمة وحدوث كوارث على نطاقٍ واسعٍ. لكن بعض الدارسين رفضوا هذا، لأن السفر لم يعالج مشكلة الألم أو الكوارث على مستوى الجماعة أو الشعب، إنما على مستوى الفرد. ولأن ما حواه السفر سواء من جهة النظرة إلى الله أو إلى السلوكيات ليس أكثر تقدمًا مما كان للذين في عهد سليمان. يرى البعض أن سمو شخصية أيوب يمكن مقارنتها بشخصية ملكي صادق الذي التقى معه إبراهيم.

7. للأسف يعتقد بعض النقاد أن سفر أيوب هذا لم يُكتب بيدٍ واحدةٍ بل شكلت المقدمة (1:1-13:2) والخاتمة (7:42-17) خبرًا فولكلوريا يتحدث عن سمو رجل عاش في أرض عوص، فاشتهر في الشرق، وتنقل هذا الخبر على ألسنة الحكماء في الألف الثاني ووصل إلى أرض كنعان في أيام صموئيل وداود وسليمان، أي في القرنين الحادي عشر والعاشر ق.م، أي قبل السبي. ولما حلت الكارثة بأورشليم سنة 587 ق.م خسر بنو يهوذا كل شيءٍ، فدفعهم الضياع الذي وقعوا فيه إلى التساؤل عن معنى وجودهم وعن صحة إيمانهم ببرّ الله وقداسته وعدله. فعاد أحد شعراء الفوج الثاني فوضع قصيدة (1:3–31 – 40؛ 10:38– 6:42) وطبعها بالطابع النبوي. قدم لنا بطلاً يتألم، ولا يعرف لماذا يتألم، وأصدقاء ثلاثة تجادلوا معه في معنى الوجود، وفي حقوق الإنسان تجاه عدالة البشر وعدالة الله (35:31 – 37). وبعد هذا جاء تلميذ لكاتب سفر أيوب فزاد خطبه أليهو (1:23– 34:37) ليدافع أيضًا عن الله، ويبني قيمة الألم الذي يؤدب الإنسان.

كان هناك أناس يحسون بالمرارة (مرا 15:3) والغضب تجاه إله لم يفِ بمواعيده، فسُرد لهم خبر أيوب الذي تألم كما تألم بنو يهوذا. كان الشعب يعتبر أن له حقوقًا على الله، فأعلن سفر أيوب أن الله ليس تاجرًا نعطيه فيعطينا، لأن الإيمان الحقيقي يعلمنا المجانية.

أيوب في أدب الحاخامات[25]Rabbinical Literature

لم يكن سفر أيوب من الأسفار المقرر قراءتها قراءة عامة في المجامع اليهودية، مثل أسفار موسى الخمسة والأنبياء، أو في المناسبات الدينية في الأعياد مثل كتب "الميجلوت" (الدرج) الخمسة، وهي: نشيد الأناشيد وراعوث ومراثي إرميا والجامعة وإستير. لكنه كان كتابًا للقراءة الخاصة، فهو كتاب يعالج موضوعًا عميقًا يروق للطبقات المثقفة الواعية.

نظرًا لأهمية سفر أيوب اهتم التلموديون Talmudists اهتمامًا زائدًا بالشخصية الرئيسية للسفر. كل الحاخامات باستثناء اثنين فقط يؤكدون أن أيوب شخصية تاريخية واقعية، وإن كانوا قد اختلفوا في تحديد الزمن الذي عاش فيه كما اختلفوا في تحديد جنسيته.

1. يرى بار كابارا Bar Kappara  أن أيوب عاش في عصر إبراهيم.

2. يرى أبا كاهانا Abba Kahana أنه عاش في أيام يعقوب، وأنه تزوج دينة ابنته.

3. ر. ليفي R. Levi قال بأنه عاش في أيام أبناء يعقوب، كما قال على لسان يوسي هالافتا Yose b. Halafta أن أيوب وُلد أثناء ذهاب يعقوب إلي مصر، وأنه مات عند خروج إسرائيل من مصر.

يرى البعض أن ما حلّ بأيوب علته أن فرعون طلب المشورة من يثرون وبلعام وأيوب كيف يعمل على تقليل عدد شعب إسرائيل، وقد ضُرب أيوب بالضيقات لأنه وقف صامتًا. وردت هذه القصة في سفر ياشر Sefer ha-Yashar [26]، إذ جاء فيه الآتي: كان أيوب أحد خصيان فرعون ومشيريه الذي أشاروا إليه بقتل الأطفال الذكور (خـر 1: 16). وإذ رأى فرعون في حلم ينذر بميلاد مُعِينْ helper عندئذ عاد يطلب مشورة أيوب من جديد، فأجابه بطريقة غامضة: "ليفعل الملك ما يسره[27]". يرى البعض أن موسى النبي التقى بأيوب أثناء تجواله في البرية قبل ذهابه إلى مصر لينقذ الشعب من عبودية فرعون.

4. يرى Levi b. Lahama ليفي ب. لاهاما أن أيوب عاش في أيام موسى الذي قام بكتابة السفر. يرى بعض الحاخامات أن أيوب كان أحد خدام فرعون الذي كان يهاب كلمة الله (خر 9: 20).

5. يرى راباRaba  أن أيوب عاش في أيام الجواسيس الذي أرسلهم موسى لفحص أرض كنعان. وكان أيوب أمميًا تقيًا، أحد أنبياء الأمم.

6. يرى بعض الحاخامات أيوب إسرائيليًا، ويرى البعض أنه أحد العائدين من السبي.

أيوب قصة تاريخية واقعية

يظن البعض أنه من الصعب أن نقطع بما إذا كان أيوب شخصية حقيقية أم لا، ولكن لا بد من وجود أساس واقعي للقصة، جعل لها كل هذه القوة والتأثير، فأيوب يعيش في قلوب الناس - وإن تكن لها صورة الأسطورة - لا يمكن إلا أن تكون شخصية حقيقية، وليس من طبيعة الكتّاب العبرانيين أن يستوحوا أبطال قصصهم من محض الخيال، بل يبنوها دائمًا على أسس صحيحة من الواقع.

1. حدد الموضع الذي كان فيه أيوب وهو عوص، وسنتحدث عن هذا الموقع في الأصحاح الأول.

2. حدد شخصيات أصدقائه: أليفاز من نسل عيسو ( تك 36: 11)، وبلدد من نسل إبراهيم وقطورة ( تك 25: 2)، وصوفر من مكان لم يحدد. وأليهو من نسل ناحور، أخ إبراهيم ( تك 22: 21).

3. أما الحوار بين الله والشيطان، فقد تعرف عليه الكاتب خلال إعلانٍ إلهيٍ، كما في كثير من أسفار الأنبياء.

أيوب والأسفار المقدسة

مع عدم محبة بعض اليهود لشخصية أيوب، لأنه ليس من رعوية إسرائيل، إلا أنهم كأمناء على كلمة الله احتفظوا به كسفرٍ مقدسٍ، كُتب بوحي الروح القدس. أشار إليه يعقوب الرسول ( يع 5: 11)، واقتبس منه الرسول بولس (1 كو 3: 19، أي 5: 13).

موضعه في الأسفار العبرية القانونية، يتفق مع ما له من تقديرٍ كبيرٍ، فهو يقع في القسم الثالث، الذي يسمى في العبرية "كتبهيم" أي "الكتابات المقدسة"، والتي تعرف في اليونانية باسم "الهاجيوجرافيا" - بعد سفر المزامير وسفر الأمثال، ولكنه وُضع في الترجمة السبعينية في مقدمة الأسفار الشعرية، وهو ما سارت عليه الترجمات الحديثة.

وسفر أيوب واحد من ثلاثة كتب (مع المزامير والأمثال) وضع لها علماء اللاهوت العبري (المأسورين) نظامًا خاصًا لعلامات الترقيم لإظهار سماتها الشعرية.

كرم أيوب

اهتم التلموديون Talmudists بشخصية أيوب وتقواه، وحسبوه أكثر البشر كرمًا. وأنه مثل إبراهيم بنى فندقًا في مفترق الطرق، له أربعة أبواب، كل باب من ناحية معينة، حتى لا يجد عابرو السبيل صعوبة في إيجاد مدخل إليه. كان مشهورًا بحبه وحنوه، يفتقد المرضى والمتألمين، ويهتم بالأيتام. كان كإبراهيم يعبد الله بتقوى، مقدمًا صلوات طاهرة. ومثل ملكي صادق وأخنوخ يسلك بلا لوم، بعيدًا عن كل تصرفٍ مشينٍ.

بحسب الترجوم كان اسم أيوب أحد سبعة أسماء منقوشة على السبعة فروع للمنارة الذهبية.

رأى بعض الربييَّن أن هذه السمات تجعله يفوق شخصية إبراهيم. لذلك حاول آخرون الكشف عن سمو شخصية إبراهيم التي تفوق شخصية أيوب. قال يوحنان زاكاي Yohanan b. Zakkai إن كل تقوى أيوب كانت صادرة عن الخوف من العقاب. وجاء في Recension R . N .  أنه مع ما بلغه أيوب من كرمٍ عظيم إذ سقط في أحزان اشتكى بأنه ظُلم، وأن الله قال له: "كرمك هذا لم يبلغ بعد نصف كرم إبراهيم".

يميل الأدب التلمودي إلي اعتبار أيوب مخطئًا، أو كما قيل إنه "قد تمرد[28]" ولولا تمرده لالتزم الشعب أن يردد في صلواته: "إله أيوب"، كما يرددون: "إله إبراهيم وإسحق ويعقوب". ويرى رابا Raba أن أيوب قد أنكر القيامة[29].

بين السيد المسيح وأيوب

يقول John Howard Raven بأن سفر أيوب هو أفضل عرض درامي لمشكلة آلام الأبرار، لا يمكن مضاهاته في كل الأدب. حل المشكلة اللائق مثالي يقترب جدًا من حل العهد الجديد بطريقة واقعية. أيوب المتألم البار هو ظل للمسيح المتألم البار. والبركات المتدفقة بسبب آلام أيوب هي ظلال للبركات غير المحصية التي لآلام المسيح. يسند هذا الفكر ما ورد في يعقوب 11:5[30].

واضح أن أيوب وهو ليس إسرائيليًا كان على دراية بالوعود الإلهية الخاصة بالخلاص والتمتع بالقيامة والمجد معه (أي 19: 25-27)، تسلمها بالتقليد الشفوي.

1. تعرض كل من السيد المسيح وأيوب في زمانه أكثر من غيره لتجارب الشيطان وانتصر عليها.

2. كل من السيد المسيح وأيوب تخلى عنه أصحابه أبان تجاربه.

3. من إجابة أيوب على أصحابه قال مشيرًا ضمنًا إلى المصالحة التي صنعها السيد المسيح. "لأنه ليس هو إنسانًا مثلي فأجاوبه، فنأتي جميعًا إلى المحاكمة. ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا" (أي 9: 32-33). وقد أرادت الكنيسة بتلاوتها ميمر أيوب يوم أربعاء البصخة أن تبين لنا أن المُصالح الذي تكلم عنه أيوب في السفر قد وُجد فعلاً، وهو السيد المسيح الذي بدأت آلامه بخيانة تلميذه له في يوم الأربعاء.

4. كل من السيد المسيح وأيوب انتصر في النهاية على التجربة، فيسوع المسيح صُلب ومات ولكنه قام حيًا. وأيوب قيل عنه: بارك الرب آخرة أيوب أكثر من أولاه، ومات شيخًا وشبعان أيامًا.

5. بالرغم من أن أيوب عاش العصر الأول في العهد القديم إلا إنه قدم مثلاً واضحًا عن السيد المسيح، حين قدم نفسه للخزي مستهينًا بالعار، مُضطهدًا ومرذولاً من الناس والشيطان، ثم مات ودفن وقام معلنا القيامة، وقد شفع فينا بالدم الكريم. هكذا أيوب أيضًا قدم شفاعة عن مضطهديه وقدم الذبائح عنهم.

يقول Franz Delitzsch [المحتويات الحقيقية لسفر أيوب هي سٌر الصليب: صليب الجلجثة هو الحل للغز كل صليب، سفر أيوب هو نبوة عن هذا الحل النهائي[31].]

رعرع أيوب

قيل أن هذا النبات هو الذي استعمله أيوب حينما استحم وبرأ. وهو عبارة عن عشب من فصيلة النعناع الأخضر وفي حجمه وشكله وله رائحة عطرية هادئة (الريحان)، ويُجمع حزمًا في يوم الأربعاء ليستعمل في الاستحمام مع الماء لما يعتقد من خاصية الشفاء فيه.

أيوب في الكنيسة القبطية

v     تعيد الكنيسة القبطية لأيوب في أول توت تذكار شفائه من مرضه العضال بعدما استحم بالماء، وفي 2 بشنس تذكار نياحته.

v     تُقرأ نبواته في فترة الصوم الكبير، ويُذكر في طقس سرّ مسحة المرضى حتى لا ييأس أحد من شدة مرضه.

v     يذكر اسمه في التسبحة: فنصلي في مجمع قائلين: اطلبوا عنا يا صفوف الأنبياء والأبرار والصديقون، أطلب عنا أيها الصديق أيوب. اطلبوا من الرب عنا يا يواقيم وحنة ويوسف الشيخ والصديق أيوب ويوسف ونيقوديموس، ليغفر لنا خطايانا.

v     ويذكر اسمه أيضا في ثيؤطوكية الأحد وفي الشيرات حيث تسبح الكنيسة قائلة: السلام لك يا مريم ثبات أيوب البار...

v     وفي ذكصولوجية الصوم المقدس حيث تقول: بالصوم والصلاة تراءف الله على عبده أيوب ومنحه الشفاء.

v     تذكار أيوب في البصخة المقدسة: يعرف يوم أربعاء البصخة باسم (أربعاء أيوب)... لأنه فيه يُتلى ميمر هذا البار الذي كان رمزًا للسيد المسيح في آلامه الشديدة وتجاربه كما بالنهاية السعيدة التي خُتمت بها حياته. وقد رتبت الكنيسة قراءة ميمر أيوب يوم الأربعاء، لأن فيه بدأ تدبير المؤامرة على السيد المسيح.

وحدة السفر

 يعترض البعض على وحدة السفر بالآتي:

1. أن أحاديث أليهو (أصحاحات 32-37) تبدو أنها وُضعت مؤخرًا، إذ لم يُذكر أليهو في مقدمة السفر ولا في خاتمته، وأن مناقشته لم تختلف عن الأصدقاء الثلاثة لأيوب، فجاء حواره يعترض انسجام هذه القطعة الشعرية بلا معنى، خاصة وأن يهوه أجاب أيوب وليس أليهو (1:38).

يرد على ذلك بالآتي:

أ. لم يُذكر أليهو في المقدمة، لأنه لم يدخل في المناقشات حتى المرحلة الأخيرة. ولم يذكر في خاتمة السفر، لأن دوره كسابق ليهوه يهيئ الطريق في أذهانهم قد تحقق.

ب. دان أليهو أيوب على اتهامه الله بالظلم، غير أنه حاول أن يبرر موقف أيوب (32: 33).

ج. لم يكن هدفه مناقشة مشكلة الألم بالنسبة للأبرار قدر ما كان يُعد الطريق لحديث الله مع أيوب في العاصفة.

د. أجاب الله أيوب لا أليهو، لأن موضوع السفر هو أيوب البار المتألم، كما لم يوجد في أحاديث أليهو ما يُدان عليه.

هـ. بدون حوار أليهو تكون الإجابة من العاصفة مبتورة[32].

2. يرى بعض النقاد أن ما ورد عن كوارث الأشرار (7:27 الخ) لا موضع له في هذا المكان، إذ جاء الحديث مشابهًا لما ورد في أصحاح 20.

يرد على ذلك أن الحديث متناغم مع ما جاء قبله ويجعله واضحًا. لقد أكد الأصدقاء الثلاثة عداوتهم لأيوب. فبنفسه المحطمة أراد أيوب تأديبهم على هذه العداوة الموجهة ضده بلا سبب. لقد توقع أيوب أن الله حتمًا يتدخل ليرد له موقفه.

3. ما ورد في الأصحاح 28 عن الحكمة قطع العلاقة بين الأصـحاحين 28

و29، وأنه حديث غريب عما سبق فقاله أيوب، وعما يعانيه من حزنٍ ومرارةٍ.

يرد على ذلك بأن الأصدقاء الثلاثة ظنوا أنهم أصحاب حكمة، فأراد أيوب تأكيد أنهم لم يقتنوا الحكمة، بل هم مستحقون التأديب الإلهي بسبب عداوتهم له الباطلة. يبرز هذا الأصحاح حال أيوب كيف كان يمر بفترات يأس مُرة، لكن يشرق عليه الرجاء في عمل الله الأكيد وخلاصه، فيمتلئ رجاءً.

4. يدعى بعض الدارسين أن افتتاحية السفر وخاتمته وُضعتا مؤخرًا في وقت لاحق للسفر. يرد على ذلك أنه بدون المقدمة والخاتمة لا معنى للحوار كله، وليس من حلٌ للمشكلة ذاتها.

5. استخف Cheyne بما ورد من أقوال القدير (ص 38-41)، خاصة وصف بهيموث (40: 15-41: 34)، كعنصر مربك في السفر لا لزوم له. ويرد على ذلك أن السفر يحمل انسجامًا وتناغمًا أدبيًا عجيبًا. وأنه إن حذفت أقوال يهوه من العاصفة تبقى مشكلة الألم بلا حل، ويفقد السفر أجمل فصل فيه[33].

الهيكل العام للسفر

أولاً: بين السماء والأرض ص 1، 2:

v     إن كان الله يفرح بأولاده الصالحين ويعتز بهم (1: 8)، فإن العدو بدوره لا يكف عن الشكوى ضدهم لعله يجد فرصته ليجربهم بالآلام.

v     يسمح الله لإبليس بذلك لكي يمتلئ كأسه ويتزكى أولاد الله.

1. أيوب قبل التجربة        1: 1- 5.

2. الشيطان والألم           1: 6- ص 2.

ثانيًا: تعزيات بشرية ص 3

جاء أصدقاؤه يعزونه، فتمررت نفسه بالأكثر، وسبّ اليوم الذي وُلد فيه، واشتهى الموت. "معزون متعبون كلكم". لم يقف الأمر عند العجز عن العزاء، إنما صاروا يدينونه ويثيرون مباحثات نظرية تحطم نفسه.

ثالثًا: مباحثات نظرية حول الألم ص 4- 37

1- المباحثة الأولى 4- 14 تنتهي كل مناقشة بطلب من أيوب أن يتوب.

2- المباحثة الثانية 15- 21 تعالج كل مناقشة الألم ونهاية الأشرار.

3- المباحثة الثالثة 22- 31 مثل المباحثة الأولى.

4- أليهو الحكيم   32- 37.

v     الألم في ذهن أصدقائه علامة غضب الله، لذلك حسبوا أيوب إنسانًا أثيمًا مرائيًا.

v     استنبط أليفاز التيماني براهينه عن دروس تعلمها في حلم أو رؤيا، وبلدد الشوحي عن أمثال قديمة (8: 2- 13)، وصوفر النعماتي عن الخبرة والعقل.

v     دافع أيوب عن نفسه، وفي ص 21 قدم برهانًا جديدًا أن الأشرار غالبًا ما يعيشون في وسعٍ.

v     انتظر أليهو الشاب الحكيم إلى النهاية مظهرًا أن الألم لتأديب النفس، كما أعلن الحاجة إلى الفادي الوسيط للتبرير (33: 23- 28)، كما كشف عن سمو حكمة الله (37: 11- 13).

رابعًا: الله والألم ص 38- 42

v     اظهر الله لأيوب جهله بأمورٍ كثيرةٍ تدور حوله، فكيف يدرك أسرار الله؟

v     يحوي ص 38 معلومات لم يدركها الإنسان إلا في القرن الـ 20.

v     أوضح الله حكمته في التجربة:

1.      بها رأى أيوب الله. "بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عيني" (42: 5).

2.      بها نال أيوب كرامة، فطلب الله من أصدقائه أن يسألوه الصلاة عنهم والشفاعة من أجلهم.

3.      ردّ له البركات مضاعفة.

4.      أكدّ له أن أولاده لم يموتوا.

أقسام سفر أيوب

1. مقدمة                                      1-2.

2. مرثاة أيوب                                 3.

3. حوار شعري بين أيوب وأصدقائه           4-31.

أ- الدورة الأولى للحوار              4-14.

ب- الدورة الثانية للحوار             15-21.

ج- الدورة الثالثة للحوار              22-31.

4. خطب شعرية يلقيها أليهو                   32-37.

5. حوار شعري بين الرب وأيوب              38-42.

أ- الرب يرد على أيوب               38-41.

ب- إجابة أيوب على الكلمة الإلهية    42: 1-6.

6. أيوب يستعيد ضِعْفْ ما فقد                 7:42-17.

ملاحظة

          أهم الآباء الذين فسروا سفر أيوب هم:

1. القديس يوحنا الذهبي الفم

Jean Chryostome: Commentaire sur Job, tome 1 (ch. 1-14), tome 2 (ch 15- 42). trans. into French, by Henri Sorlin (Source Chrétienne, No 346, Paris 1988.

2. البابا غريغوريوس (الكبير)[34]

Morals on the Book of Job, Oxford, London 1845, 1847 (John H. Parker J. Rivringion).

3. الأب هيسيخيوس الأورشليمي

Hésychius de Jérusalem: Homélies sur Job. Vol. 1, 2. by Charles Renoux, F. Graffin. Patrolog. Orientalis, tome 42, Fascicule 1, No 190, Fas 2-191. Belgium 1983.

تنيح هذا الأب حوالي عام 450م، وهو كاتب ومفسر للكتاب المقدس. بدأ حياته المبكرة راهبًا. وفي عام 412 سيم كاهنًا في أورشليم حسب قول ثيوفان المعترف. لا نعرف عنه شيًا سوى ما قيل عنه أنه فسر الكتاب المقدس كله. ويظهر مما تبقي من تفاسيره وتعليقاته أنه أخذ المنهج السكندري في التفسير، ودافع عن الإيمان الأرثوذكسي ضد الأريوسيين وأتباع أبوليناريوس وأتباع ماني وغيرهم. نُشر عمل باسم "القرون Centuries" وهو عمل نسكي تحت اسمه، غير أنه هو للأب هيسيخيوس السينائي (القرن السادس/ السابع) تعيد له الكنيسة اليونانية في 25 مارس[35].

وُجدت ترجمات كثيرة لهذه النصوص.

 


 

من وحي سفر أيوب

بأي لقب أدعوك يا أيها البار؟

 

v     عشت أمميًا بلا ناموس مكتوب،

فسبقت بعذوبة تقواك كثيرين من شعب الله!

لم يكن معك كتاب مقدس، ولا مرشد أو معين،

لكن قلبك ارتفع ليشارك السمائيين تسابيحهم!

 

v     حياتك صارت إنجيلاً مفتوحًا،  يقرأه كل إنسانٍ،

فيتلامس مع حب الله للبشر.

حياتك تشهد لله الذي ليس عنده محاباة،

يحب كل إنسان، ويشتهي خلاص الكل!

اسمك سبق الكثيرين، يُسجل في سفر الحياة.

سمعت عن الله، ورأته عيناك،

تُرى مَنْ مِنْ رجال الله يبلغ مقامك؟

 

v     سيرتك هي سيرة القلب المفتوح، 

سيرة الأبوة الصادقة لكل إنسان!

في غناك لم تغلق بابك أمام المحتاجين،

وفي فقرك فتحت أبواب الرجاء لكل المجربين!

 

v     على المزبلة تمجدت أكثر من آدم أبيك في الفردوس!

في حديثك مع زوجتك، لم تنحنِ للغواية كأبيك،

بل جذبتها لتتنعم معك بالخيرات والبركات.

 

v     في صراعك مع التجارب المتنوعة تكللت وتمجدت.

في حوارك مع أصدقائك، لم تطلب تعزية بشرية.

وفي حوارك مع الله تواضعت فتمَّجدت!

 

v     لم ييأس إبليس من مقاومتك!

لكنك كنت مختفيًا في صخر الدهور.

تكسرت سهام إبليس، وصار في خزي!

وتزكيت أمام الله، وصرت في مجدٍ!

صبرك حطّم كل حيَّل العدو!

 

v     طوباك يا أيوب، صرت رمزًا لمسيحنا!

جُربت وكُللت، وجُرب هو ليكللنا فيه!

تخلى عنك أصحابك، وطردته خاصته خارج المحلة!

شفعت في أصدقائك الذين عادوك،

وشفع مسيحنا بدمه الثمين فينا ونحن أعداء!

 

v     صرت كميتٍ في مزبلة، وقمت متهللاً برؤية إلهك!

ومات مسيحنا ودفن، وأقامنا معه لنرى الأحضان الإلهية.

طوباك ثم طوباك يا من صرت مثالاً رائعًا عبر الأجيال.

بأي لقبٍ ندعوك يا أيها البار؟


 

ملحق خاص بالثلاث مباحثات

المباحثة الأولى 4-11

أليفاز 4-5

1. اعتمد على الخبرة وملاحظاته الشخصية ورؤيا بالليل.

2. أكبرهم سنُا: القائد والمتقدم في كل حوار.

3. هيأ الجو لأصدقائه بتقديم نظريته: يوجد ارتباط حاضر بين الخطية والألم. فالبرّ يجلب سعادة زمنية، والخطية تجلب نكبات زمنية، وقام بتطبيقها على أيوب.

في مباحثته الأولى حسب آلام أيوب بسيطة تتناسب مع شروره، لكنه قدم اللوم لأيوب من أجل خطاياه العظمى:

1. كآبته (2:4-11) لشعوره بالظلم من قبل الله.

2. عدم صبره (12:4-7:59).

3. عدم توبته عن خطاياه الخفية (8:5-27).

رد أيوب 6-7

v     حضور الفلاسفة وعرض نظرياتهم دفعه للتساؤل عن عدل الله، دون الدخول في حوار لاهوتي.

v     عبٌَر عن ثورته الداخلية: ليس من خطية غير عادية - وإن كان يعترف بخطاياه.

v     توبيخه لأصدقائه على اتجاههم غير المترفق (14:6-30).

v     وجه نظره لله ليجدد مرثاته 1:7-21).

بلدد 8

v     اعتمد على التقليد البشري وحجة القدامى.

v     عدم مبالاته ببؤس صديقه.

v     استخفاف بدفاع أيوب عن شكواه.

v     تجاهل نقد أيوب لهم لعدم ترفقهم به.

v     أكد نظرية أليفاز [عدالة الله].

v     ذيَّل حديثه بكلمة مختصرة مبهجة لكن بطريقة غير لائقة (20-22).

رد أيوب

v     مثل إجابته الأولى على أليفاز قدم نفسه لأصدقائه وعندئذ وجه حديثه لله.

v     سخر بافتتاحية بلدد، ثم عارض بشدة خاتمة بلدد.

v     توجه إلى الله يشكو، مجاهدًا في الطلبة ومعاتبًا في صداقة دون تجديف.

v     لم يستطع الشيطان أن يدفعه من يد الله ليجدف عليه.

 صوفر 11

v     اعتمد على الناموس القديم الحرفي.

v     في إجابة أيوب على أليفاز وبلدد دافع بقوةٍ عن براءته، مما أثار الثلاثة.

v     هنا باسم الثلاثة يدين أيوب بعنفٍ شديدٍ، متهمًا إياه بالشر.

v     ختم حديثه بإمكانية الإصلاح وضمان الرخاء من جديد بالتوبة.

 رد أيوب 12-14

v     هاجم جهالة مشيريه، منتقدًا إياهم.

v     أبرز حق الصداقة في التعزية عوض التحطيم، لكن سرعان ما اتجه نحو الله مباشرة (20:13-21:14).

v     وسط هذه الاستغاثة بالله، أشرق الرجاء على نفس أيوب وراء الجحيم. واضح من إجابته هنا أن إيمانه تحدى الهاوية بروح الرجاء والنصرة.

 

V  V  V

المباحثة الثانية 15-21

أليفاز 15

v     خلقت المناظر السابقة الجافة جوًا من الجفاء عوض الصداقة.

v     نسي أليفاز الفيلسوف الأرستقراطي مبادئ الكياسة البدائية.

v     مارس دوره ليبرز فلسفته وحكمته ويضيف اتهامات جديدة ضد أيوب.

رد أيوب 16-17

إذ كانت كارثة الإيمان تقترب، لم يعد أيوب يعطي اهتمامًا كبيرًا لهم، بل تحول من الحوار إلى الحديث مع الله، كما إليهم دون رغبة في الحوار الباطل. "معزون متعبون كلكم" (2:6).

 بلدد 18

حط من قدر أيوب، فحسبه مفترسًا لنفسه بالغيظ، ويدفع نفسه برجليه إلى الشبكة، ويلحق به الموت، أي يسقط تحت ويلات الأشرار.

 رد أيوب 19

إذ سقط تحت إحكام وحشية من أصدقائه لم يجد له ملجأ سواء الله، الصديق السماوي المتعاطف معه (23-29).

 صوفر 20

إذ ضرب أيوب على أوتار الحق الخلاصي كمن يود أن يثير الملائكة، إذ بصوفر في حديثه الثاني له أذنين ولا تسمعان. إنه يكمل ما قاله بلدد في تناغم، لينشدا قصيدة عن الرجل الشرير أوحيت إليهما خلال تطلعاتهما إلى المزبلة حيث وجدا الشرير أيوب - في نظرهما.

رد أيوب 21

إذ أُصيب المتهمون بالعمى، لم ينظروا إخلاص أيوب وأمانته، فجحدوه وهم يتطلعون إلى كوارثه عوض إيجاد تفسير لها. لكن أيوب الآن يتحصن بالأكثر بروح الرجاء، فانفتحت عيناه ليرى أبرارًا متألمين وأشرارًا متنعمين في الحياة الزمنية، فيصعب فصلهم (26).

 

V  V  V

المباحثة الثالثة 22-40

أليفاز 22

قدم في حديثه الأخير في غير حياء موجزًا لاتهاماتهم في صراحة وليس تلميحًا. فبينما يدافعون عن عدالة الله في تصرفاتهم مع البشر صاروا حلفاء إبليس، مصممين أن ذاك الذي شهد الله أن عبده الأمين، ليس مثله على الأرض، هو أداة إبليس. يطالب أيوب بالتوبة.

 إجابة أيوب 25-23

v     فنّد أيوب أقوال أليفاز بأنها اتهام لا أساس له، ولخص ما سبق أن قاله (ص 21).

v     يفكر متأملاً عدالة الله غير المدركة في معاملاته معه كرجلٍ بارٍ (ص 23)، ومع الشرير (ص 24).

بلدد 25

v     تحاشى الدخول في حوار والرد علي حديث أيوب (25:24).

v     عاد يكرر بلدد ما قاله هؤلاء الفلاسفة، إن الإنسان لن يتزكى إمام الله.

v     قدم حديثًا وقورًا، لكنه لا يمس الموضوع.

 إجابة أيوب 26

يجيب أيوب بقوة، مؤكدًا حكمة الله في كل طرقه. لكن أوضح أن ما نطق به بلدد إنما كأداة لإبليس وليس دفاعًا عن الله.

 تعليم أيوب للأصدقاء الصامتين 27-28

صمت صوفر وتعليم أيوب: فشل صوفر، وتوقف الحوار المشترك، وبدأ مع صمتهم يقدم أيوب تعليمًا، متحدثًا كمعلم. أبرز أن اتهاماتهم هي من وحي الشيطان وليست من قبل الله

اعتراض أيوب ص 29-31

<<

 


 

الباب الأول

 

 

 

 

المقدمة النثرية

أيوب 1-2

<<

 

 


 

الأصحاح الأول

شهادة الله لأيوب

يبدأ المشهد في منطقة أدوم، لرجلٍ بار يعبد الله الحقيقي، مثل الآباء البطاركة يمارس العمل الكهنوتي لحساب أسرته.

يليه مشهد آخر في السماء، لم يعرفه أيوب نفسه، لكن الله أعلنه لكاتب السفر. فيه يعلن الله عن اهتمامه ببني البشر، خاصة المؤمنين به.

يبرز الكتاب المقدس، خاصة في هذا السفر أن الشيطان كائن لا يعرف الخمول، لكن يبذل كل الجهد لمقاومة الله في البشرية المتعبدة له. إنه لا يكف عن الشكوى ضد المؤمنين، بينما يأخذ الله موقف الدفاع عنهم. إنهم موضع عنايته الإلهية ورعايته الفائقة، لكن قد يسمح لهم بالتجارب لكي تتلألأ بالأكثر أكاليلهم.

1. تقوى أيوب وغناه       1-3.

2. ولائم أسرية             4-5.

3. شكوى إبليس            6-12.

4. نكبات متلاحقة             13-19.

5. أيوب الشاكر            20-22.

1. تقوى أيوب وغناه

"كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عُوصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ.

وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا،

يَتَّقِي الله، وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ" [1].

يرى كثير من الآباء أن السفر يُفتح بمديح عظيم له بقوله: "كان رجل". وكما يقول العلامة أوريجينوس إن كثيرين يُدعون بشرًا، لكنهم يسلكون كحيواناتٍ مفترسةٍ أو حيواناتٍ غبية أو زواحفٍ أو طيورٍ وليس كبشرٍ حسبما خلقهم الله محب البشر.

v     هذا الاسم "رجل" لا نعًّرفه حسبما يعرفه الذين هم في الخارج، بل حسبما يعًّرفه الكتاب المقدس. فالإنسان ليس هو كل من له يدا إنسان وقدماه، ولا من كان عاقلاً فحسب، بل من يمارس التقوى والفضيلة بشجاعة[36].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

v     كثيرون يدعون أنفسهم "رجالاً" (أناسًا)، لكنهم هم ليسوا بالحق هكذا. فالبعض يعيشون بسلوك بهيمي، بينما آخرون بسلوك الزواحف، يبثون حنقهم كوحوشٍ مفترسةٍ. لهذا يقول داود نفسه: "والإنسان في كرامةٍ لا يبيت، يشبه البهائم" (مز 49: 12)...

لكن بالتأكيد تُستخدم كلمة "إنسان" على من يحمل صورة الله (تك 1: 27)، هذا الذي يحمي كرامته بطريقة لائقة، ويضع الخيار بين الخير والشر، ويهب مجده لخليقته التي تبتهج به، وتجد مسرتها فيه (مز 104: 31).

هكذا "كان رجل في أرض عوص". فقد كانت المنطقة قفرًا موحشًا، لكن به غرس... كان أيوب كنزًا لا ينقصه شيء. كان مملوءً من عنب الحصاد المغروس. كان كاملاً (حقيقيًاtrue ) كخليقة الإله الحق، إذ استخدم فضائله لحساب الحق بغير رياءٍ، متممًا وصايا الله... فقد عبد الله حسبما يريد الله[37].

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

كان بنو أدوم يسكنون في "عوص" في أيام إرميا النبي (مرا 4: 21). يُعتقد أنها كانت بين دمشق وأدوم، في الصحراء السورية. وهناك من يعتقد أنها هي حوران. تقع ما بين فلسطين والعربية، شمال شرقي نهر الفرات، في طريق القوافل ما بين مصر وبابل. يرى التقليد أن حاران هي وطن أيوب، شرق بحر الجليل. وهي منطقة كانت خصبة للغاية، وكانت تضم حوالي 300 مدينة صغيرة.

ولعل عوص كانت لا تبعد كثيرًا عن أور الكلدانيين التي دُعي منها إبراهيم. فإن كان الله قد دعا إبراهيم ليقيم من نسله شعبًا مختارًا، لكن له بقية تشهد له وسط الأمم. وتحقق خطة الله نحو البشرية حين نشترك مع القديس يوحنا في تمتعنا بهذا المنظر: "وإذا جمع كثير لم يستطع أحد أن يعده من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة واقفون أمام العرش" (رؤ 7: 9).

لقد أخرج الله إبراهيم من تلك الأرض الفاسدة حيث يدعو الله مختاريه اعتزال الشر. وسمح ببقاء أيوب لكي يكون شاهدًا بنوره الإلهي وسط الظلام الدامس، كالكواكب وسط ظلمة الليل.

v     لكي يكشف عن استحقاق فضيلته أُخبرنا أين قطن الرجل القديس، لأنه من لا يعرف أن عوص هي بلد أممي؟ كان العالم الأممي تحت سلطان الشرير؛ وبالتالي كانت عيناه مغلقتين عن معرفة خالقه. إذن لنُخبر أين قطن، فإن في هذا مديح له. كان رجلاً صالحًا يقطن بين أناسٍ أشرارٍ. إنه لمديح ليس بعظيمٍ أن تكون صالحًا في صحبة الصالحين، وإنما أن تكون صالحًا ساكنًا وسط أشرارٍ، فهذه شهادة لا يُمكن قياسها...

فقد قيل: "وأنقذ لوطًا البار مغلوبًا من سيرة الأردياء في الدعارة، إذ كان البار بالنظر والسمع وهو ساكن بينهم يُعذب يومًا فيومًا نفسه البارة بالأفعال الأثيمة" (2 بط 2: 7-8)...

وهكذا يقول بولس لتلاميذه: "في وسط جيلٍ معوجٍ وملتوٍ تضيئون بينهم كأنوارٍ في العالم" (في 2: 15).

وقيل لملاك كنيسة برغامس: "أنا عارف أعمالك، وأين تسكن، حيث كرسي الشيطان، وأنت متمسك باسمي ولم تنكر إيماني" (رؤ 2: 13).

هكذا مُدحت الكنيسة بصوت العريس، قائلاً في نشيد الحب: "كالسوسنة بين الشوك، كذلك حبيبتي بين البنات" (نش 2: 2)...

بحقٍ قيل عنه إنه كان "يحيد عن الشر" فقد كُتب: "حد عن الشر، وأفعل الخير" (مز 37: 27). فإنه بالحق الأعمال الصالحة تكون غير مقبولة لدى الله إن كانت في عينيه ملطخة بمزجها بأعمال شريرة، وذلك كما قيل بسليمان: "من يخطئ في أمرٍ واحدٍ يُفسد خيرًا جزيلاً" (راجع جا 9: 18). يشهد يعقوب لذلك، قائلاً: "لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة، فقد صار مجرمًا في الكل" (يع 2: 10). بولس يقول: "خميرة صغيرة تخمر العجين كله" (1 كو 5: 6).

إذن كان لائقًا أن يُشار كيف كان يحيد عن الأعمال الشريرة لإظهار كيف كان الطوباوي أيوب بلا غضن ثابتًا في أعماله الصالحة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

تشهد كلمة الله بكمال أيوب، "وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي الله، وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ".

1. كاملاً: وهو كمال نسبي، فلا يعني أنه بلا خطية، وإنما يطلب الكمال، ويجد في بلوغه حسب استطاعته.

v     يتحدث الرسول عن نفسه أنه كامل وغير كامل. فيحسب نفسه غير كاملٍ، متطلعًا كم من برّ لا يزال ينقصه، لكنه كامل حيث لا يستحي من أن يعترف بعدم كماله، وأنه يتقدم لكي يبلغ الكمال[38].

القديس أغسطينوس

v     يوجد شكلان للكمال، شكل عادي، وآخر علوي. واحد يُقتني هنا، والآخر فيما بعد. واحد حسب القدرات البشرية، والآخر خاص بكمال العالم العتيد، أما الله فعادل خلال الكل، حكيم فوق الكل، كامل في الكل[39].

القديس أمبروسيوس

1. مستقيمًا: في معاملته مع الله والناس، أي يحمل روح البساطة التي بلا التواء ولا انحراف داخلي. ما يمارسه يكشف عما في قلبه بغير خبثٍ. مستقيم في سلوكه، يدقق في أفكاره وكلماته وتصرفاته، أمين في وقته ومواعيده والوزنات الموهوبة له.

2. تقيًا: يعبد الله بروح تقوي، لا في شكليات جافة بلا روح. يسعى أن يتمم مشيئة الله، بمعنى آخر يتناغم سلوكه مع عبادته لله، يخشى الله لئلا يسيء إلى جلاله وحبه.

3. يحيد عن الشر: مخافة الرب سور تحوط به، فلا يسمح للشرٍ أن يتسلل إلى فكره أو قلبه أو سلوكه.

v     قيل إنه كان مستقيمًا "بلا عيب"، ولم يقل "بلا خطية"... لماذا كان بلا عيب؟ لأنه كان مستقيمًا.

كان "حقًا true" لأن الناس كاذبون (مز 62: 9).

كان "حقًا"، لا في الكلمات فقط، وإنما في الأعمال أيضًا. بهذا فهو "رجل حق". لأن "فلنسمع ختام الأمر كله، أتقِِ الله وأحفظ وصاياه، لأن هذا هو الإنسان كله" (جا 12: 13). كان أيوب غيورًا نحو التصرفات الخالصة، لهذا يقول النص إنه كان "تقيًا وحقًا" وقد أبرز علة كل فضائله أنه يتَّقي الله... معرفة الله تُعلَنْ في حياة الشخص، وتصير حافظة للحياة...

لم يقل: "لم يرتكب شرًا"، بل "يحيد عن الشر"... في عبارة أخرى: "لئلا أشبع وأكفر وأقول من هو الرب؟" (أم 30: 9). ها أنتم ترون أنه ما لم يكن الإنسان حذرًا، فإن التخمة هي أساس الخداع. لكن لم يكن حال أيوب هكذا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وَوُلِدَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ" [2].

مع كثرة نسله لم ينشغل أيوب البار بممتلكاته ليقدم ميراثًا عظيمًا لكل ابن أو ابنة له، لكن ما كان يشغله هو تقديم ميراث ضخم من الصلوات والتسابيح والذبائح الروحيَّة والمحرقات كسندٍ لهم.

يرى العلامة أوريجينوس في البنين والبنات رمزًا لعمل الروح القدس في حياة المؤمن، حيث ينجب أو يثمر، خلال نفسه كما خلال جسده، ثمارًا روحيَّة مقدَّسة للرب، فالإنسان التقي كأيُّوب يعمل فيه روح الله، فتتناغم النفس مع الجسد، حيث يكون بكليَّته تحت قيادة الروح القدس. ويقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) في تفصيلٍ وبتوسع تفاسير رمزيَّة للسبعة بنين والثلاث بنات، نقتطف القليل جدًا منها.

v     ماذا يقدم لنا رقم 7 سوى ذروة الكمال؟... فالسبعة بنين يمثلون تدبير الكارزين، والثلاث بنات يمكن أن يشرن إلي الثلاث فئات من المؤمنين في حياة الكنيسة... الرعاة والبتوليِّين والمتزوِّجين.

يولد لنا سبعة بنين، حين نحبل بالنية الصالحة، فتولد فينا سبعة فضائل الروح القدس. فقد اهتم النبي بهذا النسل الروحي على وجه الخصوص حين يجعل الروح القدس الذهن مثمرًا بهذه الكلمات: "ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوَّة، روح المعرفة ومخافة الرب، ويملأه روح مخافة الرب" (راجع إش 11: 2). فعندما تتولد في كل منا عند حلول الروح القدس الحكمة والفهم والمشورة والقوة والمعرفة والتقوى ومخافة الرب، يكون قد وُلد نسل في الذهن، يحفظ سلالة شرفنا العلوي في الحياة، حيث تتحالف بالأكثر مع المحبَّة الأبديَّة.

بالتأكيد السبعة بنين فينا لهم ثلاث أخوات، حيث كل منهم (البنين) يعمل بنضوج (رجولية) بميول فاضلة، فيتحد مع الإيمان والرجاء والمحبة. فإن رقم 7 لن يبلغ كمال رقم 10 ما لم يفعلوا كل شيء بإيمان ورجاء ومحبة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

بعدما تحدث عن غناه الداخلي الخاص بالنفس حيث كان له سبعة بنين، أيّ عطايا الروح القدس مع ثلاث بنات، أيّ الإيمان والرجاء والمحبة، تحدث عن غناه الجسدي. فالأبناء يشيرون إلي غنى الروح، والحيوانات تشير إلي غنى الجسد المقدس في الرب. فلا يعاني من عوزٍ روحي، ولا من عوزٍ جسدي، مادام خالق النفس والجسد يُشبع كل كيانه.

"وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلاَفٍ مِنَ الْغَنَم،

ِ وَثَلاَثَةَ آلاَفِ جَمَلٍ،

وَخَمْسَ مِئَةِ زَوْجِ بَقَرٍ،

وَخَمْسَ مِئَةِ أَتَانٍ،

وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدًّا.

فَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي الْمَشْرِقِ" [3].

مع ثروته الضخمة اتسم بالبرٌ، وقد قدم الغنم أولاً لأنها كانت لازمة للعائلات: "الحملان للباسك... لبن المعز لطعامك لقوت بيتك ومعيشة فتياتك" (أم 27 :26-27). وكان خدمه كثيرين، الكل يخدمه هو وبيته.

من بين العادات التي لا تزال قائمة بين الرعاة ومجتمعات البدو تقدير ثروات الشخص وغناه ليس حسب أرضه ولا بيوته، وإنما حسب المواشي التي يملكها. فكان إبراهيم غنيًا جدًا من جهة قطيعه (تك 13: 2). وكان للوط أيضًا قطعانه (تك 13: 5). هكذا يُقدر غنى أيوب بعدد حيواناته التي يمتلكها. وقد ذكر أناث الحمير (الأتن)، لأنها كانت قيمتها أكثر من الذكور بكثير بسبب اللبن الذي كان يُستخدم للشرب[40].

يرى البعض أن غنم أيوب وجماله تشير إلي إتحاد عصر الناموس بعصر النعمة، فالسبعة الآلف من الغنم تشير إلي مرعي الناموس الذي يصير كاملاً باللمسات الروحية (رقم ألف) عوض الحرف؛ ينضم إلي هذا المرعي الثلاثة آلاف من الجمال حيث تأتي شعوب الأمم لتنضم إلي مرعى الناموس الروحي، ويكون الكل رعية واحدة لراعٍ واحدٍ.

v     كان أيوب غنيًا، لكنه لم يقضِ حياته في ترف بلا حنو (على الآخرين). كان بيته مفتوحًا لكل محتاجٍ بإرادته المملوءة حبًا. لم يعامل أحدًا بظلمٍ، بل ساعد الذين كانوا يعانون من الظلم؛ كان يقدم الاحتياجات اللازمة للأرامل والأيتام. فإن هذه هي أعمال البرّ للغني البار[41].

العلامة أوريجينوس

2. ولائم أسرية

"وَكَانَ بَنُوهُ يَذْهَبُونَ وَيَعْمَلُونَ وَلِيمَةً فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ،

وَيُرْسِلُونَ وَيَسْتَدْعُونَ أَخَوَاتِهِمِ الثَّلاَث،َ

 لِيَأْكُلْنَ وَيَشْرَبْنَ مَعَهُمْ" [4].

صورة رائعة لرجل غني جدًا لم يشغله ولا شغل أبناءه الغنى والثروة، بل يجتمع الكل بروح الحب والوحدة مع التدبير الحسن، فيقيمون وليمة في بيت كل ابنٍ بالتتابع مع شركة مع الأخوات! كان بنوه يقومون بعمل ولائم دورية، بروح المحبة والوحدة. فكان كل ابنٍ يقيم الوليمة في دوره، حيث يجمع إخوته وأخواته. يقول المرتل: "هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الإخوة معًا" (مز 133: 1).

ويلاحظ في هذه الولائم الأتي:

1. كانت تقام في البيوت، لا في أماكن عامة، ربما لكي تحتفظ الأسرة بطابعها المقدس حتى في الولائم ووسط المسرات.

2. دعوة الأخوات مؤشر على أن الولائم كانت عائلية، وغالبًا ما كانت قاصرة على أسرة أيوب.

3. لم يذهب أيوب إلى الولائم، ليس عن تزمتٍ، فهو يطلب مسرة أولاده وبهجتهم مادامت في الرب، فوجوده وهو شيخ ربما يكون فيه نوع من عدم إعطاء الحرية للشبان أن يمرحوا بعد، حتى وإن كان في الرب.

v     الغنى العظيم يكون عادة علة للخلافات بين الإخوة. يا له من مديح لا يُقدر لتربية أب كهذا! لقد أعُلن عن غنى الأب وسلام الإخوة معًا، فبينما تُوزع الثروة بينهم لم ينقسم الحب، بل يملأ قلوب الكل!

البابا غريغوريوس (الكبير)

"وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ،

أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ،

وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ،

وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ،

لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيّ،َ وَجَدَّفُوا عَلَى الله فِي قُلُوبِهِمْ.

هَكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأْيَّامِ" [5].

مع عدم اشتراك أيوب في الولائم جسديًا اشترك بروح الأبوة الحانية والحب روحيًا. كان غيورًا على خلاص نفوسهم، يخشى لئلا يتنجسوا ولو بالفكر، بهذا يُحسبون كمجدفين على القدوس.

خشي لئلا يفكر أحدهم في أعماقه قائلاً: "قوتي وقدرة يدي اصطنعت لي هذه الثروة" (تث 8: 17). أو كما يقول الحكيم: "لئلا أشبع وأكفر، وأقول: من هو الرب؟" (أم 30: 9).

كان أيوب كاهن الأسرة، يؤمن أنه يعجز عن تقديس أولاده، وإنما هذا من عمل الله، لذا كان يقدم محرقات على عددهم. كان يفعل هذا لا في بدأ الوليمة فحسب، ولا في نهايتها فقط، بل كل أيام الوليمة، وكل أيام السنة. "هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام". ولعله كان يقدم ذبيحة محرقة عن كل العائلة كل يوم، أما في أيام الولائم، فكان يقدم محرقة عن كل واحدٍ، لأن الخطايا – خاصة بالفكر - تجد في الولائم جوًا مناسبًا للتسلل إلى الداخل.

v     إن كان الحكم على الخطايا التي تُرتكب بجهلٍ أنها هكذا عنيفة وتحتاج إلى ذبيحة للتكفير عنها، هذه الحقيقة التي شهد لها أيوب بتقديمه ذبيحة عن أولاده، فماذا يُقال عن الذين يرتكبون الخطية بمعرفة، أو الذين في صمتهم يذعنون إلى السلوك المخطئ الذي للآخرين؟[42]

القديس باسيليوس الكبير

v     قدم ذبائحه من أجل خطاياهم الخفية، وأخطائهم التي لم يعترفوا بها. إن كان أيوب يأخذ حذره هكذا من جهة الخطايا الخفية التي بغير معرفة، فكم تظن بالنسبة للأخطاء الظاهرة. لاحظوا كيف يترجم كلمات الرسول إلي عمل: "وأنتم أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم، بل ربوهم بتأديب الرب وإنذاره" (أف 6: 4)، أي يهتم الشخص بأولاده. إنها ممارسة للحماية الوالدية. لاحظوا إلي أيّ مستوى من الكمال أراد أن يقودهم...

فبالنسبة للأخطاء الظاهرة كان يمكنه أن يصلحها، ولكنه ماذا يمكنه أن يفعل بالنسبة للخطايا السرية؟ مع هذا قيل لموسى: "السرائر للرب إلهنا، والمعلنات لنا ولبنينا إلي الأبد" (تث 29: 29). على أيّ الأحوال لم يتجاهل أيوب حتى الأخطاء السرية في علاقته بالله، بل ألزم نفسه أن يصحح الموقف شخصيًا بوسيلة علاجية. فإن هذه الوسيلة تسمح له أن يضرب بالأخطاء فينتزعها، وأن يعلم أولاده أيضًا...

ها أنتم ترون أنه لم يصحح من تقصيراتهم في الأعمال فحسب، ولكن أيضًا ما يخص الأفكار، متممين عمليًا كلمات المسيح: "لأن من القلب تخرج أفكار شريرة... هذه هي التي تنجس الإنسان" (مت 15: 19-20)... ها أنتم ترون هنا تطهيرًا ليس موسويًا، ولا بالناموس، بل بطريقة رسولية حيث يطلب تطهير أفكارهم يوميًا، ليس فقط بنصحهم وتقديم المشورة لهم، وإنما أيضًا بحمايتهم والصلاة لله عنهم. هذا ليس عمل الأب فقط بل وعمل الكاهن، وإن كنا نعلم أنه لم يكن يوجد كاهن بعد...

يرى البعض أنه كان يوجد كهنة في تلك الأيام أيضًا مثل ملكي صادق لم يخترهم الشعب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     تشير نفس كلمات الكتاب إلى أن الجهل خطية. هذا هو السبب الذي لأجله يقدم أيوب محرقات عن أبنائه لئلا يكونوا قد أخطأوا سهوًا في الفكر[43].

القديس جيروم

v     تنسب هذه العبارة لأيوب تقوى عظيمة للغاية. فإن أناسًا كثيرين اعتادوا أن يبكروا لممارسة أعمال أرضية وكل ما يفكرون فيه خلال الليل هو الوسيلة لتكديس ثروة أو مجدٍ أو كرامات، فيسرعون في القيام لتحقيق أفكارهم عمليًا. يعبر النبي في أنشودة مرثاة ما يلزم أن يُقال عن هؤلاء: "ويل للمفتكرين بالبُطل، والصانعين الشر على مضاجعهم، في نور الصباح يفعلونه" (مي 2: 1). أمّا عن أيوب فلم ينشغل بهذا، وإنما كان في الفجر يقدم لله خدمة، هذا الذي يجعل النور مشرقًا... فإن الذبيحة الحقيقية هي حفظ الناموس وممارسة الفضائل (ابن سيراخ 35: 1-3). تخدمنا في هذا كلمات رسالة بولس إلي العبرانيين كمثال: "فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح... ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع، لأنه بذبائح مثل هذه يُسر الله" (عب 13: 15-16).

"لأن أيوب قال ربما أخطأ بني، وجدفوا على الله في قلوبهم" [5]. استقامة أيوب واضحة! يكمل برَّه نحو الصلاح. إنه أب حكيم وسيد مختبر، برج (من الكواكب) يتسم بالتعقل، مرشد صالح كمن يمسك بلجام خارجي ليلجم الشهوات الداخلية... لم يقتنع داود بالترنم بتلك الكلمات: "السهوات من يشعر بها؟ من الخطايا المستترة أبرئني" (مز 19: 12)، وإنما وضع أيضًا وصية الإنجيل في العملٍ. نقول بأن أيوب سلك حسب الناموس والنعمة، وحسب وصية الإنجيل: "...الذين يسمعون الكلمة فيحفظونها في قلبٍ جيدٍ صالحٍ" (لو 8: 15). إنه لم يكن مستهينًا بذلك. لقد كتب يوحنا اللاهوتي في هذا: "نُسكِّن قلوبنا قدامه، لأنه إن لامتنا قلوبنا، فالله أعظم من قلوبنا، ويعلم كل شيء. أيها الأحباء، إن لم تلمنا قلوبنا فلنا ثقة من نحو الله" (1 يو 3: 19-21) والرب نفسه يقول: "لأن من القلب تخرج أفكار شريرة: قتل زني فسق سرقة شهادة زور تجديف، هذه التي تنجس الإنسان، وأما الأكل بأيدٍ غير مغسولة فلا يُنجس الإنسان" (مت 15: 19-20). إذن لنتطهر من هذه الأفعال. لنطلب كل يوم الثمر من نفوسنا، فقد كان أيوب "حقًا وبلا لوم"، متطلعين أيضًا إلي ما كُتب: "هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام" [5].

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     هكذا طهٌر أيوب أولاده، لأن من يقدم ذبائح عن الخطايا السرية، كم بالأكثر يهتم بخصوص الخطايا الظاهرة؟[44]

v     استخدم أيوب علاجًا حتى عن أفكار بنيه[45].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "وبكر في الغد، وأصعد محرقات على عددهم كلهم" [5]. عرف القديس أنه يندر إقامة وليمة دون وجود معصية. عرف أنه يجب تطهير مرح الولائم بالذبائح. وما قد ارتكبه الأبناء من وصمات في أشخاصهم أثناء ولائمهم قام الأب بغسلها بتقديم ذبيحة... إذ غالبًا ما تصحب الحفلات الشهوات، فإذ يكون الجسم في تراخٍ بالملذات يخضع القلب للفرح الباطل. فقد كتُب: "جلس الشعب للأكل والشرب، ثم قاموا للّعب" (خر 32: 6).

البابا غريغوريوس (الكبير)

كان أيوب مستريحًا لتصرفات بنيه وبناته من جهة محبتهم لبعضهم البعض ووحدانية الروح والانسجام معًا، كما كان مطمئنًا لتصرفاتهم وكلماتهم، لكنه لا يعلم ما يدور في أفكارهم وقلوبهم. إنه لم يقف موقف الديان، فيحكم على ما في داخلهم، كما لم يقف في تهاونٍ، معتبرًا نفسه غير مسئول عما في قلوبهم، إنما في حبٍ مملوء حكمة التجأ لله بتقديم ذبائح روحية ومحرقات عن كل واحدٍ منهم. فهو وحده عارف بالأسرار الخفية، وقادر على تقديس الأعماق.

v     "هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام" [5]. لم يتوقف أيوب عن تقديم ذبيحة دائمة، وذلك كما يقدم مخلصنا محرقة عنا بلا انقطاع. هذا الذي يُظهر تجسده أمام الآب لأجلنا دون توقف. فإن تجسده ذاته هو تقدمة لأجل تطهيرنا؛ وبينما يُظهر نفسه كإنسانٍ يكون شفيعًا يغسل أدناس الإنسان، مقدمًا بسرّ بشريته ذبيحة دائمة...

باطل هو الصلاح الذي نمارسه إن توقف قبل نهاية الحياة، وذلك أنه باطل لمن يركض سريعًا أن يتوقف قبل بلوغه الهدف. عن هذا قبل التوبيخ: "ويل لكم أيها الذين فقدوا الصبر" (ابن سيراخ 2: 14). وهكذا يقول الحق لمختاريه: "أنتم الذين ثبتوا معي في تجاربي" (لو 22: 28)... هكذا فرض موسى أن يُقدم ذيل الذبيحة على المذبح، بمعني أن كل عمل صالح نبدأه نكمله بمثابرة حتى النهاية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     على وجه العموم، وصايا كل القديسين تحثنا على ذلك بالقدوة، وذلك كما استعمل سليمان الأمثال قائلاً: "اسمعوا أيها البنون تأديب الرب، أصغوا لأجل معرفة بفهم، لأني أعطيتكم تعليمًا صالحًا فلا تتركوا شريعتي. فإني كنت ابنًا لأبي غضًا ووحيدًا عند أمي" (أم 1:4). لأن الأب البار يربي أولاده تربية حسنة، إذ يجتهد في تعليم الآخرين بسيرته المستقيمة الفاضلة.  حتى إذا ما حدثت مقاومة، لا يخجل من سماعه هذا القول: "فأنت الذي تُعَّلم غيرك، ألست تعلم نفسك" (رو 21:2)، إنما يكون بالحري مثل خادم أمين يقدر أن يخلص نفسه ويربح الآخرين. وإذ تتضاعف النعمة المعهودة إليه يستطيع أن يسمع ذلك القول: "نعمًا أيها العبد الصالح والأمين.  كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير.  أدخل إلى فرح سيدك" (مت 21:25)[46].

القديس أثناسيوس الرسولي

3. شكوى إبليس

"وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو الله لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ،

وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًَا فِي وَسَطِهِمْ" [6].

جاء في الترجوم الأورشليمي Targum Yerushalmi أن المجلسين اللذين تما في السماء أحدهما في روش هاشاناه Rosh ha- Shanah، والثاني في اليوم الكبير Yom Kippur.

كان الملائكة – بنو الله - يجتمعون معًا أمام الله يقدمون له التسبيح اللائق من أجل محبته للسمائيين والأرضيين، ويقدمون أيضًا صلوات المؤمنين، ويترقبون أية إرسالية يتممونها، إذ هم خدام للعتيدين أن يرثوا الخلاص (عب 1: 14).

تسلل بينهم الشيطان المتكبر والمضل لكي يشتكي على البشرية، خاصة المؤمنين، ففي حسده لا يطيق أن يرى إنسانًا ترابيًا ينمو في الروح، وينطلق كما بجناحي حمامة إلى السماء.

كل الأمور مكشوفة أمام الله، فهو ليس في حاجة إلى ملائكة تحمل إليه صلوات مؤمنيه، ولا إلى الشيطان ليكشف عن فساد مؤمنٍ ما. لكن الله في محبته للسمائيين يهبهم عمل المحبة سواء بتقديم الصلوات أو إتمام إرساليته. كما في عدله يترك للشيطان الحرية ليشتكي على من يريد. إنه يقدس حرية الإرادة في المخلوقات العاقلة، سواء على مستوى الطغمات السمائية أو القوات الروحية في الشر، أو البشر.

لا نعجب من هذا، ففي رؤيا زكريا النبي إذ شاهد كلمة الله نفسه كرئيس كهنة يحمل خطايانا كثوبٍ قذرٍ، كان الشيطان قائمًا ليقاومه (زك 3: 1-2).

يسألنا القديس يوحنا الذهبي الفم ألا ندهش من أن يقف المتمرد وسط الملائكة، فإن ما يقدمه السفر هو بصورة بشرية لكي نتفهم الموقف بفكرنا البشري.

v     جاءت الملائكة – حسب النص – وجاء معهم الشيطان، إذ كان يطوف الأرض، ويسير فيما هو تحت السماء. ماذا نفهم من هذا؟ إن الأرض مملوءة بالشياطين والملائكة، والكل تحت سلطة قوة الله، وأن الملائكة يقفون أمام الله حيث يتقبلون منه الأوامر. ولا يقدر الشيطان أن يفعل شيئًا يسره ما لم ينل سماحًا من فوق... بالقول: "جاء الشيطان أيضًا في وسطهم" [6] لا يعني سوى أنه هو أيضًا لا يقدر أن يفعل شيئًا بدون سماح الله.

v     ماذا يعني هذا التعبير؟ إنه معهم في العالم، فكما أن البشر المخادعين والصالحين ممتزجون معًا هكذا الملائكة والشياطين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

لعلَّ أقصى ما يشتهيه الإنسان أن يتمتَّع بالمجد السماوي بالوقوف وسط الطغمات السماويَّة وينعم برؤية الله، فكيف يقف الشيطان هكذا ليرى الله ويدخل معه في حوار؟ بلاشك أن الوقوف هنا لا يحمل المعنى الحرفي، إنَّما سُمح له الله بالحوار من أجل العدالة الإلهيَّة وتأكيد حريَّة الخليقة العاقلة حتى بالنسبة للشيطان وجنوده الأشرار. وقف الشيطان كما وسط الملائكة يُسمح له بالحديث مع الله، لكنَّه لم يتمتَّع برؤية مجد الله، ولا أُشرق عليه بهاء المجد الإلهي، ولا اختبر عذوبة صوت الله كمصدر لذَّة وفرح وسلام حقيقي!

هكذا في يوم الرب العظيم يرى المؤمنون الحقيقيُّون في عينيّ المسيح يسوع حمامة وديعة، وفي أحضانه أمجادًا لا يُعبَّر عنها، أمَّا الأشرار فيرون عينيه لهيب نارٍ، فلا يحتملون رؤيته.

وكما قيل هنا عن الشيطان أنه وقف ممتثلاً أمام الله دون أن يتمتع ببهاء مجده، قيل في موضع آخر عن الملائكة أنهم أرواح خادمة مُرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب 14:1)، لكن إرسالهم للخدمة لا يحرمهم من التمتع بالحضرة الإلهية وإشراق البهاء الإلهي عليهم.

v     ربما يتساءل البعض: كيف يمكن للشيطان وقد سقط عن رتبته بسبب كبريائه أن يقف أمام الرب بين الملائكة؟

هل يُمكن له معاينة الرب وهو غير طاهرٍ؟

لقد سقط إبليس وجنوده ولم يعد من حقه رؤية الله، لكن بحسب طبيعته كروح يمكن المثول أمام الله دون معاينته. هكذا كان ماثلاً يشتكي علينا دون رؤية الله، لأنه غير طاهرٍ.

لاحظ أنه قيل أنه جاء أمام الرب، ولم يُقل أنه رأى الرب. فقد جاء لكي يُرى لا لكي يرى. كان أمام عيني الرب، ولم يكن الرب أمام عينيه، وذلك كما يقف أعمى أمام الشمس، فهو نفسه غارق في أشعة النور، لكنه لا يرى شيئًا من النور البهي... فإن قوة الله، بنظره يخترق كل الأشياء، فيرى الروح الدنس الذي لا يراه. فإنه حتى الأشياء نفسها التي تهرب من وجه الله لا يمكنها أن تكون مختفية، فالكل عريان أمام نظر العلي. فالشيطان الغائب جاء إلى ذاك الذي هو حاضر.

v     من هم الذين يُدعون بني الله إلا الملائكة المختارون؟ وكما نعرف عنهم أنهم يتطلعون إلى عيني عظمته. يليق بنا أن نتساءل: من أين جاءوا ليمثلوا أمام الله؟ فقد قيل عنهم بصوت الحق: "إن ملائكتهم في السماوات كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السماوات" (مت 10:18). ويقول عنهم النبي: "ألوف ألوف تخدمه، وربوات ربوات وقوف قدامه" (دا 10:7). فإن كانوا دائمًا ينظرون ويقفون بجواره، يلزمنا بحرص وتدقيق أن نراعي من أين جاءوا، فإنهم لا يفارقونه قط، لكن إذ يقول عنهم بولس: "أليس جميعهم أرواحًا خادمة مُرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص؟" (عب 14:1)، من هذا نتعلم أنهم مُرسلون ونكتشف من أين جاءوا...

إنهم لا يذهبون بطريقة يُحرمون فيها من رؤية الله، فتُنزع عنهم أفراح التأمل الداخلي، فلو أن بإرسالهم يفقدون رؤية خالقهم لا يقدرون أن يُقيموا الساقطين، ولا أن يعلنوا للذين في الجهالة عن الحق، وما كانوا يستطيعون قط أن يقدموا للعميان ما حُرموا به بتركهم مصدر النور.

تختلف طبيعة الملائكة عن حال طبيعتنا الحاضرة، حيث نحن مقيدون بالمكان ومحدودون بعمى الجهالة، أما أرواح الملائكة فمع كونها محدودة بمكانٍ، لكن معرفتهم ترتفع عنا جدًا، دون وجه للمقارنة، لهم معرفة ممتدة خارجيًا وداخليًا، إذ يتأملون ذات مصدر المعرفة نفسه...

وكما أن أرواحهم ذاتها إن قورنت بأجسادنا فهم أرواح، هكذا إن قورنوا بالروح السامي غير المدرك يُحسبون جسدًا. لذلك فهم مُرسلون منه، وواقفون أمامه أيضًا، إذ في هذا هم مقيدون أن يُرسلوا، وفي نفس الوقت حاضرون بالكامل لن يفارقوه.

هكذا في نفس الوقت يرون وجه الآب دائمًا، ومع هذا يأتون إلينا، حيث يُرسلون خلال سمة التأمل الداخلي. يمكن إذن أن يُقال: "جاء بنو الله ليمثلوا أمام الرب"، إذ يرجعون إلى هناك بعودة الروح، إلى حيث لم يفارقوه قط بعدم انسحاب العقل عنه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟

فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ: مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ،

وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا " [7].

بقوله: "من الجولان في الأرض" يشير أنه لم يتعدَ حدوده، لأن "التنين العظيم طُرح إلى الأرض" (رؤ 12: 6). يرى كثير من آباء الكنيسة الأولين أن الأرض في الكتاب المقدس تشير إلى الإنسان الترابي الجسداني الذي لا ينشغل إلا بالأرضيات، هكذا يجول عدو الخير كما في مِلْكِهِ. بينما تشير السماء إلى الإنسان الروحي الذي ينشغل بالأبديات. فالشيطان لا يقدر أن يتسلل إلى قلب الإنسان الروحي، لكنه يجول بلا ضابط في قلب الإنسان الجسداني.

عدو الخير لا يعرف الخمول، فإنه لا يهدأ ليلاً ونهارًا عن الجولان في الأرض ليغوي أولاد الله على ترك مملكة النور والانشغال بالخطايا.

v     "من الجولان في الأرض ومن التمشي فيها" [7]. ها أنتم ترون أن السماء متعذرة بالنسبة للشيطان الشرير. فإن قلتم: "حسنًا! السماء غير متاحة له، لكن العالم يرحب به. نعم فإن هذا لصالحكم، فإنه إن كنتم حتى وأنتم مع عدو يقظ هكذا لا تهتمون بإصلاح أنفسكم، فيا لكم من أناس خاملين؟...

أنصت إلى بولس وهو يقول: "اللذان أسلمتهما للشيطان، لكي يؤدبا حتى لا يجدفا" (1 تي 20:1).

أتريدون أن تسمعوا نصًا آخر؟ ألا ترون المُعذِبينَ الذين يرافقون المسئولين؟ هكذا يستخدم بولس الشياطين. أما النتائج الصالحة فهي ليست من عمل الشيطان، بل من حب الله للإنسان حيث يستخدم الشيطان لهذا الغرض.

v     ماذا إذن أن يُقال للشيطان: "من أين جئت؟" إلا لكي يدين طرقه كما لو كانت غير معروفة. فنور الحق لا يعرف شيئًا عن الظلمة، هذه التي يوبخها، وعن طرق الشيطان التي يدينها كديانٍ. يليق أن يُسال عنها كما لو كانت مجهولة. ولهذا قيل لآدم وهو في خطيته بصوت خالقه: "آدم، أين أنت؟" (تك 9:3)، فإن القوة الإلهية لم تجهل الموضع الخفي الذي هرب إليه عبده عند عصيانه، لكنه رأى أن الساقط في خطيته مختفيًا عن عيني الحق تحت الخطية...

إنه يدين الشيطان، لذا فُحص طريقه، أما الملائكة المختارون فلا يحتاجون أن يُسألوا من أين جاءوا، إذ طرقهم معروفة لله. إنهم كمن يمثلون حركته، إذ هم خاضعون لإرادته وحدها، ولا يمكن أن يكونوا غير معروفين له.

v     يجول إبليس في الأرض، إذ استخف بالسكنى في سلامٍ في أعالي السماء. وإذ هو كمن يُبلغ بأنه لم يَطِرْ بل مشى، يُظهر ثقل الخطية التي تجعله دائمًا في الأسفل...

يتحدث الله مع الملائكة حينما تُعلن لهم إرادته الداخلية كموضوع إدراكهم، وأما الملائكة فيتحدثون مع الرب متى كانوا بهذا يتأملون فيما هو فوقهم، ويقفون أمامه في دهشة. وهكذا يتحدث الله مع نفوس قديسيه بطريقة ما، وهم يتحدثون معه بطريقة أخرى... نراهم في الرؤيا: "صرخوا بصوتٍ عظيمٍ قائلين: حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض؟... وقيل لهم أن يستريحوا زمانًا يسيرًا" (رؤ 9:6-10).

يتحدث الله مع الشيطان بأربع طرق: فهو يشجب طرقه الظالمة، ويوبخه ببرّ قديسيه، ويسمح له أن يجرب براءتهم، وأحيانًا يوقفه عن أن يجربهم...

إنه يوبخه ببرّ مختاريه، إذ يقول: "هل جعلت قلبك على عبدي أيوب؟ لأنه ليس مثله في الأرض (كلها)". لقد سمح له أن يضع برّه موضع اختباره عندما قال له: "هوذا كل ما له في يدك" [12]. مرة أخرى منعه من أن يجربه عندما قال: "وإنما إليه لا تمد يدك" [12].

البابا غريغوريوس (الكبير)

"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ:

هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟

لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ.

رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيم،ٌ

يَتَّقِي الله وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ" [8].

في حديث الله مع الشيطان يُظهر مدى اعتزازه بأيوب عبده، "لأنه ليس مثله في الأرض" في الاستقامة والتقوى. خلال علاقة الحب المتبادلة بين الله والمؤمن الحقيقي، يقول الأخير: "من مثلك بين الآلهة يا رب؟ من مثلك معتزًا في القداسة، مخوفًا بالتسابيح، صانعًا عجائب؟" (خر 15: 11)"من هو إله مثلك غافر الإثم، وصافح عن الذنب لبقية ميراثه؟" (مي 7: 18). وفي الوقت نفسه يعتز الله بمؤمنيه في إيمانهم، كما مع أيوب (أي 1: 8) وقائد المئة والمرأة الكنعانية، والعجيب أن جميعهم أمميون.

v     كان الصبر بالفعل في أيوب، الأمر الذي كان يعلمه الله، وقد شهد له، لكنه صار معروفًا للبشر خلال اختبار التجربة. فما كان مخفيًا في الداخل وغير ظاهرٍ كثمرةٍ، ظهر بواسطة ما حدث وصار في الخارج[47].

القديس أغسطينوس

v     اعتزم الشيطان على الدخول في صراعٍ، ليس مع أيوب بل مع الله، أما الطوباوي أيوب فكان بينهما موضوع النزاع...

لولا أن الله يعلم أن أيوب يستمر في استقامته بالتأكيد لما سلمه للشيطان. إنه لم يسلمه له لكي يهلكه بالتجربة... وقد التهبت نيران الحسد في ذهن المجرب من أجل مديح الله له.

إذ يفشل العدو القديم في اكتشاف أي شر يمكن أن يتهمنا به، يتجه نحو النقط الصالحة ليحولها للشر، وإذ ينهزم بالأعمال يتطلع إلى كلماتنا ليجد مجالاً للاتهام.

إنه يصارع لكي يُظلم نية القلب حتى لا تصدر أعمالنا الصالحة عن ذهنٍ صالحٍ، وبهذا لا تُعتبر صالحة في عيني الديان. فإنه حتى إن رأى ثمرًا على شجرة خضراء في الحر يبحث عن دودة تفسد الجذور.

v     لاحظوا غباوة الشيطان ومكره. يشهد الله أن أيوب بلا لوم، فهل تود (أيها الشيطان) أن تنتزع شهادة الله؟...

إذ يقول الله: "عبدي أيوب"، ففي هذا الكفاية في تحديد فضيلته...

لقد هاج (الشيطان) في الحال إذ سمع الله يدعو أيوب عبده، فبالنسبة له حُسب هذا توبيخًا له فأثاره للهجوم.

لقد كنت (أيها الشيطان) قبلاً عبدًا... هذا ما عناه بولس: "ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة فبالأولى أمور هذه الحياة´(1 كو 3:6).

لقد بلغ أيوب إلى هذه الدرجة حتى أضاف الله: "رجل كامل، ومستقيم، وحق، يتقي الله". "رجل مستقيم"ن أما أنت على العكس، وإن كنت لست إنسانًا، لكنك لم تثابر على الفضيلة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "هل تفكرت مليًا في عبدي أيوب؟" [8]. في نفس الوقت يعني بدقة أن الخائن (إبليس) يحمل نية خبيثة نحو أولئك الذين يحسبهم خطاة من أجل رذائلهم وأبرارًا خلال خداعه.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

"فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ:

هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ الله؟" [9].

لم يحتمل عدو الخير أن يسمع كلمة مديح تُقال في شخص آخر غيره، حتى وإن صدرت من الله فاحص القلوب والعَاِلمْ بالأفكار وكل الأسرار. هكذا لم يحتمل شاول الملك النساء يمدحن الصبي داود الذي أنقذه هو وكل جيشه وشعبه من جليات الجبار وجيشه (1 صم 18: 6-9). ولم يحتمل رؤساء الكهنة والكتبة الأطفال يسبحون السيد المسيح في الهيكل (مت 21: 15 الخ).

v     يُدعى الشيطان أو المفتري بسبب افتراءاته، فإنه يفتري على الإنسان أمام الله، قائلاً: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟"... ويفتري على الله أمام الإنسان، قائلاً: "نار الله سقطت من السماء، فأحرقت الغنم" (أي 16:1). فكان متلهفًا على إثارته بأن الكارثة حلت من السماء من فوق، فيجعل العبد في نزاعٍ مع السيد، والسيد مع عبده. في الواقع لم يجعلهما في نزاع، لكنه حاول ذلك وكان عاجزًا[48].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "يقضي لمساكين الشعب، يخلص بني البائسين، ويسحق المفتري" (مز 72: 4). بحق يُدعى الشيطان "المفتري"، فقد افترى على كل من الله حيث ادعى أن الله منع الأخذ من شجرة (معرفة الخير والشر) بسبب الحسد، وافترى على أيوب بأكاذيب، قائلاً "هل حقًا مجانًا يتقى أيوب الله؟... أبسط يدك الآن، ومس كل ما له، فإنه في وجهك يجدف" (أي 1: 9، 11). في المزمور الثامن أعطاه اسمي "عدو ومنتقم"، بينما هنا (مز 72: 4) فيدعوه مفتريًا[49].

ثيؤدورت أسقف قورش

v     بالتأكيد الشيطان هو مُوجه الاتهام ضد القديسين. إنه لا يقدر في حضرة ديان كهذا أن ينسب اتهامًا خاطئًا، فهو يعرف مع من يتكلم. لهذا فإنه إذ يعلم عجزه عن تقديم اتهامٍ باطل ضدنا يلجأ إلي القول بشيءٍ صادق. لهذا فإن خصمنا الذي يحسدنا على وجودنا في ملكوت السماوات، ولا يريدنا أن نكون هناك حيث طُرد هو منه، يقول: "هل مجانًا يعبد أيوب الله؟" (أي 1: 9)...

يليق بنا أن نحرص على حبنا لله ليس من أجل مكافأة. فإنه أيّ نوع من المكافأة هذه التي يعطيك الله إياها؟

مهما أعطاك فهي أقل من ذاته. لا تعبد الله لكي ما تقبل منه شيئًا. اعبده دون ترجي في مقابل، وعندئذ تتقبله هو، فإن الله يحفظ نفسه لك لتتمتع به.

إن كنت تحب ما خلقه، فكم يكون خالق العالم؟ انزع من قلبك محبة المخلوقات، لكي ما تلتصق بالخالق، وعندئذ تقول ما جاء في المزمور: "خير لي أن ألتصق بإلهي" (مز 72: 28)[50].

الأب قيصريوس أسقف آرل

v     يقول الشيطان: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟" لماذا تُعجب من أيوب؟ لماذا تدلي بتصريحات غير عادية بخصوص رجل مستقيم؟ فإنك أنت نفسك تصمم على برَّه وهذا إنما بسبب عطاياك التي نالها بسخاءٍ عظيمٍ مقابل فضيلته. صار له فيض في كل شيء، إنه مُتخم في كل شيء، ليس لديه قلق، ليس ما يجعله يخطئ. بيته مبني حسنًا، مملوء بالخيرات. كل ممتلكاته مسيَّجة بسياج البركات. أبناؤه يحيطون به مثل إكليل يتوجه. لماذا لا يكون أيوب مستقيمًا؟ لماذا لا يكون تقيًا؟ أي الوصايا يلتزم بأن يهملها؟ فمن لم يذق الفقر، لماذا يسرق؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     في وقاحة دخل مع الله في جدال (أي 1: 9). هذا ليس اتجاه الشيطان وحده، بل اتجاه الناس الأشرار. ألم يفعل ذلك من ورد عنه في الإنجيل: "عرفت أنك إنسان قاسٍ، تحصد حيث لم تزرع، وتجمع من حيث لم تبذر" (مت 24:25)...

كان يسعى في تشويه دافع أيوب... يود الله دومًا أن يصدر حُكمَه من كلمات أعدائه، حتى لا يترك لهم مجالاً لأي عذرٍ، وذلك كما قيل في العبارة: "من فمك أدينك أيها العبد الشرير" (لو 22:19)... بهذا يُمسك الخداع دومًا في شباكه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ،

وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟

بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْه،

فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ!" [10].

استنتج الربيَّ يوسى حانينا Yose b. Hanina من أي 1: 10 أن ماعز أيوب كان قادرًا على قتل الذئاب. واستنتج الربيَّ يوحنان R. Yohanan  من أي 1: 14 أن الله وهب أيوب أن يتذوق الحياة الفردوسية، فحسده الشيطان، وبدأ يحاربه مفتريًا عليه بخصوص برِّه.

يلقي الشيطان باللوم على الله: "أليس أنك سيجت حوله وحول بيته، وحول كل ما له من كل ناحية؟" حقًا لقد سيَّج الله حوله لحمايته وحماية بيته، ووهبه النجاح والغنى، وبارك أعماله، لكنه لم يفعل ذلك في محاباة، إذ لم يتسم أيوب بالبلادة والرخاوة.

يكشف حديث الشيطان عن بذله كل الجهد ليجد ثغرة يدخل منها إلى قلب أيوب أو فكره ليجتذبه إلى مملكته، فلم يجد.

v     "لأنك قلت: أنت يا رب ملجأي، جعلت العلي مسكنك" (مز 91: 9). لكي تتمتع بهذه العناية الإلهية يقول: لتختبر الرجاء في الرب، ولتجعله ملجأ لك... "لا يلاقيك شر، ولا تدنو ضربة من خيمتك" (مز 91: 10). إنك ستثبت أمام رماح الشيطان، فلن تؤذيك في شيءٍ. بهذا حوطت النعمة الإلهية حول بيت أيوب، هذه التي شهد لها العدو صارخًا بصوت عالٍ: "أليس أنك سيَّجت حوله وحول بيته؟" وعندما سمح له (أن يجربه) أظهر من الجانب الآخر شره، وكلل الديان العادل المصارع المنتصر[51].

ثيؤدورت أسقف قورش

v     "أليس أنك سيَّجت حوله؟" ألا تلاحظون أنه حتى الشيطان يدرك تمامًا أن كل أمان أيوب يأتي من قبل الله. يقول: "باركت أعمال يديه، انتشرت مواشيه في الأرض". ألا ترون أن ثروته هي هبة من الله؟ ألا ترون أنها ليست ثمرة ظلم (أو اغتصاب)؟...

"ولكن أبسط يدك الآن، ومس كل ما له، فإنه في وجهك يباركك (أي يجدف عليك)" [11]. لقد أراد واشتهى أن ينال هذا السلطان منه، لكنه لم يجسر أن ينطق بهذا.

v     ما هو عمل الله الخاص إن لم يكن هكذا، أن يعمل صلاحًا لكل البشرية، بالتأديبات كما بالمسرات تمامًا؟ ليتنا إذن نشكر ليس فقط حين نكون في رخاءٍ، فإن هذا ليس بالأمر العظيم. هذا ما يعرفه الشيطان أيضًا حسنًا، لذلك قال: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟ أليس أنك سيجت حوله وحول كل ما له من كل ناحية؟" (أي 1: 10)[52]

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     يعرف داود الطوباوي بأن هذا الترك المؤقت من جانب الله تجاهنا أحيانًا يكون لصالحنا، وفي صلاته طلب أن لا يكون ذلك على الدوام (لأنه يعلم أن ترك الله للإنسان فيه ضرر حيث تعجز الطبيعة البشرية عن السلوك نحو الكمال)، لذلك توسّل بأن يكون ذلك في حدود معينة قائلاً: "لا تتركني إلى الغاية" (مز 8:119). بمعنى آخر يقول: إنني أعلم أنك تترك قديسيك لأجل فائدتهم وذلك لامتحانهم... لذلك لست أسألك ألا تتركني، لأنه ليس من المفيد لي ألا أشعر بضعفي (لذلك قال "خيرٌ لي أني تذللت" مز 71:119)، ولا من النافع لي ألا تتاح لي فرصة للحرب. وهذه الفرصة لن تتاح لي بالتأكيد مادمت أمتلئ بحماية الله الدائمة. فالشيطان لا يتجاسر ويحاربني مادمت مستندًا على حمايتك، فيتقدم معترضًا ومشتكيًا ضدي وضدك: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟ أَليس أنك سيَّجت حوله وحول بيته وحول كل ما لهُ من كل ناحية؟" (أي 1: 9-10). ألتمس منك أن تتركني، لكن "ليس إلى الغاية" (اللفظ اليوناني "ليس كثيرًا") وذلك لأنه مفيد لي أن تتركني قليلاً، حتى يُمتحن ثبات حبّي[53].

الأب دانيال

v     كلماتك تضربني بشدة في صدري، وتسيج حولي من كل جانب[54].

القديس أغسطينوس

"وَلَكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ،

وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ،

فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ" [11].

في حديث لثيؤدورت أسقف قورش عن العناية الإلهية أثار اعتراض البعض: لماذا يحيا غالبية الأغنياء في حياة تتسم بالظلم؟ لماذا لا يطلبون العدل؟ ولعله استقى مثل هذا الاعتراض من فيلون السكندري ومن بعض الرواقيين. يجيب ثيؤدورت [مرة أخري إنكم تنسون أن للإنسان إرادة حرة. إنكم بهذا تحرمونه من المجد الذي أُعطي له من صانعه. هذا بجانب أن صانعي الشر يجدون أساسًا قويًا للدفاع عن أنفسهم لو أن الديان وزع الثروة على الأبرار وحدهم في الحياة الحاضرة. فيقولون ما قاله سيدهم عن أيوب: "سيَّجت حولهم وحول بيوتهم. ضاعفت محاصيلهم وكرومهم. لكن أبسط يدك ومسْ كل ما لهم، فإنهم يباركون (يجدفون عليك) في وجهك" هذا ما يقوله الخطاة القساة لو أن ممارسي الفضيلة نالوا وحدهم عطية الغنى[55].]

يرى القديس أغسطينوس أن المؤمن الحقيقي مثل أيوب هو بوق ممتد، وأن التجارب أشبه بالطرق بمطرقة، متى ضربت البوق أصدر أصوات تسبيح مفرحة. هكذا المطرقة التي تحطم غير المؤمن تكشف عن سلام وتهليل المؤمن فتزكيه أمام الله[56].

v     لو كان في استطاعة (الشيطان) أما كان ينتقم لنفسه؟ لكن لا يُسمح له بذلك. فعندما أراد أن يجرب أيوب سأل أن ينال سلطانًا ليفعل ذلك، ولم يكن قادرًا أن يفعل شيئًا لم ينل به سلطانًا. فلماذا لا تعبدون الله بدون خوف، ذاك الذي بدونه لن يؤذيكم أحد، وبسماح منه تؤدبون لكن لا تُهزمون؟[57]

v     استطاع (الشيطان) أن يحسد الرجل القديس (أيوب)، لكن هل استطاع أن يؤذيه؟

أمكنه أن يتهمه، لكن هل استطاع أن يدينه؟

هل استطاع أن ينتزع منه شيئًا أو يؤذيه، ولو بقدر ظفر إصبع أو شعرة من رأسه، دون أن يقول لله: "ابسط يدك"؟

أعطني سلطانًا. لقد أُعطي له.

واحد جرَّب، والآخر جُرب. لكن الذي جُرب غلب، والذي قام بالتجربة انهزم.

فالله الذي سمح للشيطان أن يسحب كل ما له لم يتخلَ عنه داخليًا بكونه خادمه. جعل من نفس خادمه سيفًا به انهزم الشيطان.

وما هي المحصلة؟ أظن أنها لنفع البشرية عامة. الإنسان التي انهزم في الفردوس صار غالبًا وهو على المزبلة. في موضع هزمه إبليس خلال امرأة، وفي موضع آخر غلب إبليس والمرأة معًا[58].

القديس أغسطينوس

v     يهيئ الشيطان التجربة، فإن رأى شخصًا ضعيفًا يقوم بالهجوم عليه، أما إذ رآه قويًا يتوقف[59].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     هذا أيضًا ما نقرأ عنه، أن البرّ الإلهي قد أعان أيوب الأمين بحق في مصارعته، عندما ناهضه الشيطان في معركة فريدة. لكن لو تقدم أيوب ضد عدوه، ليس بقوته، إنما بحماية نعمة الله مسنودًا بالعون الإلهي من غير ممارسة أي احتمال من جانبه، فإنه في خضوعه لهذه التجارب المتعددة... يكون للشيطان أن ينطق بعدلٍ، مفتريًا بما سبق أن قاله قبلاً: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟! أَليس أنك سيَّجت حولهُ حول كل ما لهُ من كل ناحية؟! ولكن ابسط يدك الآن"، أي اسمح لي أن أحاربه "فإنهُ في وجهك يجدّف" (أي 9:1-11).

لكن لم يستطع العدو المفتري أن يحتج بهذا بعد المعركة، لأنه انهزم بقوة أيوب وليس بقوة الله[60]، لا بمعنى أن نعمة الله فارقت أيوب، لأنها هي التي أعطت للمجرب سلطانًا أن يجرب في الحدود التي كانت ترى فيها أن أيوب يقدر أن يقاومها، وفي نفس الوقت لم تحمه النعمة من هجمات العدو بطريقة تنزع فيها فضيلته وجهاده، إنما تعينه. بمعنى أنها لا تسمح لذلك العدو الذي هو في غاية القسوة أن ينزع عنه عقله أو يغرقه أثناء ضعفه ببث أفكار فوق طاقته أو النزول معه في نزاع غير متساوٍ معه[61].

الأب شيريمون

v     غالبا ما تسمح العناية الإلهية أن يواجه المؤمن مضيقات لكن ما يظهر للآخرين الفضيلة المخفية فيه, هكذا كان الحال بالنسبة لأيوب[62].

 الأب يوحنا الدمشقي

"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ:

هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ،

وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ.

ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ " [12].

لقد سمح الله للشيطان أن يجرب أيوب، كما سمح أن يغربل بطرس الرسول، لكن حرص ألا يفنى إيمانه (لو 22: 32)، فإن التجارب تؤول للمدح والكرامة والمجد (1 بط 1: 7).

التصريح الذي سمح به الرب للشيطان يعطي المؤمن طمأنينة وسلامًا، فعدو الخير لا يقدر أن يمس مؤمنًا دون إذن إلهه، حتى أملاكه لا يقدر أن يقترب إليها بدون سماح إلهه. أما الله فهو الأب القدير المحب الحكيم، يعطي السماح بالقدر الذي نحتمله، وبما يؤول إلى مجدنا إن كنا أمناء.

قيل عن عدو الخير: "خرج الشيطان من أمام وجه الرب" كما قيل عن قايين (تك 4: 16)، إذ لا يحتمل الشر الوجود في الحضرة الإلهية. أما بنو الله الماثلون أمام الله فلم يُقل عنهم أنهم خرجوا من وجه الرب. هكذا يبقى المؤمنون في حضرة الرب حتى في لحظات نومهم!

لقد سمح الله للشيطان بأن ينال سلطانًا لتجربة أيوب البار حسب الحدود التي وضعها له. هنا يميز البابا غريغوريوس (الكبير) بين إرادة الشيطان وسلطانه. فمن جهة إرادته فهي دومًا شريرة، أما سلطانه الذي يُسمح له به من قبل الله فلن يكون فيه ظلم، لأنه بسماحٍ إلهيٍ لأجل تزكيتنا وبنياننا. لهذا لا نعجب مما ورد في (1 صم 10:18) "الروح الرديء من قبل الله اقتحم شاول، وجن في وسط البيت". فهو روح شرير، أما القول: "من قبل الله"، فلأنه ما كان يمكنه أن يقتحم شاول بدون نوال سلطانٍ من الله العادل. يقول القديس بولس: "لم تصبكم تجربة إلا بشرية، ولكن الله أمين، الذي لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون" (1 كو 13:10). لذا يقول داود المرتل: "جربني يا رب، وامتحني" (مز 2:26).

يرى القديس أغسطينوس أن الله يسمح للشيطان أن يُسقط عليهم الضيقات، إما لأجل تأديبهم كما سلم شعبه للسبي بواسطة الغرباء؛ وإما للامتحان كي يتزكوا كما سمح لأيوب أن يُجرب، وإما ليبعث بهم إلي نوال الإكليل كما سمح لشهداء أن يُضطهدوا[63].

v     بالحقيقة عندما سأل الشيطان أن يُعطى له سلطان ضد أيوب، كان هجومه عليه سببًا في نوال أيوب مجدًا مضاعفًا بعد نصرته. نواله ضعف ما فقده في الحاضر أظهر بالحقيقة أنه سينال بلا شك بنفس الطريقة في المواضع السماوية. يقول الرسول إنه: "إن كان أحد يجاهد لا يُكلل إن لم يجاهد قانونيًا" (2 تي 2: 5).

بالحقيقة كيف يوجد جهاد إن لم يوجد من يقاوم؟

يا لعظمة جمال النور وبهائه الذي لا يمكن تبينه إن لم تعترضه ظلمة الليل.

لماذا يُمدح البعض لأجل الطهارة، إلا لأن آخرين يدانون على وقاحتهم؟

لماذا يتمجد الأقوياء إلا لأنه يوجد جبناء؟

عندما تستخدم ما هو مُر، عندئذ يصير لك الحُلو مستحقًا للمديح بالأكثر[64].

العلامة أوريجينوس

v     نقرأ في سفر أيوب كيف أن الشيطان نفسه الذي يظهر كمن له كل السلطة إلي حين لا يقدر أن يفعل شيئًا بدون سماحٍ. لقد نال سلطانًا على الأشياء الدنيا، وفقد سلطانه على كل ما هو أعظم وأسمى. سلطانه هذا ليس كمن يصدر عقوبة، بل العقوبة حالة به هو نفسه[65].

v     لقد سمح الله للمجرب، لا لكي يعرف ما هو بالفعل يعرفه (عن أيوب)، وإنما لكي نعرف نحن ونقتدي به. لقد سلم للمجرب، فسلب كل شيء. وبقي الرجل مسلوبًا من ممتلكاته ومن أسرته ومن أولاده، لكنه كان ممتلئًا من الله[66].

v     سُمح للمجرب أن يجرب إنسانًا قديسًا، أيوب. في لحظة واحدة نزع كل الأشياء، أزال كل ما كان يملكه، نزع الميراث، وقتل الوارثين. لم يحدث هذا شيئًا فشيئًا، بل جملة معًا، بضربة واحدة... فأعلن عن الكلٍ بإعلان مفاجئ. حين أُزيل كل شيء بقي أيوب وحده، لكن بقيت فيه نذور التسبيح التي يرددها لله[67].

v     استجاب الله (لشعبه) طلبتهم، أعطاهم ملكًا حسب قلبهم – كما هو مكتوب - وليس حسب قلبه هو. لقد وهب أيضًا ما سأله إياه الشيطان أن يجرب خادمه لكي يتزكى[68].

القديس أغسطينوس

v     ألا ترون الحدود التي وضعت في الاختبار؟ أما تلاحظون أن الشيطان ما كان يمكنه أن يلمس حتى القطيع لو لم ينل سلطانًا؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     يُسمح للشيطان المجرب أن يثير حربًا على القديسين بكل طرق التجربة، حتى يتزكى حبهم لله، ولكي يكون ذلك شاهدًا. وذلك عندما يُنزع عنهم أو يحرمون أو يصيرون في عوز ومعدمين من الأمور الحسية، بينما يبقون محبين لله، ثابتين في محبته، يحبون بالحق. وبينما يحاول (الشيطان) إغراءهم يبقون غير منهزمين، ولا يغيرون محبتهم لله...

فالعدو يرغب بقوة أن يجرب كل إنسانٍ، إن كان ذلك ممكنًا له، ويسأل الله من أجل الكل لكي يجربهم كما سأل من أجل الرجل البار أيوب... وإذ نال في وقت قصير سماحًا اقترب الشيطان فورًا حسب قوة من سيجربه. هكذا يصارع الشرير معهم حسب شهوته. بهذه الوسائل، أولئك الذين هم مستقيمون وثابتون في حب الله يتزكون عندما يستخفون بكل شيء ويحسبونه كلا شيء بجوار حبهم لله[69].

مار اسحق السرياني

v     يُعطى السلطان ضدنا في شكلين، إما للعقاب عندما نخطئ، أو للمجد عندما نتزكى، كما نرى في حالة أيوب[70].

الشهيد كبريانوس

v     "هوذا كل ما له في يدك، وإنما إليه لا تمد يدك" [12]، يمكن أن يكون لها معنى آخر. لقد عرف الرب حقًا أن جنديه كان شجاعًا، وأن النصرة أكيدة تحت كل الظروف لهذا المصارع الصامد. وأن العدو سيعود إلى الرب مهزومًا من صراع واحدٍ. عندئذ يسمح له بمعركة أخرى لكي يُهزم للمرة الأخرى، ويصير هذا الذي يتبعه بأمانة منتصرًا بالأكثر بطريقة لا تُقارن على العدو المنهزم الذي استعاد قواه للحروب الجديدة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     ما كُتب عن أيوب ليس بدون معنى، إذ يتضح من الكتاب أن الشيطان طلبه وسعي إليه. فإن الشيطان لا يستطيع أن يعمل شيئًا من ذاته بدون إذن من الله.

ماذا يقول الشيطان للرب؟ "سلمه ليدي، فإنه في وجهك سيجدف عليك" (أي 1: 12) ولا يزال أيوب كما هو إلى الآن، وهكذا الله أيضًا، وكذلك الشيطان. لذلك فبقدر ذلك يطلبه الشيطان ويقول للرب: "إنما هو يخدمك، لأنك تساعده وتحميه وتعينه، ولكن ابسط يدك الآن وسلمه لي، فإنه في وجهك يجدف عليك".

باختصار إذ يكون الشخص حاصلاً على العزاء بالنعمة، تنسحب النعمة قليلاً حتى يمكن أن يُسلم للتجارب. ويأتي الشيطان ويحضر معه آلاف من الشرور كتجاربٍ للإنسان، مثل اليأس والارتداد والأفكار الرديئة، ليعذب بها النفس، لكي يضعفها ويفصلها من الرجاء في الرب[71].

القديس مقاريوس الكبير

v     [لا تدخلنا في تجربة] الصلاة هنا ليست لكي لا نُجرب، بل لكي لا ندخل (ننقاد) في تجربة. فإذ يلزم لكل إنسان أن يُمتحن بالنار، عليه ألا يصلي لكي لا تمسه النار، بل لكي لا يهلك. لأن آنية الخزف تُختبر بالأتون، والإنسان يُمتحن بالضيقات trail of tribulation (حكمة يشوع 6:27).

يوسف أُمتحن بغواية الزنا، لكنه لم يدخل في تجربة (تك 7:39-12).

وسوسنة جُربت أيضًا دون أن تدخل في تجربة (دا 22:19).

وكثيرون من كلا الجنسين جُربوا دون أن يدخلوا في تجربة.

أما أيوب فأعظمهم، لأنه ثبت ثباتًا عجيبًا في الرب إلهه[72].

القديس أغسطينوس

v     ليس لدى (الشياطين) سلطان ولا قوة يمارونها ضد أحد ما لم ينالوا سماحًا من الله حسب تدبيره, مثال ذلك ما حدث ضد أيوب (أي1: 2), وضد الخنازير المذكورة في الأناجيل (مر 5: 13)[73].

 الأب يوحنا الدمشقي

v     ليس للأرواح الشريرة السلطان أن تضر أحدًا، يظهر ذلك بوضوح في حالة الطوباوي أيوب، حيث لم يتجاسر العدو أن يجربه إلا حسبما سمح الله به... وقد اعترفت الأرواح نفسها بذلك كما جاء في الإنجيل، إذ قالت: "إن كنت تُخرِجنا فَأْذَنْ لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير" (مت 31:8). فإن كان ليس لديهم السلطان أن يدخلوا الحيوانات النجسة العُجم إلا بسماح من الله، فكم بالحري يعجزون عن الدخول في الإنسان المخلوق علي صورة الله؟![74] 

الأب سيرينوس

4. نكبات متلاحقة

"وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَبْنَاؤُهُ وَبَنَاتُهُ

يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا،

فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ" [13].

v     يلزمنا ملاحظة التوقيت الذي حلت به التجارب، فقد اختار الشيطان وقت التجربة عندما كان أبناء الطوباوي أيوب منشغلين في وليمة (أي 1: 13). فإن المقاوم لم يبحث فقط ماذا يفعل، وإنما متى يفعل هذا. فمع نواله السماح، إلا أنه بحث عن التوقيت المناسب ليمارس تدميره. وبترتيب الله كان الهدف هو تسجيل هذا لنفعنا، فإن التمتع بالملذات الكاملة هو تهيئة لحلول البلايا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"أَنَّ رَسُولاً جَاءَ إِلَى أَيُّوبَ وَقَالَ:

الْبَقَرُ كَانَتْ تَحْرُثُ،

وَالأُتُنُ تَرْعَى بِجَانِبِهَا" [14].

جاء في الترجمة السبعينية "الأتن مع صغارها"، ففي حذاقة شديدة أراد العدو أن يزيد من مرارة الكارثة، فقد سبى السبئيون البقر النافعة، إذ كانت تحرث الأرض، والأتن المخصبة، إذ كان معها صغارها. بهذا أراد العدو أن يضرب بعنفٍ ليجعل الجرح في نفس البار أيوب أكثر مرارة. هذا بجانب سقوط الكوارث متلاحقة وبسرعة بالغة.

فَسَقَطَ عَلَيْهَا السَّبَئِيُّونَ وَأَخَذُوهَا،

وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ،

وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ [15].

إذ أخذ الشيطان إذنًا بالتجربة لم تعوزه الإرادة التي ينفذ بها خطته، فإن الأشرار يتممون مشورة أبيهم الشرير. وكما قال السيد المسيح لليهود في عصره: "أنتم من أبٍ هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا" (يو 8: 44). فإنه هو "الروح الذي يعمل في أبناء المعصية" (أف 2: 2).

v     ألا ترون سرعة الضربة؟... مثل هذا لم يحث قط من قبل، ولا سمع أحد عن أمرٍ كهذا. أضف إلى هذا أنه لم يُعد ممكنًا حرث الأرض بعد، وفي لحظة جُرد أيوب من كل ممتلكاته. رؤية هلاك القطيع مؤلمة دائمًا، خاصة إن حدث في وقت يعتمد الإنسان تمامًا عليه... أضف إلى ذلك فإن حدوث قتلٍ وسط الدمار يجعل الصراع غير محتمل، حيث تظهر الوحشية والهمجية. إنها كارثة مزدوجة، القتل والحملات الهجومية، مع الهزال المتبقي مضافًا إلى المحن التي لحقت به، حيث لم تعد تجعله جاهلاً بهول طبيعة الكارثة التي للحدث.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يؤكد القديس أمبروسيوس أن كثيرًا من الأمور التي تبدو شريرة ورديئة ونحن نعاني منها تصير فرصة لنمو فضائلنا، كما حدث مع أيوب في تجاربه المتعددة.

v     أما كان (أيوب) يصير في حالٍ أقل تطويبًا لو لم يعاني من هذه الأمور التي بها بالحقيقة قد تزكى؟[75]

 القديس أمبروسيوس

"وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذْ جَاءَ آخَرُ، وَقَالَ:

نَارُ الله سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ،

فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ،

وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ" [16].

تلاحقت النكبات في لحظات وبسرعة فائقة، ولعل العدو تعمد ذلك لكي لا يترك لأيوب فرصة للتفكير المتزن، بل مع تلاحق الكوارث يظن أن غضب الله قد حّل عليه، وأنه لن يتوقف. كانت التجارب كأمواج لا تهدأ. "غمر ينادي غمرًا" (مز 42: 7).

العجيب في الرسل القادمين إلى أيوب أنهم يؤكدون أن البقر كانت تحرث، والأتن ترعى. وكأنه حتى الحيوانات كانت تقوم بدورها، فليس من لومٍ على الأبناء، ولا الخدم، ولا الحيوانات، وكأن اللوم كله ينصب على الله وحده دون غيره. لقد كانت خطة الشيطان محكمة للغاية، ليضرب قلب أيوب حتى يحول كل مشاعره وأفكاره نحو التجديف على الله.

بينما كنت أسجل هذا التفسير إذا بشاب يموت فجأة، فصار صديقه العزيز عليه جدًا يجدف: "لماذا أخذ الله أعز صديق لدي؟" ويرفض أية تعزية... بل وأحيانًا يتمتم: "أين هو الله؟ وإن وُجد، فأين رحمته ورعايته؟" وكأن عدو الخير في كل جيل يبذل كل الجهد لتحويل طاقات البشرية نحو التجديف على الله.

لم يعطِ عدو الخير الفرصة لأيوب كي يفكر في القيام بحرب ضد السبئيين ورد ممتلكاته، إذ جاء الخبر التالي يعلن أن نارًا من السماء نزلت من عند الله فأحرقت الغنم والغلمان وأكلتهم. فإن كان يريد أن يحارب السبئيين، فمن أين يأتي برجاله للقتال وقد أحرقتهم نار إلهية. ثم هل يحارب الله؟ وكيف يبلغ إليه؟... وكأنه لم يعد في متناول يد أيوب غير لسانه ليجدف على الله كظالمٍ عنيفٍ لا يعرف الرحمة.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن بقوله: "نار الله سقطت من السماء"، أراد العدو أن يوحي لأيوب أن ما يحل به ليس بضربات بشرية بل من قبل الله، وموجهة ضده وحده دون بقية المحيطين به. ولعله بهذا أراد تشويه صورة الله في عينيه. فمع عدم ارتكابه خطايا عظمى وعدم إهماله في العبادة لله، إلا أن الله حلّ بغضبه عليه دون غيره، مما يثير فيه الدافع نحو التجديف على الله كظالمٍ. إذ أحرق الله الغنم التي اختار أفضلها ليقدمها محرقات لله، فإن الله يبدو كمن لا يُسر بمحرقاته، ولا يقبل عبادته، أو كأن "عبادة الله باطلة" (مل 3: 14).

لم يُسمع عن احتراق صادر من السماء منذ حرق سدوم وعمورة، لذا يقول أيوب: "لأن البوار من الرب رعب عليّ" (أي 31: 23).

v     لئلا لا يثيره فقدان ممتلكاته بحزنٍ كافٍ عند سماعه الخبر حث مشاعره بكلمات الرسول ذاتها.

لاحظوا كيف بمكرٍ قيل "نار الله"، كما لو قيل إنك تعاني من افتقاد ذاك الذي تريد أن تسترضيه بذبائح كثيرة هكذا. ها أنت ساقط تحت غضب ذاك الذي تشغل نفسك بخدمته كل يوم...

هذه هي الغاية أن يستعيد في ذاكرته خدماته الماضية، ويحسب أنه باطلاً قد خدم، وكأنه قد أراد أن يثير فيه الشعور بظلم الخالق.

فإن الذهن التقي إذ يجد نفسه يواجه حمل صلبان من يدي إنسان يطلب التعزيات من العناية الإلهية. وعندما يرى عاصفة التجربة تستمد قوتها من الخارج، يطلب أن يغطيها بالثقة في الرب، ويلجأ داخليًا إلى ميناء الضمير. لكن ذاك الخصم الماكر أراد أن يحطم في ذات اللحظة قلب هذا القديس الشجاع، وذلك بضربات موجهة من إنسان وباليأس من الله.

جاء إليه بأخبار أولاً عن السبائيين الذين قاموا بالنهب، وفي الحال جاء النبأ عن نار الله التي سقطت من السماء، حتى يغلق الباب تمامًا عن أية وسيلة للتعزية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذْ جَاءَ آخَرُ، وَقَالَ:

الْكِلْدَانِيُّونَ عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَق،

 فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا،

وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ،

وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ" [17].

لم يتركه العدو ليفكر لماذا سقطت النار من السماء كما بأمر إلهي، إذ جاءه رسول آخر يخبره بضربة جديدة من فعل الكلدانيين. وهو في هذا يريد أن يربك فكر أيوب. فإن كانت النار قد حلت من قبل الله، فلعل أيوب يظن أنها ضربة لتأديبه، لكن إذ يجد حتى البشر يسقطون عليه، فبماذا يبرر هذا؟

للمرة الثالثة تحل به نكبة خطيرة، وقد جاءت عن طريق ثلاث فرق من الكلدانيين، في وقت فقد فيه أيوب كل إمكانية للمقاومة. ولعل العدو أراد بهذه الضربة أن يصرخ أيوب في قلبه: "لماذا ينجح الرب طريق الأشرار؟"

"وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذْ جَاءَ آخَرُ، وَقَالَ:

بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا،

فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ" [18].

"وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ،

وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَع،

 فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا،

وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ " [19].

لكي يزيد من مرارة الكارثة، بعث إليه بخبرٍ خطيرٍ وهو أن الطبيعة أيضًا ثائرة ضده، فريح شديدة هزت البيت وقتلت أولاده وبناته، حتى يصعب عليه أن يخرج جثثهم سليمة! سيكون منظرهم بشعًا للغاية. هذا بجانب إرباك فكر أيوب: كيف تتكاتف السماء والأرض معًا ضده، الله والبشر والطبيعة يقاومونه، لماذا؟ ماذا فعل ليسقط تحت هذه الكوارث المتلاحقة من مصادر مختلفة؟

هذه أمر الضربات تركها العدو في النهاية، حتى يصوب سهمًا قاتلاً في قلب أيوب، إذ مات أولاده وبناته جميعًا في لحظات تحت الأنقاض. إنها خسارة بالغة جدًا. عندما مرض الابن الرضيع لداود لم يحتمل المرارة، بل صار يسير ذهابًا وإيابًا يصرخ، فماذا يكون حاول أيوب الذي فقد كل أولاده وبناته فجأة.

كان أيوب في حاجة إلى أولاده يعزوه في كل ما فقده، لكن موتهم، خاصة بهذه الطريقة، حتمًا جعله ينسى كل التجارب السابقة ليسقط في مرارة لا تُحتمل.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إنه في الكوارث السابقة ربما يوجد ما يبرر قول الرسول: "ونجوت أنا وحدي"، حيث هرب ما لحق بحيوانات أيوب، أما أن ينجو هذا الرسول الأخير من سقوط البيت بينما يموت كل أبناء وبنات أيوب معًا، فهذا أمر غير طبيعي، فما هو السرّ؟ يرى الذهبي الفم أن هذا الرسول لم يكن إنسانًا بل الشيطان نفسه، لأنه كيف ينجو من يخدم أبناء وبنات أيوب دونهم وهو معهم في ذات البيت الذي سقط وأهلك من فيه؟

v     هل فقدت طفلاً! إنك لم تفقده؟ لا تقل هذا، إنه نائم، وليس ميتًا، لقد تحرك ولم يتدمر، إنه في رحلة من حال سيئ إلى ما هو أفضل.

لا تثر الله ليغضب، بل استعطفه. فإنك إن احتملت هذا بنبلٍ، فإن الراحة تتضاعف بالنسبة للراحل كما بالنسبة لك. أما إن حدث العكس فإنك تلهب بالأكثر غضب الله...

قدم شكرًا فإنه بهذا تتبدد سحابة الحزن عنك. قلْ مع أيوب: "الرب قد أعطى، الرب أخذ" (أي 21:1)[76].

القديس يوحنا الذهبي الفم

5. أيوب الشاكر

"فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَه،ُ

وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ،

وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ " [20].

لو لم يتصرف أيوب هكذا لحُسب إنسانًا بليد الحس، جامدًا، غير طبيعي وغبيًا، لم يتأثر بموت بنيه وخدمه. لقد كشف بهذا التصرف عن مرارة نفسه دون الخروج عن حدود اللياقة، وذلك بالنسبة لكثرة التجارب المتلاحقة وبشاعتها.

بجانب هذا فإن ما فعله كان يناسب العادات المتبعة في ذلك الحين. تصرفه لا يعني أنه فقد سلامه الداخلي أو شجاعته وصبره وقوة احتماله.

يرى بعض المفسرين أنه التجأ إلى هذا، لأن عدو الخير حاول أن يبث أفكار التجديف على الله. فتمزيق الثياب وجز الشعر هما علامة على إصراره على رفض هذه الأفكار. لأن تمزيق الثياب علامة الرغبة في رفض التجديف، وذلك كما فعل رئيس الكهنة، حينما ظن في يسوع المسيح أنه قد جدف.

سجوده حتى الأرض علامة على إخلاصه مع نفسه، إذ شعر أنه خاطي، وأن نفسه قد انحطت حتى التراب.

يرى الأب هيسيخيوس الأورشليمي أن أيوب قام بتمزيق ثيابه كما بجز شعر رأسه من أجل الحزن، لكن بالأكثر لكي يتعرى من كل شيء، حتى من ثوبه وشعر رأسه، فلا يجد عدو الخير شيئًا يمكنه أن يجربه فيه. كما في تواضعٍ أمام الله سقط على الأرض.

v     "سجد" ليقنع الخائن أنه باطلاً يفتري عليه أمام الله. فإن ذاك الذي قال عنه (الشيطان) أنه سيجدف (11:1؛ 5:2) ها هو يسجد. الشخص الذي قال عنه أنه متى دُمرت ممتلكاته سيظهر جحودًا أمام الله، ها هو يقدم شكرًا أكثر من قبل.

v     البعض يحسبونها درجة عالية من فلسفة الثبات أنهم متى سقطوا تحت تأديبٍ قاسٍ، يكونوا بليدين في إحساسهم بالضربات، وفي ألم الجلدات. والبعض يبالغون في حساسيتهم لألم الضربات...

يقول النبي: "ضربتهم فلم يتوجعوا؛ أفنيتهم وأبوا قبول التأديب" (إر 3:5). مقابل هذا الحوار القلبي في الإحساس بالتأديب يقول المرتل: "لن يثبتوا في المحنة" (مز 10:140 الفولجاتا). فإنهم يثبتون في المحنة إن احتملوها بصبرٍ.

v     كانت العادة في العصور القديمة أن يحتفظ كل واحدٍ بمظهر شخصه بترك شعره ينمو، ليقصه في أوقات الحزن.

إذ فقد الرجل القديس كل شيء في وقت محنته بواسطة الخصم، أدرك أن الشيطان ليس له سلطان عليه أن يجربه بدون سماح الرب، لهذا لم يقل: "الرب أعطى، والشيطان أخذ"... فإنه يكون الأمر محزنًا إن كان ما يعطيه الخالق يأخذه منه العدو. لكن الذي يأخذه ليس أحد آخر إلا ذاك الذي أعطى، حيث استرد ما له، ولم يأخذ ما هو لنا. فإن كل ما نستخدمه في حياتنا الحاضرة يأتي من عنده، فلماذا نحزن إن كنا نرد إليه ما اقترضناه منه خلال سخائه؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     يا لشجاعة أيوب التي تفوق كل ما يُخبر به! يا للتواضع! يا لحب الله!...

هل ظن العدو أن أيوب لا يبالي بالبقر، ولا يهتم بالأتن، وحسب القطيع أمرًا ليس بذي قيمة، والجمال كأنها لا شيء، وكل ممتلكاته أمورًا يُستهان بها؟

ماذا بخصوص الحزن على موت بنيه وبناته، كيف لم يُسقطه في رعبٍ؟...

ذاك الذي كان أبًا لأبناء كثيرين لم يعد أحدٍ ما يدعوه "أبي".

لم يقل لله: "أية خطايا كثيرة ارتكبها أيوب حتى يُحسب غير أهلٍ أن يحتضن أبنائه عند موتهم، ولا يكون قادرًا أن يكرمهم بدفنهم في قبرٍ، ولا في استطاعته أن يتعزى بدموعٍ كعادة طبيعية كاملة، ولا في قدرته أن يقود موكب جنائزي، كما يفعل عادة الآباء والأصدقاء؟...

إذن ليتكم لا تغضبون حينما تُجردون من ممتلكاتكم، وتُحرمون من الكرامات الزمنية، وتُعزلون عن الأبناء أو الآباء.

حين تفقدونهم حسب ناموس الطبيعة، لا ترتبكوا...

فلا يُمكن أن يُسلب منكم غناكم الحقيقي الذي هو التسبيح لله، الأمر الذي يجعلكم أقوياء تتحَّدون كل الأحداث.

هل العبد يقدم اتهامًا عندما يُطالب بالوزنات التي أودعه إياها سيده؟ (مت 19:25)

أو إذ أخذ قرضًا، فهل يضطرب عندما يرده؟...

نعم، إذ نعطي ما هو ليس لنا، ليتنا نتقدم لله بكونه مستحقًا الشكر، عندما يعطي كما عندما يأخذ.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "فقام أيوب، ومزق جبته، وجزَّ شعر رأسه" [20]. لا تظنوا أيها الأحباء أن هذه الإيماءة علامة هزيمة، بل هي على وجه الخصوص إشارة إلى النصرة. فلو لم يتصرف قط لحُسب أنه كان في حالة ذهول، لكنه بالحق أظهر نفسه حكيمًا وأبًا تقيًا في نفس الوقت. فإنه أية خسارة هذه التي لحقت به؟ إنه لم يحزن فقط على فقدان أبنائه وأيضًا حيواناته، وإنما على الطريقة التي ماتوا بها. من لا يتحطم أمام هذه الأحداث؟ أي رجل حديدي لا يتأثر بها؟

بولس أيضًا كانت له هذه المشاعر في مواجهة الدموع، إذ يقول: "ماذا تفعلون، تبكون وتكسرون قلبي؟" (أع 13:21) وهو بهذا كان موضوع إعجاب! هكذا أيوب يستحق الإعجاب، لأنه بالرغم من المشاعر التي دفعته إلى هذا التحرك عبَّر عنها بطريقة ليس فيها أي شيء غير لائق نهائيًا...

موسى (النبي) كسر (لوحي الناموس)، ويشوع مزق ثيابه (خر 15:32-20؛ يش 6:7)، فلو أن أيوب لم يمزق ثيابه لقيل أن الله خلقه بطبيعة لا تتأثر (جامدة)، لكنه قبل الآلام التي تحل بالأبرار حتى تدركوا أنه التزم أن يكون حكيمًا حتى في حزنه.

v     "وخر على الأرض وسجد" [20]. لكي لا تظنوا أن تمزيق ثيابه يعني تجديفًا، وأنه في حالة غضب على الأحداث أنصتوا إلى ما يقوله. لقد تنازل عن ثوبه للشيطان. يقول النص: "وجزَّ شعر رأسه... وقال: عريانًا خرجت من بطن أمي، وعريانًا أعود إلى هناك". مرة أخرى يتكلم حسنًا. فإنه منذ ذلك الحين يواجه الصراع ملقيًا بنفسه عاريًا.

لقد سقط على الأرض وأسقط الشيطان. لقد أظهر مشاعره وأوضح تقواه...

لاحظوا كيف أنه بتصرفاته هذه أعلن عن كلمات الرسول: "لأننا لم ندخل العالم بشيءٍ، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيءٍ" (1 تي 7:6).

لاحظوا كيف أن كلماته التي نطق بها خدمته، ليس هو وحده فقط، بل وستخدمنا نحن أيضًا.

هذه الممتلكات فوق كل شيء هل هي ملكي؟ هل أنا الذي جبلتها؟

هذه الثروة، أليست هي وديعة؟ إنها غريبة عني، إذ لم ترافقني عند دخولي هذا العالم، لا ترافقني عند خروجي...

ليتنا نكون متبلدين من جهة الغنى. لهذا خلقنا الله عراة منذ البداية، وجعلنا قابلين للموت.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     عندما مات أبناء أيوب وجدوا مقبرة عامة تحت أنقاض بيته, وكل ما استطاع أن يفعله هو إظهار عاطفته الوالدية بتمزيق ثيابه وسقوطه على الأرض والسجود قائلاً: "عريانًا خرجت من بطن أمي, وعريانًا أعود إلى هناك, الرب أعطى، والرب أخذ, فليكن اسم الرب مباركا" (أي 1: 20)[77].

القديس جيروم

"وَقَالَ: عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي،

وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ.

الرَّبُّ أَعْطَى، وَالرَّبُّ أَخَذَ،

فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا" [21].

لم يذكر الكتاب المقدس أية تسبحة تغنى بها آدم وحواء في الفردوس وسط كل العطايا والبركات الفائقة التي تمتعا بها. لكن سجل لنا سفر أيوب تسبحة قصيرة تفوق الكثير من التسابيح, تسبحة تفرح قلب الله وقلوب السمائيين, و تبقى منقوشة كما على صخر تتغنى بها الأجيال, ويجد فيها البشر عبر الأجيال تعزيان إلهية. هكذا ما كنا نتمتع بالمزامير وحياة التهليل الداخلي لو لم يكن داود النبي رجل الآلام, وما كنا نتغنى بتسبحة الثلاثة فتية القديسين لو لم يلقوا في أتون النار.

بقوله هذا يعلن أيوب عن عودته إلى أصله، وكما يقول الحكيم: "يرجع التراب إلى الأرض كما كان" (جا 12: 7). عرايا نعود حيث نرجع إلى التراب الذي أُخذنا منه (أي 23: 6). جاء المثل اللاتيني بأنه "لا يمكن أن يبلغ أحد إلى حالة من الفقر المدقع أكثر مما كان عليه حين وُلد".

ظهرت أمانة أيوب على غير ما ادعي الشيطان، فعوض أن يجدف على الله باركه، معترفًا بالعناية الإلهية مهما حلّ به من ضيقات.

لم يقل الله أعطي والسبائيون والكلدانيون أخذوا، ولا قال الله أعطاني والرب أفقرني، وإنما قال بأن الله الذي أعطى من حقه أن يأخذ. إنه لم يخسر شيئًا، لأن كل ما لديه حتى أولاده هم ملك الله، هم عطيته.

بارك الله الذي أعطى، ويباركه لأنه أخذ، لأن بقاء العطايا ولو إلى حين هو من قبيل محبة الله لنا. ولأن الله الكلي الحكمة والحب والقدرة يعرف ما لبنياننا وبالقدر الذي فيه نفعنا، لذا حتى الأخذ منا هو لخيرنا.

v     عندما جاء الرسل إلى الطوباوي أيوب واحد يلي الآخر، وسمعهم يعلنون عن أخبار مميتة، مضافًا إلى ذلك دمار أبنائه الذي لا يُحتمل، لم يصرخ ولا تنهد، بل التجأ إلى الصلاة وقدم شكرًا للرب؛ فلتتمثلوا به[78].

v     أيوب ليس فقط لم يجدف، بل وبارك! لم يكتفِ أن يحتمل كارثته في صمتٍ، بل مجد الله، ليس فقط في ذلك الحين، وإنما في المستقبل أيضًا.

v     إن كنا نمارس هذه الحكمة الروحية (الشكر الدائم)، فلن نختبر أي شر، حتى إن سقطنا تحت آلام لا حصر لها، بل يكون الربح أعظم من الخسارة، ويطغي الخير على الشر. بهذه الكلمات تجعل الله رحومًا نحوك، ويدافع عنك ضد طغيان إبليس. ما أن ينطق لسانك بهذه الكلمات، حتى يهرب الشيطان منك سريعًا[79].

v     حينما كان (أيوب) محاطًا بالتمام بتلك الثروة، لم يكن ظاهرًا لكثيرين أي رجل كان هذا. ولكن عندما أُنتزعت ثيابه كمصارع وألقاها جانبًا، وجاء عاريًا للمصارعات لأجل التقوى، أدهش كل الذين رأوه. حتى أن مسرح الملائكة صرخوا عندما شاهدوا نفسه الثابتة في جلدٍ، وامتدحوه بكونه قد كسب الإكليل. وكما سبق فلاحظت أنه لم يكن يراه البشر حسنًا حينما كان ملتحفًا بكل الثروة مثلما رأوه حينما طرحها كثوبٍ، وظهر كعريانٍ على خشبة المسرح وسط العالم، فدُهش الكل لقوة نفسه. لقد شهدوا له ليس بكونه تجرد من كل شيء، وإنما بكونه في صراعه احتمل بصبر ضعفاته[80].

v     "الرب أعطى، والرب أخذ" [21]، ليفعل ما يحسن لدى الرب. أنظروا فقد آمن أن الله هو الذي أخذ... أي شيء يمكن مقارنته بهذا الاتجاه؟ إنه لم يطلب أن يعرف عن حب استطلاع، ولم يقل: لماذا يعطيني الله؟ ولماذا يأخذ؟

"فليكن اسم الرب مباركًا" [21]. لاحظوا بأية وسيلة يتمتع بتعزية...

إنه الرب هو الذي قرر. تقولون: لماذا قرر الله بهذه الطريقة؟... عندما جعلني غنيًا لم أبحث عن معرفة لماذا أعطاني الغنى، والآن لا أريد أن أعرف لماذا أخذه مني. لأنه هل أعطاني هذا عن استحقاق من جانبي؟ هل أعطاني هذا مقابل أعمال صالحة؟

لقد قرر أن يعطيني، وفعل ذلك. لقد قرر أن يأخذ، وهو يفعل هذا.

إنها علامة على الروح التقوية أن نصنع كل شيء حسب إرادة الله، ولا نطلب منه حسابًا، ولا تفسيرًا لما يفعله.

v     إنه لأمر عظيم إن استطعنا أن نقدم الشكر بفرحٍ عظيمٍ. لكن تقديم الشكر عن خوفٍ شيء، وتقديم الشكر أثناء الحزن شيء آخر. هذا ما فعله أيوب عندما شكر الله.. لا يقل أحد إنه لم يحزن على ما حلّ به أو أنه لم يتأثر به في أعماقه. لا تنزع عنه المديح العظيم لبرِّه... يؤذينا الشيطان لا لكي يسحب ما لنا ويتركنا مُعدمين، وإنما لأنه عندما يحدث هذا يلزمنا أن نجدف على الله[81].

v     توَّج أيوب وصار مشهورًا، ليس لأنه لم يهتز بالرغم من التجارب غير المحصاة التي أحدقت به، وبالرغم من مقاومة زوجته له، وإنما استمر في شكره للرب على كل حال ليس عندما كان غنيًا فقط، وإنما عند صار فقيرًا أيضًا، ليس عندما كان في صحة، بل وعندما ضُرب جسمه (بالقروح) أيضًا، ليس عندما حلت به هذه الأمور ببطء، وإنما عندما حلت به عاصفة عنيفة، حلت ببيته كما بشخصه بالكامل أيضًا[82].

v     يسبب لنا الشيطان خسائر, لا لكي ينزع عنا خيراتنا فحسب, إذ هو يعلم أن هذه كلا شيء, إنما لكي يلزمنا بهذا أن ننطق بالتجديف. هكذا في حالة الطوباوي أيوب لم يجاهد ليجعله فقيرا فحسب وإنما ليجعله أيضًا مجدفًا[83].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v    وإن كان قد حسب أنه صاحب ثروات عظيمة، لكن الاختبار الذي قُدم له من الرب أظهر بوضوح أنه لم يكن يقتني سوى الله وحده[84].

القديس مقاريوس الكبير

v     سبحوا الرب على القيثارة. إن صار لكم فيض من الأرضيات قدموا شكرًا للعاطي. إن كان هناك عوز أو سُلبتم مما لكم، اعزفوا على القيثارة بفرحٍ. لأنكم لم تُحرموا من العاطي، وإن كنتم قد حُرمتم من العطية التي وهبكم إياها. هكذا أكرر، اعزفوا ببهجةٍ. بثقةٍ كاملةٍ في إلهكم، امسكوا بأوتار قلوبكم كما بقيثارةٍ، لتدوي أصواتكم إلي أعماقها صارخين: "الرب أعطى، الرب أخذ[85]".

v     هنا نجد مثالاً للإنسان الذي يبارك الرب في كل الأوقات[86].

v     ليأخذ ما قد أعطاه، لكن هل فقدت العاطي؟... كأنه يقول: أخذ الكل وليأخذ كل شيء، وليرسلني عريانًا، لكن لأحتفظ به هو نفسه، ماذا ينقصني إن اقتنيت الله؟ أو ما هو نفع كل شيء لي إن كنت لا أقتني الله؟[87]

v     كان يمكنه القول: "الرب أعطى، الرب أخذ. الذي أخذه الرب يمكنه أن يعطي مرة أخرى، ويرد أكثر مما أخذ". لكنه لم يقل هذا، بل قال: "ما يحسن لدى الرب فليكن". إذ ما يسره يسرني. ليت ما يسر الرب الصالح لا يُحزن العبد الخاضع، ما يسر الطبيب لا يُحزن المريض[88].

v     من أين جاءت مثل هذه الجواهر التي لمديح الله؟ أنظروا إنسانًا كان من الخارج فقيرًا، لكن في الداخل كان غنيًا. هل كان يمكن لمثل هذه الجواهر أن تصدر عن شفتيه لو لم يحمل كنزًا مخفيًا في قلبه؟[89]

v     يا للغنى الداخلي الذي لا يقدر لص أن يقترب إليه! الله أعطاه نفسه. لقد أغناه إذ قدم له نفسه، بما يحبه[90].

v     أنت تأخذ ما لدي، أنت لا تأخذ ما في داخلي. فإنه لن يصير فقيرًا القائل: "الرب أعطى الرب أخذ، ليفعل ما يحسن في عينيه، مبارك اسم الرب"[91].

v     مال الظلم هو كل غنى هذا العالم، أيا كان مصدره. إذ يجمع الغني، إنما يجمع مال الظلم أي غنى الظلم... إن أردنا الغنى الحقيقي فهو مختلف عن هذا الغنى. هذا الغنى كان بوفرة، فإذ كان أيوب عاريًا كان قلبه مملوء بالإلهيات، يفيض بالتسابيح كأثمن جواهر مُقدمة لإلهه، وذلك عندما فقد كل ما لديه[92].

v     إذ تسمعون هذا وجهوا قلوبكم نحو الله. لا تخدعوا نفوسكم.

أطلبوا أنفسكم... سواء كنتم تحبون العالم أو لا تحبونه، وتعلموا أن تدعوه يرحل أمامكم قبل أن ترحلوا أنتم. ماذا يعني أنكم تدعونه يرحل؟ أي لا تتعلق قلوبكم به.

عندما يكون لديكم شيء ما مما ستفقدونه يومًا، سواء وأنتم في الحياة أو بالموت، دعوه يرحل، فإنه لن يقدر أن يرافقكم على الدوام.

تهيأوا لإرادة الله وتعلقوا به. تمسكوا به هذا الذي لا يمكن أن تفقدوه بدون إرادتكم. فإن حانت فرصة لفقدان الزمنيات، قولوا: "الرب أعطى، الرب أخذ."[93]

v     وُجد أيوب يتعبد لله من أجل الله نفسه، يحبه لأجل ذاته، وليس لأنه أعطاه ما يلزمه، وإنما لأنه لم ينزع الله نفسه عنه... لقد اقتربت نيران التجربة منه، لكن وجدته ذهبًا وليس قشًا. نزعت عنه الزغل، ولم تحوله إلى رماد![94]

v     إن أخطأت فلتحزن على فقدان كنزك الداخلي. ليس لديك شيء في بيتك، لكن قد يكون قلبك أكثر فراغًا. ولكن إن كان قلبك مملوء بصلاحه، مملوء بإلهك، فلماذا لا تقول: "الرب أعطى، الرب أخذ، ما يحسن لدى الرب فليكن! مبارك هو اسم الرب!" ما الذي يُحزن الله؟ هل من الضربات وهو نفسه قد ضُرب؟ حاشا![95]

v     يا لجواهر التسبيح لله، فقد احضرها من كنوزه الداخلية! هذه هي ثروته! أخرج تسبحة عذبة تمجد الله وتزكي أيوب[96].

v     يا له من صوت شجاع عذب! من لا يستيقظ على هذا الصوت من النوم؟ من لا يثق في الله في يقظة، ليسير في المعركة بلا خوف ضد إبليس، محاربًا لا بقوته الذاتية، بل بقوة ذاك الذي يزكيه[97].

القديس أغسطينوس

v     كيف أتأهل أن أكون في صحبة أيوب، أنا الذي لا أقبل المحن العادية بشكرٍ؟[98]

v     واضح أن الفضائل تصير ممتلكاتنا، عندما تصير عمليًا منسوجة في طبيعتنا. إنها لا تتركنا ونحن نجاهد على هذه الأرض، ما لم نطردها نحن بإرادتنا ونلزمها بذلك، وذلك بفتح الباب للرذيلة لتدخل.

إنها تجري بنا متلهفة كلما أسرعنا نحو العالم الآخر.

إنها تقيم من يمتلكونها في رتبة الملائكة، وتشرق أبديًا في عيني الخالق.

أما الغنى والسلطة واللذة وكل حشد مثل هذه الغباوات التي تتزايد يوميًا بسبب غباوتنا، هذه لا تدخل معنا في هذه الحياة ولا تصحب أحدًا عند تركه هذا العالم. فإن قول الرجل البار قديمًا: "عريانًا خرجت من بطن أمي، وعريانًا أعود إلى هناك" (أي 1: 21) هو قول بحقٍ راسخٍ سائدٍ بالنسبة لكل إنسانٍ[99].

v     بين الرجال القدامى والمعاصرين يُفترض أن كل واحدٍ منهم تمتع بنجاحٍ معينٍ، إذ يتمتع كل بفضيلةٍ معينة: أيوب نال صبرًا لا ينهزم وسط المحنة، وموسى وداود الوداعة، وصموئيل النبوة متطلعُا إلى المستقبل، وفينحاس الغيرة (عد 7:35)... وبطرس وبولس الغيرة في الكرازة (غل 7:2)، وابنا زبدي بفخامة الأسلوب، فدُعيا ابني الرعد (مر 17:3)[100].

 القديس غريغوريوس النزينزي

v     كان هذا أشبه بصرخة منه: "كنت أََُدُعى أبًا إلى زمن طويل، إذ أراد من خلقني أن أكون هكذا. لقد أراد بدوره أن ينزع عني إكليل النسل. لا أقاومه فيما يخصه. ما يحسن في عينيه فليتحقق. إنه خالق أبنائي، أما أنا فأداة. لماذا وأنا العبد استسلم لحزنٍ غير نافعٍ وشكوى مرة ضد قرارٍ عبثًا أستطيع أن أتجنبه؟" بمثل هذه الكلمات طرح الشيطان أرضًا[101].

القديس باسيليوس الكبير

v     هل رأيتم السهام التي صوَّبها الخائن؟

العدو نفسه سُلب، وقد ارتبك باطلاً. فإن أيوب لم يتأثر قط بالأحداث، منصتًا إلى أحاديث الشرور الساقطة عليه كما لو كانت تخص غيره، وأما هو فكصخرةٍ تصد الأمواج التي تتخبط عليها.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     إن كان أحد يحتمل تدبير الرب بصبرٍ، فيقول عندما يفقد شيئًا: "الرب أعطي، الرب أخذ..."، فإنه يتقبل إكليلاً على صبره الذي يسر الله إن كان بارًا، وغفرانًا إن كان خاطئًا[102].

v     الإنسان البار الذي يعاني من التحطيم (للأمور المادية) هو غني وعريان. كان القديس أيوب مملوءً من هذا الغنى... لقد فقد كل تلك الأشياء التي وهبه الله إياها، لكنه اقتنى الله نفسه واهبها[103].

الأب قيصريوس أسقف آرل

v     أنظروا كيف يختم كل ما شعر به بحق بمباركته الرب. بهذا أدرك العدو الخزي، وحُسب له ذلك عقوبة وهزيمة. فإنه هو نفسه وإن كان قد خُلق في بَرَكةٍ إلا إنه تمرد على الرب، بينما ذاك الذي هو مائت ينطق بتسبحة المجد حتى وهو تحت تأديباته... بكلمات الصبر سبَّح الله عندما ضُرب. لقد صوَّب سهامًا كثيرة في صدر خصمه، وأصابه بجراحات أكثر مرارة من التي سقط هو تحتها. فإنه بمحنته فقد الأرضيات، وباحتماله لها بتواضعٍ ضاعف بركاته السماوية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     يقول الكتاب المقدس: "لأننا لم ندخل العالم بشيءٍ، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيءٍ". (1 تي 6: 7) الذين يطلبون أن يكونوا أغنياء يسقطون في شهوات عديدة غير نافعة. التلميذ الذي صار خائنًا هو برهان واضح لهذا، فقد هلك من أجل مالٍ قليل بائس[104].

 القديس كيرلس الكبير

v     نحن سادة أنفسنا، لنا أن نؤذي أنفسنا أو لا نؤذيها... (إن سُرقت كل كنوزنا) فبالحقيقة لهو أمر محزن، ويبدو أنه خسارة. لكن يبقى الأمر متوقفًا عليك فتستطيع أن تجعل منه خسارة أو ربحًا لك. تقول: "وكيف يمكن أن يكون هذا ربحًا؟" إني أسعى لأظهر لك كيف هذا، فإنك إن أردت سيكون ذلك لك ربحًا عظيمًا، وإن لم ترد فالخسارة ستكون أقسى من خسارة ما قد أُخذ منك. فانه كما في حالة الفنانين عندما توضع المواد الخام أمامهم، فمن كان منهم ماهرًا في فنه يستخدم المواد في هدفٍ صالحٍ، أما غير الماهر فيُفسد المواد وتصير بالنسبة له خسارة. هكذا الأمر هنا كيف تصير هذه ربحًا؟ إن قدمت شكرًا لله، إن كنت لا تنتحب بمرارة، إن نطقت بكلمات أيوب: "الرب أعطى، الرب أخذ..."[105]

v     من يحتمل بهدوء أن يرى طفلاً وحيدًا له مطروحًا كجثةٍ هامدةٍ؟ إنه يحتاج إلى نفسٍ كالفولاذ لاحتمال ذلك. مثل هذا يلزمه أن يستريح من تنهدات الطبيعة، وأن يتقوى لينطق كلمات أيوب: "الرب أعطى، الرب أخذ" (أي 21:1). فبهذه الكلمات وحدها يقف مع إبراهيم نفسه وأيوب ليُعلن عنه أنه غالب. وإن منع نحيب النساء وقام بتفريق جماعات النائحين ليقيمهم للتغني بمجد الله، فإنه ينال فوق الكل مكافآت لا حصر لها، يندهش منه البشر، وتمتدحه الملائكة، ويُتوجه الله[106].

v     هذه كلمات نفسٍ حيةٍ، نفس تؤدي دورها اللائق بها[107].

v     لنفرض أن شخصًا فقد ابنه، وآخر كل ممتلكاته... فإنه يمكن اقتناء ثمر من المحنة حتى وإن كان لا يمكن علاجها، وذلك باحتمال الظروف بنبلٍ، وعوض استخدام كلمات تجديف، تقدم كلمات شكر للرب، بهذا فإن الشرور التي تُجلب عليكم بغير إرادتكم تصير أعمالاً صالحة باختياركم[108].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     الله صالح, وكل ما يفعله يلزم أن يكون صالحًا أيضًا.

هل قرر أنه يجب أن أفقد زوجي؟ اندب خسارتي, لكن مادامت هذه هي إرادته احتملها بتسليم.

هل يختطف مني الابن الوحيد؟ الضربة القاسية, لكن يمكن احتمالها, لأن الذي يأخذ هو نفسه الذي أعطي.

إن صرت أعمى فقراءة صديقي تعزني.

إن صرت أصم اهرب من سماع الكلمات الشريرة، وتتركز أفكاري في الله وحده[109].

القديس جيروم

"فِي كُلِّ هَذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ،

وَلَمْ يَنْسِبْ لله جَهَالَةً" [22].

هذه شهادة حية يقدمها لنا الروح القدس عن حسن تصرفه وسط الضيق. لقد اجتاز التجربة في نجاحٍ ونصرةٍ صادقةٍ.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في تعبير "لم ينسب لله جهالة" أنه لم يتهم الله بالظلم، ولا حسب أن ما حلَّ به هو وليد صدفة، ولا تذمر قائلاً بأنه لم يخطئ فلماذا حلت به الشرور، ألا يبالي الله بأمره. مثل هذه الأفكار تحل بالبعض حينما تحل بهم التجارب بينما يرون غيرهم يتمتعون ببركات زمنية.

v     حارب الشيطان (أيوب) بثباتٍ، لكنه عجز عن النصرة على مصارع الله.

لقد فرّغ جعبة أسهمه، لكنه لم يستطع أن يجرح مقاتله الشجاع الباسل.

أثار أمواجًا ضخمة، لكنه لم يقدر أن يحرك الصخرة الثابتة.

استخدم حيله، لكنه لم يقدر أن يهدم البرج القوي.

هزّ الشجرة، لكنه لم يحطم الثمرة.

لقد كسَّر الأغصان، لكنه لم يوذِ الجذر.

لقد اخترق السور، لكنه لم يحمل الكنز.

الآن أقول إن هذا الكنز الذي أشير إليه ليس من ذهبٍ ولا فضةٍ، بل إيمان الرجل البار. فإن الشيطان أراد تحطيم هذا الكنز عندما هيّج عليه بلاء لا يُحتمل بعد أن نزع عنه كل ثروته... ها أنتم ترون الله يتمجد والشيطان يخزى[110].

الأب قيصريوس أسقف آرل

v     فشل الشيطان وملائكته أن ينتصروا على أيوب عندما أطلقوا هجماتهم عليه. كان هو الرجل الذي يقف مقدامًا، لن يهتز في إيمانه الثابت[111].

القديس أغسطينوس

v     لاحظوا كيف يوصف أيوب أنه صار إلى حالٍ أعظم خلال التجربة، بينما سقط داود بالتجربة أرضًا. لهذا فإن فضائل أسلافنا قد تعزز رجاءنا، وسقوطهم يدعم حذرنا بالتواضع، فبينما بالأولى نرّتفع إلى الفرح، نبقى بالثانية في مخاوف.

v     "في كل هذا لم يخطئ أيوب، ولم ينسب لله جهالة" [22]... إذ لم ينطق بشيء فيه غباوة، حافظًا لسانه من الإثم، بينما قيل: "لم يخطئ"، فيظهر أنه استبعد عنه خطأ التذمر حتى من فكره، فلم يخطئ، ولا تكلم بجهالة، ولا ثار السخط في شعوره الصامت، ولا انحل لسانه بالسب.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لتشكر الله ولتسبح ذاك الذي يختبرك في الأتون. لتنطق بالتسبيح عوض التجديف هذا هو الطريق الذي به عبَّر ذاك الطوباوي عن نفسه[112].

v     هذا هو الطريق الذي به قدم أيوب ذبيحة (تسبيح) بالرغم من الأحزان المرعبة التي فوق الطاقة البشرية قد حلت به[113].

القديس يوحنا الذهبي الفم

 


 

من وحي أي 1

تسبحة وسط الضيق!

v     هب لي يا رب بنعمتك أن أنعم بالغنى الروحي!

أكون في عينيك كاملاً، يا من تنسب لملائكتك حماقة!

وتحسبني مستقيمًا، من أجل عمل روحك فيٌ!

سمرٌ خوفك في قلبي، فأحيا بالتقوى.

وليشرق نورك في داخلي،

فلا احتمل السلوك في ظلمة الشر.

 

v     هب لكنيستك أن تكون كأسرة أيوب،

أيامها أعياد وولائم روحية لا تنقطع!

سمتها الحب الأخوي والاتفاق بغير انشقاق.

تعزف سيمفونية الحب التي تفرح السمائيين!

في وسط أفراحي لا تفارقني ذبيحة صليبك!

أطلب عن إخوتي كما عن حقارتي،

لئلا في جهالة أو بمعرفة أخطئ إليك.

 

v     ليشتكِ إبليس عليٌ أمامك،

فإنني تحت ظل جناحيك أحتمي!

ليس من يسندني سواك!

 

v     ليجردني إبليس من كل شيء!

لكنني أقتنيك، فلن يسحبني منك.

أنت غناي وسعادتي وكفايتي في كل شيء!

 

v     وسط الضيق نفسي تشكرك وتسبحك،

لأن قلبي مرتفع إليك!

ليس له موضع في العالم،

ولا للعالم موضع فيه!

<<


 

الأصحاح الثاني

جولة جديدة

إن كان الملائكة، أبناء الله، يظهرون أمام الله مشتاقين إلى خدمته في محبوبيه البشر، فإن عدو الخير أيضًا لا يقف في سلبية مكتوف الأيدي، بل يجول في كل الأرض معلنًا الحرب ضد الله في البشرية.

في الأصحاح الأول قدم الكاتب الجولة الأولى للمعركة التي دارت بين الشيطان وأيوب، وخرج أيوب غالبًا. والآن يُصرْ عدو الخير على الدخول في جولة جديدة، فهو لا يكف عن تصويب سهامه ضد أبناء الله حتى وإن ارتدت إليه.

مست التجربة الأولي ممتلكات أيوب وبنيه وبناته، الآن تمس التجربة جسمه كله ماعدا لسانه، واستخدم امرأته كما سبق فاستخدم حواء في الجنة لإغراء آدم، وأخيرًا بدأ يستخدم أصدقاءه الذين جاءوا لكي يرثوا له ويعزوه.

1. الدخول في جولة جديدة              1-6.

2. آدم آخر في وسط الرماد            7-8.

3. زوجة أيوب تجربه                  9-10.

4. افتقاد أصحابه الثلاثة له             11-13.

1. الدخول في جولة جديدة

"وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ،

وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسَطِهِمْ لِيَمْثُلَ أَمَامَ الرَّبِّ" [1].

جاء العدو لينال إذنًا بتجاربٍ أقسى وأمر، فإن التنين "يشتكي عليهم أمام إلهنا نهارًا وليلاً" (رؤ 12: 10).

v     "وكان ذات يومٍ أنه جاء بنو الله ليُمثلُوا أمام الرب" [1]. لماذا يقدم الكاتب فكرة حضورهم بهذه الطريقة في كل يوم؟

لكي ندرك أن الحدث ذاته لا يفلت من العناية الإلهية، وأن الملائكة يقدمون حسابًا عن أحداث كل يوم، وأنهم في كل يوم يُرسلون لحسم الأمور حتى حينما نفشل نحن في إدراك هذا، فقد خُلقوا لهذا. هذا هو عملهم، كما يقول بولس: "(أليس جميعهم أرواحًا) خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص؟" (عب 14:1)...

ها أنتم ترون بأي هدف كان الملائكة حاضرين، أما هو (الشيطان) فما هو هدفه؟ أن يجرب أيوب، وأن تسير الأمور لتحقيق هذا الهدف.

لماذا اُستُجوب مرة أخرى أمام الملائكة؟ لقد تحتم عليه هكذا، فقد سبق فقال أمامهم: "إنه حتمًا في وجهك يجدف عليك" (راجع أي 11:1). يا لخزيه! كيف تجاسر وعاد ليقف بينهم؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ:

مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟

فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ:

مِنَ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ،

وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا" [2].

جاءت إجابته كالمرة الأولى تمامًا، وكأنه لم يؤذِ أحدًا قط، بل ومن حقه أن يسيء إلى الغير. إنه لم يعترف أنه أخطأ!

v     كان الهدف في تجاربه تصويب (أيوب) نحو الموت، وإذ به ينال نموًا في حياته بذات الضربة. لقد حزن عدونا القديم أن فضائل أيوب تضاعفت بذات الوسيلة التي كان يهدف بها نحو نزعها عنه. ومع كونه قد رأى أنه انهزم في الحلقة الأولي أعد نفسه لتصويب هجمات من التجارب جديدة، وكان لا يزال له الجسارة أن ينطق بالشر على ذاك القديس. فإن الشرير لا يستطيع أن يؤمن بوجود الخير حتى وإن تبرهن بالخبرة...

"من أين جئت؟"... (أي 2: 2) كأن صوت الله يقول له بصراحة: "أنظر لقد غلبك إنسان واحد، غلبك بالرغم مما يعانيه من ضعفات الجسد، يا من تصارع لتقف أمامي أنا خالق الكل".

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "عندئذ أجاب" هذا يعني أنه عندما نال سلطانًا أن يتكلم، عندما أعطى الرب سماحًا للعبد الشرير أن يفتح فمه أمامه، عندما أمر ذاك الذي أُمسك بلسانه كعمودٍ لا يتحرك. يقول: "لقد لاحظت بسرعة كل الأرض، ونصبت شباكًا في كل موضع، وهيأت مصائد. كل المواقع مملوءة بمصائدي، الكل قد ضاق بشباكي، وأُمسكوا في تعبي. ليس من طريقٍ للهروب من سبيي، فإن خططي الاستراتيجية لها أشكال كثيرة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     لاحظوا أنه يطوف في كل لحظة في العالم. يعلمنا زكريا أن الملائكة تجول على الأرض (زك 10:1-11). أما هذا البائس فلا يكتفي بالطواف، فإن العناية الإلهية أيضًا تمارس هذا العمل، إنما يطوف لكي يُدان بالأكثر (لشروره)، ولكي نكون نحن في أكثر حذرٍ. لهذا السبب دُعي "رئيس ظلمة هذا الدهر" (أف 12:6)؛ أي رئيس الشر.

تكلم أيها الشيطان، ماذا فعلت؟

يقول: لقد قمت بجولة في الأرض، لقد درت فيها، وها أنا هنا.

ماذا جلبت؟

لم يجلب شيئًا نافعًا أو صالحًا، لهذا لم يجب لماذا قام بالجولة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوب،

لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ؟

رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ،

يَتَّقِي اللهَ، وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ.

وَإِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ،

وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لأَبْتَلِعَهُ بِلاَ سَبَبٍ" [3].

مرة أخرى يدافع الديان نفسه عن المتهم، ويمتدحه.

v     إذ (الله) عادل لم يكن ممكنًا أن يهيج عليه بدون سبب. مرة أخرى إذ هو حق لم يكن ممكنًا إلا أن ينطق بهذه الكيفية، إنه فعلاً هاج عليه بلا سبب. لكن الأمرين يتلازمان معًا بكونه عادلاً وحقًا، فهو ينطق بالحق ولا يفعل ظلمًا. لنتحقق أن الطوباوي أيوب كان من جهته قد ضُرب بلا سبب، وأيضًا بمعنى آخر لا يُضرب بدون سبب... لأنه ما كان يمكن أن يُقدم للآخرين مثلاً للفضيلة لو لم يُجرب... 

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لم يهتز أيوب، إذ لم يتراجع عن ثبات إيمانه[114].

 القديس أغسطينوس

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن أيوب يرمز لشخص السيد المسيح الذي قَبِلَ الألم "الغضب" بلا سبب، تألم بلا سبب، وكمخلصٍ وشفيعٍ كفاريٍ عنا تألم بسببٍ، لكي يطهرنا بدمه من خطايانا.

v     لماذا يعود ليهاجم؟ ماذا نتعلم من هذا؟ فإننا وإن سقطنا ألف مرة، فإن الشيطان لن يتوقف، بل يستمر في الحرب دون أي تردد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ:

جِلْد بِجِلْد،ٍ

وَكُلُّ مَا لِلإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لأَجْلِ نَفْسِهِ" [4].

كان هذا المثل شائعًا في القديم، في أيام أيوب، وهو يُعّبِر عن تقدير حياة الإنسان فوق كل شيء في العالم، وقد وُجدت تفاسير كثيرة له.

ربما يشير إلي عادة قديمة خاصة بمقايضة جلود الحيوانات القتيلة التي يطاردها الصيادون. فالصياد الجائع يقدم جلود الحيوان الذي اصطاده مقابل نوال طعام، وإذا لزم الأمر واشتد به الجوع يقدم كل ما لديه من جلود الحيوانات التي اصطادها مقابل الخبز لإنقاذ حياته. وكأن هذا المثل يعبر عن قبول الإنسان أقصى ما يمكن من الخسائر لكي لا يفقد ما هو أعظم ألا وهي حياته. وجاء المثل التركي: "يليق بنا أن نقدم لحيتنا لننقذ رؤوسنا"[115].

أراد الشيطان أن يسحق شخصية أيوب بقوله: "جلد بجلدٍ"، فإنه مهما فقد حتى ولو كان الأبناء مادام هو في صحته، ليس من يمس جلده، لا يبالي. لا يهتم بحياة أولاده، وإنما يثور ويفقد إيمانه وصوابه إن لمس أحد جلده. إنه كالنعامة التي تقسو على صغارها كأنها ليست لها (أي 36: 16). إنه أناني، محب لذاته، تشغله صحته وراحته وسلامة جسدي ليس إلا؟

v     ما يعنيه بقوله هذا أن أهم ما لدى الإنسان هو نفسه. كل البقية أمور ثانوية... على هذا الأساس أرغب في أن أصطاده هو، فالغنى ليس بذي قيمة عظيمة في أعين البشر.

لننصت أيها الأحباء، حتى وإن كنا نستحي من أن نتعلم من الشيطان، وهو أنه يليق بالإنسان أن يبذل كل شيء من أجل حياته. وأنه لأمر طبيعي للبشر، فإنه لا يٌسمح لنا بأي تهاون عندما نجدف بسبب الغنى. يقول إن الغنى لا يمثل شيئًا، فنبذله تمامًا من أجل حياتنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     انظروا مكر الخصم، وكيف كان عنيفًا في الخطية... إنه يعرف الفارق بين الأمور الخارجية والداخلية. إنه يعرف أنه حتى فلاسفة هذا العالم يدعون الأمور الأولى (الخارجية) adiafora بلا قيمة، وأن كمال الفضيلة لا يقوم على فقدان هذه الأمور والاستخفاف بها. وأن الأمور الأخيرة أي الداخلية هو الأفضل، بفقدانها يحدث غم لا يمكن التخلص منه. لهذا بجسارة ناقض ما قاله الله، وأعلن أن أيوب لا يستحق مديحًا على الإطلاق، حيث لم يخضع لتجربة تمسه، هو بل تمس ما هو خارج عنه. فقد أعطى جلده عوض جلد أولاده، وفقد فقط ماله ليضمن صحة جسمه[116].

القديس جيروم

"وَلَكِنِ ابْسِطِ الآنَ يَدَكَ،

وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ،

 فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ" [5].

طلب الشيطان أن يمد الله نفسه يده ليضرب عظمه ولحمه، فإن شوكة الجسد قاسية للغاية، يصعب احتمالها بدون نعمة المسيح (2 كو 12: 7-9).

"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ:

هَا هُوَ فِي يَدِكَ،

وَلَكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ" [6].

يمكن أن تُفهم عبارة: "ولكن احفظ نفسه"، بمعنى أن تكون للتجربة حدود، وهي حفظ نفسه لا تحطيمها. بمعنى أن التجربة تكشف عن ضعف الإنسان، فيتواضع أمام الله، وتُحفظ نفسه من الكبرياء. أما إذا تعدت حدود طاقة الإنسان، فيسقط في اليأس ويصيبها الإحباط، فتهلك نفسه بسبب عدم إيمانه.

وضع الرب حدًا للتجربة: "ولكن احفظ نفسه"، أي لا يبلغ به إلى الموت. كان يطمع الشيطان أن يميته في إحدى لحظات ضعفه بعدما يدفعه إلى التجديف. لكن الله قيَّد الشيطان فلا يقتله.

يفسر البعض التعبير "احفظ نفسه" بأنه "احفظ عقله"، بمعنى أنه سمح له بأمراض الجسد دون فقدان قدرته على التعقل والتفكير.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة ليظهر مدى ضعف الشيطان، فمع أنه كوحشٍ كاسرٍ، وبلا جسدٍ، لكنه لا يقدر أن يقترب ليجرب إنسانًا يحمل جسدًا إلا بسماح من الله.

v     "احفظ نفسه"، بمعنى لا تميته. بهذا ليس له سلطان على ذلك ما لم ينل سماحًا به... نفهم من ذلك أن سلطانه مشروط بالسماح له أو الرفض... تعبير "احفظ نفسه" أقوى من "لا تمس حياته".

v     لا تخف إذن من الشيطان، حتى وهو بلا جسد، حين يقترب من الجسد. فإنه ليس من هو أضعف من ذاك الذي يقترب بهذه الكيفية مع أنه غير ملتحفٍ بجسدٍ، وليس أقوى من ذاك الشجاع الجريء حتى وإن حمل جسمًا قابلاً للموت![117]

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     قيل للعدو عندما طلبه: "ها هو في يدك". (أي 2: 6) الشخص نفسه في يد الله وفي نفس الوقت في يد الشيطان...

 لكن كيف يُقال للشيطان: "لكن احفظ نفسه"؟ إذ كيف يحفظ ذاك الذي يتوق دومًا إلى تحطيم الأمور المحفوظة؟ حفظْ الشيطان له هنا بمعنى عدم تجاسره على التحطيم. وذلك كما نتحدث مع الآب في الصلاة طالبين: "لا تدخلنا في تجربة"، لأن الله لن يُدخل أحدًا في التجربة، إذ يظلل دائمًا برحمته على عبيده ليحميهم من التجربة. مع هذا إن لم يحمنا من إغراءات التجربة يكون كما لو أنه يدخلنا في التجربة. بهذا فإنه بعدم السماح لنا أن نُجرب فوق ما نحتمل يكون كأنه لا يدخلنا في شباك التجربة.

بنفس الطريقة كما يقال لله: "لا تدخلنا في تجربة" إن سمح لخصمنا أن يدخلنا فيها، هكذا يُقال عن خصمنا أنه "يحفظ نفسنا" متى التزم ألا يُقهرنا بتجربته.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     الآن أعطيك الحق أن تقلب الأمور رأسًا على عقب. إني أسلمه إليك (أي 2: 6)، لا لكي تغير روحه (فكره)، ولا لكي يكون لك سلطان على إرادته، ولا أن تحطم حريته في قراره، لأنك لو استخدمت ضغطًا على هذه الأمور بسهولة تنتصر عليه، وتكون المعركة غير عادلة... بالتأكيد تود أن تقترب من "حياة" الإنسان البار، لكنك لا تستطيع ذلك، لأن ناموس الملك العظيم ينتقم لهذا، وإلا يكون حارس القطيع قد أطلق العنان للذئب. أسلمك حياة الذين تحسدهم، لا لتفعل ما شاء لك، وإنما في خشية نواميسي وإرادتي الإلهية...

إنك تعجز عن أن تقول بأن آخر يهاجم حياة أيوب، لأنك أنت تهاجمه يا من أقيمك حافظًا له. ستكون مُدانا إن وضعت كمينًا لحياته.

v     هنا الحماية الواقية تسير جنبًا إلى جنب مع السماح بالضرب، ويتحقق التدبير الإلهي خلال الحماية، وخلال التخلي عن العبد المختار، فبينما يتخلى عنه يحرسه... هكذا سُلم القديس في يد الخصم (أي 2: 6)، أما نفسه فمحفوظة في يد (الله) معينه، فإنه من ضمن القطيع الذي قال عنه الحق في الإنجيل: "لا يخطفها أحد من يدي" (يو 28:10).

علاوة على هذا، فإنهم لا يرون لوسيفر يقوم، هذا الذي قال عنه إشعياء: "لوسيفر الذي قام في الصباح"، ثم يكمل "قُطع إلى الأرض" (إش 12:14)، مشيرًَا إلى أنه لا يعود يستعيد كرامته السابقة. بسقوطه من السماء على الأرض أراد دمار الإنسان، لكن الله يُعطي من لا يُخدع سلطانًا أن يدوس على الخائن بقدميه، ويحطمه إلى أجزاء.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     ليس للروح النجس سلطان علي البشر. هذا يظهر عند صراعه ضدّ أيوب الطوباوي فقدْ أخذ السلطان علي جسده من قبل الرب، إذ قال له: "ها هو في يدك، ولكن احفظ نفسهُ" (أي 6:2). أيّ لا تُضعِفْ روحه، وتجعله مجنونًا، وتتسلط علي ذاكرته وعقله، خانقًا قوته الداخلية[118].

الأب سيرينوس

v     وضع جسم القديس في يدي الشيطان، لكن قواته الحيوية حُجزت عنه. فلو أن الشيطان ضرب ما تعتمد عليه أحاسيسه وقدرته العقلية لقامت الخطية الصادرة عن سوء استخدام القدرات وبقيت على بابه، ليس برغبته في ارتكابها وإنما بسبب اختلال توازن عقله[119].

القديس جيروم

يقدم لنا القديس أمبروسيوس تفسيرًا رائعًا لهذه العبارة، في حديثه عن تشّبه القديس بولس بالله:

v     كل من يؤمن يقبله الرب، لكنه يؤدب كل ابن يقبله (عب 6:12). وفي تأديبه له لا يسلمه للموت. لأنه مكتوب: "أدبًا أدبني الرب، وإلى الموت لم يسلمني" (مز 18:118).

يعلمنا بولس الرسول ألا نهجر أولئك الذين ارتكبوا خطية للموت، إنما نلزمهم بخبز الدموع (التي للتوبة)، لكن ليكن حزنهم معتدلاً. وهذا هو ما تعنيه عبارة "سقيتهم الدموع بالكيل" (مز5:130). فحزنهم يجب أن يكون بكيلٍ، لئلا يبتلع التائب من فرط الحزن. وذلك كما قال لأهل كورنثوس: "ماذا تريدون أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟!" (1 كو 21:4). إنه يستخدم العصا، لكن بغير قسوة، إذ قيل: "تضربه أنت بعصا، فتنقذ نفسه من الهاوية" (أم 14:23).

وماذا يقصد الرسول بالعصا، ظهر عند طعنه خطية الزنا (1 كو 1:5)، منذرًا ضد الفسق بالأقرباء المحرم الزواج بهم، معنفًا كبرياءهم، إذ تكبر هؤلاء الذين كان يلزمهم أن يحزنوا. وأخيرًا في حديثة عن المذنب أمر بعزله عن الجماعة وتسليمه للشيطان، ليس لأجل هلاك نفسه بل لهلاك جسده.

وبولس في هذا يقتدي بالله الذي لم يعطِ للشيطان سلطانًا على روح أيوب الطوباوي، بل سمح له بإبلاء جسده (أي 6:2). فبولس سلم الخاطي إلى الشيطان لهلاك الجسد، حتى تلحس الحية تراب جسده (مي 17:7) أما روحه فلا تضرها...

وإذا أردنا أن نشرح ما يعنيه بولس الرسول، نتأمل كلماته ذاتها، بأي معنى قال بأن يسلمه إلى الشيطان لهلاك الجسد، لأن الشيطان هو الذي يجربنا، إذ يجلب عللاً وأمراضًا لأجسادنا. فالشيطان ضرب الطوباوي أيوب بقروحٍ مريرةٍ من القدم إلى الرأس، لأنه نال سلطانًا لهلاك جسده، عندما قال له الرب: "ها هو في يدك، ولكن أحفظ نفسه" (أي6:2). هذا أيضًا ما أخذ به الرسول بنفس الكلمات، مسلمًا الزاني إلى الشيطان لهلاك الجسد، لكي تخلص روحه في يوم الرب يسوع (1 كو 5:5).

عظيم هو هذا السلطان!! وعظيمة هي هذه العطية، التي بها يهلك الشيطان ذاته بذاته، وذلك بحثه على تجربة الإنسان، إذ يجعله قويًا بالروح بدلاً من أن يكون ضعيفًا. فإذ يضعف جسده تقوى روحه، لأن ضعف الجسد يقاوم الخطية، أما تنعمه فيشعل نار الخطية.

لقد خُدع الشيطان، إذ جرح نفسه بضرباته التي وجهها ضد نفسه، محاربًا نفسه بتفكيره في إضعاف الخاطي. هكذا سلح الشيطان أيوب أكثر عندما جرحه. فإذ بلى جسده كله بالقروح، احتمل بالحق ضربة الشيطان دون أن يصيبه شيء من سُمِهِ، وهكذا بحق قيل عنه: "أما لوياثان أفتمسكه بشصٍ... أتلاعبه كالعصفور، وتأسره لعبة لجواريك.. ضع يدك عليه" (أي41: 5).

أنظر كيف سخر بولس بالشيطان، فصار كالطفل المذكور في النبوة الذي وضع يده على الحية دون أن تضره. لقد سحبه من خباياه وحول سمه إلى ترياق روحي ضد السموم. محولاً السم دواءً للسم الذي يُستخدم لهلاك الجسد صار علاجًا للروح!

إذن لأترك الحية تضرب ما هو أرضى في (جسدي)، أتركها تعض جسدي، وتسبب أزرقاقًا فيه، فسيقول لها البرّ عني: "ها هو في يدك، ولكن احفظ نفسه" (أي 6:2).

يا لقدرة الله!! إنه يسلم حفظ نفس الإنسان في يد الشيطان الذي يريد هلاكه!!... فبوصايا السيد جعل الشيطان حافظًا لغنمه، فبغير إرادته صار ينفذ وصايا السماء، وبقسوته يطيع وصايا الوداعة![120]

القديس أمبروسيوس

2. آدم آخر في وسط الرماد

"فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبّ،

وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ،

مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ" [7].

ما أن نال الشيطان الإذن حتى انقض على جسم أيوب ليضربه بمرضٍ عنيفٍ للغاية. لم يضربه بقرحةٍ واحدةٍ، ولا عدة قروح، إنما بقروحٍ من باطن قدمه حتى يعجز عن المشي إلى هامته. لا يقدر أن ينام على أحد جانبيه ولا على ظهره أو حتى بطنه، ولا أن يجلس، ولا أن يقف، فكل جسمه باستثناء لسانه كان مملوءً بالقروح. لم يجد حتى الكلاب لتلحس قروحه، كما حدث مع لعازر المسكين (لو 16: 21).

يعلق العلامة أوريجينوس على الوعد الإلهي: "إن كنت تسمع لصوت المحب إلهك، وتصغِ إلي وصاياه، وتحفظ جميع فرائضه، فمرضًا ما مما وضعته على المصريين لا أضع عليك" (خر 15: 26). [إذ كانت أحد أمراضهم هي القروح، فلماذا سقط أيوب في هذا المرض؟ قروح المصريين الوثنيين هي ضعفاتهم تجاه محبة العالم وما فيه. هذا ما يشفينا الرب منه، ولا يضعه علينا[121].]

v     "كل الأمور تعمل معًا للخير للذين يحبون الله" (رو 8:28). جُرب أيوب الرجل المقدس. فقد بنيه وبناته، وسقط بيته في دمار، وفقد كل ما كان لديه، فجأة كل شيء قد ذهب! لم يعد أبًا ولا سيدًا، ولم يعد في جسمه عضو سليم سوى لسانه الذي يُمكن به أن يجدف. أنظروا المجرب، إذ يقول الكتاب المقدس: "ضرب أيوب بقُرحٍ ردي من باطن قدمه إلى هامته" (أي 2: 7)...

ترك لسانه فقط لكي ما يكون قادرًا على التجديف على إلهه. "في كل هذا لم يخطئ أيوب بشفتيه" (أي 1: 22).

فقط تحققوا من هول التجربة. تأملوا عظم فضيلته. تأملوا حسنًا وتفهموا، كيف تحقق قول الرسول: "كل الأمور تعمل معًا للخير للذين يحبون الله"... قبل التجربة لم يتكلم الله معه قط؛ وبعدما جُرب جاء إليه الله، وتحدث معه رافعًا الكلفة، كصديقٍ مع صديقه.

لتضرب الكارثة، وليحل كل نوع من الكوارث مادام المسيح يأتي بعد الكارثة[122].

القديس جيروم

v     ربما لأن إلهنا يعرف إني ضعيف للغاية لم يعطه سلطانًا على جسمي. وإن كنت أنا نفسي اشتهي ذلك. فمع أني أقدم نفسي (لأقبل تجربة في الجسد)، لكن الله حسبني غير أهلٍ لهذا الصراع، وامتحني بمتاعبٍ مختلفةٍ. أما أيوب فلم يبدأ بهذا الصراع بل انتهي به[123].

القديس أمبروسيوس

"فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا،

وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الرَّمَادِ" [8].

ما هي هذه الشقفة (كِسَر أواني فخارية) التي يحك بها جسمه المُبتلى بالقروح إلا استخدام الوسائل الأرضية أو الزمنية لشفاء النفس. عوض تقديم تعزيات صادقة وشفاء حقيقي، يستخدم الشخص شقفة تسبب بالأكثر تلوثًا للقروح، وتحطم الجسم، هكذا إذ نمد أيدينا لعلاج أمراضنا الروحية بطرقٍ بشريةٍ خارج نعمة الله نحطم نفوسنا بالأكثر ونهلكها.

صار أيوب رمزًا للسيد المسيح، إذ لم يجد أيوب موضعًا ليسند فيه رأسه، ليس أمامه إلا أن يجلس على مزبلة وسط قروحٍ ملأت كل جسمه، يسخر به حتى أصدقاؤه. هكذا ليس لابن الإنسان أين يسند رأسه، ليس له إلا أن يرتفع على الصليب وسط آلام جسمه كله، لم تقبله خاصته (يو 1: 11).

لم يصعد أيوب على جبلٍ، بل جلس على مزبلة، لينعم فيها بالنصرة على عدو الخير ممجدًا الله إلهه. هكذا مسيحنا مخلص العالم يستريح في المتواضعين ومنسحقي القلوب ليقيم منهم هيكلاً له. اختار الجهال ليخزي بهم الحكماء، والضعفاء ليخزي بهم الأقوياء، والمُزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود (1 كو 1: 27-28).

لم يجد أيوب أحدًا يعطف عليه، ولا من يضمد قروحه، ولعل أصدقاءه خشوا العدو أو لم يحتملوا رائحة نتانة القروح. لم يجد قطعة قماش ينظف بها جروحه، بل كان يحكها بشقفة فخارية، فكان العلاج أشد ألمًا من المرض نفسه. ليس من يدهن جراحات القروح بمواد مطهرة ولا بدهنٍ يهدئ من الألم! لقد اشتكى فيما بعد قائلاً إن لحمه لبسه الدود مع التراب (أي 7: 5).

أما جلوسه في الرماد وكل جسمه مملوء بالقروح، فيزيد من تلوث جراحاته عوض تطهيرها. ولعله فعل هذا علامة تواضعه وندامته وتوبته.

جاءت في الترجمة السبعينية: "جلس فوق مزبلة خارج المدينة".

يقول البابا غريغوريوس (الكبير) إننا لا نعجب إن كان ذاك الذي مدحه الله نفسه يسمح له بالتجربة حتى يجلس في وسط الرماد، كما سمح للقديس يوحنا المعمدان الذي شهد له أنه ليس من بين مواليد النساء من هو أعظم منه أن تُدفع حياته ثمنًا لرقصة ماجنة.

v     ألا (يسمح بهذا) لكي ما يضغط عليهم إلى أسفل حتى يكافئهم في الأعالي؟

إنه ينزل بهم إلى أسفل من الخارج إلى مستوى الازدراء، حتى يقودهم من الداخل إلى العلويات التي لا تُدرك.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     إذ لم تستطع الأدوية البشرية أن تشفيه شفاه الصبر والإيمان. لقد جلس في كومة مزبلة، أما نفسه فكانت تتجول في الفردوس[124].

القديس جيروم

v     أنزله من الكرسي الملوكي ليجلس في مزبلة. ومع مقاومته بالويلات التي أشرت إليها حالاً بقي سليمًا. تمزق جسمه، لكنه احتفظ في أعماق نفسه بكنز التقوى غير منتهك[125].

القديس باسيليوس الكبير

v     يا لك من إنسان فاسد (جسديًا)، لكنك بريء! يا لك من كائن موصوم (بالقروح)، لكنك جميل! مجروح، لكن نفسك مملوءة صحة! تجلس على مزبلة، وتملك في السماء!

إن كنا نحب فلنقتدِ به، ولنجاهد لنتبع مثاله[126].

الأب قيصريوس أسقف آرل

v     ألا ترونه بالحق قد جاء إلى أقصى الفقر المدقع، حتى يستحيل أن تجدوا شخصًا تقارنونه به؟ لأنه كيف يمكن أن يوجد من هو أكثر فقرًا من إنسانٍ عارٍ ليس لديه سقف يأوى تحته؟ نعم، ولم يكن في قدرته أن يتمتع حتى بالأرض بل جلس في مزبلة.

لهذا حينما تجدون أنفسكم قد بلغتم إلى الفقر، تأملوا آلام البار، وللحال تقومون وتنفضون عنكم كل فكر للقنوط.

تبدو هذه المحنة للبشر القاعدة لكل الآلام مجتمعة معًا. أما المحنة الثانية التي تليها، بل بالحري تسبقها فهي أحزان الجسد. من صار هكذا معاقًا مثله؟ من احتمل مرضًا كهذا؟ من قبل أو سمع عن أحدٍ سقط تحت أحزانٍ عظيمة هكذا؟ لا أحد.

كان جسمه يبلى قليلاً قليلاً، وسيل من الدود يصدر عن أعضائه من كل جانب، يفيض هذا السيل الجارف بلا توقف، وتحيط به الرائحة النتنة بقوة، ويتدمر الجسم شيئًا فشيئًا، وجعل الفساد مع عفونة كهذه طعامه مرًا، وصار الجوع بالنسبة له غريبًا وفذًا.

لم يكن قادرًا أن يتمتع حتى بقوتٍ يُقدم له، إذ يقول: "أرى طعامي قد صـار كريهًا" (7:6). حينما تسقط تحت ضعفٍ يا إنسان، تذكر ذاك الجسم المقدس. فقد كان جسدًا مقدسًا وطاهرًا حتى وهو مُصاب بجراحات كهذه...

لكن قد يقول أحد، كانت له تعزية عظيمة وراحة، إذ عرف أن الله هو الذي جلب هذه المتاعب عليه. هذا في الواقع يجعل اضطرابه أشد وأكثر ارتباكًا، أن الله البار الذي خدمه بكل وسيلة دخل في حرب معه... يقول: "تستذنبني لكي تتبرر أنت" (8:40).

إذ شعر بالذنب قال: "وضعت يدي على فمي. مرة تكلمت، فلا أجيب، ومرتين، فلا أزيد" (5:40). مرة أخرى يقول: "بسمع الأذن قد سمعت عنك، والآن رأتك عيني. لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد" (5:42-6).

لكنك إن كنت تفكر أن في هذا كفاية للتعزية، فإنك قادر أن تختبر ذات التعزية. وإن كنت لا تعاني شيئًا من هذا من يدي الله، بل من غطرسة البشر، فلتشكر الله ولا تجدف على ذاك القادر أن يمنعهم بالحق. وإن كان قد سمح لهم بذلك فلأجل امتحانك، فمن يتألم بالآلام من يدي الله يُكلل. هكذا أنت أيضًا تُكلل، لأنك تحتمل المصائب بتقوى، تلك التي جلبها الناس عليك، شاكرًا ذاك القادر أن يصدهم عن ذلك، لكنه لم يرد ذلك[127].

v     صارت جراحات الرجل البار (أيوب) أكثر نفعًا من اللآلئ...

صوّروا هذا المصارع أمامكم، وتخيلوه في الحمأة، جالسًا في وسطها.

يا له من تمثالٍ ذهبيٍ مرصع بالجواهر!

لست أعرف كيف أعَّبر عن هذا، فإني عاجز عن إيجاد مادة ثمينة هكذا لأقارنها بهذا الجسم الملطخ بالدماء. إنه أثمن بكثير من أية مادة، مهما بلغت تكلفتها، فإن طبيعة ذاك الجسد ثمينة بما لا يُقارن بأي شيء، وتلك الجراحات أكثر إشراقًا من أشعة الشمس، فإنها تنير عيون الجسد، أما تلك فتنير عيون النفس! إنها تضرب الشيطان بعمى كلي مطبق[128].

v     هل تدركون أيها الأحباء كم كانت عظمة المكافأة التي للتجربة؟

كان جسمه رشيقًا وسليمًا، لكنه صار أكثر وقارًا عندما طُعن بالجراحات!...

الملك الجالس على العرش ليس في شهرة هذا الرجل وهو جالس في الحمأة بمكانة عظيمة... فإنه بعد العرش الملوكي يحل الموت، ولكن بعد الحمأة ملكوت السماوات[129].

v     لماذا جلس على مزبلة؟ ليخفي على كومة النفايات سقوطه (حتى الموت).

 لماذا خرج خارج الأبواب؟ لكي يجد شيئًا من الراحة، فإنه لو بقي في حجرة مغلقة، مهما كان هواء الحجرة نقيُا يفسد، ويختنق هو نفسه من الرائحة الفاسدة.

في اعتقادي أن آلامه ليس فيها علة بشرية نهائيًا، وقد أدرك أن الله يود أن يقدم درسًا بما حدث له، فلم يشعر بخزيٍ ولا ارتباكٍ، بل كشف عن نفسه أنه صار أضحوكة للكل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     على أي الأحوال لقد أحسن أيوب الفعل إذ جلس على مزبلة... لأن جسمه البالي صار نفاية. لقد تذكر أن الجسم يحوي ذات مكونات (المزبلة).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

3. زوجة أيوب تجربه

"فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ:

أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ!

جَدِّف[130]ْ عَلَى اللهِ وَمُتْ!" [9].

جاءت الترجمة السبعينية: "وإذ عبر وقت طويل، قالت له امرأته: إلى متى أنت تحتمل، قائلاً: ها أنا انتظر قليلاً متوقعًا الرجاء في خلاصي!" [9 (أ)]

جاء أيضًا في الترجمة السبعينية أن امرأة أيوب كانت تجول من بيتٍ إلى بيتٍ لعلها تجد ملجأ تأوي فيه.

يرى بعض اليهود أن زوجة أيوب هي دينة ابنة يعقوب.

اعتاد العدو أن يضرب المؤمنين بأهل بيتهم، كما فعل مع آدم مستخدمًا حواء، وداود مستخدمًا زوجته ميكال التي هزأت بداود رجلها، بل وأراد أن يستخدم بطرس الرسول ليضرب به السيد المسيح عندما تحدث عن الصلب فقال له: "حاشاك يا رب، لا يكون لك هذا" (مت 16: 22). فالتفت وقال لبطرس: "اذهب عني يا شيطان، أنت معثرة لي، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" (مت 16: 23).

عبرَّ البار أيوب عن نظرة امرأته إليه، فقال: "نكهتي مكروهة عند امرأتي، وخممت (صرت نتنًا) عند أبناء أحشائي" (أي 19: 17).

v     لم يترك له الشيطان شيئًا سوى لسانه وزوجته. فبزوجته يجربه، وبلسانه يمكنه أن يجدف. لم ينسَ الشيطان خداعه القديم الذي به خدع آدم خلال امرأة، لذلك هاجم أيوب خلال زوجته، حاسبًا أنه قادر على الدوام أن يخدعه بامرأة، غير مدركٍ أنه إن كان رجل واحد قد جُرح جرحًا مميتًا بامرأة، الآن العالم كله قد خلص خلال امرأة.

أنتم تذكرون حواء، تأملوا في مريم.

الأولى طردتنا خارج الفردوس، والأخيرة قادتنا ( بالمسيح ابنها) إلى السماء[131].

القديس جيروم

v     "وإذ عبر وقت طويل" (أي 2: 9 LXX)... لقد استبقى الروح العبارات واضحة تمامًا لمنفعتنا، إذ لم يعلن عن طول هذه المدة. فلو أنه أوضح الشهور والسنوات، فإن الذين يُوضعون تحت التجربة في المستقبل يُحبطون قبل بلوغهم نهاية المدة. فيُحسبون الليالي والساعات، ويركزون على هذا الزمن. يسقط كل منهم في اليأس الشديد بأن يد الله لم تتدخل، وأنه لم ينل عوناً من السماوات كما نال أيوب في وقتٍ محددٍ.

في الواقع قال الروح: "وقت طويل". قد عبَّر هكذا لكي تعرف أن أيوب وُجد أقوى، لا من المرض والقروح الكثيرة فقط، بل ومن الزمن.

لقد صارع لزمنٍ طويلٍ في عذاباتٍ ومتاعبٍ جسديةٍ، ومع هذا بقي لا يٌقهر في المعارك.

بهذا يعزينا الروح أنه مهما طال زمن التجربة لا يضعف قلبنا، فإن يد الله تحل وتكون يمينه لحسابنا (مز 35:18)، فقد خلص أيوب من أتون التجربة بعد زمنٍ طويلٍ.

v     إذ لم يجد الخصم أن المقاتل قد لان، جند زوجته. ربما قال في نفسه: هذا الشخص (أيوب) لن يكون أقوى من آدم. إن كان غنيًا، لكن ليس لديه "فردوس الله" (كآدم في الجنة). ومع أنه بار، لكنه لم يحرز "شجرة الحياة". ومع أنه تقي، لكن آدم تمتع بالحوار مع الله. هذا الشخص (أيوب) لديه مواشٍ كثيرة، أما آدم فكل حيوانات الأرض خضعت له. لهذا إن كنت قد استطعت أن أفقده هذا خلال حواء زوجته، ربما هذا لا يقدر أن يقاوم هجمات زوجته. بهذا الفكر أثار الشيطان زوجة أيوب ضده.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     ترك له زوجته وحدها، ليست كمعزٍ، بل بالحري حليفة الشيطان[132].

القديس أغسطينوس

جاءت تكملة الآية في الترجمة السبعينية: "أنظر لقد مُحي ذكرك من الأرض، حتى أولادك وبناتك الذين هم آلام طلقي، ومتاعب رحمي، الذين أنجبتهم بالأحزان باطلاً، وها أنت تجلس لتقضي لياليك في الهواء الطلق وسط فساد الدود، وصرت أنا متجولة وعبدة، انتقل من موضعٍ إلى موضعٍ، ومن بيتٍ إلى بيتٍ، أترقب غروب الشمس كي أستريح من أتعابي وآلامي التي أحدقت بي، قل كلمة ضد الله ومت" (أي 2: 9-ب).

v     تصور أنك فقدت ثروتك التي بسببها كنت مشهورًا. نفس الأمر إن كنت قد حُرمت من نصيبك في الأبناء، كيف يمكن أن تبقى ذكراك على الأرض بعد ذلك الحين؟ خيراتك قد سُرقت، ومقتنياتك قد دُمرت، لم يعد بعد يوجد أبناء، ولم تبقَ بعد بنات، ولن يكون أطفال (أحفاد) إذ فُقد الأبناء.

(كأن زوجة أيوب تقول لزوجها): باطلاً قد زرعت حقل رحمي.

أنت نفسك قد حُرمت مما قد غرسته، أما أنا أيضاً فقد فقدت ثمر أحزاني وتعب ثدييَّ، وخبرة رحم النساء الحوامل، آلام الطلق التي لا تُحتمل، والتي تحسب كذكرى رهيبة.

إذن، هل هو حزن واحد أم أحزان كثيرة؟...

لقد بلغ الموت أبناء رحمي، وهلكت ثمرة جسمي في الهاوية.

هل يمكنني أن أترجى أن أحبل بأطفالٍ آخرين؟

كيف؟ أين؟ فإن الزارع الذي هو أنت قد تدمرت وهلكت، وصرت أنت نفسك طعامًا للهوام.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     كلما كثرت النكبات التي جلبها عليه رآه في أكثر قوة. لذلك كما تعرفون بعد أن استخدم كل السبل أخيرًا استخدم آلته، فإذ لم يجد له طريقًا جرى إلى سلاحه القديم، المرأة، وارتدى قناع الاهتمام، وقدم صورة مأسوية عن كوارثه بنغمة غاية في الحنو، وتحت التظاهر بإزالة شره قدم مشورة قاتلة (العن الرب ومت). لكنه ولا بهذا غلب، بلى لأن ذاك الرجل العجيب قد أدرك خداعه، الذي بحكمة عظيمة كتم فم المرأة التي كانت تتكلم بتحريضٍ منه[133].

v     انظروا كيف حاولت ببلاغتها أن تبلغ حتى النهاية. فإن لديها كثرة من الحجج تقنعه بها.

من جهة طول الزمن، إذ لم يعبر يوم ولا اثنين ولا ثلاثة أيام، بل عدد كبير من الشهور. إلى متى تحتمل؟...

لاحظوا الخدعة الشيطانية، فقد فكر في حواء. يقول: ها أنتِ التي جعلتِ الإنسان الأول يسقط يمكنكِ أن تنهي حياة أيوب.

لكنها كانت غبية وفقيرة، إذ وجدت آدم غير قادرٍ أن يتغلب على ضعفه، استطاعت أن تضع السم في طعامٍ صالحٍ.

ها أنتم ترون أيوب – على النقيض - كان إنسانًا حكيمًا منتصرًا حتى على طبيعته... فلا تظنوا إذن أن الأمر خاص بالمرأة أو توصياتها...

الآن اقترح علي شعبنا ألا يضعوا في الاعتبار كرامة الأشخاص، بل بالحري طبيعة النصيحة.

فالمرأة جاءت لتعين الرجل لا لتكون عثرة له... إنه يتوقع تغيرًا، شيئًا يدل على إيمان سليم ورجاء نبيل، إنه يعرف حنو الله.

هكذا وُضعت الخطوط الرئيسية لأساس شقاوتها. إنها لم تقل: "قد ماتوا" حسب التعبير الجاري للإشارة عن الحزن العام بين كل البشر، فإنها لم تستخدم التعبير العادي. إنما ماذا قالت؟ "لقد مُحي ذكرك..."

في رأيي قد أرادت أن تبرر عنف المحنة بنطقها هكذا.

هذا ما أرادت أن تقول له: "أي نوع من التغيير تترجى أن يحدث؟ هل يمكن أن تعود إلى ما كنت عليه بعد كل ما حدث، لأن ما قد تلاشى تمامًا هل يعود إلى الحياة؟

فإننا نرغب في أطفال، غالبًا لكي ما يمدوا ذكرنا بطريقة لا تزول. بالتأكيد أن أهم شيء يطلبه البشر هو أن يتركوا ذكريات بعدهم. تقول له: إنك أنت نفسك ميت بفقدانك أبنائك، فبدون ذرية وبدون أطفال أنت تبيد.

لاحظوا إلى أي مستوى قدمت هذه المشورة الرهيبة، لا لتحثه على الغضب، وإنما لتنحرف به إلى رثاء ذاته...

تقول: ليلاً ونهارًا لا تجد من يشاركك سقف بيتك، ليس من يواسيك، ليس من يشفق عليك، ليس من يشاركك آلامك...

يا لها من شقاوة! ليس من يشفق على زوجته، ولا يهدئ من ظروفها، والتي كانت في صحبة الملك صارت عبدة تعيش في العراء تحت النجوم..." فإنني بدون بيت ولا مدينة، ولا منزل، أجول في المدينة... ليس من بيتٍ واحدٍ يخفف من عار حالي، وفي كل موضع أتقبل سخرية وإهانة من العامة".

لم تقل له: "جدف"، بل قالت: “العن الله..." لماذا؟ هكذا أنت تعرف أنك إذ تفعل هذا تموت، أما عن موتي فأية تعزية يمكن له أن يجلبه عليك؟ أي تصحيح للوضع بموتي؟...

ماذا تقولين يا امرأة؟ عندما يتطلب الأمر أن نرجو الله ليهب خيرات، عندما يلزم الأمر استعطافه تستعدين أن تثيريه! إن كان الله هو مصدر هذه المتاعب، فالأمر يتطلب التوسل إليه لا التجديف عليه. ومن جانب آخر، إن كان ليس هو مصدرها، فلا يُجدف عليه!

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     فَقَد أيوب أولاده وكل ما يملكه ماعدا زوجته! (أي 13:1-19)، التي حُفظت وحدها لأجل تجربته! (أي 9:2-10). وكان آنذاك قد تغطى كله بالقُروح المميتة (أي 7:2)، وأدرك أن أصدقاءه لم يأتوا لتعزيته، بل لزيادة آلامه وتضخيمها!

لاحظ السلطان الذي أُعطي للخصم بواسطة الرب لمحاكمته (أي 1:2-6). ومع أنه شعر بأن سهام الرب كانت في جسده، وقال إنها قد اخترقت جسمه (أي 4:6)، إلا أنه كمصارعٍ صالحٍ لم يستسلم للألم، ولا رفض صعاب الصراع بل استمر.

"وإذ قد بدأ الرب، فليجرحني، لكن لا تطعني (تهلكني) في النهاية، لأنه ما هي قوتي حتى أصمت (انتظر)؟

وما هي نهايتي حتى تحتمل نفسي؟

هل قوتي قوة الحجارة، وهل لحمي من نحاس؟

أليس لي اتكال عليه؟ لكن المعونة تركتني، وافتقاده قد احتقرني" (أي 9:6، 11-14 LXX)[134].

القديس أمبروسيوس

v     بالحقيقة كانت زوجته وحدها قد تُركت حتى ذلك اليوم. كل ما كان لديه قد دُمر تمامًا، كل أولاده وممتلكاته وحتى جسمه، وتُركت هي للتجربة لتكون فخًا له.

هذا هو بالحقيقة السبب لماذا لم يدمرها الشيطان مع الأبناء، ولم يطلب موتها، إذ توقع أنها ستساهم بالأكثر في إسقاط الرجل القديس في الفخ. لذلك تركها كنوعٍ من الأداة المرعبة في يده.

لقد قال: "إن كان حتى في الفردوس طردت البشرية بواسطتها، كم بالأكثر أستطيع أن أطرحه وهو على المزبلة!"[135]

v     كان المبني هو عينه (ذاك الذي على الصخر، وذاك الذي على الرمل) والتجارب هي عينها، لكن النهاية ليست عينها، لأن الأساس مختلف. حدث سقوط المبنى بسبب غباوة البنَّاء وليس بسبب طبيعة التجارب،...

لا تظن أن هذه الأمور قيلت عن مجرد المبنى، إنما الحديث يخص النفس، مؤكدًا أن بأعمالها تسمع الكلمة الإلهية أو ترفضها. هكذا بنى أيوب نفسه.

نزل المطر، لأن نارًا نزلت من السماء والتهمت كل قطعانه، والفيضانات حلت، حيث جاء إليه الرسل المخبرين بالكوارث بالتتابع بطريقة مستمرة يخبرونه عن دمار قطعانه، وجِمَاَله وبنيه. وهبت الريح، الذي هو كلمات زوجته المرة، قائلة: "العن الله ومت". ومع هذا لم يسقط المنزل. نفسه لم تهتز من مكانها، والبار لم يجدف، بل شكر الله، قائلاً: "الرب أعطى، الرب أخذ، ما يحسن في عينيه يفعل[136]".

 القديس يوحنا الذهبي الفم

v     جرب الخصم أيوب خلال أبنائه وممتلكاته (أي 1: 13)، وإذ لم يستطيع أن ينتصر عليه احضر له عدته،

جاء محضرًا معه ابنة حواء التي أغرقت آدم، وخلال فمها قال لأيوب، الزوج البار: "العن الله"، لكن أيوب رفض المشورة.

أيضًا انتصر الملك آسا على المأبونين من الأرض عندما جاء إليه (الشيطان) ليحاربه خلال أمه (1 مل 15: 12-13). عرف آسا مكره، وخلع أمه من مركزها المرتفع (ملكة)، وقطع تمثالها وطرحه.

يوحنا كان أعظم من كل الأنبياء، لكن هيرودس ذبحه من أجل رقصة ابنة حواء (مت 11: 11، 14إلخ).

هامان كان غنيًا، الثالث في الكرامة من الملك، لكن أشارت عليه زوجته أن يقتل اليهود (أس 6: 13).

زمري كان رأس سبط شمعون، إلا أن كزبي بنت رئيس قبائل ديان طرحته، ومن أجل امرأة واحدة سقط في يوم واحد أربعة وعشرون شخصًا من إسرائيل (عد 25: 6-15)[137].

 القديس أفراهاط

"فَقَالَ لَهَا: تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ!

أَألْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ،

وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟

فِي كُلِّ هَذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ بِشَفَتَيْهِ" [10].

v     كان أيوب في ساعات حزنه أكثر حذرًا من آدم في عرش سعادته.

واحد انهزم وسط المسرات، والآخر غلب وسط الآلام.

واحد وافق على ما يبدو ممتعًا، والآخر لم يذبل في الآم غاية في الرعب...

لقد احتمل في جسمه ألمه، واحتمل في قلبه أخطاء الآخرين، موبخًا زوجته على غباوتها، معلمًا أصحابه الحكمة، محتفظًا بالصبر في كل الأحوال[138].

القديس أغسطينوس

v     لاحظوا أيها الإخوة الأحباء، إنه لم يقل قط: "هذا عمل الشيطان".

انسبوا التأديب لإلهكم مباشرة، لأن الشيطان لا يفعل شيئًا بدون سماح من ذاك الذي يدبر أموركم بقوة سلطانه، سواء للعقوبة أو التعليم؛ للعقوبة بالنسبة للأشرار والتعليم للابن. "فإنه يجلد كل ابن يقبله" (عب 12: 6).

أنتم تحتاجون ألا تهربوا من العصا، اللهم إلا إذا لم تريدوا أن ترثوا[139].

v     عندما تغطي جسمه بالقروح جاءته امرأته التي تُركت له كحواء أخرى، لتكون زميلة الشيطان عوض أن تكون معينة لرجلها. كانت توبخه دومًا وبشدة لتهز ولاءه قائلة: "قل كلمة ضد الله ومت".

لكن آدم الذي على المزبلة كان أكثر حكمة من آدم الذي كان في الفردوس.

آدم في الفردوس أعطى أذنه للمرأة، ليطردا من الفردوس. وآدم على المزبلة طرد المرأة جانبًا فقط لكي يدخلا الفردوس.

وماذا كان لآدم الذي على المزبلة؟ من الداخل يلد خلودًا، من الخارج كان طعامًا للدود.

ماذا قال لزوجته؟ "تتكلمين كلامًا كإحدى الجاهلات. أألخير نقبل من عند الله والشر لا نقبل؟" (أي 2: 10).

إنه يكرر بأنه يد الله عليه حينما كان الشيطان يضرب، لأنه لم يتطلع إلي من يصوب إليه الضربة، بل إلي ذاك الذي أعطاه السلطان.

فإن الشيطان نفسه بدوره دعا ذاك السلطان الذي شحذه من يد الرب[140].

القديس أغسطينوس  

v     إني أختار أن يفتقد الرب خطاياي، ويصلح معاصي، هنا في هذا العالم، حتى يقول لي إبراهيم هناك ما قاله عن لعازر المسكين في حديثه مع الغني: "يا ابني أذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك، وكذلك لعازر البلايا، والآن هو يتعزى وأنت تتعذب" (لو 16: 25).

لهذا السبب عندما يوبخنا الرب، عندما يؤدبنا، يلزمنا ألا نكون جاحدين.

لندرك أن توبيخنا في الوقت الحاضر إذن لكي ننال تعزية في المستقبل. وكما يقول الرسول: "إذ قد حُكم علينا نؤدب من الرب، لكي لا نُدان مع العالم" (1 كو 11: 32). لهذا السبب قبل أيوب أيضًا بإرادته كل آلامه قائلاً: "أألخير نقبل من عند الله، والشر لا نقبل؟"[141]

العلامة أوريجينوس

v     صار مباركاً أكثر من كل أحدٍ، فإنه ليس فقط لم يفعل شيئاً يجعله يزل، بل مارس ما جعله أكثر ثباتًا. زوجته ضايقته مع كل هؤلاء، ومع هذا فقد تلألأ في كل شيءٍ[142].

v     الزوجة صلاح عظيم كما أيضًا يمكن أن تكون شرًا خطيرًا. فإن الزوجة عظيمة؛ لاحظوا من أية نقطة أراد الشيطان أن يدخل خلال السور القوي[143].

القديس يوحنا الذهبي الفم

جاءت الترجمة السبعينية: "لكنه تطلع إليها وقال لها: تتكلمين كإحدى الجاهلات" (أي 2: 10).

v     بمعنى: إنك لا تتكلمين بما يليق بكِ، ولا بتعليمكِ، ولا بالبنية التي تقبلتيها مني.

هذه الكلمات لا تليق بكِ.

لم يرد أن يوبخها بعنفٍ، بل أن يردها عن هذا التفكير الفاسد.

"إن كنا نقبل الخيرات من يد الله، ألا نحتمل الشرور؟" بمعنى إن كان بالحق ليست هذه الأمور إلا شرورًا فلنتحملها.

إنه الرب والسيد، أليس لديه سلطان على كل شيء يرسله علينا؟

لماذا أعطانا خيرات؟ ليس عن استحقاق من جانبنا.

ليتنا لا نقلق بعد اليوم بالتفكير أننا نتألم عن عدم استحقاق.

إنه حر تمامًا، حتى إن قدم لنا فقط الشرور.

إن كان يقدم لنا أيضًا الخيرات، فلماذا نشتكي؟

لاحظوا إنه لم يتكلم قط عن معاصي، ولا عن أعمال صالحة، إنما تكلم فقط عن الله صاحب السلطان أن يفعل ما يشاء.

تذكري خيراتك السابقة فلا تجدي صعوبة في احتمال المشاكل الحالية. يكفي لنا لكي نتعزى أن ندرك أن الرب قد أرسلها إلينا. لا تتحدثي عن عدالةٍ أو ظلمٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "تطلع إليها" (أي 2: 10 LXX)، تطلع إلى زوجته، لكي يميز ذاك الذي يتكلم فيها، ويحترس من الحية المختفية في حديث زوجته.

v     ألا نقدم صبرنا ذبيحة مقبولة (رو 1:12) خلالها نستعيد ما فقددناه، وننال بركات أخرى أكثر منها؟

v     "في كل هذا لم يخطئ أيوب بشفتيه". هل سلم الله أيوب لهذا الصراع باطلاً؟ ألم يعرف بالحق مقاتله؟ ألم يعرف الملك جنديه؟...

أما بالنسبة لنا، فلنتمثل بصبره. لنحارب بدماثة، لنمارس صبره، ونعادله في ثقته بالله.

لنتشكل حسب إيمانه دون فشل، ولنكن ثابتين في روحه، في صدق كلماته، في صراعه مع عدوٍ غير منظورٍ، في عزلته، وفي تجاربه، في هدوئه، في مواجهة كل ما يثور، لنبقى أقوياء وموطدي العزم.

في كل الآلام لنكن أتقياء ونتمم امتحاننا. فإننا بهذا نشترك في الأكاليل، ونكون شركاء في نصرته، ويكون الله شاهدًا لبرِّنا. المجد له مدى الدهور آمين.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     ليُستدعَ القدير لعونكم ضد مكائد الشيطان.

ليسكن فيكم، هذا الذي لا يٌمكن أن يٌغلب، فإنكم حتمًا تغلبون ذاك الذي اعتاد أن يغلب. لكنه يغلِبْ من؟ أولئك الذين لا يسكن الله فيهم.

فإنكم أيها الإخوة تعلمون هذا أن آدم في الفردوس احتقر وصية الله، ورفع عنقه، كمن أراد أن يكون سيد نفسه، ونفر من الخضوع لمشيئة الله. هكذا سقط من الخلود والطوباوية.

لكن وٌجد إنسان، مختبر باهر، مع أنه قابل للموت بمولده، ومع أنه جلس على مزبلة وفاسد بالدود، غلب الشيطان.

نعم، آدم نفسه قد غلب حتى في أيوب، لأن أيوب من جنسه.

لقد هُزم آدم في الفردوس، وغُلب على المزبلة.

بكونه في الفردوس، أعطى أذنه لاقتناع المرأة التي دخلها الشيطان، أما وهو على المزبلة قال لحواء: "تتكلمين كإحدى الجاهلات".

هناك أعارها أذنًا، هنا قدم لها إجابة.

عندما كان سعيدًا أصغى، وعندما أٌبتلي غلب.

لهذا انظروا ماذا تبع هذا يا إخوتي في الرسالة (1 يو 9:2). لأن هذا ما يجب أن نضعه في قلوبنا إننا نغلب الشيطان حقًا، لكن ليس بذواتنا، إذ يقول: "إن علمتم أنه بار، فاعلموا أن كل من يصنع البرّ مولود منه"[144].

القديس أغسطينوس

v     مكتوب: "أعداء الإنسان أهل بيته" (مت 36:10)، فإنه إذ يرى الخصم الماكر أنه قد انسحب من قلوب الصالحين يبحث عمن هم محبوبون جدًا لهم، ويتحدث إليهم بعذوبة بكلمات محبوبة جدًا لديهم، حتى إذ تتسلل قوة الحب إلى القلب يمكن لسيف إقناعه أن يقتحم الطريق بسهولة إلى مناطق الدفاع الداخلية للأبرار.

v     يقصد بالخير هنا إما عطايا الله الزمنية أو الأبدية، وبالشر ضربات الزمن الحاضر، هذه التي قال عنها الرب بالنبي: "أنا الرب وليس آخر، مصور النور وخالق الظلمة، صانع السلام وخالق الشر". (إش 6:45-7) لا يقصد الشر الذي ليس له جوهر بطبيعته أنه مخلوق بالله. بل يُحسب الرب نفسه كخالق الشر (الضيق) عندما يحول الشر إلى عقوبة (أو تأديب)، فتكون هذه الأمور شرًا للعصاة باحتمالهم الألم، وفي نفس الوقت صلاحًا بطبيعتها...

إنه عزاء قدير لتجاربنا، متى احتملنا أحزانًا، وتذكرنا عطايا خالقنا لنا... فقد قيل: "في يوم الخيرات لا تنسَ البلايا، وفي يوم البلايا لا تنسَ الخيرات" (سيراخ 25:11).

فإن من يتقبل عطايا الله في موسم العطايا ولا يخشى الضربات يسقط بفرحه في تيه فكره، ومن يعاني من العقوبات، ومع هذا ففي موسم العقوبات يتجاهل تعزيته بالعطايا التي كان قد نالها، يسقط من ثبات فكره باليأس من كل جانب.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لقد سخرت به امرأته لأجل بساطته وتعلقه بالأبديات، وحسبت هذه البساطة غباوة وجهلاً وحرمانًا من الحياة والسعادة. لهذا رأت موته أفضل بكثير من حياته، والتجديف على الله أوجب من العبادة له مع المعاناة من الآلام.

v     كأنه يقول: إن كنا نميل إلى البركات الأبدية، فأي عجب إن كنا نواجه شرورًا زمنية؟ لقد ركز بولس عينيه على هذه البركات باهتمامٍ شديدٍ عندما خضع بفكره للشرور الحالة به. يقول: "فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا" (رو 18:8).

البابا غريغوريوس (الكبير)

لم يخطئ أيوب بفمه، إذ لم ينطق بكلمة لا تليق به كمؤمنٍ. يحذرنا القديس بطرس الرسول من الخطأ بالفم، قائلاً: "فلا يتألم أحدكم كقاتلٍ، أو سارقٍ، أو متكلمٍ بالشر" (1 بط 15:4Vulgate).

4. افتقاد أصحابه الثلاثة له    

"فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ أَيُّوبَ الثَّلاَثَةُ بِكُلِّ الشَّرِّ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ،

جَاءُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَكَانِهِ:

أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ،

وَتَوَاعَدُوا أَنْ يَأْتُوا لِيَرْثُوا لَهُ وَيُعَزُّوهُ" [11].

ذكر هنا أسماء أصدقائه الثلاثة الذين جاءوا يرثون له ويعزونه. ربما كان حاضرًا معهم الشاب أليهو، وقد استمع إلى المناقشات، ويبدو أنه لم يكن صديقًا لأيوب لأنه كان يصغره جدًا في السن، لكنه حضر كمستمعٍ. ربما كان يحب مجالسة الشيوخ، ولعل منظر أيوب في مأساته قد جذبه، فاشتاق أن يقدم له خدمةً ما أو كلمة تعزية.

أما الأصدقاء الثلاثة فكانوا متقدمين في السن، بل كانوا شيوخًا، اشتهروا بالمعرفة والحكمة والصلاح، وكان لهم تقديرهم وكانت آراؤهم تُقابل بالاحترام (أي 32: 6). ربما كانوا يحتلون مراكز رفيعة في الدولة، كأمراء أو رؤساء. ربما كانوا أقرباء له، إذ كان الثلاثة أحفاد إبراهيم، غالبًا ما ورثوا عنه بعض التعاليم والثمار الصالحة. فأليفاز التيماني ملك التيمن كان ابن تيمان حفيد عيسو (تك 36: 11). يرى البعض أن أليفاز هنا ليس الابن الأكبر لعيسو بل حفيده الذي دُعي على اسمه. وكان بلدد الشوحي ابن شوح الذي ولدته قطورة لإبراهيم (تك 25: 2). وصوفر النعماتي على ما يُظن هو صفوا حفيد عيسو (تك 36: 11). كان ثلاثتهم من الأمم، حملوا بعض الجوانب الطيبة، منها أنهم دون غيرهم من غالبية الأصدقاء لم يتركوا أيوب في محنته، بل صاروا يشاطرونه أحزانه كما شاطروه قبلاً في مسراته.

جاءوا ليس حبًا في الاستطلاع، ولا بدعوة من أحدٍ، إنما اتفقوا معًا في عمل الخير. كانوا مخلصين في رغبتهم في التعزية، وإن اتضح أنهم كانوا معزين متعبين بسبب عدم حكمتهم في معالجة الأمر.

لم نسمع عن المساكين والمحتاجين الذين يعولهم، ولا الأيتام والأرامل الذين كان يهتم بهم، قد جاء واحد منهم يسأل عنه في محنته. لعلهم سمعوا بالنكبات المتوالية فسقطوا فيما سقط فيه هؤلاء الأصدقاء الثلاثة، وحسبوا أنه كان شريرٌا أخفى شره بالعطايا الظاهرة والاهتمام المظهري.

عدم حضور أحدهم بلا شك كان له أثره السيئ على نفسية أيوب، إذ حسبهم قد تعثروا في شخصه.

"وَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ مِنْ بَعِيدٍ وَلَمْ يَعْرِفُوه،

فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَبَكُوا،

وَمَزَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ جُبَّتَهُ،

وَذَرُّوا تُرَابًا فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ نَحْوَ السَّمَاءِ" [12].

كثيرًا ما يفسد الحزن والمرارة شكل الإنسان حتى أن أصدقاءه الشيوخ لم يعرفوه، لأن قروحه شوهت جسمه، ومرارة نفسه نزعت عنه بشاشته. هذا ما حدث مع نعمى حين أفسد الحزن هيئتها، فعندما عادت إلى بلدها تساءل أهل المدينة: "أهذه نعمى؟" (را 1: 19).

لم يتمالك الشيوخ أنفسهم، فرفعوا أصواتهم كالأطفال وبكوا، كما مزق كل واحدٍ جبته، وذروا ترابًا على رؤوسهم. وجلسوا معه على الأرض. وكأنهم شاركوه مذلته.

لم يلتقوا معه على مستوى المجاملات الرسمية، إنما كأحباء يشاركونه مرارة نفسه. كشركاء في الضيقة القاسية لم يستطيعوا أن يفتحوا فمهم لمدة سبعة أيام وسبع ليالٍ، صمتوا وهم في دهشة. جاء في المثل اللاتيني: "أحزاننا الخفيفة تتكلم، أما الثقيلة فتعقد اللسان".

تحاشوا في البداية الكلام لئلا يثقلوا عليه التجربة، وربما لأنهم أرادوا التأني حتى يبحث كل منهم هذا اللغز المحيّر، فإنهم يدركون أعمال محبته العظيمة التي كان الكل يشهد لها، لكن هل من خطية خفية سببت له كل هذه الكوارث؟ هل يود الله أن يكشف له عما أخفاه في قلبه وفكره أو من أعمال لا يعرفها أحد؟

v     لم يعرفه أصحاب أيوب، إذ لم يروا الثوب الأرجواني ولا العرش المرتفع، ولا التاج الملوكي والجند في الخدمة، ولا العبيد في أعمالهم. عوض العرش كان له الأرض القاسية، المزبلة عوض السرير، وعوض البيت الهواء الطلق.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

"وَقَعَدُوا مَعَهُ عَلَى الأَرْضِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَ لَيَالٍ،

وَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ بِكَلِمَةٍ،

لأَنَّهُمْ رَأُوا أَنَّ كَآبَتَهُ كَانَتْ عَظِيمَةً جِدًّا" [13].

لقد تواعدوا أن يأتوا ويلتقوا معُا عند أيوب، لكن ما يدهشنا أنهم بقوا صامتين سبعة أيام وسبع ليالٍ دون أن ينطقوا بكلمة، وعندما تكلموا هاجموه بعنفٍ شديدٍ، كما برأيٍ واحدٍ.

اظهروا في البداية حزنًا مُبالغ فيه، تبعه خصومة ومناقشات مرة وسط آلامه.

أي حب هذا دفعهم للاتفاق معًا والجلوس حوله وسط رائحة النتانة التي لا تُحتمل ولمدة أسبوع كامل؟ ولماذا التغير المفاجئ، على النقيض تمامًا؟

تُرى هل كانوا صادقين في محبتهم له، لكنهم قدموا حبًا بلا تمييز؟ أم كانت النية شريرة مخفية تحت ستار الحزن الشديد، فانفجر ما في داخلهم؟

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن هؤلاء الأصدقاء يرمزون إلى الهراطقة الذين يظهرون في البداية حنوًا زائدًا، ومع صدق نيتهم للعمل إلا أنه ينقصهم روح التمييز. لهذا يقول لهم أيوب: "أما أنتم فملفقو كذبٍ، أطباء بطالون كلكم" (أي 3:13-4).

لقد جاءوا كل واحدٍ من مكانه (11:2)، ومكان الهراطقة هو الكبرياء نفسه. جاءوا على موعد في اتفاق تحت ستار الحب والصداقة.

هكذا كثيرًا ما يتفق الهراطقة معًا على كنيسة الله، ويحملون مظهر الصداقة والخدمة والسلوك بالفضيلة.

أخيرًا فقد طلب الله منهم أن يسألوا أيوب أن يصلي عنهم، ويُقدم ذبيحة لأجلهم، هكذا لا تكف الكنيسة عن أن تصلي من أجل الهراطقة كي يتحولوا عن المقاومة، ويستردوا عضويتهم الكنسية، ويتمتعوا بالحياة الكنسية السماوية.

v     كل هذه الإيماءات حسنة ولائقة بأصدقاء يكشفون عن تعاطفهم معه، لكن ما جاء بعد ذلك كان على النقيض. لم يكن من نفس النوع، بل على النقيض تمامًا ورديئًا. أنظروا ماذا حدث. إنه لأمر لا يُصدق، تحدثوا كخصومٍ حاقدين.

v     عندما تمتلئ النفس بالقنوط للحال لا تميل إلى سماع شيءٍ مما يقال. لهذا عندما جاء أصدقاء أيوب ورأوا كارثة بيته، والبار جالسًا في الحمأة، وقد تغطى بالقروح، مزقوا ثيابهم وتنهدوا، وجلسوا بجواره في صمتٍ، مظهرين إنه ليس ما يليق تقديمه بالمتألم هكذا سوى الهدوء والسكون. إذ كانت التجربة أعظم بكثير من أن يكون لها تعزية[145].

القديس يوحنا الذهبي الفم

 


 

من وحي أيوب 2

آدم في المزبلة!

v     لم يكن ممكنًا لإبليس أن يصمت،

وقد رأى الإنسان في جنة عدن ينعم بك أنت فردوسه!

اقترب إليه من خلال الحية،

وتجاسر واستخدم فم حواء.

وبحسده طرد آدم وحواء من الجنة،

وبالخطية ملك الموت عليهما وعلى نسلهما!

 

v     الآن وقد رأى في كل إنسانٍ آدم المنكسر.

ظن أنه قادر أن يحطم أيوب كما حطم أباه الأول.

لم يتحدث معه خلال الحية،

بل تجاسر واشتكاه أمامك يا خالق الكل!

 

v     في كبرياء أعلن أنه كان يجول في الأرض،

ويمشي عليها، وكأنه ملك صاحب سلطان!

نعم، لتنزع عنا ترابنا فلا نبقى أرضًا،

ولا يقدر أن يتمشى في قلوبنا!

يرانا سماءً ثانيةً، فيهرب من أمامنا.

تُجلسنا أنت في السماويات،

فلا يقدر أن يتسلل إلينا!

 

v     يا للعجب أنت القدوس وحدك تمدحنا!

وإبليس الشرير يشتكي علينا!

هل يغير على القداسة، فيشتكينا على ضعفنا؟

في شَرِه يود أن يحطم الكل،

فيشاركوه تجديفه عليك، يا أيها القدوس وحدك!

 

v     صوب كل سهامه النارية ضد أيوب المسكين!

ذاك الذي كان كوكب الصبح يقف أمام إنسانٍ أعزل!

لم يهدأ له بال حتى يضرب كل جسده!

بسماحٍ منك قتل كل بنيه وبناته، وترك زوجته ليستخدمها ضده.

ضرب كل جسمه، وترك له لسانه لعله يجدف عليك!

في مكرٍ شديدٍ بذل كل جهده ليحطم المؤمن بك،

ولم يدرك أن سهامه ترتد عليه!

 

v     آدم في الجنة مال بأذنه ليسمع مشورة العدو،

خلال حواء معينته!

أيوب في وسط الرماد، فتح فمه ليُبكم المشورة الشيطانية!

صمت آدم صمتًا خاطئًا، وكسر وصيتك الإلهية.

ونطق أيوب بكلامٍ صالحٍ، وأنقذ زوجته من الحيل الشيطانية!

تعرى آدم في الجنة، ولم تقدر أوراق التين أن تستره!

ولبس أيوب ثوبًا من الدود، كان أبرع جمالاً من ثوب الملوك!

ارتعب آدم وحواء حين سمعا صوتك!

ووقف السمائيون في دهشة أمام تسابيح الجالس وسط الرماد!

ظن آدم أن حرمانه من الأكل من شجرة المعرفة ظلمًا وحرمانًا.

وحسب أيوب أن كل ما سُلب منه هو بسماحٍ منك لخيره!

وسط كل بركات الجنة وإمكانياتها تركزت عينا آدم على شجرةٍ واحدةٍ!

وسط كل التجارب التي لا تُحتمل تركزت عينا أيوب عليك يا صانع الخيرات!

فتح آدم فمه ليبرر نفسه،

وفتح أيوب فمه ولم يخطئ بشفتيه!

 

v     جاء الأصدقاء، كل واحدٍ من مكانه،

ويا ليتهم ما جاءوا!

أرادوا أن يعزوه بأفكارهم البشرية، فقدموا له مرارة!

أظهروا كل مشاعر الحنو والمشاركة في الآلام،

لكن لم يقدموك إليه يا أيها المعزي السماوي!

 

v     أنت صديقي السماوي،

احملني إليك، إلى مكانك، فأستريح في حضن أبيك!

لقد نزلت إليَّ،

وجُربت لكي تعين المجربين!

لتكن أنت هو سرّ تعزيتي وسلامي وفرحي الحقيقي!


 
ملحق للأصحاح الثاني

في مجلس الصامتين

(صمت أصدقاء أيوب)

السكون والصمت

يظن كثيرون أن الراهب هو فقط الذي يبتعد عن العالم وينعزل. هذا ضروري ولكن القديس باسيليوس الكبير يشدِّد على أن الانسحاب الحقيقي من العالم هو [أن نقطع الحبال التي تربطنا به وبهمومه ومشاكله.] فالهدوء الذي نحصل عليه في الدير [هو بدء تطهير الذات، وبعدم الاكتراث بأمور الدنيا بدء الاهتمام بأمور الله.] والوحدة [هي دواء للأهواء والشهوات، لأنها تهدّئها وتقرّبنا لله، وخاصة عندما تكون مقرونة بالصلوات والترانيم.] وهذه يجب أن ترافقنا دائمًا لأنها [تثبِّت النفس في الفرح وتخرجها من الأحزان[146].]

والقدِّيس باسيليوس بالرغم من أنه من دعاة الحياة المشتركة، لا يكف عن التشديد على الصمت، وعلى الالتزام بالخلوة والهدوء. فهذا هو الشرط الذي بدونه لا تستقيم الحياة الرهبانيَّة، إذ كيف يمكن للراهب أن يصلِّي مرارًا في النهار، وأن يدرس ويطالع الكتاب المقدَّس وأن يعكف على اكتشاف نفسه إذا كانت الضوضاء تملأ نفسه، وتملأ أرجاء الدير[147]

يقول القديس باسيليوس [الهدوء هو الخطوة الأولى في تقديسنا، فيتطهَّر اللسان من ثرثرة العالم، ولا تُثار العين بالألوان الجميلة ولا بالأشكال الوسيمة، ولا تسرع الأذن لنغمة الذهن التي للأغاني الشهوانيّة، بالأذيّة التي تصدر على وجه الخصوص من أحاديث أصحاب التمثيليَّات الهزليَّة والمهرَّجين.]

v     أقول الحق: إن كنت تنطق مثل مار يوحنا (الذهبي الفم) ومثل مار أفرام القديس، ومثل مار باسيليوس الإلهي ومار غريغوريوس (النزينزي) ومار غريغوريوس (النيسي)، وبقية الملافنة (المعلمين) الكبار، لما كنت تفيد بكلمات الذين يلتفون بك كما يفيد الآن صمتك مشاهديك[148].

القدِّيس مار يعقوب السروجي

حيرة بين الصمت المقدس والكلام المقدس!

v     أنت هو الكلمة التي تعطى كلمة للمتكلمين،

بك يتكلم جميع المتكلمين من أجلك.

شعاعًا وإشراقًا ونورًا عظيمًا أشرق فيّ فأنظر إليك.

فبنظري لك تستضيء النفس، فتقتني الصلاح.

وحين تبتعد منك النفس تمتلئ ظلامًا، وإذا ما تفرست فيك لبست النور لتنطق بكلام خبرك...

الصمت والكلام قائمان عليّ يطالبانني.

يا رب دبر حياتي كإرادتك.

إن صمت أدهش، إذ أشعر بعدم كفايتي في (الكلام). أصمت في دهشة، وليس بطغيان باطل.

وإن تكلمت تكون كلمتي حسب مجدك ولأجلك.

عندما تمتلئ النفس بالصمت في دهش بك، يكون هذا الصمت حديثًا مملوءً بكل منفعة. وإذا ما تحركت النفس لتمجدك بمحبة فبالحب أتحرك، وأتحرك لأمجدك. وفي دهش أصمت ولا اهدأ من تمجيدك.

هب لي يا رب الدهش (بالصمت) والكلمة فأغتني. وفي كل يوم أدهش، وفي كل يوم أتحرك بالكلام!

القدِّيس مار يعقوب السروجي

للكلام وقت وللصمت وقت!

v     يصمت البار إذ يُعلّم أن للسكوت وقت وللكلام وقت (جا 3: 7)، لكنّه لا يصير أبكم. إنّما هذه سِمة خاصة بالصدّوقيّين - وكل من يُعلّم بالباطل، إذ هم يبكمون ولا يصمتون. فإنهم وإن كانوا بُكمًا عن الحق لكنهم غير صامتين، هكذا قال الرب للبحر وليس للإنسان أن يبكم، منتهرًا إيّاه إذ كان عاصفًا[149].

العلاّمة أوريجينوس

v     باطلاً نلجم ألسنتنا، إن كان صمتنا يقوم بنفس الدور الذي يقوم به الصراخ[150].

الأب يوسف

v     تكلم زكريا (الكاهن) في موضعٍ كان يلزم فيه الصمت، وتكلمت مريم، وحسنًا كان كلامها.

سكتت حواء وفي الحال صارت مرذولة، وإذ لم تتكلم حزنت، وماتت بسبب صمتها.

غشَّتها الحية، وأعطتها بشارة مملوءة موتًا، ووعدتها بالألوهية، ولم تفحصها.

قالت الحية: يوم تأكلان من الشجرة تصيران كالله، فصدقتها. وفي هذا الوضع وفي ذاك الوقت حيث الخداع كان يلزم السؤال والكلام والدراسة. كان يليق بحواء أن ترد على الكذاب وتدرس الأمر نتمعن. لو درسته لهرب الكذاب منها. فإنه اذ يُظهر الحق ذاته تجاه الكذب يهرب الخير. لو تكلمت حواء مقابل ذاك الكذاب لما أستطاع أن يبت الخبر الذي بدأ به... وإذ لم تتكلم هدمتها الحية في عمق الهاوية.

إذ يوجد وقت يلتزم فيه الإنسان بالكلام، ويوجد وقت يلتزم فيه الصمت بإفرازٍ. كان يليق بزكريا أن يصمت في قدس الأقداس عندما بشره الملاك بميلاد يوحنا. وإذ لم يصمت جعله الملاك يصمت بغير إرادته، لأنه يحبه، فزينه بالصمت اللائق به.

حزنت اليصابات بصمت رجلها.

صمت الكاهن، ومضى إلى بيته ولم يتكلم.

لم يعرفوا لماذا صمت نطقه.

حزن أحباء الكاهن بصمته، ولم يعرفوا ما هو سبب صمته.

وحزنت اليصابات على شريك حياتها، لأن فمه صمت، وصوته خرس، ولم يتكلم.

لعل اللاوية قالت في حزنها على رجلها الكاهن الشيخ الصامت: ماذا أعمل؟

لقد ضرب البيت بسبب العقر، وأحاط بي حزنان: أنا عاقر، وفم الشيخ صار عاقرًا، ليس لي ولد، وليس له كلمة يتعزىٌ بها.

كثر حزن بيت الكاهن من الجانين: المرأة عاقر، وهو صامت.

العجوز حبلت من الزواج بطريقة مدهشة عظيمة...

بميلاد (يوحنا) انفتح رحم أمه، وانفتح فم أبيه.

بيوحنا ولدت العاقر، وتكلم الأخرس.

به أنصلح الرحم العاقر، والفم الأخرس، والمكان الخرب.

مبارك هو الذي اختاره وأكثر جماله. له المجد دائمًا وعلنًا.  آمين.

القدِّيس مار يعقوب السروجي

v     من يريد أن يلازم السكوت من غير أن يقطع علل الآلام فهو أعمى[151].

مار إسحق

v     إن الصمت من أجل الله جيد، كما أن الكلام من أجل الله جيد[152].

الأب بيمين

<<

 


 

الباب الثاني

 

 

 

 

مرثاة أيوب

أيوب 3

<<


 

الأصحاح الثالث

مرثاة أيوب

جلس الأصدقاء الثلاثة حول أيوب لمدة أسبوع، الكل في دهشةٍ وصمتٍ من هول الكوارث التي حلت به. غالبًا لم يشعر أيوب بهؤلاء الصامتين، أو لم ينشغل بوجودهم. فجأة عبٌَر أيوب عن المرارة التي في أعماقه، فقدم مناجاة أو مرثاة. لعلها أبلغ مرثاة سُجلت في التاريخ البشري تحمل يأسًا رهيبًا.

يصرخ أيوب في مرارة لكنه لم يسب الله. إنه مثل إرميا يسب يوم ميلاده (إر٢٠: ١٤-١٨). الموت يعني التحرر من الآلام الجسمانية التي في هذه الحياة. اشتهى أيوب الموت، فهو أفضل من الحياة، لكنه لم يفكر في الانتحار، إنما يطلب من الله أن يتدخل ليرحمه من الحياة الحاضرة.

حقًا لم ينطق أيوب بكلمة ضد الله، إذ لم يسبه، إنما سب حياته منذ حُبل به، ليس من أجل حاضره، ولا خشية ما سيحل به في المستقبل، وإنما امتد به اليأس ليكره حياته حتى وهو في رحم أمه. أي يرجع بفكره إلى الماضي الذي لن يعود، ولا يمكن تغييره.

احتفظ هؤلاء الأصحاب بصداقتهم مع أيوب في أيام شدته في الوقت الذي تخلى عنه أغلب أصدقائه. جلس أصدقاء أيوب بجانبه صامتين سبعة أيام وسبع ليالٍ، بعد هذا فتح أيوب فاه وأخذ يتكلم. تنقسم كلماته إلى ثلاث أقسام:

1- سبه ليوم ولادته وتمنيه لو لم يولد                  1-10.

2- أنشودة الموت وعذوبته                                     11-19.

3- لغز بقاء الذين يشتهون الموت                      20-26.

1. سبه ليوم ولادته وتمنيه لو لم يولد

كان ذلك ضعفًا في حياته أن يسب أيوب الحبل به. فمع وصفه أنه مستقيم لعن يومه، لكنه لم يجدف على الله.

بَعْدَ هَذَا فتح أيوب فاه،

وسَبَّ أَيُّوبُ يَوْمَهُ. [1]

جلس حزقيال في أرض السبي، وكانت نفسه تئن من أجل ما بلغ إليه الشعب ومدينته والهيكل من دمار وخراب. صمت سبعة أيام وهو متحير، فصارت إليه كلمة الرب (حز 3: 15-16). وجلس أيوب وسط أصدقائه، وكانت نفسه تئن مما حلّ به، لذا فتح فمه بعد الصمت الطويل ليسب يوم الحبل به ويوم مولده وأيام تجربته.

صمت الاثنان: حزقيال وأيوب، الأول كان ينشغل بما هو لله وشعبه وهيكله ومدينته، والثاني بما هو لنفسه وما يفكر الناس فيه عنه. الأول تمتع بكلمة الله الفائقة، والثاني انحدر إلى اليأس والمرارة وسب حياته.

نحتاج أن نجلس صامتين، لكن نرتفع فوق الأنا لننشغل بما لله والناس لا بما لذواتنا وكرامتنا، حينئذ يرفعنا روح الله القدوس كما إلى السماء، فنسمع الصوت الإلهي ونكتشف الأسرار الإلهية الواهبة الرجاء الحي.

للأسف تطلع أيوب إلى يوم الحبل به كأسوأ يوم في التاريخ، وحسبه بدء انطلاقة لآلامه التي لا تحتمل. لقد نسي ما تمتع به من خيرات. لقد التهمت السنوات العجاف السنوات المملوءة بالبركات. صار فكره سجين المر الذي يعيش فيه، فتطلع إلى حياته كلها بمنظار قاتم للغاية.

ما حلّ بأيوب يحل بالكثيرين حين تطول بهم أيام الضيق. فنسمع إرميا النبي يصرخ: "ويل لي يا أمي لأنكِ ولدتنني" (إر 15: 10)؛ "ملعون اليوم الذي وُلدتُ فيه" (إر 20: 14).

حينما يغيب عن أعيننا يوم لقائنا الأبدي مع مسيحنا على السحاب ولو إلى لحظات يضيق العالم بنا ونحسب حتى خلقتنا باطلة. "حتى متى يا رب تختبئ كل الاختباء؟... إلى أي باطل خلقت جميع بني آدم؟" (مز 89: 46-47).

هنا نقف قليلاً أمام اهتمام البشرية بأعياد الميلاد منذ قديم الزمن، فنجد الأشرار يجدون في هذا اليوم الفرصة للتعبير عما في قلوبهم من لهوٍ ورغبةٍ جادةٍ في التسلط على الغير، بينما يقف أولاد الله في جديةٍ يتطلعون إلى دخولهم في طريق الآلام. يحسبون يوم ميلادهم هو يوم دخولهم وادي الدموع، ولكن في رجاء حي مفرح أنهم يعبرون إلى الحياة السماوية الجديدة.

v     في أعياد الميلاد حيث تسيطر على (الأشرار) الرغبة في الكلمة المتسلطة، يرقصون ليعَّبروا بحركات أجسامهم عن هذه الكلمة.

لاحظ أحدهم أنه جاء في سفر التكوين عن عيد ميلاد فرعون (تك20:40) حيث يُقال إن الرجل الجامح محب للأمور المتعلقة بأعياد الميلاد. وقد اقتبست عنه ذلك فلم أجد في الكتاب المقدس بارًا ما صنع عيد ميلادٍ له. فقد كان هيرودس أكثر ظلمًا من فرعون المشهور هذا. فالأخير قتل رئيس الخبازين في الاحتفال بعيد ميلاده، أما الأول فقتل يوحنا[153].

العلامة أوريجينوس

أفاض العلامة أوريجينوس في تعليقه علي كلمات إرميا النبي: "ويل لي يا أمي، لأنك ولدتِني إنسان خصام" (إر 10:15)، وقد سبق لي عرضها في تفسير سفر إرميا. هنا أقتبس فقرات صغيرة:

v     من أنا حتى لا أولد إلا لأكون محكومًا علّي، وأكون مُخاصمًا من الناس بسبب عتابي ولومي لهم، وبسب تعاليمي التي أعلمها لكل سكان الأرض[154].

العلامة أوريجينوس

حقًا من اختبر يوم ميلاده الثاني بالماء والروح وصار ابنًا لله لا يسب حتى يوم ميلاده الجسدي، حاسبًا كل آلامه صلبًا ودفنًا مع مسيحه، وطريقًا ضيقًا يدخل به إلى أبواب السماء المفتوحة، وبهجة القيامة الأبدية.

هنا يلزمنا ألا ننكر أنه مع ما بلغه أيوب من مرارة حتى سب يوم الحبل به، لم يجدف على الله، ولا ندم على تعبده له. مع ما نطق به يكشف عن مرارة نفسه، لكنه خضع لمشيئة الله. إنه تحت الآلام مثلتا!

v     بماذا يفهم: "بعد هذا؟" بعد وصول أصحابه... لأن هؤلاء الذين اقتربوا لم يحيوه كمصارعٍ ولم يسألوه: كيف حالك؟  لم يقدموا أدوية للقروح، ولا وقفوا على الثمن الذي ناله أيوب عن كنز فضائله. لم يقولوا له: لا تثبط همتك، فإن معزيك قريب منك، لا تخف فإن عدوك ينهزم. لا تخزى، لأن النهاية ليست ببعيدة، والنصرة على الأبواب.

v     ليته هلك اليوم الذي وُلدت فيه"، ليس اليوم الذي خُلق فيه، بل الذي وُلد فيه... فإن الله خلقتي بالصلاح، لكن حواء التي عصت ولدتني في متاعب (تك3: 16). لم يجهل داود ذلك، بل بالروح فهم وقال في مزمور نبوي: "بالآثام حبلت بي أمي، وفي الخطية ولدتني" (مز 51: 5).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     يا للعجب الذي يفوق الطبيعة حقًا! وقائع مذهلة!

الموت الممقوت والمشجوب قبلاً، قد أحاطت به المدائح واعتُبر سعيدًا! فبعد أن كان يجلب الحداد والحزن والدموع والغم الكئيب، ها قد ظهر علة فرحٍ ومحط عيدٍ احتفاليٍ!

بالنسبة إلى جميع خدام الله أُعلن موتهم سرورًا! فإن خاتمة حياتهم هي وحدها تعطيهم اليقين بأنهم قُبلوا من الله. لهذا طُوَّب موتهم، لأنه يختم كمالهم، ويُظهر غبطتهم؟، حيث يطغي عليهم رسوخ الفضيلة كقول الوحي: "لا تعتبر أحدًا سعيدًا قبل موته" (سيراخ 11 : 28). لا نطبق عليكِ (يا مريم) هذا القول، لأن غبطتك لا تأتي من الموت، وموتك لم يتمم كمالك... ليس عند موتك، بل منذ هذا الحبل عينه تُغبطين من جميع الأجيال. لا، ليس الموت أبدًا هو الذي جعلكِ مغبوطة،  بل أنتِ طرحتِ الموت وبددتٍ كآبته وأظهرتِ أنه فرح (بالمسيح المولود منكِ)[155].

الأب يوحنا الدمشقي

v     أليس من المخجل أنك تئن بسبب الموت، بينما يتنهد بولس بسبب الحياة الحاضرة، فيكتب إلى أهل رومية: "الخليقة تئن وتتمخض معًا... بل نحن لنا باكورة الروح نحن أنفسنا أيضًا نئن في أنفسنا" (رو 22:8-23). ينطق بهذا لا ليدين الأمور الحاضرة، بل شوقًا نحو الأمور المقبلة[156].

القديس يوحنا الذهبي الفم

وَأَخَذَ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ: [2]

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن صمت الأصدقاء طوال الأسبوع يكشف عن هول ما حدث، وأنهم لم يكونوا قادرين أن ينطقوا بكلمة ما لم يبدأ هو أولاً بالحديث.

لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيه،ِ

وَاللَّيْلُ الَّذِي قَالَ:

قَدْ حُبِلَ بِرَجُلٍ! [3]

غالبًا ما كان أيوب ملكًا أو رئيسًا، وكان يوم ميلاده يومًا يعتز به الشعب، لذا اشتهى لو مُحي هذا اليوم، وطُرح في بحر النسيان، حيث صار منظرًا للبؤس والشقاء.

v     عرف أيوب أن ولادته هي بداية لكل الويلات، لهذا اشتاق لو هلك ذلك اليوم الذي فيه وُلد حتى يُنزع أصل كل المتاعب. لقد اشتهى أن يهلكك يوم ميلاده لكي يتقبل يوم القيامة. فقد سمع سليمان قول أبيه: "عرفني يا رب نهايتي ومقدار أيامي كم هي، فأعلم كيف أنا زائل". (مز 4:39) فقد عرف داود أنه لا يمكن الاستحواذ على ما هو كامل هنا، لهذا كان مسرعًا نحو الأمور العتيدة. الآن نعرف بعض المعرفة، لكن سيكون ممكنًا نوال الكمال عندما تبدأ الحقيقة - لا الظل - للعظمة الإلهية والأبدية أن تشرق، فنراها بوجه مكشوف (1 كو 12:8)[157].

v     لقد سحبتنا اللذة الجسدية والمتعة في هذا الحياة، وصرنا نخشى أن نكمل هذه الرحلة التي سيكون فيها مرارة أكثر منها مسرة. أما القديسون والحكماء فرثوا طول العمر في هذه الرحلة، إذ حسبوا الانطلاق ليكونوا مع المسيح أكثر مجدًا (في 1: 23). إنهم لم يلعنوا يوم ميلادهم كما فعل أحدهم: "ليته هلك اليوم الذي وُلدت فيه" (أي 3: 3)[158].

القديس أمبروسيوس   

v     هذا ما قاله أيضًا الكارز (الجامعة): "فغبطت أنا الأموات الذين قد ماتوا منذ زمان أكثر من الأحياء الذين هم عائشون بعد" (جا 4: 2)...

إنها كلمات تُعلن عن نفسٍ مثبطة الهمة ومتأثرة للغاية. إذ يقول داود أيضًا: "قلت في حيرتي (خوفي الشديد)..." (مز 31: 22)... وفي عبارة أخرى: "وأنا قلت في طمأنينتي لا أتزعزع إلى الأبد" (مز 30: 6). هذا أيضًا ما قاله أيوب في حزنه. ألا ترون يا أحبائي أن الذين يصيبهم أذى يصدرون صرخات قوية؟ هل تلومونهم؟ لا بل نعفو عنهم! فلو أنهم لم يُعبِروا عن أنفسهم بهذه الوسيلة يبدو كما لو كانوا لا يشتركون في الطبيعة البشرية. أما تسمعون موسى يقول: "إن كنت تفعل بي هكذا فاقتلني قتًلا" (عد 11: 15)...

لا تصغوا إلى الكلمات مجردة، بل ابحثوا عن أساس الفكر. فقد سمعتم أن أيوب "لم يخطئ بشفتيه" (أي 2: 10)، لكنه لم يخطئ حتى بعدما نطق بتلك الكلمات. ها أنتم تسمعون الله نفسه يقول مرة أخرى: "أتعتقد إني أسلك معك بطريقٍ آخر سوى أن أعلن برّك؟" (أي 40: 3 LXX  )

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     ربما تقولون إن الله هو خالق العالم وبانيه (عب 11: 10) [فلماذا لا نحب العالم؟]

إنكم تتكلمون بالحق. لكن حاملي الله يستهينون بالعالم، ليس العالم الذي خلقه الله من العناصر، والذي شكَّله، بل ذاك نحن صنعناه بسلوكنا - إنه عالم مختلف، فاسد، والذي جعلنا العدو المخادع رئيسه (يو 12: 31؛ 14: 30؛ 16: 11).

هذا ما يؤكده الرب بدقة، إذ قال هذا لتلاميذه: "لأن رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيَّ شيء". (يو 14: 30) إنه ليس بدون سبب يقول: "رئيس هذا العالم"، بل قال هكذا لكي لا تظن أنه يتحدث عن هذه الخليقة المنظورة، فإن عدونا ليس رئيس هذا العالم، والخائن ليس له أدنى سلطان على العناصر.

بأي معنى يقول: "رئيس هذا العالم يأتي"، سوى العالم الذي نصنعه نحن لا حسب مشيئة الله، والذي به نعطي أساسًا لعدم الإيمان والعصيان والفوضى وكل أنواع الخطايا؟

إلى هذا العالم يشير بولس بوضوح طبقًا لكلمة الرب، إذ يقول في رسالته إلى أهل أفسس: "وأنتم إذ كنتم أمواتًا بالذنوب والخطايا، التي سلكتم فيها قبلاً حسب دهر هذا العالم، حسب رئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية" (أف 2: 1-2). هكذا نحن شكَّلنا عالمًا شريرًا، وفي هذا العالم جعلنا أنفسنا أغنياء عن الآخرين من مصادر فاسدة...

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     ليقُل: ليته هلك اليوم الذي وُلدت فيه، والليل الذي قال حُبل برجل" [3]، وكأنه يقول: لتهلك البهجة التي تُسرع بالإنسان إلى الخطية، وضعف فكره المتسيب الذي به يصير أعمى كمن قد بلغ إلى الظلمة الموافقة على الشر.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لِيَكُنْ ذَلِكَ الْيَوْمُ ظَلاَمًا.

لاَ يَعْتَنِ بِهِ اللهُ مِنْ فَوْقُ،

وَلاَ يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ [4].

كان يود لو أن يوم ميلاده كان ظلامًا، لأن نور حياته قد انطفأ، والشمس قد غابت عنه، ولعله أراد أن تكون حياته كلها ليلاً، فينام ولا يقوم.

مع ما بلغه أيوب من تقوى واستقامة وإيمان، إلا أن السفر لا يخفي ضعفاته البشرية، فلا نعجب إن مرّت به أفكار اليأس مشتهيًا لو لم يولد. وقد حذرنا الآباء من الخوف الخاطئ الذي يدفع إلى اليأس.

v     يوجد انسحاق للقلب، روحي ومفيد، وهذا يلمس القلب في أعماقه. ويوجد انسحاق آخر، مضر ومقلق، هذا يقوده إلى الهزيمة فقط (كاليأس)[159].

القديس مرقس الناسك

v     إذا ما أنهكنا العمل (في حفظ الأفكار الصالحة) نسقط في اليأس، لهذا ليتنا نسرع إلى صخرة المعرفة ونتلو المزامير ونعرف الفضائل على أوتار قيثارة المعرفة[160].

الأب أوغريس الراهب

لِيَمْلِكْهُ الظَّلاَمُ وَظِلُّ الْمَوْتِ.

لِيَحُلَّ عَلَيْهِ سَحَابٌ.

لِتُرْعِبْهُ كَاسِفَاتُ (سواد) النَّهَارِ [5].

v     "ليملٍكه الظلام وظل الموت"، حيث أن الظلام بالحقيقة هو عدونا، كما أن المسيح هو النور (يو 8: 12، 9: 5، 12: 46). لهذا السبب عينه (الخائن) هو الظلام.

وكما أن المسيح هو البّر (1 كو 1: 30) هكذا (الخائن) هو خطية.

وكما أنه هو أساس الحياة (مز 36: 9) ورسم جوهره، هكذا الخائن هو "ظل الموت" (عب 1: 3)

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     هل يوجد ما هو مرعب أكثر من الشيطان؟ نعم، فإننا في مقاومته لا نجد درعًا سوى الإيمان (1 بط 5: 9)، إذ هو ترس خفي ضد عدو غير منظور، يرشق سهامًا متنوعة في ليل بهيم (مز 11: 2) ، تجاه غير المتيقظين. فإذ لنا عدو غير منظور يلزمنا الإيمان كعدة حربية قوية، إذ يقول الرسول: "حاملين فوق الكل ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة" (أف 6: 16). فإذ يصوب إبليس سهم الشهوة الدنس الملتهب، يُقدم الإيمان صورة الدينونة فيبرد الذهن، وينطفئ السهم[161].

القديس كيرلس الأورشليمي

أَمَّا ذَلِكَ اللَّيْلُ فَلْيُمْسِكْهُ الدُّجَى،

وَلاَ يَفْرَحْ بَيْنَ أَيَّامِ السَّنَةِ،

وَلاَ يَدْخُلَنَّ فِي عَدَدِ الشُّهُورِ [6].

يميز الأب هيسيخيوس بين يومين: يوم المعصية الذي حلّ بالظلام علينا، ويوم المخلص الذي فيه يقول: "اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم" (لو 4: 21). اليوم الأول جلب الظلمة والحزن على البشرية، والثاني يوم الخلاص المفرح حيث تحققت نبوة إشعياء النبي (إش 61: 1-2). فإذ نلتقي بالمخلص لا تعود تُقارن أيامنا الإنجيلية المفرحة بأيام الظلمة القابضة والمفسدة للحياة. لهذا طلب أيوب أن يُلعن يوم ميلاده في الخطية ويستبعد تمامًا ولا يُحسب في عداد أيامه في الرب.

v     ليته يُلعن ذلك النهار والليل، وليحملهما الظلام بعيدًا، لا يدخل في عداد أيام الشهور... ليت هذا اليوم، يوم المعصية، لا يُحصى بين المنافع التي تُعطى لنا بواسطة المخلص. ليته لا يمتزج حزن (الظلام) القادم من اليوم بالبركات التي يهبنا إياها المخلص، ولا تفسدها اللعنة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

هُوَذَا ذَلِكَ اللَّيْلُ لِيَكُنْ عَاقِرًا!

لاَ يُسْمَعْ فِيهِ هُتَافٌ [7].

لم تعد أذناه تحتملان صوت موسيقى أو هتاف وتهليل، لأنه لا موضع للسرور في أعماقه. وكأنه فقد رجاءه إلى حين.

يشبه القديس أغسطينوس الرجاء بالبيضة التي تحمل في داخلها حياة تقدمها خلال دفء الضيقات والآلام، إذ يقول: [إنها بيضة، وليس بعد (كتكوت). إنها مغلفة بقشرة، لكن لا تنظر إليها هكذا، بل انتظر في صبرٍ، ولتجعلها في دفء فستقدم حياة. اضغط عليها[162].]

v     الرجاء يدفع الإنسان تجاه الأبدية نحو المستقبل، في إيمان عملي، ومثابرة مع فرحٍ وبهجةٍ وسط الآلام[163].

v     لنصغ ولنبتهج في الرجاء حتى وإن كان الحاضر حياة لا تُحب وإنما تُحتمل، إذ تكون لك القوة على احتمال كل تجاربها[164].

v     نفرح بالرجاء متطلّعين إلى الراحة المقبلة، بهذا نسلك ببهجةٍ وسط المتاعب[165].

القديس أغسطينوس

v     الشخص الذي لا يتطلّع إلى ما يمكن أن يُرى، بل ينتظر بشغفٍ ما لا يمكن أن يُرى، هذا يفرح في رجاء[166].

العلامة أوريجينوس

v     ما هو رجاء الإنجيل إلا المسيح؟ فإنه هو سلامنا، الذي يعمل كل هذه الأمور... ومن لا يؤمن بالمسيح يفقد كل شيءٍ[167].

v     الرجاء بالتأكيد يشبه حبلاً قويًا مُدَلَّى من السماوات يُعين أرواحنا، رافعًا من يمسك به بثبات فوق هذا العالم وتجارب هذه الحياة الشريرة، فإن كان الإنسان ضعيفًا وترك هذا الهلب المقدس، يسقط في الحال، ويختنق في هوة الشر[168].

v     ليس شيء يجعل النفس شجاعة هكذا ومحبة للمخاطرة مثل الرجاء! وقبل نوالنا الأمور التي نترجاها يقدم لنا مكافأة هي: "صابرين في التجارب". قبل نوالنا الأمور المقبلة تتمتع في الحياة الحاضرة بصلاح عظيم خلال التجارب إذ تصير إنسانًا صبورًا ومجرّبًا...

الحب يجعل الأمور سهلة، والروح يعين، والرجاء ينير، والتجارب تصقلك، فتجعلك مُجربًا قادرًا على احتمال كل شيء بشهامة، يرافق هذا كله سلاح عظيم جدًا هو الصلاة[169].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     صبر الإنسان يلد الرجاء، والرجاء الصالح يمجد الإنسان.

القديس أوغريس

لِيَلْعَنْهُ لاَعِنُو الْيَوْمِ،

الْمُسْتَعِدُّونَ لإِيقَاظِ التِّنِّينِ [8].

كما أن النادبات يحضرن الجنازات ويندبن مع أهل الميت وأصدقائه، هكذا حسب يوم ميلاده جنازة مُرّة، فيطلب من اللاعنين أن يتقدموا ويشتركوا معه في لعن هذا اليوم.

يرى البعض أن بعض صيادي التماسيح كانوا يلعنون التماسيح بأشد اللعنات، مؤملين أن يصير التمساح بلعناتهم وتعاويذهم ضعيفًا فيتسلطون عليه.

جاءت الترجمة اليسوعية "لوياثان" عوض "التنين"، وكما سنرى في وصفه في الإصحاح الحادي والأربعين أنه ينطبق على التمساح، فيقصد هنا اللعنات التي يستخدمها السحرة والمنجمون لإثارة الشيطان.

يحذرنا القديس غريغوريوس النزينزي من مقارنة الأمور حسب حجمها أو وزنها. فلا نعجب إن ظهر الروح القدس على شكل حمامة، ودُعي السيد المسيح حملاً (إش 7:53) ولؤلؤة (مت 46:13) وندى (مز 6:72)، بينما دُعي الخصم جبلاً عظيمًا (زك 7:4)، ولوياثان (أي 8:3، 20:40) والملك الذي يعيش في المياه. لا نحتقر ملكوت السماوات لأنه شُبه بحبة خردل (مت 31:13)[170].

لِتُظْلِمْ نُجُومُ عِشَائِهِ.

لِيَنْتَظِرِ النُّورَ وَلاَ يَكُنْ،

َلاَ يَرَ هُدْبَ الصُّبْحِ [9]

v     "لتظلم نجوم عشائه (مسائه)... ولا يُرى لوسيفر يقوم" (3: 9 LXX). ذُكرت نجوم الليل هنا بنور رديء، إشارة إلى الشياطين. إذ يأخذون شكل ملاك نور، ولكن عند شروق النور الحقيقي (يو9:1) يظلمون، ويستمرون في انحرافهم.

هذا ما يقوله النص: "لتبقى مظلمة". لكنهم لا يأتون إلى النور، إذ لا يستطيعون أن يستردوا طغيانهم.

علاوة على هذا فإنهم سوف لا يرون لوسيفر قائمًا، هذا الذي قال عنه إشعياء: "لوسيفر الذي قام في الصبح" (إش 12:14). بعد ذلك يقول "انسحق على الأرض" ليشير إلى أنه لا يقدر بعد أن يقوم ويرجع إلى كرامته السابقة.

بسقوطه من السماء إلى الأرض أراد أن يحطم الإنسان، لكن الله يعطي من لا يُخدع، سلطانًا أن يسحق المضل تحت قدميه، وأن يحطمه قطعًا قطعًا.

لكن لماذا يلعنه أيوب؟

لسببٍ حسن لا يخفيه (وهو ما ورد في العبارتين 10 و11).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

يحدثنا القديس أغسطينوس عن هزيمة إبليس الشرير الذي انطفأ نوره المزيف بقتله السيد المسيح حسب الجسد، النور الحقيقي، البار الذي يبدد الظلمة. لقد ظن أنه قادر أن يبدده كما حطم آدم الأول، فإذا به يحطم نفسه.  

v     أي شيء يمكن أن يكون أكثر برًا من البلوغ حتى موت الصليب من أجل البرٌ؟

وأي عمل أعظم سلطانًا من القيامة من الأموات، والصعود إلى السماء بذات الجسد الذي فيه قد قُتل؟

أولاً غلب البٌر الشيطان، وبعد ذلك نال السلطان!

ينتصر البٌر لأن ليس فيه خطية، وقد مات ظلمًا بواسطة الشيطان!

ينال السلطان، لأنه عاش ثانية بعد الموت، ولن يموت بعد...

لقد هُزم الشيطان بذات نصرته...

بخداعه الإنسان الأول ذبحه، وبذبحه للإنسان الأخير فقد الإنسان الأول من شبكته![171]

 القديس أغسطينوس

v     في الكتاب المقدس يُستخدم لقب "النجوم" أحيانًا بخصوص برٌ القديسين المُشرق في ظلمة هذه الحياة، وأحيانًا عن المظهر الباطل للمرائين، الذين يمارسون كل صلاح من أجل مديح الناس. فلو أن صانعي الخير ليسوا كواكب ما كان لبولس أن يقول لتلميذه: "في وسط جيلٍ معوجٍ وملتوٍ تضيئون بينهم كأنوار في العالم" (في 15:2).

مرة أخرى لو لم يوجد بين (أعضاء الكنيسة) من يبدو حسب الظاهر أنهم سالكون بالاستقامة لما وجد البعض الذين بسلوكهم ينالون تكريم الناس لهم، ولما رأى يوحنا النجوم تسقط من السماء، عندما قال: "وذنب التنين يجر ثلث نجوم السماء، فطرحها" (رؤ 4:12).

v     "بروز الفجر" هو بدء الكنيسة في النور، حيث لا يمكن رؤية الأشرار، إذ يُغلق عليهم، ويُلزمون بالانحدار إلى الظلمة خلال ثقل أعمالهم الشريرة، فلا يرون الديان البار. هكذا بحق قيل بالنبي: ليُنزع الشرير من الطريق، فلا يرى مجد الله (إش 10:26 LXX).

البابا غريغوريوس (الكبير)

لأَنَّهُ لَمْ يُغْلِقْ أَبْوَابَ بَطْنِ أُمِّي،

وَلَمْ يَسْتُرِ الشَّقَاوَةَ عَنْ عَيْنَيَّ [10].

لقد خانته حكمته، فاشتهي أيوب أمرًا غاية في القسوة، وهو لو أن أمه ولدته قبل الموعد، فانفتح رحمها ليخرج سقطًا ميتًا، وتتعرض هي للخطر بل وللموت. صورة مؤلمة للغاية بسبب التذمر!

يقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) تفسيرًا رمزيًا رائعًا لهذه العبارة حيث يرى المؤمن يعود إلى الأبوين الأولين وهما في الفردوس كما في رحم الأم، وكان يود أن يولد هناك ولا تنفتح أبواب الفردوس لطرده بواسطة الحية. يقول إن الحية قد فتحت فم هذا الرحم ليخرج الإنسان من الجنة المفرحة، ويحيا في وادي الموت. إنه يشتهي لو أن باب الفردوس الأول بقي مغلقًا لتُولد البشرية وتتكاثر في فرحٍ سماويٍ مفرحٍ.

2. تعجبه لماذا لم يمت ويمضي إلى القبر حالما ولد

تمنى لو كان قد مات عقب ولادته مباشرة، فهو يعتقد أن هذا كان أفضل له، فسيكون مع "ملوك ومشيري الأرض"، في راحة وهدوء في القبر. فالموت أفضل من الحياة.

3. أنشودة الموت وعذوبته

 إذ قدم مرثاة، مشتهيًا لو كان قد مات في الرحم، تطلع إلى حياته بآلامها ونكباتها فاستعذب الموت، مقدمًا قصيدة عن الموت الأكثر عذوبة من الحياة الزمنية إن صح التعبير. رأى في الهاوية خلاصًا مما يعنيه على الأرض.

قدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) في إسهاب تفسيرًا رمزيًا لأنشودة الموت وعذوبته، فرأى في أيوب أنه اشتهى أن يموت في الرحم، أي مع أبويه آدم وحواء في الفردوس قبل خروجه إلى العالم الذي وُضع في الشرير، كما رأينا. ويرى في لقائه في القبر مع الملوك ومشيري الأرض لقاء مع جبابرة الإيمان والقادة الروحيين، حيث يستريح الكل بحياة أبدية واحدة، ليس فيها من يئن أو يتألم، ولا من صغير يحسد كبير "الأسرى يطمئنون، ولا يسمعون صوت المُسخر، الصغير كما الكبير هناك، والعبد حُرٌَ من سيده" (18:3-19).

لِمَ لَمْ أَمُتْ مِنَ الرَّحِمِ؟

عِنْدَمَا خَرَجْتُ مِنَ الْبَطْنِ،

لِمَ لَمْ أُسْلِمِ الرُّوحَ؟ [11]

ربما أدرك أيوب خطأه حين اشتهي لو تعرضت أمه للخطر بنزوله سقطًا قبل موعده ميلاده، عاد ليصحح الأمر، فاشتهي لو أنه وُلد ومات فورًا بعد خروجه من رحم أمه.

تطلع أيوب إلى الحياة منذ ولادته أنها لعنة ونكبة له، وحسب الموت أعظم بركة كانت تحل عليه. على عكس هذا يقدم إرميا النبي وسط مرثاته المرة تسبحة شكر لله على "عطية الحياة"، فيقول: "إنه من احسانات الرب أننا لم نمت من الرحم، ولم نفنَ" (مرا 3: 22).

جاء في قصة خرافية أن شخصًا متقدمًا في السن تعب جدًا من حمله شيئًا ثقيلاً، فطرح الحمل على الأرض، وفى يأسه استدعي الموت. وإذ جاء الموت وسأله ماذا يطلب ظانًا أنه يطلب أن يأخذ نفسه ويموت، فوجئ به يقول: "أرجو أن تساعدني على حمل حملي الثقيل[172]".

قدم لنا أيوب مرثاة يتغنى فيها بعشقه للموت المبكر منذ لحظات ولادته ويمتدح فيها القبر. وكأن الموت والقبر قد صارا صديقين حميمين له. أما وقد جاء السيد المسيح بإرادته وسلطانه إلى الموت والقبر محولاً ذلك إلى أغنية مفرحة، لا يترنم بها اليائسون، بل المملئون رجاء في السماويات، طالبو الشركة في المجد الأبدي، والمشتهون للالتقاء بأصدقائهم السمائيين، يشاركونهم تسابيحهم.

بالمسيح يسوع المصلوب واهب القيامة نتغنى: "إن عشنا فللرب نعيش، وإن متنا فللرب نموت، فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن" (رو 14: 8).

لِمَاذَا أَعَانَتْنِي الرُّكَبُ،

وَلِمَ الثُّدِيُّ حَتَّى أَرْضَعَ؟ [12]

يرفض البابا غريغوريوس (الكبير) التفسير الحرفي للعبارتين 11-12، متطلعًا إلى أيوب الطوباوي الذي وُهب معرفة روحية سامية هكذا، وقدم تسابيح للديان في أعماقه لا يمكن أن يشتهي لو مات خلال الإجهاض، أو عند ولادته مباشرة. إنما يرى في هاتين العبارتين أيوب البار وهو ينتحب سواء لارتكابه الخطية في القلب أو ممارستها عمليًا. يقول أنه يوجد أربع طرق لارتكاب الخطية قلبيًا، وأربع طرق مماثلة لارتكابها عمليًا، مشتهيًا لو أنها بادت في مراحلها قبل أن تبلغ نضوجها الكامل. هذه المراحل الأربع هي:

أ. الحبل بها في الرحم: وهي المرحلة الأولى حيث تبدأ في القلب بتقديم الاقتراح، أما من جهة العمل فالممارسة تتم خفية.

ب. خروجها من الرحم أو ولادتها: وهي المرحلة الثانية، حيث يتحول الاقتراح إلى لذة في القلب، أما من جهة العمل فتتحول من ممارسة خفية إلى ممارسة علنية أمام أعين الناس بلا حياء.

ج. إعانة الركب لها: المرحلة الثالثة حيث تتحول من اللذة القلبية إلى الموافقة والقبول الداخلي. أما من جهة العمل فتتحول من ممارسة علنية إلى عادة يُستعبد لها الخاطي.

د. الرضاعة من الثدي: المرحلة الأخيرة، حيث تتحول من القبول للخطية إلى الدفاع عما يرتكب الخاطي كمن لم يخطئ. وبالنسبة للعمل تتحول من عادة إلى نضوج كامل في ممارسة الخطية.

 

المراحل الأربع

الخطية في القلب

الخطية بالعمل

(1) الحبل بها في الرحم

اقتراح الخطية

ارتكابها خفية

(2) الخروج من الرحم أو ولادتها

لذة قلبية

ارتكابها علنًا بلا حياء

(3) مساندة الركب لها

موافقة قلبية داخلية

تحولها إلى عادة

(4) إعالة الثديين للطفل أو الرضاعة

الدفاع عن الخطأ

نموها ونضوجها

 

يختم البابا غريغوريوس حديثه هذا قائلاً:

[يليق بنا أيضًا أن نعرف أن الطرق (المراحل الثلاثة الأولى) يمكن إصلاحها بسهولة... أما (المرحلة) الرابعة فلا يمكن إصلاحها إلا بصعوبة.

هكذا أقام مخلصنا الصبية في البيت، والشاب خارج الباب، أما لعازر فأقامه في القبر. فمن يرتكب الخطية سرًا يكون كميتٍ ملقى في البيت. أما الذي يرتكب الخطية علانية فيكون قد حُمل خارج الباب، يرتكب الخطية في غير خجل علانية. أما من يرتكب الخطية مرة ومرات تحت ضغط العادة فيكون قد سقط في كومة القبر.

ومع هذا فإن هؤلاء جميعًا يردهم المخلص برحمته إلى الحياة، إذ غالبًا ما تشرق النعمة في هذه الحالة بنورها على الأموات ليس بالخطايا الخفية فحسب، بل وعلى من يمارسها علانية، ومن يسقط تحت ضغط العادة...

لكن مخلصنا لا يقيم أصحاب الطريق الرابع إلى الحياة. حقًا إنه يصعب على الذي يستمر في عادته الشريرة، متمسكًا بألسنة المتملقين (مدافعًا عن الخطأ) أن يُشفى من موت النفس. عن هذا قيل: "دعْ الموتى يدفنون موتاهم" (لو 60:9). فالموتى يدفنون موتاهم.]

هكذا يرى البابا غريغوريوس في المرحلة الرابعة من الخطية وهي الدفاع عن الخطأ والتستر عليه، هو بلوغها إلى النضوج وعدم إمكانية القيامة من موتها حتى يعترف الخاطي بخطيته ولا يبرر خطأه أو يعطي لنفسه عذرًا كما فعل كل من آدم وحواء.

لأَنِّي قَدْ كُنْتُ الآنَ مُضْطَجِعًا سَاكِنًا.

حِينَئِذٍ كُنْتُ نِمْتُ مُسْتَرِيحًا [13]

يقدم لنا البابا غريغوريوس تبريرًا لمرارة نفس أيوب. إنه يتطلع إلى ما كان يمكن للإنسان أن يبلغ إليه لو لم تدخل الخطية إلى حياته. يقول:

[وُضع الإنسان في الفردوس، وقد التصقت به قيود الحب ليتبع خالقه في طاعة، بهذا كان يمكن أن يُنقل يومًا ما إلى مدينة الملائكة السمائية حتى بدون موت الجسد. فقد خُلق خالدًا بطريقة يمكن بها أن يموت إن أخطأ، فيصير قابلاً للموت. أما لو لم يخطئ فكان يمكنه أن يبقى بدون موت، وبكامل حريته ينال الطوبى التي لعالمٍ ليس فيه إمكانية الخطأ ولا الموت.

منذ وقت الفداء يُرسل المختارون خلال موت أجسادهم إلى ذات الموضع الذي كان يجب أن يبلغه الأبوان الأولان دون موت الجسد لو أنهما بقيا ثابتين فيما خُلقًا عليه. بهذا لبقي الإنسان "مضطجعًا مستريحًا"، يبلغ مدينته الأبدية في راحة. لكان قد وجد فيها موضع راحة وسكون من صخب الضعف البشري...

هذا السكون الذي للسلام تمتع به الإنسان عندما خُلق وتقبل حرية إرادته ليواجه عدوه. لكنه إذ خضع له بإرادته، للحال وُجد الضعف البشري حالاً فيه. فمع أنه قد خُلق بواسطة خالقه في حالة سكون مملوء سلامًا، لكنه ما أن انحنى تحت عدوه بإرادته حتى سقط تحت صخب الحرب. صارت اقتراحات الجسد نفسه نوعًا من الصرخة ضد راحة الذهن، الأمر الذي لم يكن يعرفه الإنسان قبل العصيان، ذلك لأنه لم يكن يوجد وربط نفسه بخطاياه صار يخدمه في أمور بغير إرادته، وعانى من صخب الفكر، إذ يصارع الجسد ضد الروح.]

v     الفرح بخليقة الله أمر مرغوب فيه، أن يصير الشخص رجلاً (ناضجًا) يتقبل صورة الله فهذه سعادة. أما التسكع في الحياة الدنسة، والافتنان من أجل أناسٍ كثيرين، فهذا يبغضه الأبرار.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

مَعَ مُلُوكٍ وَمُشِيرِي الأَرْضِ،

الَّذِينَ بَنُوا أَهْرَامًا لأَنْفُسِهِمْ [14]

حسب أيوب الموت راحة مع ملوك الأرض ومشيريهم، هؤلاء الذين أرادوا تخليد ذكراهم ببناء الأهرامات والمدافن الضخمة الفاخرة، لكن أحدًا ما لم يعد قادرًا على التمييز بين ترابهم. فالأهرامات والذهب والفضة وكل ما خلفوه لم يعد يمثل شيئًا.

يرى البابا غريغوريوس أن الملوك هنا هم الأرواح الملائكية التي كرست طاقتها لخدمة خالق كل الكائنات التي تخضع لهم. وهم أيضًا يدعون مشيرين لأنهم يقدمون مشورة للعالم الروحي حيث يضموننا إليهم كشركاء معهم في الملكوت.

أَوْ مَعَ رُؤَسَاءَ لَهُمْ ذَهَبٌ الْمَالِئِينَ بُيُوتَهُمْ فِضَّةً [15]

كان من عادة الملوك والعظماء أن يضعوا ذهبًا وفضة في مقابرهم كنوعٍ من التكريم حتى بعد الموت، وربما لكي لا تختلط جثثهم بجثث الفقراء. لكن الموت لا يميز بين عظيمٍ وحقيرٍ، غنيٍ وفقيرٍ، سيدٍ وعبدٍ. كما يقول الحكيم: " الغني والفقير يلتقيان" (أم 22: 2).

يرى البابا غريغوريوس أن الرؤساء هم قادة الكنيسة المقدسة يملأون بيوتهم بكلمة الله، الذهب المنقى بالنار (مز 6:12).

أَوْ كَسِقْطٍ مَطْمُورٍ،

فَلَمْ أَكُنْ كَأَجِنَّةٍ لَمْ يَرُوا نُورًا [16].

في القبر بعد انحلال الجسم ليس من يقدر أن يميز بين تراب ملك أو عظيم أو سقط مطمور لم يخرج قط إلى الحياة في العالم. يرى أيوب أن الأجنة التي ماتت قبل أن ترى نور الحياة هي في راحة أسعد مما هو عليه، إذ يشتهي النوم ليستريح فلا يجده.

اشتهي أيوب النوم ولو كجنينٍ لم ينظر العالم، ولم يدرك أن الراحة الحقيقية هو في المسيح يسوع الذي فيه وحده ننام - أي ندفن معه - لنقوم إلى الحياة الأبدية في مجدٍ فائق لا يُعبر عنه.

يرى البابا غريغوريوس أن السقط المطمور الذي يستريح هم المختارون منذ بدء العالم وعاشوا قبل الخلاص ومع ذلك ماتوا عن العالم، هؤلاء الذين لم يكن لهم لوحا الشريعة، فماتوا كما في الرحم، وخشوا الله خلال الناموس الطبيعي. لقد آمنوا أن الشفيع قادم، فجاهدوا ما استطاعوا؛ أماتوا أنفسهم عن الملذات، وحفظوا المفاهيم التي لم تكن بعد قد سجلها الناموس. هذه الفترة ما قبل الناموس قدمت لنا آباءنا أمواتًا من أجل هذه الحياة، كانوا أشبه بأجنةٍ قد ماتت في الرحم.

 قدم لنا هذا البابا أمثلة السقط:

 أ. هابيل: الذي لم نقرأ عنه أنه قاوم أخاه حين قتله.

 ب. أخنوخ: الذي تزكى، فسار مع الله وانتقل.

 ج. نوح: الذي بحكمٍ إلهيٍ صار الوحيد (مع أسرته) حيًا.

 د. إبراهيم: سائح في العالم، لأنه خليل الله.

 هـ. اسحق: سائح بعينيه الجسديتين الضعيفتين بسبب الشيخوخة، لم يرَ الأمور الحاضرة، وإنما استنار بروح النبوة، ليرى الأمور المقبلة ببصيرةٍ فائقةٍ فوق العادة.

 و. يعقوب: في تواضع هرب من سخط أخيه، وبلطفه غلبه. كان مثمرًا في نسله، وأكثر إثمارًا في غنى الروح، فربط نسله بقيود النبوة.

هُنَاكَ يَكُفُّ الْمُنَافِقُونَ عَنِ الشَّغَبِ،

وَهُنَاكَ يَسْتَرِيحُ الْمُتْعَبُون [17].

يضع الموت حدًا نهائيًا لظلم الأشرار الذين لا يكفوا عن مقاومة الحق واضطهاد أولاد الله، فالموت أنهى ما فعله هيرودس مضطهد الكنيسة (أي 12: 1-6، 23). والموت يهب راحة صادقة للذين احتملوا الاضطهاد بشكرٍ من أجل الله. "اكتب طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن. نعم يقول الروح، لكي يستريحوا من أتعابهم، وأعمالهم تتبعهم". (رؤ 14: 13). "من وجه الشر يُضم الصديق، يدخل السلام، يستريحون في مضاجعهم" (إش 57: 1-2).

v     يأتي عندئذ المديح للموت، فشكرًا له، إذ ينزع البعض عن الشر، ويتحرر آخرون من بؤسهم، هؤلاء الذين يجدون فيه ملجأ ضد شرورهم، وأولئك يجدون فيه عائقًا يمنع خبثهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الأَسْرَى يَطْمَئِنُّونَ جَمِيعًا.

لاَ يَسْمَعُونَ صَوْتَ الْمُسَخِّرِ [18].

كثيرًا ما يشتهي الأسرى الموت ليستريحوا من المذلة. وقد فضل شمشون أن يموت مع كل الذين كانوا يسخرون به عن أن يعيش يطحن "في بيت السجن" (قض 16: 21).

v     يبطل الموت كل شيءٍ. ليس فقط لا تعود توجد إمكانية لمساندة الشر، وإنما لا يعود حتى مجرد صوت الشر يصل إلى الأذنين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الصَّغِيرُ كَمَا الْكَبِيرُ هُنَاكَ،

وَالْعَبْدُ حُرٌّ مِنْ سَيِّدِهِ [19].

بالموت يتساوى الكل المُسخر مع الذي تحت السخرة، الكبير مع الصغير. يرقد الكل معًا في القبر الذي لا يميز بين هذا وذلك.

v     لا يستطيع أحد أن يفلت من سلطانه، ليس عبد ولا حر. كل الأمور البشرية تبيد بالموت: الغنى كما الكرامة. عدم التساوي في هذه الحياة الحاضرة ضخم. عظيمة هي الحرية بعد رحلينا إلى هناك.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     أضيف: "والعبد حُر من سيده"، إذ مكتوب: "كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية" (يو 34:8)... في هذه الحياة الحاضرة يهرب العبد بالفعل من سيده، لكنه ليس حرًا منه... أما هناك فالعبد حر من سيده. هناك لا يعود يوجد شك من جهة غفران الخطية، عندما لا يعود تذَّكر الخطية يدين النفس. تصير النفس في أمان، فلا يرتعب الضمير بسبب الشعور بالجريمة، وإنما يتهلل بالغفران وتمتعه بالحرية,

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     يقود الموت إليه عبيدًا وسادتهم, وهناك لا يكرم السادة أكثر من خدمهم[173].

 القديس أفراهاط

3. لغز بقاء الذين يشتهون الموت

في دهشة يتطلع أيوب إلى الذين يشتهون الموت فلا يجدونه، فإن الله يحوط حولهم كما بسياجٍ، ليمارسوا حياة الألم دون ادراك خطة الله من نحوهم.

عندما وجد أيوب أنه لا يجديه أن يتمنى لو لم يولد، أو لو كان قد مات حالما وُلد، نراه يشكو هنا من أن حياته استمرت باقية دون أن تُقطع، صرخ لطول فترة التجربة. وقد برر رغبته الشديدة في الموت بالآتي:

1- كان يحس بصفة مستمرة بالتعب وسط ضيقاته الشديدة التي كانت تبدو إنها ستظل مستمرة.

2- حتى في أيام رخائه الأولى كان دومًا يخاف من المتاعب، ولذلك لم يكن قط يحس بالراحة، ولذلك قال "لم أطمئن، لم أسكن، لم استرح".

مع شهادة يعقوب الرسول لأيوب "قد سمعتم بصبر أيوب" (يع 5: 11)، ومع احتماله كل هذه التجارب دون أن يخطئ، ومع ما رآه على ملامح أصدقائه من حزنٍ شديدٍ على حاله فتح فاه لينطق. بدأ يشتكي من أنه وُلد، وأنه لم يمت حين وُلد، وأن حياته طالت في محنته. لقد صبر طويلاً، لكن لم يعد بعد يحتمل. فإنه مهما بلغ صبر الإنسان فليدرك أنه ضعيف ومعرض للسقوط. وكأن السفر ينذرنا مع الرسول بولس: "من يظن أنه قائم فلينظر لئلا يسقط" (1 كو 10: 12).

لِمَ يُعْطَى لِشَقِيٍّ نُورٌ،

وَحَيَاةٌ لِمُرِّي النَّفْسِ؟ [20]

يشكو أيوب هنا من أن حياته استمرت ولم تنقطع. إنه يتعجل الموت مرحبًا بقدومه. مع أن النور عطية صالحة، لكن في وسط مرارته حسب هذا النور يزيد من شقائه. شمعة حياته، وُهبت له لكي يرى ما عليه من شقاء، وكان خير له لو لم يكن له هذا النور.

v     كل الأبرار في أحزان في هذه الحياة (مز 19:34)، هؤلاء الذين قيل عنهم: "بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله" (أع 21:14). "أكلوا الرماد مثل الخبز، ومزجوا شرابهم بالدموع" (راجع مز 9:102). يرغبون في العبور خلال التجارب هنا شاكرين هذه الوسائل. إنهم هكذا في حزنٍ كداود يعلنون بمثل هذه العبارات: "أعوم في كل ليلة سريري، بدموعي أذوب فراشي" (مز 6:6).

أما أن الأبرار يشتهون الموت، إذ "ينقبون عنه كما عن كنوز"، فإن إيليا يؤكد لي ذلك بالعبارات: "كفى الآن يا رب، خذ نفسي لأنني لست خيرًا من آبائي" (1 مل 4:19).

أيضًا صادق بولس على هذا عندما أراد تلاميذ قيصرية أن يمنعوه من الصعود إلى أورشليم، إذ قال: "ماذا تفعلون؟ تبكون وتكسرون قلبي، لأني مستعد ليس أن أربط فقط، بل أن أموت أيضًا في أورشليم (أع 13:21).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     الذين يعيشون في الملذات يهابون الموت، أما الحزانى فيترجونه لكي يرحلوا سريعًا.

الأغنياء يهابون الموت، والفقراء يشتهونه لكي يستريحوا من أتعابهم.

الأقوياء يرتعبون عندما يذكرونه، والمرضى يتطلعون إليه في رجاء ليستريحوا من آلامهم[174].

الأب أفراهات

v     عندما يُصاب الصالحون بشرورٍٍٍٍٍٍٍٍٍ والأشرار بالخيرات، هذا ربما لأجل نفع الصالحين كي ينالوا عقوبة (تأديبًا) هنا إن كانوا قد أخطأوا في شيء، حتى يتحرروا تمامًا من الدينونة الأبدية. ويجد الأشرار خيرات هنا تُقدم خلاصًا لهم في هذه الحياة حتى يُسحبوا إلى العذابات القادمة الكاملة. لهذا قيل للغني وهو يحترق في جهنم: "يا ابني اذكر إنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا" (لو 16: 25)... يسير القديسون في رعبٍ أعظم خائفين من ترف هذا العالم أكثر من المخاطر.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     من جهة الراحة، ماذا نجد في العالم سوى حربًا دائمة مع الشيطان، وصراعًا في معركة دائمة ضد سهامه وسيوفه؟! حربنا قائمة ضد محبة المال والكبرياء والغضب وحب الظهور، وصراعنا دائم ضد الشهوات الجسدية وإغراءات العالم.

ففكر الإنسان يحاصره العدو من كل جانب، وتحدق به هجمات الشيطان من كل ناحية. وبالجهد يقدر للفكر أن يدافع، وبالكاد يستطيع أن يُقاوم في كل بقعة. فإن استهان بحب المال، ثارت فيه الشهوات. وإن غلب الشهوات انبثق حب الظهور. وإن انتصر علي حب الظهور اشتعل فيه الغضب والكبرياء، وأغراه السُكر بالخمر، ومزّق الحسد وفاقه مع الآخرين، وأفسدت الغيرة صداقاته.

هكذا تعاني الروح كل يوم من اضطهاداتٍ كثيرةٍ كهذه ومن مخاطرٍ عظيمةٍ كهذه تضايق القلب، ومع هذا لا يزال القلب يبتهج ببقائه كثيرًا هنا بين حروب الشيطان! مع أنه كان الأجدر بنا أن تنصب اشتياقاتنا ورغباتنا في الإسراع بالذهاب عند المسيح، عن طريق الموت المعجل. إذ علمنا الرب نفسه قائلاً:لاً "الحق الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح؛ أنتم ستحزنون، ولكن حزنكم يتحول إلي فرح" (يو20:16).

من منّا لا يرغب في أن يكون بلا حزن؟!

من منّا لا يتوق إلى الإسراع لنوال الفرح؟!

لقد أعلن الرب نفسه أيضًا عن وقت تحويل حزننا إلي فرح بقوله: "ولكن سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو 20:16). مادام فرحنا يكمن في رؤية المسيح... فأي عمى يُصيب فكرنا، وأيسخافة تنتابنا متى أحببنا أحزان العالم وضيقاته ودموعه أكثر من الإسراع نحو الفرح الذي لا ينزع عنا؟![175]

v     يا له من نفع نقتنيه بخروجنا من هذا العالم!

لقد حزن التلاميذ، عندما أعلن لهم المسيح أنه سينطلق، فقال لهم: "لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني قلت أمضي إلي الآب" (يو 28:14)، معلِّمًا إيانا أن نفرح عند رحيل أحد أحبائنا من هذا العالم ولا نحزن، متذكرين حقًا قول الرسول الطوباوي بولس: "لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح" (في 21:1).

نحسب في الموت أعظم ربح، الأمر الذي لا نقدر أن نقتنيه بواسطة شباك هذا العالم أو نجتنيه بواسطة خطايا الجسد ورذائله. فبالموت نترك الأتعاب المؤلمة ونتخلص من أنياب الشيطان السامة، لنذهب إلي دعوة المسيح لنا متهللين بالخلاص الأبدي[176].

الشهيد كبريانوس

الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ وَلَيْسَ هُوَ،

وَيَحْفُرُونَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنَ الْكُنُوزِ [21]

بقوله : "يحفرون عليه أكثر من الكنوز" يكشف عن استعداده لبذل كل إمكانية للبحث عن الموت كمن يبحث عن أعظم كنز يقتنيه.

لم يفكر أيوب قط في الانتحار بالرغم من بحثه عن الموت بأية تكلفة، فإن حياته في يد إلهه، ليس له أن ينهيها بنفسه.

v     أولئك الذين يطلبون الإماتة بكمال يبحثون عنه كمن ينقبون عن كنوز خفية، فكلما اقتربوا بالأكثر إلى هدفهم أظهروا غيرة أعظم في العمل.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     إن موت الأبرار صار رقادًا، بل صار هو الحياة.

 القديس باسيليوس الكبير

تطلع القديس غريغوريوس النزينزي إلى أخته الأكبر منه القديسة جورجونيا كنموذجٍ حيٍّ للمسيحي، وقد تأثر بها جدًا إذ كان مغرمًا بتقواها وورعها. وأوضح كيف استعدت للموت بلا خوف، بل اشتاقت إليه:

v     موطن جورجونيا كان أورشليم العليا (عب 22:12، 23)... التي يقطنها المسيح، ويشاركه المجمع وكنيسة الأبكار المكتوبين في السماء...

v     كل ما استطاعت أن تنتزعه من رئيس هذا العالم أودعته في أماكن أمينة. لم تترك شيئًا وراءها سوى جسدها. لقد فارقت كل شيء من أجل الرجاء العلوي. الثروة الوحيدة التي تركتها لأبنائها هي الإقتداء بمثالها، وأن يتمتعوا بما استحقته.

v     هنا أتكلم عن موتها وما تميزت به وقتئذٍ لأوفيها حقّها... اشتاقت كثيرًا لوقت انحلالها، لأنها علمت بمن دعاها وفضّلت أن تكون مع المسيح أكثر من أي شيء آخر على الأرض (في 23:1).

تاقت هذه القديسة إلى التحرر من قيود الجسد والهروب من وحل هذا العالم الذي نعيش فيه. والأمر الفائق بالأكثر أنها تذوقت جمال حبيبها المسيح إذ كانت دائمة التأمل فيه.

كانت تعلم مسبقًا ساعة رحيلها عن هذا العالم، الأمر الذي ضاعف من فرحتها. ويبدو أن الله أعلمها به حتى تستعد ولا تضطرب حينئذٍ.

قضت كل حياتها لتغتسل من الخطية وتسعى لإدراك الكمال. ونالت موهبة التجديد المستمر بالروح القدس وصارت ثابتة فيه بحسب استحقاق حياتها الأولى

لم تغفل عن التضرع من أجل زوجها أيضًا حتى يُدرك الكمال، وقد استجاب الله لطلبتها إذ أرادت أن يكون كل ما يمت لها بصلة في حالة الكمال الذي يريده الله منا، فلا يكون شيء ناقصًا أمام المسيح من جهتها.

وإذ جاءت النهاية أدلت بوصيتها لزوجها وأولادها وأصدقائها كما هو المتوقع من مثل هذه القديسة المحبة للجميع.

كان يومها الأخير على الأرض يوم احتفال مهيبًا، ولا نقول أنها ماتت شبعانة من أيام بني البشر، فلم تكن هذه رغبتها، إذ عرفت أنها أيام شريرة تلك التي بحسب الجسد وما هي سوى تراب وسراب. وبالأحرى كانت شبعانة من أيام الله... وهكذا تحررت، بل الأفضل أن نقول أنها أُخذت إلى إلهها أو هربت أو غيرت مسكنها أو أسلمت وديعتها عاجلاً.

في وقت نياحتها خيّم صمت مهيب، وكأن مماتها كان بمثابة مراسيم دينية.

رقد جسدها وكأنه في حالة شلل بعد أن فارقته الروح، فصار بلا حراك.

لكن أباها الروحي الذي كان يلاحظها جيدًا أثناء هذا المنظر الرائع شعر بها تتمتم واسترق السمع، وإذ به يسمعها تتلو كلمات المرتل: "بسلامة اضطجع أيضًا وأنام" (مز 8:4). مبارك هو من يرقد وفي فمه هذه الكلمات.

هكذا ترنمتِ أيتها الجميلة بين النساء، وصارت الترنيمة حقيقة. ودخلتِ إلى السلام العذب بعد الألم، ورقدتِ كما يحق للإنسانة المحبوبة لدى الله التي عاشت وتنيحت وسط كلمات الصلاح.

كم ثمين هو نصيبكِ! إنه يفوق ما تراه العين في وسط حشدٍ من الملائكة والقوات السمائية، إنه مملوء بهاءً ونقاوة وكمالاً!

يفوق كل هذا رؤيتها للثالوث القدوس، فلم يعد ذلك بعيدًا عن الإدراك والحس اللذان كانا قبلاً محدودين تحت أسر الجسد.

أرجو أن تقبل روحك هذا المديح مني كما فعلت مع أخي قيصريوس. فقد حرصت على النطق بالمديح لإخوتي.

القديس غريغوريوس النزينزي

v     الموت بالنسبة للذين يفهمونه خلود، أما بالنسبة للبلهاء الذين لا يفهمونه فهو موت.

يجب علينا ألا نخاف هذا الموت، بل نخاف هلاك النفس الذي هو عدم معرفة الله. هذا هو ما يرعب النفس بحق!

v     يستحيل علينا أن نهرب من الموت بأية وسيلة. وإذ يعرف العقلاء بحق هذا، يمارسون الفضائل ويفكرون في حب الله، ويواجهون الموت بلا تنهدات أو خوف أو دموع، مفكرين في أن الموت أمرٌ محتم من جهة، ومن جهة أخرى أنه يحررنا من الأمراض التي نخضع لها في هذه الحياة.

القديس أنطونيوس الكبير

الْمَسْرُورِينَ إِلَى أَنْ يَبْتَهِجُوا الْفَرِحِينَ عِنْدَمَا يَجِدُونَ قَبْرًا [22].

v     هكذا كان بولس يرى أولئك التلاميذ كأموات وكمن دُفنوا في قبر التأمل، هؤلاء الذين قال لهم: " قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله" (كو 3:3). من يبحث عن الموت يبتهج عندما يجد القبر، لأن من يرغب في الإماتة يتهلل بالأكثر عندما يجد راحة التأمل، فإنه إذ يموت عن العالم، يستتر ويخفي نفسه في حضن الحب الداخلي عن كل اضطرابات الأمور الخارجية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لِرَجُلٍ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ طَرِيقُهُ،

وَقَدْ سَيَّجَ اللهُ حَوْلَهُ [23].

لم يكن له أمل في تحسين حاله؛ لم يرَ بابًا للنجاة، ولا طريقًا يسلكه، إذ كان الله قد سيَّج حوله، فصار كمن في موضعه عاجزًا عن الحركة. وكما قيل في هوشع: "هأنذا أُسيج طريقك بالشوك، وأبني حائطها حتى لا تجد مسالكها" (هو 2: 6). وكما صرخ إرميا: "سيَّج طرقي بحجارة منحوتة، قَلَبَ سبلي" (مرا 3: 9).

v     حتى الموت دخل كثمرة للخطية، ومع هذا فإن سمو الله وحنوه وعنايته الفائقة حولت هذا لصالح جنسنا. أي ثقل يحمله الموت، أخبرني؟ أليس هذا هو تحرر من المتاعب؟ أليس الموت تحرراً من الاهتمامات؟ أما تسمع أيوب يمدحه بالكلمات: الموت هو نجدة للإنسان، طريقة مخفية[177].

القديس يوحنا ذهبي الفم

v     "قد خفي عليه طريقه"، بمعنى سوف لا يعرف متى أو بأية وسيلة يكون رحيله من هنا. فإن الله يخفي عنه هذه المعرفة. بمعنى أنه لا يسمح له بالمعرفة، حتى ينتظر البشر الموت كل أيامهم. وبهذا يستعدون. يخفي الله هذا لأجل نفعنا العظيم، لكي يهبنا الفرصة أن نتمم ما أمر به تلاميذه: "اسهروا إذا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم" (مت 42:24).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     أعزائي الإخوة الأحباء ... يلزمنا أن نأخذ في اعتبارنا أننا نتأمل إلى ما شاء الله لنا أن نترك العالم، فإننا نعيش الآن كضيوفٍ وغرباءٍ.

ليتنا نحب اليوم المعين لنا، الذي فيه نتحرر من فخاخ العالم، ونعود إلى الفردوس والملكوت ...

لأنه أي إنسان وُضع في بلدٍ غريبٍ أما يريد أن يسرع في العودة إلى بلده؟! ومن من الذين يسرعون في العودة (بحرًا) إلى أصدقائهم لا يرغبون في ريح موافقة حتى يلتقوا سريعًا بأولئك الذين هم أعزاء عليهم؟!

إننا نتطلع إلى الفردوس كبلدنا... والآباء (البطاركة) كآباء لنا، فلماذا لا نسرع بل ونجرى، لكي ننظر مدينتنا ونحيي آباءنا؟! فإن لنا أعزاء كثيرين جدًا ينتظروننا. لذلك أية سعادة تغمرنا وإياهم عندما نجتمع سويًا؟!

 أي سرور في الملكوت السماوي حيث لا نعود نرهب الموت؟! وأية سعادة لذيذة دائمة بحياة أبدية؟!

هناك توجد الشركة المجيدة مع الرسل، هناك يوجد جوقة الأنبياء المتهلّلين، هناك جموع الشهداء غير المحصيّين، المتوجين بالنصرة في صراعهم ضد الشهوات، هناك جموع البتوليّين الفائزون الذين قهروا شهوات الجسد بعفتهم... هناك الرحماء مكلّلين، هؤلاء الذين صنعوا البرّ بإطعامهم الفقير ومساعدتهم له، وقد حفظوا وصايا الرب، وحوّلوا ممتلكاتهم الأرضية إلى كنوز سمائية.

إذن لنسرع إلى هؤلاء الإخوة الأحباء بشوقٍ عظيمٍ. ليتنا نود الوجود معهم ونسرع بالمجيء إلى المسيح.

لينظر الله إلى شوقنا العظيم، وليتطلع المسيح الرب إلى هدف ذهننا وإيماننا، هذا الذي يقدم الجزاء العظيم الذي لمجده للذين لهم رغبة عظيمة في تكريمه[178].

الشهيد كبريانوس

لأَنَّهُ مِثْلَ خُبْزِي يَأْتِي أَنِينِي،

وَمِثْلَ الْمِيَاهِ تَنْسَكِبُ زَفْرَتِي [24]

صار أنين أيوب الخبز اليومي الضروري، لا يعيش بدونه. أحزانه تتكرر بانتظام وكأنها وجبات طعام يقتاتٍ بها. صارت تنهداته أشبه بنهرٍ ممتلئٍ يفيض بالأحزان بلا توقف.

v     إن كانت كل الخليقة ستنحل وهيئة هذا العالم تتغير، فلماذا نتعجب ونحن جزء من الخليقة أن نشعر بألمٍ عامٍ شديدٍ ونُسلم لأحزان يسمح لنا بها إلهنا حسب قياس قوتنا، ولا يسمح لنا أن نُجرب فوق ما نستطيع، بل مع التجربة يعطينا المنفذ لنستطيع أن نحتملها؟[179]

v     يأمر الرب: "لكل شيء مقاييس وأوزان" (حكمة 11: 20)، ويجلب علينا تجارب لا تزيد عن قوتنا في الاحتمال، إنما يجرب كل الذين يحاربون في طريق الدين الحقيقي بالحزن، ولا يسمح لهم بالتجربة فوق ما يقدرون أن يحتملوا. يعطي دموعًا للشرب بمقياس عظيم (مز 80: 5) لكل الذين ينبغي أن يظهروا أنهم وسط أحزانهم يحفظون شكرهم له[180].

v     إني مقتنع أنه إن وُجد صوت يحرك الله الصالح فإنه لن يجعل رحمته بعيدة، بل يعطي مع التجربة المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوها[181].

القديس باسيليوس الكبير

لأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي،

وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ [25].

يبدو أنه كان في أيام رخائه يخشى أن تحل به الكوارث، لذا يقول: "ارتعابًا ارتعبت فأتاني، والذي فزعت منه جاء علّي" [25].

v     مادمت أنا هنا، مادمت في هذا العالم، مادمت أحمل جسدًا مائتًا، مادمت أتنهد بين علل العصيان، مادمت وأنا واقف أكون "في خوف لئلا أسقط"، مادام صلاحي وشروري مهددة بعدم الاستقرار، فإن حياة الإنسان كلها معًا باطلة[182].

 القديس أغسطينوس

v     لو حُصر رجاء المسيحيين في حدود هذه الحياة لكان نصيبنا مرًا بحقٍ، إذ يحصر في الجسد قبل الأوان (أوان الأبدية)، أما إن كانت لهم محبة الله وتعتزل نفوسهم قيود الجسد، فإنهم يحسبون ذلك بداية الحياة الحقيقية، فلماذا تحزن كمن لا رجاء لهم؟ إذن فلتسترح ولا تسقط تحت متاعبك، وإنما لتظهر نفسك أسمى من المتاعب ومترفع فوقها[183].

v     أيها الأحباء، هل التجربة صعبة؟ دعونا نحتمل المصاعب، لأنه ليس أحد يتجنب الرماح وتراب المعركة يفوز بالإكليل. هل العدو يخدعكم، وحربه بلا فائدة؟...

v     هذه التجارب متعبة، لأنها تخدم الرب. إنها ضعيفة، لأن الرب قد مزج شرهم بالضعف. لكن دعونا نحذر من صراخنا بصوت عالٍ بسبب ألم قليل. إننا بهذا نكون مدانين. إذ تحرمون أنفسكم من المكافأة الأبدية التي تُعطى للأبرار.

أنتم أبناء الذين اعترفوا بالمسيح. أنتم أبناء الشهداء. لقد قاوموا حتى الدم ضد الخطية. لذلك اجعلوا أمثلة من هؤلاء قريبة وعزيزة لديكم لتصبحوا شجعان لأجل مسيحيتكم.

ليس فينا من يُقطع جسده من الجلد... لم يعانِ أحد منا من مصادرة مسكنه... لم نُسق إلي المنفى، لم نسجن... إذن ما حجم المعاناة التي تكبدناها... حقيقة ربما نعتبر مصدر ألمنا هو أننا لم نعانِ شيئًا. وأننا غير مستحقين لآلام المسيح[184].

القديس باسيليوس الكبير

لَمْ أَطْمَئِنَّ وَلَمْ أَسْكُنْ وَلَمْ أَسْتَرِحْ،

وَقَدْ جَاءَ الْغَضَبُ [26].

يرجع بذاكراته إلى ما قبل التجربة ليرى أنه لم يكن مطمئنًا، إذ كان يخشى أن تحل به كارثة، لكن هذا لم يدفعه إلى الاستكانة ولا إلى الخمول، بل كان يعمل ساهرًا في جدية.

v     الإنسان غير الحذر الذي يتمتع بالرخاء، ويسود على أعدائه، ويُمتدح ويُعجب منهم، يحتاج إلى من يشفق عليه أكثر من أي إنسان آخر. في الحقيقة إذ لا يتوقع أي تغير لا يقدر أن يواجه حتى مشكلات الرخاء بلياقة. فعندما تحل به أوقات صعبة يرتبك ويحبط بسبب عدم حذره ولأنه غير عملي. أما أيوب فعلي العكس لم يكن هكذا، بل حتى في رخائه كان يتوقع كل يوم الأوقات الصعبة... يقول آخر: "في وقت الشبع أذكر وقت الجوع، وفي أيام الغنى أذكر الفقر والعوز". (سيراخ 18: 25)[185].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     ما حزن عليه أيوب ليس الأمور التي تخيلها أصحابه، إنما كانت نفسه في رعبٍ آخر، من عدم معرفة إن كان العدو يسلبه غناه الداخلي، إن كان قد استطاع أن ينهب منه الأمور الصالحة، التجريد الذي يُحسب كارثة عظمى. من أجل هذا اشهد أيوب علانية: "لم اطمئن ولم أسكن، ولم أسترح، وقد جاء الزجر عليٌ" [26]. إنه لم يعرف السلام، إذ كان مضطربًا بسبب أولاده. "لم يكن في هدوءٍ (سكونٍ)" إذ قدم كل يومٍ ذبائح عنهم (أي 5:1). لقد حل الزجر (السخط) عليه، إذ فقد أبناءه في وقت واحد وثروته وصحته الجسدية. فإنه حتى عندما يكون البار بارًا جدًا، إن كان يُسر الله في كل الأمور، يستحيل عليه أن يعيش دون أن يتعرف على التجارب في هذا العالم (يع 2:1). لا يقدر أن يوجد دون أن يعرف حزن هذا العالم، وذلك كما قال الرب لرسله (يو 6:16-22). يقول بولس نفسه: "جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون" (2 تي 12:3).. وقال المسيح من جانبه: "ثقوا، أنا قد غلبت العالم" (يو 33:16). مرة أخرى قال: "من يصبر إلى المنتهى يحيا" (راجع مت 22:10، 23:24)، بقوة الآب والابن والروح القدس.

 الأب هيسيخيوس الأورشليمي

لم تعد شهوة الموت صادرة عن الهروب من الضيق والتجارب. فالمسيحي الحقيقي كعضوٍ حيّ مرتبط بالرأس يسوع المسيح، يقبل سمات المسيح المصلوب الذي قبل الموت بإرادته، فيعشق الألم ويبحث عنه ويشتهيه حتى الموت، لا لأجل الألم في ذاته، ولا هروبًا من العالم، بل لأنه علامة شركة الحب الحقيقي والوحدة بين العريس المتألم المصلوب وعروسه. هكذا انطلق الصليب بالألم كما بالموت بالنسبة للمؤمن الحقيقي من كونه علامة الخطية ودلالة حجب الإنسان وحرمانه من الله مصدر السعادة ليصير علامة حب وشركة. فيقول الرسول بولس: "حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع" (2 كو 10:4). ويؤكد أنها آلام المسيح: "لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا" (2 كو 5:1).

v     إذ بسط يديه على الصليب طرح رئيس سلطان الهواء الذي يعمل في أبناء المعصية (أف 2:2)، مهيئًا لنا طريق السماوات.

v     حين رُفع جسده إلى العُلا ظهرت الأمور التي في السماء[186].

v     بعد قيامة مخلصنا الجسدية، لم يعد يوجد سبب للخوف من الموت. الذين يؤمنون بالمسيح يطأون على الموت كأنه لا شيء، مفضلين أن يموتوا بالحري عن أن ينكروا الإيمان بالمسيح. فإنهم مقتنعون أن الموت لا يعني دمارًا بل حياة، خلال القيامة يصيرون غير قابلين للدمار...

الدليل الواضح على هذا هو أنه قبل الإيمان بالمسيح كان الناس يتطلعون إلى الموت كموضوعٍ مرعبٍ، كشيءٍ يجعلهم جبناء. وما أن قبلوا الإيمان وتعليم المسيح، حتى صاروا على العكس يحسبون الموت أمرًا صغيرًا يدوسون عليه، ويجعلهم شهودًا للقيامة التي حققها المخلص ضد الموت[187].

البابا أثناسيوس الرسولي

v     بعد أن جاء المسيح ومات لأجل حياة العالم لم يعد ُيدعى الموت موتًا بل نومًا ونياحًا[188].

v     أما تعرف كيف أصلح الصليب أخطاء كثيرة؟ ألم يحطم الموت، ويمسحُ الخطية، وينهى قوة الشيطان، وُيشبع كيان جسدنا الصالح؟ ألم يصلح العالم كله، ومع هذا لا تثق أنت فيه؟[189]

v     من يخبر عن أعمال الرب القديرة؟ (مز 2:105) من الموت صرنا خالدين، هل فهمتم النصرة والطريق التي بلغتها؟ تعلموا كيف اُقتنيت هذه الغلبة بدون تعب وعرق. لم تتلطخ أسلحتنا بالدماء ولا وقفنا في خط المعركة، ولا جُرحنا، ولا رأينا المعركة لكننا اقتنينا المعركة. الجهاد هو مسيحنا، وإكليل النصرة هو لنا.

ما دامت النصرة هي لنا، إذن يليق بنا كجنودٍ أن نرتل اليوم بأصوات مفرحة بتسابيح الغلبة. لنسبح سيدنا قائلين: "قد أُبتلع الموت إلى غلبة. أين غلبتك يا موت أين شوكتك يا هاوية؟" (1 كو 54:15-55)[190].

القديس يوحنا الذهبي الفم


 

من وحي أيوب 3

لأمت، فأحيا معك!

v     أرى في كل مولودٍ حديثٍ صورة حية لميلادي،

يُولد ليصرخ مع دخوله العالم،

وكأنه قد خرج إلى وادي الدموع!

مَنُ من البشرية لا يحمل نيرًا؟

أيوب البار سبّ يوم ميلاده،

وإرميا صرخ: "ويل لي يا أمي لأنكِ ولدتِني".

والمرتل يئن قائلاً: "إلى أي باطل خلقت بني البشر؟"

إن كانت هذه صرخات رجال الله الأتقياء،

فماذا أقول؟ وبماذا أتكلم؟

 

v     طٌردنا من الفردوس المبهج،

وصرنا كمن في ظلمة ليلٍ لا تزول.

انقطع رجاؤنا في أن يشرق علينا نور النهار.

صارت أيامنا مملوءة بالأنين.

كثيرًا ما نصرخ مع البار أيوب:

لماذا لم نمت، ونحن بعد في الرحم؟

لماذا لم نسلم الروح حالما وٌلدنا؟

 

v     شكرًا لكِ يا شمس البرّ العجيب!

أشرقت على الجالسين في الظلمة.

بل ونزلت إلى أرضنا وشاركتنا آلامنا.

الآن فيما أنت هو مُجرب تعين المجربين!

لأحمل الصليب مادمت قد حملته!

لأقبل العار، وأٌطرد خارج المحلة،

فأجدك هناك مصلوبًا بين لصين،

محصيًا بين الأثمة،

وأنت القدوس وحدك!

تلذ لي الآلام مادمت أنت معي،

ويتحول لي القبر سماءً، مادمت سكنته!

 

v     لأمت، فأحيا معك.

الآن فيك تستريح نفسي!

أنت سعادتي وبهجة قلبي.

أنت فرحي وسلامي وكنزي!

أنت هو الكل لي.

<<


 

الباب الثالث

 

 

 

 

حوار شعري بين أيوب وأصدقائه

أيوب 4-31


 

محور أحاديث الأصدقاء الثلاثة

إذ عبَّر أيوب عن مرارة نفسه حتى بدا كمن فقد رجاءه وسقط في اليأس، وجد أصدقاؤه الثلاثة فرصتهم للإفصاح عما في قلوبهم، وهو الشعور بأنه رجل مرائي. لعلهم ناقشوا الأمر فيما بينهم ووصلوا إلى هذه النتيجة، لكنهم أمام هول التجربة لم ينطقوا، حتى بدأ هو بالتعبير عما في داخله.

ظهر الأصدقاء الشيوخ كخصومٍ، وتحول أيوب إلى مُتهمٍ، وكان أليهو مستمعًا وصار وسيطًا فيما بعد. وأخيرًا تدخل الله ليقيّم للكل أمورهم.

خُطب أصحاب أيوب الثلاثة الأولى مغزاها إن كل بلية هي ثمرة الخطيئة، وأن البعد بين الله والإنسان غير محدود، وأن أيوب خاطئ، ويمكنه عند التوبة الحصول على الرجاء بأنه يعود فيفوز بالرضا الإلهي. يجيب أيوب على هذا كله بالتفصيل ويرد على كل المتكلمين.

تمسك أصحابه بأن الكوارث قصاص عادل على جرم أيوب الخفي، وقد قدم أصدقاء أيوب براهين:

أولاً: مصير الأشرار الكوارث المتوالية.

ثانيًا: الأبرار سعداء.

ثالثًا: ما من أحدٍ طاهرٍ أمام الله.

وكل هذا مبني على مبدأين: الله يجازي الإنسان حتى في هذا العالم قبل مجيئه في ملكوته الأبدي، وأن الله في عدلٍ يوازي بين الأعمال والمجازاة.

حين تمنى أيوب الموت ليستريح من عذابه وآلامه بكونه مهربًا من الحياة، إذا بأصدقاء أيوب يتكلمون عن الله، أما هو فيكلم الله، وهذا يجعله أكثرهم صدقًا في السفر.

<<

 


 

الأصحاح الرابع

الحديث الأول لأَلِيفَاز التَّيْمَانِي

خبرة دينية بلا روح!

حديث أليفاز الأول

كل صديقٍ منهم كان له إيمان حقيقي بالله، الذي يلزم أن نمجده بالسلوك في البرّ. كل منهم عبَّر عن إيمانه من زاوية مختلفة، وربما أليفاز كان أكثرهم خبرة وعمقًا، وإن كان قد شعر بالعجز عن تفسير أعمال الله خلال العقل والتفكير المجرد. يليق بالإنسان أن يدرك أنه أصغر من أن يفسر خطة الله ومعاملاته، ولا يدرك أسرار الله، إلاَّ أنه يجب تقديم ذبائح له من أجل غفران الخطايا [١: ٥].

كان أليفاز يعتز بخبرته الشخصية مع الرؤى والأحلام لمعرفة صوت الله. الآن وقد صار بين أيدينا الكتاب المقدس، لسنا محتاجين إلى الرؤى والأحلام.

أبرز أليفاز جلال الله وقداسته وأيضًا ضعف الإنسان وفشله إن سلك أو فكّر خارج دائرة معونة الله. الكتاب المقدس هو سجل المصالحة بين الله والإنسان، مع عجز الإنسان عن تحقيق ذلك بذاته. إنه يعجز عن التمتع بالخلاص بقدرته البشرية كما لا يتمتع بالحكمة والحياة من ذاته، مثله مثل الملائكة.

بدأ أليفاز الحديث (ص 4-5)، والمُرجح أنه كان أكبرهم سنًا، وأفضلهم أخلاقًا. افتتح أليفاز المناقشة بكلام بليغ وأسلوب شعري جميل، وتحدث بمنتهى الأدب والاحتشام عن نفسه وعن مسعاه.

ويمكن أن يقسم حديثه إلى أربعة أقسام:

1- يتعجب من أيوب معزي الآخرين كيف يقع في يأس مثل هذا. فبحسب خبرته الشخصية عبر كل حياته كشيخٍ مختبرٍ "ليس من بارٍ قد هلك". وأهم ما قاله هنا هو: تقواك هي معتمدك ورجاؤك كمال طرقك.

2- رؤيا أليفاز ص 8:4 - 7:5. وفيها الرد على انتقادات أيوب. يتكلم هنا عن قداسة الله وحماقة الناس والملائكة، وهو يحاول أن يوقظ في أيوب الشعور بنقاوة الله السامية وضعف جميع خلائقه الذي لم يكن أيوب سوى واحد منهم، فهم عرضة للخطأ (ص 17:4-19)، فلماذا يتذمر أيوب على الله؟ فإن كان أولاده هلكوا وسُلبت أملاكه، فهذا نتيجة خطيئته، لأن الذين يزرعون شرًا فإياه يحصدون (ص 8:4)، ثم يحاول أن يعزي أيوب بفكرة أن التعب يعم الناس أجمع، فكيف ينتظر أن يُعفى منه، كان يجب أن يحتمله بخضوعٍ وصبرٍ.

3- يخبره ماذا كان يفعل أليفاز لو كان في موضع أيوب (ص 8:5)، مع حث أيوب على رفع دعواه إلى الله. وكان كلامه مملوءً من التبصر والعطف، وفيه يمدح صفات أيوب السامية ص 3:4-5. ولكن المبدأ المبني عليه كان ضعيفًا. فأثار في أيوب روح المقاومة (ص 6-7). يذكر هنا ما كان يفعله لو كان في مكان أيوب، ويصرح بأنه كان يسلم أمره إلى الله العظيم القوة، والعجيب في كل طرقه، الذي يرفع المتواضعين، ويأتي بالخراف إلى الأمان، وينجي الفقير والبائس.

4. لماذا يتذمر أيوب على تأديبات الرب له مع أن تأديباته هي بركة لمن يحتملها؟ لأن القدير يجرح ويعصب، يسحق ويداه تشفيان.

أقسامه:

1. استئذانه أيوب للكلام    1-2.

2. مدحه أيوب              3-4.

3. توبيخه على عدم ثباته  5-6.

4. مبدأ لاهوتي عام        7-11.

5. تعزيز رأيه برؤيا        12: 21.

1. استئذانه أيوب للكلام

فَأَجَابَ أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ: [1]

تكشف هذه المقدمة أن الأصدقاء الثلاثة قد تحاوروا معًا واتفقوا على مواجهة أيوب بأسلوبٍ جادٍ، إذ حسبوه أنه قد خدعهم وخدع الشعب بما أظهره من تقوى وعبادة وعطاء للغير. وأن ظاهره يخفي شرورًا خفية لا يعملها أحد سوى الله.

يقول الأب هيسيخيوس الأورشليمي بأن أليفاز تحدث في غير خجلٍ مع أيوب بروحٍ غير لائقة، فكان كمن يود أن يطيح بهذا البرج الثابت القوي والراسخ. وقد لاحظ أن أيوب فتح فاه (3: 1)، أما أليفاز فأجاب (4: 1). الأول تحدث في براءة، فتح فاه لينطق بكلمات لكي يجد في أصدقائه تعزية لما حلٌ به، أما أليفاز فأجاب كمن حمل هو وأصدقاؤه في داخلهم صراعًا مريرًا، مشتهين أن يحطموه. جاءت كلمات أليفاز إجابة على تساؤلات في نفسه وثورة في داخله!

إِنِ امْتَحَنَ أَحَدٌ كَلِمَةً مَعَكَ فَهَلْ تَسْتَاءُ؟

وَلَكِنْ مَنْ يَسْتَطِيعُ الاِمْتِنَاعَ عَنِ الْكَلاَمِ! [2]

يبدو أن الأصدقاء بالرغم من صمتهم كانوا يحملون في داخلهم كبتًا لغليان في قلوبهم. يتطلعون إلى أيوب في المزبلة لا بعيني الشفقة، بل بضيقٍ شديدٍ أنه خدعهم وخدع كل من هم حوله، لكن لم يكن ممكنًا للخداع أن يدوم، إذ فضحه الله على شروره وخداعه.

إذ فتح أيوب فمه وتذمٌَر، حسبوا أنه قد تجاوز الحٌَد جدًا، ولن يستطيعوا بعد الصمت. إنهم احتملوه طوال الأسبوع حين كان صامتًا، واحتملوا خداعه. الآن بعد أن تذمر وسٌَب يوم ميلاده يحسبون أنفسهم رجال الله المدافعين عن عدل الله وبٌَره!

حسبوا تذمر أيوب وتساؤلاته فيها إهانة لعدل الله، لذا وجب عليهم أن يجيبوا على تساؤلاته في حزمٍ.

يبدأ حديثه بقوله: إن فحص أحد الأمر وتحدث معك بكلمة صريحة، فهل تستاء؟ ولكن حتى إن استأت فإننا لا نستطيع الصمت. يبدو كمن في أدبٍ واحتشامٍ يستأذن أن يتكلم الكل معه. وفى صراحة يحدثه بأنهم مع شعورهم بآلامه غير أنهم لا يستطيعون أن يداهنوه أو يتملقوه. ربما أراد أليفاز أن يطلب من أيوب ألا يسيء فهمهم، فيظن أنهم يقسون عليه، أو أنهم لا يبالون بما يعانيه، فهم لا يودون أن يضيفوا على أحزانه أحزانًا، بل أن يجدوا الباب السليم لعلاج الموقف.

v     أليفاز بالكلمات التي ينطق بها يضرب كما ببوق ليعلن الحرب ضد أيوب.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     ليس كل أحدٍ قادرًا على معرفة كيف يخدم من هم في مثل هذه المحن. كثيرون غالبًا ما يضيفون آلامًا إلى الألم، البعض بخسةٍ، وآخرون بغباوةٍ.

من الواضح أن هؤلاء الذين تعهدوا بتقديم كلمات تعزية كانوا بلا خبرة في هذا الأمر، وذلك كالأطباء الذين يزيدون الجراحات. لذلك استحقوا بالحق أن يُدعوا من أيوب أطباء أشرارًا (راجع أي 13:4)، هؤلاء الذين ألهبوا الجرح عن حقدٍ فيهم.

إنه نوع من الخسةٍ أن يظهروا حقدًا بثورةٍ عنيفةٍ، وأن يحسدوا إنسانًا كان منطرحًا على الأرض، ويلقون به في مصاعبٍ لا حصر لها، ذاك الذي كان مستحقًا أن يكون موضع ترفقٍ.

لاحظوا كيف كانت كلماتهم ليست فقط خالية من التعزية، بل وسببت إحباطًا خطيرًا. أثاروا مناقشات طويلة باتهامات متجددة.، لهذا قيل: "لا تضف متاعب أكثر لقلبٍ متضايقٍ" (ابن سيراخ 3:4).

القديس يوحنا الذهبي الفم

جاءت الترجمة السبعينية: "هل تتكلم كثيرا في أسى؟" يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الأسى هنا يقصد بها" الخطية"، وكأنه يقول له: "تحت لسانك مشقة وألم". (راجع مز 10: 7)

v     لم يقل أليفاز: هل ترتكب أعمالاً شريرة؟ و إنما قال: "هل تتكلم؟" لأن شهرة حياته كانت مشرقة في طول الأرض وعرضها، ففي كل موضع توجد شهادات عن فضيلته. لم يقل له: لا تقل إن أعمالك صالحة، لأن الخطية أحيانا تنبع من الكلمات.

v     "من يحتمل عنف كلماتك" (الترجمة السبعينية)... ماذا قال أيوب؟ لقد ترجى الموت والخلاص من الحياة الحاضرة. هل قال: "لقد لحقت بي شرور كثيرة هكذا بالرغم من بري وفضائلي العظيمة؟" لا، بل قال هكذا: أتوق أن أختفي مع الأشرار، مع خدامي، مع السقط، لأنال ذات ما ناله الأشرار. لم يقل: أنا الذي لي مثل هذه السمات وهذه الأهمية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. مدحه أيوب

  بدأ أليفاز بمدحه لأيوب من جهة تعليمه وإرشاده وعطائه للكثيرين، وكان لابد أن يبدأ هكذا، لأن حياته العملية تشهد بذلك. فمن جهة أراد أن يبرز أنه إنسان عادل لا يغالط الواقع، ومن جانب آخر أراد أن يستخدم هذا المديح للهجوم على أيوب كرجلٍ باطلٍ.

على أي الأحوال كلمات أليفاز كشفت لنا عن شخصية أيوب كقائدٍ حي يحمل روح الأبوة من جهة اهتمامه بإرشاده للكثيرين، وسخائه في العطاء.

هَا أَنْتَ قَدْ أَرْشَدْتَ كَثِيرِينَ،

وَشَدَّدْتَ أَيَادِيَ مُرْتَخِيَةً [3].

يمتدحه كمعلمٍ ومرشدٍ عملي، فقد علّم الكثيرين وشدَّد الأيادي المرتخية لكي تعمل وتخدم. لكنه كمن يقول له: إن كنت قد شددت الآخرين بغناك، فلماذا لا تقدر أن تشدد نفسك؟

v     لنتأمل العلو الشاهق الذي بلغه الرجل، بإرشاده الجهلاء، ومساندته للضعفاء، وتشديده للمتراخين، وذلك وسط اهتمامات بيته، والتزاماته المتعددة، وقلقه نحو أولاده، ومتابعة أعمال كثيرة، فقد كرس نفسه أن يضع الآخرين على الطريق المستقيم. لكن كل الهراطقة والأشرار إذ يسجلون سمو الصالحين يحولون هذا السمو إلى اتهامات..هكذا يبحث (أليفاز) عن فرصة ليسب الطوباوي أيوب من نفس الزاوية التي يروي فيها عن أمور ممدوحة عنه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

شكرًا لأليفاز الذي - وإن كان عن علة وليس عن حب - قدم لنا جانبًا رائعًا من جوانب شخصية أيوب. فإنه كملكٍ أو حاكمٍ أو رئيس قبيلةٍ لم يكن بالرجل المحب للسلطة يأمر وينهي، لكنه في أبوة يرشد وينصح ويشدد الأيادي المرتخية.

فإنه يوجد مرشدون كثيرون لكنهم لا يسندون الضعفاء، ولا يحملون روح الأبوة. يقول القديس بولس: "لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح، لكن ليس آباء كثيرون، لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" (1 كو 15:4). المرشد الروحي الحقيقي يحمل روح الحق، الروح القدس، روح الحب، الذي يقول عنه السيد المسيح: "متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق" (يو13:16). من يحمل روح الحق يقدم مع الإرشاد عونًا عمليًا، مشددًا الأيادي المرتخية، وكما يقول الرسول: "شجعوا صغار النفوس، أسندوا الضعفاء، تأنوا على الجميع" (1 تس14:5).

يرى القديس أغسطينوس أن هذا هو أسلوب من يقدم الدواء لمواطني مدينة الله أثناء رحلتهم على الأرض، لكي يعمل الروح القدس، واهبًا الشفاء للنفوس المريضة حتى تتمتع بالبلوغ إلى الموطن السماوي[191].

v     إن كنا نبغض الأشرار والعصاة، فإننا بالتالي نكره الخطاة. هكذا، فإنه بالتبعية تجد أنك قد قطعت نفسك من أغلب اخوتك، بالحقيقة تقطعها من الجميع، فإنه لا يوجد أحد بلا خطية.

إن كان يلزمنا أن نكره أعداء الله أشر من الوحوش المفترسة، فإننا نأنف من الكل وننتفخ بالكبرياء مثل الفريسي.

يأمرنا بولس بغير هذا: "أنذروا الذين بلا ترتيب، شجعوا صغار النفوس، أسندوا الضعفاء، تأنوا على الجميع" (1 تس 5: 14)[192].

v     "وإن كان لكم ربوات من المرشدين... لكن ليس آباء كثيرون" (1 كو 15:4)... لا يطلب بولس هنا أية كرامة، بل بالحري يظهر عمق حبه. فالكرامة خاصة بالمرشد، والحب علامة الأب[193].

القديس يوحنا ذهبي الفم

قَدْ أَقَامَ كَلاَمُكَ الْعَاثِرَ،

وَثَبَّتَّ الرُّكَبَ الْمُرْتَعِشَةَ [4].

كم شدد أيوب الأيادي المرتخية للعمل اللائق، أمسك بأيدي المتعثرين ورفعهم من التراب، وشدَّد ركبهم لتحملهم على السير في طريق الحياة بقوة الله. هكذا مدحه أليفاز حتى متى وبخه لا يظن أيوب أنه متحامل عليه، أو متجاهل ماضيه بكل حسناته. لقد عزى أيوب الكثيرين، فيستحق أن يجد من يعزيه.

يرى بعض المفسرين أن أليفاز أورد هذا لتوبيخ أيوب، وكأنه يقول له:

[أنت الذي أرشدت الكثيرين، لماذا لا ترشد نفسك؟

وشددت أيادي متراخية، فلماذا لم تجد راحة لضعفك؟

وإن كنت قد اعنت العاثرين بالكلام، فلماذا أنت منطرح على الأرض بجسدك كما بنفسك؟

إن كنت قد ثبَّت الركب المرتعشة، فلماذا لم تشجع نفسك، بل أنت منهار أمام الأمراض التي حلت بك، سالكًا كما لو كنت مفلوجًا؟

أليس هذا دليلاً على ريائك، لأنك تقدم الدواء لغيرك وترفض أنت أن تقبله للشفاء من مرضك؟ الذي تعلم غيرك ألا ينهاروا هل أنت تنهار؟ "أيها الطبيب أشفِ نفسك" (لو 4: 22).

أنظر فإن حديثك السابق ربما كان باطلاً، أما الخير الذي فعلته ففيه غباوة!]

v     إن إهمالنا لاخوتنا ليس بالخطأ الهين، إنما يجلب علينا عقوبة عظيمة وتأديبًا بغير رحمة...

مداومة النصيحة والتعليم تجعل الإنسان مجتهدًا، وتصيره إلى حال أفضل، وفي هذا أقتبس المثل العام الذي يؤكد هذه الحقيقة وهو أن "قطرات الماء المتواترة تشقق الصخر".

أي شيء ألين من الماء؟! وأي شيء أصلب من الصخر؟! ومع هذا موالاة العمل باستمرار يغلب الطبيعة. فإن كان هذا بالنسبة للطبيعة، أليس بالأولى تغلب الطبيعة البشرية؟!...

يا له من جزء كبير من جسد الكنيسة يشبه الميت الذي بلا حراك!!

تقولون: وماذا يخصنا نحن في هذا؟

إن لديكم إمكانية عظمي بخصوص إخوتكم. فإنكم مسئولون إن كنتم لا تنصحونهم، وتصدون عنهم الشر، وتجتذبونهم إلى هنا بقوة، وتسحبونهم من تراخيهم الشديد. لأنه هل يليق بالإنسان أن يكون نافعًا لنفسه وحده، ولا يكون نافعًا لنفسه ولكثيرين أيضًا؟

لقد أوضح السيد المسيح ذلك عندما دعانا "ملحًا" (مت 5: 13)، و"خميرة" (مت 13: 33)، و"نورًا" (مت 5: 14)، لأن هذه الأشياء مفيدة للغير ونافعة لهم.

فالمصباح لا يضيء لذاته بل للجالسين في الظلمة. وأنت مصباح، لا لتتمتع بالنور وحدك، إنما لترد إنسانًا ضل، لأنه أي نفع لمسيحي لا يفيد غيره؟! ولا يرد أحدًا إلي الفضيلة؟!

مرة أخرى، الملح لا يُصلح نفسه بل يصلح الطعام لئلا يفسد ويهلك... هكذا جعلك الله ملحًا روحيًا، لتربط الأعضاء الفاسدة أي الأخوة المتكاسلين المتراخين، وتشددهم وتنقذهم من الكسل كما من الفساد، وتربطهم مع بقية جسد الكنيسة.

وهذا هو السبب الذي لأجله دعانا الرب "خميرًا"، لأن الخميرة أيضًا لا تخمر ذاتها، لكن بالرغم من صغرها فإنها تخمر العجين كله مهما بلغ حجمه. هكذا افعلوا أنتم أيضًا. فإنكم وإن كنتم قليلين من جهة العدد، لكن كونوا كثيرين وأقوياء في الإيمان والغيرة نحو الله. وكما أن الخميرة ليست ضعيفة بالنسبة لصغرها، إذ لها قوة وإمكانية من جهة طبيعتها... هكذا يمكنكم إن أردتم أن تجتذبوا أعدادًا أكثر منكم ويكون لهم نفس المستوى من جهة الغيرة...

من أجل هذا لا تجتمعوا هنا باطلاً. بل لا أكف عن أن أتوسل إليكم بكل غيرةٍ كما كنت أفعل من قبل قائلاً: "تعالوا بإخوتكم إلى هنا. أرشدوا إلى هنا. أرشدوا الضالين. علموهم بالعمل لا بالكلام فقط"...

ليت إله السلام والمحبة، الذي ينزع عن أرواحنا كل حنقٍ ومرارةٍ وغضبٍ، يتنازل ويهبنا - بارتباطنا مع بعضنا البعض في وحدة تامة كما ترتبط الأعضاء مع بعضها البعض (أف 4: 16) - أن نقدم له باتفاقٍ واحدٍ وفمٍ واحدٍ وروحٍ واحدٍ تسبيح شكرنا الواجبة له[194].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إن تجاهلنا نية أليفاز فإننا نجد شهادة حية لرجل تقي لا ينتسب لإسحق بن إبراهيم، ملك وليس كاهنًا لشعبٍ ما، ومع هذا فقد وضع في قلبه التقي مساندة المتعثرين وتشديد الركب المرتعشة. إنه سيَدين الكثيرين من خدام الله وكهنته في العهد القديم كما في العهد الجديد. فليس من عملٍ رعويٍ أعظم من الانحناء نحو الساقطين أرضًا لنمسك بأياديهم ونقوم معهم. فإن كان الكلمة الإلهي قد تجسد ونزل إلى أرضنا في تواضعٍ، وحملنا فيه إلى السماء، هكذا يليق بكل خادمٍ، بل وبكل مؤمنٍ أن يسند ويعين حتى يتمتع الكل بالشركة مع الله.

لقد قدم لنا أليفاز بعرضه لسمات أيوب منهجًا حيًا للرعاية بل وللحياة الإيمانية، وكيف يهتم كل مؤمن بحياة أخيه خلال الحب، دون تجاهل لاهتمامه بخلاص نفسه وخلاص أهل بيته.

3. توبيخه على عدم ثباته

وَالآنَ إِذْ جَاءَ عَلَيْكَ ضَجِرْتَ!

إِذْ مَسَّكَ ارْتَعْتَ! [5]

يوبخ أليفاز أيوب قائلاً له إنه إذ جاء دوره ليشرب كأس الضيق خرّ وضجر وارتعب. هنا يبدأ الهجوم ليتهمه بالرياء. كأنه يقول له: حين كنت في رخاءٍ كنت تجيد التعليم، لكن إذ سقطت فيما يسقط فيه غيرك انفضح ضعفك، ونفد صبرك.

v     يحارب أصحاب الأذهان المولعة بالجدال حياة الأبرار بطريقتين. إما بتأكيد أن ما ينطقون به خطأ، أو أنهم ينطقون بالحق الذي لا يلاحظونه في سلوكهم. هكذا وُبخ الطوباوي أيوب من أصحابه على طريقة حديثه. يشجعونه لأنه ينطق بأمور صادقة، لكنه لا يحفظها هو... لاحظوا كيف امتدحوه أولاً على لسانه، ثم اشتكوا من ضعف حياته. فإن الأشرار لكي لا يُظهروا أنفسهم أنهم أشرار يقولون أحيانًا أمورًا صالحة عن الأبرار، إذ يعلمون أن الغير يعرفون عنهم هذا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يبرر القديس يوحنا ذهبي الفم ضيق أيوب وتصرفاته، إذ هي رد فعل طبيعي لكثرة الكوارث وشدتها وسرعة حدوثها فجأة، هذا بجانب تصرفات أصدقائه واتهاماتهم له بطريقة مثيرة.

لا يمكننا ان نتجاهل أنه يليق بالقائد وهو في مركز القائد والمرشد والأب ألا يضطرب سريعًا أمام المحن، ليكون سٌر قوة وتعزية لغيره.

v     ليس هناك من يلحق الأذى بالكنيسة أكثر من أولئك الذين لهم صورة القداسة ولقبها ولكنهم يتصرفون تصرفًا فاسدًا. ومن الخطأ الفادح أن نعهد بمكانة الرعاية إلى شخصٍ مقصرٍ حيث أن الرعاية هي القدوة. إساءة اختيار الراعي ينتج عنه عواقب وخيمة، إذ أنه وهو في الخطية، يأخذ كرامة من أجل هذه المكانة التي أخذها. فليهرب كل إنسان غير مستحق من ثقل هذا الإثم العظيم وليتأمل مصغيا بأذني قلبه لهذا الصوت القائل: "ومن أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فخير له أن يُعلق في عنقه حجر الرحى، ويغرق في لجة البحر." (مت 18: 6، لو 17: 2). هنا يرمز حجر الرحى إلى دوامة الحياة، وتشير لجة البحر إلى الهلاك الأبدي. إنه من الأفضل كثيرًا أن يهلك إنسان علماني بمفرده لبس ثوب القداسة صوريًا من أن يخلع هذا الإنسان على نفسه ثوب الرعاية ويُهلك الآخرين بقدوته الشريرة. وإني على يقين من أن عقاب الجحيم سيكون أخف وطأة لو سقط هذا الإنسان فيه بمفرده دون أن يكون سببًا في سقوط آخرين معه[195].

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     بالرغم من أنه قد يحفظ الإنسان نفسه نقيَّة من الخطيَّة. ولو في درجات سامية، لكنَّني أعرف أن من كان هذا حاله لا يقدر أن يقود الآخرين إلى الفضيلة. فمن تسلَّم رعاية شعب لا يكفيه التحرَّر من الخطيَّة... بل يلزمه أن يرتفع في صنع الخير كقول الوصيَّة "حد عن الشر وافعل الخير" (مز ٣٧: ٢٧).

فينبغي عليه، لا أن تُمسح آثار الرذيلة من روحه فقط، بل وتكون مزودة بالفضائل، حتى يفوقهم بالحري في الفضيلة أكثر من سموُّه عليهم من جهة الكرامة.

يلزمه ألاَّ يعرف حدودًا لصنع الخير أو النمو الروحي، ولا يظنه ربحًا عظيمًا مجرَّد تفوقه على العاديِّين.

يجب ألاَّ يقيس نفسه بالآخرين، أشرارًا كانوا أو إلى حد ما متقدمين روحيًا، بل يقيس نفسه على ضوء الوصايا. فلا يقيس الفضيلة في ميزان صغير، طالما هي نابعة من الله الأعظم إذ "منه وبه وله كل الأشياء" (رو ١١: ٣٦).

القدِّيس غريغوريوس النزينزي

أَلَيْسَتْ تَقْوَاكَ هِيَ مُعْتَمَدَكَ،

وَرَجَاؤُكَ كَمَالَ طُرُقِكَ؟ [6]

هنا يوبخه على ما أظهره من تقوى أثناء رخائه، فأين هذه التقوى؟ وأين رجاؤك واستقامة طريقك؟ أليست هذه كلها ادعاءات باطلة لا جذور لها في أعماقك؟

لقد تمم أليفاز عمل الشيطان وخدم مصالحه، إذ أراد أن يثير أيوب على التجديف على الله، باتهامه بالرياء، وأن تقواه ورجاءه واستقامته هذه كلها كانت مظاهر باطلة.

v     "أليست تقواك قامت على الغباوة، وأيضًا رجاؤك وكمال طريقك؟" (LXX) بهذا يطلب أن يشوه أعماله الفاضلة السابقة... إنه يطعن في نية أيوب وهو يعمل. إنه يعنى إما أنك لم تعمل أو أن حياتك مملوءة خداعًا، أو أنك لم تتقِ الله بنية مستقيمة، بل كان كله كلامًا مجردًا. رجاؤك بلا تعقل، إنه مملوء غباوة... لو إن أعمالك صادقة، وحياتك نقية، ما كنت تخشى هذه الشرور...

ها أنتم ترون كيف يهاجمه أليفاز، يصارعه، ويبذل كل الجهود ليبرهن أن حماقته جلبت عليه هذه الأتعاب...

"بوصايا الرب يبيدون" (9 LXX). لاحظوا أمرًا آخر.. يقول: لا تظنوا أن الشياطين والناس الأشرار المملوئين حقدًا مسئولون عما حلّ بك. فإن الله يؤدبك، لهذا فإن التأديب عن عدلٍ دون جدالٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على هذه العبارة :"أين خوفك (تقواك)، وقوتك، وصبرك، وكمال طرقك؟" بأنه وإن كان قد سبّه عن غير حقٍ إلا أنه وصف بدقة تدبير الفضائل وسُلمها أو درجاتها، وهو مخافة الرب، ثم الثقة في الله، فالصبر، وأخيرًا بلوغ الكمال:

أ. المخافة الربانية أو التقوى هي بدء الطريق. "في مخافة الرب ثقة شديدة" (أم 14: 26).

v     ليتنا لا نحسب الغنى أمرًا صالحًا للغاية، فإن الصلاح العظيم، لا أن تملك مالاً، بل تقتني مخافة الرب وكل دروب التقوى[196].

v     الخوف ليس بأقل من السور والحماية والبرج المنيع[197].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

ب. خلال مخافة الرب نعبر إلى القوة أو "الثقة القوية في الله" هذه التي لا تظهر إلا في المحنة.

v     مخافة الرب تحوي كل تلك المتطلبات (للفرح المستمر). لأن الإنسان الذي يخاف الرب كما يليق، ويثق فيه، يجمع كل مصادر السعادة، ويقتني الينبوع الكامل للبهجة. كما أن نقطة ماء تسقط في محيط متسع سرعان ما تختفي، هكذا مهما حلّ بمن يخاف الرب يتبدد ويزول في محيط الفرح الهائل.

حقًا إنه لأمر عجيب للغاية، فإنه مع وجود ما يسبب الحزن تجد الإنسان متهللاً. فإنه إذ لا يوجد شيء ما يجلب حزنًا، فإن هذا المر يكون بلا قيمة عنده مقابل تمتعه بالفرح الدائم[198].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ج. خلال الثقة في الرب يتمتع المؤمن بالصبر. فالإنسان يتزكى بمعنى الكلمة وينمو في القوة باحتماله أخطاء الغير. فمن لا يقدر على مواجهة من يعارضه يُجرح بسيف الجُبن.

v     لمدة أربعة أيام نحن مشغولون في شرح مثل لعازر (والغني)، مقدمين الكنز الذي نجده في جسم مُغطى بالقروح. كنز ليس من ذهب وفضة، بل من الحكمة والتجلد، من الصبر والاحتمال[199].

القديس يوحنا الذهبي الفم

د. أما الصبر فيقود إلى الكمال. فالإنسان يكون بالحق كاملاً متى كان طويل الأناة على ضعفات الغير. "بصبركم تقتنون أنفسكم" (لو 21: 19).

هذا هو سلم الكمال: مخافة الرب وتقواه تهبنا الثقة فيه، وهذه تهبنا قوة وسط المحن، هذه القوة تقدم لنا صبرًا في احتمال الغير بضعفاتهم، وبهذا الصبر نبلغ طرق الكمال.

v     يوجد شكلان للكمال، شكل عادي، وآخر علوي. واحد يُقتني هنا، والآخر فيما بعد. واحد حسب القدرات البشرية، والآخر خاص بكمال العالم العتيد، أما الله فعادل خلال الكل، حكيم فوق الكل، كامل في الكل[200].

القديس أمبروسيوس

v     يتحدث الرسول عن نفسه أنه كامل وغير كامل. فيحسب نفسه غير كاملٍ، متطلعًا كم من برّ لا يزال ينقصه، لكنه كامل حيث لا يستحي من أن يعترف بعدم كماله وأنه يتقدم لكي يبلغ الكمال[201].

القديس أغسطينوس

4. مبدأ لاهوتي عام

اُذْكُرْ مَنْ هَلَكَ وَهُوَ بَرِيءٌ،

وَأَيْنَ أُبِيدَ الْمُسْتَقِيمُونَ؟ [7]

يقدم أليفاز برهانًا عمليًا على ما وجهه إليه من اتهام. فإنه – في رأى أليفاز - لا يوجد إنسان بار قد هلك، ولا مستقيم قد أُبيد. يطلب منه مثلاً واحدًا خلال خبرة أيوب الطويلة في كل عمره عن بارٍ أو مستقيمٍ قد حلّ به ما حلّ بأيوب.

هذا مبدأ لاهوتي أخلاقي كان سائدًا في أذهان الكثيرين، فإنه حتى بعد الشريعة كان داود يدهش معاتبًا الرب كيف يُنجح طريق الأشرار، ويسمح بالضيقات للأبرار. لكن سرعان ما يكتشف الحقيقة، فإنه حتمًا ينال الأبرار مكافأتهم السماوية، ويسقط الأشرار المصرون على شرهم تحت الدينونة. يقول المرتل: "لا تغر من الأشرار، ولا تحسد عمال الإثم، فإنهم مثل الحشيش سريعًا يُقطعون، ومثل العشب الأخضر يذبلون... قد رأيت الشرير عاتيًا وارفًا مثل شجرة ناضرة، عبر فإذا هو ليس بموجود، التمسته فلم يوجد... أما خلاص الصديقين فمن قبل الرب، حصنهم في زمان الضيق" (مز 37).

حديث أليفاز صادق لو أنه قصد بالهلاك والإبادة ما هو أبدي، أما أن يطبقه على النكبات الزمنية فغير صحيح. لهذا فإن حديثه لا ينطبق على أيوب إذ لم يكن قد هلك أبديًا.

يقول النبي: "باد الصديق" (إش 57: 1). ويقول الحكيم: "حادثة واحدة للصديق وللشرير" (جا 9: 2)، حتى تنتهي الحياة الزمنية وفى يوم الرب ينفصل هذا عن ذاك.

v     "أي بريء يهلك؟ وأين يبيد المستقيمون؟" لكن غالبًا ما يحدث في هذه الحياة أن يهلك البريء، ويبيد المستقيمون تمامًا، لكن في هلاكهم يُحفظون للمجد الأبدي. لو أن ليس من بريء يهلك، لما قال النبي: "باد الصديق، وليس أحد يضع ذلك في قلبه" (إش 57: 1). لو أن الله في عنايته لم يبد المستقيمين لما قالت الحكمة عن الصديق: "نعم بسرعة قد أُخذ، لئلا يحول الشر فهمه" (حك 4: 11).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     الإنسان الشرير غير المؤمن حتى إن افترضنا أنه يلتحف بجسمٍ سماويٍ يبقى عاريًا لأنه لا يفعل شيئًا لينال رداء الإنسان الداخلي[202].

القديس ديديموس الضرير

v     يا لنفع التجارب والآلام التي يحسبها البعض شريرة، فلا يحاول القديسون تجنُّبها، بل بالحق يطلبونها بكل قوتهم، محتملين إياها بشجاعة، وبهذا يصيرون أحباء لله، ويحصلون على إكليل الحياة الأبديّة... ويتغنى الرسول الطوباوي قائلاً: "أُسر بالضعفات والشتائم والضرورات والضيقات لأجل المسيح. لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (٢ كو ١٢: ١٠)[203].

الأب تادرس

كَمَا قَدْ رَأَيْتَ أَنَّ الْحَارِثِينَ إِثْمًا

وَالزَّارِعِينَ شَقَاوَةً يَحْصُدُونَهُمَا [8].

يعتمد أليفاز في حججه على عاملين رئيسيين: خبرته وملاحظاته الشخصية: "كما قد رأيت" [8]، ورؤى الليل [13 الخ].

ظن أليفاز أنه خلال ملاحظاته يقدم نظرية دقيقة، فقد وجد خلال إحصائياته أن الأشرار تحل بهم الكوارث بما يتناسب مع شرورهم أي في عدالةٍ، لكن أيوب كذَّب هذه النظرية (17:21 الخ).

يبدو أن أليفاز لم يتفاعل مع شدة الضيق الذي حلّ بأيوب، فحسب أن ما حلٌ به آلام بسيطة تتناسب مع شروره الخفية، أما شره الخطير فهو مبالغته في التذمر على الله.

بهذا كان أليفاز يترجى أن يقدم أيوب توبة عن شروره الخفية فتزول عنه الضيقات، أما سبه ليوم ميلاده، فهذا ما يحطمه تمامًا!

يتحقق هذا يوميًا فما يزرعه الإنسان إياه يحصد، وكما كتب الرسول بولس: "إذ هو عادل عند الله أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقًا" (2 تس 1: 6). وقيل: "إن كان أحد يجمع سبيًا، فإلى السبي يذهب، وإن كان أحد يقتل بالسيف، فينبغي أن يُقتل بالسيف" (رؤ 13: 10). لكن الله في طول أناته ينتظر توبة الأشرار، وفى محبته يسمح بالضيق للأبرار لكي يتزكوا.

كان أصدقاء أيوب يضغطون عليه، أولئك الذين جاءوا لتعزيته! وكأعداءٍ كانوا يزعجونه بكلمات مرّة.

v     التعزية الوحيدة للذين يجدون أنفسهم في بؤسٍ وحزنٍ، هي أن يتبرأوا من الذنب، حتى لا يظهروا وقد حملوا آلامهم ومصائبهم كعقابٍ للخطية. لكن كان يبدو على أصدقائه أنهم يحاولون نزع حتى هذه التعزية من القديس أيوب، ليبدو أنه هو المسبب لتعاسته، كمن جلب غضب الرب بآثامه الخطيرة، وأنه يتكبد تلك الضيقات ثمنًا لأعماله الشريرة! وقد وصفوا عقوبات الأشرار (قابل أي 8:4-9)، الذين غرسوا رذائل، فحصدوا أحزانًا لأنفسهم! هؤلاء هلكوا بأمر الله، لأنهم فنوا بنسمة غضبه، التي هبت على الساكنين بيوتًا من طين فذبلوا (قابل أي 19:4، 21 LXX)، وينبذ الله تخطيطات الماكر، ويسد فم الشرير (قابل أي 13:5، 16LXX )، وما زعمه الأصدقاء كان صحيحًا فيما يختص بقوة الرب، لكنه غير صحيح بالنسبة لاستحقاقات ذلك الإنسان العظيم البارة[204].

القديس أمبروسيوس

بِنَسَمَةِ اللهِ يَبِيدُونَ،

وَبِرِيحِ أَنْفِهِ يَفْنُونَ [9].

كل ما يدبره الأشرار ويخططون له يبيد بنسمة من الله، فتفشل كل تدابيرهم الشريرة. هذه حقيقة، إن الله يطيل أناته على الأشرار كما أطال أناته على فرعون مصر أيام موسى النبي، لكن إذ يمتلئ كأس شرهم يبيدهم حتى لا تستقر عصا الخطاة على الصديقين، فأهلك فرعون وجيشه في بحر سوف. هذا لا ينطبق على أيوب، لأن ما حلٌ به كان لتزكيته وليس لأبادته.

أراد أليفاز أن يُرعب أيوب أن ما حلٌ به من كوارث مُرة ليست إلا البداية، وأنه إن لم يعترف بشروره الخفية، وينزع عن كبريائه فمصيره الإبادة والفناء.

v     (كأن أليفاز يتهمه هكذا:) إنك لست كما تظن في نفسك، في كبريائك، فإنك تسعى بالخداع أن تجعل الآخرين يحسبونك هكذا. أنظر ما قد صنعت حقًا كما هو واضح من فساد جسدك. كما هلك نسلك أيضًا، وأفضل ثروتك، وكل مالك، وتاج ميراثك. فإنك بالحق لست طاهرًا، وحقًا كما تظن. يا لك من مريض في هذا الأمر... فإنه ليس ظلمًا وبلا سبب قد ابتلعتك هذه المصائب، وإنما هي متناغمة مع العدالة، إذ صوبها الله عليك.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

على كل الأحوال، إن كان كل من الصديق والشرير يتعرض للتجارب والضيقات، فإن الأول تتهلل نفسه داخله وسط الآلام لأنه يتقبل الضيقات من يدي الله لتنقيته وتزكيته. أما الشرير فإنه يئن في داخله، ويجد نفسه كمن سقط في شبكة، وله أن يراجع نفسه فيرجع إلى الرب مخلصه، أو يصمم في غباوة وعناء على شره، فيسقط في مرارة في هذا العالم كما في الدهر الآتي.

v     "الرب يمتحن الصديق، أما الشرير ومحب الظلم فتبغضه نفسه" (مز 5:11)... إنه يزكي صديقيه بامتحانهم، أما الأشرار فيبغضهم. نفسه تمقت الأشرار المحبين للظلم...

إنه ديان للصديقين والأشرار، فيُدان الأشرار لأنهم بحبهم للظلم يمقتون أنفسهم... وكما يقول سليمان في الأمثال: "من يرفض التأديب يرذل نفسه" (أم 32:15). إن كان الذي يحب الظلم يحتقر نفسه، فإن من يحب البرّ يحب نفسه"؛ وهذا يتناغم مع المثل: "من يقتني الحكمة يحب نفسه" (راجع أم 8:19)...

"يمطر على الأشرار فخاخًا" (مز 6:11). بلا شك، لأنه الرب الذي يقيم فخاخًا للخطاة أنفسهم، لكي يصطاد هؤلاء الذين أفسدوا حريتهم ويلزمهم أن يسلكوا الطريق المستقيم تحت لجامه، فيعطيهم إمكانية التقدم بالقائل: "أنا هو الطريق" (يو 6:14)[205].

v     "ما أحلى مساكنك يا رب الجنود!" (مز1:84)، ففيها يتحول سكن الإنسان من الأرض إلى السماء... العقل والقلب المملوءان بالشوق إلى مسكن الرب مثمران وسعيدان! عندما يحل الموت بالخاطي لا يجد فكره مشغولاً بهذا المسكن بل بالعقوبات. إنه لا يتأمل في ملكوت السماوات، بل في رعب لهيب جهنم[206].

v     "الأشرار كالتراب الذي يذريه الريح" (مز 4:1). يقول الكتاب المقدس إن الشرير سيكون بائسًا، فلا يكون حتى كتراب الأرض. فالتراب يبدو كأن ليس له كيان، لكن حتمًا له نوع من الوجود في ذاته... إنه يتبعثر هنا وهناك وليس له موضع واحد بل يجرفه الريح، وليس له قوة للمقاومة. نفس الأمر بالنسبة للشرير. ما أن ينكر الله حتى تجرفه نسمة الشيطان بالضلال ويلقيه أينما أراد[207].

v     بائس هو الإنسان الذي له أقنعة للشر، وسعيد هو الإنسان الذي له أقنعة كثيرة للصلاح[208].

القديس جيروم

زَمْجَرَةُ الأَسَدِ وَصَوْتُ الزَّئِيرِ،

وَأَنْيَابُ الأَشْبَالِ تَكَسَّرَتْ [10].

يشبه الظالمين والمضطهدين القساة بأسودٍ مزمجرة زائرة. خلال العدالة الإلهية يتوقف صوت زئيرهم، فلا يعود صوتهم يرعب في البرية أو الغابات. وأسنانهم تتكسر فيعجزون عن التمزيق، أي ينزع الله عنهم سلاحهم، ولا يعودون بعد قادرين على الافتراس [11] فيموتون جوعًا، ولا يتركون أشبالاً تخلفهم.

ربما أراد أليفاز أن يتهم أيوب بطريقة غير مباشرة، فيعلن له أنه كان كأسدٍ مفترسٍ، ليس في المنطقة من يقف أمام سطوته. كلماته كانت كزئير الأسد المرعب، ينهب ويفترس في ظلم واستبداد. لكن هوذا سطوته قد زالت، وثروته تبددت وأسرته قد ضاعت، ولا يوجد له ابن واحد كشبلٍ يحتل مركزه.

هكذا تحول أليفاز من المدح إلى الذم.

اَللَّيْثُ هَالِكٌ لِعَدَمِ الْفَرِيسَةِ،

وَأَشْبَالُ اللَّبْوَةِ تَبَدَّدَتْ [11].

v     من الأهون على الأسد أن يجبُن عن أن يسلك البار حياة سهلة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     يقارن أليفاز أيوب بأسدٍ بسبب قوته الملوكية، لكنه بحقٍ يضيف: "زمجرة اللبوة" (الترجمة السبعينية)، ملمحًا إلى عظمة فضيلة أيوب. أيضًا أضاف "غطرسة التنانين" إذ أرادت أن تتحدث عن روحه، إذ دعا هذا الوحش (التنين) ملكًا بين الزواحف. على أي الأحوال يقول أليفاز إن هذا كله ينكسر، إنها تطأ على آلام البار...

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

5. تعزيز رأيه برؤيا

ثُمَّ إِلَيَّ تَسَلَّلَتْ كَلِمَةٌ،

فَقَبِلَتْ أُذُنِي مِنْهَا هَمْسًا [12].

يروى هنا أليفاز لأيوب رؤيا شاهدها، يقدمها لإدانته. يرى البعض أن الله قد وهب أليفاز هذه الرؤيا ليهدئ نفسه، عندما سمع عما حلّ بأيوب. وأن هذه الرؤيا شاهدها قبل التقائه بأيوب المُجرب.

قدمت له هذه الرؤيا سرًا ككلمة تسللت إليه، كمن يهمس في أذنيه.

في تواضع اعترف أليفاز أنه قبل نصيبًا قليلاً من السرّ الإلهي ولم يدرك الرؤيا كلها كما ينبغي.

فِي الْهَوَاجِسِ مِنْ رُؤَى اللَّيْلِ،

عِنْدَ وُقُوعِ سُبَاتٍ عَلَى النَّاسِ [13].

في وسط الليل حين هدأ الناس ووقعوا في سبات، أي ناموا، كان أليفاز منشغلاً بما هو وراء ما حدث لأيوب، فأظهر له الله هذه الرؤيا. يدعونا المرتل داود أن نتكلم في قلوبنا مع الله، ونصمت حتى يتكلم الله معنا: "تكلموا في قلوبكم على مضاجعكم، واسكتوا" (مز 4: 4). وكما يقول القديس مار اسحق السرياني: "ليسكت فمك، فيتكلم قلبك، وليسكت قلبك فيتكلم الله".

يليق بنا في الليل أن نذكر الله ونلهج بشريعته فيُعلن لنا أسراره وحكمته. "إذا ذكرتك على فراشي، في السهد ألهج بك" (مز 63: 6).

أَصَابَنِي رُعْبٌ وَرَعْدَةٌ،

فَرَجَفَتْ كُلُّ عِظَامِي [14].

يبدو أنه قبل أن يشاهد الرؤيا شعر برعدة تهز كل عظامه. امتلأ قلبه بمخافة الرب، وأدرك عظمته، وشعر بأنه أصغر من أن يعاتب الله. بهذا تهيأ لقبول الرسالة الإلهية. يحثنا المرتل: "اعبدوا الرب بخوفٍ واهتفوا برعدةً" (مز 2: 11).

فَمَرَّتْ رُوحٌ عَلَى وَجْهِي.

اقْشَعَرَّ شَعْرُ جَسَدِي [15].

مرّ بأليفاز روح، غالبًا ما كان ملاكًا مرسلاً من قبل الله، لخدمة الكلمة. وقد اقشعر شعر جلده، إذ صار السمائيون موضع رعب للإنسان منذ سقوط آدم، يخشى بلوغه رسالة مؤلمة، لا يتوقع أخبارًا طيبة.

في القديم التزم اللاويون أن يحلقوا كل شعر أجسادهم (عد 8: 7) بكونه يمثل أمورًا جسدية لا لزوم لها. هكذا أليفاز إذ يحمل شرًا نحو أيوب، لم يحتمل الروح يمر أمام وجهه، ففقد سلامه واضطرب كل كيانه حتى اقشعر شعر جسمه، علامة كمال اضطرابه حتى بالنسبة لما هو زائد في جسمه.

وَقَفَتْ، وَلَكِنِّي لَمْ أَعْرِفْ مَنْظَرَهَا.

شِبْهٌ قُدَّامَ عَيْنَيَّ [16].

رأى أليفاز الملاك بصورة جلية، جاز به قدامه كما لو كان خيالاً، "شبه قدام عيني"، أو كمن يرى في مرآة، لا يقدر أن يصفه "لم أعرف منظرها".

جاءه الصوت خفيفًا، فإننا لا نسمع صوت الله الهادئ وسط الضجيج. فلم يلتقِ إيليا بالله وسط العاصفة، وإنما خلال الريح الهادئ الخفيف (1 مل 19: 11-13).

حمل أليفاز أفكارًا جسدانية مُرة من نحو أيوب، لذلك إذ عبر به الروح لم يستطع بفكره الجسداني أن يرى الأمور الروحية، إنما رأى ما هو أشبه بخيالات، ولم يقدر أن يميز صوت الروح الذي كان منخفضًا، لم تقدر أذناه على تمييزه. هكذا اعترف أليفاز دون أن يدري أنه فقد سلامه، فصارت رؤى الليل هواجس مزعجة. لم يستطع أن ينام ويستريح بينما كان البشر نائمين في سباتٍ. ارتجفت عظامه، واقشعر شعر جسمه، وارتبك ذهنه بخيالات. هذا ثمر الإنسان الفاسد الذي يحول الحق إلى باطل، ويفتري على إخوته ظلمًا.

سَمِعْتُ صَوْتًا مُنْخَفِضًا:

أَالإِنْسَانُ أَبَرُّ مِنَ اللهِ،

أَمِ الرَّجُلُ أَطْهَرُ مِنْ خَالِقِهِ؟ [17]

جاءت الرسالة لتوبيخ أيوب بسبب تذمره، فهو لا يجسر أن يدعي بأنه أبرّ من الله، ولا أطهر منه.

"ويل لمن يخاصم جابله... هل يقول الطين لجابله: ماذا تصنع؟" (إش 45: 9).

"أبرٌُ أنت يا رب من أن أخاصمك" (إر 1:12).

"لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدامك حيٌ" (مز 2:143).

"ليكن الله صادقًا، وكل إنسان كاذبًا، كما هو مكتوب لكي تتبرر في كلامك وتغلب متى حوكمت" (رو 4:3).

"لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسدٍ لا يتبرر أمامه" (رو 20:3).

v     لكي يكون الإنسان بارًا يلزمه أن يحفظ الناموس في كل شيءٍ، الأمر الذي يكاد يكون مستحيلاً أن تحققه الطبيعة البشرية. فإذ كل إنسانٍ كاذب، لهذا فإنه في ذلك اليوم حين يأتي الرب ليدين البشرية، هو وحده يتبرر فيما يقوله، إذ كلماته حق في كل شيءٍ، هي كلمات الحق[209].

 العلامة أوريجينوس

v     إنني لا أثق في نفسي، بل أطلب المراحم التي للحق والعدل الذي لك. "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك" (مز 2:143). كيف يعلن النبي بكل وضوح ثقته في حنو المسيح، عندما يقول: "لا تستدعِ عبدك للمحاكمة أمامك"[210].

 القديس جيروم

v     إن كان كل إنسانٍ كاذبًا، والله وحده هو حق، ماذا يليق بنا نحن خدام الله وأساقفته أن نفعل سوى أن ننبذ الأخطاء البشرية ونطيع وصايا الرب؟[211]

 الشهيد كبريانوس

هُوَذَا عَبِيدُهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ،

وَإِلَى مَلاَئِكَتِهِ يَنْسِبُ حَمَاقَةً [18].

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم إنه يتحدث هنا عن القوات السمائية، فإن الله لا يأتمنهم بمعنى أن طبيعتهم غير معصومة من الخطأ.

يقول القديس باسيليوس في رسالته إلى أمفيليكوس إن للقوات السمائية حرية الإرادة ويمكن أن يميلوا إلى الخير أو إلى الشر، لذا فهم في حاجة إلى مساعدة الروح.

كما يقول في مقاله الثالث ضد أونوميوس إن السلاطين والرئاسات الخ. لهم القداسة من جهادهم وتأملهم المستمر في الله، وليسوا قديسين من طبيعتهم الذاتية، وإنهم إذ يتوقون إلى الصلاح، ينالون القداسة حسب درجة محبتهم الخالصة لله.

وفي مقاله عن الثالوث يقول إن هؤلاء العلويين يستمدون القداسة من الروح القدس حسب رتبة كلٍ منهم. بهذا يظهر أنهم ليسوا صالحين بالطبيعة، بل بالحرية التي تجتذبهم إلى الصلاح والنعمة.

ما يحفظ الملائكة الآن من السقوط هو أن تأملهم في الله ينمو ويتزايد، والأمر الثاني إدراكهم للتجربة التي حلت بالطغمات الملائكية الساقطة بسبب كبريائهم، هذا مع مقاومتهم المستمرة للملائكة الأشرار يزيدهم شوقًا للصلاح وتذكية أمام الله.

v     تمثل الزنابق جمال الملائكة السمائيين البهي، الذين ألبسهم الله بهاء مجده. إنهم لم يتعبوا ولا غزلوا، إذ تقبلوا من البدء ما هم عليه دائمًا. وإذ في القيامة يصير الناس كالملائكة أراد أن نترجى جمال الثوب السماوي، فنكون كالملائكة في البهاء[212].

القديس هيلاري

v     حقًا يُحسب الناس والملائكة قساة إن قورنوا بك، فأنت وحدك الملك الكلي الحنو... نسألك أن تكون أنت الديان، لأنك تحنو على جميع الأمم![213]

القديس جيروم

v     طبيعة الملاك ناطقة وعاقلة وحرة، قابلة للتغير، أي متحولة الإرادة. فإن كل مخلوق متحٌول، وغير المخلوق وحده لا يتحول. وكل ناطقٍ حرٍّ. بما أن طبيعته ناطقة وعاقلة فهي حرة، وبما أنها مخلوقة فهي متحٌولة (متغيرة)، لها القدرة على البقاء والتقدم في الصلاح، وعلى التحول إلى الشر... والملاك خالد ليس بالطبيعة بل بالنعمة[214].

 الأب يوحنا الدمشقي

يبدو أن العبارات التالية ليست جزءً من الرؤيا، وإنما هو تعليق أليفاز.

حتى الملائكة مع أنها كائنات مقدسة لكنها لا تؤتمن على أسرار الله، بل يكشفها الله لمن يشاء. الله هو الراعي الصالح الذي يتعهد كرمه بنفسه، لا يسلم شئونه بالكامل في أيدي السمائيين أو الأرضيين، مهما بلغت طهارتهم أو قداستهم. فالملائكة أن قورنوا بالله حُسبوا حمقي، وإن قورنوا بحكمته حسبوا جهلاء.

v     ليس من حاجةٍ أن تخبر كيف لما عصى موسى وهرون أمر الله عند ماء المريبة لم يدخلا أرض الموعد (عد13:10)، فإن الطوباوي أيوب يروي أن الملائكة وكل خليقة يمكن أن تخطئ" (أي 18:4- المتكلم اليفاز)[215].

القديس جيروم

فَكَمْ بِالْحَرِيِّ سُكَّانُ بُيُوتٍ مِنْ طِينٍ،

الَّذِينَ أَسَاسُهُمْ فِي التُّرَابِ،

 وَيُسْحَقُونَ مِثْلَ الْعُثِّ؟ [19]

بمقارنة حكمة الملائكة بحكمة الله تُحسب الأولى حماقة، وبمقارنة حياة الإنسان الترابي بحياة الملائكة تحسب الأولى عثًا.

إن كان هذا بالنسبة للملائكة الساكنين في السماء، فماذا يكون الأمر بالنسبة للبشر سكان بيوتٍ من طين؟ لعله يقصد بالبيوت هنا الأجساد التي خُلقت من تراب. الملائكة لا يموتون، بينما البشر يُسحقون مثل العث بين أصابع اليد بسهولة وسرعة. فإن كان الله لا يأتمن ملائكته الساكنين معه في السماء، الأرواح النقية، والخالدين، فهل يأتمن الإنسان الذي يسكن على الأرض، المخلوق من تراب، ويموت لأتفه الأسباب كما يُسحق العث؟

v     إننا نسكن بيوتًا من طين، إذ نحن نوجد في أجسام أرضية. إذ تأمل بولس ذلك حسنًا قال: "ولكن لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية" وأيضًا: "لأننا نعلم أنه إن نُقض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السماوات بناء من بيت الله بيت غير مصنوع بيدٍ" (2 كو 4: 7؛ 5:1).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     واضح أن الله لم يأتمن الأبرار كما تثق أنت في نفسك، إذ يعرف الله طبيعتهم وميل أجسادهم للسقوط. الملائكة الساقطون يدفعون (الله) أن يرفض الثقة، إذ يدرك فيهم فسادهم. لقد نزعهم عن كرامتهم الأصلية ورتبهم، وجعلهم منحطين، لأنهم فكروا بالشر عليه. إن كان الأمر هكذا بالنسبة لأولئك الذين لهم هذه الطبيعة وقد سكنوا في الأعالي بين القوات الفاضلة، إن كان هذا أمر الملائكة الذين بطبيعتهم أسمى منا، فماذا نقول عن الآخرين، عن البشر الذين لا يزالون خطاة؟ طبيعتهم ليست فقط ترابًا، ومساكنهم بين الخلائق مصنوعة من الطين (تك 2: 7) هؤلاء الذين بسهولة يفسدون كخطاة، كثوب يأكله العث (يع 5:2).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

بَيْنَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ يُحَطَّمُونَ،

بِدُونِ مُنْتَبِهٍ إِلَيْهِمْ إِلَى الأَبَدِ يَبِيدُونَ [20].

ليس للإنسان أن يفتخر على الله، ولا يظن أنه صاحب معرفة، فربما بين صباح ومساء قبل عبور اليوم يموت الإنسان ولا يعود بعد يُوجد على الأرض. في كل يوم، بل مع كل دقيقة يموت بشر على وجه الأرض، ومع هذا لا يفكر أحد في موته، ليس من ينتبه إلى هذه الحقيقة ولا من يتعظ في جدية.

v     يُقطع الخاطي من الصباح وإلى المساء، أي من بدء حياته إلى نهايتها يُجرح بارتكابه الخطية... على عكس هذا بحق يحثنا بولس قائلاً: "مفتدين الوقت، لأن الأيام شريرة" (أف 16:5). نفتدي الوقت إن كنا بالدموع نصلح حياتنا الماضية، هذه التي فقدانها بالاستهتار.

 البابا غريغوريوس (الكبير)

أَمَا انْتُزِعَتْ حِبَالُ خِيَامِهِمْ؟

يَمُوتُونَ بِلاَ حِكْمَةٍ [21].

تُنزع عنهم حكمتهم البشرية التي يعتزون بها، فيموتون وتموت معهم حكمتهم وتدابيرهم الحمقاء.

v     يقدم أليفاز اتهامًا ضد كل الخطاة بصفة عامة، ولم يخجل من أن يضع أيوب في عدادهم.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     كأنه يقول: هؤلاء الذين قلت عنهم "بلا فهم يهلكون إلى الأبد"، هؤلاء بالتأكيد يموتون بلا حكمة... إذ ينظر الأشرار إلى المختارين بطريقة منحطة لأنهم سائرون نحو حياة غير منظورة خلال الموت المنظور، لذلك قيل هنا حسنًا: "يموتون بلا حكمة".. ولأن أليفاز قال هذه الأمور الصادقة في معناها وهي ضد الأشرار، إلا أنه حسب الطوباوي أيوب مستحقًا للوم، وتعالى في تشامخٍ بالحكمة.

 البابا غريغوريوس (الكبير)

هذا ما بلغ إليه الإنسان بسبب الخطية، لكن تجسد الكلمة الإلهي وتقديم الخلاص غيّر الموقف تمامًا.

v     لقد نلنا هذا بسبب "الجسد" الذى قدمه الرب، لقد قدم للآب بكر طبيعتنا. وبسبب كرامة المُقدم وكمال قابل التقدمة، وجد الآب "العطية" مقبولة، فاستلمها بيده وضمها لنفسه وقال (للرب المتجسد): "اجلس عن يميني" (مز 10:68).

ألم يرتفع (الناسوت المتحد باللاهوت) إلى فوق السماوات؟!

أليست هذه كرامة بلا قياس؟!

لقد ارتفعت (طبيعتنا في شخص الإله المتجسد) فوق السماوات، وسمت فوق الملائكة. لقد عبرت فوق رؤساء الملائكة والشاروبيم، وحلقت فوق السيرافيم، عالية أكثر من كل القوات السمائية، واستراحت في العرش الإلهي الحقيقي وحده...

إن سلوك جنسنا كان هكذا شريرًا في الماضي، حتى كان الأمر في خطر من أن يباد كل الجنس البشرى عن وجه الأرض. والآن نحن الذى قبلاً حسبنا غير متأهلين للبقاء في الأرض رفعنا إلى السماوات.

نحن الذين كان قبلاً غير مستحقين للمجد الأرضي، نصعد الآن إلى ملكوت السماوات، وندخل السماوات، ونأخذ مكاننا أمام العرش الإلهي.

هذه الطبيعة التي لنا، التي كان الشاروبيم يحرس أبواب الفردوس منها، هوذا اليوم ترتفع فوق الشاروبيم!

كيف يمكننا أن نعبر على حدث عظيم (عيد الصعود) هكذا عبورًا سريعًا؟!

لأنه نحن الذين أسأنا إلى مثل هذه المراحم العظيمة، حتى صرنا غير مستحقين للأرض ذاتها، وسقطنا من كل سلطان وكرامة، بأي استحقاق نرتفع إلى كرامة علوية كهذه؟!

كيف انتهى الصراع؟!

لماذا زال غضب الله؟...

فإن هذا هو بحق عجيب: إن السلام قد حلّ، لا بعمل قام به الذين أثاروا غضب الله... بل الذي غضب علينا بحق هو نفسه يدعونا إلى السلام. إذ يقول الرسول: "إذًا نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا" (2 كو 20:5). وماذا يعنى هذا؟ أنه بالرغم من أننا أسأنا إليه، فإنه هو الذى يسعى إلينا ويدعونا إلى السلام. إنه حقا هكذا، فإذ هو الله، وهو الإله المحب يدعونا إليه[216].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     من يعرف وهن الطبيعة البشرية ينال خبرة قوة الله.

الأب مكسيموس المعترف

v     عندما تسمع أن الجلالة الإلهية أسمى من السماوات، وأن مجدها لا يُعبر عنه، وجمالها لا يُصف، وطبيعتها لا يُقترب منها، لا تيأس من أن ترى ما تشتهيه. إنه في مقدورك، ففي داخلك المستوى الذي به تتمكن من إدراك الإلهيات. فإن الذي خلقك وهبك في نفس الوقت هذا السمو العجيب.

القديس غريغوريوس النيسي

 


 
من وحي أيوب 4

لتمسح كلماتي بمسحة الحب!

v     وضع أصحاب أيوب في قلوبهم أن يحطموه!

ظنوا أمَّر لحظات نكباته فرصة سانحة للهجوم عليه!

لكن ليهجم العالم كله ضده،

ماذا يصيبه، مادمت أنت في جانبه!

ماذا يهينه، مادمت أنت تشهد له!

v     كثيرًا ما أظن في نفسي حكيمًا،

وأحسب كلماتي صادقة.

لكن ما نفع الفهم والحكمة بلا حب؟

لتمسح شفتي بمسحة روحك القدوس،

ولتقم حارسًا على فمي،

فلا أنطق إلا بما يحمله قلبي من فيض حبك!

لأحبك، فأحب خليقتك،

وعوض النقد اللاذع أملأ كل نفسٍ بالرجاء فيك!

v     رأى أليفاز في أيوب البار إنسانًا مرائيًا،

ما حلّ عليه من نكبات لا تٌحتمل،

هي ثمرة طبيعية لخطاياه الخفية.

حسب أيوب حكيمًا في أعين الناس،

يعلم الآخرين ويرشدهم،

ويراه عاجزًا عن إرشاد نفسه.

يراه إنسانًا غير قادرٍ على تنفيذ ما يوصى به!

v     هب لي عينين مقدستين،

فلا أنظر بعيني أليفاز المملوء حقدًا،

والمتربص لأخيه البار،

كي يقدم ضده اتهامات باطلة!

v     هب لي عينين مترفقتين بإخوتي،

يصرخ قلبي في داخلي:

من يضعف وأنا لا أضعف؟

من يعثر وأنا لا ألتهب؟

v     في أبوة حانية لم يعرف أيوب السلطة،

ولم يكن الآمر الناهي لمن هم تحت سلطانه،

بل في أبوة حانية أرشد الكثيرين.

لم يكن ما يشغله كل أيام حياته،

سوى خلاص كل نفسٍ حتى أفراد أسرته!

كان سندًا للضعفاء،

يشدد أياديهم المرتخية،

ويرفعهم من السقوط،

ويثبت الرُكب المرتعشة!

حمل صورتك يا محب البشر!

وأبى أن يعمل إلا حسب مسرتك الإلهية!

v     أحاطت به التجارب لكي تبتلعه،

وتوالت الكوارث المفاجئة بلا رحمة،

وبدأ أيوب كمن فقد كل شيءٍ حتى صحته!

لكنه كإنسان صرخ إليك في أنات مرة،

أما قلبه فلم ينحرف،

وشفتاه لم تنطقا بكلمة تجديف.

حسب أنه لم يفقد شيئًا،

لأنك أنت كنزه، ومصدر صلاحه وخيراته!

لم يفقد شيئًا، لأنه اقتناك!

v     وجد أليفاز فرصته،

فاستعرض حكمته وفهمه اللاهوتي.

قال: ليس من بارٍ يحل به ما حلٌ بأيوب،

ولا بمستقيمٍ يهلك كهلاكه!

إنما هذه شهادة إلهية لشر أيوب الخفي!

وإذ لم يحل بأحد في التاريخ كله ما حلٌَ به،

فهو أشر الأشرار،

ورئيس كل الخطاة والمرائين.

تطلع إلى أيوب كأسدٍ كان يجول زائرًا يرعب ويهدد،

وها هو الآن يموت جوعًا، ليس لديه فريسة.

فقد كل بنيه، لم يعد له شبل!

صار الأسد سخرية الأطفال وألعوبة لا حول لها!

v     رأى أليفاز رؤيا سماوية،

وعوض أن يرتدع ارتجف وخاف،

وعاد يؤكد ان أيوب ليس أبرّ من الملائكة،

فإن الله ينسب لملائكته حماقة!

من هو أيوب التراب والرماد ليبرر نفسه أمام الله!

هوذا قد نُزعت خيمته،

وصار موته عارًا وخزيًا أمام الكل!

v     في طول أناة ترك الله أليفاز وأصحابه يسخرون،

وبحكمته السماوية سمح لأيوب أن يُهان منهم.

لكن هوذا الإهانة تصير له رصيد مجد أرضي وسماوي.

وكل اتهام ضده يتحول إلى إكليلٍ أبديٍ!

ليتهم الأشرار أولاد الله ظلمًا،

لكن لن يسمح لعصاهم أن تستقر على صديقيه!

v     حقًا لن يتبرر كائن ما أمامك!

أنت وحدك القدوس!

أمام نور بهائك، تختفي كل الأنوار!

أمام بٌَرك، لن تتبرر خليقة ما!

v     إن كنت وأنت الديان،

أتيت لتخلص لا لتدين،

فكيف أجسر وأدين أخي؟

كيف أسلبك عرشك يا فاحص القلوب؟

هب لي مع الحكمة حبًا،

ومع شوقي لخلاص الجميع قلبًا مترفقًا!

<<


 
الأصحاح الخامس

كيف يمكنك أن تطَوَّب؟

بعد أن دعَّم أليفاز حجته بخبرته الشخصية وبرؤيا إلهية سماوية، الآن في هذا الأصحاح يقدم القديسين كشهودٍ أمناءٍ لحق الله. وفي تلميحٍ يوضح لأيوب أنه ليس من جماعة القديسين. كما يوضح الحقائق التالية:

v     أن الذين يتهمون الله هم جهلاء (مز ١٤: ١).

v     يبدو الأغبياء كأنهم في رخاءٍ ولكن إلى حين، وفجأة تتبدد ممتلكاتهم، إذ أن الله يلعنهم.

v     لا ينمو الألم مثل الورود، لكن البشر يجلبونه لأنفسهم خلال غباوتهم الشريرة، وتظهر من فوق كالبرق.

بلا شك نطق أصدقاء أيوب ببعض الحقائق الصادقة، وأيوب البار نطق أيضًا ببعض الحقائق الصادقة وأحيانًا بعبارات لا تمثل الحق. هذا إن درسنا كلماتهم منفصلة عن الأحداث، وبعيدًا عن النيات التي في قلوبهم وأفكارهم.

أخيرًا يقول أليفاز لأيوب: لو كنت في موضعك، لرجعت إلى الله، الذي يسحق الأشرار ويبارك المساكين والأبرار. فإنه هو وحده يصلح أمرك، ويهبك كل بركة مادية تشتهيها [١٧-٢٧].

1. القديسون شهود على حكمة الله            1.

2. الخطية تقتل الأغبياء                       2-5.

3. الإنسان مولود للمشقة                     6-7.

4. الله ملجأ المتضايقين                        8-16.

1. القديسون شهود على حكمة الله

اُدْعُ الآنَ، فَهَلْ لَكَ مِنْ مُجِيبٍ؟

وَإِلَى أَيِّ الْقِدِّيسِينَ تَلْتَفِتُ؟ [1]

كان أليفاز واثقًا جدًا من موقفه، لذا وضع أمام أيوب أن يختار المُحَكِمين. يقول له: "أدع الآن، فهل لك من مجيب؟" بمعنى فلتفتش بنفسك في كل العالم، هل يوجد من بلغت به الكوارث مثلك؟

هل من قديسٍ في وسط كل البشرية لحق به ما لحق بك؟ لم يتعامل الله مع أي قديس بهذه الصورة، فحتمًا أنت لست منهم.

هل يوجد بين القديسين من سب يوم ميلاده كما فعلت؟

هل ثار قديس ما ثورتك، وتسرع في الحكم هكذا؟

"إلى أي القديسين تلتفت؟" أنهم جميعًا يوافقونني على رأيي. كلهم يقفون في صفي، ويؤيدون ما أقوله.

نطق أليفاز بهذه العبارات، حاسبًا أن أيوب مستحق للوم. لقد انتفخ بكبرياء الحكمة.

v     "وإلى أي القديسين تلتفت". إنه ينطق بهذا في سخرية: إنك لا تقدر أن تقتني القديسين لمساندتك في ضيقتك، هؤلاء الذين لم ترد أن يكونوا في صحبتك وأنت في وسعك.

 البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "أدعُ الآن، فهل لك من مجيب؟ وأي الملائكة القديسين تنظر؟" (LXX) كأن أليفاز يقول: إنك تلهو بنفسك عندما تظن أن الله شاهد معك، وأنت عاجز عن التمتع بزيارة ملاك لك في صلواتك. لقد التقيت بمحتالٍ خدعك، وأقنعك أنه مُرسل من الله. جعلك تعتقد بهذا، لكن من الواضح أن الله لم يقدم شهادة بذلك لك.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

أما عن فاعلية صلوات القديسين، فقد جاء في سفر الأعمال أن ملاكًا ظهر في رؤيا للقديس بولس، وقال له: "لا تخف يا بولس ينبغي لك أن تقف أمام قيصر، وهوذا قد وهبك الله جميع المسافرين معك" (أع 27: 24).

v     إن كان هنا وُجدت سفينة في خطر تعاني من الغرق وقد خلص المساجين من أجل بولس (أع 27: 24)، تأملوا ماذا يكون الأمر بالنسبة للشخص القديس في بيته، فإنه كثيرة هي التجارب التي تهاجمنا، تجارب أكثر خطورة من تجارب الطبيعة، لكن الله قادر أن يهبنا أن نخلص إن كنا فقط نطيع القديسين كما فعل الذين في السفينة، إن كنا نتمم ما يأمروننا به. فإنهم ليس فقط خلصوا، وإنما ساهموا في إيمان آخرين.

بينما كان القديس في قيود صنع أعمالاً أعظم ممن هم في حرية.

 انظروا فإن الحال هنا هو هكذا: كان قائد المائة الحر في حاجة إلى سجينه المقيد، كان ربان السفينة الماهر في عوزٍ إلى من لم يكن ربانًا، بل بالحري كان هو الربان الحقيقي. فإنه قاد كربان سفينة ليست من هذا النوع (أرضية) بل كنيسة العالم كله، متعلمًا من ذاك الذي هو رب البحر أيضًا. قادها لا بفنٍ بشريٍ، بل بحكمة الروح. في هذه السفينة يوجد تحطيم كثير للسفن، أمواج كثيرة، أرواح شر "من خارج خصومات، من داخل مخاوف" (2 كو 7: 5)؛ فكان هو الربان الحقيقي[217].

v     لتحث أولئك الذين لهم حديث ودي مع الله ليقدموا صلوات أكثر، بأكثر مثابرة لكي تهدأ العاصفة التي تحطم العالم كله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     العالم مستمر في الوجود فقط من أجل الصلوات المقدمة من المسيحيين.

أريستيدس من أثينا

v     صلواتنا عامة وعلنية؛ حينما نصلي لا نصلي من أجل شخصٍ واحدٍ، بل من أجل كل الشعب، لأننا نحن جميعنا الشعب كله هو واحد.

v     ليته لا تتوقف الصلوات من أجل الإخوة والأخوات في حضرة مراحم الآب.

الشهيد كبريانوس

2. الخطية تقتل الأغبياء

لأَنَّ الْغَيْظَ يَقْتُلُ الْغَبِيَّ،

وَالْغَيْرَةَ تُمِيتُ الأَحْمَقَ [2].

يُحسب الخطاة أغبياء، إذ لا يقبلون حكمة الله. هؤلاء يقتلهم الغضب، وتُفسد الغيرة عظامهم. لعل أليفاز يقصد بهذا أن ما يحل بأيوب إنما ثمر طبيعي لغباوته، ناسبًا له الحماقة والغباوة.

يقول بأن المحتال خدعه فأثار فيه الغضب، وأنه سخر به ليقتل أيوب نفسه. وفي هذا يود أن يبرر نفسه لكن قد ظهرت غباوته.

v     "الغضب يقتل الغبي، والحسد يميت الطفل" (راجع أي 2:5). يلزم ملاحظة أن الذي يغضب هو غبي، والذي يحسد يُحسب طفلاً. لأن الأول ليس بدون مبررٍ يعلن عن أنه غبي، إذ يجلب الموت على نفسه بإرادته، ويترك نفسه تُثار بالغضب. والأخير يبرهن بحسده على أنه طفل غير ناضج، لأنه حين يكون حاسدًا يشهد بأن من كان في وسعٍ يعذبه وهو أعظم منه[218].

 القديس يوحنا كاسيان

v     لا يوجد شيء يفوق الحب، وبالتالي لا يوجد شيء أدنى من الغضب. يلزمنا ألا نهتم بشيء مهما بدا نافعًا وضروريًا حتى نتجنب الغضب الذي يسبب اضطرابًا، ولا نرتبك بالأمور حتى التي نحسبها ليست كمالية حتى نحفظ هدوء الحب والسلام بغير نقصٍ، لأنه يلزمنا أن ندرك أن لا شيء مهلك مثل الغضب والتكدر، وليس شيء مفيدًا مثل الحب[219].

الأب يوسف

v     ليس شيء أكثر خطورة من الحنق، ولا أقسى من الغضب!

v     يوجد سُكر بالغضب أكثر خطورة من السُكر بالخمر![220]

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

v     لنتأمل في مدى خطورة خطية الغضب (الغيظ)، التي بها ننفصل عن الحنو، وتفسد التشبه بصورة العلي.

بالغضب تُطرد الحكمة، فنبقى في جهالة في كل ما نفعل، وما نلتزم بعمله، كما هو مكتوب: "الغضب يستقر في حضن الجهال" (جا 7: 9). فبانسحاب نور الفهم يُفسد الهياج الذهن.

بالغضب تضيع الحياة، حتى الحكمة تبدو محتجزة. كما هو مكتوب: "الغضب يحطم الحكماء" (أم 1:15)...

بالغضب يبطل البٌر، كما هو مكتوب: "غضـب الإنسان لا يصنع بٌر الله" (يع 20:1)...

من لا يضبط مشاعره بالتعقل اللائق بالإنسان يلزمه أن يعيش في عزلة كحيوانٍ.

بالغضب يفسد الانسجام، كما هو مكتوب: "الرجل الغضوب يهيج الخصومة، وبطيء الغضب يسكن الخصام" (أم 15:18)...

بالغضب يُفقد نور الحق. كما هو مكتوب: "لا تغرب الشمس على غيظكم" (أف 26:4). لأن الغضب يجلب ظلمة التشويش. يخفي الله عنه أشعة معرفة نفسه. بالغضب يُغلق على بهاء الروح القدس. من الجانب الآخر كُتب حسب ترجمة قديمة: "على من يستقر روحي، إلا على من هو متواضع ومسالم والمرتعب من كلامي" (إش 2:66).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     إن كان الشخص يغضب بكونه إنسانًا، فإنه يضع حدًا للغضب بكونه مسيحيًا.

القديس إيرونيموس

v     من كان غضوبًا فهو خالٍ من طول الأناة والمحبة، يقلق سريعًا من الأقوال التافهة، ويثير الخصام لأمر يسير حقير، وحيثما لا يكون له مكان يطرح نفسه... فمن لا ينوح على مثل هذا؟ فهو مرذول عند الله والناس.

مار أفرام السرياني

v     يُسمى الروح القدس سلام الروح، ويُدعي الغضب قلق النفس، فلذا يجب أن نستنتج أن لا شيء يُبعد عنا حضور (عمل) الروح مثل الغضب.

القديس يوحنا الدرجي

ليس بالأمر العجيب أن يتهم أليفاز أيوب بالغيرة أو الحسد وهما خطيتا أليفاز، إذ يُسقط أخطاءه عليه قائلاً: "وَالْغَيْرَةَ تُمِيتُ الأَحْمَق" [2].

v     لا يعتبر الحسود الكوارث التي تحل به محنة، بل المحنة بالنسبة له هي الخير الذي يحل على غيره، وبالعكس النجاح ليس هو أن يكون سعيدًا، بل أن تحل المحن بغيره. يحزن الحاسد لرؤية الأعمال الطيبة للناس، ويُسر بالكوارث التي تحل بهم. ويقال إن الجوارح التي تلتهم الجثث الميتة تقضي عليها الرائحة الطيبة (العطر)، فإن طبيعتها تتفق مع ما هو شرير وفاسد. وأي شخص يقع تحت سيطرة هذا المرض (الحسد) تقضي عليه سعادة أقربائه وجيرانه، ولكنه إذا رأى تجربة شريرة يطير إليها ويضع منقاره المعوج فيها ويخرج الكوارث المخفية[221].

القديس غريغوريوس النيسي

v     قبل كل شيء يليق بالإنسان الذي وُضع عليه النير أن يكون ثابتًا في إيمانه... ليطرد عنه الحسد والغضب، وينزع الشفاه المخادعة[222].

القديس أفراهاط الحكيم الفارسي

v     يكون الضرر تافهًا والخطر بسيطًا عندما تُجرح الأطراف بسيفٍ، فيكون الشفاء هيّنًا مادام الجرح واضحًا ويُستخدم الدواء. فالقرحة التي تُرى يُمكن علاجها بسهولة. أما جراحات الحاسدين فهي خفيّة وسرّية، ولا تقبل علاجًا لشفائها، فتغلق على نفسها آلامًا مخفية داخل مكامن الضمير.

v     مثل هؤلاء لا يهنأون بطعامٍ أو يتمتعون بشرابٍ.إنهم على الدوام يتأوّهون ويتنهّدون ويحزنون، فطالما لا يُطرد الحسد تتمزق قلوبهم نهارًا وليلاً بلا انقطاع.

كل الشرور لها حدود، وكل خطأ ينتهي بارتكاب الجريمة. فالزاني تنتهي معصيته عند حد ارتكاب التعدّي، واللص تقف جريمته عندما يقتل، والسالب يضع حدًا لجشعه، والمخادع يضع نهاية لغشّه، أما الحسد فليست له حدود.

إنه شر يعمل على الدوام، وخطية ليس لها نهاية.

الشهيد كبريانوس

v     "الحسد يميت الضعيف (الأقل little one)" (راجع أي 5: 2). يستحيل علينا أن نحسد إلا من نظن أنهم أفضل منا في جانبٍ معينٍ. لذلك قيل "الأقل" يقتله الحسد. فإن الحاسد يحمل شهادة ضد نفسه أنه أقل من غيره، حيث يعذبه الحسد منه...

هكذا كان قايين الذي انحدر ليقتل أخاه، فقد جُن حين رُفضت تقدمته، من ذاك الذي قبل الله تقدمته وفُضل عنه (تك 4)...

وهكذا التهب عيسو باضطهاد أخيه، لأنه فقد بركة الباكورية، إذ حرم منها من أجل طبخة عدس (خضار) (تك 27: 38؛ 29:25)...

وهكذا باع الاخوة يوسف للإسماعيليين العابرين، إذ أُخفي عنهم سٌر الإعلان، فوضعوا أنفسهم في موقف المقاومة لتقدمه، فلا يكون رئيسًا عليهم (تك 5:37-11).

وهكذا اضطهد شاول خادمه داود بأن رماه برمحٍ، إذ خشي أن يبلغ الرجل إلى قامة أعظم منه، إذ أدرك بلوغه النمو اليومي في الفضيلة (1 صم 10:18-11).

فمن يقتله الحسد إنما هو الضعيف(الأقل)، فإنه لو لم يشعر بأنه الأقل لما حزن على صلاح الآخرين. إذ يُفسد الحسد الذهن يقتل كل ما يجده صالحًا. قال سليمان: "حياة الجسد هدوء (سلام) القلب، ونخر العظام الحسد" (أم 30:14)...

فمن اشتاق أن يكون كاملاً وصحيحًا فليتجنب سم الحسد، ويركز عواطفه على الميراث الذي لا يقل بكثرة الوارثين، هذا الذي هو ميراث واحد للكل، وكامل بالنسبة لكل أحدٍ. والذي يظهر ميراثًا أعظم كلما زاد عدد الذين يمنحونه... فحينما لا يشتاق الشخص إلى الأمور الرديئة لا يوجد شيء يقف أمام الحب.

 البابا غريغوريوس (الكبير)

إِنِّي رَأَيْتُ الْغَبِيَّ يَتَأَصَّلُ،

وَبَغْتَةً لَعَنْتُ مَرْبِضَهُ [3].

يرى أليفاز أن أيوب سبق فتأصل ونجح، لكن إذ هو غبي لم يدم حاله. وها هو يلعن مربضه. وكأن أليفاز يقدم اتهامًا جديدًا ضد أيوب، فبجانب اتهامه بالرياء، وأنه يخفي وراء أعماله التي تبدو صالحة شرورًا خفية لا يعلمها غير الله، لهذا حلت به كوارث لم يُسمع عنها في تاريخ البشرية، فإنه كان غبيًا يجري وراء الغنى ومحبة العالم. اتهام أبعد ما يكون عن حياة هذا البار!

ربما لا يعني هذا أن أليفاز اشتهي دمار أيوب، وإنما إذ اكتشف – حسب فكره - أن ما حل به هو من قبيل غضب الله عليه بكونه شريرًا، أدرك أن هذا من قبيل عدل الله أن يسقط أيوب تحت اللعنة، ليستأصله من هذا العالم وكل غناه، لأن قلبه ارتبط به.

يحذرنا الكتاب من محبة العالم والتعلق به. "لا تحبوا العالم، ولا الأشياء التي في العالم. إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الآب، لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم" (1 يو 2: 15-16). "أيها الزناة والزواني، أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله، فمن أراد ان يكون محبًا للعالم فقد صار عدوا لله" (يع 4: 4).

v     يتأصل الغبي في الأرض ويتمسك بها، إذ هو متمسك بحب الأرض بكل شهوة قلبه. إنه يتشامخ بتأصله، عندما يتشبث في هذا العالم بالخيرات الزمنية، حتى ينال ما يرغبه، ولا يخضع لسلطانٍ، ويسود على الضعفاء دون مقاومة، ويقاوم الذين يمارسون السلطة حسنًا، ويبلغ ظروفًا أفضل بوسائل شريرة، حتى أنه بتركه الحياة الحقيقية، يعيش هذا الزمن في أكثر سعادة.

لكن إذ يرى الضعفاء أن الأشرار يزدهرون، يصيرون في ذعرٍ ويضطربون داخليًا، بما للخطاة من وسعٍ، وتترنح خطوات ذهنهم.

بنفس الطريقة أعلن المرتل: "أما أنا فكادت تُزل قدماي، لولا قليل لزلقت خطواتي، لأني غرت من المتكبرين، إذ رأيت سلامة الأشرار" (مز 2:73-3).

ولكن عندما يرى الأقوياء مجدهم للحال يثبتون أذهانهم على العقوبة (التأديب) الذي يتبعه المجد. وبفكر داخلي عميق للقلب يزدرون بالأمور التي تبتلع المتكبرين من الخارج بازدياد الغرور الباطل. حسنًا قيل: "رأيت الغبي يتأصل، وبغتة لعنت جماله". فإن لعن جمال الغبي هو إدانة مجده بحكم مدروس، فإنه قدر ما يغرق في العذابات يتعالى بالأكثر في الخطية. فإن تشامخه مؤقت، لكن عقوبته دائمة.

من يبدأ طريقه بالكرامة ينتهي بالدينونة. على كل حالٍ كلما أوجد الشرير له طريقًا في هذا العالم سحب عددًا أكثر إلى الدمار، لذلك بحق قيل: "بنوه بعيدون عن الأمن". فإن أبناء الغبي هم الذين يقتدون به، يولدون في طموح هذا العالم. إنهم بعيدون عن الأمن، خاصة بالنسبة لممارستهم الشر إن قورن بتحررهم من الضعف.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     تريد الآن أن ترث الأرض، حذار من أن ترثك الأرض.

إن كنت وديعًا ورثتها، أو قاسيًا ورثَتكََ...

سوف ترث الأرض حقًا متّى تمسكت بصانع السماء والأرض!

القدّيس أغسطينوس

v     من ذاق حلاوة ثمار شجرة الحياة، ويريد أن يجري نحو ثمار (محبة) العالم النتنة؟[223]

v     كما أن النار لا تثبت في الماء، هكذا معرفة الله لا تثبت في القلب المشتبك بشهوات العالم[224].

v     ليس من رذل العالم بالكمال، إلا ذاك الذي تتقد فيه نارك دائمًا يا رب[225].

القديس يوحنا سابا

v     النفس التي أوشكت أن تقبل الكلمة اللوغوس، يجدر بها أن تموت عن العالم (غل14:6) وتُدفن في المسيح (رو 4:6، كو 12:2)، فلا تجد إلا المسيحَ، فهذا هو الاستقبال اللائق الذي يطلبه منها لنفسه[226].

القديس أمبروسيوس

بَنُوهُ بَعِيدُونَ عَنِ الأَمْنِ،

وَقَدْ تَحَطَّمُوا فِي الْبَابِ، وَلاَ مُنْقِذَ [4].

ربما كان الباب مرتفعًا فسقط على بني أيوب ومن في الوليمة يحسبون أنهم في سلام وأمانٍ. سقط بثقله فسحقهم تحته، ولم يوجد من ينقذ. فشر أيوب – في رأي أليفاز - قد حلّ على بنيه وأهلكهم.

v     هذا معناه: لماذا أنت مرتعب من موت أولادك؟ فإن أبناء الأغبياء لا يهلكون بسبب عدم الخلاص، وإنما يحزنون وهم في الحياة... وليس من أحدٍ ينقذهم، إذ بعدلٍ جازاهم الله. أيضًا ربحهم الذي نالوه ظلمًا يأخذه منهم الأبرار، مادام لا يوجد من يخلصهم من الشر، وتضيع قوتهم كلها في الملذات وتنفد، تهلك بأمر الله.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

من هم الذين يظنون أنهم في أمان، قائمون داخل بيت به باب مغلق، ليس من يقدر أن يقتحمه ليؤذيهم؟ في نظر أليفاز أولاد وبنات أيوب الذين - في رأيه – هم أشرار ومراءون كأبيهم، وها هم يظنون أنهم سعداء في الوليمة، لا يتوقعون ضررًا يتسلل إليهم. إنهم في أمان، داخل الباب، وتحت حراسة خدمهم وعبيدهم! لكنهم ليسوا في أمان، بل الباب الذي هو مصدر أمانهم يسقط عليهم فيُهلكهم.

لقد حمل هذا القول نبوة عن السيد المسيح القائل: "أنا هو الباب، إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى" (يو 9:10). هذا الباب آمن به الأمم فدخلوا إلى الإيمان، وخرجوا إلى الحياة السماوية، فوجدوا مرعى إلهيًا. صار هذا الباب عينه عثرة لمن ظنوا أنهم في أمان، حيث تمسكوا بحرف الناموس، وظنوا أنهم دون غيرهم داخل الأبواب الإلهية.

لقد رفضوا الإيمان بالسيد المسيح، فصار الباب - مدخل المؤمنين - عثرة لهم، إذ يقول: "لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية، وأما الآن فليس لهم عذر في خطيتهم" (يو 22:15)

v     ليتنا لا نرتبك أيها الإخوة في فهمه، إذ يحمل تشبيهات بكونه هو الباب وأيضًا البواب. لأنه ما هو الباب؟ طريق الدخول. من هو البواب؟ ذاك الذي يفتح الباب. إذن من هو ذاك الذي يفتحه إلاَّ هو نفسه حيث يكشف عن ذاته ليُرى؟[227]

v     هذه الخطية العظمى هي عدم إيمانهم بالمسيح الذي جاء خصيصًا لكي يجدد إيمانهم. لو لم يأتِ لتحرروا من هذه الخطية.

بمجيئه صارت حياة غير المؤمنين بالأكثر محفوفة بالدمار كما صارت لخلاص الذين يؤمنون. فإنه هو رأس الرسل ورئيسهم، صار كما أعلنوا: "للبعض رائحة حياة لحياة، وللبعض رائحة موت لموت" (٢ كو ٢: ١٦)[228].

القديس أغسطينوس

v     "وقد تحطموا في الباب..." كما أن مدخل المدينة يُدعى بابًا، هكذا في يوم الدينونة هو باب الملكوت، حيث يدخل منه كل المختارين إلى مجد مدينتهم السماوية... "ولا منقذ لهم" [4]. فإن الحق يخلص من الويل الأبدي هؤلاء الذين في حالتهم المؤقتة قد تضايقوا بالتأديب. من يرفض الضيق يُترك في ذلك الحين دون وجود وسائل للخلاص. فبالنسبة له (للمخلص) لم يهتموا أن يقبلوه أبًا لهم يدربهم، لذلك فإن الأشرار في وقت محنتهم لن يجدوه منقذًا لهم يعينهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     الآن فلنتأمل ما تقوله الأناجيل في ضوء الوعود بالخيرات. ولابد لنا من القول: إن الخيرات التي يعلن عنها الرسل في هذه الأناجيل هي ببساطة "يسوع".

أحد الخيرات التي يعلنون عنها هي القيامة. ولكن القيامة، على وجه ما، هي يسوع، فهو القائل: "أنا هو القيامة"...

كما يقول إشعياء: "ما أجمل على الجبال أقدام المبشرين بالخير" (إش 7:52). إنه يرى كم هو جميل وملائم إعلان الرسل الذين قد ساروا (في المسيح)، وهو القائل: "أنا هو الطريق". يمتدح أقدام السائرين في الطريق المفكرين في يسوع المسيح، ويذهبون من خلال هذا الباب إلى الله (الآب).

إنهم يعلنون عن الخيرات، عن الأقدام الجميلة، أي يسوع[229].

العلامة أوريجينوس

الَّذِينَ يَأْكُلُ الْجَوْعَانُ حَصِيدَهُمْ،

وَيَأْخُذُهُ حَتَّى مِنَ الشَّوْكِ،

وَيَشْتَفُّ الظَّمْآنُ ثَرْوَتَهُمْ [5].

صارت ثروة أيوب وبنيه نهبًا للسبائيين والكلدانيين. فقد اخترقوا الحواجز المصنوعة من الشوك، وسلبوا الثروة.

ربما يشير هنا إلي اللص الذي يسرق كل المحصول حتى المختلط بالأشواك، أو إلي العادة التي أشار إليها دكتور طومسون Thomson في شرحه لهذه العبارة حيث يقول إن الفلاحين بعد دراسة الحبوب غالبًا ما يضعونها بجوار القش في مكان خاص، ويغطونها بشجيرات كثيفة مملوءة أشواكًا حتى لا تقترب إليها الحيوانات ويأكلوها، وإذ يريد اللصوص سرقة الحبوب يلتزمون بإزالة هذه الشجيرات المملوءة أشواكًا أولاً[230].

جاء في الترجمة اليسوعية (دار الشرق ببيروت): "يأكل الجائع حصيده، خطفًا من بين الأشواك، ويبتلع العطشى ثروته". فمن لا يفتح قلبه بالحب الداخلي الحقيقي للجائعين والعطشى والمحتاجين، يصير نهبًا للغير. يقتحم الجائع مخازنه، ويُسلب الحصاد من بين الأشواك، ويعطش كثيرون إلى ثروته، فيحسبون من حقهم أن يبتلعوا كل ما له ولا يتركون له شيئًا.

هكذا يتطلع أليفاز إلى أيوب وأولاده أنهم لم يكونوا أسخياء في الحب، إنما من أجل المظهر والمجد الباطل يعطون بسخاء، أما قلوبهم فكانت جافة وقاسية، فاستحقوا نهب ممتلكاتهم من الجائعين والعطشى.

في مرارة صرخ طوبيت إلى الرب، قائلاً: "لأننا أخطأنا إليك، ولم نطع وصياك، فأسلمتنا إلى النهب والجلاء والموت، وأصبحنا أحدوثة وأضحوكة وعارًا في جميع الأمم التي بددتنا بينها" (طو 4:3). ويقول المرتل: "تُرجعنا إلى الوراء عن العدو، ومبغضونا نهبوا لأنفسهم. جعلتنا كالضأن أكلاً، ذرَّيتنا بين الأمم، بعت شعبك بغير مالٍ وما ربحت بثمنهم... (مز 10:44-14). ويقول الرب: "ثروتك وخزائنك أدفعها للنهب، لا بثمنٍ، بل بكل خطاياك وفي كل تخومك" (إر 13:15 - راجع إر 3:17، 6:30، 37:50، حز 21:7، 46:23، إش 13:10).

v     "ثروتك وخزائنك أدفعها للنهب، لا بثمنٍ، بل بكل خطاياك" (إر 15: 13). ما هي ثروات الخطاة التي يدفعها الله للنهب في مقابل كل خطاياهم؟ هل الثروات التي يجمعونها على الأرض؟ كل إنسانٍ في الواقع يكنز لنفسه، إما على الأرض إن كان إنسانًا شريرًا، أو في السماء إذا كان إنسانًا صالحًا، كما يخبرنا الإنجيل (مت 19:6-20). هل يقول لهذا الشعب: إنه بسبب خطاياكِ أدفع خزائنك وثرواتك للنهب، قاصدًا بتلك الثروات الأنبياء مثل إرميا وإشعياء وموسى؟! لقد نزع الله هذه الكنوز عن هذا الشعب، وقال من خلال السيد المسيح: "إن ملكوت الله ُينزع منكم، ويُعطى لأمة تعمل أثماره" (مت 43:21). هذه الأمة هي نحن، فقد دفع الله ثروات هذا الشعب (الأنبياء) إلينا.

هم أُستؤمنوا على أقوال الله أولاً (رو 2:3)، ثم أُستؤمنا نحن من بعدهم على هذه الأقوال؛ فقد نُزعت منهم وأُعطيت لنا. كذلك يمكننا أن نقول إن عبارة: "ملكوت الله يُنزع منكم وُيعطى لأمة تعمل أثماره" التي قالها المخلص تحققت فيه. ليس أن الكتاب المقدس نُزِع منهم، بل أنهم حاليًا لا يملكون الناموس ولا الأنبياء، لأنهم لا يفهمون ولا يُدركون المكتوب فيه. توجد عندهم الأسفار، لذلك فإن ملكوت الله الذي يُنزع عنهم هو "معنى الأسفار المقدسة". إنهم لا يهتمون بمعرفة أي شرح للناموس والأنبياء، لكنهم يقرأونه دون فهم. وبمجيء السيد الرب تحققت بالفعل النبوة التالية: "فقال: اذهب وقل لهذا الشعب اسمعوا سمعًا ولا تفهموا، وأبصروا إبصارًا ولا تعرفوا. غلظ قلب هذا الشعب" (إش 9:6-10؛ مت 14:13-15). كما تحققت أيضًا نبوة إشعياء: "فإنه هوذا السيد رب الجنود ينزع من أورشليم ومن يهوذا السند والركن، كل سند خبز وكل سند ماء. الجبار ورجل الحرب، القاضي والنبي، والعراف والشيخ، رئيس الخمسين والمعتبر والمشير والماهر بين الصناع والحاذق بالرقية" (إش1:3-3). كل هذا قد نزعه الله منهم، ودفعه لنا نحن الذين جئنا من الأمم...

 يقول: "لا بثمنٍ بل بكل خطاياكِ وفي كل تخومكِ"، كأنه يقول لهذا الشعب: إن خزائنك وثروتك أدفعها للنهب بسبب خطاياكِ التي ملأت كل تخومك، لأنه لا يوجد مكان عند هذا الشعب لم يمتلئ بالخطية. كيف لا تمتلئ كل تخومهم بالخطايا وهم الذين قتلوا الحق، بما أن السيد المسيح هو الحق، وقتلوا الحكمة، بما أن السيد المسيح هو الحكمة، وقتلوا العدل، بما أن السيد المسيح هو العدل؟ بحكمهم على ابن الله بالموت فقدوا كل ذلك الحق والحكمة والعدل. وحينما قام رب المجد يسوع من بين الأموات لم يظهر أبدًا للذين قتلوه... إنما ظهر فقط للذين آمنوا به، ظهر لهم وحدهم حين قام من الأموات.

"وأُعبِّرُك مع أعدائك (وأخضعك للعبودية في وسط أعدائك) في أرض لم تعرفها، لأن نارًا قد اشتعلت بغضبي تُوقد عليكم". لقد أُخضع هذا الشعب بالفعل للعبودية في وسط أعدائه وفي أرض لم يعرفها. وبعد كلام التهديد هذا الموجه للشعب، يواصل إرميا أو السيد المسيح صلاته ويضيف إلى أقواله السابقة هذه الكلمات: "أنت يا رب عرفت. أذكرني وتعهدني وانتقم لي من مضطهديَّ. بطول أناتك لا تأخذني" أو "لا تكن طويل الأناة عليهم" (LXX)[231].

العلامة أوريجينوس

3. الإنسان مولود للمشقة

إِنَّ الْبَلِيَّةَ لاَ تَخْرُجُ مِنَ التُّرَابِ،

وَالشَّقَاوَةَ لاَ تَنْبُتُ مِنَ الأَرْضِ [6].

بعد أن دلل أليفاز على كل ما فقده أيوب هو قصاص عادل من قبل الله، بدأ كمن يشجعه حتى لا يسقط في اليأس.

"إن البلية لا تخرج من التراب، والشقاوة لا تنبت من الأرض". أنها ليست كالمحاصيل الطبيعية تنبت في أوقاتٍ معينةٍ، وتصدر كالعشب من التراب، لكن كل ما يحدث هو من قبيل العناية الإلهية. أو بمعنى آخر: لا تلقي باللوم على التربة حين ظهرت البلية، فهي ليست من صنعها، بل عليك، لأن العلة هي في داخلك. "إن استهزأت، فأنت وحدك تتحمل" (أم 9: 12).

كما لا نتوقع ظهور أشجار من تربةٍ دون غرس بذور، هكذا يليق بنا ألا نظن أن ضيقات تحل بأناسٍ دون أن يرتكبوا شرورًا. فما حلّ  بأيوب ليس اعتباطًا، إنما هو حصاد الغرس الشرير.

هذه الحقيقة كشفها لنا ربنا يسوع خالق النفس، والعالم أن داء النفس في ذاتها، وليس خارجًا عنها. فالنفس البشرية تشبه إناءً خزفيًا واحدًا لا يختلف إلا في طبيعة ما بداخله، فإن كان ما بداخل الواحد بنزينًا وبداخل الآخر ماء، سيصطحب اقتراب جمرة نار التهاب الأول وانفجاره، أما الثاني فيطفئ الجمرة.

كتب القديس يوحنا الذهبي الفم أكثر من مقالٍ يؤكد أنه لا يستطيع أحد أو ظرفٍ ما أن يؤذي إنسانًا ما لم يؤذي الإنسان نفسه.

v     قد يقول قائل: ألم يؤذِ الشيطان آدم، إذ أفسد كيانه، وأفقده الفردوس؟

لأن إنما السبب في هنا يكمن في إهمال من أصابه الضرر، ونقص ضبطه للنفس، وعدم جهاده. فالشيطان الذي استخدم المكائد القوية المختلفة لم يستطع أن يخضع أيوب له، فكيف يقدر بوسيلة أقل أن يسيطر على آدم، لو لم يقدر آدم بنفسه على نفسه؟!

ماذا إذن؟ ألا يصيب الأذى من يتعرض للافتراءات ويقاسي من نهب الأموال، فيُحرم من خيراته، ويُطرد من ميراثه، ويناضل في فقرٍ فادحٍ؟

لا، بل ينتفع إن كان وقورًا، لأنه هل أضرت هذه الأمور الرسل؟ ألم يجاهدوا دائمًا مع الجوع والعطش والعري؟! وبسبب هذه الأمور صاروا مُمجدين ومشهورين وربحوا لأنفسهم معونة أكثر من الرب؟!

وأيضًا أي ضرر أصاب لعازر بسبب مرضه وقروحه وفقره وعدم وجود من يقيه؟ ألم تكن هذه الأمور تضفر له إكليلاً من زهور النصر؟!...

إخوة يوسف مثلاً أضروا يوسف، لكن يوسف نفسه لم يصبه الضرر.

وقايين ألقى بشباكه لهابيل، ولكن هابيل لم يسقط فيها. وهذا هو السبب الذي لأجله وُجدت التأديبات والعقوبات.

فالله لا يرفع العقوبة عن مدبر الضرر لمجرد حدوث الصلاح الذي يتمتع به محتمل الضرر، بل يؤكد عقوبته بسبب شر صانع الإثم. فإنه بالرغم من أن الذين يسقط عليهم الشر، يصيرون أكثر مجدًا على حساب المكائد المدبرة ضدهم، لكن هذا لم يكن في نية الإنسان ألا يضره غيره، بل ينال نفعًا عظيمًا على يدي مناضليه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

وَلَكِنَّ الإِنْسَانَ مَوْلُودٌ لِلْمَشَقَّةِ،

كَمَا أَنَّ الْجَوَارِحَ لاِرْتِفَاعِ الْجَنَاحِ [7].

خلق الإنسان ليعيش في سلام وراحة وتهليل قلبٍ، لكن بالتعدي على الوصية وإعطاء ظهره لله مصدر سعادته صار "الإنسان مولودًا للمشقة"، إذ وُلد في الخطية (مز 51: 5). وصارت المشقة كأنها جزء لا يتجزأ من كياننا، أو كأننا خُلقنا لكي نعاني منها، كما خلقت الجوارح لتحلق بأجنحتها في العلي. ليس لنا أن نستغرب البلوى التي تصيبنا كأنه قد أصابنا أمر غريب (1 بط 4: 12). يلزمنا أن نأكل خبزنا بعرق وجوهنا (تك 3: 19).

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن حياة الإنسان جهاد مستمر مع عدو الخير، يدخل في معركة لا تتوقف، لكن هذه المعارك تؤول لنصرة المجاهدين وإكليلهم.

v     يقول: هذا القنوط هو نابع من داخل الناس. لاحظوا كيف التزم مرة أخرى أن يُظهر أن كلماته تتطابق مع الطبيعة، حتى لا يُنتقد حديثه. فإن الطبيعة البشرية خُلقت هكذا. فالأرض لا تنتج شيئًا جديرًا بالشفقة أكثر من الإنسان، فيليق بنا ألا ندهش ولا نستغرب: نولد لكي نسبب ألمًا و نتألم. هذا أيضًا ما قاله النبي: "لأن كل أيام سنيننا... أفخرها تعب وبلية " (مز 10:90). وقال يعقوب: "أيام سنيّ حياتي قليلة وردية" (تك 9:47). "ولكن الإنسان مولود للمشقة". يقول إنه في طبيعتنا يستحيل أن نهرب من الألم. فإنه لا يريد أحدًا يعترض مرة أخرى بأن أيوب بار. يقول: إنه بار لكن الطبيعة البشرية عادة خُلقت لتحتمل الشرور. لاحظوا أنه خرج من الطبيعة ليؤكد أن أيوب ليس بلا لوم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     يلزمنا ألا ننسحب من جهادنا في السهر بسبب اليأس الخطير، لأن "الآن ملكوت الله يُغصَب، والغاصبون يختطفونهُ" (مت 12:11). فلا يُمكن نوال فضيلة بغير جهاد، ولا يمكن ضبط العقل بغير حزن قلبي عميق، لأن "الإنسان مولود للمشقَّة". ومن أجل الوصول "إلى إنسانٍ كاملٍ، إلى قياس قامة مِلْءِ المسيح" (أف 13:4) يلزمنا أن نكون علي الدوام في جهاد عظيم مع عناية لانهائية[232].

الأب سيرينوس

v     ليكن لنا حذر عظيم واجتهاد من جهة الظروف الخارجية عندما نُصاب بثقل الحزن، حتى نبلغ الرجاء في نوال الأمور العلوية. يقف الذهن لينال العلويات خلال هذه التأديبات الخارجية.

v     "الإنسان مولود للمشقة، كما أن الطائر للطيران"... إذ يتمتع الإنسان بالعقل يدرك أنه من المستحيل عليه أن يعبر زمن سياحته دون حزنٍ. لذلك عندما عدد بولس ويلاته لتلاميذه بحق أضاف: "فإنكم أنتم تعلمون أننا موضوعون لهذا" (1 تس 3:3).

فإنه إذ يُضرب الجسد بضربات يرتفع الذهن طالبًا العلويات. كما يقدم بولس مرة أخرى شهادة بذلك، قائلاً: "وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدد يومًا فيومًا" (2 كو 16:4). هكذا فإن "الإنسان مولود للمشقة، كما أن الطائر للطيران"، فإن الذهن يطير في حرية نحو العلى بنفس السبب الذي لأجله يعاني الجسد من الانحناء إلى أسفل في ثقل.

كلمة "الإنسان" هنا تمثل الحياة حسب الجسد. هكذا يقول بولس: "إذ فيكم حسد وخصام وانشقاق ألستم جسديين" (1 كو 3:3)، مكملاً بعد ذلك: "ألستم بشرًا" (1 كو 4:3 Vulgate).

في هذه الحياة "يولد الإنسان للمشقة"، فكل إنسان جسداني، إذ يطلب الأمور المؤقتة يحمل نفسه بثقل شهواته.

إنها مشقة صعبة أن تطلب مجد الحياة الحاضرة، لتقتني ما تطلبه، وأن تصونها باجتهاد عندما تغلب. إنها مشقة صعبة بآلام لا تحد أن تمسك بأشياء، وأنت تعلم أنها لا تدوم لزمانٍ طويلٍ. أما القديسون إذ لا يشغفون بالزمنيات، ليس فقط لا يسقطون تحت ثقل الشهوات الوقتية، بل هم متحررون من التعب حتى إن ثارت الصلبان، في هذه الأحوال وفي الضعفات.

فإنه أي شيء أقسى من الجلد؟ ومع هذا كُتب عن الرسل عندما جُلدوا: "وأما هم فذهبوا فرحين من أمام المجمع، لأنهم حُسبوا مستأهلين أن يُهانوا من أجل اسمه" (أع 41:5). أي شيء يمكن أن يُقلق أذهان الذين حين تأدبوا بالضربات لم يضطربوا؟

"يولد الإنسان للمشقة"، لأنه بالحق يشعر بشرور الحال الحاضر عندما يتوق نحو الصالحات... لذلك حسنًا أضيف: "والطائر للطيران".

فالنفس تنسحب من آلام المشقة وهي تقوم بالرجاء في العلويات. ألم يكن بولس كالطائر وُلد للطيران، هذا الذي احتمل صلبان لا عدد لها، قائلاً: "محادثتنا في السماء". وأيضًا: "لأننا نعلم أنه إن نُقض بيت خيمتنا الأرضي، فلنا في السماوات بناء من الله بيت غير مصنوع بيدٍ أبدي" (2 كو 1:5). إنه كطائر صعد فوق المناظر الدنيا. مع أنه كان سالكًا على الأرض في الجسد، كان جناحا الرجاء يحملانه في العلويات.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     مخاوف المجاهد تصير له علة حياة لخلاصه، وعلى العكس تصير لعار أعدائه والسخرية بهم. يرد كل هجماتهم ويجعلها باطلة، ويصد كل إغراءاتهم... يقدم العدو معركة لأيوب ضد (شيطان) في الهواء، يتحرك بطريقة رهيبة بين السماء والأرض. فقد سقط (لوسيفر) من السماوات (إش 12:14)، ولم يدعه القديسون الذين على الأرض يستريح عليها، مع أنه يرغب في أن يتمتع بدمارنا. فإنه إذ هزمه أيوب مرارًا لم يوقف المعركة، دون انتظار إلى النصرة الحاسمة، بل يتطلب مرارًا أن ينهك البار.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

4. الله ملجأ المتضايقين

لَكِنْ كُنْتُ أَطْلُبُ إِلَى اللهِ،

وَعَلَى اللهِ أَجْعَلُ أَمْرِي [8].

إن استبعدنا نية أليفاز ونظرته الخاطئة لأيوب، فإن كلماته لا يشوبها عيب. إن كان الإنسان بسبب تعديه على وصية الله صار مولودًا للمشقة، فليس من علاجٍ آخر سوى الرجوع إلى الله، والاتكال عليه، فهو السند الحقيقي للمتألمين. كأن أليفاز يقول له: لو كنت في موضعك يا أيوب، ما كنت أتذمر وألعن يوم ميلادي، وإنما ألجأ إلى الله، وأخضع لمشيئته، بكونه مصدر كل خيرٍ وتعزيةٍ. أبسط أمري أمام الله، ما يحسن في عينيه يفعله (1 صم 3: 18). وكما يقول المرتل: "سلٌَم للرب طريقك، واتكل عليه، وهو يجري" (مز 5:37). "أقول للرب: ملجأي وحصني، إلهي فأتكل عليه" (مز 2:91). وقول الرسول: أعلى أحد بينكم مشقات فليصلِ" (يع 13:5).

v     إذ وجدت حالي هكذا، يقول، فإن ثقتي لا تشبه ثقتك، إنما أنتظر عالمًا إن الله هو السيد. أنت تربك نفسك، أما أنا فأنتظر الله دون التوقف عن دعوته ودون فقدان الرجاء. فهو على الدوام قادر أن يستبدل الظروف ويغيرها. إني أجد نفسي في وسط الشرور، لكن الله قادر أيضًا أن يضعني في وسط الخيرات، إذ ينقلني من حالي السابق إلى هذا الحال. يقول: "الرب هو القدير، بمعنى أنه سيد الكل، ضابط كل الظروف، وكل الأماكن والأشياء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     يقول له: أنت في الواقع لست أهلاً للصلاة. أنا نفسي سأدعو رب الكل. فإنك إذ أنت معتد بنفسك لم تعد تدعو رب الكل، ولهذا هاجمتك هذه الشرور الحاضرة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     أيها الرب، إنك تتوجنا بترس إرادتك الصالحة. ماذا يعني هذا؟ إنك تحرسنا، وتجعلنا منتصرين، وبعد النصرة تعطينا إكليلاً[233].

 القديس جيروم

v     أشر إليه بما يؤلمك، أشر إليه بما تشتهيه![234]

v     "تقول للرب: ملجأي وحصني إلهي، فأتكل عليه" (مز 2:91).

من الذي يقول هكذا للرب؟ "الساكن في ستر العلي"، وليس في ستره هو. من هو هذا الذي يسكن في ستر العلي؟ ذاك الذي لا يتكبر مثل هذين اللذين أكلاً (من شجرة معرفة الخير والشر) ليصيرا إلهين، ففقدا خلودهما الذي خُلقا عليه. لقد اختارا أن يسكنا في سترهما، لا في ستر العلي. هكذا أنصتا إلى مشورة الحية (تك 5:3)، واستخفا بوصية الله، وأخيرًا اكتشفا أن ما هدد به الله تحقق فيهما وليس وعد الشيطان لهما. لذلك لتقل أنت أيضًا: "عليه أتكل، فهو ينجيني، ولست أنا أنجي نفسي[235].

v     ليس أحد يعينه الله ما لم يصنع هو شيئًا. إنه سيُعان إن صلي[236].

v     الأثر الكامل للإيمان هو هذا: يجعلنا نسأل فنأخذ، نطلب فنجد، نقرع فيُفتح لنا. بينما الإنسان الذي يجادل يغلق باب رحمة الله أمام نفسه[237].

v     خلقتنا لك يا رب، ولن تستقر قلوبنا حتى تستريح فيك[238].

القديس أغسطينوس

الْفَاعِلِ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ،

وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ [9].

لا نخشى من تسليم ذواتنا كما كل أمورنا بين يدي الله، فهو الصانع العظائم والعجائب بلا حصر. هو القدير، عظائمه لا يُمكن إدراكها. "لا يدرك الإنسان العمل الذي يعمله الله من البداية إلى النهاية" (جا 3: 11).

v     تجاسر الهراطقة بالتجديف عليه... تجاسروا بالتجديف على من أعلن عنه الأنبياء أنه الله القدير. أما أنتم فاعبدوا الله الواحد القدير، أبًا ربنا يسوع المسيح. اهربوا من خطأ الإيمان بآلهة كثيرة. اهربوا من كل هرطقة، وقولوا: "أطلب من الرب القدير، الفاعل عظائم لا تفحص، وعجائب لا تُعد"... الذي له المجد إلى أبد الأبد، آمين[239].

القديس كيرلس الأورشليمي

يُدعى الله بالصانع العجائب، ليس استعراضًا لقوته بأنه يفعل ما يفوق الطبيعة التي خلقها، ولا رغبة في كسر نواميسها، إذ هو مُوجدها، ولكن من أجل محبته للإنسان يصنع عجائب، ليجعل من شعبه عجبًا! محبته الفائقة لبني البشر أمر عجيب للغاية! يجد رجال الله مسرتهم وسعادتهم في التسبيح لله أنه صانع عجائب!

"عظيم أنت وصانع عجائب، أنت الله وحدك" (مز 86: 10).

"السماوات تحمد عجائبك يا رب وحقك أيضًا في جماعة القديسين" (مز 89: 5).

"حدثوا بين الأمم بمجده، بين جميع الشعوب بعجائبه" (مز 96: 3).

"رنموا له، أنشدوا بكل عجائبه" (مز 105: 2).

"فليحمدوا الرب على رحمته وعجائبه لبني آدم (مز 107: 8).

"من هو فنغبطه، لأنه صنع عجائب في شعبه" (سيراخ 31: 9)

v     يخبر بعجائب الله (مز 1:9) من يراها تتحقق ليس فقط علنًا في جسده، وإنما أيضًا بطريقة غير منظورة في نفسه، بل هذه العجائب أكثر سموًا ورفعة. فالبشر كأرضيين وينقادون بما يرونه بالعين يتعجبون بالأكثر أن لعازر الميت يقوم في الجسد، أكثر من تعجبهم أن بولس المضطهد يقوم في الروح (يو 11؛  أع 9). ولكن تدعو الأعجوبة المنظورة النفس للتمتع بالنور، أما بغير المنظورة يعبر الإنسان ليدرك غير المنظورة فيتحدث عن كل عجائب الله[240].

v     أن تفرح بأعمال الله (العجيبة) تنسى حتى نفسك، إذ يمكنك أن تبتهج فيه وحده. فإنه أي شيءٍ أفضل منه؟ ألا ترى هذا أنك إذ ترجع إلى نفسك، إنما ترجع إلى أمر خاطئ. "أتذكر عجائبك منذ القدم" (مز 11:77)... "أنت الإله الصانع العجائب وحدك" (مز 14:77). بالحقيقة أنت الإله العظيم، تصنع عجائب في الجسد كما في النفس، أنت وحدك الصانع لها. الصم يسمعون، والعميان يبصرون، والضعفاء يشفون، والأموات يقومون، والمفلوجون يتشددون. لكن هذه العجائب تمت في ذلك الحين في الجسد. لننظر تلك التي تمت في النفس. هؤلاء الذين كانوا منذ قليل سكرى صاروا عاملين، هؤلاء الذين كانوا منذ قليل عبدة أصنام صاروا الآن مؤمنين، هؤلاء الذين كانوا قبلاً يسلبون الآخرين الآن صاروا يقدمون عطايا للفقراء[241].

v     "السماوات تحمد عجائبك يا رب" (مز 5:89)... فإنه في كل عمل رحمة من نحو النفوس المفقودة، عمل تبرير للخطاة، ماذا نسبح سوى أعمال الله العجيبة؟ أنتم تحمدونه لأن الموتى يقومون، أحمدوه بالأكثر لأن المفقودين قد خلصوا. بالأمس قد رأيت يا إنسان دوامة سكر، الآن ترى جمالاً لضبط النفس. بالأمس كنت ترى مجدفًا على الله، الآن تراه مسبحًا له. بالأمس كان عبدًا للمخلوق، اليوم صار عابدًا للخالق. هكذا تحول البشر عن هذه الأحوال الرهيبة. ليتهم لا يتطلعون إلى استحقاقهم الذاتية. ليصيروا سماوات ويحمدوا عجائب ذاك الذي جعلهم سماوات"[242].

القديس أغسطينوس

الْمُنْزِلِ مَطَرًًًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ،

وَالْمُرْسِلِ الْمِيَاهَ عَلَى الْبَرَارِيِّ [10].

يقدم لنا مثلاً من الطبيعة على عظائم الله. "المُنزل مطرًا على وجه الأرض". غالبًا ما نستخف بالمطر، لكنه عمل عظيم يكشف عن قدرة الله، بدونه كان يمكن أن تتدمر الحياة.

في وسط آلامنا وضيقاتنا إذ نصرخ إلى الله خالق السماء والأرض، يتطلع إلينا فيغطي نفوسنا بالسحاب بكونها سماواته، ويمطر على حياتنا بمياه روحه القدوس واهب التعزيات السماوية. فنقول: عند كثرة همومي في داخلي... تعزياتك تُلذذ نفسي" (مز 19:94). يرى القديس جيروم أن السحاب الذي يغطي النفس السماوية هم جماعة الأنبياء والرسل، وأن المطر الذي يهبه الله إيانا هو وصيته المفرحة أو تعاليمه الإلهية.

v     كل واحد غير أهلٍ لفهم التعليم الإلهي، فبالنسبة له هذا التعليم مُغطى بالسحاب. "المهيئ للأرض المطر" (مز 8:147) تحتاج الأرض إلى المطر، فإن لم تتقبل أرضنا المطر، الذي هو ينبوع التعليم الإلهي، لا تخرج ثمرًا[243].

v     كان موسى سحابة لذلك يقول: "يهطل كالمطر تعليمي" (تث 1:32) رسالته هي مطر روحي ينزل علينا. كواقعٍ حقيقيٍ ماذا يقول بولس في رسالته إلى العبرانيين؟" لأن أرضًا قد شربت المطر الآتي عليها مرارًا كثيرة" (عب 7:6). مرة أخرى يقول: "أنا غرست وأبولس سقى" (كو 6:3)[244].

v     السحاب هم الأنبياء والرسل الذين يسقون قلوب البشر القفر بأمطار تعاليمهم[245].

القديس جيروم

يترجم البابا غريغوريوس (الكبير) هذه الآية: "المرسل المياه على البراري" بأنها "على كل شيءٍ"، وأن الإنسان يمثل كل شيءٍ. فإن أعظم العجائب هي خلقة الإنسان الممثل للمسكونة كلها: [الإنسان يشترك مع الحجارة في الوجود، ومع الأشجار في الحياة، ومع الحيوانات في الإحساس، ومع الملائكة في التمييز. إنه بحق يمثل لقب "المسكونة"، إذ فيه تُحتوى كل المسكونة. هكذا يقول الحق لتلاميذه: "اذهبوا إلى كل العالم، وبشروا بالإنجيل لكل الخليقة" (راجع مت 19:28-20). فإن كل الخليقة هي من أجل الإنسان وحده، الذي فيه خلق ما هو عام بكل الأشياء.]

v     لم يدخل الإنسان البشري إلى عالم الموجودات بعد (أي حتى اليوم السادس)... فإنه لا يليق بالحاكم أن يظهر قبل ظهور الأمور التي يسيطر عليها.

لكن ما أن صارت سلطنته مستعدة، حيث أعد الخالق كل الأشياء كمسكنٍ ملوكيٍ للملك القادم، حتى أُعلن عن الحاكم!

هذا المسكن الملوكي هو الأرض والجزائر والبحر والسماء التي هي كقوسٍ يحوط فوق الكل أشبه بسقفٍ لها.

في هذا القصر اختزن غنى من كل نوع: كل عالم النباتات والحيوانات، كل ما له جسد ونَفَسْ وحياة. وإن أراد أحد أن يحصي الأمور المادية كغنى يجد أيضًا كل ما هو جميل وذات قيمة في نظر الإنسان، من ذهبٍ وفضةٍ وحجارةٍ كريمةٍ، يتمتع بها.

لقد خبأ الخالق هذه الأشياء بفيضٍ في حضن الأرض، كما لو كانت كنزًا ملوكيًا، حتى متى ظهر الإنسان البشري في العالم، يتأمل بعضها، ويسيطر على البعض الآخر. فإنه إذ يتمتع بهذه الأمور يشكر واهب الخيرات. وإذ ينظر جمال الأمور التي يراها وضخامتها ينجذب إلى قوة خالقها العظيمة غير المدركة[246].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

v     يعطى القدير مطرًا على الأرض، عندما يروي قلوب الأمم الجافة بنعمة الكرازة السماوية، ويرسل المياه على كل الأشياء، إذ بملء الروح يحول عقم الإنسان المفقود إلى الإثمار، كما يقول الحق نفسه بشفتيه: "من يشرب من الماء الذي أنا أعطيه لن يعطش" (يو 14:4).

البابا غريغوريوس (الكبير)

الْجَاعِلِ الْمُتَوَاضِعِينَ فِي الْعُلَى،

فَيَرْتَفِعُ الْمَحْزُونُونَ إِلَى أَمْنٍ [11].

أما المثل التالي فهو قدرة الله التي تتجلى في المتواضعين حيث يرفعهم العلي، وعملهم في حياة الحزانى فيهبهم أمانًا.

دفعت النكبات المتوالية أيوب لينزل إلى المزبلة، إذ لم يُعد له موضع يسكن فيه ويستريح. لكن إذ يتواضع بدون تذمر يصير في العلا، أي يحلق في السماوات، فالتواضع هو السلم الذي تصعد به النفس بالمسيح يسوع إلى حضن الآب.

حقًا إن الحزن يسحق الإنسان ليصير كمن هو منحدر إلى المرارة والدمار، لكنه إذ يحزن في الرب يصعد إلى الأمان الحقيقي.

الْمُبْطِلِ أَفْكَارَ الْمُحْتَالِينَ،

فَلاَ تُجْرِي أَيْدِيهِمْ قَصْدًا [12].

المثل الثالث تدخل الله في شئون البشر، فمع ما وهبهم من حرية إرادة لكنه لا يترك الأمور تسير بلا ضابط، فهو "يبطل أفكار المحتالين"، فلا تُترك أيديهم تستقر على رؤوس الصديقين.

بالالتجاء إلى الله يتمتع المؤمن بالحق الإلهي، فلا يستطيع المحتالون أن يضعوا أياديهم على المؤمن. ولا يقدر الباطل والخداع أن يتراءى في وجود الحق، لأن الحق نور يبدد الباطل، الظلمة. ففي وسط الظهيرة تصير حياتهم ليلاً قاتمًا للغاية. ليس لملكوت النور أن يملك عليهم، بل تسيطر عليهم مملكة الظلمة.

كثيرًا ما كانت القيادات اليهودية في مكرٍ يظنون أنهم قادرون على اصطياد السيد المسيح، أما هو فكان يسمح لهم أن يجربوه، وخلال مكرهم يحكمون على أنفسهم بأنفسهم. فالمكر والخداع لا يستطيعان الوقوف أمام الحكم. إنما يحملان الفساد في داخلهما.

v     عندما يحتالون بأمورٍ شريرةٍ يُظهرون أنفسهم ما هم عليه، وإذ لا يستطيعون إتمام مقاصدهم يحفظ (الله) الذين يدبرون الشرور ضدهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

الآخِذِ الْحُكَمَاءَ بِحِيلَتِهِمْ،

فَتَتَهَوَّرُ مَشُورَةُ الْمَاكِرِينَ [13].

اقتبس الرسول بولس هذه الآية في رسالته الأولى إلى كورنثوس [٣: ١٩].

يستطيع الله بسهولة فائقة أن يهدم مؤامرات الماكرين، الذين يحسبون في أنفسهم أنهما حكماء، ليس من يقدر أن يقف أمامهم. لقد أبطل ويبطل مشورات الكثيرين كمشورة أخيتوفل الذي كان يخطط لأبشالوم ليقتل أبيه داود ويستلم عرشه، وأيضًا أبطل مشورة سنبلط (نح 4: 7-23)، ومشورة هامان (اس 8). حقًا كل آلة صورت ضد كنيسة الله لن تنجح (إش 54: 17).

"في الشبكة التي أخفوها انتشبت أرجلهم" (مز 9: 15). "سقط في الهوة التي صنع، يرجع تعبه على رأسه، وعلى هامته يهبط ظُلمه" (مز 7: 15-16).

يقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) مثلين كيف يأخذ الله الحكماء بحيلتهم، الأول من العهد القديم والثاني من العهد الجديد. ففي العهد القديم أراد إخوة يوسف الخلاص من أخيهم لئلا يسمو عليهم ويخضعوا لسلطانه، وبحسب حكمتهم البشرية باعوه عبدًا. فاستخدم الله تصرفهم هذا وبتدبيره الإلهي صار عظيمًا في مصر، وسجدوا هم أمامه. أما الثاني فهو حكمة العبرانيين في العهد الجديد حيث أراد الكهنة والقيادات الدينية الخلاص منه لئلا يسير العالم كله وراء السيد المسيح (يو 19:21)، حكموا عليه بالموت، وإذا بذات الوسيلة – الصليب - سار العالم كله وراءه.

v     كيف يأخذ الله الحكماء بمكرهم؟ بأنهم وهم يظنون أنهم قادرون أن يعملوا بدون الله يجدون أنفسهم بالأكثر محتاجين إليه. يسقطون في مأزق ليظهروا أنهم أقل من صيادي السمك والأميين الذين لا يستطيعون الآن أن يعملوا بدون حكمتهم[247].

القديس يوحنا ذهبي الفم

v     تملق الرئيس يسوع (لو 18:18)، وحاول أن يخدعه، فتظاهر أنه يتخذ موقفًا متعاطفًا معه. ولكن بماذا أجاب العالم بكل شيءٍ وهو كما هو مكتوب عنه: "الآَخذ الحكماء بمكرهم" (13:5)؟[248]

 القديس كيرلس الكبير

فِي النَّهَارِ يَصْدِمُونَ ظَلاَمًا،

وَيَتَلَمَّسُونَ فِي الظَّهِيرَةِ كَمَا فِي اللَّيْلِ [14].

المؤمن الحقيقي حياته نهار مستمر بلا ظلمة، وكما يقول الرسول: "جميعكم أبناء نور، وأبناء نهار، لسنا من ليلٍ ولا ظلمةٍ" (1 تس 5:5). كان لوط لا يعرف الظلمة حين استقبل الملاكين وألح أن يستضيفهما ويبيتا في منزله، لكن الأشرار كانوا في ظلمة ولم يدركوا أنهما ملاكان من نور، فأرادوا أن يعرفوهما ويرتكبوا معهما شرًا مفسدًا، فأصيب الرجال بالعمى، وصاروا كمن في ظلمة وعجزوا عن أن يجدوا باب البيت (تك 11:19)، هكذا عوض التمتع بالنور الملائكي سقطوا في ظلمة الشر، وفقدوا بصيرتهم الداخلية والخارجية.

v     "في النهار يصدمون ظلامًا"، لأنه في حضور الحق ذاته قد أُصيبوا بالعمى بخداع عدم الإيمان... هكذا فإن النور نفسه ينصحهم قائلاً: "سيروا مادام لكم النور لئلا يدرككم الظلام" (يو 35:12).

إذ يرى الأشرار جيرانهم يصنعون شيئًا حسنًا يُصابون بألم حسدهم، ويعانون من عذابات حقدهم المؤلم، عندما يرون بقلوبهم المفعمة بالحسد أمورًا صالحة في الآخرين. لذلك حسنًا قيل: " في النهار يصدمون ظلامًا" عندما تحزن أذهانهم لأجل سمو الغير يحدث ظلاً من شعاع النور...

ينشغلون بغيرة وبفحصٍ شديدٍ ليجدوا شيئًا يمَّكنهم أن يتهموا به الآخرين. إنهم بالحق يرون كل الأعضاء سليمة لكن بعيون قلوبهم المغلقة يطلبون أن يجدوا بالمشاعر بلوى للغير...

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     أشر ما في الحسد أنه داء يُطوى في الكتمان. ترى الحسود خافض البصر، كالح الوجه، يشتكي باستمرار من عذاب داخلي مما يذبل وجهه ويضني جسده، فيهزل ويضعف. فهو يستحي أن يقول: "إني حسود، اشعر بالمرارة والحزن للخير الذي حصل عليه إنسان غيري، وإني أتعذب لسعادة أصدقائي، ولا أطيق نجاح أترابي. إني أرى أن سعادة الآخرين سيف يمزق أحشائي ويطعنني في الصميم". هذا ما كان يجب أن يبوح به الحاسد. لكنه يفضل أن يحفظه في قلبه ويصمت، وهكذا يبقى الداء في ذاته، فيضنيه العذاب، ويفنى جسمه قليلاً قليلاً[249].

القديس باسيليوس الكبير

v     تتألم الوحوش والطيور والدبابات لآلام أجناسها التي في الطبيعة، وتتعاون معًا ضد المضادين لها، أما الحاسد فيفعل عكس هذا، يفرح بسقوط الأخ والقريب والبعيد والنسيب والصديق.

v     يحسب الحاسد مصائب الآخرين فائدة لنفسه أكثر من أي نجاح له... صائرًا كعدوٍ عامٍ ضد البشرية وصفعة لأعضاء الكنيسة. لأنه أي شيء أقرب إلى الجنون من الحسد؟!

v     الشيطان حاسد، لكنه يحسد البشرية، ولا يحسد شيطانًا آخر، أما أنت فإنسان تحسد أخاك الإنسان، وبالأخص الذين هم من عائلتك وعشيرتك، الأمر الذي لا يصنعه الشيطان.

v     ليس داء أشر من الحسد والحقد فعلى أساسه دخل الموت إلى العالم (حك 2: 24)، لأن إبليس لما أبصر الإنسان مكرمًا لم يحتمل حُسن حاله، فعمل كل ما أمكنه حتى قتله. وبالحسد ذُبح هابيل، وقارب داود أن يُقتل، وقُتل آخرون كثيرون من ذوي البر، وصار اليهود قتلة المسيح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الْمُنَجِّيَ الْبَائِسَ مِنَ السَّيْفِ،

مِنْ فَمِهِمْ وَمِنْ يَدِ الْقَوِيِّ [15].

تهدف مشورة الماكرين إلى إبادة المساكين، لكن الله ينجيهم من سيفهم كما من فمهم وأياديهم. هو ضابط الكل، يعمل لحساب المساكين، ولا تقف مشورات الأشرار ولا أياديهم القوية ولا سيوفهم أمامهم.

إذ يلقى المؤمن بحياته كلها في يد الرب لا يخشى سيف إبليس القاتل للنفس، ولا يفقد رجاءه بسبب هذا القوي. فإن كان إبليس يحمل سيف الافتراء والتدمير، وهو قتال منذ البدء، لكن الذي معنا أعظم من الذي علينا. معنا إلهنا الذي ينجي بنفسه، كما يرسل ملائكته لحراستنا. فيه تتمتع بالرجاء، ولا يقدر اليأس أن يسيطر على قلوبنا أو أفكارنا.

v     "صوت الرب مُكسٌَر الأرز" (مز 5:29)، لأن المسيح يعتمد، والشياطين التي كانت قبلاً منتفخة متعالية تتحطم في كومة الدمار "يكسرهم الرب. مثل عجلٍ، يقذف بهم في الهواء كقطعٍ من الأشجار ويبعثرهم في أماكن بعيدة في أجزاء[250].

v     "اخرس" (مر 25:1)! ليكن صمتك مديحًا لي. لا أطلب صوتك يمدحني، بل عذابك وعقوبتك مديح لي. لست أُسر بمديحك لي، أفرح بمفارقتك. "أخرس وأخرج من الرجل" (راجع مر 25:1). كأنه يقول: أخرج من مسكني، ماذا تفعل في حجرتي التي للضيوف؟ أريد أن أدخل. أخرس وأخرج من الرجل (الحيوان العاقل). أخرج من الرجل، أترك حجرة الضيافة التي أُعدت لي. الرب يريد مسكنه... إنها ليست إرادتي أن تقتنيه... لقد أخذت أنا جسدًا بشريًا... الجسد الذي تقتنيه الآن يشارك جسدي، أخرج منه![251]

v     إنهم يهدفون إلى إطلاق أسهمهم في الظلمة نحو القلب المستقيم... لأنني أقف في خط المعركة، متيقظًا ومتمنطقًا مستعدًا للمعركة. إنني لن أغفل عن الجهاد الذي بدأ، خاصة وأنكم تقولون إنهم قد شدوا أوتار أقواسهم، وصارت السهام مُعدة في جبعتهم، وها هم ينتظرون في الظلمة ليجرحوا قديسيَّ، لكنهم ليسوا بعد قادرين على تصويبها. لقد شدوا الوتر، لقد ملأوا الجعبة. إنهم مستعدون لتصويب سهامهم في الظلمة في القلب الصادق. الآن إذ استعدوا تمامًا أضع نفسي بينهم، وأقف مقابل سهامهم، حتى بألمي لا يشعر خدامي بالألم، وبجراحاتي يُشفون، وبآلامي لا يتألمون، بل يقولون: "كأنه بترس تحيطه بالرضا" (مز 13:5)[252].

القديس جيروم

v     يضيف أن الله يعمل ما هو مضاد عندما يُظهر اهتمامًا بالضعفاء. "يعطى الضعفاء رجاء، ويبكم أفواه الظالمين"... كان أليفاز مشغولاً بأن يقيم حوارًا، به يحط من شأن أيوب. لكن من عادة الله أن يرفع الضعفاء ويذل الأقوياء ويُخزى المخادعين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

فَيَكُونُ لِلذَّلِيلِ رَجَاءٌ،

وَتَسُدُّ الْخَطِيَّةُ فَاهَا [16].

إذ يتطلع البائس إلى الماكرين ينهار في اليأس، لكن إذ يتطلع إلى الله يمتلئ رجاءً، فتُسد أفواه الماكرين، ولا تستطيع الخطية الكامنة فيهم أن تنطق بكلمةٍ، لأن الله نفسه تِكلم.

v     حتى وإن كانت هذه القوى (الشريرة) ترتفع وتغلب، فلتعلم أن هذا تأديب الله، فإنهم وإن انتصروا لكنهم سيُدانون بدينونة عادلة. لتكن متأكدًا من هذا، أن الوحش سيُذبح في الوقت المعين. وأما أنت يا أخي فلتكن غيورًا في التماس الرحمة لكي يكون سلام شعب الله[253].

القديس أفراهاط

هُوَذَا طُوبَى لِرَجُلٍ يُؤَدِّبُهُ اللهُ،

فَلاَ تَرْفُضْ تَأْدِيبَ الْقَدِير [17].

يميز أليفاز بين تأديب الرب لمؤمنيه وبين العقوبة التي يفرضها على الأشرار. فهو يقدٌَر تأديب الله الأبوي للمؤمن متى سقط.

يقدم أليفاز في آخر حديثه الأول تعزية، كان أليفاز نفسه محتاجًا إليها، وهي قبول تأديب الرب القدير.

ما حلّ بأيوب لم يكن إلا تأديبًا من الله القدير المحب. ومن الحماقة والجنون مخاصمة الرب وتجاهل أبوته الحانية حتى في لحظات التأديب نفسها.

جاءت الكلمة العبرية المترجمة "لا ترفض" تعني "لا تكره"، فيليق بالمؤمن أن يخضع بسرورٍ لإرادة الله وتأديباته، حتى وإن كانت مرة، فنحن في حاجة إلى عصا التأديب، ولنحسب أن ما يحل علينا نستحقه، وهو دواء مرّ نافع لشفائنا.

كما تعني أيضًا لا تسيء بتفكيرك عنه، ولا تستخف بما عمله، بل تنحني أمامه وتثق في حكمته وعنايته.

كما تعني ألا تتغاضى عنه، كأن ما حلّ هو من قبيل الصدفة، وليس عن خطة إلهية حكيمة ومحكمة. لتحسب التأديب هو صوت الرب ورسالته السماوية.

هكذا يليق بنا قبول تأديب الرب، وتقدير حكمته، والخضوع له بخوفٍ ورعدةٍ، واثقين أنه لبنياننا الأبدي. إنه يفطمنا عن العالم والخيرات الزمنية لكي نلتصق بواهب الخيرات نفسه ويهيئنا للمجد الأبدي.

ما أجمل أن يوجه القائد نفسه ومن هم حوله نحو بركات تأديب الرب لمؤمنيه. فمع ما فيها من مرارة ومتاعب، لكنها غير مدمرة، إنها وقتية، تهب قوة ليقف المؤمن حتى أمام وحوش الأرض، لأنه يشعر أن ما يحل به هو بسماحٍ من الله لبنيانه وإصلاحه وتزكيته.

لكن هدف أليفاز هنا ليس تشجيع أيوب على قبول الألم من يد الله، إنما يدعوه إلى أن الله لا يطلب تأديبه بل تدميره، لأنه تعدى الحدود، وبهذا لم تعد آلامه إلا عقوبة،  وإن بدت عنيفة للغاية، لكنها ليست إلا عربونًا لما يليق بأيوب أن ينتظره في يوم الدينونة، لأنه أشر الأشرار.

v     الرمانة مغطاة بقشرة جامدة ومرّة، فإن هذه القشرة الخارجية غير صالحة للأكل، ولكن الداخل جميل المنظر، وبه بذور منسقة بعناية، وطعمه حلو. وهكذا حياة الفلسفة (الحكمة الروحية)، تبدو من الخارج جافة وغير مبهجة، ولكن عندما تنضج تكون مليئة بالآمال الطيبة. وعندما يفتح البستاني (الله) رمانة الحياة في الوقت المناسب ويظهر جمالها المخفي، فإن الذين يذوقونها يستمتعون بحلاوتها. ويقول بولس الرسول: "وأي تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن (أي أول انطباع عن الرمان بالنسبة لقشرته)، أما أخيرًا فيعطي الذين يتدربون به ثمر برّ السلام" (عب 12: 11) (أي حلاوة الثمرة من الداخل)[254].

القديس غريغوريوس النيسي

لأَنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ،

يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ [18].

بينما سمح الله بالقروح في جسد أيوب كجراحات مرة، لكنه جرّاح ماهر، يعصب الجراحات الداخلية للنفس، ويهبها تعزيات روحه القدوس الشافية.

في تأديبه يبدو كمن يسحق، لكنه يرد لمؤمنيه كل كرامةٍ ومجدٍ على مستوى أبدي، بهذا يداه تشفيان. يرتل موسى النبي: "فرحنا كالأيام التي فيها أذللتنا، كالسنين التي رأينا فيها شرًا" (مز 90: 15). ويقول هوشع النبي: "هو افترس فيشفينا" (هو 6:1).

v     إذ يجرح يشفي، فإننا إذ نُطعن برمح مخافته يردنا إلى الحس السليم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لذلك فإذا رأى أحد في أي وقت الشر في أشخاص كثيرين، ولكن غضب الله لا يحل على الجميع، وإنما على البعض فقط، يجب أن يُدرك أن التأديب يُطبق بحبٍ على الجنس البشري. فإن الضربات لا تحل على الجميع، ولكن الضربات التي تحل على البعض تؤدب الجميع ليرجعوا عن الشر[255].

القديس غريغوريوس النيسي

v     "لأن الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله" (عب 12: 6). أولاً يجرح، وبعد ذلك يشفي. فهو يجلب ألمًا ثم يعصب.

على نفس الوتيرة يقول: "قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك، لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض، وتبني وتغرس" (إر 1: 10). مهما يكن الأمر فإنه يلزم أولاً إزالة ما هو رديء منا (من داخلنا)، فالله لا يقدر أن يبني حيث يوجد بناء حقير. فأية شركة بين البرّ والشر، وأيّ اتفاق بين النور والظلمة (2 كو 6: 14).

يلزم اقتلاع الشر من جذوره، يلزم هدم بناء الشر من نفوسنا، حتى يمكن للكلمة أن تبني وتغرس[256].

v     عندما لا تُنزع الشرور أولاً، لا نقبل الصلاح. إنه يحطم المباني الهزيلة التي لعدم الإيمان، إذ هو السيد الذي يبني الخيمة الحقيقية التي يصنعها هو وليس إنسانًا (عب 8: 2)، والتي قال عنها بولس: "أنتم بناء الله" (1 كو 3: 9)[257].

v     "وأيضًا في تلك الأيام يقول الرب أفنيكم" (إر 5: 18)...

يتمهل الله في إدانته للذين يستحقون العقاب، حتى يعطيهم فرصة للتوبة. فهو لا يعاقب على الخطية في الحال، ولا يوقع الفناء بالخاطئ، بل يتمهل في العقاب.

نجد مثالاً على هذا في سفر اللاويين: في اللعنات التي قيلت للذين يخالفون الشريعة، فبعد الإعلان عن العقوبات الأولي، قيل: "وإن كنتم مع ذلك لا تسمعون لي أزيد على تأديبكم سبعة أضعاف" (لا 26: 18). ثم يذكر أيضًا عقابًا آخر: "وإن كنتم بذلك لا تسمعون لي بل سلكتم معي بالخلاف، فأنا أسلك معكم بالخلاف ساخطًا" (لا 26: 27). من هنا يتضح لنا أن الله يوقع العقوبات ببطءٍ شديدٍ، لأنه يريد أن يقود الخاطئ إلى التوبة بدلاً من أن يجعله يدفع الثمن في الحال.

هذا أيضًا ما حدث مع الشعب، فقد كان الرب يتوعد بالآلام التي سوف تحل به، ثم قال له بعد ذلك: "وأيضًا في تلك الأيام لا أفنيكم"[258].

v     "لأن هذا زمان انتقام الرب". يوضح الكتاب المقدس أن العقوبات تُوقع على الإنسان الذي يحتملها ويصبر في احتمالها. فعندما لا يعاقب الإنسان على الأرض يظل هكذا بدون عقاب حيث يتم عقابه في يوم الدينونة. ويقول الرب على لسان هوشع النبي: "لا أعاقب بناتكم لأنهن يزنين، ولا كناتكم لأنهن يفسقن" (هو 4: 14). الله لا يعاقب الخطاة بسبب غضبه عليهم، كما يظن البعض، أو بمعني أخر إن الله عندما يوقع عقابًا بإنسان خاطئ، فإنه لا يوقعه بدافع الغضب من هذا الإنسان، بل على العكس، فإن علامة غضب الله على الإنسان تتمثل في عدم توقيع العقاب عليه. لأن الإنسان المُعاقب حتى ولو تألم تحت تأثير هذا العقاب، إلا أن القصد هو إصلاحه وتقويمه. بقول داود: "يا رب لا توبخني بغضبك ولا تؤدبني بسخطك" (مز 6: 1). لو أردت أن تؤدبني، فكما يقول إرميا: "أدبني يا رب، ولكن بالحق لا بغضبك لئلا تفنيني" (إر 10: 24). كثيرون أُصلحوا بسبب عقوبات الرب وتأديباته لهم. كما يقول الكتاب، إن أبناء السيد المسيح حينما يخطئون يتم عقابهم لكي تكون أمامهم فرصة للرحمة من قبل الرب: "إن ترك بنوه شريعتي، ولم يسلكوا بأحكامي، إن نقضوا فرائضي، ولم يحفظوا وصاياي، افتقد بعصا معصيتهم وبضربات إثمهم، أما رحمتي فلا أنزعها عنهم" (مز 89: 30-33).

من ذلك نفهم أنه إذا ارتكب أحد الخطايا ولم يعاقب حتى الآن يكون علامة عن عدم استحقاقه للعقاب بعد[259].

العلامة أوريجينوس

فِي سِتِّ شَدَائِدَ يُنَجِّيكَ،

وَفِي سَبْعٍ لاَ يَمَسُّكَ سُوءٌ [19].

كان الحديث السابق عامًا، أما الآن فيوجه حديثه بوجه خاص إلى أيوب مباشرة، مقدمًا له مواعيد الله الثمينة، ومعلنًا عن مراحمه العظيمة.

حقًا لم يكن أصدقاء أيوب مسترشدين برَوح الله في كل ما قالوه، لكنهم قدموا وعودًا إلهية عرفوها بالتقليد الشفوي. وإن كانوا أحيانا نطقوا على الله وعلى أيوب كلامًا غير مستقيم.

بقوله: "في ست شدائد ينجيك، وفى سبع لا يمسك سوء" يؤكد تكرار الضيقات والمتاعب، مع تكرار العون والخلاص. مادمنا في العالم نتوقع ضيقات، لكننا نثق في عون الله أبينا واهتمامه بخلاصنا وسلامنا. يقول الرسول بولس: "أية اضطهادات احتملت، ومن الجميع أنقذني الرب" (2تى 3: 11).

"لا يمِسك سوء" لن تسبب الضيقات أضرارًا حقيقية، فالشرير لا يمس أولاد الله (1 يو 5: 18)، بل هم محفوظون في يد الله مخلصهم.

v     بماذا يشير رقم 6 الذي تلاه رقم 7 إلا إلى التعب في فترة الحياة الحاضرة؟ فإن الله بعد أن أكمل كل شيء في اليوم السادس خلق الإنسان واستراح في اليوم السابع. هذا اليوم السابع عينه بدون مساء، إذ ليس بعد أية نهاية لينهي الراحة التي تبعتها. فعندما أُكملت كل الأشياء تبع ذلك الراحة، فإنه بعد الأعمال الصالحة للحياة الحاضرة تأتي بعدها مكافأة الراحة الأبدية. لهذا فإنه "في ست شدائد ينجيك الرب"، وهكذا "في سبع لا يمسك سوء". فإنه بتوجيه الحنو الأبوي يدربنا على متاعب الحياة الحاضرة. ولكن عند مجيء الديان يخفينا من البلاء... بل يحضرنا إلى خلاصه الأكثر تأكيدًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     إن كان أيوب هو أحد هؤلاء الذين يحذرهم الله ويُصلح من أمرهم، وليس الذين يضربهم بالعقوبة والدمار، لهذا في ست شدائد ينجيه الله، هذه التي تنهكه، لكنه إذ هو خادمه وصديقه وجنديه، فإن الشر لن يمسه في المرة السابعة، فإن عون الله يحفظه. لكن يبدو أن الحال ليس هكذا، كما عني أليفاز. هنا الكارثة التي حلت بك المرة الأولى هي احتراق القطيع، والثانية الغارة على الثيران، والثالثة فقدان الأتن، والرابعة سلب الجمال، والخامسة موت الرعاة، والسادسة موت أبنائك وبناتك المفاجئ، وبعد ذلك السابعة الشر قد مسك أنت وهو الألم الجسدي وقروح أعضائك. على أي الأحوال، فإن الله لا ينجيك، ذاك الذي يضرب ويشفي، الذي يسبب الألم ويداوي، لتستحق الافتقاد الإلهي.

ما قاله أليفاز عني به أن يقود أيوب إلى اليأس. لم يكن يعلم أن هذا شجع المصارع بالأكثر. فإن الله في ست مرات نجاه من الشدائد، فإن المصائب الست التي عددناها الآن قد حلت عليه من العدو. أما الله إذ يتطلع إلى البار، فقد وضع مقدمًا حدودًا لا يتعداها العدو. "انظر، ها أنا أسلمه لك، لكن احترم نفسه" ( راجع 12:1). بمعنى "لك أن تمس خارجه، لكن هذه الكلمات لن تعطيك سلطانًا أن تدخل إليه في داخله... لاحظوا كيف حفظ الله أيوب من هذه المحن، وباطلاً قال أليفاز لأيوب الأمور السابقة واللاحقة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     لاحظوا كيف يحطم كل نفعٍ فيما يقوله ويقدم لطمة عنيفة. كيف وبأية وسيلة؟ بإظهار أن أيوب لم يكن طرفًا بين الذين يتقبلون تحذيرًا، ولا الذين ينالون رجاءً. لكن في الواقع ما قاله ينطبق على شخص أيوب تمامًا. لكن مُحادثته كان لها تطبيقها العام، إذ قال أن هذا هو ما رأيناه وسمعناه. فإن كان هذا لم يحدث في حالتك، إن كنت باقيًا في شدائدك، فإنها لفائدتك لتعرف ضلالك.

القديس يوحنا الذهبي الفم

فِي الْجُوعِ يَفْدِيكَ مِنَ الْمَوْتِ،

وَفِي الْحَرْبِ مِنْ حَدِّ السَّيْفِ [20].

لن يقدر الجوع أن يهلكهم، إذ "في أيام الجوع يشبعون" (مز 37: 19). "لينجي من الموت أنفسهم، وليستحييهم في الجوع" (مز 33: 19). يحتاج الإنسان إلى كلمة الله - لا بصفته المخلِّص الذي يعيد نفس الإنسان إلى طبيعتها الأولى فحسب، بل أيضا لإشباع جميع الاحتياجات. فهو يقدم نفسه للإنسان كأنه كل شيء بالنسبة إليه. ففي السيد المسيح لا يقدر الجوع أن يحطمنا لأن السيد هو شبعنا. يقدم المسيح ذاته لأولئك الذين يشعرون بأنهم في حاجة إليه. فهذا الشعور يمنحهم استحقاق تواجده وسكناه في قلوبهم. وهو واحد، يقدم ذاته لكل مؤمن حسب حالته الروحية.

v     ربما، كما يقول الرسول لأولئك "قد صار لهم الحواس مدّربة على التمييز بين الخير والشر" (عب 14:5)، قد صار المسيح كلاً من هذه الأشياء، حتى يلائم الحواس المختلفة للنفس.

فقد دُعي النور الحقيقي، حتى تجد أعين النفس شيئًا ينيرها.

وهو(اللوغوس)، حتى تجد آذانها شيئًا تسمعه.

ثم هو خبز الحياة، حتى تجد للنفس شيئًا تتذوقه.

وبشكل ما دُعي بالناردين أو الدهن، حتى يمكن لحاسة الشم عند النفس أن تعي الرائحة الذكية للكلمة.

ولنفس السبب قيل أيضا أنه قادر أن يُحَسُ ويُمسك به، ودُعي باللوغوس المتجسد، حتى تلمسه يد النفس الداخلية فيما يتعلق بكلمة الحياة (يو 1-4:1، 1 يو1:1).

ولكن كل هذه الأمور هي الواحد - كلمة الله ذاتها - الذي يتكيف مع الانفعالات المختلفة للمصلي، تبعا لتلك المسميات المتعددة، فلا يتركُ بذلك أيا من قدرات النفس خالية من نعمته[260].

v     حقا، يمكنني القول أنه يصير كل شيء يحتاجه كل مخلوق قادر على التحرر. لذلك فهو يصبح نور الناس، إن كانوا - وهم في ظلمة الشرور - يبحثون عن ذلك النور الذي يسطع في الظلام الذي لا يدركه. فلم يكن ليصبح نورا للناس لو لم يصيروا في الظلمة[261].

العلامة أوريجينوس

ينجي الرب الإنسان من سيوف الأعداء، مهما بلغ عددهم، فلا تقدر حروب الشياطين أن تهلكنا. "يسقط عن جانبك ألف، وربوات عن يمينك، إليك لا يقرُبُ" (مز 91: 7).

v     يسوع ابن اللَّه، ربي، يهبني ويأمرني أن أسحق تحت أقدامي روح الزنا، وأن أطأ عنق روح السخط والغضب، وشيطان الجشع الخ[262].

v     كما أن الآب "له وحده عدم الموت" (1تي16:6)، أخذ الرب يسوع، حبًا فينا، على نفسه ثِقَل الموت نيابة عنا.

وعلى النمط نفسه ينطبق هذا الوصف على الآب وحده: "ليس فيه ظلمة". فإن المسيح، لمنفعة البشر، أخذ على نفسه ظلامنا، حتى يمكنه بسلطانه أن يأتي بموتنا إلى لا شيء naught وأن يبدد ظلمتنا الداخلية[263].

v     قبل مجيء ربنا ومخلصنا، ملكت كل الشياطين على عقول الناس وأبدانهم، واستقرت في أرواحهم. ثم ظهرت نعمة الرب المخلص ورحمته على الأرض، تعَلِّمنا كيف يجدر بنفس كل إنسان أن تستعيد الحرية، وتسترد صورة الله التي خُلِقَت عليها...

من هو هذا، إذا لم يكن يسوع المسيح، الذي بجلداته قد شفينا نحن المؤمنين به، عندما "جَرَّدَ الرئاسات والسلاطين" الذين في وسطنا و"أَشْهَرَهُم جهارا" فوق الصليب؟ (كو 15:2)[264].

v     لقد سقطنا تحت سلطان أعدائنا، أي "مَلِكُ هذا الدهر" وأعوانه من قوى الشر. لهذا نشأت حاجتنا إلى الفداء بواسطة ذاك الذي يشترينا حتى نعود من حالة التغرب عنه. لذلك بذل مخلصنا دمه فدية عنا...

ولما كانت "مغفرة الخطايا"، وهي تتبع الفداء مستحيلة قبل أن يتحرر الإنسان، لابد لنا أولاً أن نتحرر من سلطان ذاك الذي أخذنا أسرى، واحتفظ بنا تحت سيطرته، نتحرر بعيدًا عن متناول يده، حتى نتمكن من أن نحظى بغفران خطايانا والبُرْء من جراحات الخطية، حتى ننجز أعمال التقوى وغيرها من الفضائل[265].

العلامة أوريجينوس

مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ،

فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ إِذَا جَاءَ [21].

كما يحمي الله أولاده من السيف في المعركة، كذلك يحميهم من لسان الأشرار الذي هو أحد من السيف؛ يحميهم من الاتهامات والافتراءات الموجهة إليهم باطلاً. هكذا في وقت الحرب كما في وقت السلم يعيش المؤمن تحت مظلة الله في سلامٍ، لا يخاف من الخراب، حتى إن رآه قادمًا.

يقدم أليفاز اتهامًا ضد أيوب في شكل نصيحة: "من سوط اللسان تُختبأ، فلا تخاف من الخراب إذا جاء". كأنه يقول: لقد انهزمت في التجربة، لأنه إذ حلّ بك الضيق، كان يجب ألا تخطئ بلسانك، بل تختبئ من هذا الخطأ. لسانك يشهد على شرك، فقد سقطت في فخ اللسان، وانحنيت لجلداته القاتلة. لم يدرِ أليفاز أن ما يقوله لا ينطبق على أيوب، لأن الله نفسه يشهد أنه في هذا كله لم يخطئ، ولم ينسب لله جهالة (22:1)، إنما الذي سقط في شراك اللسان وتحت جلداته هو أليفاز نفسه الذي أراد بها أن يسقط أيوب البار. أما أيوب فينطبق عليه قول المرتل: "لأنه ينجيك من فخ الصياد، ومن الكلمة القاسية" ( مز 3:91).

v     أحب قديسو الرب حفظ الصمت، لأنهم أدركوا أن صوت إنسان هو بدء الخطية. فقال قديس الرب[266] في نفسه: "قلت أتحفظ لسبيلي من الخطأ بلساني". لأنه عرف ما سبق فقرأه أن من علامات الحماية الإلهية للإنسان أن يختبئ من جلدات لسانه، ومن شهادة ضميره.

إننا نؤدب بواسطة توبيخات أفكارنا، وحكم الضمير.

نؤدب أيضًا بجلدات أصواتنا، عندما ننطق بأشياء تصيب نفوسنا إصابات قاتلة، ويُضرب ذهننا بجراحات دامية. لكن أين ذاك الإنسان الذي تنقى قلبه من نجاسات الخطية، فلا يخطئ بلسانه؟

هكذا إذ رأى أنه لا يوجد أحد أمكنه أن يحفظ فمه متحررًا من الكلام الرديء وضع لنفسه قانون البرّ بالتزامه بأحكام الصمت. وضع نصب عينيه أن يتجنب بالصمت السقطة التي كان يصعب عليه الهروب منها بالكلام[267].

 القديس أمبروسيوس

v     "لا تخف من الخراب إذا حلّ" [22] فإذ يرى القديسون أنفسهم منهمكين مع المقاوم في أشكال متنوعة، يجهزون أنفسهم بأساليب مختلفة في معركتهم.

لهم معونة كلمة الله في مواجهة المجاعة.

ولهم درع ضبط النفس في مواجهة سيف الحرب.

ولهم حصن الصبر في مواجهة سوط اللسان.

ولهم عون الحب الداخلي في مواجهة الأذى الذي للكوارث الخارجية.

هكذا بطريقة عجيبة يجتازون التجارب المتنوعة التي يجلبها عليهم العدو الخبيث، فينالون غنى أعظم في الفضيلة كجنود الله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "أفنيتهم، وأبوا قبول التأديب" (إر 5: 3). الله في عنايته ورحمته، حينما يقوم بعمله التطهيري من أجل خلاص النفس، فإنه يذهب في عمله حتى النهاية (حتى الفناء)، على الأقل من جانبه. فإذا كان كل الذي يأتي علينا من قبل العناية الإلهية يهدف إلى كمالنا وإلى تأديبنا، ومع ذلك لا نقبل التأديبات الإلهية التي تقودنا إلى الكمال، فإن الذي يفهم معنى هذه الفقرة يمكنه أن يقول للرب: يا رب، لقد أفنيتهم (أدبتهم)، وأبوا قبول التأديب[268].

العلامة أوريجينوس

تَضْحَكُ عَلَى الْخَرَابِ وَالْمَجَاعَةِ،

وَلاَ تَخْشَى وُحُوشَ الأَرْضِ [22].

يتطلع المؤمن إلى مؤامرات الأشرار وهياج وحوش البرية، وفى طمأنينة يستخف بهم، لأنه محفوظ في الله. هذا هو حال بولس الرسول الذي لم يخشَ آخر عدو وهو الموت، وأكمل تسبحته قائلاً: "أين شوكتك يا موت؟" (1 كو 15: 55)، "لكننا في هذه جميعها، يعظم انتصارنا بالذي أحبنا" (رو 8: 35).

v     "على الخراب والمجاعة يضحك"... حسنًا قيل بالمرتل: "فيرى الصديقون ويخافون، وعليه يضحكون، هوذا الإنسان الذي لم يجعل الله معينه" (مز 6:52-7). الآن ينظر الأبرار إلى الأشرار ويخافون، يتطلعون فيما بعد ويضحكون. إنهم يُمسكون الآن بالخوف خشية أن يتمثلوا بهم، ولكنهم إذ لا يقدرون أن يصلحوا من سقطوا تحت الحكم الأبدي لا يضمرون لهم عطفًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     تجد أجزاء كثيرة في الكتاب المقدس يتشبه فيها الله بصفات الإنسان. فإذا سمعت يومًا كلمات "غضب الله وثورته" لا تظن أن الغضب والثورة عواطف وصفات موجودة عند الله، إنما هي طريقة بها يتنازل الله ويتكلم ليؤدب أطفاله ويصلحهم.

لأننا نحن أيضًا حينما نريد أن نوجه أولادنا ونصحح أخطائهم نظهر أمامهم بصورة مخيفة ووجه صارم وحازم لا يتناسب مع مشاعرنا الحقيقية، إنما يتناسب مع طريقة التأديب.

إذا أظهرنا على وجوهنا التسامح والتساهل الموجود في نفوسنا ومشاعرنا الداخلية تجاه أطفالنا بشكل دائم، دون أن نغير ملامح وجوهنا بحسب تصرفات الأطفال، نفسدهم ونردهم إلى الأسوأ. بهذه الطريقة نتكلم عن غضب الله، فحينما يقال أن الله يغضب، فإن المقصود بهذا الغضب هو توبتك وإصلاحك، لأن الله في حقيقته لا يغضب ولا يثور، لكنك أنت الذي ستتحمل آثار الغضب والثورة عندما تقع في العذابات الرهيبة القاسية بسبب خطاياك وشرورك، في حالة تأديب الله لك بما نسميه غضب الله![269]

العلامة أوريجينوس

لأَنَّهُ مَعَ حِجَارَةِ الْحَقْلِ عَهْدُكَ،

وَوُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ تُسَالِمُكَ [23].

متى كان المؤمن في سلام مع الله تصير له صداقة مع كل الخليقة. يقيم عهدًا حتى مع حجارة الحقل، فلا تصدم بحجر رجله. يقيم عهد سلامٍ حتى مع وحوش البرية. "وأقطع لهم عهدًا في ذلك اليوم مع حيوان البرية وطيور السماء ودبابات الأرض، وأكسر القوس والسيف والحرب من الأرض، وأجعلهم يضطجعون آمنين" (هو 2: 18). من كان في عهدٍ مع خالق السماء والأرض، وتشتهي السماء والأرض مصالحته وتجد مسرة في خدمته.

v     هكذا إنه لأمر إلزامي علينا أن نجاهد، وأن نصلح من أخطائنا، ونصحح سلوكنا، فبدون شك متى تم هذا باستقامة نصير في حالٍ أفضل جدًا حتى مع الحيوانات المفترسة والوحوش، ولا أقول عن الكائنات البشرية.

 هذا يطابق ما دُوِن في سفر أيوب الطوباوي: تكون الوحوش المفترسة في سلامٍ معك" (23:5 LXX). لن تخشى هجمات تصدر عن الخارج، ولن تقدر أن تؤثر فينا عثرة في الخارج مادامت جذورها لم يُسمح لها بالدخول وأن تُغرس فينا. فإن "سلامة جزيلة لمحبي اسمك، وليس لهم معثرة" (مز 165:119)[270].

 القديس يوحنا كاسيان

v     "ووحوش الأرض في سلام معك" [23]. واضح أن الشياطين خضعت له، ليس بإرادتها، بل تحت إلزام. إذ يفهم ذلك كله بشجاعة وصبر... إنه يعرف أن يحرس بيته في سلام، إذ لم يكن جسد أيوب في صراع ضد الروح (1 كو 16:3)، وعواطف الجسد لم تقاوم ناموس الروح.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     عدونا المخادع يُدعى "وحش الأرض"، إذ يفترس بعنف طبيعته المتوحشة، ممسكًا بنفوس الخطاة في ساعة موتهم... أما الصالحون، فإنهم إذ يخضعون بكل قلوبهم لخوف الله يزول عنهم كل ثقل الخوف الحال من الخصم.

v     أعطى "الحق" السلام لتلاميذه في البداية عندما قال: "سلامًا أترك لكم، سلامي أنا أعطيكم" ( يو 27:14). اشتهى سمعان السلام الكامل عندما طلب إليه قائلاً: "الآن أطلق عبدك بسلام حسب قولك" ( لو 29:2). فإن سلامنا يبدأ بشوقنا للخالق، ويكمل بالرؤية الواضحة. فإنه سيكون كاملاً عندما لا تعمى أذهاننا بالجهل، ولا تتأثر بهجمات جسدية. فإننا إذ نلمسه في بداياته، إما تخضع النفس لله أو يخضع الجسد للنفس، فيُقال عن خيمة البار إنها في سلام، أي في جسده الذي يسكنه عقله، فتكون العواطف المتمردة والتي للشهوات تحت قيادة يد البرّ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

فَتَعْلَمُ أَنَّ خَيْمَتَكَ آمِنَةٌ،

وَتَتَعَهَّدُ مَرْبِضَكَ،

وَلاَ تَفْقِدُ شَيْئًا [24].

في المصالحة مع الله يتحقق السلام في البيت والأسرة. من يسكن في ستر العلي (مز 91: 1)، يسكن العلي في بيته، ويتعهد خلاص أسرته.

ما هي الخيمة إلا الجسد الذي يتقدس بالسيد المسيح، فيصير ممجدًا وفي أمانٍ على مستوى أبدي؟

v     لسنا نريد أن نتخلص من الجسم، وإنما من الفساد الذي فيه. جسمنا هو ثقل علينا، ليس لأنه جسم بل لأنه فاسد وقابل للألم. ولكن إذ تحل الحياة الجديدة، فإنها تنزع هذا الفساد، أقول هذا الفساد لا الجسم نفسه[271].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     أرانا موسى النبي كمثالٍ، بواسطة مجد الروح الذي سطع على وجهه الذي لم يستطع أحد أن يتفرّس فيه، كيف أنه في قيامة الأبرار ستتمجد أجساد أولئك المستحقين، بمجدٍ تحصل عليه منذ الآن النفوس المقدسة الأمينة، إذ تُحسب أهلاً لاقتناء هذا المجد في داخلها، في الإنسان الباطن[272].

القديس مقاريوس الكبير

v     إنهم بعدل ينالون مكافأة آلامهم في الجسم الذي تألم فيه الأبرار وحزنوا وتزكوا بالآلام بكل وسيلة. وفي ذات الجسم الذي فيه قُتلوا من أجل محبتهم لله، فيه ذاته سيحيون، وفي ذات الجسم الذي فيه احتملوا العبودية فيه سيملكون[273].

القديس إيريناؤس

وَتَعْلَمُ أَنَّ زَرْعَكَ كَثِيرٌ،

وَذُرِّيَّتَكَ كَعُشْبِ الأَرْضِ [25].

فقد أيوب كل بنيه، وها هو أليفاز يقول له إنه إن رجع إلى الله يكثر زرعه وتزدهر ذريته.

ذرية الأبرار كثيرة كعشب الأرض، إذ يعطى الله كلمة ونعمة للأبرار فيكسبون نفوسًا كثيرة للرب كأولاد له.

v     عندما نكون خاضعين بالكامل لله، نُزود أيضًا بكلمة الكرازة. ويخلف نفوس المؤمنين ذرية ضخمة عندما يُمنحون أولاً الكرازة المقدسة... تُشَّبه ذرية البار بعشب الأرض حيث أن من يولد في صورة منه بينما ينزع فساد المجد الزمن الحاضر، يصير أخضر بالرجاء في الأبديات.

البابا غريغوريوس (الكبير)

تَدْخُلُ الْمَدْفَنَ فِي شَيْخُوخَةٍ،

كَرَفْعِ الْكُدْسِ فِي أَوَانِهِ [26].

الرجوع إلى الله يهبه طول العمر، فيتمم رسالته ويدخل القبر في شيخوخة صالحة في الأوان اللائق كما يُجمع القمح ويُخزن في أوانه.

v     "تدخل قبرك في كمال (الشيخوخة)، ككدس (كومة) الحنطة في أوانها". ماذا يعنى بالقبر سوى حياة التأمل، فإنها كمن تدفنا نحن الموتى عن العالم، وتخفينا في العالم الداخلي بعيدًا عن الشهوات الأرضية. فإن الذين هم موتى عن الحياة الخارجية هم أيضًا مدفونون بالتأمل، هؤلاء الذين يقول لهم بولس: "لأنكم قد متم، وحياتكم مستترة مع المسيح في الله" (2 كو 3:3)...

فمن يُخضع غطرسة الجسد فيه يترك له هذا العمل: أن يدرب العقل بتداريب مقدسة. ومن يفتح ذهنه في الكلمات المقدسة يسمو ويمتد متمتعًا بالتأمل الداخلي. فإنه ليس بكارز كامل من يتكرس للتأمل متجاهلاً الالتزام بالعمل الموكل إليه أو بسبب الالتزام بالعمل يترك الالتزام بالتأمل...

بالتأمل يقومون في حب الله، وبالكرازة يعودون إلى خدمة قريبهم...

وقت العمل يأتي أولاً وبعد ذلك التأمل. لهذا يلزم كل إنسان كامل أن يبدأ بتدريب فكره بالعادات الفاضلة وبعد ذلك يستلقي في أكداس حنطة الراحة... "أرجع إلى بيتك وحدث بكم صنع الله بك" (لو39:8)...بعد أن نُشفي يرسلنا الرب إلى بيتنا. إنه يأمرنا أن نروي الأمور التي صنعها معنا، حتى تنشغل النفس أولاً بالعمل وبعد ذلك تنتعش بالتأمل. تبعًا لهذا خدم يعقوب من أجل راحيل واقتنى ليئه. وقد قيل له: "ليس من عادة مكاننا أن تُعطى الصغيرة قبل البكر" (تك 26:29)... ماذا يُعنى براحيل سوى الحياة التأملية؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

هَا إِنَّ ذَا قَدْ بَحَثْنَا عَنْهُ، كَذَا هُوَ.

فَاسْمَعْهُ، وَاعْلَمْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ [27].

إذ أبرز أليفاز صلاح الله القابل التائبين ليرد لهم سلامهم وسعادتهم وخيراتهم، يختم محادثته الأولى بتقديم ضمانٍ أكيدٍ لحكمته التي قدمها لأيوب.

لقد تسلمنا الإيمان بالله خلال التقليد المقدس، هذا لا يعني تراخينا، بل يلزمنا أن نبحث عنه ونطلب أن يتجلى في حياتنا، ونتعرف عليه كل يوم، فنحبه ونقتنيه. ننصت إلى صوته، ونتعلم منه لتكون لنا خبرة شخصية في التعامل معه.

يطالب أيوب أن يبحث عن ما سمعه بخصوص وحوش الأرض وأكداس الحنطة والقبر، حتى لا يأخذ المعاني حرفيًا، بل يدرك أسرارها الروحية العميقة فيتمتع بالتأمل في الله.

v     بمعنى لتكن أنت قاضيًا لنفسك، الحكم لضميرك وجهًا لوجه. لكن أعمال أيوب مضيئة، وأفكاره الخفية أكثر إشراقًا من أعماله المنظورة، وذلك خلال المعركة التي أثارها العدو ضده.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي


 

من وحي أيوب 5

أنت هو سر الطوبى!

 

v     شهوة اشتهيت أن أثبت فيك إلى الأبد.

أنت هو القيامة والحياة الأبدية.

أقتنيك، فأنعم بسرّ الحياة الأبدية المطوّبة.

 

v     يرتفع قلبي لينعم بشركة القديسين.

في حبهم يصلون عني، ويطلبون خلاص نفسي.

لكن ما هو نفع صلواتهم ما لم ارجع إليك بالتوبة؟

كيف أشاركهم نصيبهم ما لم أتجاوب مع غنى نعمتك؟

 

v     حرمتني الخطية من التمتع بك يا أيها الحب السرمدي.

نزعت عني الحب، فتملك الغضب والحسد عليّ.

تحولت إلى الغباوة والجهالة، فصرتُ جافًا.

اقتلعتني الخطية من جذوري،

فلم أعد أقطن فيك يا سرّ الحياة.

حُرمت من السلام الداخلي والأمان الحقيقي.

في غباوة تعثرت فيك، يا أيها الباب الإلهي.

بدد العدو مواهبي، وحطٌم طاقاتي.

صرت مأكلاً له، ومشربًا لملائكته الأشرار.

تحولت حياتي إلى برية مملوءة أشواكًا وحسكًا.

أعترف بكل ما حلٌ بي من مرارة.

هو ثمرة تهاوني وجهلي!

من ينقذني من العدو، ويحملني إليك إلا نعمتك الغنية؟

 

v     الآن أرجع إليك، طالبًا حضرتك في داخلي.

أنت هو الصانع العجائب،

بروحك القدوس تجدد طبيعتي،

وتقيم من بريتي الجافة فردوسًا روحيًا.

تحول أرضي إلى السماء،

وبشريتي الضعيفة إلى حياة سماوية.

تملأني بروحك القدوس، المطر السماوي،

يحملني بجناحيه ويطير بي إلى الأحضان الإلهية.

يرفعني إلى العلا، وهناك تستقر نفسي.

تجعلني عجبًا، يا أيها العجيب!

 

v     لتؤدب، فإني ابنك موضوع رعايتك الفائقة.

لتسحقني يداك فتشفيانني.

لتسمح بست شدائد، وفي السابعة تنجيني.

لتسمح بالجوع، لكي تقدم لي ذاتك خبزًا سماويًا.

ليضرب العدو بسيفه، فإنه يرتد عليه،

لأني في أحضانك.

ليصمت لساني، لأن قلبي يناجيك.

ليته ينهار العالم الشرير،

فإني مترقب مجيئك على السحاب.

لأتكئ على صدرك،

فلا أخشى وحوش البرية الكاسرة.

لتسكن فيٌ وأنا فيك،

فيتقدس جسدي مع عقلي ونفسي.

تصير خيمة جسدي في آمان،

ونتبارك ثماره المقدسة بروحك القدوس.

أحيا كل أيام غربتي في عزك،

وبالفرح انطلق شبعان الأيام التي باركتها.

<<


 

الأصحاح السادس

حاجة المتألم إلى مواساة أصحابه

خيبة أمل أيوب من جهة موقف أصدقائه

لم يتهم أليفاز أيوب مباشرةً أنه خاطيء عظيم، وإنما بدأ حديثه برقةٍ، غير أن حديثه يحمل بطريقة غير مباشرة عدة اتهامات خطيرة، منها أنه مرائي يخفي خطاياه التي بسببها حلت به كل هذه الكوارث، وأنه إنسان جاهل يتهم الله. لقد فهم أيوب ما كان يعنيه أليفاز.

اتفق أيوب مع أصحابه أن ما حلّ بأيوب هو من الله، لكن كان الاختلاف في تفسير ما وراء هذه الآلام، هل حلت عليه كعقوبةٍ إلهيةٍ من أجل خطايا خفية.

يبرر أيوب صراخه، فإن الحيوانات متى شبعت لا تصرخ بل تصمت، فصرخة أيوب ليست من فراغ.

كان أيوب يتوقع وهو متوهج بالحرارة أن يجد في أصدقائه ماءً مثلجًا يطفئ الحرارة التي في داخله. لقد توقع منهم العطف، وتوقعه هذا مبني على مبادئ الإنسانية، ومن لا يظهر هذا العطف يكون قد ترك خوف القدير. ثم إن التجرد من الإنسانية كفر وإلحاد، وإن الشدائد محك الصداقة. لقد ذكَّرهم أنه لم يطلب منهم رد أملاكه، ثم سألهم أن يروه في أي شيء أخطأ، وأن يعاملوه بالعدل، ويكلموه بالاستقامة.

لقد أخذوا موقفًا جافًا شبيهًا بجدول تنضب مياهه عند الحاجة الشديدة إليه. يشبه نفسه بمسافرٍ في الصحراء يعرف أماكن المياه العادية، وإذ بلغ إليها وجد المياه قد تسربت في الرمل وجف الموضع تمامًا.

كان أيوب حزينًا بسبب خيبة أمله من جهة موقف أصحابه، هؤلاء الذين حاولوا الإيحاء له بأن الله قد صار عدوًا له. هذا هو ما أثر في نفسه جدًا، وسبب له ارتباكًا، إذ يرى أن الله الذي أحبه وعبده قد جلب عليه كل تلك المتاعب، ووضعه تحت علامات غضبه هذه، مما بعث فيه الرغبة في أن يحل به الموت الذي كان يشتاق إليه.

كانت فحوى كلمات أليفاز أنه يجب على أيوب أن يعترف بخطيئته الخفية، ويطلب مغفرتها؛ هذا أنشأ في نفس أيوب نفورًا، عبر عنه بالكلمات الآتية: "حق المحزون معروف من صاحبه، وإن ترك خشية القدير" (أي 14:6). ولهذه الكلمات تفسيران الأول إن الترك يشير إلى أصحابه الذين بامتناعهم عن مشاركتهم مشاعره يتركون القدير. والثاني إن أيوب أيضًا يشعر بأنه قد زل عن طريق الله، فإظهار شيء من العواطف اللطيفة نحوه يقوي ثقته بالله. هذا المعنى هو الأرجح. يليق بنا وجوب الامتناع عن الغلظة والمجافاة حتى مع الذين يسيئون التصرف، لئلا يُساقوا إلى عدم الإيمان.

يوجه أيوب نظره وكلامه إلى الله بعبارات تبدو كما لو كانت تخلو من الاحترام. يخاصم الله الذي ينسب إليه أنه هو سبب كل آلامه، وينطق بكل ما يجول في فكره، ويسأل بتهكم هل هو جاد حتى يضع الله رقيبا عليه؟ ويتوسل إلى الله أن يتركه وشأنه أو ينهي حياته، لماذا يعني القدير بشيء صغير كالإنسان؟

تتقدم نفسه إلى الله تطلب شفقته وعطفه على أساس أنه خليقة ضعيفة جدًا وإقامته في هذا العالم قصيرة، وانتقاله من العالم سريع، وعودته إليه مستحيلة ولا يمكن قط توقعها. هذا لا يعني أن أيوب أخطأ، ولكن على فرض أنه ارتكب شرًا، فإنه يريد أن يعرف أي ضرر أصاب الله من خطأه، ولماذا لا يغفر الله له ذنبه ويزيل إثمه؟

ظن أليفاز أن ما قاله لأيوب هو عين الحكمة، يقين لا يمكن لأحد الاعتراض عليه. لكن أيوب لم يقتنع بكل ما قاله، واستمر يبرر نفسه في شكواه، وقد تحدث بمنطق مقبول يشوبه الضعف البشري.

1. من حق المتألم أن يشكو                   1-7.

2. الموت هو نهاية المتاعب         8-13.

3. نقده لقسوة أصدقائه              14-30

1. من حق المتألم أن يشكو

"فأجاب أيوب وقال" [1].

إن كان الذي دخل معه في الحوار أليفاز إلا أن أيوب أدرك أن أليفاز يتكلم باسم الكل معُا، لذا وجه أيوب إجابته للجميع (15:5).

اتسم أيوب بالتعقل والاتزان إذ لم يقاطع أليفاز الذي بدأ حديثه بقسوة. واستمع أيوب بصبرٍ حتى أكمل أليفاز كل ما أراد أن يقوله.

لَيْتَ كَرْبِي وُزِنَ،

وَمَصِيبَتِي رُفِعَتْ فِي الْمَوَازِينِ جَمِيعَهَا [2].

كشف أيوب عن كربه، أنه لا يمكن تصويره تمامًا، ولا أن يدركه أحد إدراكًا كاملاً. وليس من ميزانٍ في العالم يستطيع أن يزن حزنه، فطلب أن تُجمع كل الموازين لتزن حزنه الشديد.

v     "فأجاب أيوب وقال: آه، من يزن بالحق كربي، ويرفع مصيبتي في الموازين جميعها؟" هذه العبارة تخص الكلمات السابقة (3:4-5): "أنت قد أرشدت كثيرين... وثبت الركب المرتعشة، والآن إذ جاء عليك ضجرت، إذ مسَّك ارتعت".

أود أن تصير كربتي واضحة، وتدرك أنه ليس أحد اختبر مثل هذه الأحزان. تطلع إلى كارثتي، فإنها بطبيعتها تقيم لي عذرًا، وإن كان على وجه الدقة ما يخصني هو أمر لا يغُفر...

لقد برهن أليفاز على أن هذه الكارثة بسبب شره، مقدمًا الحجة على ذلك: "أذكر من هلك وهو بريء، وأين أبيد المستقيمون؟" (7:4). إنه يقول تمامًا كما قال البرابرة عن بولس بعد أن لدغته الحية في مالطة: "لم يدعه العدل يحيا ولو نجا من البحر" (أع 4:28).

 يقول: البشر - خاصة العامة - يحكمون على الأحداث بطريقة ساذجة عشوائية، لا يضعون أساسًا لأحكامهم على تصرفات الشخص، بل بالحري على ما يحل به من تأديبات وعقوبات. لهذا يقول أليفاز: "هل المائت (الإنسان) أبرّ من الله؟" (17:4). يجيب أيوب: لا أستطيع أن أجيب، ولا أن أقول إنني أعاني من أحزانٍ كثيرةٍ ومرعبةٍ هكذا دون أن أرتكب أية خطية، فإن الضربات تنطق ضدي. يقول: إني أستطيع أن أقترب من القدير وأناضل معه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     من الذي يُعطى له لقب "الموازين" سوى الوسيط بين الله والإنسان، الذي جاء ليزن استحقاق حياتنا ويُنزل معه كل من العدل والحنو معًا؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

لأَنَّهَا الآنَ أَثْقَلُ مِنْ رَمْلِ الْبَحْرِ،

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَغَا كَلاَمِي [3].

كانت كوارثه مضاعفة وثقيلة جدًا لا يُمكن إحصائها ولا وزنها، فهي "أثقل من رمل البحر". لهذا طلب التماس المعذرة إن "لغا كلامه" أي وجد فيها ما يبدو باطلاً أو ممتزجًا بمرارة، فإنه وسط هذه الآلام يصعب تزيين الكلمات أو حتى ضبطها.

هكذا يعتذر أيوب عما صدر من فمه تعبيرات ثائرة عندما سبَّ يوم الحبل به أو يوم ميلاده. فهو لا يبرر ذلك، لكنه كان يتوقع من أصدقائه أن يضعوا في اعتبارهم حاله قبل أن ينتقدوه. كان يليق بهم أن يترفقوا به وسط هول مصيبته، فهو في حاجة إلى الحنو لا إلى النقد المر.

v     إن وضعت كربي في ميزان، أحكامي مع عذابات آلامي، وتزنهم، ليس منفصلين بل جميعًا معًا، تجد أحزانى "أثقل من رمل البحر". لأن ما أحزن أيوب ليس فقدان ممتلكاته، وخسارة ثروته، وسحق أبنائه، ولا القيح الصادر عن قروحه، بل النتائج المؤلمة التي بلغت إليها روحه... كل أمواج البحر الظاهرة ليست في ثقل الكلمات التي تصدر مع التدمير الصادر عن مقاطعة العدو.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

لأَنَّ سِهَامَ الْقَدِيرِ فِيَّ،

تَشْرَبُ رُوحِي سُمَّهَا،

أَهْوَالُ اللهِ مُصْطَفَّةٌ ضِدِّي [4].

ما هي سهام القدير التي تصوب نحو أولاد الله، فتشرب روحهم؟ إنها سهام الحب التي يصوبها الله نحو قديسيه فيُجرحون بالحب الإلهي، ويشتهون الموت ليَلتقوا معه، ويختبروا محبته الإلهية في أكمل صورها.

يرى كثير من الآباء أن الآب في محبته للبشرية صوٌَب سهمه الثمين، كلمة الله، حيث دفع به نحو قلوب البشر، ليجرحهم بجراحات الحب، فتصرخ النفس: "أنا مجروحة حبًا" (نش 5:2).

وكما يصوب الله سهام حبه نحو قلوبنا ليهبها جراحات الحب الواهبة للشفاء والسعادة على مستوى أبدي، هكذا يقذف عدو الخير سهامه الملتهبة نارًا في قلوب البشر لكي يقتلها، ويؤهلها لجهنم الأبدية (أف 16:16).

هذه الصورة حتمًا منقولة عن عادة شائعة بين الأمم المتبربرة حيث يغمسون رؤوس السهام في مواد سامة، حتى متى أصابت أحدًا تفيض بهم إلي الموت[274].

إن كانت الكوارث التي حلت به لا يمكن لموازينٍ أن تزنها، فإن ما هو أخطر من ذلك السهام الداخلية، سهام القدير التي وُجهت إليه. يرى الله الذي يحبه ويعبده قد جلب عليه تلك المتاعب، وصَّوب سهامه فيه.

شعر كأن حمتها أو السم الذي مُسحت به السهام قد تسرب إلى روحه، ففقد اتزانه وانهارت أعماقه.

لقد وقف مذهولاً. إنه في معركة أمام جيش الله المصطف ضده، يحاربه الله بأهواله، فمن أين له بالتعزية؟ لا يستطيع أن يرفع عينيه إلى السماء، إذ لا يجد تعزيات تحل عليه منها، بل أهوال الله تقاومه.

v     مدحت العروس رامي الرمح على تصويبه الدقيق، لأنه رماها بسهمه. فقالت العروس: "إني مجروحة (مريضة) حبًا" (نشيد 5:2). تعنى هذه الكلمات أن سهام العريس قد نفذت إلى داخل قلبها. إن مُصوّب هذه السهام هو الحب (1 يو 8:4)، الذي يرسل "سهمه المختار" (إش 2:49)، الابن الوحيد، إلى هؤلاء الذين يخلصون، ثم يغمس سن السهم الثلاثي في روح الحياة. وسن السهم هو الإيمان وبواسطته يقدم الله مُصوّب السهم وكذلك السهم معًا إلى القلب كما يقول السيد المسيح: "إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبى وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً" (يو 23:14)[275].

البابا غريغوريوس النيسي

v     النفس التي ارتفعت إلى درجات إلهية عليا ترى بداخلها سهم الحب العذب الذي جرحها، وتفتخر بهذا الجرح قائلة: "إني مجروحة بالحب". أيها الجرح الجميل والسهم العذب الذي أدخل الحياة إلى قلبي! فلقد فتح نفاذ السهم بابًا ومدخلاً للحب، وهو التحول الخيالي من رمي السهام إلى فرح العرس. يشير القديس أيوب إلي تلك السهام، وعندما قاسى من آلامه المكثفة أعلن أن سهام الرب طعنته (أي 6: 4). حقًا نتطلع عادة إلي السهام بكونها كلمات الله. ولكن هل استطاع أن يشعر بآلام كثيرة عندما طُعن بها؟

كلمات الله، وإن كانت سهامًا، فهي تثير الحب لا الألم. أو هل هي سهام لأنه لا يوجد حب بدون ألم؟ عندما نحب شيئًا دون أن نملكه لا نستطيع إلا أن نشعر بحزنِ. الإنسان يحب بغير ألم عندما يملك موضوع حبه، فلا يتألم ولا يتأوه. لهذا فإن عروس المسيح في شخص الكنيسة تنطق بهذه الكلمات في نشيد الأناشيد: "فإني مجروحة حبًا" (نش 2: 5؛ 5: 8). تعلن بنفسها أنها مجروحة بالحب. إنها تحب ما لم تبلغه بعد، إنها تحزن لأنها لم تقتنه بعد. وإذ تحزن تُجرح، ولكن هذا الجرح يُحضرها سريعًا إلي كمال الصحة الحقيقية. من لا يُضرب بهذا الجرح لن يقدر أن يبلغ تمام الصحة الحقيقية[276].

v     "سهامك انغرست فيٌ، ويدك ثقلت عليٌ" (مز 2:38)... ذات العقوبة (التي على آدم)، ذات السخط، أي آلام كل من الذهن والجسد، هي ضرورة يلزمنا أن نحتملها هنا، هذه التي وصفها بأنها "سهام". وقد أشار أيوب إلى ذات السهام (4:6)، وقال إن سهام البرّ انغرست فيه، بينما كان يعاني تحت تلك الآلام.

لقد اعتدنا أيضًا ان ندعو كلمات الله سهامًا كمن تهب الحب لا الألم... لنفهم إذن "سهامك انغرست" هكذا: "كلماتك انغرست في قلبي".

بهذه الكلمات ذاتها يحدث أن أتذكر السبت، وبتذكري السبت (الأبدية) وعدم نوالي إياه، أُحرم من الفرح في الوقت الحاضر، وأتذكر أنه ليس لي صحة في جسدي، بل ولا يليق بي أن أحسبها صحة عندما أقارنها بالصحة التي أنالها في الراحة الأبدية، حينما يلبس هذا الفاسد عدم الفساد، وذاك المائت عدم الموت (1 كو 53:15)، وأرى بمقارنة ما سأكون عليه أن الصحة الحاضرة ليست إلا مرضًا[277].

القديس أغسطينوس

v     إنها تطعنني بهذه الطريقة، ليس مجرد رُشقت في جسمي، بل حرمتني من الحكم المتزن.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     لأن سهام الرب في جسمي، عنفها يشرب دمي، كلما أردت الكلام تطعنني" (أي 6: 4). انسحق أيوب بهذه السهام. هذا ما تغنى به داود في المزامير: "لأن سهامك قد انتشبت في، وثقلت يدك عليّ" (مز 2:38). فإن كليهما يتحدثان عن أحزان يصوبها الأعداء ضدهما بسماح من الله، ولهذا السبب يقول أيوب: "عنفهم يشرب دمي". كأنه يقول: "غنى نفسي قد اُستنزف، لا أستطيع أن أصمد في مواجهة هذه التي تفسدني بوجه متقد. فإنه إذ يبدأ أيوب يتحدث تطعنه الآلام. خاصة عندما يطول الحديث، فإن جراحاته تظهر بوضوح في أكثر قوة، لذا يضع لجامًا يكتم كلماته خشية أنها لا تسر الله تمامًا.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

هَلْ يَنْهَقُ الْفَرَاُ عَلَى الْعُشْبِ،

أَوْ يَخُورُ الثَّوْرُ عَلَى عَلَفِهِ؟ [5]

كان يليق بهم عوض نقده أن يشاركوه آلامه، فإن شكواه ومرارة نفسه ليست من فراغ، فالحيوانات غير العاقلة لن تصرخ بدون سبب.

عبٌر أيوب عن حال الهزال الذي بلغه بسبب كثرة الكوارث وشدتها وعنصر المفاجأة بجانب عدم مبالاة أصدقائه لحاله، فعوض تقديم كلمة تعزية تسنده، بدأوا يكيلون له اتهامات كثيرة وخطيرة.

صار أشبه بحجرٍ بلا إحساس، ليس في قدرته أن يعبر عما في داخله، فلا يقدر أن ينهق مثل الفرا (الحمار الوحشي) لأنه لا يجد عشبًا، ولا يصيح (يخور) كالثور على علفه. اضطر أن يأكل طعامًا لا يليق به كإنسان دون أن يفتح فاه.

لقد صار في موقفٍ لا يُحسد عليه، فهو يعلم أنه لا يقدر أن يتبرر أمام الله، لكنه كان يترقب كلمات تعزية من أصحابه، تفتح أمام نفسه المحطمة أبواب الرجاء، لا أن يحطمه اليأس.

يرى البابا غريغوريوس أنه صار كمن سقط تحت لعنة الناموس الفاضح للخطية دون أن تمتد إليه النعمة لتقيمه. حقًا ليس في الناموس خطأ، إنما الحاجة إلى النعمة الغافرة للخطايا التي كشفها الناموس. كان يليق بأصدقاء أيوب أن يسندوه بالتطلع إلى نعمة الله، لا أن يبكتوه بمرارة ويحطموا نفسه.

v     هل يمكن لأحدٍ أن يذوق ما يجلب موتًا بتذوقه؟ فإن من يتذوق الناموس بطريقة جسدانية يجلب موتًا، إذ وصيته تُظهر الخطية ولا تزيلها... كما يشهد بولس قائلاً: "إذ الناموس لم يكمل شيئًا" (عب 19:7). وأيضًا: "إذ الناموس مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحة" (رو 12:7-13)، بعد ذلك يقول للحال: "لكي تظهر خطية منشئة لي بالصالح موتًا لكي تصير الخطية خاطئة جدًا بالوصية" (رو 13:7)

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     وصايا موسى هي "خدمة الدينونة"، أما النعمة بالمخلص فيدعوها "خدمة البرّ" التي فاقت في المجدٍ...

الناموس الذي يدين أُعطي بموسى، وأما النعمة التي تبرر، فقد صارت بواسطة الابن الوحيد. فكيف لا يكون المسيح فائق المجد وبما لا يمكن مقارنته؟[278]

القديس كيرلس الكبير

v     يدين الناموس الخطاة، وأما النعمة فتتقبلهم وتبررهم بالإيمان. إنها تقودهم إلى المعمودية المقدسة وتهبهم غفران الخطايا[279].

ثيؤدورت أسقف قورش

v     مازال اليهود عند مارّة مقيمين عند المياه المرة، لأن الله لم يرهم بعد الشجرة التي يصير بها الماء عذبًا[280].

v     ألقى الرب بشجرة في المياه، مما جعلها عذبة. أما عندما تأتي شجرة (صليب) يسوع، ويسكن في داخلي تعليم مُخلصي حينئذ يصير ناموس موسى "عذبًا"، ويصير مذاقه، لمن يقرأه ويفهمه، بالحقيقة حلوًا"[281].

العلامة أوريجينوس

هَلْ يُؤْكَلُ الْمَسِيخُ بِلاَ مِلْحٍ،

أَوْ يُوجَدُ طَعْمٌ فِي مَرَقِ الْبَقْلَةِ؟ [6]

كان أيوب ملحًا نزع بنعمة الرب وبحبه الفائق الفساد عن كثيرين، مقدمًا لهم تعزيات سماوية صادقة، والآن إذ دخل في بوتقة التجارب لم يقدم له أحد ملحًا. لقد صار في فقرٍ مادي مدقعٍ، وفي فقره لم يجد ملحًا يملح به الطعام الماسخ الذي يتصدق به البعض عليه.

v     "هل يمكن للطعام الكريه أن يؤكل بدون ملح؟" (أي 6:6) في الناموس المعنى الخفي هو ملح الحرف. فمن يعتمد على الملاحظات الجسدية ويرفض فهم المعنى الروحي ماذا يفعل سوى أنه يأكل طعامًا كريهًا؟ ولكن هذا الملح، أي الحق، يوضع في الطعام عندما تعلم أن رائحة المعنى الخفي توجد في أعماق الناموس، قائلاً: "لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عني" (يو 46:5). وأيضًا: "ليكن لكم في أنفسكم ملح، وسالموا بعضكم بعضًا" ( مر 50:9).

البابا غريغوريوس (الكبير)

عَافَتْ نَفْسِي أَنْ تَمَسَّهَا،

فَصَارَتْ خُبْزِيَ الْكَرِيهِ! [7]

ما كانت نفسه تعافه في أيام رخائه، وما لم يكن قادرًا أن يمسه بيده صار خبزه الكريه. يقول المرتل: "صارت لي دموعي خبزًا نهارًا وليلاً، إذ قيل لي كل يوم: أين إلهك؟" (مز 42: 3). "قد أطعمتهم خبز الدموع، وسقيتهم الدموع بالكيل" (مز 80: 5). "إني قد أكلت الرماد مثل الخبز، ومزجت شرابي بدموعٍ" (مز 102: 9). "قال الرب: هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم الذين أطردهم إليهم" (حز 4: 13). كما قيل: " قل لشعب الأرض هكذا قال السيد الرب على سكان أورشليم في ارض إسرائيل، يأكلون خبزهم بالغم، ويشربون ماءهم بحيرةٍ، لكي تخرب أرضها عن ملئها من ظلم كل الساكنين فيها" (حز 12: 19). "هوذا أيام تأتي يقول السيد الرب أرسل جوعًا في الأرض، لا جوعًا للخبز ولا عطشًا للماء، بل لاستماع كلمات الرب" (عا 8: 11).

v     "ما عافت نفسي أن تمسها، هذه صارت مثل خبزي الكريه" (أي 7:6). قبلاً كانت النفس مهتمة فقط بما لنفعها، مشمئزة من أن تحمل أثقال الغير، عطفها على الآخرين قليل، وكانت عاجزة عن أن تواجه المضادين. الآن تلزم نفسها أن تحتمل ضعف قريبها. إنها تحتاج إلى قوة لتغلب المضاد، حتى بحب الحق تطلب متاعب الحياة الحاضرة بشجاعة عظيمة هكذا، حتى الأمور التي كانت قبلاً تهرب منها في ضعفها. فبانحنائها (من أجل الغير) تُبنى. بانجذابها إلى الغير تمتد إلى قدام، وبمشاركتها المشاعر تتقوى، وإذ تنفتح لحب قريبها تكون كمن بتصميم عزيمتها ترتفع نحو خالقها.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     بنفس الطريقة كما أن الحمار (الوحشي) لا يختار أن ينهق بلا سبب، ولا الثور أن يخور عند المزود، هكذا لا يختار أحد أن يأكل خبزًا بدون ملح، ولا أن يصغي إلى كلمات باطلة. بالحقيقة قدم أمثلة مستحيلة للغاية.

يقول هكذا: ما كنت قد اخترت أن أنتحب على هذا الأمر، لو لم توجد ضرورة تحثني على هذا. فإن كان ليس من المقبول أكل خبز بلا ملحٍ، فليس أقل من أن ألتزم بالنحيب وأتوجع وانطق بكلمات زائدة...

 "فإن نفسي لا تجد راحة"، لماذا؟ لأني أعرف أن طعامي له رائحة تعافه النفس كرائحة الأسد.

 القروح والصديد لا يكفيان، فأضاف عذابًا جديدًا.

المرض قد أفسد كل أحاسيسه حتى صار الطعام بالنسبة له عذابًا.

يقول إن الغثيان مع رائحة كريهة للغرغرينا نزعت تمييزه الحسي. أي شيء أكثر عذابًا من هذا؟ النوم لا يعطى راحة والطعام لا يقوته!

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. الموت هو نهاية المتاعب

يَا لَيْتَ طِلْبَتِي تَأْتِي،

وَيُعْطِينِيَ اللهُ رَجَائِي! [8]

وبخ أليفاز أيوب بعنفٍ لأنه طلب الموت، وبدلاً من أن يسحب ما قاله عاد أيوب يكرر ذلك أكثر من قبل، وقد سجل لنا السفر كلماته، لا لنقتدي به، وإنما لكي ينذرنا.

لقد سأل الله أن يحقق طلبته ويهبه رجاءه، لا بأن يعبر به التجربة، بل أن يتعطف عليه بالموت.

أَنْ يَرْضَى اللهُ بِأَنْ يَسْحَقَنِي

وَيُطْلِقَ يَدَهُ فَيَقْطَعَنِي [9].

ما يرجوه أيوب وسط ضيقته أن الله الذي مّد يده عليه فافتقر ثم تثكل ومرض، يمد يده بالأكثر فيسحقه ويأخذ حياته. ومع هذا لم يفكر قط في الانتحار، على عكس الفيلسوف سينكا الذي كان يشجع على الانتحار كوسيلة شرعية للتخلص من الآلام التي لا تُحتمل، الأمر الذي ليس فيه احترام لناموس الله، ولا ناموس الطبيعة.

اشتهى أيوب سرعة موته، وقد حوَّل هذه الشهوة إلى طلبة يقدمها لله، لكنها صلاة أو طلبة ليست حسب مشيئة الله.

فَلاَ تَزَالُ تَعْزِيَتِي وَابْتِهَاجِي فِي عَذَاب لاَ يُشْفِقُ،

أَنِّي لَمْ أَجْحَدْ كَلاَمَ الْقُدُّوسِ [10].

مع رغبته الشديدة في الخلاص من الآلام بالموت إلا أن قلب أيوب يحمل لمسات روحية، فيترقب في إيمان التمتع بالتعزية والبهجة بعد خروجه من العالم. واضح أن أيوب كان له ضمير صالح ورجاء حي في الأبدية، وإن كان قد توقع عذابًا أليمًا يلحق به قبل موته "ابتهاجي في عذاب لا يشفق".

"لا يشفق" أو "دعه لا يشفق"، كأنه يقول: "لست ابتغي أن يشفق الله عليّ، بل ليسمح بالآم الموت التي تضع حدًا لآلامي وتدخل بي إلى الراحة.

في جسارة غير لائقة يتحدى أيوب الرب الله ويقول: "دعه لا يشفق!"

مزج أيوب عتابه - حتى وإن تعدى الحدود - بإيمانه وتمسك بكلام الله، إذ يقول: "لم أجحد (أكتم) كلام القدوس". فكان يحسب نفسه مؤتمنًا على كلام الله القدوس، ربما تمتع برؤى إلهية. كأنه يقول مع الرسول بولس إنه لم يقبل نعمة الله باطلاً (2 كو 6: 1). كان مستعدًا أن يتمتع بالكلمة الإلهية، وأن يشهد لها للغير ليتمتع الآخرون معه بها.

قانون حياته هو كلمة القدوس، لم يخجل منها ولا يتراخى في الشهادة بها.

يرى القديس مار يعقوب السروجي أنه لا يستطيع حتى الموت أن يكتم فمه عن الشهادة والتسبيح لله.

v     يا رب لن أتوقف عن تسبيحك، حتى بعد وفاتي.

من يحيا لك وبك لا يموت؛

ولا يقوَ صمت الموت على إسكاته.

إذن، فليتكلم بفمي، ليُكررّ بعد موتي في المستقبل.

v     أنت هو الكلمة التي تعطى كلمة للمتكلمين،

بك يتكلم جميع المتكلمين من أجلك.

شعاعًا وإشراقًا ونورًا عظيما أشرق فيّ فأنظر إليك.

فبنظري لك تستضيء النفس، فتقتني الصلاح.

وحين تبتعد منك النفس تمتلئ ظلامًا،

وإذا ما تفرست فيك لبست النور لتنطق بكلام خبرك...

الصمت والكلام قائمان عليّ يطالبانني.

يا رب دبر حياتي كإرادتك.

إن صمت أدهش، إذ أشعر بعدم كفايتي في (للكلام).

اصمت في دهشة، وليس بطغيان باطل.

وإن تكلمت تكون كلمتي حسب مجدك ولأجلك.

عندما تمتلئ النفس بالصمت في دهشٍ بك، يكون هذا الصمت حديثًا مملوءً بكل منفعة. وإذا ما تحركت النفس لتمجدك بمحبة... فبالحب أتحرك، وأتحرك لأمجدك. وفي دهش أصمت ولا اهدأ من تمجيدك.

هب لي يا رب الدهش (بالصمت) والكلمة فأغتني. وفي كل يوم أدهش، وفي كل يوم أتحرك بالكلام!

القديس مار يعقوب السروجي

v     يقول: بالتأكيد لست أقدم لك أمرًا فيه أي تناقض. فإنه ليس لدي ضمير ينجذب للتشبه بهذه الأشياء التي تنطق بها. في بساطةٍ أقول إنني احتمل تأديبات تتعدى حدود الطبيعة، فإن المحن التي حلت بي تفوق طاقة الجسم البشرى... إنه لم يقل: "لقد اجتزت آلامًا بالرغم من إني بار"، بل يقول إنه لا يقدر أن يحتملها كما يقول داود: "تراءف عليّ يا رب، فإني ضعيف" (مز 2:6).

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "إني لم أجحد كلام القدوس". غالبًا ما تكون كلمات الله لنا ليست أصوات كلمات بل هي فرض أعمال علينا. فإنه يتحدث معنا بالأمور التي يعملها معنا في صمتٍ. لذلك فإن الطوباوي أيوب يكون قد جحد كلام الله لو أنه تذمر على الضربات عليه. ولكن تظهر مشاعره من نحو ضاربه بدعوته إياه "القدوس"، خاضعًا لذاك الذي يضربه.

v     "إني لا أجحد كلام القدوس". إنه لم يتذمر قط على ظلم ذاك الذي ضربه. ففي وسط ضرباته يدعو الضارب "القدوس". لكن يلزمنا أن ندرك أنه أحيانًا يقوم الخصم بضربنا بالأحزان، وأحيانًا يقوم الله بذلك...

بضربات الخصم نحن نختلس الفضيلة، وعندما تنكسر عاداتنا الشريرة بضربات الرب نصير أقوياء في الفضيلة.

لقد سبق فرأى النبي هذه الضربة عندما قال: "ترعاهم بقضيبٍ من حديدٍ، ومثل آنية الفخاري تسحقهم" (مز 9:2). فالرب يرعانا ويكسرنا بقضيب من حديد، بعصا البٌر القوية حسب تدبيره، بينما يحّيينا من الداخل، يحزننا من الخارج. فإنه يحط من قوة الجسد ويسمو بغاية الروح.

هكذا تشَّبه هذه الضربة بآنية الفخاري، كما يقول بولس: "لنا كنز في أوانٍ خزفية" (2 كو 7:49). ويصف التحطيم مع الرعاية قائلاً: "وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدد يومًا فيومًا" (2 كو 16:4). ليت الإنسان القديس الذي يتوق إلى الاقتراب من الله، يعلن بقوة بروح التواضع حتى من خلال الضربات التي تحل به.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     أعلن بصراحة: "إنني لا أفتري على إلهي القدوس". هذا معناه: إنني لا أبالي بهذه الحياة، لا أخشى الرحيل من هذا الجسد، إذ لا أود أن أُوجد كاذبُا في علاقتي بالشهادات التي قدمها عني الله القدوس (1:1، 3:2). فإن الله لا يشهد عن قداسة أحدٍ إلا للذين يجدهم يمارسون أعمال القديسين. لقد قال أيضًا: "ليس أحد مثل أيوب على الأرض" (8:1، 3:2). لهذا يلزم أن نكون حريصين خلال هذه الحياة الفاسدة، إذ ليس من الممكن للناس الجسدانيين أن يتقبلوا شهادة من الله لها أهميتها كهذه وبذات السمة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

مَا هِيَ قُوَّتِي حَتَّى أَنْتَظِرَ؟

وَمَا هِيَ نِهَايَتِي،

حَتَّى أُصَبِّرَ نَفْسِي؟ [11]

لم يكن أيوب يترجى أن يرى أيامًا صالحة بعد، فقد بلغت صحته إلى الحضيض، وصار في حالة ميئوس منها. ليس بعد من شفاء لجسمه، ولم تعد بعد فيه قوة للانتظار. لقد أدرك أيوب ما بلغ إليه من ضعف، وكان يليق به أن يترجى ذاك الذي يحمل ضعفنا عوض اشتهاء الموت عن يأسٍ.

v     ما هي قوتي حتى استمر؟ وما هي نهايتي حتى تهدأ نفسي؟" حياتي قصيرة المدى (5:14) كم من مدارات للشهور والسنين تحتويها؟ كيف لا انزعج على هذه الحياة السريعة الزوال؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     شفق السيد (المسيح) على ضعفه (آدم)، ودخل يقبل الخزي عوضًا عنه!

v     يا نور المسيح، الذي ينير العيون المظلمة، دعْ نورك يضيء على ضعفي، حتى استنير بك.

القديس مار يعقوب السروجي

v     لنضع على رؤوسنا خوذة الخلاص، لكي لا نُجرح ونموت في المعركة. لنمنطق أحقاءنا بالحق، فلا نوجد ضعفاء في القتال.

لنقم ونوقظ المسيح، فيهدئ الأمواج عنا.

لنأخذ الترس تجاه الشرير، كاستعدادٍ لإنجيل مخلصنا (أف 6: 15-16).

لنقبل من ربنا السلطان أن نسود على الحيات والعقارب (لو 10: 19)...

لنفرح في رجائنا في كل وقتٍ (رو 12: 12)، حتى يفرح بنا ذاك الذي هو رجاؤنا ومخلصنا...

لنأخذ لأنفسنا سلاحًا للمعركة (أف 6: 16)، هو الاستعداد للإنجيل.

لنقرع باب السماء (مت 7: 7)، فيُفتح أمامنا وندخل فيه.

لنسأل الرحمة باجتهاد، فننال ما هو ضروري لنا. لنطلب ملكوته وبره (مت 6: 33).

لنتأمل في ما هو فوق، في السماويات، حيث المسيح صاعد وممجد.

لكن لننسى العالم الذي هو ليس لنا، حتى نبلغ الموضوع الذي نحن مدعوون إليه.

لنرفع أعيننا إلي العلا لنرى الضياء المتجلي.

لنرفع أجنحتنا كالنسور، لنرى حيث يكون الجسد (مت 24 28)...

عدونا حاذق يا عزيزي، ومحتال ذاك الذي يقاتلنا. يُعد نفسه للهجوم على الشجعان الظافرين، ليجعلهم ضعفاء. أما الواهون الذين له فلا يحاربهم، إذ هم مسبيون مُسلمون إليه.

من له جناحان يطير بهما عنه، فلا تبلغ إليه السهام التي يقذفها نحوه؟ يراه الروحيون يحارب، ولا يتسلط سلاحه على أجسادهم. لا يخافه كل أبناء النور، لأن الظلمة تهرب من أمام النور. أبناء الصالح لا يخشون الشرير، لأنه أعطاهم أن يطأوا عليه بأقدامهم (تك 3: 15)[282].

القديس أفراهاط

هَلْ قُوَّتِي قُوَّةُ الْحِجَارَةِ؟

هَلْ لَحْمِي نُحَاسٌ؟ [12]

v     "هل قوتي قوة الحجارة؟ أو هل لحمي نحاس؟" (أي 6: 12) حتى إن كانت قوتي كقوة الحجارة أو النحاس، فإن العذابات الصادرة عن العدو تجعلها تتراجع، لأنه يحسب الحديد كالقش، والنحاس مثل خشب مسوس (أي 18:41). إن كان الله يقول هذا عن العدو، فمن الضروري إذن أن نبحث عن الرحيل من هذا الجسد من كل جانب.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     من الضروري أن نضع في الذهن أن "قوة" الأبرار من نوعٍ معينٍ، وقوة الفاسدين من نوعٍ آخر.

فقوة الأبرار هي أن نُخضع الجسد ونقاوم إرادتنا الذاتية، ونبيد مسرة الحياة الحاضرة، ونحب خشونة هذا العالم من أجل المكافآت الأبدية، وأن نستخف بإغراءات الرخاء، وأن نغلب رُعب المحن في قلوبنا، أما قوة الفاسدين فهي التعلق غير المنقطع بالأمور الزائلة، وطلب المزيد المستمر من المجد الباطل، حتى مع ضياع الحياة، والبحث عن مقاييس أكبر للشر، ومقاومة حياة الصالحين، ليس فقط بالكلمات، والسلوك وإنما أيضًا بالسلاح، لكي يعتدوا بذواتهم، وارتكاب الشر يوميًا دون أي نقص في الشهوة.

لذلك قيل للمختارين بالمرتل: "لتتشدد ولتتشجع قلوبكم يا جميع المنتظرين الرب" (مز 24:31). وأُعلن للفاسدين بواسطة النبي: "ويل للأبطال على شرب الخمر، ولذوي القدرة على مزج المسكر" (إش 22:5).

كيف أدرك إشعياء حسنًا كلا النوعين من القوة في الكلمات: "وأما منتظرو الرب فيجددون قوة" (إش 31:40). فإنه إذ لم يقل: "ينالون" بل قال: "يغيرون" (يجددون) قوة، يدرك بوضوح أن القوة التي يتركونها من نوعٍ والتي تدخل فيهم من نوع آخر.

v     ما نشير إليه هنا بالنحاس والحجارة ليس ضربات العلي التي لم تلن بواسطة أية ضربات للتأديب؟ على العكس قيل للمختارين بالنبي بوعد من الرب: "وأنزع قلب الحجر من لحمهم، وأعطيهم قلب لحمٍ" (حز 19:11).

البابا غريغوريوس (الكبير)

لم يكن ممكنًا لأيوب أن يتكل على قوته الذاتية، بل يضع رجاءه في ربنا يسوع واهب القوة.

v     بين كل المولودين الذين لبسوا جسدًا واحد هو البار، إنه يسوع المسيح، كما يشهد عن نفسه، إذ قال: "أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33). وشهد عنه النبي أيضًا: "لم يعمل ظلمًا، ولم يكن في فمه غش" (إش 35: 9). وقال الرسول الطوباوي: "لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا" (2 كو 5: 21). كيف جعله خطية؟ حمل الخطية دون أن يرتكبها، وسمرها على الصليب (كو 2: 14). يقول الرسول أيضًا: "الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون، ولكن واحدًا يأخذ الجعالة" (1 كو 9: 24).

أضف إلي هذا أنه ليس من بين البشر من نزل إلي المعركة ولم يُجرح أو يُضرب، لأن الخطية سيطرت منذ تعدى آدم الوصية (رو 5: 14)، فضربت الكثيرين، وجرحت الكثيرين، وقتلت الكثيرين. ولم يقتلها أحد من بين الكثيرين حتى جاء مخلصنا على صليبه. كان لها شوكة تخز الكثيرين، حتى جاءت النهاية، وتحطمت شوكتها حين سُمرت على الصليب[283].

القديس أفراهاط

أَلاَ إِنَّهُ لَيْسَتْ فِيَّ مَعُونَتِي،

وَالْمُسَاعَدَةُ مَطْرُودَةٌ عَنِّي! [13]

v     "ليس من معونة لي من نفسي" [13]. كان الطوباوي أيوب غنيًا في الفضيلة إلا أنه لم يكن معتدًا بذاته، فتكلم هكذا كمن هو بلا قوة... واضح الآن أنه كمن ضُرب فكره من جهة الرجاء، متطلعًا أن لا رجاء له من نفسه. لكنه إذ يعلن أنه ضعيف في ذاته يضيف أيضًا أن أقرباءه قد هجروه. "أيضًا أصحابي تركوني". لكن لاحظوا أن ذاك المحتقر من الخارج يجلس في الداخل على كرسي الحكم. ففي اللحظة التي فيها يعلن عن نفسه أنه متروك للحال يكسر ذلك بالنطق بالحكم بالكلمات: "من ينزع الحنو عن صاحبه ينسى مخافة الرب".

البابا غريغوريوس (الكبير)

كان أيوب يئن من أصدقائه لأنهم تركوه في محنته، أما ربنا المجد يسوع فلم يترك محبوبه الإنسان، بل عبر إليه حتى إلى الجحيم ليحرره منه.

v     إذ جاء يسوع قاتل الموت، والتحف بجسدٍ من نسل آدم، وصُلب بجسده، وذاق الموت، وعندما أدرك الموت أنه قد جاء إليه ارتعب في موضعه، وارتبك إذ رأى يسوع. لقد أغلق أبوابه ولم يرد أن يلتقي به. عندئذ فجَّر أبوابه، ودخل إليه وسلبه غنائمه.

وعندما رأى الأموات نورًا في الظلمة، رفعوا رؤوسهم من عبودية الموت، وتطلعوا ورأوا سمو المسيا الملك. عندئذ جلست قوات الظلمة في حدادٍ، إذ سُلبت سلطة الموت منهم.

ذاق الموت الدواء القاتل له، وسقطت يداه، وتعلم أن الأموات سيقومون ويهربون من سلطانه. وإذ أصاب (يسوع) الموت بسلبه ممتلكاته ولول وصرخ عاليًا في مرارة، قائلاً: "أبعد عن مملكتي، لا تدخلها. من هو هذا الحي الذي يدخل عالمي؟"

وإذ كان الموت يصرخ مرتعبًا (إذ رأى الظلمة بدأت تزول، وقام بعض الأبرار الراقدين ليصعدوا معه) أدرك أنه عندما يأتي في كمال الزمن، سيخرج كل المحبوسين من تحت سلطانه، ويذهبون ليروا النور.

لذلك عندما أكمل يسوع خدمته بين الموتى، أخرجه الموت من مملكته، ولم يسمح له بالبقاء فيها. وحسب أن افتراسه له كبقية الموتى ليس فيه مسرة، إذ ليس له سلطان على القدوس، ولا يقدر أن يحل به فساد...

كما أن الإنسان متى أخذ سمًا في الطعام الذي يُعطى للحياة، ويدرك في نفسه أنه أكل سمًا في الطعام، يتقيأ الطعام المختلط بالسم من بطنه، لكن تبقى فاعلية السم عاملة في أعضائه، حتى ينحل كيان الجسم قليلاً قليلاً ويفسد. هكذا موت يسوع أبطل الموت، إذ به تملك الحياة، ويبطل الموت، هذا الذي يُقال له: "أين غلبتك يا موت؟" (1 كو 55:15)[284].

القديس أفراهاط

3. نقده لقسوة أصدقائه

حَقُّ الْمَحْزُونِ مَعْرُوفٌ مِنْ صَاحِبِهِ،

وَإِنْ تَرَكَ خَشْيَةَ الْقَدِيرِ [14].

يوبخ أيوب أصدقاءه على عنفهم وقسوتهم. حقًا لم يتكلم سوى أليفاز، لكن ظهرت علامات القبول والموافقة من الصديقين الآخرين. يشعر أيوب أن قسوتهم صارت علة جديدة ليتمنى الموت، لأنه أية راحة له في هذا العالم إن كان أصدقاؤه الذين جاءوا ليعزوه صاروا معذبين له؟

إنه من حق الإنسان الحزين أن يُقدم له المستريحون عطفًا، ويظهروا له محبة خالصة، ويطيبوا خاطره، ويستمعوا إلى شكواه، ويمزجوا دموعه بدموعهم. هذا ما يليق بهم كأعضاء مع الحزين في ذات الجسد الواحد.

من لا يقدم حنوًا للمتألم يكون قد ترك خشية القدير، أي فقد مخافة الرب لأنه كيف تثبت محبة الرب ومخافته فيمن لا يبالى بآلام أخيه (1 يو 3: 17)؟

الشدائد هي محك الصداقة؟ تكشف الأصدقاء بالحق ممن يدعون الصداقة. "الأخ للشدة يولد" (أم 17: 17).

v     توجد وصيتان للحب: محبة الله ومحبة قريبنا. بحب الله يصير لمحبة القريب وجودها. وبمحبة القريب تتشدد محبة الله. فمن لا يبالي بمحبة الله بالحق لا يعرف شيئًا عن كيفية محبة القريب، وحين نتقدم بأكثر كمالٍ في محبة الله نرضع لبن الحب نحو قريبنا.

لأن محبة الله تلد محبة القريب، لذلك عندما تحدث الرب بصوت الناموس ونطق بالكلمات: "تحب قريبك" سبق ذلك قوله: "تحب الرب إلهك" (مت 37:22؛ تث 5:6، 10، 12)... مرة أخرى محبة الله تتقوى بحب قريبنا، وقد شهد يوحنا بذلك إذ يقول: "من لا يحب أخاه الذي أبصره كيف يقدر أن يحب الله الذي لم يبصره؟" (1 يو 20:4)... بهذا يقول بحق حكيم: "لا يمكن معرفة صديق وقت الرخاء، ولا يمكن أن يختفي عدو وقت المحنة" (ابن سيراخ 8:12).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لا يكفي أن نظهر رحمة، وإنما يليق بنا أن نقدّمها باتساع، بروح سمِحة، وليس فقط بروح سمِحة بل بروح فرحة مبتهجة...

وقد ركّز على نفس النقطة بقوّة عندما كتب إلى أهل كورنثوس ليحثّهم على الاتساع، إذ يقول: "من يزرع بالشح فبالشح أيضًا يحصد، ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضًا يحصد" (2 كو 9: 6). ولكي يصحّح مزاجهم يقول: "ليس عن حزنٍ أو اضطرارٍ" (2 كو 9: 7)... فإنك إن حزنت وأنت تصنع رحمة فأنت قاس وعنيف.

إن كنت حزينًا كيف تقدر أن تسند الذين هم في حزن؟... هذا هو السبب في قوله "الراحم فبسرور"، لأنه كيف يكون حزين الملامح من يتقبّل الملكوت؟! من يبقى كئيب النظرة وهو ينال غفران خطاياه؟ إذن لا تفكّر في إنفاقك المال (عمل الرحمة)، بل في الفيض الذي تناله خلال الإنفاق. فإن كان الذي يبذر يفرح مع أنه يبذر وهو غير متأكد من جهة الحصاد، كم بالأكثر من يُفْلِح السماوات؟ فإنك تعطي إنما القليل لتنال الكثير... بالفلسين حُسبت الأرملة أنها فاقت من قدّم وزنات كثيرة وذلك بسبب روحها المتسع[285].

v     يرتبط القوي بالضعيف فيسنده، ولا يسمح بهلاكه.

مرة أخرى إن ارتبط بشخص متكاسل يقيمه ويدفعه للعمل. قيل: "أخ يعينه أخ هو مدينة قوية". هذه لا يفوقها بعد المسافة ولا السماء ولا الأرض ولا الموت، ولا أي أمر آخر، إنما هي أقوى وأكثر فاعلية من كل الأشياء. هذه وإن صدرت عن نفسٍ واحدةٍ، قادرة أن تحتضن كثيرين دفعة واحدة.

اسمع ما يقوله بولس: "لستم متضايقين فينا بل متضايقين في أحشائكم. كونوا أنتم أيضًا متسعين"[286].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "الصديق الأمين دواء الحياة" (ابن سيراخ 6 : 16).

لا يوجد علاج مؤثر في شفاء الأوجاع مثل الصديق الصادق الذي يعزيك في ضيقاتك، ويدبرك في مشاكلك، ويفرح بنجاحك، ويحزن في بلاياك. من وجد صديقًا هكذا فقد وجد ذخيرة. فالصديق الأمين لا شبيه له، فوزن الذهب والفضة لا يعادل صلاح أمانته (انظر ابن سيراخ 6 : 14، 15).

v     بحق ليكن لك صديق تدعوه "نصف نفسي".

v     لا توجد صداقة حقيقيّة، ما لم تجعلها كوصلة تلحم النفوس، فتلتصق معًا بالحب المنسكب في قلوبنا بالروح القدس.

v     لا يوجد علاج مؤثر لشفاء الآلام مثل الصديق الصادق الذي يعزيك في ضيقاتك.

القدّيس أغسطينوس

أَمَّا إِخْوَانِي فَقَدْ غَدَرُوا مِثْلَ الْغَدِيرِ،

مِثْلَ سَاقِيَةِ الْوِدْيَانِ يَعْبُرُون َ[15].

إذ جاءوا معًا ليعزوه، وبقوا سبعة أيام وسبع ليالِ صامتين، كان ينتظر منهم كلمة تعزية تطفئ اللهيب الداخلي، لكنهم انقضوا عليه بوحشية كمن يغدرون به، يكيلون له الاتهامات الباطلة، ويصبون على جرحه ما يلهبه، بدلاً من تقديم زيت يلطف من التهابه.

v     قرب معارفي لم يسندوا احتياجاتي". ذلك لمجرد تجاهل الله له جعل أقرباءه يستخفون به وسط مثل هذه الآلام. ففي كل مرة يبتعد الله، يُحرم الإنسان من ملجأه، ويصير الكل ضده معادين له. يقول لم يعرفني أحد في محنتي. لكن هذا في خطورة ان "كل الذين اعتادوا أن يكرموني صاروا الآن ضدي". هذا أمر سيء للغاية أن يسحق الشخص تحت قدميه إنسانًا منبطحًا. يبدو لي أنه كان يلمح بذلك إلى أصدقائه الذين كانوا معه.

v     لو لم يكن شريرًا ما كان قد صار لكم عدوًا. إذن اشتهوا له الخير فينتهي شرّه، ولا يعود بعد عدوًا لكم. إنه عدوّكم لا بسبب طبيعته البشريّة وإنما بسبب خطيّته!

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن أيوب يشبه أصدقاءه بالخائفين من الجليد الذي يتجمد من أسفل ويسقط عليهم الثلج النازل من أعلى. أنهم يطأون بأقدامهم من حلت بهم المحن الزمنية الأرضية، إذ يطلبون مجد العالم، ولا يدركون أنه ستحل بهم العقوبة السماوية كثلجٍ ساقطٍ عليهم لا يستطيعون الهروب منه.

v     لنتبعه وهو مُضطهد وهارب من عناء مقاوميه، حتى أننا نحن أيضًا "نصعد إلى جبلٍ ونجلس معه". فنرتفع إلى نعمة مجيدة، أسمى من كل شيءٍ، ونملك معه. وكما قال بنفسه: "أنتم الذين تبعتموني في تجاربي متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده في التجديد، تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر كرسيًا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر" (مت ١٩: ٢٨؛ لو ٢٢: ٢٨).

القدِّيس كيرلس الكبير

الَّتِي هِيَ عَكِرَةٌ مِنَ الْبَرَدِ،

وَيَخْتَفِي فِيهَا الْجَلِيدُ [16].

جاءوا في مظهر الغدير الذي يقدم ماءً للظمآن، فقدموا له ماءً محملاً بالطين، ويختفي فيه الجليد، لا يمكن شربه.

يئن أيوب من تعزيات أصدقائه العكرة، المملوءة وحلاً. فإنه من فضلة قلوبهم الترابية يقدمون وحلاً. ومن برود محبتهم يقدمون ثلجًا. هكذا كل نفس تضع رجاءها في تعزيات البشر، لا تتقبل إلا وحلاً وجليدًا. التي عوض أن تروي النفوس المجروحة، تحطمها بما تخفيه من الفكر الترابي الزمني، ومن البرود الروحي.

أما من يتقبل تعزيات الروح القدس التي ترفع النفس إلى السماء، وتحررها من وحل هذا العالم، وتهبها حرارة الروح. فيتحول قلبه الترابي بماء الروح إلى فردوسٍ سماوي. ينزع الروح من داخله كل محبة للأرضيات، فيترنم: "أَجلسنا معه في السماويات". يبدد كل برود للنفس، واهبًا لهيب الحب الفائق، لا تستطيع كل مياه العالم أن تطفئه.

v     يسمى (الروح القدس) المعزي، لأنه يعزي ويفرح الذين في الشدائد[287].

 القديس مقاريوس الكبير

v     لقد دَعي الروح القدس الذي سيرسله بالمعزي، ملقبًا إياه هكذا بسبب عمله، لأنه ليس فقط يعطي راحة لمن يجدهم مستحقين، ويخلصهم من كل غمٍ واضطرابٍ في النفس، بل في نفس الوقت يمنحهم فرحًا أكيدًا لا ينحل. يسكن في قلوبهم فرح أبدي حيث يقطن الروح القدس.

v     يستحيل أن ينال أحد نعمة الله ما لم يكن له الروح القدس، الذي فيه كل عطايا الله[288].

 القديس ديديموس الضرير

v     حينما تمتلئ النفس من ثمر الروح تتعرّى تمامًا من الكآبة والضيق والضجر، وتلبس الاتساع والسلام والفرح بالله، وتفتح في قلبها باب الحب لسائر الناس .

 القديس مار اسحق السرياني

v     مملكة طاهر النفس داخل قلبه، والشمس التي تشرق فيها هي نور الثالوث القدوس، وهواء نسيمها هو الروح القدس المعزي، والسكّان معه هم طبائع الأطهار الروحانيين، وحياتهم وفرحهم وبهجتهم هو المسيح ضياء الآب...

v     من نظر في ذاته إلى ربنا، وامتزجت نفسه بنوره، يمتلئ قلبه بالفرح.

الشيخ الروحاني

إِذَا جَرَتِ انْقَطَعَتْ،

إِذَا حَمِيَتْ جَفَّتْ مِنْ مَكَانِهَا [17].

يشٌَبه أيوب أصدقاءه بجدول ماء، صار بسبب الحرارة جافًا، ليس فيه نقطة ماء للشرب. فإذ يعرج إليه المسافرون مترجين أن يرووا ظمأهم وظمأ حيواناتهم، فيتركون طريق السفر ويذهبون إليه إلى مسافات بعيدة حتى يكادوا أن يتوهوا عن الطريق، إذ بهم يفاجئون بجفافه، فيحل بهم الخزي.

لم يقف الأمر عند وجود طين في مياه الغدير، وإنما سرعان ما تجف، يذهب إليها أيوب ليشرب، فيجد جدول ماءٍ جاف.

ماذا يقصد بكلمة "حميت"؟ يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن هؤلاء الذين تسقط عليهم التأديبات تصير أذهانهم حامية، ملتهبة بنيران الندامة غير المثمرة، لأنهم لا يفكرون في الأبديات، بل هم مشغولون بالمجد الزمني. فندامتهم تحطمهم بالأكثر، ويذوبون في مكانهم.

v     "الذين يرتعبون أمامي، انظروا فقد طرحوني إلى أسفل مثل جليدٍ أو ثلجٍ كثيفٍ الذي عندما يذوب عند الاقتراب من الحرارة يتعذر تمييزه". يقول: كأن الأحزان قد ضغطت عليّ من كل جانب، وصار الخاضعون لي وأصحابي ضدي. فإنه ليس فقط قانون الحب قد أبطل، وإنما حتى المهابة التي تقود إلى الطاعة قد زالت. وأما أنا الذي أصارع مع محنٍ وانفعالاتٍ عنيفةٍ، فقد صرت كثلجٍ مجمدٍ، وعندما يحل فصل الحر ينحل ويزول ولا يبقى له أثر. لا يترك أية علامات وراءه لأن الملك - الذي هو أنا - جالس على مزبلة. واللابس الأرجوان قد صار عاريًا تمامًا خارج المدينة. إنه يجلس في الخارج ليقضي الليل، هذا الذي كان قبلاً يقطن مساكن فاخرة، كانت منازله مغشاة بالذهب والفضة بفيضٍ. هذا الذي كان محاطًا بخدمٍ كثيرين، الآن صار مهجورًا. الذي له أبناء كثيرون وأكاليل موروثة، فجأة صار في دمار، فقد كل غنى بيته.

الأب هيسيخوس الأورشليمي

v     هذا الثوب الذي لبسته يا إنسان داخل المعمودية سداه نور، ولحمته روح، وهو لهيب. لقد أعده لك الآب، ونسجه لك الابن، وحاكه لك الروح. في داخل المياه نزلت ولبسته إلهيًا. لقد قدم الثالوث النار بالمعمودية ليحرق الإثم ولكي تحيا النفوس مع الله[289].

مار يعقوب السروجي

تَحِيدُ الْقَوَافِلُ عَنْ طَرِيقِهَا،

تَدْخُلُ التِّيهَ فَتَهْلِكُ [18].

تحول جدول الماء عن المحتاجين إليه، فلا يجد العطشى ماءً للشرب. هكذا ابتعد الأصدقاء بتعزياتهم بعيدًا عن أيوب، فصاروا كمجرى ماء يهرب من الظمأى. أما الروح القدس المعزي فيروي النفس ويشبعها، فلا تحتاج إلى شيءٍ.

v     من المعلوم يا إخوتي أن كلاً منا يطلب راحته وفرحه، إلا أنه لا يطلب ذلك كما يجب، ولا حيثما يوجد. فالأمر يتوقف على تمييز الفرح الحقيقي من الفرح الكاذب، وبالعكس فإننا غالبًا ما نُخدع بخيالات الفرح الباطل والخير الكاذب.

فالبخيل والمتجبر والشره والشهواني، كل منهم يطلب الفرح، إلا أن هذا يضع فرحه في جمع غنى وافر، وذاك في شرف الرتب والكرامات، وهذا في المآكل والمشارب اللذيذة، وذاك في إشباع شهواته النجسة. ليس منهم من يطلب فرحه كما يجب، ولا حيثما يوجد، من ثمَّ لا يجده أحد منهم بالرغم من أن الكل يشتهونه.

كل ما في العالم لا يقدر أن يُشبع النفس ويُخوِّل لها فرحًا حقيقيًا، فلماذا إذًا تتعب أيها الإنسان الغبي، وتطوف باطلاً في أماكن كثيرة متوقعًا أن تجد خيرات تملأ بها نفسك وتُرضي بها جسدك؟! أحبب خيرًا واحدًا يحوي جميع الخيرات، ففيه وحده تجد الكفاية.

استرح إلى الخير الواحد العظيم العام، ففيه الكفاية عن كل شيء.

وأما أنتِ يا نفسي فباركي الرب الذي يُشبع بالخيرات عمرك (مز 103: 2، 5).

 القديس أغسطينوس

نَظَرَتْ قَوَافِلُ تَيْمَاءَ.

مَوَاكِبُ سَبَأ رَجَوْهَا [19].

تطلعت قوافل تيماء وسبأ، قوافل تجار تلك البلاد الموجودة في صحراء العرب، نظرت إلى المياه، وترجت أن تشرب منها، لكنها خزت إذ هربت منهم.

يطلب الطوباوي أيوب أن نتأمل سبل تيماء وطرق سبأ. ويرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن تيماء تترجم بالريح الجنوبية، وسبأ تترجم "شبكة". فلإنسان الذي لا ينشغل بالأبديات إنما كمن تهب عليه الريح الجنوبية الحارة، فتجعل حياته منحلة كما بفعل الحرارة، وتصير قدماه كمن قد أُمسكتا في شبكة أو تقيدتا بقيود الزمنيات.

خَزُوا فِي مَا كَانُوا مُطْمَئِنِّين.

جَاءُوا إِلَيْهَا فَخَجِلُوا [20].

إذ يتجه المسافرون في البرية نحو جدول مياه معروف، يشعرون براحة لأنهم واثقون أنهم يجدون ماءً للشرب، لكن تتحطم ثقتهم تمامًا حين يجدونه جافًا. هذا هو موقف أيوب نحو أصدقائه الذي كان يظن أنه يجد تعزياته فيهم، فإذا بهم يقدمون كلمات جافة وقلوبًا بلا حب، فيخيب أمله تمامًا من جهتهم.

كانت ثقته عظيمة أن يشرب من مياه الجدول في وسط البرية. لكن طمأنينته ظهرت باطلة.

لقد جاء الأصحاب إلى أيوب وخجلوا، وكما يقول البابا غريغوريوس (الكبير) إنهم لم يستطيعوا أن يهزوا فكر القديس بنقدهم العنيف المرّ.

هذه هي مشاعر الطوباوي أيوب أن أصحابه قد صاروا في خزي، إذ فشلوا بكل افتراءاتهم أن يدخلوا به إلى اليأس، بل هم أنفسهم صاروا في ارتباك بجنون غباوة عنفهم.

v     "يخزون فيما أنا أترجى". عندما يصوب الأشرار شرورهم إلى الصالحين، إذ يرون رجاءهم الداخلي يهتز يتهللون، لأن خداعهم قد أثمر. إنهم يحسبون نشر أخطائهم أعظم ربحٍ اقتنوه، إذ يفرحون حين يهلك زملاؤهم. ولكن إذ يتأصل رجاء الإنسان الصالح في الداخل ولم يهتز وينحنِ إلى الأرض بالشرور الخارجية تخزى نفوس الأشرار، لعجزهم البلوغ إلى أعماق الذين في محنة، ويخجلون، إذ يظهر أن عنفهم بلا هدف.

البابا غريغوريوس (الكبير)

في رأي الأب هيسيخيوس الأورشليمي أن أيوب يقول لهم: "انظروا مقاطعاتكم الخاضعة للجزية أو إلى جيرانكم كما إلى طرقكم. فإنكم بالتأكيد تدركون أنهم إذ ظنوا أنهم أكثر شهرة من غيرهم إلا إنهم مستحقون للوم. "يغطيهم العار، هؤلاء الذين يتكلون على مدنهم وغناهم، هذه التي كانت لدى أيوب بفيضٍ. وإذ أصيب بالتجارب نزع الله عنه كل هذا، لهذا فإن ثقتهم فيما هو لهم خطأ، فعن قريب يبطل كبرياؤهم ويهلك تشامخهم.

فَالآنَ قَدْ صِرْتُمْ مِثْلَهَا.

رَأَيْتُمْ ضَرْبَةً فَفَزِعْتُمْ [21].

يؤكد أيوب لأصدقائه أنهم صاروا هكذا مثل هذا الغدير المخادع الذي لا يروي أحدًا ولا يهب تعزية، بل يقدم سرابًا وخداعًا... هذه هي تعزيات البشر الباطلة، إنها كلا شيء!

"رأيتم ضربة ففزعتم". كأنه يقول: حين كنت في رخاء كنتم تلاطفونني في وقتٍ لم أكن فيه محتاجًا إلى ملاطفتكم. وإذ حلت بي الضربة، فزعتهم وقدمتم لي مرارة عوض الكلمات العذبة، ونقدٍ لاذع عوض التعزيات.

v     "الآن قد جئتم ورأيتم ضربتي ففزعتم"... كأنه يقول في وضوح: "لقد خشيت الله عندما كنت مدعمًا بالرخاء، ولم أشعر بجراحات الضربة. أما أنتم فلم تخشوا الله بالحب، إنما ارتعبتم منه فقط خلال ضربات العصا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

هَلْ قُلْتُ: أَعْطُونِي شَيْئًا،

أَوْ مِنْ مَالِكُمُ ارْشُوا مِنْ أَجْلِي؟ [22]

وإن كان قد افتقر إلى حالة العدم، لكنه لم يستجدِ منهم شيئًا، ولم يثقل عليهم في شيءٍ، ولا طلب مالاً، ولا كبَّدهم أية نفقات، فلماذا يأخذون هذا الموقف المؤلم؟

أَوْ نَجُّونِي مِنْ يَدِ الْخَصْم،ِ

أَوْ مِنْ يَدِ الْعُتَاةِ افْدُونِي؟ [23]

لم يسألهم أن ينقذوه من عدو أو من يد عتاة، ولا سألهم أن يدفعوا فدية لإنقاذه. هكذا كان أيوب عفيف النفس، حتى عندما بلغ إلى أمّر حالات الفقر.

عَلِّمُونِي فَأَنَا أَسْكُتُ،

وَفَهِّمُونِي فِي أَيِّ شَيْءٍ ضَلَلْتُ [24].

لقد اختلف أيوب معهم في الرأي، إلا أنه لم يعاند، بل كان مستعدًا أن يقبل الحق إن كان مخطئًا، إذ يقول: "علموني فأنا أسكت، وفهموني في أي شيء ضللت".

في وسط الضيق متى قام أحد بتوبيخنا، خاصة إن كان متحاملاً علينا، يصعب أن نصغي إليه أو نقبل مشورته، مركزين أنظارنا نحو تحامله الشرير واستغلال ضيقتنا لتحطيمنا. أما أيوب ففي وسط الضيقة يعلن لأصدقائه أنه مستعد أن ينصت ويسمع، بل وإن ابرزوا خطأ في حياته يصحح من حاله.

يا لها من صورة رائعة لنفسية وإن اضطربت بسبب مرارة الكوارث المتلاحقة، لكنه يحمل هدوءً داخليًا، واستعدادًا عجيبًا لقبول مشورة أصدقائه مهما كانت نياتهم.

v     "علموني" ها أنتم ترون أيوب يصغي إليكم في صمت. في أحزاني هل أنا متمرد؟ أما أشعر بفيضان المحنة؟ لست منغلقا على قبول المشورات. إن كنتم تدحضوني لأني مخطئ، فسترونني مسرعًا نحو إصلاح الموقف.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     هذا معناه: لم أطلب منكم شيئًا في الماضي، ولا طلبت منكم الآن، وأنتم قد جئتم بناء على مبادرة من جانبكم لكي تجدوني وتعزوني. فلماذا تتعاملون معي كعدوٍ؟ "علموني فأسكت؛ إن كنت أخطئ في شيء ما اخبروني".

على أي الأحوال، حتى تحت هذه الظروف لست أرفض التعلم مادمتم تنطقون بما هو نافع. وسأصمت إن نطقتكم بكلمات مقبولة.

بالتأكيد لا يقدرون أن يقدموا اتهامات واضحة، إنما مجرد حدس وتخمينات.

إذ كانت حياة الشخص مملوءة بالفضائل بوضوح، كان يليق بهم ألا يروا في التأديبات ما يقولونه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الله وحده مطلق الكمال، يعلِّم المسكونة ولا يحتاج إلى التعلُّم. أمَّا نحن كرعاة إذ نخدم بالله الساكن فينا، يلزمنا أن يتسع القلب دائمًا، ويستمر في الاتساع ليأخذ من الله، وتفوح بالأكثر رائحة المسيح فينا، لأنَّه مهما عظم اتِّساع قلبنا فهو ليس إلاَّ نقطة صغيرة بالنسبة لِلُجَّة محبَّة الله وفيضه اللانهائي.

فالراعي – ولو كان بطريركًا – إن لم يكن دائم التعلُّم يقف نموه ويظهر جموده ويُعثر شعبه عن النمو الروحي. وبقدر ما يخشع تحت أقدام الرب، ويفتح قلبه له في الصلاة والدراسة في الكتاب المقدَّس، وبقدر ما يصغي دائمًا بكل قلبه ليتعلَّم في كل أمر أحكام الله، ينمو في شركته وتنمو معه رعيَّته أيضًا.

v     إنَّني لا أقدر على الهروب من عمل التعليم مادام الكهنوت قد ألقي على عاتقي، رغم محاولتي الهروب منه.

وإنَّني أرغب في الجهاد في التعلُّم حتى أكون قادرًا على التعليم.

لأنَّه يوجد سيِّد واحد (الله) الذي وحده لا يتعلَّم ما يعلِّمه للجميع.

أمَّا البشر فعليهم أن يتعلَّموا قبل أن يعلِّموا، ويتقبَّلوا من الله معلِّمهم ما يعلِّمون به الآخرين.

القدِّيس أمبروسيوس

v     اقرأ الكتب المقدَّسة باستمرار، فلا ترفع الكتاب المقدَّس قط عن يدك. تعلَّم ما ستعلِّمه للآخرين، ملازمًا للكلمة الصادقة التي بحسب التعليم، لكي تكون قادرًا أن تعظ وتوبخ المناقضين (١ تي ٣: ٤)، "وأما أنت فاثبُت على ما تعلَّمت وأيقنت، عارفًا ممَّن تعلَّمت". كن مستعدًا دائمًا لمجاوبة كل من يسألك عن الرجاء الذي فيك" (١ بط ٣: ١٥).

القدِّيس جيروم

مَا أَشَدَّ الْكَلاَمَ الْمُسْتَقِيمَ،

وَأَمَّا التَّوْبِيخُ مِنْكُمْ، فَعَلَى مَاذَا يُبَرْهِنُ؟ [25]

لم يسترح أيوب لأسلوبهم في معالجة الأمر، فكان يليق بهم أن يحاوروه بروح الحب والاستقامة. أما أن يستخدموا أسلوب النقد والتوبيخ على افتراضات وظنون لا أساس لها، فهذا ليس للبنيان.

v     "حسنا! تبدو كلمات الإنسان الحق بلا قيمة". يقول: يبدو لي إني عاجز عن أن أقود المعركة، لأن خصومي يقاومونني، ولأنه إذا قيل الحق وأعلن عنه بصراحة، ليس من يصغي إليه. فإن كلمات الإنسان البار تبدو بلا قيمة لكل أحد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "إذ تبدو كلمات الإنسان الحق باطلة". إنها باطلة بالنسبة للذين ليسوا حقًا. ولكن إذ أتطلع إليكم لا أعرف من تخدمون؟!

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

هَلْ تَحْسِبُونَ أَنْ تُوَبِّخُوا كَلِمَاتٍ،

وَكَلاَمُ الْيَائِسِ لِلرِّيحِ! [26]

التوبيخ بروح العنف وفى قسوة لن يثمر.

v     "لست أسألكم كلمة أو قوة، ولا توبيخكم يجعلني أن أكف عن النطق". نعم، فإنه وإن كان يليق بكم أن تحكموا في قضيتي حسب الظروف الحاضرة، فإني لا أتوسل إليكم... "فإنني لست أطلب قوة منكم"... لا أعبأ بأصوات حديثكم هذا بجانب أنكم تهاجمون الأيتام، وتسيئون إلى أحد أصدقائكم. إنه يقول لهم بأنه ليس للعداوة ولا للصداقة تأثير عليكم. على أي الأحوال، إن رغبتم دعوني أعود إلى قولي: "إني لا أطلب شيئا". فإنكم حتى إن أخذتم موقف المقاومة أكرر مرة أخرى: ضميري لا يثور عليَّ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

بَلْ تُلْقُونَ عَلَى الْيَتِيمِ،

وَتَحْفُرُونَ حُفْرَةً لِصَاحِبِكُمْ! [27]

إذ يتطلع أيوب إلى تصرفاتهم مع الأيتام كما مع أصدقائهم يستطيع أن يكرر: "إن ضميري لن يوبخني بكلماتكم".

يشبههم وهم يوبخونه بينما هو في حالة مرة وفى كارثة، كمن يذل يتيمًا عاجزًا عن صد الإهانات.

حسب أيوب نفسه وقد فقد أولاده كاليتيم الذي يفقد والديه، يحتاج إلى حنوهم فيتشبهون بالله، إذ هو "أبو اليتامى وقاضي الأرامل" (مز 68: 5).

ما يحزنه أنهم وهم أصدقاء له ينصبون فخًا يسقط فيه، عوض مساندته ليخرج من فخ التجارب المتلاصقة.

v     "نعم، أنتم تسحقون وتبذلون الجهد لتدميري". إنه يظهر نفسه كم هو ضعيف، إذ يدعو نفسه "يتيمًا". عندما تجرح المحبة لن تنزع الحب، لذا يشكو في الحال أنهم يدمرونه، ومع هذا يشهد أنه صديقهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     يجب على كل راهبٍ (إنسانٍ) ينشد الكمال ويرغب في أن يجاهد قانونيًا في قتاله الروحي، أن يتخلص من خطية الغضب والسخط بأكملها، وأن ينصت للتحذير الذي يُوجهه إليه "الإناء المختار"، قائلاً: "ليُرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح وتجديف مع كل خبث" (أف 31:4). وحين يقول: "ليُرفع من بينكم كل غضب" لا يستثني أحدًا مهما كان، لما تقتضيه الضرورة أو لما هو نافع لنا، وإذا احتاج الأمر، فينبغي فورًا أن يُعالج أي أخ مخطئ بطريقة لا يكون من شأنها أن تجعله شبيهًا بشخصٍ ذهب يعالج مريضًا بحمى خفيفة فورط نفسه بغضبه وسخطه فيما أدى به إلى فقد بصره وبصيرته. ذلك لأنه ينبغي على من يريد أن يشفي جرح شخصٍ ما أن يكون سليمًا مُعافى، لا يشكو من أي ضعف، لئلا تُوجه إليه عبارة الإنجيل: "أيها الطبيب اشف نفسك" (لو 23:6)، ولئلا وهو يرى القذى الذي في عين أخيه لا يرى الخشبة التي في عينه. إذ كيف يرى حتى يخرج القذى من عين أخيه، ذاك الذي في عينه خشبة الغضب؟ (مت 7: 3-5)[290]

القديس يوحنا كاسيان

وَالآنَ تَفَرَّسُوا فِيَّ،

فَإِنِّي عَلَى وُجُوهِكُمْ لاَ أَكْذِبُ [28].

كان أيوب صادقًا مع نفسه كما مع الغير، لهذا سألهم أن يتفرسوا فيه ويعيدوا النظر في الأمر، فإنه لا يكذب ولا يخدع أحدًا.

كأنه يقول لهم: لا تتصيدوا بعض كلماتي، تطلعوا إلى وجهي، فإني وإن كنت قد لعنت يوم الحبل بي ويوم ميلادي، الأمر الذي تتصيدونه، لكنني لم أجدف على إلهي.

تفرسوا في قروحي فإنها لا تُحتمل، فما ينطق به لساني ليس بدون مبررٍ. إنني لست أخاصم إلهي.

اِرْجِعُوا. لاَ يَكُونَنَّ ظُلْمٌ.

ارْجِعُوا أَيْضًا. فِيهِ حَقِّي [29].

يعود فيكرر مطالبًا إياهم بإعادة التفكير، يسألهم أن يرجعوا إلى أنفسهم ولا يتحاملوا عليه، فيروا حقه، فإن كان لم يقدر أن يحتفظ بهدوئه فلا يعني هذا أنه فقد استقامته ونبله.

هَلْ فِي لِسَانِي ظُلْمٌ،

أَمْ حَنَكِي لاَ يُمَيِّزُ فَسَادًا؟ [30]

يسألهم هل نطق بلسانه كلمة فيها تجديف على الله. أي إثم يتهمونه به؟ أليس ما نطق به يتكافأ مع ما يعانيه من مرارة.

v     عندما نفضح خطية أخينا يفضح الله خطيتنا، وعندما نخبر الناس عن جريمة أخينا يفعل الله معنا هكذا.

أحد آباء البرية

v     احفظوا ألسنتكم. وذلك بأن لا تقولوا عل إخوتكم شرًا. لأن الذي يقول على أخيه شرًا يغضب الله الساكن فيه. ما يفعله كل أحدٍ برفيقه فبالله يفعله.

القدِّيس مقاريوس الكبير

 


 

من وحي أيوب 6

لتصٌَوب سهام حبك في قلبي

 

v     في وسط ضيق هذا العالم تئنُ نفسي في داخلي!

تُرى هل يدرك أحد ثقل صليبي؟

هل يشاركني أحد مرارة نفسي!

ضيقاتي طمت فوق رأسي،

وضاق قلبي جدًا.

v      سيدي أفضح خطيتي أمام عيني،

عوض الصراخ من كثرة الضيقات،

أغرق في لجة محبتك يا غافر الخطايا، ومنقذ نفسي من الفساد!

لا أرى في قلبي سهام العدو الملتهبة نارًا.

بل وسط الضيق أرى سهام حبك تخترق أعماقي.

يتحول كل كياني إلى عُرس مفرح.

أغني وأرنم: إني مجروح حبًا!

 

v     لا أعود أترقب تعزية من بشرٍ،

ولا أشعر بعد بتفاهة حياتي!

إن كانت حياتي قد صارت كطعامٍ كريهٍ بلا ملح،

بحبك أراك الملح الحقيقي الذي يسكب عذوبة على أعماقي.

بك أصير ملحًا للأرض ونورًا للعالم!

لا أعود أرثي ضعفي، لأنك أنت قوتي وعوني.

 

v     في وسط ضيقي صارت تعزيات البشر ثقلاً على نفسي.

يقدمون من مجاريهم مياهًا عكرة تخفي في داخلها جليدًا.

أما أنت يا أيها المعزي السماوي،

فتهبني روحك في داخلي ينبوع مياه حية،

تنعش نفسي، وتجدد حياتي،

تنزع كل تراب في داخلي،

تحول قفري إلى جنة سماوية.

ليس موضع للجليد في داخلي،

لأن روحك لهيب نار متقد، من يقدر أن يطفئه؟

 

v     أصدقائي ينتقدونني ليتبرروا هم،

يُظهرون حكمتهم البشرية دون حبٍ صادقٍ.

أما أنت فالمعلم العجيب،

تعلم بالوصية المملوءة حبًا.

تتحدث معي لأتحدث معك،

ترشدني وتحملني فيك،

وتصعد بي إلى حضن أبيك مبررًا فيك!

 

v     توبيخات البشر كثيرًا ما تدفعني إلى اليأس،

تحطم أعماقي، فأشتهي الموت.

توبيخاتك تحمل أبوة حانية،

تجرح وتعصب،

تقتلع الزوان من حقلك،

لتغرس جنتك في أعماقي،

حزمك يحمل عذوبة فائقة.

نظراتك تحمل مع العتاب حنوًا فائقًا!

 

v     لتكن أنت صديقي الفريد،

كلماتك جادة مملوءة عذوبة!

نظراتك تهب رجاءً، وتسحق نفسي بالحب!

اللقاء معك يحول قلبي إلى هيكلٍ لك.

لمساتك تلهب كل كياني لأنطلق إليك!

لتأتي وتسكن فيٌ، وأسكن فيك إلى الأبد.

<<


 
الأصحاح السابع

شهوة الموت

في هذا الأصحاح يقدم لنا أيوب صورة حية لما يليق بالمؤمن أن يفعله وسط متاعبه، خاصة مع المقاومين له. إنه لم يتجاهلهم، بل تحدث معهم بحكمةٍ وهدوءٍ وصدقٍ، لكن بين الحين والآخر يحول وجهه عنهم ليرفعه نحو الله، ويدخل معه في حديث صريح. هكذا جاء هذا الأصحاح صلاة تخرج من قلبٍ يذوق المر من قلوب أصدقائه، فيلجأ إلى قلب الله واهب التعزيات، صديقه السماوي الفريد، ومخلص نفسه.

يعود أيوب فيكرر أنه يلتمس لنفسه العذر في تطرفه في شهوة الموت، مقدمًا الحجة لذلك.

أغلب الأصحاح موجه إلى الله. في وسط آلامه تطلع أيوب بنظرة تشاؤمية حيث يرى كل البشرية أشبه بالعبيد والخدم الذين يشتهون دومًا عبور الزمن للدخول إلى المساء لينالوا شيئًا من الراحة، ويستلمون أجرة تعبهم. إذ كانت أتعابه تلازمه كان يشتهي حلول الليل لكي يستريح من أتعاب النهار.

يصرخ أيوب بأن آلام النهار وأحلام الليل المرعبة جعلته يشتاق أن يحل به الموت عوض استمرار الحياة. إنه يتساءل: هل الإنسان الضئيل هام جدًا لدى الله، حتى يضع الله عينه عليه، ويتحين كل فرصة لكي يعاقبه؟ (١٧-١٨؛ ١٤: ١-٣).

يعترف أيوب أنه أخطأ، لكنه يتعجب كيف أن خطيته تجعل الله يلقي به أرضًا، كما لو كان حملاً ثقيلاً. إنه يطلب من الله ألاَّ يتأخر في الإعلان عن المغفرة، لئلا يموت قبل أن يتمتع بالغفران.

1. أيامه كأيام الأجير مملوءة شقاءً 1-6.

2. الموت يضع حدًا للشقاء الحاضر 7-10.

3. وصف لحالته التعيسة             11-16.

4. صرخة إلى الله لإنقاذه            17-21.

1. أيامه كأيام الأجير مملوءة شقاءً

أَلَيْسَتْ حَيَاةُ الإِنْسَانِ جِهَادًا عَلَى الأَرْض،

وَكَأَيَّامِ الأَجِيرِ أَيَّامُهُ؟ [1]

يلتمس أيوب لنفسه العذر حتى في تطرفه في شهوة الموت، مدعمًا رأيه بأن حياة الإنسان كلها تعب، فهو "قليل الأيام وشعبان تعبًا" (أي 14: 1). كل إنسانٍ يدرك أن أيامه قليلة، له ما يبرره في اشتهاء الموت عن قريب، لهذا يدهش كيف يعتبرونه قد ارتكب جريمة شنيعة عندما اشتهى ذلك.

بقوله "على الأرض" هذه التي أعطاها الله لبني البشر (مز 115: 16)، ينم عن وضاعة الإنسان، فإن مكان إقامته لا يزال أسفل على الأرض، وليس بين الطغمات السماوية. حقًا لا يسكن كعدو الخير في جهنم، إنما إلى حين على الأرض. نعيش مؤقتًا هنا لا يحكمنا القدر الذي للرواقيين، ولا الحظ الأعمى للأبيقوريين، إنما مشورة الله وخطته الإلهية السمائية العالية.

أما عن حالة الإنسان هنا فهي "جهاد، كأيام الأجير" في حالة جهادٍ مستمرٍ، كجنودٍ في معركة لا تتوقف. أعداؤنا لا يكفون عن المقاومة، ولا ينامون الليل. بالموت تُحسم المعركة، إما لكي نكلل أبديًا أو نصير في خزي وخجلٍ.

أيامنا كأيام الأجير نعمل طوال النهار لنقدم حسابًا في نهايته. كأجير يود أن ينتهي اليوم سريعًا حتى يستريح من الإجهاد في العمل المستمر. يرحب الأجير بعبور النهار وحلول الليل للراحة، كما يفرح الحارس بعبور الليل بنور الصباح (مز 130: 6). يشتاق الأجير إلى نهاية اليوم، لأن "نوم المشتغل حلو" (جا 5: 12).

v     أليست حياة الإنسان على الأرض بمثابة جهاد، وحياته كأيام الأجير؟ كالعبد الذي يكمن في الظل خوفًا من سيده، أو كالأجير الذي يترجى أجرته؟ هكذا أيضًا أنتظر شهورًا فارغة وليالي شقاء قُسِمت لي. إذا اضطجعت أقول متى يطلع النهار؟ وإن قُمت أقول ثانية، متى يحل المساء؟ إني مملوء ألمًا من الليل حتى مطلع الصباح. جسدي أنتن بتلوث الدود، وبلّلت كتل الأرض بحك قروحي التي تخرج إفرازات قيح! أيامي أتفه من كلام فارغ، وتنتهي بغير رجاء. أقول: "سيُعزّيني فراشي"، لكنك تروعني في الأحلام، وتُخيفني في الرؤى" (أي 1:7-6، 13، 14 LXX)[291].

v     ما أتعس حال الإنسان! كالأجير، يتعب ويكد لأجل الآخرين وهو نفسه في عوزٍ! ولا يقوى على مساندة نفسه، إلا بواسطة تعاطف الآخرين! كل يوم يتكبد عبودية مُرّة تحت قهر الخوف والفزع. ولئلا يمسك به سيده، يظن أنه يستطيع أن يختبئ منه في ظل هذا العالم؛ الظل الجائل الهائم الهارب! فكِّر في ذاك الذي يتحدث عنه سيراخ في سفر الحكمة Ecclesiascticus "كل إنسان يخطئ على فراشه مستهينًا وقائلاً في نفسه: "من يراني؟ فالظلمة حولي، والحيطان تخفيني؛ ممن أخاف؟" (سيراخ 18:23). ألا تظنوا أن ذلك الإنسان أجير مسرف؟...، مثل الشاب الذي ورد في الإنجيل الذي نقرأ عنه أنه تسلم من أبيه نصيب الميراث، وعندما صار في عوزٍ وفي حاجة، بدأ يرعى قطعان الآخرين كوسيلةٍ لإشباع جوعه وسداد نفقاته بما يتقاضاه (لو 11:15-16)، لكنه على الأقل قد اهتدى في النهاية وتاب، لأنه عاد إلى أبيه، ولم يكتم خطاياه بل كشف عنها.

لكن الإنسان الذي يظن أن الله لا يراه، ذاك الذي يرى كل شيء، وأن آثامه يمكن أن يخفيها الظلام، إنما يعيش في الظل، لكنه عبثًا يظن أنه يهرب من المراقبة، حيث عين الرب، الأبهى من الشمس، تكشف عن كل الأسرار والخفايا، وتنير كل ظلمة، وتدخل إلى معرفة عمق القلب، وتخترق إلى العلو والأعماق (يو 19:3-20؛ سيراخ 19:23(28)). ولهذا فالإنسان الذي يظن أنه في حماية الظلام، ظنه باطل؛ لأنه لا يقوى على الهروب من النور الذي ينير في الظلمة، والظلمة لم تمسك به (يو 5:1).

من ثمة يُكتشف كهاربٍ وأجيرٍ شريرٍ، ويتم التعرف عليه قبل أن يُخفي نفسه! لأن كل الأشياء معروفة للرب، قبل أن يفحصها، لا بالنسبة للأحداث الماضية فقط، بل والمستقبلة أيضًا[292].

v     من يظن أنه يخفي جُرمه، إنما يُفقد في رجاءٍ فارغٍ، لأن ذلك مجرد حديث واهٍ وليس الحق. حقًا "حديث الخطاة الفارغ مكروه" (سيراخ 13:27(14))، لا يعطي ثمرًا، بل بكاءً فقط! لأن "حديث الأحمق مثل حِمْلٍ في الرحلة" (سيراخ 16:21 (19))، وما الخطية إلا ثقلٍ؟ إنها ثقلٌ على كاهل عابر السبيل في هذا العالم، حتى أنه يتثقل بحملٍ ثقيلٍ من الجُرم! فإن كان راغبًا في عدم الخضوع لحمل الثقل، عليه أن يلتفت إلى الرب الذي قال: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم" (مت 28:11)[293].

القديس أمبروسيوس

v     الله في قديسيه عندما يُجربون، والقداسة تتبع التجربة. يستحيل على أيٌ شخص، حتى وإن كان قديسًا أن يجتاز هذا العالم بدون تجربة. وكما يقول أيوب: "حياة الإنسان على الأرض نضال (جهاد)" (أي 7: 1)[294].

v     نقرأ في سفر أيوب كيف أنه بينما كان رسول الشر الأول يتحدث جاء أيضًا آخر (1: 16). وفي نفس السفر كتب: "ألا توجد هنا تجربة" وبحسب النص العبري الأفضل: "توجد حرب ضد الإنسان على الأرض". إننا نجاهد في هذه الحياة لكي ما نكلل في الحياة العتيدة، ولهذا الهدف نخاطر بحياتنا؛ في معركة هذا العالم (مت 4: 1 الخ). يشهد الكتاب المقدس عن إبراهيم أن الله جربه (تك 22: 1 الخ). ولهذا السبب أيضا يقول الرسول: "نفتخر في الضيقات... عالمين أن الضيق ينشئ صبرًا، وفي الصبر رجاء، والآن الرجاء لا يخزى" (راجع رو 5: 3-5). وفي موضعٍ آخر: "من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟ كما هو مكتوب: إننا من أجلك نُمات كل النهار، قد حُسبنا مثل غنم للذبح" (رو 8: 35- 36). يعزي إشعياء النبي مثل هؤلاء بالكلمات: "أنتم المفطومون عن اللبن، المفصولون عن الثدي، أنظروا تجربة فوق تجربة بل، وأيضا رجاء فوق رجاء (إش 28: 9- 10 LXX) فكما عبر الرسول: "آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا" (رو 8: 18)[295].

القديس جيروم

v     عندما تهرب من مصر تأتي إلي مصاعد علوية جدًا للعمل والإيمان. تواجه برجًا وبحرًا وأمواجًا. طريق الحياة لا نسلكه دون أمواج التجارب. يقول الرسول: "جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون" (2 تي 3: 12). أيوب أيضًا لم يعلن بأقل من هذا: "حياتنا على الأرض تجربة" (أي 7: 1)[296].

العلامة أوريجينوس

v     أيوب بدوره ردد قول أليفاز: لكن الإنسان مولود للمشقة (5: 7). ماذا يعني هذا بالنسبة لأيوب؟ لقد جاء إلى النتيجة النهائية بأن هذا ليس هو الظلم الوحيد، بل هو نابع عن طبيعة الإنسان نفسها التي تثير هذه التجارب، كما أن الله يقرر أن حياة الإنسان يجب أن تكون مؤلمة. لكن أيوب أضاف"على الأرض"، إذ لا تكون بعد هكذا "في السماء".

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     ما هذه الحياة إلا ملء من الشباك؟

نحن نسلك بين شباك (ابن سيراخ 9: 13)؛ إننا نعيش بين تجارب عديدة. "ما هي حياة الإنسان على الأرض إلا حالة من التجربة" (أي 7: 1 LXX).

حسنًا أضاف "على الأرض"، لأنه يوجد من هو حياته في السماء.

حياته "على الأرض" أجرة أجير، كلها تعبِ وشدةِ، أوهى من القصص الباطلة (أي 7: 1-2، 6LXX )، تسبح في كلمات وتفيض بكلمات.

سكناها في مساكن من طين، والحياة ذاتها وحل. ليس من ثبات للفكر ولا جَلَده. في النهار يتوق الإنسان إلي الليل، وفي الليل يبحث عن النهار (راجع أي 7: 4)[297].

القديس أمبروسيوس

v     الشرور التي تحل عليكم ستعبر، وذاك الذي تنتظرونه بصبرٍ سيأتي. أنه سيمسح عرق التعب. أنه سيجفف كل دمعة، ولا يكون بكاء بعد. هنا أسفل يلزمنا أن نئن وسط التجارب، إذ يتساءل أيوب: "ما هي حياة الإنسان على الأرض سوى محنة؟" (أي 7: 1)[298].

v     أحزاني الشريرة تناضل مع أفراحي الصالحة، وفي أي جانب تتحقق النصرة؟ لست أعرف.

الويل لي! تراءف يا رب عليٌ!

الويل لي! هوذا لم أخفِ جراحاتي!

أنت الطبيب، وأنا مريض.

أنت رحوم وأنا بائس. أليست حياة الإنسان على الأرض تجربة؟

من يرغب في مصادر الإغاظة والمصاعب؟ إنك تأمر بأن نحتمل المتاعب، لا أن نحبها.

لقد أمرت أن نحتمل لا أن نحبها. فإنه ليس من إنسانٍ يحب ما يحتمله، وإن كان يجب أن يحتمل[299].

v     لا تظنوا أنكم بلا خطية مادمتم في هذه الحياة، إذ نقرأ عن هذا في الكتاب المقدس "أليست حياة الإنسان على الأرض تجربة؟" لهذا مادمنا في هذا الجسد حتما يلزمكم أن تقولوا في الصلاة كما علمنا الرب: "أغفر لنا معاصينا، كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا". تذكروا أن تغفروا سريعًا. ان أخطأ إليكم أحد وسأل الغفران، حتى يمكنكم أن تصلوا بإخلاص وتفوزوا بغفران خطاياكم[300].

v     "الحياة البشرية على الأرض تجربة" (أي 1:7 LXX)، ليس أحد قط في آمان تام، ولا يلزمه أن يكون هكذا حتى يأتي إلى تلك المدينة، حيث لا يخرج منها صديق ما، ولا يلتحق بها عدو ما. الآن ونحن في ذات مجد الكنيسة نتعرف على أصوات تجاربنا، وكأعضاء المسيح نخضع لرأسنا في رباط الحب، ونسند بعضنا البعض بروحٍ مشتركٍ، ونقول من المزامير ما نجده فيها عن الشهداء الذين سبقونا قائلين إن التجارب عامة على كل البشر من البداية حتى النهاية[301].

v     قدر ما يحب (الشخص) وطنه السماوي تصير رحلته الأرضية هي في ذاتها تجربة عظمى... في هذه التجربة، أي في هذه الحياة، من يثبت فوقها يطلب الله[302].

v     أنتن بالفعل تعشن في عفة وقداسة ونقاوة وبتولية، ومع هذا ما هي حياتكن هنا؟ أما تتواضعن عند سماعكن: "ما هي الحياة البشرية على الأرض إلا تجربة" (أي 7: 1 LXX

ألا يسحبكن من الاعتداد بالذات في زهوٍ القول: "الويل للعالم من العثرات" (مت 18: 7)؟

أما ترتعبن لئلا تُحسبن بين الكثيرين الذين تبرد محبتهم بسبب الإثم (مت 24: 12)؟

أما تقرعن صدوركن عند سماعكن: "من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط" (1 كو 10: 12)؟

وسط هذه الإنذارات الإلهية والمخاطر البشرية، هل نجد الأمر صعبًا أن نحث العذارى القديسات على التواضع؟[303]

v     لا يليق بإنسانٍ ما أن يشعر بالضمان في هذه الحياة، التي في كليتها تُدعى تجربة (أي 1:7). فإن ذاك الذي استطاع أن يبلغ إلى حالٍ أفضل مما كان عليه من السوء، ليته لا يتحول مما هو أفضل إلى ما هو أسوأ. رجاؤنا الوحيد، وثقتنا الوحيدة ووعدنا الأكيد الوحيد هو مراحمك[304].

v     إني أقول: آه! يا ليت لي جناحين مثل حمامة، فأطير بعيدًا وأكون في راحة!

إذن لأتجول بعيدًا وأبقى في البرية.

بل وحتى في البرية ربما سأمارس ذات الخبرة، إذ قيل: "انتظرت ذاك الذي يخلصني من الضعف ومن العاصفة" (مز 5:558 LXX).

حقًا، حياة الإنسان على الأرض هي حياة تجربة[305].

v     ليس أحد يتأكد من الحياة الأبدية هذه التي يعد بها الله غير الكاذب أبناء الوعد قبل أزمنة الأبدية. ليس أحد يتأكد ما لم يكمل حياته التي هي حالة من التجربة على الأرض (أي 7: 1). فإن الله يحثنا على المثابرة فيها حتى نهاية هذه الحياة، إذ نقول له كل يوم: "لا تدخلنا في تجربة" (مت 6: 13)[306].

v     لا يوجد إنسان يمكن أن يقول عنه البشر بتأكيدٍ كاملٍ أنه بار حتى يرحل من هذا العالم. فإنه في حياته التي هي تجربة على الأرض يلزم لمن كان قائمًا أن يحذر ألا يسقط (1 كو 10: 12)[307].

v     هناك سنكون مثله، نراه كما هو (1 يو 3: 1). أما الآن، مادام الجسد الفاسد يضغط على النفس (حك 9: 15)، والحياة البشرية على الأرض كلها تجربة (أي 7: 1)، فإن في نظره ليس من إنسان حي يتبرر (مز 143: 2)[308].

v     لقد ظهر بما فيه الكفاية أنه في هذه الحياة، التي هي بكليتها تجربة، يليق ألا يفتخر أحد كما لو كان قد تحرر من كل الخطايا[309].

v     من سوى المتكبر، يظن أنه قادر أن يعيش هكذا دون حاجة أن يقول لله: "اغفر لنا ما علينا"؟ مثل هذا الشخص ليس بالإنسان العظيم، بل المنتفخ بالباطل، ومقاوم لله الذي يعطي بفيض نعمة للمتواضعين (يع 4: 6، 1 بط 5: 5)[310].

القديس أغسطينوس

v     "أليست أيامه مثل أيام أجير؟"... هكذا أيام الإنسان إذ تتشرب بمعرفة الحق والأبديات تقارن بأيام الأجير، إذ يحسب الحياة الحاضرة طريقه وليست مدينته، هي نضال وليست سعف النصرة. إذ يرى أنه بعيد عن مكافأته، ينسحب بالأكثر ببطء ليقترب من غايته...

الآن قيل بصوت المخلص: "مملكتي ليست من هذا العالم" (يو 18: 36). إذن كلنا نحن الذين وهبنا الرجاء في السماء نرتدي متاعب الحياة الحاضرة، وننشغل بالاهتمام بالغير. إذ غالبًا ما يحدث أننا حتى إن أُكرهنا على خدمة أبناء الهلاك نلزم أنفسنا أن نرد للعالم ما هو له، ونهتم بما للغير لننال المكافأة التي لنا. هكذا ننشغل بأمور الآخرين بأمانة حتى نبلغ إلى مكافأتنا. على عكس هذا يقول الحق للبعض: "إن كنتم لستم أمناء فيما هو للغير، فمن يأتمنكم على ما هو لكم؟" (لو 16: 12).

هكذا يقول مواطنو الأرض العليا لخالقهم كلمات المرتل: "من أجلك نُمات كل النهار" (مز 44: 22). ويقول بولس: "أموت كل يوم يا إخوة لمجدكم" (راجع 1 كو 15: 31)؛ وأيضًا: "لهذا السبب احتمل هذه الأمور أيضا لكنني أخجل، لأنني عالم وموقن أنه قادر أن يحفظ ما التزم به لأجله إلى ذاك اليوم" (2 تي 1: 12)...

v     يليق بنا أن نلاحظ أنه لم يُقل أن حياة الإنسان تلحقها تجربة، بل وُصفت أنها هي ذاتها صارت تجربة. فإنه إذ كان (للإنسان) حرية الإرادة انحرف عن الشكل المستقيم الذي خُلق به وصار خاضعًا إلى حالة الفساد الدنيئة. بينما أنجبت حياة الإنسان من ذاتها الأذى لذاتها، صارت هي نفسها ذات الأمر الذي انحدرت إليه... لقد صارت حياة الإنسان بطريقة ما هي "تجربة". فإننا حتى إن كبحنا أنفسنا لكي لا نخطئ، فإننا ونحن نمارس الأعمال الصالحة يغشانا تذكر الأعمال الشريرة بضباب النفس.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) أمثلة كثيرة كيف صارت حياة الإنسان حتى في جهاده الروحي "تجربة" يعاني منها.

على سبيل المثال يذكر أن الإنسان وهو يجاهد أن يمتنع عن الحياة المترفة المُبالغ فيها، فإن امتناعه هذا أو نسكه يمكن أن يصير تجربة له. فبالنسك يصير وجهه شاحبًا، وإذ يلاحظ الآخرون وجهه الشاحب يحسبونه مستحقًا للكرامة فيمدحونه، وخلال مديحهم له يتسرب المجد الباطل إلى ذهن الناسك.

يقدم لنا مثلاً آخر: قد يوهب لإنسان معرفة الناموس الإلهي، فيبتهج بأنه نال فهمًا أكثر من غيره، فيرتفع ببهجة تحمل أنانية، وبتشامخه يفسد عطية الفهم التي نالها. ففي يوم الدينونة يكون حاله أسوأ من غيره بذات الأمر الذي بدا فيه أكثر من غيره بهاء في هذه الحياة.

هكذا يقدم أمثلة كثيرة لفضائل متنوعة تتحول إلى تدميره بسبب فساد طبيعته، فيصير ما هو للبنيان هو عينه لهلاكه، لأن حياته "تجربة".

يتساءل القديس أغسطينوس أنه إذ قيل في سفر أيوب "أليست حياة الإنسان على الأرض تجربة؟ (أي 1:7 LXX) فلماذا نصلي: " لا تدخلنا في تجربة؟"

يجيب بأنه يلزم أن نميز بين نوعين من التجارب، النوع الأول الذي فيه حث على الخطية، عن هذا قيل: "لا يقل أحد إذا جُرب أني أجرب من قبل الله" (يع 13:1)، وتوجد تجربة للتذكية هذه التي قيل عنها: "لأن الرب إلهكم يمتحنكم (يجربكم)، لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم" (تث 3:13). الله يعلم ما في القلب، إنما يعني هنا "إننا نحن نعلم" ما في قلوبنا"[311].

v     هذا أنا أعرفه أن حياة الإنسان على الأرض تجربة (أي 1:7)، وأنه يوجد نير ثقيل على أبناء آدم (ابن سيراخ 1:40). لكن ما يسرني بالأكثر هو أن أناقش السؤال الخاص بهذا البناء، إذ نقول إننا نزلاء أو غرباء على الأرض، إذ وجدنا مدينتنا العليا، حيث ننال هنا العربون، وعندما نبلغها لن نفارقها[312].

 القديس أغسطينوس

كَمَا يَتَشَوَّقُ الْعَبْدُ إِلَى الظِّلِّ،

وَكَمَا يَتَرَجَّى الأَجِيرُ أُجْرَتَهُ[2].

يشتاق العبد الذي يكد في حر النهار إلى الظل، هكذا يشتاق أيوب إلى الخروج من نهار هذا العالم بالموت ليستظل في القبر.

يشير طول الظل إلي نهاية اليوم بأتعابه، حيث يكون العامل مشتاقًا أن ينهي يومه. في الهند كان يُقاس الزمن حسب طول ظل الشخص. إذ سأل إنسان عن طول يوم عمله يُسال أن يقف في مكان به شمس ويُقاس طول ظله فيخبرونه عن الزمن. فمن يرغب في ترك عمله غالبًا ما يقول كم هو طول ظلي القادم؟[313]    

v     "أنقذني من أعدائي يا رب، إليك التجأت" (مز 9:143). أنا الذي هربت منك مرة، الآن أهرب إليك. فقد هرب آدم من وجه الله، واختفى بين أشجار الفردوس، فقيل عنه في سفر أيوب: "كعبدٍ يهرب من سيده، ويجد ظلاً" (أي 2:7  LXX). لقد هرب من وجه سيده ووجد ظلاً. الويل له إن استمر في الظل، لئلا يُقال بعد ذلك: "كل الأمور تعبر كظلٍ" (الحكمة 9:5)[314].

 القديس أغسطينوس

v     "مثل عبد يشتاق بشغفٍ نحو الظل، وأجيرٍ يتطلع إلى نهاية عمله، هكذا أنا أقتني أشهر الباطل، وأحصي الليالي المتعبة..." يركض بولس لاهثا ليمسك بهذا الظل، مشتاقًا أن ينطلق ويكون مع المسيح (في 1: 13). هذا الظل يقتنيه بالفعل القائلون بكل شهوة قلوبهم: "نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر" (مت 20: 12)... هذا هو السبب الذي لأجله يرتفع بولس على الدوام بجسارة في مواجهة النكبات، فإنه "كالأجير الذي يتطلع إلى نهاية عمله"... إذ يعلن أنه تثقل فوق الطاقة، قائلاً: "إننا تثقلنا جدًا فوق الطاقة حتى أيسنا من الحياة" (2 كو 1: 8). لكن كيف مسح من نفسه مجاري هذا التعب الشديد بمنشفة مكافأته، يخبرنا بنفسه عن هذا قائلاً: "فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا" (رو 8: 18) هكذا كأجير يتطلع إلى نهاية عمله، مهتمًا أن يزيد من المكافأة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

هَكَذَا تَعَيَّنَ لِي أَشْهُرُ سُوءٍ،

وَلَيَالِي شَقَاءٍ قُسِمَتْ لِي [3].

حسب أيوب وسط معاناته أنه قد ضاع كل عمره بلا نفع، فظن أن كل أشهر حياته سوءً، ولياليه شقاء. بعد المنحة لم يكن قادرًا في مرضه أن يعمل فنسي كل ما سبق فعمله في أيامه صحته ورخائه، أما الله فلن ينساها. شعر أن وجوده على الأرض يمثل عبئًا على الجماعة، فهو بلا عمل، ولم يدرك كيف يعتز به خالق السماء والأرض، وبه يتبارك الكثيرون.

يشتاق المؤمن إلى الراحة الأبدية كظلٍ يلتجئ إليه بعد معاناته من حرارة شمس التجارب والضيقات في هذا العالم. وهو في هذا يدرك أن حياته رحلة قصيرة لا تبلغ السنة أو السنوات لكنها شهور محصية، شهور باطلة وليالٍ قاسية، ليالي شدة وتعب. إنها حياة عابرة، لكن إلى أبدية مجيدة. كلما أدركنا قصر الزمن عبرنا متهللين إلى الأبدية غير مبالين بثقل الحياة ومتاعبها.

يحسب حياتنا شهور سوء أو شهورًا باطلة، وليالي سوء أو شتاء وتعب، وهي محصية ومحددة "قسمت لنا". يذكر الشهور التي تضم الأيام كما لا ينسى الليالي، فالمؤمن يهتم بخلاصه ككلٍ، أو حياته كوحدةٍ واحدة، كما يهتم بكل ليلة وحدها. يهتم بكل صغيرة وكبيرة في تصرفاته، كما بالحياة في مجملها.

إِذَا اضْطَجَعْتُ أَقُولُ مَتَى أَقُوم.

اللَّيْلُ يَطُولُ، وَأَشْبَعُ قَلَقًا حَتَّى الصُّبْحِ [4].

صارت لياليه طويلة للغاية، لأن النوم لم يجد له فيه مكانًا، فبالكاد تعبر الدقائق، وفى نفس الوقت لا يترقب نهارًا يجد فيه راحة.

ليس المكان ولا الزمان يهبان راحة حقيقية للإنسان، إنما سلام القلب الداخلي، فمن يهرب من الآلام بالنوم ليلاً، يجد في نومه قلقًا وأهوالاً ربما أشد مما يعانيه في نهاره.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) في هذه العبارات صرخات الكنيسة المقدسة مادامت في هذه الحياة المملوءة فسادًا، فتولول غير مقتنعة بما هي عليه من عدم استقرار. تود أن تصعد بالتأمل الدائم في الله لتستقر فيه، وأن تتحصن به لتخدم خالقها بحبٍ، ولا يقدر الفساد أن يقترب إليها ويلمسها. أفسدت الخطية حياة الإنسان وحرمته من الاستقرار، فصار في صراعٍ دائمٍ إن استراح كما بالليل يطلب أن يعمل، وإن عمل يطلب أن يستريح. إذ أفقدته الخطية اقتناء الله لم يعد فكره يجد راحة. راحته الحقيقية هي في الله ينبوع الراحة.

وللبابا غريغوريوس تفسير آخر، وهو أن النوم هنا يشير إلى السقوط في الخطية التي تجلب للإنسان الفساد.

v     هذا أيضًا يمكن أن يُفهم بمعنى آخر. فإن النوم هو الانبطاح في الخطية. لو أن النوم ليس رمزًا للخطية ما كان يمكن لبولس أن يقول لتلاميذه: "اصحوا للبرّ ولا تخـطئوا" (1 كو 15: 34). ولذات السبب يعهد بسامعه الآتي: "استيقظ أيها النائم، وقم من الأموات، فيضيء لك المسيح "(أف 5: 14). وأيضًا: "إنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم" (رو 13: 11).

بموافقتنا للممارسات الشريرة نهلك بالفساد، وأما بالسماح لصور الأعمال الشريرة أن تقوم في القلب، نتدنس بوصمات التراب، لذا يقول: "جسدي يلتحف بقذارة التراب".

البابا غريغوريوس (الكبير)

لَبِسَ لَحْمِيَ الدُّودُ مَعَ الطِّينِ.

جِلْدِي تَشَقَّقَ وَتَقَيَّحَ [5].

قروحه ولَّدت دودًا ملأ جسمه، فصار الدود حول جسمه في جروحه أشبه برداء يلبسه، ولا يقدر الخلاص منه. وقشور القروح صارت مثل أكداس التراب، أما جلده فتقلص وتمزق. هكذا من يقدر أن يصف منظر أيوب الذي صار أشبه بكومة تراب مشحونة بالدود، رائحتها كريهة للغاية، دبَّ الفساد فيها، من ينظر إليه يشمئز تمامًا.

v     كانت قروح جسمه تعد له إكليل السماء[315].

القديس جيروم

أَيَّامِي أَسْرَعُ مِنَ الْمَكُّوكِ،

وَتَنْتَهِي بِغَيْرِ رَجَاءٍ [6].

إن كان أيوب يشتهى سرعة الموت، فلأن حاله يكشف عن ذلك. اعتقدَ أن ما هو عليه يسرع به إلى نهاية حياته على الأرض، لم يبقَ له سوى أيام قليلة، فبالطبيعة لا يقدر جسمه على مقاومة هذا المرض. حياته تنتهي بلا رجاء في العودة إلى حال رخائه الأول.

2. الموت يضع حدًا للشقاء الحاضر

اُذْكُرْ أَنَّ حَيَاتِي إِنَّمَا هِيَ رِيحٌ،

وَعَيْنِي لاَ تَعُودُ تَرَى خَيْرًا [7].

ربما لاحظ أيوب أن أصدقاءه وإن كانوا لم يقاطعوه في كلامه، لكنهم لم يعودوا يحتملون التطلع إليه في منظره البشع، ولا أن يسمعوا صوته، لذا تحول من الحديث معهم إلى الحديث مع الله، فهو وحده طويل الأناة، يصغي إلى القلوب المجروحة، ولا يستنكف من الأجسام المريضة مهما تشوهت صورتها. لقد صرخ نحو الله قائلاً: "أذكر أن حياتي إنما هي ريح". هكذا أراد أيوب أن يجلب حنو الله وعطفه بكونه مخلوقًا ضعيفًا للغاية، تعبر حياته سريعًا دون توقف كما تعبر الريح. وكما يقول المرتل: "أذكر أنهم بشر، ريح تذهب ولا تعود" (مز 78: 38-39).

هكذا كان أيوب يضع نصب عينيه حقيقة واضحة عن قِصَرْ الحياة، وعن يقينه بموته وعدم الإفلات منه. هذه الحقيقة تجعلنا لا نضع رجاءنا في العالم، ولا نرتبط بالأمور المنظورة، ولا تسيطر علينا الأمور الحسية. فسعادتنا هنا تقوم على إدراكنا أننا غرباء يلزمنا أن نسلك بأمانة، وبروح متهلل حتى نعبر إلى مسكننا الدائم.

v     عين الميت لا تعود ترى خيرًا، إذ لا تعود تمارس النفس الأعمال الصالحة ما أن تجردت من الجسد. لهذا السبب فإن الغني الذي كان يهلك في نار جهنم عرف أنه لا يقدر أن يُصلح من أمره بأعمال صالحة، فإنه لا يعود ثانية لممارسة ما هو لخيره، إنما طلب لإخوته الذين تركهم: "أسألك إذا يا أبتِ إبراهيم أن ترسله إلى بيت أبي، لأن لي خمسة إخوة، حتى يشهد لهم لكيلا يأتوا هم أيضًا إلى موضع العذاب هنا" (لو 16: 27-28).

البابا غريغوريوس (الكبير)

لاَ تَرَانِي عَيْنُ نَاظِرِي.

عَيْنَاكَ عَلَيَّ وَلَسْتُ أَنَا! [8]

لاحظ أيوب أن أصدقاءه قد أحاطوا به وجلسوا حوله سبعة أيام لا ينطقون، لكن وهم ناظرون إليه كانوا كمن هم عميان لا يرون أيوب في حقيقته، أما عينا الله فتنظران إليه وسط محنته حتى وإن بدأ بسبب شدة الكوارث كمن هو غير موجود، أو كمن فقد حياته وكيانه!

يحتاج الإنسان إلى نظرات الرب إليه، فهو وحده ينظر إلى القلب، وقادر على تعزيته، بل وتجديده. حينما تطلع ربنا يسوع وسط محاكمته إلى سمعان بطرس لم يحتمل عيني السيد، فخرج خارجًا يبكي بكاء مرًا حتى يلتقي به ثانية بعد قيامته فيقيمه من قبر جحوده، ويرده إلى عمله الرعوي!

لقد أدرك ايوب المجٌَرب أنه ليس من طريق للشكوى فيما حلٌَ به بسماح من الله إلا أن يرفعها لله نفسه.

سيعبر الزمن سريعًا ولا يرانا من ينظروننا الآن، "نذهب فلا نوجد" (مز 39: 13)، نترك ما هو منظور لنتمتع بغير المنظورات.

بقوله "عيناك عليّ ولست أنا" يكشف البار أيوب أنه يثق في رعاية الله وعنايته به، وإنه سيرسله إلى الأبدية ليتمتع بها، لا عن فضل من جانب أيوب. لهذا يقول: "لست أنا"، فمن جهتي أموت لكن من يقيمني سواك؟ ومن يدخل بي إلى المجد إلا أنت؟

v     "لا تراني عين إنسان" [8]. لأن "عين الإنسان" هو حنو المخلص، الذي يلين قسوة جفافنا عندما يتطلع إلينا. هكذا يشهد الإنجيل، قائلاً: "فالتفت الرب ونظر إلى بطرس، فتذكر بطرس كلام الرب... فخرج بطرس إلى خارج وبكى بكاء مرا" (لو 22: 61-62). لكن إذ تتجرد النفس من الجسد، لا تعود بعد تلتفت "عين الإنسان"، إذ لن تخَّلص إنسانًا بعد موته، إن كانت النعمة لم تهبه المغفرة قبل موته. لهذا يقول بولس: "هوذا الآن وقت مقبول. هوذا الآن يوم خلاص" (2 كو 6: 2). هكذا يقول المرتل: "لأن رحمته لحال الكائن الحالي" (راجع مز 118: 1).

فمن لا تنقذه الرحمة الآن في الحال الحاضر، تسلمه العدالة وحدها للعقوبة. يقول سليمان: "وإذا وقعت الشجرة نحو الجنوب أو نحو الشمال، ففي الموضع حيث تقع الشجرة هناك تكون" (جا 11: 3). ففي لحظة سقوط الكائن البشري، يتقبل الروح القدس أو الروح الشرير النفس الراحلة من حجرات الجسد، فيحتفظ الروح بها إلى الأبد دون تغير.

فإن كانت قد تمجدت لا تطرح في الويلات، ولا إن انطرحت في الويلات الأبدية تعود فتقوم لتجد وسيلة للهروب...

بعد الحياة الحاضرة لا يعود الإنسان بعد "يرى بعين إنسان"، لذا يضيف في الحال: "عيناك علي، وأنا لست واقفًا!" وكأنه يقول بكلمات واضحة: عندما تأتي في صرامة للدينونة لا ترى لكي تخلص، بل ترى لكي تعاقب. فالشخص الذي لم تلتفت إليه في الوقت الحاضر بعنايتك المخلصة المترفقة تتطلع إليه فيما بعد بناموس العدل.

البابا غريغوريوس (الكبير)

السَّحَابُ يَضْمَحِلُّ وَيَزُولُ.

هَكَذَا الَّذِي يَنْزِلُ إِلَى الْهَاوِيَةِ لاَ يَصْعَدُ [9].

في حديثه مع الله يعترف أيوب أنه ذاهب إلى مقره الأخير بلا عودة إلى هذا العالم، حياته هنا على الأرض أشبه بسحاب يتحرك ويضمحل بلا عودة.

v     إذا قيل: "ليس الأموات يسبحونك يا رب" (مز 115: 17). فهذا يُظهر أن هذه الحياة فقط هي الوقت المعين للندم والمغفرة. "والذي يهبط إلى الهاوية ولا يصعد" [9]، فالذين يسرون بهذه الحياة هم الذين سيُسبحون الله. أما الذين ماتوا في الخطايا، فلا يبقى لهم وقت أن يسبحوا بعد الموت كالمتمتعين بالبركات. إنما ينوحون على أنفسهم، لأن التسبيح لمن يشكر، والنحيب لمن هو تحت العقاب. لذلك يقوم الأتقياء بالتسبيح، أما الذين ماتوا في الخطايا فليس لهم وقت للاعتراف (الحمد) بعد ذلك[316].

v     بخصوص العبارة: "هكذا الذي ينزل إلى القبر ولا يصعد" (أي 7: 9). لاحظ ما جاء بعد ذلك "لا يرجع بعد إلى بيته"، ولما كان العالم كله سينتهي، وكل بيت سيخرب، كيف يرجع ثانية إلى بيته عندما تكون أرض جديدة مغايرة؟ لكن كان يجب أن يسمعوا أيوب يقول: "لأن للشجرة رجاء، إن قطعت تُخلف أيضًا ولا تعدم خراعيبها. ولو قدم في الأرض أصلها ومات في التراب جذعها، فمن رائحة الماء تفرخ، وتنبت فروعًا كالغرس. أما الرجل فيموت ويبلى. الإنسان يسلم الروح، فأين هو؟ إنه يتكلم بعتاب ولوم! يقول إذا كانت الشجرة تقع ثم تحيا ثانية، ألا يحيا الإنسان مرة ثانية الذي من أجله وُجد الشجر كله؟ ولكي لا تتصور أنه ختم الكلمات اقرأ ما يتبع ذلك: "ويقول إن مات رجل فيحيا" (أي 14:14) ، وحالاً يضيف: "سأنتظر إلى أن أقوم". وفي موضع آخر: "بعد أن يفنى جلدي هذا وبدون جسدي أرى الله" (أي 26:19). وفي إشعياء: "تحيا أمواتك، تقوم الجثث" (أش 16:26). وفي حزقيال: "ها أنذا افتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم" (حز 37: 12). وفي دانيال: "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار والازدراء الأبدي" (دا 2:12)[317].

القديس كيرلس الأورشليمي

v     أنه كمن يقول بوضوح إن من يطير إلي العلا (كالسحاب) يضمحل، إذ يفتخر بذاته، مندفعًا إلى الدمار.

v     بحق تُشبه قلوب اليائسين بالسحاب، إذ تصير مظلمة بضباب الخطأ، وكثيفة بالعديد من الخطايا، ولكن إذ تضمحل تزول، حيث يشرق عليها لهيب الدينونة الأخيرة فتتبدد بالرياح.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لاَ يَرْجِعُ بَعْدُ إِلَى بَيْتِهِ،

وَلاَ يَعْرِفُهُ مَكَانُهُ بَعْدُ [10].

يعلم أيوب تمامًا أن بموته لا يعود بعد إلى بيته في هذا العالم، لا يعود يمتلك شيئًا، ولا يتمتع بعد بالأرضيات، ولا يمارس أعماله الزمنية. إنه يترك كل شيءٍ لمن يأتي بعده ويحتل موضعه.

"ولا يعرفه مكانه بعد": ليس فقط لا يعود أيوب بعد موته إلى موضعه، وإنما الموضع ومن يسكنون فيه لا يعرفون أين هو أيوب، إذ تنقطع الصلة تمامًا بين أيوب ومن يسكن في موضعه.

v     ما أن يُسلم إنسان إلى العقوبات الأبدية لا يُستدعى مرة أخرى من هناك، حيث يمكن أن يربط ذاته بالحب...

البابا غريغوريوس (الكبير)

عندما شفي السيد المسيح الرجل المجنون، "قال له: اذهب إلى بيتك" (مر 5: 19)، أي يرجع إلى أعماقه، فيحرص ألا يخطئ مرة أخرى، أما بعد الموت فلا يستطيع أن يرجع إنسان إلى بيته ليُصلح من أعماقه فلا يخطئ.

v     خُلق الإنسان ليتأمل خالقه، فيبقى دومًا يطلب أن يكون على مثاله، ويقطن في بهجة حبه. أما إذا طُرد خارجًا عن ذاته بالعصيان، يفقد أساس ذهنه. إذ يُترك خارجًا في الطرق المظلمة يجول بعيدًا عن مسكن النور الحقيقي.

v     "ولا يعرفه مكانه بعد"، فإن مكان الإنسان – ليس المكان المحلي - فقد صار الخالق نفسه، الذي خلقه لكي يكون فيه، كمكانٍ للإنسان. لكنه ترك المكان عندما أنصت لكلمات المخادع، متخليًا عن محبة الخالق... لكن يوجد كثيرون جدًا بعدما نالوا عون المخلص، انحدروا في ظلام اليأس وهلكوا مرة أخرى في يأسٍ شديدٍ، إذ يستخفون بأدوية الرحمة المقدمة لهم. وبحق قيل عمن يُحكم عليه بالهلاك الأبدي: "ولا يعرفه مكانه بعد". يلاحظ على وجه الخصوص أنه لا يقول: "ولا يعرف مكانه بعد"، بل يقول: "ولا يعرفه مكانه بعد". فان كلمة "يعرف" لا تنسب للشخص بل للمكان، هذا الذي في حزم يقول للقاطنين في الشر في النهاية: "لا أعرفكم من أين أنتم" (لو 13: 25).

البابا غريغوريوس (الكبير)

3. وصف لحالته التعيسة

أَنَا أَيْضًا لاَ أَمْنَعُ فَمِي.

أَتَكَلَّمُ بِضِيقِ رُوحِي.

أَشْكُو بِمَرَارَةِ نَفْسِي [11].

عندما أدرك داود النبي بطلان الحياة الزمنية قال: "صمت. لا أفتح فمي" (مز 39: 3)، أما أيوب فإذ عرف ذات الحقيقة لم يتوقف عن الكلام، بل أعلن عن شكواه بمرارة لكي يقدم وصيته الأخيرة لأصدقائه ومن هم حوله.

يليق بنا في الأنفاس الأخيرة أن نعترف بخطايانا كما نسبح ونشكر الله، لننطلق في سلام الله عوض الشكوى والتذمر.

v     "أنا أيضا لا أمنع فمي" فإن الإنسان الذي يخجل من أن يعترف بالشر الذي فعله "يمنع فمه"... لذا يقول المرتل: "لتأتي إلى حضرته بالاعتراف" (مز 95: 2). تسلمنا من سليمان: "من يكتم خطاياه لا ينجح، ومن يقر بها ويتركها يُرحم" (أم 28: 13). كما كُتب أيضًا: "الإنسان البار هو الأول في اتهام نفسه" (راجع أم 18: 17).

v     "سأتكلم بضيق روحي"، لأن "ضيق الروح" يهيئ اللسان للكلام، فيكون صوت الاعتراف ضد ارتكاب الشر. فإنه يليق أن نضع في ذهننا أن الفاسدين غالبًا ما يعترفون بالخطايا، لكنهم يفتخرون بها جدًا، ولا يبكون عليها. أما المختارون فيعَّبرون عن إدانتهم المرة لأنفسهم بالدموع، هذه التي تكشف كلمات الاعتراف. لهذا حسنًا بعد أن تعهد الطوباوي أيوب ألا يمنع شفتيه أضاف للحال ضيق الروح.

"إني أتحدث بمرارة نفسي (روحي)"... مرارة الروح لها لسانها الخاص في قلب البار، فينطق بأكثر دقة ويسمع إليه أكثر (من اللسان الجسماني). لذلك لم يقل: “أتكلم في مرارة روحي" بل قال: "سأتحدث (أحاور) بالمرارة"، حيث أن قوة الحزن تأخذ كل خطية على حدة وتثير الذهن المخدر للنواح.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     حين تنشغل بخطيةٍ ما كن متهمًا لنفسك ( أم 18: 17)، ولا تنتظر الآخرين ليقدموا الاتهام. بهذا تصير أشبه بإنسانٍ بارٍ يتهم نفسه في أول حديث له في المحكمة، أو تكون كأيوب الذي لم يعقه جمهور الشعب في المدينة من الإعلان عن جريمته أمام الكل"[318].

القديس باسيليوس الكبير

v     ينصت الآب إليك وأنت تتكلم في داخل نفسك، ويسرع لمقابلتك. عندما تكون لا تزال بعيدًا يراك ويركض.

          إنه ينظر ما في داخل قلبك، ويُسرع حتى لا يؤخرك أحد، بل ويحتضنك.

"مقابلته لك" هي سبق معرفته، و"احتضانه لك" هو إعلان رحمته، وتعبير عن حبه الأبوي.

          يقع على عنقك لكي يقيمك أنت الساقط تحت ثقل الخطايا، ولكي يرجعك إلى السماء إذ اتجهت إلى الأرض، فتطلب خالقك.

          يقع المسيح على عنقك، لكي يخلص عنقك من نير العبوديَّة، فيحملك نيره الهين (مت 11: 30)...

          يقع على عنقك بقوله: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، احملوا نيري عليكم" (مت 11: 28).

          هكذا يحتضنك الرب عندما تتوب[319].

القدِّيس أمبروسيوس

أَبَحْرٌ أَنَا، أَمْ تِنِّينٌ حَتَّى جَعَلْتَ عَلَيَّ حَارِسًا؟ [12]

تطلع داود المرتل إلى الله وهو يفكر في عبوره من العالم، فصمت بفمه لكي يسبح قلبه الله، ويتأمل فيما أعده الله له من أمجاد، أما أيوب فتطلع إلى نفسه وفكر في آلامه، فصار في ثورةٍ عارمةٍ، وقد أعطى لنفسه عذرًا بقوله: "أبحر أنا أم تنين؟" [12]. هل أنا بحر هائج بلا توقف يحتاج إلى أن يلتزم بحدوده؟ أو تنين يلزم كبح جماحه حتى لا يلتهم كل سمك البحر.

v     لست في قوةٍ تماثل البحر، فقد جعلته عظيمًا بين المخلوقات، وبسببه وضعت رمالاً حوله كحارسٍ له، الذي بأمرك يضع البحر في حدوده ويكسر سلطانه...

وليس لي خبث التنين، فقد أقمت عداوة بينه وبين الإنسان.

لقد أشرت إليه أن يحفظ نفسه بعيدًا عن الإنسان كعدوٍ له، مقدمًا له تحذيرًا في هذا الشأن: “أضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. إنه يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه" (تك 3: 16).

على أي الأحوال: "جعلت عليَّ حارسًا" بمعنى أنك أقمت حارسًا حاقدًا عليَّ، الخائن، الذي يلاحظ كل تصرفاتي وكل كلماتي. إنه يفحص حتى أفكاري ويخونني في كل ما أفعله.

علاوة على هذا يضع لي في شكل اتهام أمرًا لم يكن في اعتباري. لم احفظ وصيتك لكي ما أنال السعادة الزائلة، بل أحب الله من أجل الحياة العتيدة، كعبدٍ أمينٍ (مت 24: 25؛ 25: 21، 23). لقد جعله العدو كحارسٍ لدي، تحت حراسته كان مربوطًا وموثقًا في حالة بائسة وبتجارب قاسية للغاية. وأنت مددت يد معونتك إليه، وليس إليَّ، لذلك حلت التجارب بي.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

إِنْ قُلْتُ: فِرَاشِي يُعَزِّينِي،

مَضْجَعِي يَنْزِعُ كُرْبَتِي [13].

كان يرجو كما اعتاد كثير من البشر أن يجد في النوم هروبًا مما يحل به، فيترقب مجيء الليل لعله ينعس ولو إلى حين.

v     في الكتاب المقدس عادة ما تُستخدم الكلمات: "سرير" أو "مضطجع" أو "المهد" الذي من القش الذي ترقد عليه الحيوانات لتشير إلى أسرار أعماق القلب. لهذا فإن كل نفس منفردة إذ يطعنها العريس برماح الحب المقدس تقول في نشيد الأناشيد: "في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي" (نش 3: 1)...

هكذا يقول الحق لمحبيه أنفسهم: "ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21) مرة أخرى: "إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي" (يو 16: 7) وكأنه يقول بوضوح: "إن لم أسحب جسدي من انتباهكم المركز عليه لن أقودكم بالمعزي الروح، وتدركون غير المنظور. لذلك قيل بالمرتل عن الأبرار: "ليبتهج الأتقياء بمجدٍ، ليرنموا على مضاجعهم" (مز 149: 5)، حيث أنهم إذ يهربون من الأذى للأمور الخارجية، يتمجدون في سلامٍ داخل أعماق قلوبهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     يشبه ذلك الملائكة الذين لا ينامون لأنهم دائمًا قائمون على الحراسة. لذلك فإنك تقول الصدق وهكذا تقلد الملائكة التي لا تنام والتي لا تهرب من مواجهة الحق بواسطة خيالات غير واقعية[320].

v     ينام الإنسان بعد ما يدخل في غيبة، وفي أثناء النوم يتم هضم الطعام وتُحفظ صحة من يشاركون في مائدة الاحتفال. لذلك تنام العروس بعد الاحتفال. ويُعتبر هذا النوم غير مألوفٍ، ويختلف عن النوم العادي الذي لا يكون الشخص فيه غير واعٍ بما حوله. وكلاهما يضادان بعضهما البعض، لأن النوم والاستيقاظ يتلو أحدهما الآخر. ونرى في العروس خليط من التعارض المميّز: تقول "أنا نائمة، وقلبي مستيقظ" (نش 2:5) ماذا نفهم من هذه الآية؟ يشبه هذا النوم الموت، وفيه تتوقف كل وظائف الإحساس: فلا توجد رؤية أو سمع أو شم أو تذوق أو إحساس باللمس ولكن ينخفض ضغط الدم. وينسى الشخص القلق أثناء النوم، ويهدأ انفعال الخوف، ويقلل الغضب وينخفض القلق من التجارب المريرة، ويجعل الشخص غير واعٍ بالشرور. لذلك نتعلم من العروس أنها ارتفعت وتفخر قائلة: "أنا نائمة، وقلبي مستيقظ"[321].

القدِّيس غريغوريوس النيسي

v     اِطرح عنك نوم الغفلة لتقرع باب المسيح. لقد طلب بولس إن يُفتح له هذا الباب ليتكلَّم عن سِرّ المسيح (كو 3: 4)، ربَّما هذا هو الباب الذي رآه يوحنا مفتوحًا: "بعد هذا نظرت، وإذا باب مفتوح في السماء، والصوت الأول الذي سمعته كبوق يتكلَّم معي قائلاً: اِصعد إلى هنا، فأُريك ما لابد إن يصير بعد هذا" (رؤ 4: 1) فُتح الباب ليوحنا وأيضًا لبولس لينالا من أجلنا أرغفة لغذائنا، لأنهما ثابَرَا وقرعا الباب في وقت مناسب ووقت غير مناسب (2 تي 4: 2)، ليُعيد الحياة للأمم الذين تعِبوا وأُرهَقوا من طريق العالم بوفرة الغذاء السماوي[322].

 القدِّيس أمبروسيوس

تُرِيعُنِي بِالأَحْلاَمِ،

وَتُرْهِبُنِي بِرُؤًى [14].

لم يستطع الليل أن يهرب به من التعب، ولا النوم أن يسحبه من الضيق، بل صارت الأحلام ترعبه والرؤى ترهبه. صار الليل مزعجًا ليس بأقل من النهار.

إننا محتاجون إلى يد الله القوية، هذا الذي وحده يقدر أن يحفظنا، ها حارسنا الذي لا ينعس ولا ينام.

v     ماذا نفهم هنا عن الأحلام والرؤى سوى تصورات عن الفحص الأخير في الدينونة...

لولا أن الأحلام غالبًا ما تحمل صورًا مخادعه تصدر عن عدونا الخفي ما كان الحكيم يشير إليها بقوله: "لأن الأحلام والتصورات الباطلة تخدع الكثيرين" (ابن سيراخ 34: 7).

البابا غريغوريوس (الكبير)

فَاخْتَارَتْ نَفْسِي الْخَنْقَ،

وَالْمَوْتَ عَلَى عِظَامِي هَذِهِ [15].

لم يبالِ بأي نوع يموت، إنما ما يشغله أن يسمح الله له بالموت. إنه لا يطلب الخلاص من الضيقة، بل من الحياة الزمنية ككلٍ.

قَدْ ذُبْتُ. لاَ إِلَى الأَبَدِ أَحْيَا.

كُفَّ عَنِّي، لأَنَّ أَيَّامِي نَفْخَةٌ! [16]

بجانب الكوارث التي حلت بالطوباوي أيوب سواء بخصوص ممتلكاته وموت بنيه ومقاومة زوجته له يضيف القديس يوحنا الذهبي الفم الأمور التالية التي جعلت من التجربة مرارة فائقة:

[أولاً: عدم معرفته الأكيدة عن ملكوت السماوات والقيامة، الأمر الذي بالحق تحدث عنه حزينًا: "لا إلى الأبد أحيا، فيلزمني أن أحتمل الكثير" (أي 16:7LXX ).

ثانيًا: شعوره بأنه مارس أعمالاً صالحة كثيرة.

ثالثًا: شعوره بأنه لم يمارس شرًا.

رابعًا: افتراضه أن ما حلٌ به من يدي الله، فلو أنها من يدي الشيطان لكان في هذا يخفف من مضايقته.

خامسًا: سماعه من أصدقائه الذين يتهمونه بالشر، قائلين: "الله يغرمك بأقل من إثمك" (أي 6:11).

سادسًا: يرى الذين يعيشون في الشر في رخاء، وينتفخون عليه.

سابعًا: ليس أمامه آخر يتطلع إليه قد عانى بمثل هذه الأمور[323].]

v     "لتحرر حياتي من روحي، ونفسي من جسدي، وعظامي من الموت. فإنني لا أحيا إلى الأبد فألتزم أن أحتمل بصبرٍ"... كانت له الرغبة أن ينتقل من هنا... حتى صار جسمه منحلاً. لم يبالِ أيوب من تعرية عظامه. لماذا هذا؟ لأنه يقول بأن الحياة الحاضرة سريعة الزوال. "لا أحيا إلى الأبد". واضح أن أيوب يتكلم عن الحياة الأرضية. كيف يكون طويل الأناة في هذا الأمر؟ فقط لأن نوال السعادة يتطلب طول الأناة والصبر، أي السعادة العتيدة... حديث أيوب يحمل بوضوح تلميحًا عن الحياة المادية أنها ضعيفة، وفاسدة، غير مستقرة، سريعة الزوال، لا تحمل سمات الحياة الأبدية.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

4. صرخة إلى الله لإنقاذه

مَا هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَعْتَبِرَهُ،

وَحَتَّى تَضَعَ عَلَيْهِ قَلْبَكَ [17].

في ضيقته شعر أيوب أن الإنسان أتفه من أن يكون موضع التفات الله ومخاصمته وامتحانه. كأنه يقول لله: لماذا تشغل نفسك بكائنٍ ضعيفٍ هكذا؟ لماذا تتعهده منذ الصباح وتمتحنه؟ إنه أتفه من أن يقف أمامك، عاجز كل عجز عن أن يدخل في بوتقة التجارب. يقول المرتل: "من هو الإنسان حتى تذكره، وابن آدم حتى تفتقده" (مز 8: 4).

ولعل أيوب وقف مندهشًا أمام اهتمام الله الفائق بالإنسان، فمع ضعف الإنسان وحقارته، لكن الله مشغول به، يمتحنه لكي يزكيه ويمجده.

يعجب أيوب أن يضع الله قلبه على الإنسان فيكون عزيزًا عليه، كشخصٍ يعطف عليه، ويقيم له موضعًا في قلبه الإلهي. يتعهده كل صباح بمراحم جديدة كما يحرص الصديق على حب صديقه له، أو كما يسأل الطبيب كل صباح عن حال مريضه. وفى كل لحظة يمتحنه، كمن يجس نبضه ويغار عليه.

في حديث القديس غريغوريوس النيسي عن خلقة الإنسان يرى أن الله قد خلق العالم بكل إبداعٍ كقصرٍ عظيمٍ أعده لأدم وحواء كملكٍ وملكةٍ. وأن الله قدم للإنسان كل إمكانية السعادة والسلطان على الخليقة التي أوجدها الله من أجله.

وفي حديثه عن العظمة الحقيقية والعظمة الباطلة تحدث القديس مار يعقوب السروجي[324] في إبداع حيث يبرز حب الله الفائق نحو الإنسان. فقد زين السماء بالكواكب وهيأ الأرض بالمخلوقات الجميلة، وقدمهما للإنسان لتكونا تحت سلطانه. لقد أراد الله للإنسان أن يكون صاحب مجد وسلطة، لكن بحسد إبليس سقط في العظمة الباطلة، ففقد عظمته الحقيقية. ومع هذا فقد سمح الله لآدم إن يعود إلى ما كان عليه من تراب لا ليذله، بل لكي لا يحيا إلى الأبد فاقدًا عظمته، إنما باكتشاف حقيقته ينال المجد خلال عمل المخلص.

v     يمجد الله الإنسان بأن يغنيه بفيض من عطية العقل، ويفتقده بإلهام النعمة، ويمجده بعظمة عطية الفضيلة، فمع أنه هو لا شيء في ذاته، لكنه خلال سخاء حب الله المترفق يهبه أن يكون شريكًا في معرفة الله ذاته. يضع الرب قلبه على الإنسان، وهكذا يمجده فيأتي به إلى الدينونة بعد أن يهبه عطاياه، يزن استحقاقاته بدقةٍ، وبحزمٍ يحاكم أثقال الحياة، ويقدم عقوبة دقيقة بعد أن وُهب مزايا كثيرة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     منْ مِنَ الكائنات الأرضية خُلق على صورة الله إلا الإنسان؟

ولمن أُعطى السلطان على كل الطبيعة ومخلوقاتها ليختصها لذاته؟

إنه لشرف أصيل يكلل جبينه، ويسمو به إلى السماء، فوق الكواكب، أرفع من الشمس تشامخًا وعزة... ومع أنه أوضع منزلة من الملائكة لارتباطه بجسدٍ ماديٍ فقد وُهب قوة لفهم ومعرفة ربه وخالقه[325].

القديس باسيليوس الكبير

v     بسط السماء، ووضع فيها جميع الأنوار: الشمس والقمر وجميع الكواكب، تطوف فيها.

لم تسأل السماء، بل هو زينها بمناظر حسنة، تُبهر عيون الناظرين.

ليس للشمس فم لتطلب منه نورًا عظيمًا يضيء على الخليقة جميعها.

زيَّن جميع أجناس الطيور والبهائم بألوان شهية وبهية منذ البدء.

زين الخليقة، وفى كمالها لم تتغير زينتها.

أتقن بيت الخليقة جميعها كما قيل، وزينها بصور جميلة.

قام البيت من بناء مملوء عجبًا.

ملأه جميعه حُسنًا، بزيناتٍ لا يُنطق بها.

ولما أتقن البيت بجميع ما فيه طلب الصانع أن يقيم فيه من هو ممتلئ جمالاً.

أخذ ترابًا وجبل آدم، ونفخ في وجهه نسمة حياة محيية.

أتقن نفسه، فصار مثالاً مملوء عجبًا!

صنعه كشبهه، وملأه مجدًا وبهاءً!

اشتعل ضوءه، وانطفأ أمامه نور الشمس لما فيه من مجدٍ وهبه إياه سيده عندما خلقه.

القديس مار يعقوب السروجي

v     لم يُخلق آدم لكي يموت، بل لكي يجاهد من أجل الخلود. ولكي يظهر مصداقيته. هذا ويقدم برهانًا عليه أضاف: "الذي أعطانا غيرة الروح"... والآن يعمل خلال المعمودية، ويهبنا عربونا ليس بقليلٍ: الروح القدس[326].

القديس يوحنا الذهبي الفم

وَتَتَعَهَّدَهُ كُلَّ صَبَاحٍ،

وَكُلَّ لَحْظَةٍ تَمْتَحِنُهُ! [18]

v     بماذا تغنى داود مشابهًا هذه العبارة؟ "يا رب من هو الإنسان حتى تعرفه؟ أو ابن الإنسان حتى تهتم به؟" (مز 144: 3-4) لماذا قال داود هذا عن البشر، وما هو تفكيره عندما شرح ما جاء بعد ذلك: "الإنسان مثل الباطل، تعبر أيامه كظل". لماذا بكل الحق، يمجد الله هذا الإنسان الضعيف، ويعيره اهتمامًا لحال الشر الحاضر؟ يسأل الأبرار الله بسبب جهلهم... ذلك لأنه "صانع الخيرات ومحب للإنسان "(حك 7: 12)، يفتقد الذي خلقه مرارًا ويعطيه اهتمامًا عظيمًا. لهذا يضيف أيضا داود: "يا رب طأطأ سماواتك وانزل" (مز 144: 5؛ 18: 9). بهذا يظهر اهتمام الله الشديد بالبشر، فإنه إذ يطأطأ السماوات ينزل بنفسه إلينا "الكلمة صار جسدًا" (يو 1: 14)، فإنه شاركنا حالنا، يقوي ويحصن ضعفنا. أما أيوب فيُظهر بإسهاب مدى الخير الذي يلحق بالإنسان الذي يذكره الله.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "وتتعهده كل فجرٍ (صباح)، وتمتحنه فجأة" [18]... يتحول الليل إلى نور عندما تستنير ظلمة خطأنا بمعرفة الحق. يتحول الليل إلى نورٍ، عندما ينير بهاء البرّ قلوبنا، هذه التي غطاها عمى الخطية الكثيف. رأى بولس الفجر قد ظهر في أذهان التلاميذ عندما قال: “قد تناهي الليل وتقارب النهار" (رو 13: 12).

لكن لنلاحظ أن الله بعد أن يفتقد الإنسان في الفجر يمتحنه فجأة، فإنه باقترابه يرفع قلوبنا إلى الأعالي الفاضلة، وإذ ينسحب يسمح له أن يُهاجم بالتجربة. بعد نوال عطايا الفضائل، فإنها إن لم تتحرك النفس بهجوم التجربة تنتفخ، وتظن أن ما نالته هو من عندها...

هكذا إيليا أُفتقد عند الفجر، ففتح أبواب السماء بكلمة، لكن حالاً جُرب، فهرب إلى البرية كمن بلا عون، خوفًا من سيدة وحيدة (1 مل 19: 3).

وهكذا بولس إذ رًفع إلي السماء الثالثة، واخترق أسرار الفردوس نال تأملاً. ومع هذا إذ عاد إلى نفسه كان يصارع ضد هجمات الجسد، وخضع لناموس آخر في أعضائه، فكان حزينًا بسبب تمرده متطلعًا إلى أن ناموس الروح صار مهددًا (2 كو 12: 2 الخ).

البابا غريغوريوس (الكبير)

حَتَّى مَتَى لاَ تَلْتَفِتُ عَنِّي،

وَلاَ تُرْخِينِي رَيْثَمَا أَبْلَعُ رِيقِي؟ [19]

يطلب من الله أن يرفع عصاه عنه ولو إلى لحظات لكي يتنفس.

عالج القديس يوحنا الذهبي الفم في مقاله: "العناية الإلهية" مشكلة الذين يتعثرون في محبة الله بسبب الضيفات التي تحل بهم:

v     لنسرع إذن بإصلاح الذين يتعثّرون بسبب الضيق ناسين عناية الله وحبه، فنجنّبهم السقوط تحت هذه العقوبة، موضّحين لهم علّة دائهم.

ما هي علّة هذا الخطر العظيم: تجاهل عناية الله؟!

إنّه طيش الفكر وفضوليّته. اشتهاء تفهّم كل علل الأحداث التي تحل بنا، والرغبة في مقاومة عناية الله غير المدركة ولا موصوفة، تلك العناية الفائقة لكل فحص واستقصاء! ومع هذا لا يخجل الإنسان من هذا الموقف الفضولي المملوء تهورًا.

تُرى من فاق بولس في حكمته؟ اخبرني، ألم يكن إناءً مختارًا؟ ألم يأخذ نعمة الروح الفائقة غير المنطوق بها؟ ألم يتكلّم المسيح فيه؟ ألم يكشف الله له عن أمورٍ لا يُنطق بها؟ ألم يسمع ما لا يحق لإنسان أن ينطق به؟ ألم يُختطف إلى الفردوس ويرتفع إلى السماء الثالثة؟ ألم يَجُبْ البحار والبر يجذب الوثنيّين إلى المسيحيّة؟ ألم ينل من مواهب الروح المتنوّعة؟... ومع هذا كلّه، فإن هذا الرجل بعظمته وحكمته وقوّته وامتلائه بالروح – إذ خصّه الله بهذه الامتيازات، عندما يتطلّع إلى عناية الله، لا في كل جوانبها، بل في جانب واحد منها، تأخذه الدعوة منسحقًا، ويتراجع سريعًا خاضعًا لله غير المدرك. فإنه لم يبحث عن عناية الله بالملائكة ولا رؤساء الملائكة أو الشاروبيم والسيرافيم وكل الطغمات غير المنظورة، ولا في عنايته بالشمس والقمر والسماء والأرض والبحر، ولا في سهره على الجنس البشري بأكمله واهتمامه بالحيوانات غير العاقلة والزرع والعشب والأهوية والينابيع والأنهار... لكنه عناية الله الخاصة باليهود واليونانيين وأفاض في بحث النقطة، وشرح كيف دعي الله الأمم ورفض اليهود ثم أوضح كيف حقق الخلاص... وحينما أدراك هذا، اكتشف الرسول أنه أمام محيط واسع، وإذ حاول فحص أعماق هذه العناية ارتجف متحققًا استحالة تفسير عللها، وارتعب قدام عنايته اللانهائية غير المحدود ولا موصوفة ولا مفحوصة ولا مدركة، فتراجع في مهابة متعجبًا،وهو يقول: "يا لعمق غني الله وحكمته وعلمه"! (رو 11: 33)

لقد أوضح بعد ذلك كيف تلامس مع أعماقها دون أن يفلح في استقصائها، قائلاً "ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء؟!"

إنه لم يقل أن أحكامه عن الفحص فحسب وإنما بعيدة أيضًا عن الاستقصاء. ليس فقط لا يقدر الإنسان على فهمها، بل ولا حق له أن يبدأ في الاستقصاء. يستحيل عليه أن يدرك غايتها أو حتى يكتشف بدأ تخطيطها؟!

وإذ قال "ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء" أنهى حديثه – وقد امتلأ عجبًا ورعدة – بأنشودة شكر قائلاً: "لأن من عرف فكر الرب، أو من صار له مشيرًا. أو من سبق فأعطاه فيُكافأ؟! لأن منه وبه وله كل الأشياء. له المجد إلى أبد الأبد. آمين"[327].

القديس يوحنا الذهبي الفم

أَأَخْطَأْتُ؟

مَاذَا أَفْعَلُ لَكَ يَا رَقِيبَ النَّاسِ؟

لِمَاذَا جَعَلْتَنِي هَدَفًا لَكَ،

حَتَّى أَكُونَ عَلَى نَفْسِي حِمْلاً! [20]

شهد الله عن أيوب أنه كامل ومستقيم، أما أيوب فيعترف أنه مخطئ. يقول "أأخطأت؟" أو إني "أخطأت". إن كان أمام أصدقائه يعلن أنه بريء لم يرتكب إحدى الخطايا الشنيعة التي ربما ظن الأصدقاء أنه ارتكبها سرًا، إذا به يعلن أمام الله أنه لن يتبرر قدامه، لأنه يخطئ. كيف يبرر نفسه أمام الله "رقيب الناس"، الذي يعرف ما في قلوبهم وأفكارهم ويشغله قداستهم ونقاوتهم.

يعلن أيوب أمام الله عجزه عن التصرف، فقد أخطأ ولكن ماذا يفعل لله؟ إنه لا يوجد من يرضي العدل الإلهي، لكن نطلب مراحمه، ونختفي تحت ظل جناحيه، ونتهيأ لعمل نعمته، فنصير موضع سروره.

v     يقول: "إن كنت قد أخطأت، فماذا أفعل، يا من تدرك ذهن البشر؟" [20] أليس أنت الذي دعوتني "بلا لوم، حقًا، بارًا، تقيًا، لا يوجد فيَّ شر؟" (1: 8؛ 2: 3). إنك لم تقدم هذه الشهادة عن جهل، فأنت تعرف الإنسان بكليته، إذ خلقت ما بداخله وما بخارجه؛ لكن إن كان الذين يشتمونني ويحتقرونني قائلين إنني مخطئ، يستخفون بأعمالي البارة التي تأهلت لشهادتك، فماذا أفعل؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     يقول هذا لا ليتهم الله شخصيًا، حاشا! وإنما لأن ما حدث له سبب اتهامًا عظيمًا ضد الله.

لهذا يقول: "أنت تدرك ذهن البشر". فإنهم وإن لم يتكلموا فأنت تعرف أفكارهم السرية، كل الانعكاسات الشخصية.

لقد احتمل مثل هذا الإنسان الكثير. فإنه لم يقل: "أنا بار"، بل قال: لديهم فكرة صالحة عني. أنظر إنهم يوجهون اتهامًا ضدك بسبب تجاربي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

وَلِمَاذَا لاَ تَغْفِرُ ذَنْبِي،

وَلاَ تُزِيلُ إِثْمِي،

لأَنِّي الآنَ أَضْطَجِعُ فِي التُّرَابِ؟

تَطْلُبُنِي فَلاَ أَكُونُ! [21]

في صلاة حارة صرخ يطلب المغفرة: "لماذا لا تغفر ذنبي، ولا تزيل إثمي؟" واضح أنه لم يطلب مجرد الراحة الزمنية، ورفع التجربة عنه، إنما يطلب رضا الله حتى يُرجع إليه سروره الداخلي.

يطلب المغفرة الآن وهو في العالم، لأنه إن مات واضطجع في التراب لا يكون للتوبة موضع، وتنقطع علاقته بالله.

v     بهذه الكلمات عينها، ماذا يعلن سوى الرغبة في الوسيط المتوقع، الذي يقول عنه يوحنا: “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يو 1: 9). أو بالحري تنزع الخطية تمامًا عن البشرية عندما يتحول فسادنا إلى مجد عدم الفساد.

فإننا لا نستطيع أن نتحرر قط من الخطية مادمنا ممسكين في الجسد المائت. لذلك يتوق الشخص إلى نعمة المخلص لأجل كمال القيامة عندما يتطلع الشخص إلى الشر أنه قد زال تمامًا. لهذا فإنه في الحال بعدما تحدث عن العقوبة التي كان يستحقها (خلال ميراثه من آدم) والدينونة التي يرتعب منها بسبب أفعاله يكمل: "الآن أضطجع في التراب، تطلبني في الصباح فلا أكون. لقد قيل للإنسان الأول عندما أخطأ: "أنت تراب، وإلى تراب تعود" (تك 3: 19). الآن في الصباح، أي في الإعلان عن النفوس، عندما تصير الأفكار عارية عند مجيء الديان، يحل النور عوض ظلمة الليل. قال المرتل في هذا: "في الصباح أقف أمامك وأنظر" (مز 5: 3).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     أنا الخاطي على الدوام، أحتاج دومًا إلى علاج[328].

v     كلما قبلناه (بالتناول) نعلن موت الرب. بالموت نعلن غفران الخطايا. إن كان سفك الدم من أجل غفران الخطايا، فيليق بي دائمًا أن أقبله لكي يغفر دومًا خطاياي.

القديس أمبروسيوس

v     إنك تُدعى إنسانًا فهذا من عمل الله، وأن تُدعى خاطئًا فهو من عمل الإنسان ذاته.

 امحُ ما تفعله أنت لكي يخَّلص الله ما قد فعله.

يليق بك أن تكره عملك الذاتي فيك، وتحب عمل الله فيك.

عندما لا تسرك أعمالك الذاتية، في هذا تبدأ أعمال الله الصالحة، إذ تجد خطأ في أعمالك الشريرة.

الاعتراف بالأعمال الشريرة بداية الأعمال الصالحة.

إنك تعمل الحق وتأتي إلى النور. كيف تعمل الحق؟ إنك لا تدلل نفسك ولا تهادنها ولا تتملقها، ولا تقول: "إني بار"، بينما أنت غير بار؛ هكذا تبدأ تفعل الحق.

إنك تأتي إلى النور لكي ما تعلن أعمالك أنها بالله معمولة، لأن خطيتك، الأمر ذاته الذي تكرهه، لا يمكنك أن تبغضه ما لم يشرق الله فيك ويظهره الحق لك.

أما من يحب خطاياه حتى بعد نصحه، فهو يبغض النور الذي ينصحه ويهرب منه، فالأعمال التي يحبها لا تظهر له أنها شريرة. من يفعل الحق يتهم أعماله الشريرة فيه ولا يبرر نفسه، ولا يصفح عن نفسه حتى يغفر له الله.

فمن يرغب في أن يغفر له الله هو نفسه يعرف خطاياه ويأتي إلى النور، حيث يشكر على إظهار ما يلزمه أن يبغضه في نفسه. إنه يقول لله: "ردّ وجهك عن خطاياي". ولكن بأي وجه يقول هذا ما لم يضف "لأني أنا عارف بآثامي، وخطيتي أمامي في كل حين" (مز 51: 11)؟

لتكن آثامك أمامك يا من لا تريدها أن تكون أمام الله.

لكن إن وضعت خطاياك خلفك، فسيدفعها الله ليجعلها أمام عينيك، يحدث هذا في الوقت الذي لا يعود يوجد فيه ثمر للتوبة[329].

القديس أغسطينوس


 

من وحي أيوب 7

أيامنا تجربة لا تنقطع

 

v     ماذا أرى في حياتي على الأرض؟

سلسلة لا تنقطع من التجارب.

أعيش كالأجير الذي يترقب نهاية اليوم،

ليستريح من تعبه وينال أجرة لمعيشته.

 

v     يسلمني النهار بكل مشقته لليل،

ويسلمني الليل برعبه للنهار.

متى أجد راحتي؟

شهور حياتي تسرع بي للرحيل.

أيام غربتي تعبر سريعًا كالبخار،

تعبر وتتبدد بلا عودة!

 

v     إن نزلت إلى الهاوية لا أعود للحياة على الأرض،

ولا يعود مسكني على وجه البسيطة يعرفني بعد

 

v     وسط الضيقات أصرخ،

من أنا التراب والرماد حتى تهتم بي وتؤدبني؟

من أنا الترابي حتى تفتقدني؟

 

v     أنت هو رجائي وسروري وكنزي!

بك لا أرهب الموت،

بك تتحول رحلتي الشاقة إلى عبور مفرح!

لترافقني في طريق آلامي،

فتتحول أحزاني إلى أغانٍ وتسابيحٍ لا تنقطع!

<<

 

 


 
الأصحاح الثامن
حكمة القدامى

لم يعلق أليفاز على إجابة أيوب إنما ترك الأمر لبلدد الذي يحمل ذات تفكيره في هذا الأمر. فالأصدقاء الثلاثة كانوا يعتقدون في يقين أن ما حلّ بأيوب هو عقاب إلهي عادل عن خطايا خفية لا يعرفها أحد سوى الله.

يوبخ بلدد أيوب بسبب ما سبق أن قاله، ثم يؤكد بلدد إن الله يعمل بحكمةٍ، أي أنه يكافئ البار ويعاقب الشرير، ويتعجب من أن أيوب يتهم الله بعدم الإنصاف. كذلك عندما ينسى الناس الله، فإنهم يهلكون هلاكًا عادلاً، وافترض أن الموت المفاجئ لأبناء أيوب كان عقابًا إلهيًا عن خطاياهم؛ فكان ذلك سيفًا غرسه في قلب أيوب الذي يعاني الألم.

من الصعب أن ندعو أحاديث بلدد "محاورة"، فإنه إنسان تقليدي يهتم بحكمة القدامى، دون التمتع بخبرة شخصية. يبدو أنه لم يدخل في آلام أو تجارب شديدة. يرى أن ما حلّ بأيوب هو ثمرة طبيعية لسلوكٍ شرير من جانب أيوب أو أولاده، وأنه لو كان بارًا لالتمس من الله أن يرد له البركات المفقودة، فيردها له الله بأكثر وفرة عما كان لديه قبلاً [٢-٧].

يوبخ أيوب لأن خبرته لا تقارن بحكمة الشيوخ القدامى.

قدم بلدد أمثلة من الطبيعة، فأوراق البردي تحتاج إلى مياه كثيرة لكي ينمو، وإلاَّ جفت. الإنسان الشرير يفقد ماء بركات الله [١١-١٣]. إنه يظن أن بيته وممتلكاته في أمان، لكنها تتبدد سريعًا مثل نسيج العنكبوت. كما يشبه عشبًا سرعان ما يظهر وسرعان ما يقتلع من جذوره فيزول ليحل محله آخر [١٦-١٩].

في رأيه أن أيوب كان يجب أن يبلغ إلى النتائج اللائقة بسبب الكوارث التي حلت به. وأن براءته تتحقق إن أُصلح حاله [٢٠-٢١].

لا يمكننا أن نرفض آراء بلدد تمامًا، لكن يجب مقابلتها بما ورد في لو ١٣: ٤؛ يو ٩: ٢-٣.

1. أقوال أيوب ضد الحق الإلهي               1-2.

2. الله عادل فيما يحلّ بالمؤمنين               3-4.

3. نصيحة مدمرة                                        5-7.

4. اتهام أيوب بالرياء                          8-19.

5. دعوة للكمال                               20-22.

1. أقوال أيوب ضد الحق الإلهي

فَأَجَابَ بِلْدَدُ الشُّوحِيُّ: [1]

إِلَى مَتَى تَقُولُ هَذَا؟

وَتَكُونُ أَقْوَالُكَ رِيحًا شَدِيدَةً! [2]

في حدة شديدة يحاول بلدد أن يبكم فم أيوب وينتقد ثورته النفسية. احتد بلدد مهاجمًا أيوب: "إلى متى تقول هذا؟" وكأنه يقول إن أقوال أليفاز فيها كل الكفاية، وكان يلزم أيوب الصمت والخضوع. لقد شبَّه ثورة أيوب بريح شديدة عاصفة، لكنها لن تقدر أن تقف أمام العدل الإلهي.

يرى القديس يوحنا ذهبي الفم أن بلدد قد اندفع في هجومه على أيوب البار، فلو أنه صمت وتأنى لأدرك أن ما قاله أيوب ليس إلا رد فعل طبيعي للآلام الشديدة والتجارب التي لم يسقط فيها آخر غيره. هذا ومع عتابه لله لم ينكر أنه خاطي يطلب منه المغفرة. لكن الثرثرة أو اندفاع بلدد في الكلام أسقطه في إدانة البار وفي النقد المُبالغ فيه، حتى رأى في كلمات البار الصالحة شرًا. لم يدرك بلدد أن تعبير الإنسان المتألم عما يعاينه من تعبٍ هو أمر تقتضيه الطبيعة البشرية بالضرورة.

v     هل قال (أيوب) إنه يعاني من الظلم؟

ها أنتم ترون (أصدقاء أيوب) لم يبلغوا هدفهم بأية طريقة، لأنه لم يقل هذا قط. لكن أيوب تحدث عن ضعف طبيعته، قائلا: “أبحر أنا أم تنين؟" (7: 12)، "هل قوتي قوة الحجارة؟" (6: 12) ما هي حياتي؟ "فإنني لا أحيا إلى الأبد فأحتمل بصبرٍ" (7: 16). علاوة على هذا فقد عرف خطاياه: "لماذا لا تغفر ذنبي؟" (7: 12)...

بعد ذلك، دان بلدد نفسه في ثرثرته، إذ فشل في فهم أن الذين يختبرون الألم بالفعل يجدون تعزية في التعبير عن أنفسهم، إذ قال أيوب نفسه: "أنا أيضًا لا أمنع فمي، إذ في ضيق" (7: 11). علي أي الأحوال يقول إن هذه الكلمات التي أعبر بها تستلزمها الضرورة.

v     لا يُستعمل الوعاء الذهبي للأشياء الدنيئة لغِلوّ ثمنه، فكم بالحري الفم، فهو أثمن من الذهب والمرجان، فلا يجوز أن ندنِّسه بالكلام القبيح والشتم وطعن الآخرين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     كلمات الأبرار دائمًا محزنة بالنسبة للظالمين، وما يسمعونه للبنيان يحملونه ثقلاً على كاهلهم. هذا ما يشير إليه بلدد الشوحي بوضوح بالنسبة له، حيث يقول: "إلى متى تقول هذا؟" من يقول: "إلى متى" يُظهر أنه غير قادر بعد على احتمال كلمات البنيان.

يفتخر الظالمون جدًا بأنهم يقولون ما هو صواب، ويجدون أخطاء في الأقوال الصالحة...

عندما يكون النقد مبالغًا فيه بالتأكيد يفقد الحديث معناه...

يلوم الأشرار الأمور الصالحة، لئلا يظهروا هم أنفسهم أنهم لا يعرفون ما هو صالح.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لقد حذرنا الكتاب المقدس كما الآباء من خطية بلدد: الثرثرة في الكلام باندفاع والتي ولَّدت الإدانة والنقد اللاذع المُبالغ فيه:

"كثرة الكلام لا تخلو من معصية، أما الضابط شفتيه فعاقل" (أم 19:10).

"لأن الحلم يأتي من كثرة الشغل، وقول الجهل من كثرة الكلام" (جا 3:5).

"ذلك من كثرة الأحلام والأباطيل، وكثرة الكلام، ولكن اخشَ الله" (جا 7:5).

v     لم يقل الرسول إنه لا يوجد من يُذَل اللسان، بل لا يستطيع أحد (من البشر) أن يُذَلل اللسان، حتى متى أُلجِم نعترف بأن ذلك بفضل حنان نعمة الله ومعونته[330].

v     يستطيع الإنسان ترويض الوحوش المفترسة، أما لسانه فلا يقدر أن يُلجِمه!...

يستطيع الإنسان تهذيب كل شيء ما عدا ذاته، فما يقدر عليها!

يقدر على تهذيب كل ما يخاف منه، أو يجدر به أن يخافه، أما ذاته التي لا يخافها فلا يقدر عليها!

إذن لنلجأ إلى الله الذي يستطيع أن يُلجِمه. أنتم لا تقدرون على إقناع ألسنتكم لأنكم بشر... فلنطلب من الله لكي يروضنا قائلين له: "يا رب ملجأ كنت لنا".

هل يستطيع (الإنسان) صورة الله أن يُرَوِّض الأسد، ويعجز الله عن ترويض صورته؟

إن رجاءنا يكمن في هذا المُرَوِّض لنخضع له ملتمسين رحمته... لنحتمله حتى يُرَوِّضنا، فنصير كاملين، لأنه كثيرًا ما يسمح لنا بتأديبات. فإن كنتم تستخدمون الأسواط في ترويض الحيوانات المفترسة، أمَا يستخدم الله ذلك ليحوِّلنا نحن وحوشه إلى أولاد له؟[331]

القديس أغسطينوس

v     الثرثرة هي عرش الغرور، ومن هذا العرش تظهر محبة إبراز الذات والمباهاة والافتخار.

الثرثرة إشارة إلى الجهل، وباب الاغتياب، وموصل إلى الهزل والضحك، وخادم للكذب والرياء.

v     هي دليل النوم وتشتيت الذاكرة، تُزِيل اليقظة وتبرد الحرارة وتفتر الصلاة[332].

القديس يوحنا الدرجي

v     احذر اللسان الثرثار والأذنين المتلهفتين (لسماع الأخبار). لا تحط من شأن الآخرين ولا تصغي إلى من يحط من شأن الغير.

القديس جيروم

v     لا تتسرع بلسانك، فالفم مصيدة الموت.

المدعو برناباس

v     من يحذر بلسانه لن يُسلب كنزه منه إلى الأبد. فم الساكت يترجم أسرار الله. ومن يتكلم بسرعة يبعد عن خالقه[333].

الشيخ الروحاني

v     علينا ألا نستخدم التوبيخ إلا نادرًا. وإذا اضطررنا إلى استخدامه يجب علينا أن نسعى بشغفٍ إلى خدمة الله لا أنفسنا.

ليكن لنا هدف واحد، فلا نفعل شيئًا بقلب مزدوج. لنخرج من أعيننا خشبة الحسد أو الحقد أو التصنع، حتى نتمكن من الإبصار فنخرج القذى من عيني أخينا. للنظر إلى القذى بعيني الحمامة، اللتين لعروس المسيح (نش 1:4)، التي اختارها الله لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن، أي نقية لا غش فيها (أف 27:5)[334].

القديس أغسطينوس

v     لا تكن ديانًا لأخيك، لتؤهل أنت للغفران، فربما تراه دائمًا مخطئًا، لكنك لا تعلم بأية خاتمة يفارق العالم. فاللص المصلوب مع يسوع كان قاتلاً وسفاكًا للدماء، ويهوذا كان تلميذًا للمسيح ومن الأخصاء، إذ كان الصندوق عنده، إلاَّ أنهما في زمن يسير تغيرا، فدخل اللص الفردوس، واستحق التلميذ المشنقة وهلك.

القديس أنسطاسيوس

2. الله عادل فيما يحلّ بالمؤمنين

هَلِ اللهُ يُعَوِّجُ الْقَضَاءَ،

أَوِ الْقَدِيرُ يَعْكِسُ الْحَقَّ؟ [3]

حسب بلدد في ثورة أيوب هياجًا ضد الله، وكأن الله يعوج القضاء ويعكس الحق. حاشا لأحدٍ أن يظن هذا. الإنسان في ضعفه قد يلجأ إلى عكس الحق بسبب خوفه، أما الله فهو "القدير"، فلا يكون ظالمًا ولا يفعل ما هو باطل.

v     لم ينكر الطوباوي أيوب ذلك في حديثه، ولا كان يجهله عندما كان يمسك لسانه. لكن كل الوقحين يتكلمون بالحقائق المعروفة بكلمات ضخمة لكي يظهروا بهذا أنهم متعلمون.

إنهم يستنكفون من أن يحفظوا سلامهم بروح التواضع، لئلا يُظن أنهم صامتون عن جهلٍ. إنما من المعروف أنهم يمدحون استقامة عدالة الله عندما يكونون هم في أمانٍ من المصائب، ويتمتعون برخاء حياتهم بينما يكون الغير يعانون من كوارث.

إنهم يسلكون في الشر، ومع هذا يظنون أنهم أبرار. إذ هم في رخاءٍ يتصورون أن هذا بفضل استحقاقاتهم، ويستنتجون أن الله لا يعمل ظلمًا... ولكن إن لمست حياتهم قوة للتصحيح (بالتأديب) ولو إلى أقل درجة، يندفعون للحال مهاجمين السياسة الإلهية، بينما كانوا منذ قليل - إذ لم يصبهم أذى - يطرون في المديح والإعجاب بالتدبير الإلهي.

إنهم يرفضون أي حكم أن يكون عادلاً متى حلّ بهم... حسنًا ينطق المرتل ضد اعتراف الشرير: “يحمدك إذا أحسنت إليه" (مز 49: 18)... لهذا لا نعجب أن يحمد بلدد عدالة الله مادامت لا تمسه شخصيًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) في أصدقاء أيوب رمزًا للهراطقة، فإنهم إذ يرون الكنيسة المقدسة في ضيقة لبنيانها يحسبون أن ما حلّ بها هو من قبيل العدالة الإلهية، وأن ما يتمتعون به من رخاء هو من أجل فضائلهم.

غالبًا ما يسند عدو الخير الهراطقة في كل الأجيال بالإمكانيات المادية والكرامة الزمنية ليقتنصوا أولاد الله من أحضان العروس المقدسة، تارة بالفلسفات البّراقة المخادعة، وأخرى بالإغراءات المادية، وثالثة بحفظهم من الضيق الذي تعانيه العروس شريكه المصلوب.

هذا هو دور بلدد الذي ظن في جهله حكمة، وحسب أيوب مجدفًا على الله القدير ومتذمرًا على العدالة الإلهية.

v     اخترع (عدو الخير) الهرطقات والانشقاقات لكي يتلف الإيمان، ويفسد الحق، ويحطم الوحدة.

وإذ يعجز عن أن يحفظنا في طرق الخطأ الجديد المظلمة يسحبنا إلى متاهة جديدة للخداع.

إنه يصطاد الناس بعيدًا عن الكنيسة نفسها، وإذ يظنون أنهم اقتربوا من النور وهربوا من ليل العالم يغمرهم في ظلمة جديدة وهم غير مدركين لها.

ومع أنهم لا يتمسكون بالإنجيل ونظام المسيح وناموسه يدعون أنهم في النور خلال مداهنات العدو المخادعة، هذا الذي يقول عنه الرسول أنه يغير نفسه إلى ملاك نور ويزين خدامه  كخدام للبرَ.

يدعون الليل نهارًا، والموت خلاصًا، واليأس رجاءً، والخيانة أمانة، وضد المسيح المسيح، ويثبط الحق بالخداع بإبراز الحق بصورة كاذبة.

هذا هو ما يحدث يا إخوتي عندما لا نعود إلى ينبوع الحق، عندما لا نتطلع إلى الرأس ونحفظ التعليم الصادر من السماء[335].

القديس كبريانوس

v     من عادة إبليس أن يقلد الأمور الخاصة بالله. إنه يقيم رسلاً كذبة ليقاوموا الرسل الحقيقيين، ويأخذ شكل ملاك لكي يخدع  البشر[336].

ثيؤدورت أسقف قورش

v     يوجد فلاسفة لهم مناقشات بارعة عن الفضائل والرذائل، يميزون بينها، ويقدمون تعريفات لها، وفي النهاية يقدمون تسلسلاً عقليًا دقيقًا، يملأون الكتب، ويحمون حكمتهم بأحاديث ثرثارة؛ هؤلاء يجسرون ويقولون للناس اتبعونا، انضموا إلى فرقتنا إن أردتم أن تعيشوا سعداء. لكنهم لا يدخلون من الباب؛ هؤلاء يريدون أن يحطموا ويذبحوا ويقتلوا[337].

v     إن وجدنا هذه الشخصيات الثلاث أيها الأخوة القديسون، نجد من يليق بنا أن نحبهم، ومن يجب علينا أن نحتملهم، ومن يلزمنا الحذر منهم. فالراعي يُحب، والأجير يُحتمل، واللص يُحذر منه[338].

القديس أغسطينوس

v     "الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه، عالمًا أن مثل هذا قد انحرف، وهو يخطئ، محكومًا عليه من نفسه" (تي 10:3-11). ليتنا كبحارة حكماء نبحر في إيماننا في المسلك السليم حتى نعبر بأكثر أمانٍ، ونتبع سواحل الأسفار المقدسة.

القديس أمبروسيوس

إِذْ أَخْطَأَ إِلَيْهِ بَنُوكَ دَفَعَهُمْ إِلَى يَدِ مَعْصِيَتِهِمْ [4].

يحاول بلدد أن يثير أيوب بأن ينسب ما حلّ بأبناء أيوب هو ثمرة خطيتهم وشرهم، فنالوا مجازاة عادلة من الله. ما ألهب جراحات أيوب بالأكثر، أن بلدد حسب موت أبناء أيوب بهذه الصورة البشعة ليس له تفسير آخر سوى أنهم عصوا الله، فدفعهم إلى يد معصيتهم. لقد اعترف أيوب بأنه خاطئ، وكان يقدم محرقات بأسماء أبنائه لئلا يكون قد عبر بأفكارهم فكر خاطئ ضد الله. لكن لا يمكن الحكم بأن ما حدث هو ثمر طبيعي لعصيانٍ قد ارتكبوه.

3. نصيحة مدمرة

فَإِنْ بَكَّرْتَ أَنْتَ إِلَى اللهِ،

وَتَضَرَّعْتَ إِلَى الْقَدِيرِ [5].

يقدم بلدد نصيحة طيبة لأيوب أن يسرع ويبكر طالبًا ومتضرعًا إلى الله، لكن بلدد لم يكن يشعر بأن أيوب يستحق أن ينال ما هو أكثر مما كان عليه. يشير عليه بالصلاة والطلبة من الله ليرد له أضعافًا مما فقده إن كان زكيًا مستقيمًا.

يا للعجب، يقدم بلدد نصيحة مدمرة لأيوب تكشف عن دمار قلب بلدد نفسه. لقد طالبه بالصلاة إلى القدير مبكرًا. هذه تبدو نصيحة كتابية رائعة، فالمؤمن يطلب من القدير، يطلب وينال لأنه يبكر إلى الله لكنه لا يجعل الصلاة لا للتمتع بواهب العطايا بل لاقتناء عطايا زمنية، حاسبًا ان استجابة الصلاة بالتمتع بالزمنيات علامة رضا الله وقداسة المصلي. إنه مؤشر خطير يفسد الإيمان بالله الذي يود ان نطلب ملكوت الله وبرٌه وهذه كلها تزاد لنا.

ليس ما يمنع أن نسأل الله كأبٍ لنا في كل شيء حتى الأمور التافهة، علامة شركتنا الحية معه، لكن لن تكون الإجابة بنوال ما نسأله علامة تقديسنا ومحبة الله لنا.

ولعل بلدد هنا كان متيقنًا أن أيوب لن يسترد ما فقده، فيكون ذلك علامة شره، مثله مثل أبنائه الهالكين. ومن جانب آخر يضع بلدد مقياس البرّ والاستقامة هو تمتع الشخص بالأمور الزمنية. يقول البابا غريغوريوس (الكبير) [يحسب الناس الأشرار الملذات الوقتية هي بركة خاصة للمكافأة الإلهية. ما يجرون هم وراءه باهتمام وشوق شديد، يعدون به الآخرين كأمر عظيم.]

الصلاة في ذهن القديس أغسطينوس – هي لغة شوق النفس نحو الله. إنها المترجم لاشتياق القلب.

v     الصلاة هي بلوغ العقل المملوء حبًا إلى الله، إنها تشغل الذهن والقلب، الفكر والرغبة، المعرفة والحب. الحياة الكاملة للمسيحي الصالح هي رغبة مقدسة[339].

v     وآسفاه. إنه من السهل أن تطلب أشياء من الله ولا تطلب الله نفسه، كأن العطية أفضل من العاطي[340].

v     الله لا يمنع محبة هذه الأشياء بل أن نجد سعادتنا في حبنا لها. يليق بنا أن نجعل حب خالقنا هو غاية تقديرنا لهذه الأشياء... فالمهر يُقدم للمخطوبة لكي في مهره لها تحبه هو. هكذا يعطيك الله كل شيء، فلتحب ذاك الذي صنعها[341].

v     أي شيء ثمين يطلبه من الله من يستهين بتقديره لله نفسه؟![342]

v     لا تطلب شيئًا من الله، بل عطية ذاته لك[343].

v     أن تترجى الله من الله، هذا هو أن تحب الله صاحب النعمة[344].

v     ليس بعدل يُحب ما يأتي من الله إن كان الله نفسه يُنسى بسببه[345].

v     لا تجد شيئًا يقدمه لك أفضل من ذاته، لكن أن كنت تجد ما هو أفضل منه أطلبه بكل وسيلة[346].

v     هل لا يوجد لدى الله مكافأة؟ لا توجد إلا عطية ذاته![347]

القديس أغسطينوس

يتطلع الأب أفراهاط إلى الصلاة بكونها لقاء داخليًا للقلب النقي مع الله القدوس، فالصلاة هي حديث القلب، الذي لن يكون موضوع سرور الله القدوس ما لم يكن طاهرًا ونقيًا.

v     الصلاة جميلة وأعمالها مستقيمة، الصلاة المقبولة تُشعر الإنسان بالراحة. تُسمع الصلاة عندما نشعر بالغفران فيها.

الصلاة المحبوبة هي الصلاة النقيَّة الخالية من كل غش. وتكون الصلاة قويَّة عندما تعمل قوَّة الله فيها.

عزيزي، كتبت إليك أن الإنسان عندما يلتزم أن يتمم مشيئة الله، وتكون المحور الأساسي لصلاته، يسمو الإنسان في صلاته. قلت لكم هذا: لا تهملوا الصلاة.

يلزم أن تشتاقوا إلى الصلاة ولا تكلُّوا منها. كما قال ربنا وهو مكتوب: "انه ينبغي أن يُصلى كل حين ولا يُمل" (لو 18: 1)، يجب أن تتُوقوا إلى السهر، واِنزعوا عنكم الغفلة والنوم. يجب أن تكونوا مستيقظين في كل وقت بالنهار والليل ولا تفتروا[348].

القديس أفراهاط

v     هل كان أيوب محتاجًا إلى تعليمك هذا؟

ألم يكن خلال كل حياته دائما يصلي؟ وأنت تقول: "بكر في الصلاة إلى الرب القدير".

إنه ليس فقط لم يتوقف عن الصلاة مبكرًا للرب، بل كان يقدمها مبكرًا (1: 5) وخلال النهار وفي كل لحظة، يسبح الله سبع مرات في اليوم (مز 119: 37، 164) نهارًا وليلاً، فإن هذا بالنسبة له لم يكن غباوة. نهاية تجاربه تظهر هذا، نتيجة صراعاته (أبرزت أنه رجل صلاة)...

لقد أسأت الحكم (يا بلدد) وظلمت المصارع، فإن أيوب لم يفشل في رؤية الله الذي تتحدث أنت عنه لتنتقد البار، وليس لتمجد الله.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

إِنْ كُنْتَ أَنْتَ زَكِيًّا مُسْتَقِيمًا،

فَإِنَّهُ الآنَ يَتَنَبَّهُ لَكَ،

وَيُسْلِمُ مَسْكَنَ بِرِّكَ [6].

يرى بلدد أنه لو أن أيوب زكيًا مستقيمًا ما حدثت له هذه النكبة، ولو أنه تصرف حسنًا مع أول تجربة لما حلت به التجربة الثانية.

هذا ليس بصواب، فقد يُجرب الإنسان الصالح أكثر من مرة، بل وقد يتعرض لتجربةٍ تمتد كل حياته، التي تُحسب كلا شيء إن قورنت بالأبدية التي يتمتع بها.

تظاهر بلدد بأنه ينصح أيوب ليتوب عن شره كي يرد الله له ما كان عليه، بل وأكثر مما كان عليه، لكن في أعماقه كان يبغي أن يؤكد له أنه شرير ومرائي.

وَإِنْ تَكُنْ أُولاَكَ صَغِيرَةً،

فَآخِرَتُكَ تَكْثُرُ جِدًّا [7].

يرى بلدد أن أيوب إنسان شرير، لو كان مستقيمًا وسقط في تجربة لكانت آخرته أفضل مما كان عليه قبل التجربة. بالفعل أراد الله أن يبرهن لبلدد أن أيوب بار ومستقيم، فجعل آخرته أفضل من أولاه.

لقد صارت آخرة أيوب أكثر مجدًا من أولاده، لكن ما ناله في آخر حياته لم يكن إلا عربونًا للمجد المُعد له في الحياة الأبدية. لقد مات شيخًا شبعان الأيام، لكنه يقوم ليعيش في أورشليم العليا أبديًا.

كثير من الشهداء والقديسين تألموا في أواخر حياتهم، لكن هذه الآلام والعذابات هي لآلئ وجواهر روحية نتعرف على عظمتها وبهائها في يوم الرب العظيم، حيث يعتزون بالحب الذي عبَّروا عنه بقبولهم الآلام بشكرٍ وفرحٍ!

4. اتهام أيوب بالرياء

اِسْأَلِ الْقُرُونَ الأُولَى،

وَتَأَكَّدْ مَبَاحِثَ آبَائِهِمْ [8].

لم يجسر بلدد أن يعلن لأيوب أن ما حلٌ به - حسب خبرته الشخصية - ليس إلا تأكيد بأنه شرير، وإنما وضع أساس حكمه هذا على خبرة الأجيال القديمة. فإن كان أليفاز قد اعتمد على خبرته الشخصية، فإن بلدد يكمل ذلك بالرجوع إلى خبرة القدامى.

في تعليق الأب هيسيخيوس الأورشليمي على هذه العبارات (8-10) يرى أن ما حدث مع أيوب يشبه ما حدث مع هابيل. تطلع قايين إلى جثمان أخيه هابيل ملقيًا عن الأرض قتيلاً (تك 4)، فظن أن هذا ثمرة عمله، وأن قايين بار وقد استقرت الأرض واستراحت لتكون بين يديه وهو في طمأنينة، ولم يكتشف الحقيقة أن صوت دماء أخيه تصرخ، وقد بلغت إلى السماء.

كما تطلع قايين إلى هابيل حاسبًا ما حدث له هو بسبب شره، هكذا تطلع بلدد وزملاؤه إلى أيوب وهو في المزبلة، فحسبوه شريرًا. وكما شهد الله لبرّ القتيل معلنًا أن أبواب السماء مفتوحة لتستقبل صوته، هكذا يشهد الله لأيوب ويستمع إلى صرخات قلبه. لقد أراد أن يطأ أخاه تحت قدميه، وأراد الأصدقاء أن يسحقوا نفس أيوب تحت أقدامهم.

كان يليق بأصدقاء أيوب أنفسهم أن يسألوا القرون الأولى فيروا أن ما حل بهابيل من ظلمٍ، ليس عن شر فيه، بل سبب برِّه، ولم تنته حياته ببركات أرضية وخيرات زمنية، وإنما بانفتاح أبواب السماء لتتقبل صرخات دمه المسفوك على الأرض.

قال أليفاز إن الله لا يسمح لأحد المستقيمين أن يُباد هكذا (أيوب 4: 7)، أما بلدد فيقول هنا أن الله يدفع بالأشرار المرائين إلى الخزي والعار والدمار في هذا العالم. فإن كان أليفاز أراد تأكيد أن أيوب ليس مستقيمًا وإلا ما كان قد حلّ به هذا كله، إذا ببلدد يوجه له اتهامًا صريحًا أنه شرير مرائي.

يطلب من أيوب أن يلجأ إلى القرون الأولى ليتأكد بنفسه أن ما يقوله حق، وذلك خلال الخبرة العملية الطويلة عن أحكام الله من جهة الأشرار منذ القرون الأولى حتى عصرهم.

لأَنَّنَا نَحْنُ مِنْ أَمْسٍ،

وَلاَ نَعْلَمُ لأَنَّ أَيَّامَنَا عَلَى الأَرْضِ ظِلٌّ [9].

يطالبه ألا يعتمد على خبرته حتى وإن كان شيخًا لأن العمر كله أشبه بيومٍ، كأنه بالأمس قد مضى، ومعرفته محدودة، وخبرته تكاد تكون عابرة مثل حياته. هذا ما يدفعنا للتطلع إلى خبرة الأجيال القديمة.

جاءت كلماته متقاربة مع ما تغنى به الملك داود في صلاته الوداعية، قائلاًً: "لأننا نحن غرباء أمامك ونزلاء مثل كل آبائنا. أيامنا كالظل على الأرض، وليس رجاء" (1 أي 29:15)، لكن قلبه وفكره لم يكونا كقلب داود وفكره. فالكلمات التي نطق بها بلدد نافعة، وكان يُمكن أن تكون مقدسة لو أن قلبه كان طاهرًا نقيًا ومحبًا ومقدسًا.

فَهَلاَّ يُعْلِمُونَكَ،

يَقُولُونَ لَكَ،

وَمِنْ قُلُوبِهِمْ يُخْرِجُونَ أَقْوَالاً قَائِلِينَ [10].

يحمل الآباء الأولون حبًا نحو أولادهم وأحفادهم، فيقدمون مع خبرتهم قلوبهم المتسعة لنا، لذا فإن كلماتهم لها وزنها.

v     وضع بلدد كلمات الحق العجيب ضد المرائين، لكنه بحديثه هذا كان يشير إلى نفسه. لأنه لو لم يكن متظاهرًا بالبرّ بصورة هزيلة ما كان قد تجاسر ليعلم إنسانًا صالحًا بطيشٍ عظيم كهذا... كلماته بالحق تحمل قوة رائعة، لكن كان يليق توجيهها للأغبياء وليس لرجلٍ حكيمٍ؛ للأشرار وليس لإنسان صالح، فإن من يسكب ماء في النهر بينما حدائقه جافة وظمأى يكشف أنه ليس بأقل من مجنون.

البابا غريغوريوس (الكبير)

سبق لي الحديث عن أهمية تراث الآباء في كتاب "بدء الأدب المسيحي الآبائي"، جاء فيه[349]:

[ما هو مدى التزامنا بما ورد في تراث الآباء؟

يمثّل الآباء القدّيسون فكر الكنيسة الجامعة الذي تسلّمته من الرسل بفعل الروح القدس الذي يعمل بلا انقطاع في حياة الكنيسة. يتحدّث عنهم القدّيس أغسطينوس، قائلاً: "تمسّكوا بما وجدوه في الكنيسة، عملوا بما تعلّموه، وما تسلّموه من الآباء أو دعوه في أيدي الأبناء[350]"، "من يحتقر الآباء القدّيسين إنّما يعرف أنّه يحتقر الكنيسة كلّها[351]".

يقوم هذا السلطان على عاملين: عامل طبيعي إذ اتّسم الآباء بالحياة القدسيّة والأمانة في استلام وديعة الإيمان الحيّ من أيدي الرسل لذلك هم أقدر على الشهادة للحياة الكنسيّة من كل جوانبها، خاصة وأنهم يحملون الفكر الواحد، بالرغم من اختلاف الثقافات والمواهب والظروف، مع بُعد المسافات بين الكراسي الرسوليّة وصعوبة الاتصالات في ذلك الحين. والعامل الثاني إلهي حيث عاش الآباء منحصرين بالروح القدس قائد الكنيسة ومرشدها إلى كل الحق، يحفظها داخل دائرة صليب المسيح.

هذا لا يعني عصمة الآباء كأفراد، وإنّما تعيش الكنيسة الجامعة ككل محفوظة بروح الرب...

احتل تراث الآباء مركزا مرموقًا في حياة الكنيسة وإيمانها، اعتمد عليه القدّيس أثناسيوس في دفاعه[352]، كما اعتمد القدّيس باسيليوس على كثير من التقاليد الكنسيّة خلال أقوال الآباء السابقين له.

تزايد هذا الاتجاه، إي الالتجاء إلى أقوال الآباء السابقين، في القرن الرابع، ونما جدًا في القرن الخامس[353]. فالقدّيس كيرلس الإسكندري كمثال، في كتاباته إلى الرهبان المصريّين[354] دفاعًا عن لقب القدّيسة مريم ثيؤتوكوس – لتأكيد أن المولود هو كلمة الله المتأنّس دون انفصال اللاهوت عن الناسوت – أشار إليهم أن يقتفوا آثار القدّيسين. إذ حفظوا الإيمان المسلم إليهم من الرسل، وعلّموا المسيحيّين باستقامة. مرّة أخرى يؤكّد أن التعليم الصحيح الخاص بالثالوث القدّوس قد وضح "بحكمة الآباء القدّيسين[355]". وفي حديثه ضدّ نسطور[356] التجأ إلى تعليم الكنيسة المقدّسة الممتدّة في كل العالم وإلى الآباء المكرّمين أنفسهم، معلنًا أن الروح القدس تحدّث فيه. ولتدعيم حديثه عن السيّد المسيح استند إلى بعض متقتطفات آبائيّة في كتاباتهم الجدليّة[357]، قدّمها إلى مجمع أفسس[358].]

هَلْ يَنْمُو الْبَرْدِيُّ فِي غَيْرِ الْمُسْتَنْقَعِ،

أَوْ تَنْبُتُ الْحَلْفَاءُ بِلاَ مَاءٍ؟ [11]

إذ يتهم بلدد أيوب بالرياء يقدم صورًا مؤلمة عن المرائي بوجه عام، غير أنه يعني أيوب بوجه خاص:

أولاً: بالبردي الذي لا ينمو إلا في مياه مملوءة وحلاً، والحلفاء الجاف الذي بلا ماء [11].

ثانيًا: بالعنكبوت الذي يتكل على بيته، فيظن أنه في آمان، مع أن بيته لن يثبت [14-15].

ثالثًا: بالعشب الذي تحرقه الشمس فتجففه، مع أنها سٌر حياة ونمو النباتات [16].

رابعًا: بمن يتعثر بالحجارة في الطريق، فيسقط ويهلك.

خامسًا: بالشجرة المورقة الجميلة التي يضرب الفأس بجذورها فتُقلع وتموت.

ما هي خبرة الآباء الأولين في هذا الأمر؟ يجيب الآباء بأن آمال المرائين وأفراحهم كالبردي والحلفاء. كلاهما ينميان في المستنقع وسط الطين أو الوحل أو الحمأة، وبالماء. هكذا المرائي لا يحقق رجاء. بدون أرض متعطنة أو جو غير الوحل. يتكل على مظاهر خارجية للتدين والتقوى والنجاح، مظاهره مخادعة، على الغرور بنفسه كلمات المديح الموجهة إليه، هذه كلها ليست إلا وحلاً، وآمالهم ليست إلا بردي وحلفاء.

إن كان البردي يشير إلى الإنسان المرائي الذي يحتاج إلى مياه الروح القدس المقدسة. في وسط المياه يوُلد المؤمن ابنًا لله بالروح القدس، وبمياه الروح يرتوي ويتجدد، حتى يحمل أيقونة السيد المسيح، فيتأهل لنوال شركة المجد الأبدي.

v     يشير بالبردي والحلفاء إلى حياة المرائي، إذ له مظهر الخضرة، لكن بلا ثمر نافع لخدمة الإنسان فمع كونه أخضر، له مجرد لون القداسة، يكون دائم الجفاف عديم الثمر عمليًا...

المراءون منفصلون عن واهب البركات الكثيرة بسبب نزعات فكر قلوبهم فمع نوالهم عطاياه يطلبون مديحهم لا مجد العاطي. وبينما يمجدون أنفسهم بمديح ذواتهم عن بركات موهوبة لهم، يقاومون صانع الخيرات بذات العطايا.

المرائي ينتقد بشدة حياة من يوبخه. إذ يتوق أن يثبت انه مخطئ فوق كل حدود، حتى يبرر نفسه، لا بما يمارسه من أفعال بل بإبراز أخطاء الآخرين... حسنا قيل بسليمان: "لا توبخ مستهزئا لئلا يبغضك" (أم 9: 8)...

هنا نحتاج أن نعرف أن سمو الصالحين يبدأ بالقلب وينمو إلى نهاية الحياة الحاضرة. أما ممارسات المرائين، فإذ ليس لهم جذور فإنهم غالبًا ما يبلغوا إلى لا شيء قبل نهاية الحياة الحاضرة. غالبًا ما يكرسون حياتهم للدراسات المقدسة، وإذ هم يفعلون هذا لا لإقامة مخازن للفضائل بل لنوال مديح وإطراء، فعندما يبلغون عبارة تهبهم مديحًا بشريًا يسرون بالنجاح الزمني. لهذا فهم فارغون تمامًا من الثقافة المقدسة، ويظهرون بسلوكهم بعد ذلك كيف يحبون الزمنيات، أما عن الأبديات فلا تتعدي الحديث عنها بشفاههم... إنهم شهود على أنفسهم أن صلاحهم ليس نابعًا عن القلب.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لهذه الغاية اعتمد المخلّص هذا الذي لا حاجة به إلى العماد، حتى يقدِّس الماء لأجل الذين سيولدون من جديد[359].

القدّيس إكليمنضس السكندري

v     يُسمى العماد "غسل التجديد"، إذ يصحبه تجديد الروح الذي يرف على المياه.

v     يخلق الروح القدس لنفسه شعبًا جديدًا، ويجدد وجه الأرض، عندما يخلع الناس عنهم، من خلاله، "إنسانهم العتيق مع أعماله" (كو 9:3)، "ويسلكون في جِدَّة الحياة" (رو4:6).

v     كل من حُسِب مستحقا لشركة الروح القدس، بمعرفة أسراره غير المنطوق بها، سيحصل، وبكل تأكيد، على راحة وابتهاج القلب. فحيث قد توصل ، بإرشاد الروح إلى معرفة لكل ما يحدث من أمور - وكيف ولماذا تحدث - فلا يمكن لنفسه أن تضطرب أو تشعر بأسف.

v     الطبيعة الإنسانية ضعيفة. وحتى تصير قوية، فهي تحتاج إلى مساعدة من يقويها. مساعدة من؟ مساعدة الروح.

بمعنى أن الذي ينشد القوة الحقيقية، لا بد أن يصير قويا بالروح.

الأغلبية تصير قوية بالجسد، وحسب الجسد. أما جنود الله (2 تيموثاوس 3:2) فيصيرون أقوياء بالروح، وبالتالي شجعانا في مواجهة “الفكر الجسدي الذي يهتم بما للجسد (رومية 7:8). فالروح في مصارعة مع الجسد، أما روح الإنسان التي يقويها ذلك الروح فستحرز النصر.

العلاّمة أوريجينوس

v     اعتمد الرب لا ليتطهّر بل ليطهّر المياه، حتى إذا اغتسلت المياه بجسده الذي لم يعرف الخطيّة، جاز لها أن تُستخدم في العماد[360].

القدّيس أمبروسيوس

v     اعتمد المسيح، أعني طهَّر الماء بعماده[361].

العلاّمة ترتليان

وَهُوَ بَعْدُ فِي نَضَارَتِهِ لَمْ يُقْطَعْ

يَيْبَسُ قَبْلَ كُلِّ الْعُشْبِ [12].

سرعان ما يظهر البردي بأوراقه الجميلة الخضراء، لكنه ييبس ويتلاشى في وقت وجيز، وقبل أن يُقلع (مز 129: 6).

هَكَذَا سُبُلُ كُلِّ النَّاسِينَ اللهَ،

وَرَجَاءُ الْفَاجِرِ يَخِيبُ [13].

سرّ الرياء هو نسيان الإنسان لله فاحص القلوب والعارف بالأسرار الخفية في الفكر.

v     "هكذا سبل كل الناسين الله، ورجاء المرائي يخيب"... رجاء المرائي لا يمكن أن يثبت، فإنه إذ لا يجعل الأبدية غايته يفقد كل ما يمسك به في يده. ميل فكره غير مثبت على المجد الذي لا ينتهي، وإنما إن هو يشهق طالبًا المديح الزائل يفقد ما قد تعب في نواله، يشهد "الحق" بذلك، قائلاً: "الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرهم" (مت 6: 2).

لا يستطيع أحد أن يربط نفسه بالزائل ويبقى هو نفسه غير زائل. فإن من يحتضن الأمور الزائلة بالطبع ينحدر إلى الزوال. ليقل: "ورجاء المرائي يخيب".

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     أيوب الذي خضع مرة أخرى للتجربة سبح الله وباركه، بالحق لم ينسَ الله. لهذا فإن نهاية الأبرار لا تُقارن بالعشب الذي يذبل بالحرارة [12]. إنه إذ يشبه شجرة مغروسة على مجاري المياه، تعطى ثمرها في حينه (مز 1: 3)، فإنه إذ يحتفظ بثمر الفضائل يسبب لغروس كثيرة في العالم أن تزهر.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     إنه مصدر فرح ومجد للبشر أن يكون لهم أبناء يتشبهون بهم... كم بالأكثر تكون مسرة الله عندما يؤكد إنسان روحي في أعماله وتسابيحه ويعلن السمو الإلهي في حياته[362].

القديس كيريانوس

v     يا أيتها النفس، ذاك الذي خلقكِ يمكنه أن يشبعكِ. فإن طلبت ِأمرًا آخر فلبليتكِ.

القديس أغسطينوس

فَيَنْقَطِعُ اعْتِمَادُهُ،

وَمُتَّكَلُهُ بَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ! [14]

إذ لا يعتمد المرائي على الله، فإن كل ما يرجوه بل حتى ما يناله يصير كبيت العنكبوت الذي ينسج مسراته وتعزيته بنسيج واهٍ.

ورد هذا النص في كتابات البابا غريغوريوس (الكبير) "غباوته لا تشبعه..."

v     إنها غباوة لامتناهية أن يعمل الإنسان بمشقة ويركض لاهثًا وراء لحظة مديح، فيمارس الشخص الوصايا السماوية بجهدٍ جهيدٍ ويبتغي أجرة أرضية...

"ومتكله بيت العنكبوت"... قد يحدث أن كلمات المرائين تدوم حتى نهاية الحياة الحاضرة ذاتها، ولكن إذ لا يطلبون مديح خالقهم، لا تحسب أعمالهم صالحة في عيني الله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "لأن رجاء الفاجر يخيب، بيته يكون بلا ساكن، وخيمته تبرهن أنها نسيج عنكبوت" (LXX). لماذا تقول هذا لأيوب؟ هل لأنك بالفعل تعرف نهاية المصارع، ولك وجهة نظرك من جهة ساكن بيته وخيمته كنسيج عنكبوت؟

لكن أنت تظن بأن بيته مصنوع من خشب وحجارة، مبني لأجله بالفضائل (مت 7: 24). إنك تتخيل خيمته مصنوعة من هذه الأرض، ولهذا السبب تظن أنها ستهلك كنسيج عنكبوت، مع أن مسكنه فعلاً في السماوات، ككلمات بولس: “لأننا نعلم أنه إن نقض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السماوات بناء من الله، بيت غير مصنوع بيدٍ، أبديٌ؛ فإننا في هذه أيضا نئن مشتاقين إلى أن نلبس فوقها مسكنًا الذي من السماء" (2 كو 5: 1-2).

لهذا السبب أيوب أيضًا يئن، لكنك تنظر (يا بلدد) إلى هذه المراثي بكونها جبنًا وتجديفًا. إنه "يدعم بيته"، لا بأمورٍ منظورة، بل بما هو غير منظور.

لهذا ينطق الكتاب المقدس بعبارات الحكمة: "الحكمة بنت بيتها لنفسها، شيدت أعمدتها السبعة" (أم 9: 1)...

أخذ أيوب هذا بصبر، ولم يجحد ثقته في علاقته بالله، بل على العكس احتمل العدو بشجاعة، وصد هجماته الباطلة، حتى يستطيع أن يكون له وجه باسل ضد كل النزاعات في الهجمات الجديدة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     الرياء يكرهه الله، ويمقته الإنسان. لا يجلب مكافأة، وبلا منفعة تمامًا في خلاص النفس، بل بالحري يكون علَّة هلاكها.

إن كان الرياء لا ينفضح أحيانًا، لكن إلى حين، إذ لا يدوم كثيرًا، بل ينكشف كل شيء، فيجلب على صاحبه وبالاً، وهكذا يكون أشبه بامرأة قبيحة المنظر تُنزَع عنها زينتها الخارجيَّة التي وُضعت لها بطرق صناعيَّة.

v     الرياء غريب عن سمات القدِّيسين، إذ يستحيل أن يفلت شيء مما نفعله أو نقوله من عيني اللاهوت، إذ "ليس مكتوم لن يُستعلن، ولا خفي لن يُعرف". كل كلماتنا وأعمالنا ستُعلن في يوم الدين. لذلك فالرياء مُتعب وبلا منفعة. يليق بنا أن نتزكَّى كعباد حقيقيِّين نخدم الله بملامح صريحة وواضحة[363].

القدِّيس كيرلس الكبير

v     الكل يرى اللص "الرياء" يحمل كل شيء أمام عينيّه ويبتهج بذلك! يا لها من لصوصيّة جديدة من نوعها، تجتذب الناس وتبهجهم بينما هم يُسلبون![364]

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

يَسْتَنِدُ إِلَى بَيْتِهِ فَلاَ يَثْبُتُ.

يَتَمَسَّكُ بِهِ فَلاَ يَقُومُ [15].

يفتخر المرائي بأعماله ويتكل عليها، كما يمسك العنكبوت ببيته الواهي.

كما يظن العنكبوت أنه متحصن بنسيجه الذي به يصطاد فريسته وهو لا يدرك أن نسيجه يُمكن أن يُكتسح بسهولة هكذا الإنسان المرائي يتحصن في شكلياته ومظاهر تقواه وإمكانياته، وإذا به يفقد كل شيء.

v     "يستند إلى بيته فلا يثبت، يدعمه (بدعامة) فلا يقوم" [15]. كما أن بيت حياتنا الخارجية هو المبنى الذي يعيش فيه الجسم، هكذا بيت فكرنا هو أي شيء يركز الذهن عليه... لأن كل شيء نحبه يكون بالنسبة لنا كما لو كان مسكنًا يعطيه راحة. لذلك إذ ركز بولس قلبه على العلويات، فإنه وإن كان لا يزال على الأرض فهو غريب عليها. "محادثتنا في السماء" (في 3: 20). أما ذهن المرائي فإنه في كل ما يفعله لا يفكر في شيء إلا في سمعته وشهرته...

النفس الخاوية إذ تجد نفسها لا تحتفظ بشيء في داخلها بالرغم من كل أتعابها، تطلب شهادة من الخارج...

يتكئ المرائي على هذا البيت من الإطراء باطلاً، لأنه في يوم الدينونة لن تثبت شهادة بشرية. فإن المديح الذي ناله شهادة له تقبله كأجرة له.

البابا غريغوريوس (الكبير)

المسيحي وهو يسلك على الأرض بروح المسئولية والالتزام في كل ما يؤتمن عليه، يحمل لمسة سماوية في أفكاره كما في أحاسيسه ومشاعره، تترجم في كلماته وسلوكه الظاهر. حياتنا هي مدرسة إلهية خلالها نتعلم ونتدرب على الحياة السماوية، في كل اتجاهات حياتنا.

v     أريدكم أن تحفظوا أذهانكم في هذه الأمور على الدوام (كو 1:3). فإن اهتمامنا بها يحررنا من الأرض وينقلنا إلى السماء[365].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     يحق لنا أن نكون هناك في حضرة الله في السماوات، نحن الذين حفظنا الدرس بينما كنا على الأرض، وذهبنا هناك إلى السماء كي نكون في محبة الله الآب، ذاك الذي عرفناه ونحن على الأرض، ولأن الله الكلمة القدوس صنع كل شيء وعلمنا ويعلمنا كل شيء، وهو يدربنا في كل الأمور الصالحة[366].

القديس إكليمنضس الإسكندري

v     عندما تتحقق إرادة الله بواسطتنا نحن الذين على الأرض كما تتحقق في الذين هم في السماء نتشبه بالسمائيين إذ نحمل مثلهم صورة السماوي (1 كو 49:15) ونرث ملكوت السماوات (مت 34:25). ويأتي الذين بعدنا وهم على الأرض يصلون لكي يتشبهوا بنا إذ نكون نحن في السماء (الفردوس)[367].

العلاّمة أوريجينوس

هُوَ رَطْبٌ تُجَاهَ الشَّمْسِ،

وَعَلَى جَنَّتِهِ تَنْبُتُ أَغْصَانُهُ [16].

جاء كلمة الله المتجسد "شمس البرّ" الذي يشرق على الجالسين في الظلمة ليتمتعوا بنور البرّ، فيصيروا أبناء النور، وأبناء النهار. الشمس التي تنقلنا من ظلمة القبر إلى نور السماء، تجفف العشب. هذا هو عمل السيد المسيح الذي أقام البشرية من موت الخطية ودخل بها إلى أحضان الآب، أما الجاحدون الذين يصرون على عدم الإيمان به، فيجفون ويتأهلون للنار الأبدية.

v     "يرى رطبا قبل مجيء الشمس". كثيرًا ما يُمثل الرب في الكتاب المقدس بلقب "الشمس"، كما قيل بالنبي: "ولكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البرّ" (مل 4: 2). الأشرار الذين يطردون في الدينونة يُوصفون في سفر الحكمة: “لقد ضللنا عن طريق الحق، ونور البرّ لم يشرق علينا، والشمس لم تشرق علينا" (حك 5: 6). لهذا فانه قبل الشمس يُرى البردي رطبًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

وَأُصُولُهُ مُشْتَبِكَةٌ فِي الرُّجْمَةِ،

فَتَرَى مَحَلَّ الْحِجَارَةِ [17].

يقيم منا حجر الزاوية حجارة حية مبنيين في بيت الرب، في الهيكل السماوي. أما الأشرار فيتعثرون في حجر الزاوية، فيسقطون ويهلكون.

يستخدم الأب هيسيخيوس الأورشليمي الترجمة السبعينية (LXX)، بينما يرجع البابا غريغوريوس (الكبير) للفولجاتا.

v     "يسقط على كومة من الحجارة، ويحيا وسط صوان"... يُشار إلى الناس في الكتاب المقدس بالحجارة، كما قيل للكنيسة المقدسة بإشعياء: “وأجعل شرفك ياقوتًا، وأبوابك حجارة منحوتة (بهرمانية)" (إش 54: 12)...

عبر بطرس عن ذلك بتقديمه النصيحة: "كونوا أنتم أيضا مبنيين كحجارة حية، بيتًا روحيًا" (1 بط 2: 5). هنا إذ يدعوهم حجارة لم يدعهم بأي حال "حجارة حية"، إنما باللقب المجرد للحجارة، إنه يقيم المفقودين والمختارين ممتزجين معًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "ينام على كومة من الحجارة، ويعيش بين الحصى" هذه تخص أولئك الذين تكلم عنهم إشعياء: "هيئوا طريق الشعب... نقوه من الحجارة" (إش 62: 10). وأيضا: هيئوا الطريق، ارفعوا المعثرة من طريق شعبي" (إش 57: 14؛ 1 مكابيين 5: 4؛ مز 140: 6). يستنزف (العدو) ويجرح نفسه بموتٍ عضالٍ، عندما ننقي طرقنا من الشباك والحجارة المعثرة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

إِنِ اقْتَلَعَهُ مِنْ مَكَانِهِ يَجْحَدُهُ قَائِلاً:

مَا رَأَيْتُكَ [18].

يقدم تشبيهًا آخر للمرائي وهو الشجرة الجميلة المزدهرة، التي تحتفظ بخضرتها بالرغم من أشعة الشمس، وجذورها ثابتة في التربة الصخرية، لا تزعزها الرياح. هذه الشجرة متى ضربها الفأس تُستأصل تمامًا ولا يبقى لها علامة في المكان الذي زُرعت فيه.

المرائي كالشجرة التي يشتهي الكل أن يتمتع بمنظرها، لكن إذ ضرب الرياء كالفأس بجذورها، تفقد حيويتها وثمارها وجمالها. تصير كالعذارى الجاهلات اللواتي لهن كل مظهر العذارى الحكيمات، لكن ليس لديهن زيتًا، فلا يحملن نورًا يخرج من مصابيحهن. يبقين في الظلمة، عاجزات عن الدخول في حجال العريس السماوي، حيث لا يمكن للظلمة أن يكون لها موضع فيه.

v     "إن كان الله يلزم أن يهلكه، فإن مكانه يجحده". يهلك المرائي من مكانه، عندما يُنزع من مديح الحياة الحاضرة بتدخل الموت. لكن الشاهد الداخلي يجحده، وهكذا يهلكه، وتثبت أن الله لا يعرفه، إذ بعدل يدين حياة المتظاهر. الحق لا يعرفه، ولا يتعرف على الأعمال الصالحة التي مارسها. فإنه لم يمارسها بهدفٍ سليمٍ في الفكر. لهذا عندما يأتي الله إلى الدينونة سيقول للعذارى الجاهلات: "الحق أقول لكن إني لا أعرفكن" (مت 25: 12). فإنه إذ يرى فساد الفكر يدين حتى عدم الفساد الذي في الجسد.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "إن كان أحد يُبتلع، فالموضع يجحده". يقصد بالابتلاع في الكتاب المقدس ما قاله النبي إشعياء: "يُبتلع الموت إلى الأبد، ويمسح السيد الرب كل دمعة عن كل وجه" (إش 25: 8). لهذا السبب فإن "موضعه سيجحده"، لأن الابتلاع الذي به ابتلع الموت آدم (راجع رو 5: 17) حثه على عصيان أوامر الله (تك 2: 17)، يبتلع الموت نفسه لدماره.

لكن "موضعه يجحده". أي موضع؟ ربما هذا يخص الموت، لأن موضع الخائن هو الموت.

أيضا يمكن القول: "يمسح كل دمعة عن كل وجه" (أش 25: 8). جعل (السيد المسيح) آدم مجيدًا بصلبه وموته وقيامته، ويحول للعدو مكر الواشي. لقد خلص آدم، واُغتصبت اللعنة بواسطة ذاك الذي تنتمي إليه كل الموجودات.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

هَذَا هُوَ فَرَحُ طَرِيقِهِ،

وَمِنَ التُّرَابِ يَنْبُتُ آخَرُ [19].

هذا هو مصير الشرير الرائي، فإنه كان يظن أن رجاءه يتحول إلى فرحِ. فانه يُقتلع كالشجرة ويحل محله آخر، في ذات الموضع.

5. دعوة للكمال

بعد أن استعرض صورًا مؤلمة عن الإنسان المرائي ويقصد به "أيوب"، يقدم لنا صورة مبهجة للإنسان الكامل، مطالبًا أيوب أن يترك رياءه ليسلك طريق الكمال. ولعله وهو يصف ما يتمتع به الإنسان الكامل من رضا الله عنه وعن ذبائحه وتقدماته، وكيف يملأ فمه فرحًا وشفتيه هتافًا، ويتمتع بالنصرة على الأعداء الذين يحزنهم الرب، وضع أمام نفسه والصديقين أليفاز وصوفر. وكأنه يدعو أيوب أن يترك شره الخفي ويقتدي بأصحابه الثلاثة، الذين في ذهن بلدد هم كاملون. يرى بلدد أن خيمة أيوب الشرير لم يعد لها وجود، أما هم فلهم مساكنهم محصنة بالله، يرى الأب هيسيخيوس الأورشليمي أن ما تحدث به بلدد بخصوص الكاملين في الرب ينطبق على أيوب، ففيما هو يتهمه بالشر ويدعوه إلى الكمال، إذا به يدافع عنه وهو لا يدري.

هُوَذَا اللهُ لاَ يَرْفُضُ الْكَامِلَ،

وَلاَ يَأْخُذُ بِيَدِ فَاعِلِي الشَّرِّ [20].

في ختام حديثه يلخص بلدد فهمه اللاهوتي الأدبي وهو أن الله لا يرفض الكامل، بل يستجيب لطلبه حتى وإن بدا كأنه قد رفضه. ويحول نوحه إلى رقصٍ وفرحٍ، فيملأ فمه الداخلي بالضحك الروحي. عندئذ يخزى الذين عيروه حينما يرونه قد عاد على رخائه الأول وفرحه. يصير لباسهم هو الخزى والعار عندما يرونه متوجًا بالمجدِ

يقابل هذا أن الله لا يسند فاعلي الشر ويبيد خيمهم. ولعله أراد أن يلمح هنا إلى أيوب بكونه شريرًا لم يسمع الله لصرخاته، وقد أباد مسكنه تمامًا مع أسرته.

هذا هو حكم بلدد على أيوب الذي ينصحه أن يرجع عن شره ويتوب ويتهمه بالشر والرياء. حكم عليه وهو لا يعلم ما في قلبه ولا ما في فكره، بل لا يعلم ما دار بين الله والشيطان في السماء.

v     علي أي الأحوال فإن أيوب ليس بالإنسان الشرير، ولا بالجندي الشرير. على العكس يمكن للشخص أن يطبق عليه ما أضافه بلدد وهو غير مدرك أنه فيما هو يتهمه إذا به يصير مدافعًا عنه.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     بالتأكيد عندما يظهر الكامل في الدينونة يرفع في الحال من حال البسطاء المرذولين ويمجدهم، ويحطم عظمة أصحاب الفكر الشرير ويدينهم... هكذا لا يمد الله يده للأشرار في الفكر حيث أن كل الذين يطلبون المجد الأرضي يتركهم أسفل، حتى وإن كانوا قد فعلوا أمورًا صالحة، أيا كان صلاحها، فانه لا يهبهم الأفراح العلوية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

عِنْدَمَا يَمْلأ فَمَكَ ضَحِكًا،

وَشَفَتَيْكَ هُتَافًا [21].

يدعو بلدد أيوب لترك الشر والسلوك في طريق الكمال، لكي يتمتع بالضحك الروحي، والفرح في الرب. هذا الفرح الذي ينعم به المؤمن الحقيقي، حيث يحمل في داخله ربنا يسوع مُفرح القلوب.

المسيحية دعوة للتمتع بفرح السماء، فإن كان مسيحنا قد نزل من السماء متجسدًا، إنما لكي يحملنا إلى سماواته عروسًا متهللة بعريسها، لهذا يدعونا الرسول بولس وهو في السجن: "افرحوا في كل حين، وأقول يا إخوتي افرحوا".

يرى القديس أنبا أنطونيوس أن الفرح هو طعام النفس، بدونه تجوع وتموت. الفرح الداخلي السماوي يسند النفس في تغربها عن موطنها السماوي، ويهيئ الجسد ليحمل سمة أشبه بالروحانية، فيتهيأ ليصير جسدًا روحانيًا في يوم الرب العظيم.

v     كما أن الأشجار إن لم تشرب من الماء لا يمكنها أن تنمو، هكذا النفس إن لم تقبل الفرح السماوي لا يمكنها أن تنمو وتصعد إلى العلاء. أما النفوس التي قبلت الروح والفرح السمائي فهي التي تستطيع الارتفاع إلى العلاء… فقد انكشفت لها أسرار ملكوت السماوات وهي بعد في هذا الجسد، ووجدت دالة قدام الله في كل شيء، وكملت لها جميع طلباتها.

v     النفس دائما تتربى بهذا الفرح وتسعد به، وبه تصعد إلى السماء، فهي كالجسد لها غذاؤها الروحي.

القديس أنطونيوس الكبير

v     من نظر في ذاته إلى ربنا، وامتزجت نفسه بنوره، يمتلئ قلبه بالفرح.

           الشيخ الروحاني

v     لا يليق بالإنسان أن يضحك في كل الأوقات فيكون كحيوانٍ ضاحكٍ... فالأحمق يرفع صوته عندما يضحك" (ابن سيراخ 23:21). أما الإنسان العاقل فيبتسم بشكل لا يلفت النظر...

ومن الجانب الآخر يليق بالإنسان ألا يكون مكتئبًا متجهمًا، بل فقط جادًا. لأني أفضل لمن كانت له ملامح صارمة أن يبتسم.

الابتسامة هي إحدى مبادئ التربية وموضوعاتها[368].

القديس إكليمنضس السكندري

v     الفرح الحقيقي هو فرح الحياة الأخرى، حيث لا تعذب النفس وتتمزق بالشهوة[369].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     ملكوت الله داخلكم يعنى الفرح الذي يغرسه الروح القدس في قلوبكم، بكونه أيقونة وعربون للفرح الأبدي الذي تتمتع به نفوس القديسين[370]

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

v     "أفواه المخلصين تمتلئ ضحكًا، وشفاههم بهجة". انتبه يا بلدد، وبسرعة تطلع إلي كلماتك وزنها... لكن "لا يمتلئ" بالحق إلا فيما بعد في الدهر الآتي، حيث تنتظر أيوب النعمة، وذلك بكونه إنسانًا مخلصًا. هناك أيضا سيتمتع بشفاهٍ مملوءةٍ بعمل النعمة، بمعنى مملوءة بالشكر لله.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     أعلن المسيح عن الضحك الصادر عن الفرح والبهجة كما يقول الكتاب المقدس في أيوب: "يملأ الفم الحق ضحكًا" (أي 8: 21). ربما لهذا السبب دُعي اسم أحد الآباء (البطاركة أي اسحق) "الضحك"، لأن الاسم يعني البهجة الإلهية[371].

العلامة أوريجينوس

v     "عندما يملأ فاك ضحكًا، وشفتيك هتافًا" [21]. فم الأبرار سيمتلئ ضحكًا عندما تكمل دموع رحلتهم، وستمتلئ قلوبهم بالكامل بهتاف الفرح الأبدي. بخصوص هذا الضحك يقول الحق لتلاميذه: "الحق الحق أقول لكم إنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح. أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلى فرح" (يو 16: 20). مرة أخرى: "سأراكم أيضا فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو 16: 22). بخصوص هذا الضحك الذي للكنيسة المقدسة يقول سليمان: "تضحك في اليوم الأخير" (أم 31: 25). قيل أيضًا إن من يخاف الرب يسير ذلك معه حسنًا حتى النهاية. لا يوجد هناك ضحك الجسد، بل ضحك القلب...

البابا غريغوريوس (الكبير)

يَلْبِسُ مُبْغِضُوكَ خِزْيًا،

أَمَّا خَيْمَةُ الأَشْرَارِ فَلاَ تَكُونُ [22].

v     "يلبس مخاصموك خزيًا"، سواء كانوا المنظورين أو غير المنظورين... فقد لبس المصري الخزي عندما رأى يوسف (تك 39: 20-21). صارت إيزابيل في نفس الوضع عندما رأت إيليا يشترك في وضع القديسين، ذاك الذي اضطهدته بطغيان (1 مل 19: 2)، أيضا المخاصمون لأيوب غير المنتصرين لبسوا أيضًا خزيًا عندما رأوا أيوب متهللاً بين الملائكة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     إذ يرون أمام عيون ذهنهم أفعالهم الشريرة الماضية تتدفق، يلبسهم الإثم من كل ناحية، وينحدر بهم بثقله. عندئذ يعانون من ذكرى شرورهم وهم يُعاقبون.

البابا غريغوريوس (الكبير)

 


 

من وحي أيوب 8

لأقتنيك يا حكمة الله!

 

v     حبك أنزلك إلينا يا حكمة الله،

فأنت نوري وكنزي وسٌر فرحي وسلامي.

اقتربت إليّ، واشتقت إلى السكنى في داخلي.

لتدخل ولتقطن فيّ، فأقتنيك إلى الأبد.

 

v     بدونك من يضبط لساني فلا يكون ثرثارًا؟

أستطيع أن أروض الوحوش المفترسة،

لكن من يروض لساني غيرك؟

تشبع أعماقي بغناك، فلا أشعر بفراغٍ.

أشبع بك، فلا أجوع إلى الأحاديث الباطلة.

تملأني بعربون مجدك، فلا أدين أحدًَا!

أقتنيك فأقتني الحب الإلهي.

أصمت، لأتكلم معك عن كل بشرٍ.

أحب، فأشتهي مجد كل إنسانٍ.

 

v     لأقتنيك فأنت هو المصلوب،

أسلك كعضوٍ في كنيستك العروس المتألمة.

أجد لذتي وغناي وفرحي في الصلب معك.

لن تجتذبني الإغراءات الفلسفية الكاذبة،

ولا يقتنصني عدو الخير بجحد الكنيسة عروسك.

ولا أطلب راحة زمنية وسعادة وقتيه على حساب المجد الأبدي.

تبقي كنيستك المتألمة حاملة روح النصرة.

أنت في وسطها، فلن تتزعزع إلى الأبد!

 

v     لأقتنيك فأقدمك لكل خاطي جريح.

أقدمك بلغة الحب والترفق في حكمتك، لا بلغة النقد اللاذع والتجريح.

سترت علىُ، هب لي أن أستر إخوتي.

رفعتني من الجحيم إلى الفردوس، هب لي أن احتضن بالحب الساقطين معي.

عجيب هو خلاصك، وعجيبة هي حكمتك!

 اجعلني بك حكيمًا عجيبًا في حبي لإخوتي!

 

v     علمني يا أيها الحكمة الإلهي كيف أصلي إليك.

لتلهب قلبي بحبك، فلن أطلب إلا أن أقتنيك، وتقتنيك كل البشرية معي.

ماذا تقدم لي سوى سكناك فيّ.

ماذا أترجى سوى أن أتحد معك.

أية مكافأة لي، إلا التمتع بك!

هب لي حكمتك، فأقتنيك، وبك اقتني كل شيء بحلولك في داخلي!

 

v     متى تأتي أيها الحكمة الإلهي،

فأنعم بآخرة مجيدة، أنعم بشركة الأمجاد السماوية.

تحملني إلى حضن الآب، فتستقر نفسي هناك أبديًا.

تتحول أتعابي إلى راحة سماوية، وآلامي إلى عذوبة دائمة،

وميتاتي اليومية إلى بهجة القيامة!

 

v     هب لي يا رب أن تشرق بنورك عليّ،

فأعرف أسرارك الفائقة.

أختبرها بغنى بنعمتك،

أتذوقها في حياتي كما خلال خبرة آبائي.

لتعمل حكمتك فيّ كما في آبائي.

لا أن أتمسك بكلمات آبائي دون حياتهم.

هب لي قلبًا مقدسًا يتسلم الوديعة المقدسة،

ويُسلمها لا في حرفيات وشكليات،

بل بروح الحق والقداسة.

 

v     لتروني من مياه روحك القدوس،

فأكون كشجرة الزيتون المغروسة في بيتك.

لن يقدر العدو أن يقترب إليها،

ولا لتجاربه أن تفقدها حيويتها ونموها.

أرتوي بذكراك الدائمة، فلن يفارق اسمك شفتي.

ولا تُنزع صورتك من قلبي!

أذكرك دومًا فأمتلئ رجاءً.

اختبئ فيك، فأجد أمانًا وسلامًا.

عوض بيت العنكبوت الذي نسجته لنفسي،

استقر في أحضانك يا حصن حياتي.

 

v     بك يا حكمة الله يزول عني كل رياء.

فلا أكون كالبردي الذي ينمو في مياه بها وحل،

بل كشجرة مغروسة على مجاري مياه روحك القدوس.

ولا أكون كالعنكبوت المحمي ببيت واهٍ،

بل أقطن فيك يا مصدر كل أمانٍ.

لا أكون كعشبٍ تحرقه الشمس فتجففه،

بل أتمتع بنورك المشرق على أعماقي.

ولا أكون متعثرًا بالحجارة في الطريق،

بل أصير حجرًا حيًا في الهيكل السماوي.

ولا أكون كشجرة مورقة ضرب الفأس بجذورها،

بل شجرة زيتون مغروسة في بيتك المقدس.

 

v     بك تتهلل نفسي،

بك أتمتع بعربون فرح السماء!

بك أصير العروس المقدسة الحكيمة.

<<

 

 


 
الأصحاح التاسع

الحاجة إلى مُصالح وسيط

يجيب أيوب على بلدد في الأصحاحين التاسع والعاشر.

لم تُقدم هذه الحوارات بلا هدف، فقد كان لكل صديقٍ لمسته الخاصة للمشكلة. أما أيوب صاحب المشكلة، فكان في جدية يبحث عن حلٍّ أو آخر. يتكلم عن الله بوقارٍ، وعن نفسه في تواضعِ، وعن متاعبه في انفعالٍ، لكنه لم ينطق بكلمةٍ واحدةٍ لتوبيخ أصدقائه، أو اتهامهم بالقسوة عليه. كما لم يجب مباشرة على بلدد.

يتفق أيوب مع بلدد في الخطوط الخاصة بأحكام الله السلوكية، ولكن كيف يمكن لنا الالتقاء مع الله وجهًا لوجه عندما تبدو أعماله وخططه فائقة؟ إنه دومًا يغمرنا بحكمته وقوته [٣-٤]. لكن خلال ما يعانيه أيوب يتطلع إلى الله فيراه عنيفًا. حقًا إن الله يدبر الطبيعة ويهتم بها، ولكن هذا – في نظره – لا يهبه تفسيرًا لمشكلة الألم التي حلت به.

الآن بدأ أيوب بموافقة أصحابه على أنه لا يستطيع إنسان أن يكون بارًا أمام الله، وعلى قول بلدد إن الله لا يعوج القضاء (3:8).

ثم يتكلم عن حكمة الله وقدرته وقد استقاها أيوب من مملكة الطبيعة، التي يعمل فيها إله الطبيعة بقدرة لا تُقاوم. يفعل ما يرضيه وكل نظم الطبيعة وقواتها مستمدة منه، وتعتمد عليه. فهو يستطيع أن يزحزح في الجبال ويجعل أعمدة الأرض تتزلزل، ويتحكم في الشمس والنجوم.

ثم يثبت برَّه بقوله: "كامل أنا لا أبالي بنفسي، فرذلت حياتي" [21]. أي أنه يتمسك ببرِّه، ولو كلفه حياته، وينكر أيوب على بلدد قوله إن الله يميز في معاملته للناس بين الكامل والشرير (20:8). ثم يرجع أيوب إلى التأمل في حالته الخاصة [25-31]. إنه لا يمكن أن ينسى ألمه أو يتعلل بالرجاء، لأنه يشعر بأن الله يحكم عليه ولا يزال يعامله كنجسٍ.

يرى أيوب أن الله قد طرحه كمن هو في غضبٍ شديدٍ من جهته، وأن رجاءه الوحيد هو أن يلتقي معه وجهًا لوجه ليحقق له العدالة، لكن لا يزال غير الممكن الوصول إليه، حتى في المحكمة يتعامل الله معه كما لو كان قاضيًا غير عادلٍ. يكتشف الحاجة إلى وسيط بين الله غير المنظور والناس. اشتاق أيوب أن يجد هذا الوسيط الذي يستطيع أن يقدمه لله القدير. يترجى أيوب لو كان له وسيط لدى الله، أو يتخلى الله عن عصا سلطانه ويصير بشريًا لمرة واحدة!

لم يكن ممكنًا لأيوب أن ينسى آلامه [٢٥-٢٨]، وأن الله يبدو كمن هو مصمم على إظهار أيوب أنه نجس ومذنب. يحاول أيوب أن يجعل من نفسه أن يكون أبيض كالثلج، وطاهرًا كما بالزوفا [٢٩-٣١].

لقد قدم لنا أيوب مفهومًا إنجيليًا صادقًا عن التطهير من الخطايا.

طلب أن يرى الله مذلته، ويتطلع إلى حالته بعين الشفقة، وأن يمنحه الله بعض الراحة، ثم يتأمل في إمكانية إيجاد المصالحة [32-39]. وإنما يجد صعوبة في أن معاملته ليست مع إنسان مثله بل مع الله، ويشعر أن كل محاولة يثبت بها أنه بريء عقيمة، لذا يتوق إلى مُصَالِح حكيم يوفق بينهما ويصالحهما [33].

يشتكي أيوب من الله فيتحدث عنه بصيغة الغائب. كيف الحوار معه، وهو لا يسمع ولا يحاور، وإن الله يجازي البار والخاطئ على السواء، حين تأتي الكارثة ويُقتل الأبرياء، يهزأ الله بالضيقات التي تصيبهم [32-33]. إنه في حيرة عظيمة بين الشعور بظلم الله نحوه وبين تذكر الشركة المباركة معه في الماضي. واضح إن مشاعر أيوب تنطوي على شيئين متناقضين فهو يعتقد أنه على صواب، ولكنه لا يعرف كيف يثبت ذلك، فحتى الآن لم يوجه إليه اتهام محدد من الله. وفي نفس الوقت إذا دخل في مواجهة مع الله يخشى ألا يتمكن من الدفاع عن نفسه بنجاح.

1. لن يتبرر أحد أمام الله            1-2.

2. البرهان على ذلك                 3-13.

3. عجزه عن أن يحاجج الله         14-21.

4. لا نحكم حسب الظاهر             22-24.

5. هول متاعبه وحيرته              25-31.

6. الحاجة إلى وسيط                 32-35.

1. لن يتبرر أحد أمام الله

فَقَالَ أَيُّوبُ: [1]

صَحِيحٌ. قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ كَذَا.

فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ؟ [2]

لم يدافع أيوب عن اتهام بلدد له بكثرة الكلام (أي 8: 2). كذلك كشف له أنه يتفق معه في مبدأ: "الله لا يعوج القضاء، وأن الأتقياء محفوظون بعناية الله، وأن الشرير يهلك بشره".

لكنه تساءل: "كيف يتبرر الإنسان عند الله؟". لا يحمل هذا التساؤل روح التذمر، ولا يحمل ثورة ضد صرامة الله، وإنما هو اعترف بالواقع أن الله إن عاملنا حسب استحقاقنا لهلك كل البشر، لأنه ليس بار في عيني الله، ليس ولا واحد.

إذا ما تطلع أيوب إلى نفسه مقارنًا نفسه بمن هم حوله يرى أنه بار، لكن إذ يتطلع إلى الله القدوس البار، يجد نفسه ليس بطاهرٍ، ولا يقدر أن يتبرر أمامه. فإنه حتى ملائكته القديسين لن يتبرروا أمامه. يقول المرتل: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدامك حيٌ" (مز 2:143).

لن يقدر أحد أن يتبرر أمام الله سوى كلمته الأزلي الذي صار إنسانًا بلا خطية وحده، من يختفي فيه يحمل برَّه، فيتبرر أمام الرب.

يقول الرسول: "ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداء" (1 كو 30:1)، "وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البرّ وقداسة الحق" (أف 24:4).

v     انظروا كيف يعترف أيوب أيضًا بخطاياه (9: 2-3، 19-20، 30؛ 13: 26-5:14، 16:14، 17). يقول أنه متأكد أنه لا يوجد بار أمام الرب. هكذا هو متأكد من هذا أيضًا أننا إن قلنا إننا بلا خطية، فالحق ليس فينا. بينما يقدم الله شهادة سامية عن برِّه بالنسبة لمستوى السلوك البشري، إلا أن أيوب نفسه يعرف الحقيقة أنها هكذا حيث يقول: كيف يتبرر المائت أمام الرب؟ إن شاء أن يحاجه لا يقدر أن يجيبه"[372].

 القديس أغسطينوس

v     نراه من خلال كلماته يعبر عن نفسه بطريقة رائعة بكونه ورعًا وفاضلاً، إذ يقدم سلوكه كتقدمه لله، مكيفًا كلماته لحساب مجد الله. حتى عندما يتكلم من نفسه، أو عند إثارة زوجته له، وعندما أغضبه أصدقاؤه، بل وعندما سحب الواشي (إبليس) حنجرته ليجدف، لم يتوقف البار عن تمجيد الله. "أبارك الرب في كل حين" (مز 34: 1).

بطريقة أفضل صحح أيوب كلمات أصحابه الذين أهانوه، محولاً كل ما نطقوا به ضد المصارع في حقدٍ واستخفافٍ نحو أيوب البارع إلى بركة من أجل الله. إن قلت: كيف ذلك؟ تعلم هذا، فإن بلدد بنية حاقدة في عبارته بدأ بهذه المقدمة: "هل الرب يعوج القضاء أو الصانع كل الأشياء يعكس الحق؟" (8: 3) ماذا يمكن لأيوب أن يقول عن هذا؟ كيف يجيب خصمه محولاً بطريقة عجيبة ما قد عني به أن يصرعه؟ لنصغ، "فأجاب أيوب وقال: "صحيح قد عرفت أنه كذا. فكيف يتبرر الإنسان المائت عند الرب؟" [1-2].

لماذا تهين أيوب كمن هو ليس ببارٍ؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     أجابهم أيوب: "صحيح، قد علمت إنه كذا. فكيف يتبرر الإنسان المائت عند الله؟ لأنه إن شاء أن يحاجه لا يسمعه، فلا يجيبه عن كلمة واحدة بألف كلمة، لأنه حكيم في فهمه وقوي وعظيم، فمن هو صلب بما فيه كفاية حتى يقوى على الوقوف أمامه؟ الذي يجعل الجبال تشيخ وهي لا تعلم! والذي يقلبها في غضبه. المزعزع الأرض من أساساتها، فتزلزل أعمدتها! يتحدث إلى الشمس، فلا تشرق ويضع ختمه على النجوم. الباسط السماوات وحده والماشي على البحر كما على أرض ممهدة، صانع النعش (أو العاس ّPleiades)[373] ونجمة المساء Evening star والدب الجبار (العظيم) Great Bear ومخادع الخيول.

فاعل عظائم لا تُفحص، وعجائب لا تعد، مجيدة وبلا قياس ولا عدد. إن مرّ عليّ لا أراه، وإن اجتاز بي فلا أدرك كيف؟" (أي 2:9-11 LXX). كم كان بوقه أقوى، حينما جعله يهتف بخصوص قدرة الرب! لكن في هذه القوة ينال البار عوناً لا هلاكًا. حقًا بينما تبدو أنها قدرة الرب هي التي توصف، إذا في الحقيقة أسرار فدائنا تُستعلن![374]

القديس أمبروسيوس

v     إنه الكنز الذي أُعطي لهم في هذه الحياة ليمتلكوه في داخل نفوسهم، الذي "صار لنا حكمة الله وبرًّا وقداسةً وفداءً" (1 كو 1: 30). فالذي وجد كنز الروح السماوي وامتلكه يتمم به كل برّ الوصية وكل تتميم الفضائل بنقاوةٍ وبلا لومٍ، بل بسهولة وبدون تغصبٍ.

لذلك فلنتضرع إلى الله، ونسأله ونطلب منه بشعور الاحتياج، أن ينعم علينا بكنز روحه، لكي ما نستطيع أن نسلك في وصاياه كلها بطهارةٍ وبلا لومٍ، ونتمم كل برّ الروح بنقاوة وكمال، بواسطة الكنز السماوي، الذي هو المسيح[375].

القديس مقاريوس الكبير

v     إذ يخضع الإنسان لله يتقبل برًّا، أما من يقف أمامه فيفقد البرّ. فإن من يقارن نفسه بمصدر كل الخيرات، يحرم نفسه من الصلاح الذي ناله. من ينسب لنفسه البركات الموهوبة له من الله يحارب الله بذات عطايا الله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     برّ الله هو المسيح، يقول الرسول: "صار لنا من الله حكمة وبرًّا وقداسة وفداءً"؛ كما هو مكتوب "من يفتخر فليفتخر في الرب".

برّ الله الذي هو عطية النعمة بدون استحقاقات، لا يُعرف بواسطة أولئك الذين يريدون أن يُقيموا برّهم الذاتي، فلا يخضعون لبرّ الله الذي هو المسيح.

في هذا البرّ نجد غنى عذوبة الله التي يقول عنها المزمور: "ذوقوا وانظروا ما أعذب الرب" (مز 8:43)[376].

القديس أغسطينوس

2. البرهان على ذلك

إِنْ شَاءَ أَنْ يُحَاجَّهُ لاَ يُجِيبُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَلْفٍ [3].

لا يستطيع إنسان ما أن يباري خالقه في المناقشة أو في النضال. لا يقدر الإنسان أن يجيب عن سؤال واحدٍ من بين كل ألف سؤال يقدمه الله له. لقد تكلم الله مع أيوب وعرض عليه عدة أسئلة، ووقف أيوب عاجزًا عن الإجابة عن أي سؤال منها (أي 38، 39). هكذا تقف حكمة الإنسان صامته في عجز أمام حكمة الله الفائقة.

يوجه الله إلى الإنسان ألف اتهام، ولا يجد الإنسان إجابة ليبرر ما يفعله ولو في أمرٍ واحد من الألف، لأن الله لا يخطئ في حكمه. وهو يعرف أعماقنا أكثر من معرفتنا نحن لأنفسنا. ليس لنا إلا أن نضع أيادينا على أفواهنا كما فعل أيوب (أي 40: 4-5).

v     ألم اعترف لك بمعاصي، يا إلهي، وأنت نزعت أثم قلبي؟ إنني لا أناضل في المحاكمة معك، إذ أنت هو الحق. لست أود أن أخدع نفسي، لئلا يقف إثمي ضد نفسه. لذلك لست أجادل في أحكامك، لأنك "إن كنت تراقب الآثام يا رب فمن يقف؟" (مز 130: 3)[377].

v     لست أجادل في المحاكمة معك، يا من أنت هو الحق. لن أخدع نفسي، لئلا تقف آثامي ضد الحق. لذلك لن أناضل في المحاكمة معك. لأنك إن كنت تراقب الآثام يا رب فمن يقف أمامك؟ (مز 3:130)[378].

v     الله وحده هو البارّ والذي يبرّر، يهب الإنسان البرّ.

إنهم يطلبون أن يُثبتوا برّ أنفسهم، بمعنى أنهم يظنّون بأن الصلاح هو من عندهم لا عطيّة إلهية. بهذا "لم يخضعوا لبرّ الله" (رو 10: 3)، لأنهم متكبرون ويحسبون أنهم قادرون على إرضاء الله بذواتهم لا بما لله[379].

القديس أغسطينوس

v     في الكتاب المقدس رقم 1000 عادة ما يشير إلى "المجموع الكلي".... يقول المرتل: "الكلمة التي أوصي بها ألف جيل" (مز 105: 8 )... هكذا قيل بيوحنا الرائي: "يملك معه ألف سنة" (رؤ 20: 6)، لأن ملك الكنيسة المقدسة يتم حيث يصير كاملاً في مجموعه...

الآن من يناضُل مع الله لا يُنتسب إليه، بل ينسب لنفسه مجد صلاحه. ليت الإنسان القديس يعتبر أن ما قد ناله فعلاً حتى أعظم العطايا أهمية إنما إذا تمجد إنما بسبب ما ناله كهبة... وليقل: "من يحاججه لا يقدر أن يجيب واحد عن ألف". لأن من يناضل مع خالقه يعجز عن الإجابة عليه عن واحد من ألف. فإن الإنسان الذي يضع نفسه في موضع الكمال يبرهن على أنه ينقصه حتى بداية الحياة الصالحة نفسها.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "إن كنت تراقب الآثام يا رب، يا رب فمن يقف؟" (مز 3:130). بمعنى أن كل أحدٍ يقول: "أنا خاطي، إني مملوء بخطايا بلا حساب، لا أقدر أن أقترب إلى الله وأصلي وأدعوه"... إنه مستحيل بالنسبة لأي أحدٍ أن يقدم حسابًا دقيقًا عن شئونه، وإنما يطلب الرحمة والحنو. نقول هذا، لا لنسحب النفوس إلى عدم المبالاة، بل لنقدم تعزية لأولئك الذين سقطوا في اليأس. "من يقول: إني زكيت قلبي، وتطهرت من خطيتي" (أم 9:20) فليتذكر: "من يثق في أنه حرٌ من الخطايا؟[380]"

القديس يوحنا الذهبي الفم

هُوَ حَكِيمُ الْقَلْبِ وَشَدِيدُ الْقُوَّةِ.

مَنْ تَصَلَّبَ عَلَيْهِ فَسَلِمَ؟ [4]

إن تجاسر أحد وأصر على عناده وتمرده على الله، حتما يجني ثمر حماقته. كل الذين تحدوا ولم يتوبوا لم يسلموا، ولا وجدوا سلامًا في أعماقهم، وراحة في طريقهم، ونجاحًا في أعمالهم. كل مقاومة الله تشبه العشب أو الشوك الذي يتحدى النار فيحترق ويهلك (إش 27: 4؛ حز 28: 24).

الملائكة الذين تصلبوا على الله لم يسلموا (2 بط 2: 4). وإذ حارب التنين الله طُرح إلى الأرض (رؤ 12: 7-9). هكذا الخطاة المتمردون "يذخرون لأنفسهم غضبًا في يوم الغضب" (رو 2: 5).

إنه لجنون مطبق أن يقف الإنسان ليقاوم الله أو يناضل ضد الكلي الحكمة والقدرة، العارف بكل شيء والقادر على كل شيء.

من يريد السلام الحقيقي لا يدخل في خصومة مع الله، بل يقبل السيد المسبح الذي هو سلامنا، يهبنا المصالحة مع الله أبيه، ومع نفوسنا ومع إخوتنا، بل ومع الطبيعة نفسها.

v     "فإنه هو حكيم في القلب، وقدير في القوة". أي عجب إن دعونا خالق الحكماء حكيمًا، هذا الذي نعرف أنه الحكمة ذاتها؟ وأي دهشة أن يصفه بـ "القدير"، حيث أنه هو القدرة ذاتها؟ لكن القديس إذ يسَّبح الخالق بهاتين الكلمتين ينقل إلينا المعنى حيث يدعونا أن نرتعب عند معرفتنا لأنفسنا. فإن الله يدعى "الحكيم" إذ يعرف تمامًا أسرار قلوبنا، كما يضيف "القدير"، إذ معروف أنه يضربهم بقوةٍ. لذلك فإنه لا يُخدع بواسطتنا إذ هو حكيم، ولا نقدر أن نهرب منه لأنه قوي...

"من يقاومه ويكون له سلام؟" لأن خالق كل الأشياء بطريقة عجيبة هو نفسه يديرها، حتى إذ خلقت تعمل معًا في تناغمٍ. لهذا فإن أية مقاومة ضد الله تكسر التناغم معًا في سلام، ولا يمكن إدارة هذه الأمور حسنًا، إذ تفقد الإدارة التي من فوق. إن خضعت هذه الأمور لله تستمر في السلام، وإن تركت لذاتها تعمل في تشويش... أب الجنس البشري الأول إذ عصى وصية خالقه تعرض لغطرسة الجسد، وإذا لم يخضع لخالقه في طاعة له، ينحط بذاته حتى يفقد سلام الجسد...

الآن يُقال إننا نقاوم الله حينما نعارض تدبيره. ليس أن ضعفنا يقاوم قراراته غير المتغيرة، ولكن ما يفعله ضعفنا ليس فيه قوة لإتمامه. لكن إن حاول الضعف البشري غالبًا ما يعرف قوة تدبيره، ومع هذا يهدف نحو معارضته قدر استطاعته.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     من يطلب السلام يطلب المسيح، إذ هو السلام[381].

القديس باسيليوس الكبير

v     يقول: "(المسيح) هو سلامنا" (أف 14:2). يدعوه في موضع آخر وسيطًا. إنه بإرادته يتوسط بين مجالين منقسمين.

النفوس المولودة من ينبوع صلاح الله، حُجزت في العالم. وُجد حاجز في الوسط، نوع من السياج. حاجز من صنع خداعات الجسد والشهوات العالمية. والمسيح بسٌَره، بصليبه وآلامه وطريق حياته، حطم هذا الحاجز. لقد هزم الخطية وعلَّم أنه يلزم تحطيمها.

نزع الحاجز من الوسط. لقد غلب العداوة في جسده. العمل ليس عملنا نحن. لم نُدع لنحرر أنفسنا.

الإيمان بالمسيح هو خلاصنا[382].

الأب ماريوس فيكتورينوس

الْمُزَحْزِحُ الْجِبَالَ وَلاَ تَعْلَم،

الَّذِي يَقْلِبُهَا فِي غَضَبِه ِ[5].

كثيرًا ما نتطلع إلى الجبال في الطبيعة فنظنها ثابتة ومستقرة، ليس من يقدر أن يحركها أو يزحزحها، لذا دُعيت "الجبال الدهرية" (حب 3: 6)، وتبدو الشمس والمسكونة بقوانينها ثابتة، لكن عندما يشاء الرب السماء والأرض تزولان، وأيضًا الجبال تتزحزح بكلمة منه. إلهنا هو "المزحزح الجبال ولا تعلم"، أي إن أرادت أو لم ترد. هو إله المستحيلات،  أمامه ارتعد جبل سيناء (مز 68: 7)، وقفزت الجبال (مز 114: 4)، واندكت أو تبددت الجبال الدهرية (حب 3: 6).

"تهتز الجبال من أساسها مع المياه، والصخور كالشمع تذوب أمام وجهك" (يهوديت 18:16).

"ارتجفت الأرض وارتعشت، أسس الجبال ارتعدت وارتجت، لأنه غضب" (مز 7:18)

"ذابت الجبال مثل الشمع قدام الرب، قدام سيد الأرض كلها" (مز 5:97)

"يمس الجبال فتدخن" (مز 32:104).

"الجبال قفزت مثل الكباش، والآكام مثل حملان الغنم" (مز 4:114).

"انزل ألمس الجبال فتدخن" (مز 5:144).

v     ما هي الجبال التي جعلها الرب تشيخ؟ إنها موسى وهرون ويشوع بن نون وجدعون والأنبياء وكل رجال أسفار العهد القديم. لقد جاء الرب يسوع، واحضر العهد الجديد، وما قد صنعه (قبلاً) صار قديمًا. تجدد المسيحي وشاخ اليهودي؛ النعمة تجددت، والحرف شاخ. لقد تزحزحت الجبال وانتقلت. نعم لقد زحزح المفهوم الذي بحسب الحرف، وهدمه، وأقام الإدراك الذي بحسب الروح. لهذا فإن فهم الناموس حسب الجسد قد عبر وصار الناموس روحيًا. لهذا يقول الرسول: "فإننا نعلم أن الناموس روحي، وأما أنا فجسدي" (رو 7: 14). ولكن هو نفسه الذي كان جسديًا صار روحيًا، كما يؤكد الرسول قائلاً: "أظن إني أنا أيضًا عندي روح الله" (1 كو 7: 40). هكذا جعل يسوع هذه الجبال تشيخ ولم يعلم اليهود ذلك. حقًا لو عرفوا ذلك لما صلبوا رب المجد، ولما اتبعوا الخرافات اليهودية[383].

القديس أمبروسيوس

v     نقول إن اليهود، بالرغم من سابق تمتعهم بعطف الله إذ كانوا محبوبين منه أكثر من غيرهم، إلا أن هذا التدبير والنعمة الإلهيين قد تحولا إلينا، عندما نقل يسوع السلطان العامل بين اليهود إلى مؤمني الأمم[384].

v     عندما خاطب يسوع اليهود بقوله: "ملكوت الله ينزع منكم، ويُعطي لأمة تعمل أثماره" (مت 21: 43)، فأي تدبيرٍ آخر كان بسلطانه الإلهي مزمعًا تقديمه، غير أنه دفع الكتاب اليهودي بأكمله – الذي كان يتضمن أسرار ملكوت الله- إلى دائرة الضوء[385].

v     نحن الذين نُقلنا من الناموس والأنبياء إلى الإنجيل، قد أعيد ختاننا (يش 7:5) (بالصخرة) التي هي المسيح (1 كو 4:10)، فتحققت فينا كلمة الرب ليشوع، "اليوم قد دحرجت عنكم عار مصر" (يش 9:5)[386].

العلامة أوريجينوس

v     يقول: الجبال لا تعرف ذلك. وكما قال داود: "يمس الجبال فتدخن" (مز 104: 32). يتحدث في هذه العبارة عن قدرة الله قائلاً إنه قادر أن يفعل كل شيء في قوة غضبه. فإن أيوب يقدم شهادة عن عدله، كما يقدم شهادة أيضًا عن قوته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "يستخدم الجبال وهي لا تعلم، الذي يقلبها في سخطه". "يستخدم" الجبال المنظورة بالحق عندما يريد أن يغير وجه الخليقة المنظورة. لكنه ليس بالأمر العجيب لهذه (الجبال) التي لا تعرف أنها "تُستخدم"، لأنها لم تُمنح عقلاً مثل الكائنات البشرية والملائكة الأحياء. لذلك يدعو أيوب قوة الشياطين المتعجرفة جبالاً. لهذا فإن إرميا النبي يدعو الواشي (إبليس) "جبل الفساد الذي يفسد كل الأرض" (إر 28 [35]: 25). لأن فساد الشياطين خسيس. فمع أنهم مملوءون خداعًا لا يستطيعون أن يبلغوا أفكار الله، إذ يريد أن يخفي أفكاره عنهم، ولا أدركوا السقوط الذي حل بهم. ما يقوله بولس هو مثال لهذا: "لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر، ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون، بل نتكلم بحكمة الله في سرٍّ. الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا. التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر، لأن لو عرفوا لم صلبوا رب المجد" (1 كو 2: 6-8).

ذاك الذي يستخدم هذه (القوات) في صراعات سرّ الصلب، هو نفسه الذي خلقهم (كو 1: 16)، وأهلكهم (عا 3: 14)، وليس فقط أهلكهم بل و"في غضبه" دمر مذابحهم، وبدد هياكلهم، وأتلف تماثيلهم. في نصرة، نزع مجدهم (كو 2: 15)، فإنه ليس فقط اغتصبت الشياطين المجد (رؤ 13: 4-8)، إذ كان يجب ألا يفعلوا هذا، إنما أيضًا أفسدوا البشرية معهم. ولكن في أي وقت يحل بهم الدمار الحقيقي العادل، كما في سخطٍ كاملٍ؟ عندما ينتهي هذا العالم المنظور. على أي الأحوال، إن قلتم، كيف يفعل هذا؟ فستتعلمون ذلك من الآتي: “المزعزع الأرض من مقرها" [6].

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

الله في محبته للبشرية يقيم من مؤمنيه الحقيقيين جبالاً مقدسة ثابتة، تكون كجبل سيناء حيث يظهر عليه الرب ويقدم شريعته لموسى، أو كجبل تابور حيث يتجلى عليه في وسط كنيسته التي تضم رجال العهد القديم، ممثلين في موسى وإيليا، ورجال العهد الجديد ممثلين في بطرس ويعقوب ويوحنا. من الجانب الآخر فإن الأشرار المقاومين للرب، غير الخاضعين له، وإن كانوا يظنون في أنفسهم أنهم جبال راسخة، فإن أساساتهم ترتعد أمام الرب في غضبه، وبرجزه يرجفهم، يمسهم بغضبه فيدخنون. تقفز مثل الكباش من أمام وجهه، وتذوب كالشمع أمام النار.

v     "ارتجت الأرض وارتعشت" (مز 7:18). عندما تمجٌَد ابن الإنسان هكذا ارتج الخطاة وارتعشوا. "أسس الجبال ارتعدت" (مز 7:18)، فإن رجاء المتكبرين الذين كانوا في هذه الحياة قد ارتعد. "وارتجت لأنه غضب". هذا هو الرجاء في البركات الزمنية، لم يعد بعد متأسسًا في قلوب الناس[387].

v     "ذابت التلال مثل الشمع قدام الرب" (مز 5:97). من هم التلال؟ المتكبرون. كل شيء يرتفع ضد الله خلال المسيح والمسيحيين يرتعب ويخضع... أين تشامخ القوات؟ أين قسوة غير المؤمنين؟ كان الرب بالنسبة لهم نارًا، فذابوا عند حضرته مثل الشمع. كانوا قساة حتى عملت النار.

القديس أغسطينوس

v     "ذابت الجبال مثل الشمع" (مز 5:97). بالنسبة لي تبدو الجبال أنها قوات الشياطين. سواء كانوا جبالاً أو لا يكونون، فهم بالتأكيد الناس المتكبرون.

هذه النار لا تهلك الذين في الأسفل (المتواضعين) وإنما تهلك المتشامخين وحدهم. كحقيقة واقعة فإن البرق نادرًا ما يؤثر على الذين هم في الوادي، وإنما لن ينجو منه أولئك الذين في الأعالي على الجبال.

القديس جيروم

يقدم لنا القديس أمبروسيوس مفهومًا رائعًا عن زحزحة الجبال وهي لا تعلم، فإنه إذ جاء إلى العالم حرك الجبال المقدسة، حيث حرك مفاهيمنا عن موسى النبي مستلم الشريعة وعن الأنبياء ورجال العهد القديم. حركها من الفكر اليهودي الحرفي لنتسلمها نحن بالروح خلال الإنجيل. فمع تمسك اليهود بالشريعة والآباء والأنبياء، لكنهم لا يعلمون سٌر الله وحكمته الخفية، لأنهم لا زالوا يرونهم خلال البرقع الموضوع على وجه موسى. لقد تحرك هذا كله ليكون نصيبنا، فندرك ونعلم سٌر خطة الله الأزلية وحكمته الفائقة وتدبيره لخلاصنا. هذا ما كان يعتز به الرسول بولس بعدما التقى بالسيد المسيح وتزحزحت الجبال بالنسبة له، وصارت له دراية بالسٌر الإلهي، فلم يستطع أن يصمت.

"الذي بحسبه حينما تقرأونه تقدرون أن تفهموا درايتي بسٌر المسيح" (أف 4:3).

"ليفتح الرب لنا بابًا لنتكلم بسٌر المسيح" (كو 3:4).

"لكي تتعزى قلوبهم مقترنة في المحبة لكل غنى يقين الفهم لمعرفة سٌر الله الآب والمسيح" (كو 2:2).

"وأنير الجميع في ما هو شركة السرّ المكتوم منذ الدهور في الله خالق الجميع بيسوع المسيح" (أف 9:3).

الْمُزَعْزِعُ الأَرْضَ مِنْ مَقَرِّهَا،

فَتَتَزَلْزَلُ أَعْمِدَتُهَا [6].

إن كانت الأرض تبدو كأنها مستقرة على أعمدة ليس من يقدر أن يزعزعها، فإنها بأمر خالقها تتزعزع، وليس ما يوجد من يدعمها.

من الجانب الرمزي، رأينا أن الجبال تتزحزح بمعنى أن المتشامخين الذين يسكنون قمم الجبال يتعرضون للدمار خلال البروق الإلهية. هذا ومن جانب آخر، فإن الناموس والآباء والأنبياء هم جبال مقدسة عالية، تتحرك من أيدي اليهود الحرفيين في  فهمهم إلى أبناء العهد الجديد الذين انكشفت لهم الحكمة الإلهية، وتعرٌفوا على سٌر المسيح المكتوم. بنفس المنطق بالنسبة للأرض فإنها تشير إلى الأشرار الذين صاروا ترابًا كأبيهم آدم الأول، حيث قيل له: أنت تراب، وإلى التراب تعود". الآن إذ نزل السماوي إلى أرضنا، وحل بيننا، صار كواحدٍ منا، صرنا نتمتع بالحياة السماوية، فنسمع الصوت الإلهي: "أنت سماء وإلى السماء تعود".

وحل بيننا، وصار كواحدٍ منا، صرنا نتمتع بالحياة السماوية، فنسمع الصوت الإلهي: "أنت سماء وإلى السماء تعود".

v     قائد المئة الغريب يعرف، بينما اللاوي الذي من خاصته لم يعرف. الأممي سجد له، والعبراني جحده. لهذا فإنه ليس بالأمر غير المعقول أن أعمدة العالم قد تحركت (أي 9: 6) عندما لم يؤمن رؤساء الكهنة.

لقد تحركت الأعمدة لكي تحتل مكانها أعمدة جديدة. كما لو ان الله نفسه حسب ذلك لائقًا أن يقول:" أنا أقمت أعمدتها" (مز 75: 3). تعلموا أية أعمدة أقامها: "يعقوب وصفا ويوحنا المعُتبرون أنهم أعمدة أعطوني وبرنابا يمين الشركة" (غلا 2: 9)[388].

القديس أمبروسيوس

v     بالأواني والدلو يكيل الماء الخارج من الينابيع الطبيعية، أما الماء النابع من الينابيع الروحية فإنه يقاس بفهمنا ورغبتنا المتقدة ووقارنا، بهذا نقترب إليها. من يسلك بهذا الترتيب يحمل في الحال بركات لا تعد، حيث تعمل نعمة الله فيه بطريقة غير منظورة، وتخفف عبء ضميره ، وتأتى به إلى آمان وفير، وتعده بعد ذلك لكي ينسحب من شاطئ الأرض، ويحمل مرساة السماء. فإنه يمكن للإنسان الذي لا يزال يحتضن جسده ألا يكون له شيء يتعلق بالأرض، بل يضع أمام عينيه كل مباهج السماء ويتأملها بلا انقطاع[389].

v     أريدكم أن تحفظوا أذهانكم في هذه الأمور على الدوام (كو 1:3). فإن اهتمامنا بها يحررنا من الأرض وينقلنا إلى السماء[390].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     يحق لنا أن نكون هناك في حضرة الله في السماوات، نحن الذين حفظنا الدرس بينما كنا على الأرض، وذهبنا هناك إلى السماء كي نكون في محبة الله الآب، ذاك الذي عرفناه ونحن على الأرض، ولأن الله الكلمة القدوس صنع كل شيء وعلمنا ويعلمنا كل شيء، وهو يدربنا في كل الأمور الصالحة[391].

القديس إكليمنضس السكندري

v     ترك إبراهيم مدينته وأقاربه بناء على أمرٍ إلهي، لكن هجرته كانت تناسبه كنبي، هدفها طلب معرفة الله.

 بالحق لم تكن هجرة جسدية – كما أظن – إنما كانت تُعدهُ لمعرفة تلك الأمور التي تكتشفها الروح.

بتركه وطنه، أي خروجه من ذاته، خارج دائرة الأفكار الدنيئة والأرضية، رفع إبراهيم ذهنه قدر المستطاع فوق الحدود العامة للطبيعة البشرية، وتخلي عن ارتباط النفس بالحواس.

هكذا إذ لم تعقه تعلقات الحواس، صار عقله نقيًا، يدرك ما هو غير منظور، ولم يعد السمع والنظر يسببان لذهنه خطأ بسبب المظاهر[392].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

v     عندما تتحقق إرادة الله بواسطتنا نحن الذين على الأرض كما تتحقق في الذين هم في السماء نتشبه بالسمائيين إذ نحمل مثلهم صورة السماوي (1 كو 49:15) ونرث ملكوت السماوات (مت 34:25). ويأتي الذين بعدنا وهم على الأرض يصلون لكي يتشبهوا بنا إذ نكون نحن في السماء (الفردوس) [393].

العلامة أوريجينوس

v     يجب أن تتوقوا إلى السماء، والأمور التي في السماء، بل حتى قبل السماء، فقد أمرنا أن نجعل الأرض سماءً، وأن نتصرف ونتحدث في كل الأمور كما لو كنا نتحدث هناك، بينما نحن على الأرض. هذا أيضًا يجب أن يكون غاية صلاتنا التي نقدمها للرب. فلا شيء يُعيق وصولنا إلى كمال القوى العلوية لأننا نقطن على الأرض؛ إنما من الممكن حتى ونحن نسكن هنا أن نفعل كل شيء كما لو كنا قاطنين سلفًا في الأعالي[394].

v     حقًا لقد جاء السيد ليُلغي الأمور القديمة ويدعونا إلى وطن أعظم.

إنه يصنع كل شيء ليعتقنا من الأمور غير الضرورية، ومن عاطفتنا نحو الأرض. لهذا السبب أشار إلى الوثنيين أيضًا قائلاً: "إن هذه كلها تطلبها الأمم" (مت 33:6)؛ التي تقدم تعبها كله من أجل الحياة الحاضرة، ولا تبالي بالأمور المقبلة، ولا بأي فكر سماوي[395].

القديس يوحنا الذهبي الفم

الآمِرُ الشَّمْسَ فَلاَ تُشْرِقُ،

وَيَخْتِمُ عَلَى النُّجُومِ [7].

لا يتوقع أحد ما ألا تشرق الشمس في موعدها، إذ وضع لها الرب قوانين ثابتة. لكنه إن شاء فلا تشرق. مرة أمر أن تقف لخدمة شعبه فوقفت (يش 10: 12). ما حدث في أيام يشوع بن نون يعلن عمل الله العجيب خلال خدامه، وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [إن كانت الشمس قد توقفت في جبعون، والقمر في وادي إيلون إلاَّ أن هذا العمل ليس عمل ابن نون، بل عمل الرب الذي سمع الصلاة، هذا الذي انتهر البحر، وعلى الصليب جعل الشمس تظلم (مت 27: 45)[396].]

مرة أخرى طلب الله أن تتراجع الشمس فأطاعت الأمر الإلهي (2 مل 20: 9). هكذا أيضًا بالنسبة للنجوم فهو وحده يقدر أن يختمها أو يخفيها عن أعيننا.

الله بإرادته يحفظ نظام سير الطبيعة كامتداد لعملية الخلق، وكعمل من أعمال عناية الإلهية.

الْبَاسِطُ السَّمَاوَاتِ وَحْدَهُ،

وَالْمَاشِي عَلَى أَعَالِي الْبَحْرِ [8].

الله الذي خلق الكون يحفظ ناموس الطبيعة فتبقى السماوات مبسوطة، وبدون عنايته لانهار نظامها. إنه يطأ البحار بقدميه ويمنعها من أن "ترجع لتغطي الأرض" (مز 104: 9). إنه يسير على الأمواج الهائجة، معلنًا أنه وحده يهدئ كل أمواج التجارب الثائرة ضدنا.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه ليس من وجه للمقارنة بين ما فعله موسى النبي أثناء عبور البحر الأحمر وسير السيد المسيح على الماء. فما فعله موسى مارسه كخادمٍ خلال الصلاة, أما السيد المسيح فبسلطانٍ مطلقٍ. عندما هبت الريح عبروا تحت قيادة موسى على أرض جافة وسط البحر (خر 14: 21), أما السيد المسيح فسار على سطح البحر كما على طريقٍ، ليشهد عن ما ورد في الكتاب المقدس "السائر على البحر كما على رصيف"[397].

v     "الباسط السماوات وحده" [8] بماذا يشير بالسماوات إلا إلى الحياة السماوية ذاتها التي للكارزين، الذين قال عنهم المرتل: "السماوات تعلن مجد الله" (مز 19: 1).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     يعلمنا إنجيل الرب أنه ليس الآب بل الابن هو الذي مشى على البحر عندما سأله بطرس قائلاً: "مرني أن آتي إليك على الماء" (مت 28:14)[398].

v     إنه الرب الذي يختم ويحصي حشد الكواكب (أي 9: 6). هو وحده الذي يبسط السماء، وقد سار على البحر كما على رصيف (أي 9: 8، مت 14: 25).

عندما رآه بطرس يسير قال: "يا سيد، مرني أن آتي إليك علي الماء" (مت 14: 28). أمره الرب، لكنه تردد وكاد أن يغرق ويهلك بين الأمواج، لولا أن الرب بسط يمينه إليه (مت 14: 29-31). الجسد ترنح، ويمين الرب أنقذت. وقال له الرب: "يا قليل الإيمان، لماذا شككت؟" (مت 14: 31) إنه الإيمان هو الذي مشى في شخص الرسول، وليس الجسد[399].

القديس أمبروسيوس

v     من كان قادرًا أن يمشي على البحر إن لم يكن خالق المسكونة؟

بالحق قال عنه بالروح القدس الذي نطق قديمًا جدًا خلال الطوباوي أيوب: "الباسط السماوات وحده، والماشي على البحر كما على الأرض".

قيل عنه في شخص الحكمة: "سكنت في الأماكن العلوية، وعرشي كان في عمود سحاب" (سيراخ 4:24-5).

بالمثل أعلن داود في المزمور: "في البحر طريقك يا الله، وسبلك في المياه الكثيرة" (مز 19:77) لاحظ أيضًا حبقوق: "سير المياه طما، أعطت اللجة صوتها" (حب 10:3)[400].

 الأب خروماتيوس

صَانِعُ النَّعْشِ وَالْجَبَّارِ وَالثُّرَيَّا وَمَخَادِعِ الْجَنُوبِ [9].

هو خالق مجموعات النجوم، وقد ذكر هنا ثلاث مجموعات نيابة عن الجميع: "النعش والجبار والثريا"، ولا يزال يحفظها في الوجود ويوجه تحركاتها، وذلك لخدمة بنى البشر.

يرى القديس غريغوريوس النزينزي أنه عندما يشير الكتاب المقدس هنا إلى النعش والجبار والثريا، يقصد كل الكواكب وعنايته الإلهية بها. وذلك مثلما يشير إلى اهتمامه بفراخ الغربان (مز 8:147) فيعني كل الطيور[401].

"مخادع الجنوب"، أي النجوم التي ترى من جهة القطب الجنوبي ولا يراها من هم في نصف الكرة الشمالي.

يري البابا غريغوريوس (الكبير) في هذه الكواكب معنى رمزيًا للكنائس السبع التي هي الكنيسة الجامعة، هذه التي رآها القديس يوحنا الحبيب كسبعة منائر. إنها تتمتع بعطايا النعمة الإلهية السبع، أشعتها تشرق بنور الفضيلة الصادر عن الحق.

v     يشير بالنعش والجبار والثريا ومخادع الجنوب إلى كل مجموعة كواكب السماوات وكل ما يوجد هناك... حتمًا يتحدث أيوب عن كل نوع من المعجزات التي تمت بواسطة الله. على أي الأحوال إنه يتحدث بالأكثر عن التدابير التي تحققت من أجلنا، فإنها بالتأكيد تدابير إلهية سامية تفوق الطبيعة. إنها غير مدركة، لأنها أعلى جدًا من أن يبلغ إليها روح بشري. وهي مجدية لأن الله يتقبل العبادة من الخلائق هنا من أسفل، وتلك التي هي في العلا المملوءة بأعمال عجيبة... لقد أعلن لنا يوحنا اللاهوتي: "وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع إن كُتبت واحدة فواحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة" (يو 21: 25). ليس فقط لأنها فوق كل عدد، وإنما لأن أعماله سامية، وأن أذان هذا العالم تعجز عن تقبلها.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

فَاعِلُ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ،

وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ [10].

هنا يكرر أيوب ما سبق أن قاله أليفاز حرفيًا، أرجو الرجوع إلى تفسير أيوب 5: 9.

هُوَذَا يَمُرُّ عَلَيَّ وَلاَ أَرَاهُ،

وَيَجْتَازُ فَلاَ أَشْعُرُ بِهِ [11].

أعمال الله فائقة، يعمل معنا وحولنا وفينا دون أن نراه (أع 17: 23). إدراكنا المحدود يعجز عن معرفة تحركاته لأجلنا، لذا يصعب علينا بل ويستحيل تقييم تصرفاته حتى الظاهرة، لأننا لا ندرك ما هو وراءها. ليس من حقنا أن نعلق على تصرفاته، أو نظن أننا قادرون على تفسيرها.

v     إذ حُرم الجنس البشري من الفرح الداخلي وذلك بسبب الخطية، فقد بصيرة الذهن، ولا يستطيع أن يخبر أين تسير هذه الأمور.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "إذ يرتفع (الله) عليّ لا أراه، وإذ عبر بي لا أعرف أيضًا هذا". الله يرتفع فوق كل واحدٍ منا، عندما يرجئ الحكم الذي علينا. ومن جانب آخر يعبر بنا، أي يعبر في وسطنا... في المقام الأول لا نقدر أن نراه بعيون جسدنا، وثانيًا لا نستطيع أن نبلغ إليه بروحنا، لأن ما يشكله رقيق للغاية ليس فقط بالنسبة للعيون، وإنما حتى بالنسبة للأرواح.

v     إنه يعبر خلال أذهاننا، لكن من الواضح أن عبوره تم خلال حياتنا حيث عبر بطريق تدبير تجسده وآلامه على الصليب وقيامته المجيدة... وفوق هذا كله من يقدر أن يعرف كيف كان هو إنسانًا والله (في نفس الوقت)؛ كيف تألم وحطم الألم؛ كيف ذاق الموت كإنسان، وكإله أخضع الهاوية وحطم الموت (1 كو 15: 54؛ 2 تي 1: 10؛ 1 بط 3: 22).

إنه ذاك الذي حرر البشرية من تلك اللعنة ومن شر الخطية (رو 8: 2)، ولم يستطع أحد أن يخفف من الأثقال التي علينا التي حررنا هو منها.

لا يستطيع أحد بعد أن يقول له: "ماذا تفعل؟" أو لماذا تبرر الخطاة، وتُدخل - تحت البركة - ذاك الذي كان تحت تهديد اللعنة (غل 3: 13-14؛ تث 21: 23). لقد فعل هذا أولاً بكونه الله، بالقوة التي تخصه بكونه الله، إذ عمل بسلطانٍ، إذ دفن دين خطايانا في الأرض (كو 2: 14)، لذلك يضيف: "يرد غضبه" هذا الذي كان ضدنا.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن هذا حال الإنسان الذي يشعر بالعزلة عن الله. لقد عبر به ووهبه خبرة الطهارة، لكنه بعد ذلك سقط تحت مرارة تجارب الجسد، هذه التي تحوط بالذهن، وتحتشد به، فتصير العين الداخلية غير طاهرة، وبالتالي عاجزة عن رؤية الله. هذا بسماح من الله لكي يتواضع الذهن ويطلب العون الإلهي.

v     إذ يجد الذهن نفسه تحت التجربة ضعيفًا يلجأ إلى طلب عون الكائن الإلهي، ويتوقف تمامًا عن اعتماده على ذاته. وهكذا يحدث أن يعبر، فيلصق الذهن ذاته بالله في أكثر عمق، وذلك بذات المركبة التي بها صار في حزنٍ لسقوطه وبُعدِه عن الله.

لذلك فإن دخول الله وخروجه لا يمكن اكتشافه تمامًا بقدراتنا مادام موضع تناوب حالنا (من دخول الله وخروجه) مخفيًا عن أعيننا. كمثال لا يوجد تأكيد معين أن تجربة ما هي لاختبار الفضيلة أم هي أداة لتدميرنا.

أما عن العطايا، فإننا لا ندرك قط إن كانت هي مكافآت عن أعمال مارسناها، أم هي سند في طريق الإنسان إلى وطنه (السماوي).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     عندما تعرض الرسول لمعرفة الأمور الإلهية - في رسالته إلى أهل كورنثوس - أكد أن معرفته - بالرغم مما ناله منها- لا تزال محدودة وغاية في الضآلة. إذ قال: "فإن كان أحد يظن أنه يعرف شيئًا، فإنه لم يعرف شيئًا بعد كما يجب أن يُعرف" (1 كو 8: 12).

لقد أكد لنا أننا الآن نعرف بعض المعرفة، أما الجانب الأعظم منها فسنعرفه في الدهر الآتي: "لأننا نعلم بعض العلم، ونتنبأ بعض التنبؤ، ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض" (1 كو 13: 9-10).

وعندما أراد توضيح الفارق بين معرفتنا هنا ومعرفتنا في الحياة الأخرى لجأ إلى هذا التصوير: "لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم، وكطفلٍ كنت أفطن، وكطفلٍ كنت أفتكر، ولكن لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل. فإننا ننظر الآن في مرآة، في لغز، ولكن حينئذ وجهًا لوجه" (1 كو 13: 11-12).

هل لمست مدى الفارق بينهما؟ إنه كاختلاف معرفة الطفل الصغير عن معرفة الرجل الناضج، وكاختلاف الرؤية في مرآة عن التطلع وجهًا لوجه، إذ تشير المرآة إلى التعبير العميق لكن في غموض!... فلماذا إذن لا نصدق قول بولس: "من أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله؟ ألعل الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا؟!" (رو 9: 20)

تأمل كيف يليق بنا الخضوع لإرادة الله في صمت!

إنه بلا شك لا يقصد بقوله هذا أنه يود أن يفقدنا إرادتنا. حاشا! لكنه يؤكد أنه ينبغي على الباحث الالتزام بالصمت، كالطين في يدَّ الخزاف لا يقاوم ولا يجادل. وقد ذكر الخزاف والطين ليذكرنا بطبيعتنا، فإنهما في درجة واحدة من حيث وجودهما (لأن الخزاف مخلوق من التراب) ومع هذا يخضع الطين للخزاف، فأية مغفرة يترجاها الإنسان وهو يتجاسر بتهور مجادلاً إرادة الله جابله، مع أن الفارق بينه وبين الوجود ذاته لا نهائيًا؟!

أذكر أيها الإنسان من أنت؟

ألست طينًا وترابًا ورمادًا؟

ألست بخارًا؟

ألست عشبًا؟ ألست زهرة عشب؟

هكذا يتسابق الأنبياء في رسم صور قدام أعيننا للتعبير عن حقيقة وجودنا. أما الله الذي تود أن تخضعه لفضولك الطائش فهو لا يخضع للموت أو التغيير. إنه سرمدي لا بداية له ولا نهاية، غير مدرك، فائق لكل فهم وكل منطق، غير موصوف ولا منظور! هذه الصفات التي لا نقدر إدراكها أنا وأنت أو حتى الرسل والأنبياء، بل ولا القوات السمائية – بالرغم من طهارتها غير المنظورة وروحانيتها ومعيشتها في السماء على الدوام[402].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إِذَا خَطَفَ فَمَنْ يَرُدُّهُ،

وَمَنْ يَقُولُ لَهُ: مَاذَا تَفْعَلُ؟ [12]

الله صاحب السلطان، ليس من خليقة لها أن تراجعه فيما يعمل. نضع ثقتنا فيه، ونقبل مشيئته، حتى وإن بدت مُرة بالنسبة لنا. إذا خطف حتى نفوسنا من يقدر أن يقاومه، أو يدخل في مناقشته؟ من يقول له: ماذا تفعل؟ أو لماذا تفعل هكذا؟ (را 4: 35).

v     "إن أراد أن يهلك فمن يرده، ومن يقول له: ماذا تفعل؟"

"من يرده؟" أي من ينقذنا؟ لا يستطيع أحد أن يقول: "ماذا تفعل؟" أولاً لا يجسر أحد على ذلك، ولا يكون أحد هناك لأن النتائج تحمل شهادة ذاتية.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     يلزم تكريم أعمال خالقنا على الدوام دون فحصٍ، فإنها لن تكون ظالمة.

فإن من يبحث عن علة مشورته السرية لا يُحسب هذا إلا مقاومة من الإنسان ضد مشورته في كبرياءٍ.

فعندما لا يمكن للإنسان أن يكتشف دافع أعمال الله يلزمنا أن نصمت في تواضعٍ، خاضعين لأعماله، لأن الحواس الجسدية ليست على مستوى يمكنها أن تخترق أسرار جلاله...

يضيف فيما بعد بولس: "ألعل الجبلة تقول لجابلها: لماذا صنعتني هكذا؟" (رو 9: 20)

البابا غريغوريوس (الكبير)

يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على قول أيوب: "من يقول له: ماذا تفعل؟" قائلاً بأنه لا يستطيع أحد أن يقاوم غضب الله. مع هذا فالكتاب المقدس يقدم لنا عدة أمثلة لوقوف بعض رجال الله أمام غضب الله.

لقد قاوم موسى النبي غضب الله حين وقف يشفع في الشعب الساقط، قائلاً: "والآن إن غفرت خطيتهم وإلا فأمحني من كتابك الذي كتبت" (خر 32: 32).

أيضًا طلب موسى من هرون أن يأخذ جمرة ويجعل فيها نارًا من على المذبح، ويضع بخورًا، ويذهب مسرعًا إلى الجماعة، ويكفر عنهم "لأن السخط قد خرج من قبل الرب" (عد 16: 46- 48).

كما أطفأ فينحاس غضب الله حين زنى الشعب مع نساء غريبات، فأظهر غيرته بأن طعن الإسرائيلي والمديانية في بطنها فامتنع الوبأ عن بني إسرائيل (عد 25: 8).

وهكذا وقف داود يشفع في شعبه أمام الرب ليرفع غضبه عنهم (2 صم 24).

وطالبنا الحق أن نصلي حتى من أجل أعدائنا ومضطهدينا (مت 5: 33).

هكذا يظهر الله عظمة حبه الفائق للإنسان فإنه وإن عجز أي كائن عن الوقوف أمام غضب الله إلا أنه حتى في غضبه يعلن حبه، فيعطي فرصة للإنسان أن يقتحم محبة الله بتواضعه وتوبته ومحبته لله والناس ولخلاص نفسه؛ فيطلب رحمة لنفسه ويشفع عن إخوته.

يقدم لنا القديس مار يعقوب السروجي صورة رائعة لمقاومة غضب الله، وذلك بالتوبة:

v     قال يونان: ليس من وسيلة لإبطال الغضب، فقد اعتصم الإثم وحلّ الانقلاب ليحطمكم...

قرب الضيق، وصار السقوط على الباب.

الرب أرسلني، ذاك الجبار الحامل الخليقة، لكي أدعو بالانقلاب وبصوت الفزع على أسواركم...

لطمت هذه الأصوات ملك نينوى، وارتعب عندما سمع الأخبار الشنيعة. خاف من يونان أكثر من صفوف الجبابرة. وتذلل الملك المخوف قدام إنسان حقير. قام من كرسيه البهي. وتذلل الملك المخوف قدام إنسان حقير. قام من كرسيه البهي وطرح التاج عنه، ولبس مسوحًا، وأعد نفسه للتوبة...

أدرك أن هذه المعركة ليست كالمعارك المعتادة، فجمع شعبه وحثهم على الجهاد. جمع جنوده وصفهم للطِلبة، وموَّن صفوف الجنود بالصلوات ليسّيج الأبواب. جعل الرجال والنساء والأطفال يمسكون بالصوم، كل واحدٍ حسب قوته ليصطفوا للقتال مقابل الغضب.

قال الملك لجنوده مثل هذه الكلمات: اجتمعوا معًا للطِلبة، فإن قتالاً جديدًا ندخل فيه على غير العادة...

ليس ابن يومٍ واحد يكف عن الجهاد. قتال شديد، لا ترون فيه مللاً. رُضّع اللبن يشتركون معنا هنا بين الصفوف ويسندوننا قبل أن يحل الشر بنا.

 في هذا القتال الصبيان أقوى من الرجال، والأطفال يجاهدون أسهل من الجبابرة.

الأطفال الذين لم يخطئوا في هذه المعركة يخرجون بالألوف ويشتركون معنا، فبهم يصير النضال أفضل.

ها العبراني يجزم ويهدد بهلاكنا، لنعمل لئلا يفرح إذا ما غلبنا. لم يهدأ عن أن يدعو بالغضب على فسادنا. ونحن لن نهدأ حتى ندعو المراحم لخلاصنا. طلب الرجل أن يثٌَبت كلمته لأنه نبي، اتركوه يكرز، وتعالوا نطلب نحن من سيده...

نرجع إلى سيده صاحب السلطان لكي لا يهلكنا. إنه رسول ينطق بما قيل له. في سلطانه أن يكرز لا أن يُهلك، فلا نحزن. لو أن بيده (النبي) الأمر لقلب المدينة. لا نمل، فإن الدمار بيد الرب. ليس بيد النبي أن يبني ويهدم كما يهدد... لكن مقابل صوته نوقظ أصوات التوبة، وندعو بالبكاء، فنُسكت الرجل ونخمده. لا نسأله فإنه لا يطيعنا ويتوقف عن كلامه. لنرسل أصوات آلامنا إلى العلي فهو يخلصنا.

القديس مار يعقوب السروجي

اللهُ لاَ يَرُدُّ غَضَبَهُ.

يَنْحَنِي تَحْتَهُ أَعْوَانُ رَهَبَ [13].

متى غضب ليس من يرده عن غضبه سوى رحمته وحبه. فهو يسحق المتكبرين المقاومين له. وكما جاء في سفر زكريا، "فليسكت قدامه كل البشر" (زك 2: 13). التوبة بتنهداتها ودموعها وتواضعها ترد الغضب الإلهي.

v     التوبة نار تلتهم كل ضعف بشري، تنزع التهاون والكسل وثقل الجسد، وتعطي للنفس جناحًا تطير به نحو السماء، وتظهر لها خلال هذه  القمّة المرتفعة بطلان هذه الحياة الحاضرة.

من لا يرتفع إلى مركز المراقبة لا يستطيع أن يلتقط صورة صادقة للأرض ومحتوياتها. فإن أمورًا كثيرة تظلم مجال الرؤية وتصم الأذنين وتلعثم اللسان. لهذا يليق بالإنسان أن ينتزع نفسه من هذا الصخب، ويبتعد عن الدخان، ويدخل إلى الوحدة ليجد السلام العميق والهدوء والسكون مع الاستنارة.

عندما تركز الأعين على حب اللَّه، ولا تعود تسمع الأذن إلا كلماته وكأنها سيمفونية روحية عذبة، تصبح النفس أسيرة (اللَّه) تشعر بتقزز من الطعام والنوم.

حقًا أن ضجة العالم والاهتمامات المادية تنزلق على النفس لكنها لا تدخل إليها، وبارتفاع النفس هكذا لا تعود تبالي بفرقعات العواصف الأرضية.

وكما أن سكان الجبال لا يعودون يسمعون أصوات المدينة ولا يرون ما يدور فيها، إنما يحسبون هذه كلها أشبه بضجيج مبهم، هكذا الذين تركوا العالم بإرادتهم وانطلقوا يطيرون في مرتفعات الفلسفة (الحكمة) لا يعودون يدركون شيئًا عن أحوال العالم، لأن كل حواسهم متجهة نحو السماء.

إذن لنبحث لا عن وحدة البرية فحسب، إنما عن وحدة الرغبة الداخلية. لنختبئ فوق أعلى قمة النفس حيث لا يسكن فيها شيء أرضي.

إن قوة التوبة كمثل هواء يطرد الغبار ويكتسح الشهوات أسرع من الدخان.

القديس يوحنا ذهبي الفم

v     أية خطايا يمكن للندامة أن تفشل في غسلها؟ أيّة وصمات راسخة لا يمكن لمثل هذه الدموع أن تغسلها؟ باعتراف بطرس الثلاثي مسح إنكاره الثلاثي[403].

القديس جيروم

v     الصلاة الممتدَّة والدموع الغزيرة تجتذبان الله للرحمة.

v     البكاء وحده يقود للضحك المطوَّب.

v     أراد يسوع أن يُظهر في نفسه كل التطويبات، إذ قال: "طوبى للباكين"، وقد بكى هو نفسه لكي يضع أساس هذا التطويب حسنًا[404].

العلامة أوريجينوس

3. عجزه عن أن يحاجج الله

كَمْ بِالأَقَلِّ أَنَا أُجَاوِبُهُ،

وَأَخْتَارُ كَلاَمِي مَعَهُ [14].

يقف أيوب في انسحاق أمام الله معترفًا أنه يعجز عن الدخول في حوارٍ معه. لكن كما يرى كثيرون ركز أيوب أنظاره على ضعفه، فانحدر نحو اليأس، عوض التطلع إلى مراحم الله الفائقة وحبه للبشرية، ونسي أن الله الكلي القدرة يشتاق أن يدخل في حوار مع خليقته، ولم يمنع الشيطان أن يحاوره، كما رأينا في الأصحاحين الأولين من السفر.

v     من الجدير بالملاحظة أن هذا القديس (أيوب) قد عبر إلى دينونة نفسه حتى متى حلت دينونة الله لا تجد فيه شيئا تمسك به. إنه يتطلع إلى ضعفه فيقول: "كم بالأقل أنا أجاوبه، وأختار كلامي معه" [14]. فإنه لا يتكل على برّه الذاتي، بل يلجأ إلى الرجاء وحده في استعطاف الله. لذا أضاف: "حتى إن كان لي شيء من البرً فإنني لا أود أن أجيب، بل أقدم طلبة لدياني [15]. وإذ يدرك استعطاف الله يضيف: "عندما أدعو يجيبني، فإنني أؤمن انه لا يسمع صوتي" [16]. لماذا يتضاءل هكذا... لماذا يرتعب بمثل هذه الريبة المحزنة؟ عيناه مثبتتان على رهبة الديان... فيتضاءل أمام قوة العين الفاحصة. فإن كل ما يفعله يبدو له ضئيلاً.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لأَنِّي وَإِنْ تَبَرَّرْتُ لاَ أُجَاوِبُ،

بَلْ أَسْتَرْحِمُ دَيَّانِي [15].

قد يبرر الإنسان نفسه لأنه لا يعرف حتى حقيقة نفسه، وما بداخله. إنه لا يعرف الأخطاء الخفية التي قد لا يدركها الإنسان نفسه. هذا ما عبَّر عنه الرسول بولس بقوله: "لست أشعر بشيء في ذاتي"، أي لم يكن يشعر بشرٍ متسلط عليه، "لكنني لست بذلك مبررًا" (1 كو 4: 4). هكذا كان يخشى الرسول أنه إن برر نفسه يكشف له خطايا خفية لا يعرفها. هذا ما دفع أيوب أن يطلب الرحمة من الديان فاحص القلوب، ويرتمي على مراحمه لا على استحقاقاته الشخصية.

ما يشغل ذهن أيوب ليس أن يتبرر في أعين الناس، فإنهم وإن كانوا يهينونه ويطرحونه أرضًا، ويسحقونه بأقدامهم، فإن الذي يدينه هو الديان الرحوم، الذي لن يقدر أن يتبرر أمامه بذاته، بل يطلب رحمته وحنوه الإلهي.

v     يقول (أيوب لبلدد): إنك تسب أيوب باطلاً. ماذا تنتفع، وأنت تطأ البار بقدميك؟ إني أرجئ الحكم لله، ملتجئًا إلى عنايته الإلهية وحنوه. إنه لا يصغي إلى ما يقال عني دون أن يفحص؛ لا يخضع لما قيل عني. لا يتهم الله أيوب كخاطئ، بل ولا يصغي لذلك، ذلك للسبب التالي: وإن كنت بارًا بمقارنتي بمن هم أبرار لكنني محتاج إلى نوع من حكم الله من جهتي وشهادة من العلا. إن كانت حياتي تتفق مع الحق الإلهي الذي للديان، فليس من يقدر أن يبطل قوة هذا الحق.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     كل برٍّ بشريٍ لا يحسب برًا لو فحص بأحكام دقيقة... كأنه يقول في وضوح: وإن كان يلزمني أن أنمو في ممارسة الفضيلة، فإنني أكون متقدمًا في الحياة، ليس عن استحقاق ذاتي، بل بنعمة الله الغافرة. لهذا يلزم أن نكون حارين في الصلاة عندما نسلك باستقامة، حتى تصير كل طرق البرّ التي نسلكها مملحة بالتواضع.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لَوْ دَعَوْتُ فَاسْتَجَابَ لِي،

لَمَا آمَنْتُ بِأَنَّهُ سَمِعَ صَوْتِي [16].

يفسر البعض هذه العبارة: إنه إذ آمن سُمعت صلواته، ليس من أجل صلاته نفسها، لكن من أجل اسم الله القدوس الذي آمن به. "لا من أجلكم أنا صانع يقول السيد الرب، فليكن معلومًا لكم" (حز 36: 32).

يري البابا غريغوريوس (الكبير) في حديث أيوب هنا صورة حية للصراع المستمر في حياة المؤمن، فإنه بالنعمة يدعو الله فيستجيب له، حيث يلتهب قلبه بحب الإلهيات لكن وسط هذا السمو العجيب تقتحم الأفكار الزمنية الفكر، فيجد المؤمن نفسه كمن سقط، فيظن أن الله لا يسمع صوته.

v     كثيرًا ما يلتهب الذهن بنار الحب الإلهي، ويرتفع ليرى السماويات والأسرار الخفية. ينتقل الذهن إلى العلا، وُيجرح بالحب الكامل، ويصير متغربًا عن الأمور السفلية؛ لكنه بعد ذلك إذ يُضرب بتجربة مفاجئة تنحني النفس التي سندها الله بهدفٍ واضحٍ، وتُجرح بتجربةٍ تهاجمها. إنها تقف في حيرة تتردد بين الممارسات الصالحة والشريرة، ولا تستطيع أن تخبر أي الجانبين أقوى.

كثيرًا ما يحدث أنها تقف في دهشة كيف تقتني الحقائق العلوية بينما تصارع مع الأفكار الشريرة. مرة أخرى تحتاج أن تعرف كيف تتسلل إليها الأفكار الشريرة بينما تنقلها غيرة الروح القدس بقوةٍ إلى الأمور السامية. هذه الحركات المتناوبة (بين الأفكار السماوية والشريرة) يراها المرتل بحق عندما يعلن: "يصعدون إلى السماوات، يهبطون إلى الأعماق" (مز 107: 26)... يرتعب الذهن من تحركاته هذه، ومن الأمور التي يخضع لها لا إراديًا، حتى يظن في نفسه أنه مطرود ومرذول.

البابا غريغوريوس (الكبير)

ذَاكَ الَّذِي يَسْحَقُنِي بِالْعَاصِفَةِ،

وَيُكْثِرُ جُرُوحِي بِلاَ سَبَبٍ [17].

شعر أيوب بأنه لم يرتكب خطايا غير عادية، مع هذا حدثت له نكبات غير عادية، فقد هبت عواصف التجربة لا لتزعجه وإنما لتسحقه. فقد جرحته النكبات بكثرة بلا سبب.

يرى بعض المفسرين أن أيوب هاجم العدالة الإلهية بقوله "بلا سبب"، لكن البعض يرى أن أيوب كان في ذهول لأنه لم يسقط في تعدٍ صارخ، ولا ارتكب خطية في نظر الناس أنها جريمة كبرى.

v     "ذاك الذي يسحقني بالعاصفة" [17]... دُعيت بالحق "عاصفة"، لأنها تُعلن باضطراب العناصر. وكما يشهد المرتل بقوله: "يأتي إلهنا ولا يصمت؛ نار قدامه تحرق، وحوله عاصف عنيف" (مز 60: 3). يقول نبي آخر أيضًا: "الرب في الزوبعة، وفي العاصف طريقه" (نا 1: 3). في هذه الزوبعة لن ينكسر البار، لأنه يخشى على الدوام ويخاف لئلا ينكسر.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لاحظوا في كلماته أنه لم يقل: "لم يجرحني قط بلا سبب" بل "يكثر جروحي بلا سبب". فإنه ليس بسبب كثرة خطاياه حلت به تلك الجراحات الكثيرة، إنما من أجل امتحان صبره...

مرة أخرى، يقول: "حفظت طريقه ولم أحد، من وصاياه لم أبرح" (أي 23: 11، 12). إنه يحفظ طرق الله ولم يحد عنها إذ لم ينسها، بل كان يتقدم راكضًا فيها، بالرغم من أنه ضعيف، وأحيانا يتعثر ويسقط. ومع هذا فهو يستمر في الطريق، يخطئ أقل فأقل حتى يبلغ حالة الكمال، حتى لا يعود يخطئ[405].

v     قال هذا عن اليهود الذين في اعتدادهم بذواتهم احتقروا النعمة، ولم يؤمنوا بالمسيح أنه يقول بأنهم أرادوا أن يُقيموا برّهم، هذا البرّ الذي من الناموس، لا أنهم ينفّذون الناموس، بل يقيمون برّهم في الناموس، عندما يحسبون في أنفسهم أنهم قادرون على تنفيذ الناموس بقوتهم، جاهلين برّ الله (رو 10: 3)، لا البرّ الذي لله بل البرّ الذي يمنحه الله للإنسان[406].

القديس أغسطينوس

لاَ يَدَعُنِي آخُذُ نَفَسِي،

وَلَكِنْ يُشْبِعُنِي مَرَائِرَ [18].

يتعرض كل إنسان لآلام بين حين وآخر، أما أيوب فلم تتركه الآلام يتنفس، ولم يفارقه المر. وفي هذا كله لم يعرف ما هي العلة.

v     "لا يدعني آخذ نفسي، ولكن يشبعني مرائر" [18]. كثيرًا ما يسمح للتجارب أن تحل بي، فلا أستطيع أن آخذ نفسي. إذ كثيرًا ما يجلب العدو عذابات عليً، "إنني مملوء مرائر". أيضا زوجتي وأصحابي هم الذين يسفهونني بسبهم لي وحديثهم معي بحقدٍ. لهذا أشعر بأن هذا يحل بي من عند الله الذي يسمح له أن يحلّ بي، مع أن في استطاعته أن يمنعه عني. ومع هذا لن أكف عن الشهادة لعدل الله وقوته (مز 71: 19). بعنايته الإلهية يحفظ كل الأمور في يده. لا يجسر إنسان له حس صالح أن يفتري على أحكامه، إذ هي صادر عن البار القدير.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

إِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْقَوِيِّ يَقُولُ: هَأَنَذَا.

وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ يَقُولُ:

مَنْ يُحَاكِمُنِي؟ [19]

يتطلع أيوب إلى الله فيراه دون منازع القوي، ليس من يقدر أن يقف أمامه. هو يتكلم فيفعل (حز 22: 14). أما من جهة القضاء فليس من سلطة أعلى، ولا من محكمة عليا تستمع إلى احتجاج إنسان، هو ديان الكل،  فوق كل الخليقة.

v     "إذ هو قوي يحكم؛ فمن إذن يقاوم حكمه؟" [19]... تعلن لنا الشمس عنه كما تعلن غيرها من المخلوقات، كم هو عظيم وقدير، ولا تقدر أن تعصى أمره (مز 104: 19). كذلك يعلن القمر عنه وهو ينمو (حتى يصير الهلال بدرًا) وينمحق (حيث يتضاءل بعد اكتماله) حسب قانونه. يعلن البحر أيضًا عنه حيث لا يتعدى الحدود المعينة له، ويقاوم الرمل عنف الأمواج.

هذا هو السبب الذي لأجله لا يستطيع أحد أن يقاوم أحكامه، وأن يعصاها. على أي الأحوال، إن كنتم تتحدثون عن الأحكام التي يدين بها البشرية، من له الجراءة أن يقاومه؟ فإن كنتم تتحدثون عن إبراهيم، فقد قال عن نفسه: "أنا تراب ورماد" (تك 18: 27). وداود بنفس الروح قال: "آثامي قد طمت فوق رأسي، كحملٍ ثقيلٍ أثقل مما أحتمل" (مز 38: 4).

إنه لا يكف عن أن يتغنى بقيثارته ما يعلنه إشعياء الشهير: "ويل لي، لأني إنسان بائس، نجس الشفتين، وأنا ساكن بين شعب يحتفظ بتعاليم دنسةه" (راجع إش 7: 5). لهذا يضيف المصارع: "إن بديت بارَا يتدنس فمي" [20] كيف يكون هذا؟ أنصتوا: ليس من السهل عل شخصٍ ما أن يكون بلا لوم في الأعمال والكلمات. لهذا بحق يضيف: "وإن بديت كاملاً، فإني بالتأكيد أحمق".

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     قد يقول قائل: ماذا أفعل؟ كيف أكون نورًا، وها أنا أعيش في الشرور والآثام؟! وبهذا يتطرق إليه اليأس والحزن، إذ ليس لنا خلاص بدون الشركة مع الله، والله نور وليس فيه ظلمة البتة، والخطية ظلمة، فكيف أتطهر منها؟! يكمل الرسول قائلاً: "ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية". يا لعظم هذا الضمان الذي وهبه لنا! إننا بحكم وجودنا في هذا العالم وسط التجارب قد يتعثر الإنسان بعدما غفرت له خطاياه في المعمودية، لذلك يجب علينا أن نبذل ما في وسعنا معترفين بحالنا كما هو حتى يشفينا السيد المسيح بدمه[407].

القديس أغسطينوس

إِنْ تَبَرَّرْتُ يَحْكُمُ عَلَيَّ فَمِي؟

وَإِنْ كُنْتُ كَامِلاً يَسْتَذْنِبُنِي [20].

أما من جانب أيوب فإن برر نفسه يتحول دفاعه إلى إثم، ويُحكم عليه من كلماته، لأن الله عارف بخبايا القلب التي قد لا يعرفها الإنسان نفسه. "إن قلنا إنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا". إن حسب أيوب نفسه كاملاً، يحسب هذا اتهامًا لله، وذنبًا يرتكبه كمتكبر جاهل بأعماقه.

v     إنني افتخر لأنني أخلص، وليس لأنني بلا خطايا، بل لأن الخطايا قد غُفرت. إنني لا أفتخر لأني نافع أو لأن أحدًا ما نافع لي، وإنما لأن المسيح هو شفيعي (محامي) أمام الآب، لأن دم المسيح سفك من أجلي[408].

القديس أمبروسيوس

كَامِلٌ أَنَا. لاَ أُبَالِي بِنَفْسِي.

رَذَلْتُ حَيَاتِي [21].

يتطلع أيوب إلى شيخوخته فيرى في نفسه أنه كهل، لا ينتفع بطول السنين التي عاشها، فقد أنتجت لا شيء! إنها سنين مرذولة بلا ثمر. هذه أحاسيس الإنسان الذي يتطلع إلى حياته خارج دائرة حب الله ونعمته واهب الثمر!

4. لا نحكم حسب الظاهر

هِيَ وَاحِدَةٌ.

لِذَلِكَ قُلْتُ إِنَّ الْكَامِلَ وَالشِّرِّيرَ هُوَ يُفْنِيهِمَا [22].

يصر أصدقاء أيوب على أن الأبرار ينجحون في هذا العالم ومصونون من التجارب، وإن لحقتهم سرعان ما تُرفع عنهم. أما الأشرار ففاشلون تحوط بهم التجارب في هذا العالم وتسحقهم، وليس من منقذ. أما أيوب فيؤكد عكس ذلك فقد ينجح بعض الأشرار في هذا العالم ويزدهرون، بينما يتعرض الأبرار للتجارب المتلاحقة. هذه هي نقطة الخلاف الرئيسية في كل المناقشات بين أيوب وأصدقائه، هدفها أن يؤكد الأصدقاء بأن أيوب شرير مرائي، يحمل صورة التقوى ويخفى شرورًا تغضب الله.

يؤكد أيوب هنا أن الأحداث الزمنية ليست هي المقياس للتعرف على حقيقة الإنسان إن كان بارًا أو شريرًا.

"هي واحدة"، قد تحل النكبات على الأشرار كما على الأبرار، والموت يحل بهؤلاء وأولئك. "السيف يأكل هذا وذاك" (2 صم 11: 25). يأكل يوشيا الملك الصالح كما يأكل آخاب الملك الشرير. هكذا نرى أن "الكامل والشرير هو يفنيهما". لقد أُرسل الصالحون والأشرار معًا إلى سبي بابل (إر 24: 5، 9).

v     "هي واحدة، أنا قلت الكامل والشرير هو يفنيهما" [22]. يمكن توضيح ذلك بالكلمات التالية: إني قلت هذه الكلمات عن نفسي، حتى وإن كنت كاملاً لا أظهر كاملاً لو فُحصت بدقة، ولا إن كنت شريرًا أظهر هكذا إن بقيت مخفيًا، أنسحب من الامتحان الدقيق الثاقب. أما الديان الحازم فهو يدرك كل الأمور، ويخترق حيل الأشرار بطريقة عجيبة. من أجل البلوغ إلى الأفضل يدين كل حسب ميله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     أليست هذه هي منطوقات مواطن أورشليم السماوية:

"صارت دموعي لي طعامًا نهارًا وليلاً" (مز ٣:٤٢).

"أعوم كل ليلة سريري بدموعي، بدموعي أبلل فراشي" (مز ٦:٦).

"تنهدي ليس بمستور عنك" (مز ٩:٣٨).

"حزني قد تجدد" (مز ٢:٣٩)؟

أليس أولاد الله الذين يئنون مثقلين لا يريدون أن يتعروا، بل يلبسوا فوقها حتى يُبتلع المائت من الحياة؟ أليس حتى الذين لهم ثمار الروح يئنون داخلهم مترقبين التبني، خلاص أجسادهم؟ (رو ٢٣:٨).

ألم يكن للرسول بولس نفسه مواطن أورشليم السماوية هذا كله عندما كان مثقلاً وفي حزن قلب مستمر من أجل إخوته الإسرائيليين؟ لكن سوف لا يكون موت في المدينة إلا عندما يُقال: "أين نضالك يا موت؟ أين شوكتك يا موت، فإن شوكة الموت هو الخطية"[409].

القديس أغسطينوس

إِذَا قَتَلَ السَّوْطُ بَغْتَةً

يَسْتَهْزِئُ بِتَجْرِبَةِ الأَبْرِيَاءِ [23].

إذ امتد السيف بغتة يقتل هذا وذاك؛ الشرير لهلاكه، والبار لتزكية إيمانه. "لكي تكون تزكية الإيمان مع أنه يُمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد" (1 بط 1: 7). إذ يستخف الأبرياء بالموت لأنه عبور إلى المجد!

يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على عبارة: "يضحك بتجربة الأبرار" قائلاً: [إن كان يستخدم تعبير "ضحك" الله ليعني به فرحه، فإنه يقال أنه يضحك بتجربة الأبرار، إذ يطلبوه بغيرةٍ (في وقت التجربة) وفي حنو يفرح بنا، فإن ألمنا يسبب له نوعًا من الفرح حينما تصير لنا رغبات مقدسة أن نؤدب أنفسنا من أجل حبنا له.]

v     يقول بولس (2 كو 4: 17) أن أحزاننا الحاضرة خفيفة إذ تحدث في حدود زمنٍ ما ومكانٍ معين. مقابل هذا التعب الهيّن نقتني المجد بدرجةٍ تفوق كل قياسٍ[410].

أمبروسياستر

v     كل محنة إما هي عقاب للأشرار أو اختبار للأبرار... هكذا السلام والهدوء في أوقات المشاحنات يمكن أن ينتفع بهما الصالحون بينما يفسد الأشرار[411].

القديس أغسطينوس

الأَرْضُ مُسَلَّمَةٌ لِيَدِ الشِّرِّيرِ.

يُغَشِّي وُجُوهَ قُضَاتِهَا.

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُو،َ فَإِذًا مَنْ؟ [24]

كثيرًا ما يسمح الله للأشرار أن ينجوا بل ويتسلطوا على الأرض، فمن جانب لا يشتكي العدو بأن الأبرار يعبدون الرب ويتقونه لنوال بركات زمنية ونجاح أرضي، ومن جانب آخر فإن الله يترك الشرير في حريته لعله يتوب عن فعله إن تلامس مع محبة الله، أو يمتلئ كأس شره إن أصر على تمرده وعناده.

إن كان العدو الشرير يُدعى "إله هذا الدهر"، فلا نعجب إن تسَّلم الأشرار الأرض، وظنوا أنهم ناجحون وملوك.

تُسلم الأرض ليد الأشرار، ويتمتع الأبرار بالسماء، لأن السماوي ساكن فيهم.

"يغشى وجوه قضاة الأرض" بينما يتعرض الأبرار للظلم على الأرض ويلبس الأشرار قناعات، فيظهرون كقضاة للأرض، كمن يحكمون بالعدل، وإن لم يكن الأمر كهذا.

مع تقديم هذه الحقيقة، لكن يرى الكثيرون أن أسلوب أيوب يحمل نوعًا من التذمر، كيف يترك الرب الأشرار ينجحون ويسيطرون على الأرض، ويظهرون كقضاة يحكمون على الأبرياء.

مع تقديم مبدأ هام بحكمة كان يمكن لكلمات أيوب أن تعزيه داخليًا، فلا يبالي باتهامات أصدقائه. لكن يبدو أن التذمر الداخلي – كضعف بشري - أثار فيه مشاعر مرة. فقد رأى أيام رخائه قد عبرت سريعًا، هربت منه، ولم يبقَ لها أثر، فصار كمن لم يذق الخير قط.

يرى القديس أغسطينوس أن الأرض هنا تشير إلي الجسد[412]، فقد يسمح الله بتسليم الجسد للتأديب بيد الشرير، أو للفحص والتزكية، أما نفس البار فلن يقدر العدو أن يقترب إليها.

ماذا يعني القول: "الأرض مسلمة ليد الشرير" (24:9) سوى أنه إذ خُلق الجسد من التراب، فقد يسمح الله بتسليم أجسادنا الترابية للأشرار ، لكن لا سلطان لهم عليها سوى ما فيها من تراب، أما إذ تحمل الطبيعة الجديدة التي على صورة خالقها وتلبس صورة آدم الثاني الذي من السماء، فلا سلطان لأحدٍ منهم عليها. يرى القديس أغسطينوس أن الكلمة الإلهي نفسه وقد تجسد، أخذ هذا الجسد الترابي وسمح بتسليمه للأشرار للمحاكمة وقتله، لكي لا نخشى الأشرار، بل نشارك مسيحنا آلامه وموته لنختبر قيامته وأمجادها[413].

v     غالبًا ما يُسلم البار في يدي الشرير، لا ليُكرم الأخير، وإنما لكي يُختبر الأول، وبالرغم من أن الشرير يأتي إلى موت مهيب كما هو مكتوب (أي 23:9)، إلا أنه في الوقت الحاضر يكون الصديق موضع سخرية، بينما صلاح الله والمخازن العظيمة المخزونة لكل منها مخفية[414].

 القديس غريغوريوس النزينزي

v     ما هو معني: "الأرض مُسلمة ليد الشرير" (أي 9: 24)؟ يُسلم الجسد في أيدي المضطهدين، لكن الله لا يترك باره هناك. من الجسد المسبي يحضر النفس التي لا تُغلب[415].

v     "الشرير يراقب الصديق محاولاً أن يميته، الرب لا يتركه في يده" (مز 32:37-33). فلماذا إذن ترك الشهداء في أيدي الأشرار؟ لماذا فعلوا بهم ما أرادوا (مت 12:17)؟ ذبحوا البعض بالسيف، وصلبوا البعض، وألقوا البعض للوحوش، وحرقوا البعض بالنار، وقادوا البعض في سلاسل، وأهلكوهم بخططٍ مدمرةٍ. بالتأكيد "لم يترك الرب قديسيه" إنه لا يتركهم في أيديهم. أخيرًا لماذا ترك ابنه الوحيد في أيدي الأشرار؟... اسمع ما يقوله سفر آخر متنبأ عن آلام ربنا المقبلة في أيدي الأشرار: "أُعطيت الأرض في أيدي الأشرار" (أي 24:9)... إنه يتحدث عن تسليم الجسد في أيدي المضطهدين. لكن الله لم يترك "صفية" (مز 10:16) هناك، فمن خلال الجسد الذي أُسر، قاد النفس غير المنهزمة[416].

v     "هلموا نقتله، فيكون لنا الميراث" (مر 7:12). يا لكم من أغبياء! كيف يكون لكم الميراث؟ هل لأنكم قتلتموه؟ نعم، لقد قتلتموه، لكن لا يكون لكم الميراث... عندما افتخرتم أنكم قتلتموه إنما نام، إذ قال في مزمور آخر: "أنا اضطجعت ونمت".

لقد ارتجوا وأرادوا قتلي، وأنا نمت، لو لم أرد ذلك لما نمت.

أنا نمت، لأن "لي سلطان أن أضع (حياتي)، ولى سلطان ان آخذها أيضًا" (يو 18:10).

"أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت" (مز 5:3).

لتثوروا أيها اليهود،  لتُعطَ الأرض في أيدي الأشرار، أي ليُترك الجسد في أيدي المضطهدين، ليعلقوه على خشبة، ويثبتوه بالمسامير، ويطعنوه بالحربة.

ألم يضف ذاك الذي ينام أنه يقوم أيضًا؟.. متى خُلقت حواء؟ عندما نام آدم! متى خرجت أسرار الكنيسة من جنب المسيح؟ عندما نام على الصليب[417].

v     ليثر المضطهدون! لتُسلم الأرض في يد الشرير (أي 10: 17)! ليسمر الجسد على الخشبة بالمسامير، ويُطعن بحربة. فإن ذاك الذي يضطجع وينام يقول "أنا أقوم ثانية[418]".

القديس أغسطينوس

5. هول متاعبه وحيرته

أَيَّامِي أَسْرَعُ مِنْ عَدَّاءٍ تَفِرُّ

وَلاَ تَرَى خَيْرًا [25].

سرعة العدائبن (الذين يجرون المركبة) غالبًا ما تُستخدم في العصور القديمة لنقل الرسائل العاجلة. كان الملوك يحتفظون ببعض هؤلاء العداء لخدمة القصر الملوكي.

حينما أرسل الملك حزقيا دعوة إلي جميع إسرائيل ويهوذا للاحتفال بعيد الفصح في أورشليم "ذهب السعاة بالرسائل من يد الملك ورؤستائه، في جميع إسرائيل ويهوذا" (2 أي 30: 6). وفي أيام إرميا يبدو أنه كانت هذه الخدمة قد استقرت وانتظمت، ففي نبوته عن خراب بابل قيل: "يركض عداء للقاء عداءٍ، ومخبرٍ للقاء مخبرٍ، ليخبر ملك بابل بأن مدينته قد أخذت عن أقصى" (إر 51: 31). كذلك استخدم الفارسيون رسل سريعين. اُستخدموا عندما صدر الأمر بقتل جميع اليهود في الإمبراطورية (إس 3: 13، 15)، وأيضًا عندما صدر الأمر للانتقام من أعدائهم: "فخرج البريد ركاب الجياد والبغال، وأمر الملك يحثهم ويعجلهم" (إس 8: 14)[419].

v     اخبرني أي شيء ثابت في هذا العالم؟ الثروة التي غالبًا ما لا تبقى حتى المساء؟ أم المجد؟ أستمع ماذا يقول رجل بار: "حياتي أسرع من عدًّاء (a runner)[420].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الله خلق الإنسان ليرى خيرًا، أي يرى الله الخير الأعظم،، أما وقد دخلت الخطية في حياته، ففقد بصيرته الداخلية ولم يعد ينظر النور الإلهي ولا يرى خيرًا، فيتشكك في تصرفات لله.

v     خُلق الإنسان لهذا الهدف، أن يرى خيرًا، الذي هو الله. ولكنه إذ لم يرد أن يقف في النور، هرب من النور، وفقد عينيه. على نفس المستوى تعهد الأمور الجسدية بالخطية. فخضع للعمى وصار غير قادر على رؤية النور الداخلي...

لكن عندما نفكر في مثل هذه الأمور متشككين على الدوام (في الله كصانع خيرات) تلح علينا أسئلة صعبة ونحن صامتون: "لماذا يخلق الله شخصًا سبق فرأى أنه سيهلك؛ لماذا وهو الأعظم في القوة والصلاح لم يضع في ذهنه أن يخلق الإنسان عاجزًا عن أن يهلك؟

وإذ في صمته يتساءل الفكر هكذا، يخشى الإنسان أنه في تهوره خلال هذه الأسئلة يسقط في الكبرياء، فيتراجع نحو التواضع الذي يحجم أفكار القلب.

وكلما صار في محنٍ أشد - وسط المتاعب - يتألم بخصوص تفسير المعنى السري للأحداث، لذلك يكمل:" إن قلت لا أتكلم بهذه الطريقة، أغير ملامح وجهي وأصاب الحزن" [ 27].

البابا غريغوريوس (الكبير)

تَمُرُّ مَعَ سُفُنِ الْبَرْدِيِّ.

كَنَسْرٍ يَنْقَضُّ إِلَى صَيْدِهِ [26].

هجرته أيام رخائه كسفينة تُسرع نحو مينائها الآمن، وكالنسر الذي ينقض على فريسته في لمح البصر، كما لا يبقى للسفينة أثر بعد عبورها، ولا للنسر في الجو بعد انقضاضه على الفريسة، هكذا عبرت أيام الرخاء وليس من أثرٍ لها. هوذا الزمن يسرع بالإنسان كما إلى الزوال، سرعان ما يعبر بنا إلى الأبدية، فلا يكون للزمن موضع في أبديتنا.

v     "حياتنا أسرع من العدٌاء runner تعبر فلا يُرى شيء. إنها كممر سفينة أو كنسر طائر يطلب طعامًا" (9: 25-26 LXX)، هكذا تعبر حياة الإنسان. ما نقوله ننساه، ولا تبقى علامة لعبورنا ظاهرة سوى أنها مملوءة حزنًا وآسى. "ضُربت في كل أطرافي. هل وُجد وسيط بيننا لكي يوبخ ويفصل بيننا" (أي 9: 28، 33 LXX)[421].

القديس أمبروسيوس

v     كما لا يترك البحر أثارًا للسفن، ولا يوجد آثار في الهواء للنسر المنقض على الفريسة (حك 5: 10-11)، هكذا يكون غنى العالم عندما يعبر، فإنه لن يترك ذرة من الآثار التي للسعادة. فإن الغنى وما يصدر عنه يُطرح في النسيان. لهذا فإن أيوب كمثالٍ احتقر كل تأثير لتلك الحياة وعدم استقرارها، وهو يشير علينا ألا نرتبط بها.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

إِنْ قُلْتُ: أَنْسَى كُرْبَتِي،

أُطْلِقُ وَجْهِي وَأَبْتَسِمُ [27].

يبدو أن أيوب بدأ يتطلع إلى ما وراء الزمن ليجد أن كربته ستنحل يومًا ما ولا يكون لها وجود، حين تنطلق نفسه من هذا العالم، فتصير كل حياته كظل قد عبر لا أثر له. قال في نفسه أن ينسى ما هو عليه من كربٍ، يترك همومه ويتعزى أو يبتهج (يضحك).

إن أراد أيوب البار ألا يتكلم وسط ضيقته، ووضع في قلبه أن يتجاهل ما حلّ به، فإن ملامح وجهه تشهد عن عنف التجربة وتنطق بقسوة العاصفة وعنفها دون أن ينطق بكلمة.

v     الشرور التي تحل عليكم ستعبر، وذاك الذي تنتظرونه بصبرٍ سيأتي. أنه سيمسح عرق التعب. أنه سيجفف كل دمعة، ولا يكون بكاء بعد. هنا أسفل يلزمنا أن نئن وسط التجارب، إذ يتساءل أيوب: "ما هي حياة الإنسان على الأرض سوى محنة؟" (أي 7: 1)[422].

القديس أغسطينوس

َأخَافُ مِنْ كُلِّ أَوْجَاعِي

عَالِمًا أَنَّكَ لاَ تُبَرِّئُنِي [28].

يرى أيوب أنه أن دخل حتى مع نفسه في حوار بخصوص آلامه ربما يخطئ في حق الله، لذا يخشى التفكير فيها إذ لا يقدر أن يتبرر. خشي أن يعاتب الله من أجل سماحه له بهذه الآلام، لأنه يعلم أنه بهذا لا يبرئه الله، بل يكون ذلك ضده.

v     "كنت أخاف من كل أعمالي، عالمًا أنك لا تبرئني، عندما أكون مذنبًا" [28- 29].

ما هي الأعمال التي مارسها الطوباوي أيوب، هذه قد أوضحها هذا التاريخ المقدس. فقد تعلم أن يسترضي خالقه بتقديم محرقات كثيرة. بحسب عدد أبنائه - كما هو مكتوب - كان يبكر في الصباح وقدم محرقات عن كل واحدٍ منهم، مطهرًا إياهم ليس فقط من الأعمال الدنسة، بل ومن الأفكار الشريرة. سجل لنا بشهادة الكتاب المقدس: "لأن أيوب قال ربما أخطأ بني، وجدفوا على الله في قلـوبهم" (1: 5).

مارس مشاعر العطف حيث أعلن عن نفسه عندما أزعجه أصدقاؤه: "ألم أبكِ لمن عسر يومه؟" (30: 25). لقد تعهد القيام بدور الحنو، إذ يقول: "كنت عيونًا للعمي وأرجلاً للعرج" (29: 15).

احتفظ بنقاوة الطهارة في قلبه؛ في هذا يكشف نفسه بكل وضوح في وقارٍ: "إن غوى قلبي على امرأة" (41: 9).

بلغ أعلى قمة التواضع من أعماق قلبه، إذ يقول: "إن كنت قد رفضت حق عبدي وأمتي في دعواهما علي" (31: 13).

لقد وهب بسخاء عظيم، قائلاً: "أو أكلت لقمتي وحدي، فما أكل منها اليتيم؟" (أي 31: 17)... مارس الضيافة قائلاً: "غريب لم يبت في الخارج، فتحت للمسافر أبوابي" (31: 32).

وفي وسط كل هذه الأمور، لتكميل فضائله بأسمى طريق للحب، أحب أعداءه أنفسهم. يقول في هذا: "إن كنت قد فرحت ببلية مبغضي، أو شمت حين أصابه سوء، بل لم أدع حنكي يخطئ في طلب نفسه بلعنة " (31: 29-30).

إذن لماذا كان القديس خائفًا من أعماله (9: 28)، مادام قد مارس علي الدوام أعمالاً تجعل الله يلين أمام العصيان؟ كيف هذا؟ كيف يخاف حتى من هذه الأعمال العجيبة في ذعر، حيث يقول: "أخاف من كل أعمالي" [28] إلا إذا استنتجتا من أعمال القديس وكلماته أننا بالحق نريد أن نسر الله بعد أن تغلبنا على العادات الشريرة يلزمنا أن نخاف من ذات الأعمال الصالحة التي نمارسها. فإنه يوجد على وجه الخصوص أمران يلزم أن نخشاها بصورة جادة في ممارستنا للأعمال الصالحة وهما: الكسل والخداع. قيل بالنبي حسب الترجمة القديمة: "ملعون من يعمل عمل الرب بخداع ورخاوة" (إر 48: 10).

فالإنسان يرتكب جريمة الخداع في عمل الرب عندما يحب ذاته بمبالغة من أجل الأعمال الصالحة التي فعلها. فيبذل كل وسعه أن يحول الأعمال الصالحة إلى مكافأة. كذلك يليق بنا أن نضع في ذهننا أنه يوجد ثلاثة طرق يُمارس فيها الخداع. إن يكون هدفه إما كسب المشاعر الخفية لزملائه المخلوقين، أو طلب المديح، أو نوال نفع خارجي (مادي). على نقيض ذلك قيل بالنبي عن الإنسان المستقيم: "طوبى لمن ينفض يديه عن كل منفعه" (راجع إش 33: 15)... وذلك إن كان لا يهدف إلى نوال مجد باطل من زملائه، ولا إطراء من شفاههم، ولا هبات من أياديهم...

لهذا لأن الأعمال الصالحة ذاتها لا تقدر أن تهرب من الخطية الكامنة ما لم تُحرس بمخافة شديدة. لذلك بحق قال القديس في هذا الموضع: "كنت خائفًا من كل أعمالي".

البابا غريغوريوس (الكبير)

أَنَا مُسْتَذْنَبٌ،

فَلِمَاذَا أَتْعَبُ عَبَثًا؟ [29]

يرى أيوب أنه عبثًا يُتعب نفسه لكي يتبرأ أمام الله.

v     من يعرف وهن الطبيعة البشرية ينال خبرة قوة الله.

الأب مكسيموس المعترف

v     يقول: أنا أعرف إنني ضعيف أمام عدل الله اللانهائي؛ أما أمام البشر فإني بار حسب شهادتك (1: 1؛ 8؛ 2: 3).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     هؤلاء لأنهم كانوا ينظرون عظمة الله، ظهر لهم صغر أشخاصهم. كانوا ينظرون إلى أمواج بهائه، وصفاء طبيعته، وعجب أزليته، ومجد عظمته، وقوة عدم محدوديته، وجمال قداسته السامي، وإلى هذه الأمور الموجودة طبعًا منه وعليه وله وبه. فكانت أفكارهم مستنيرة ليروا نفوسهم، ويتأملوا أشخاصهم كما هو مكتوب. كانوا أيضًا محترسين لئلا يوجد جواب الإثم في قلوبهم أو التفكير الذي يؤدي إلى الظن أن صلاح شخصياتهم استحقوه بفضائلهم ليبلغوا إلى قمة عظمة الله[423].

v     لا تقدر نفسي أن تثبت في التواضع الحقيقي، وترى صغر ذاتها، وتفكر في فقر طبيعتها، ما لم تبهرها ثروات الله الخفية، ويُحركها سمو منظرها. فالفقر يُترك بالغنى، والظلمة تُبغض بإشراق النور. ويُشعر بتواضع النفس من سمو الله العجيب، من شعر بعظمة الله، يرى صغر ذاته[424].

القديس مار يعقوب السروجي

وَلَوِ اغْتَسَلْتُ فِي الثَّلْجِ

وَنَظَّفْتُ يَدَيَّ بِالأَشْنَانِ [30].

v     الثلج هو دموع التواضع الذي فيها تسمو كل الفضائل الأخرى في عيني الديان الحازم... فإن البعض يحزنون، ولكن في غير تواضع، وذلك إذ يحزنون يبكون، ولكن هذه الدموع عينها يقدمونها وهم مستخفين بحياة إخوتهم، أو في تعالي على تدبير خالقهم. هؤلاء لهم ماء ولكن ليس ثلجًا (snow water)، ولن يمكنهم أن يغتسلوا، لأنهم لا يغتسلون بدموع التواضع. أما من يغتسل ويتطهر من الخطية بالثلج، فهو الذي في يقين يقول: "القلب المنكسر والمتواضع لا ترذله يا الله" (مز 51: 17).

v     يمكن أيضًا أن يُفهم "الثلج" بمعني آخر. فإن الماء الصادر عن ينبوع وفي مجرى نابع عن الأرض، أما الثلج فيسقط من السماء. كثيرون جدًا يحزنون مولولين على أمور أرضية... إنهم يجرحون بالألم في صلواتهم، ولكن من أجل الأفراح بالملذات الزمنية لذلك فإنهم لا يغتسلون بالثلج، لأن دموعهم نابعة من أسفل...

أما الذين يحزنون لأنهم يتوقون إلى مكافآت في العلا فهم يغتسلون ويتطهرون بالثلج، حيث تفيض عليهم الندامة السماوية. إذ يطلبون الأبدية بدموعٍ وحزنٍ، وقد التهب فيهم الشوق إليها، وبهذا ينالون من العلا الوسائل التي بها يتطهرون.

v     ماذا يُقصد بالأيدي سوي "الأعمال"؟ فقد قال النبي لأشخاص معينين: "أياديكم مملوءة دمًا" (إش 1: 15)، قاصدًا "أعمالكم مملوءة قسوة".

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     في هذه المعركة العظيمة، إذ يعيش الإنسان تحت النعمة فتعينه، وبالتالي يحارب حسنًا ويفرح في الرب بمخافة، فإنه لا يحتاج إلى مقاتلين جبابرة أو مهلكين عتاة لأجل إماتة أعمال الجسد، إنما يمكننا الشفاء من بعض جراحات الخطية بهذا القول اليومي: "وأغفر لنا ذنوبنا" (مت 6: 12)، مجاهدين بهذه الصلاة ضد الرذائل وضد الشيطان رئيس الرذيلة بحرصٍ عظيمٍ جدًا وحذاقة بالغة، مبطلين مشوراته المميتة التي يقدمها ألا وهي عدم إدانة الإنسان نفسه وتقديم أعذار يبرر بها خطاياه.

هذه المشورات (الشيطانية) ليست فقط تترك الجراحات بغير شفاء، بل تدفع بها إلى أضرار خطيرة ومهلكة.

وهنا تظهر الحاجة إلى عفة مملوءة حذرًا، حتى تقمع شهوة الكبرياء البشرية، حيث يسر الإنسان بنفسه، ولا يريد أن يرى في نفسه أنه مستحق للوم. فإذا أخطأ يستنكف من الاعتراف بخطئه، وبدلاً من أن يتهم نفسه بتواضعٍ مشفي، يبحث لنفسه عن عذر يقدمه بزهوٍ مميت.

ولأجل قمع هذا الكبرياء، نجد ذاك الذي طلب العفة من الله بقوله "ضع يا رب حارسًا لفمي وبابًا حصينا لشفتي، ولا تمل قلبي إلى كلام شر"، يخشى لئلا "يتعلل بعللٍ ". فإن هذا "التعليل" أكثر من كلام الشر

فالشرير ينكر أنه شرير، بالرغم من ارتكابه الشر الذي لا يقدر أن ينكره. فإذ لا يقدر أن يخفي عمل الشر، لأنه واضح أنه قد ارتكبه، يبحث كيف ينسب الشر إلى غيره ظانا بهذا أنه يُبعد نفسه عما يستحقه.

وإذا لا يرغب في نفسه أن يكون مجرمًا، يضيف إلى خطئه خطأ بتقديمه تبريرات. وبدلا من أن يتهم نفسه بخطاياه يقدم أعذارًا دون أن يدري أنه بهذا ينزع عن نفسه العفو لا العقوبة[425].

القديس أغسطينوس

فَإِنَّكَ فِي النَّقْعِ تَغْمِسُنِي،

حَتَّى تَكْرَهَنِي ثِيَابِي [31].

كان يُظن في القديم أن ماء الثلج له خاصية تطهير الجلد. كانوا يظنون أن الجلد يصير أبيض بواسطة ماء الثلج، وأنه يمنع العرق. وكان البعض يظن أن الشخص الأسود يمكنه أن يصَّير البشرة بيضاء باغتساله بالثلج.

ليس من طريق للتبرئة أمام الله، فالثلج يعجز عن تنظيف جلده، والاشنان (الصابون أو المطهر) عن تنظيف يديه. ليس من جدوى في ذلك، فإنه كلما حاول الإنسان أن يبرئ نفسه يجد نفسه مغموسًا في الوحل (النقع)، حتى يكره ثيابه ويعاف لمس نفسه.

ولعل أيوب يرى أنه ليس فقط باطلاً يبرئ نفسه أمام من هم حوله، بل مع كل محاولة للتبرئة يكشف الله ضعفاته الخفية، فيرى نفسه غائصًا في الوحل الكريه في نظر الناس. لم يكن أيوب يجسر على الحوار مع الله كما لو كان إنسانًا مثله، فليس للخزف أن يحاور الخزاف.

v     واضح أن البشر يدعون أبرارًا ويُقال عنهم أنهم بلا أخطاء، ولكن إن تسلل إهمال إليهم يسقطون. يحتل الإنسان دائمًا المكان الوسط، فيمكن أن ينزلق من أعلى الفضيلة إلى الرذيلة، ويمكن أن يقوم من الرذيلة إلى الفضيلة. لن يكون في أمان، بل يلزمه أن يخشى تحطيم سفينته حتى في الجو الحسن، بهذا لا يمكن لإنسانٍ أن يكون بلا خطية. يقول سليمان: "لأنه لا إنسان صديق في الأرض يعمل صلاحًا ولا يخطئ" (7: 20) كذلك في سفر الملوك: "ليس إنسان لا يخطئ" (2 أي 6: 36). كذلك يقول الطوباوي داود "الأخطاء من يشعر بها؟ من الخطايا المستترة أبرئني ومن خطايا الكبرياء احفظ عبدك" (مز 19: 12-13). وأيضًا: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدامك حي" (مز 143: 2). والكتاب المقدس مملوء من مثل هذه العبارات[426].

القديس جيروم

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) في عبارات أيوب هنا صرخات التوبة حيث يشعر أنه وإن كان بحسب البشر هو بار، لكنه مذنب في عيني الله، فيطلب الصفح. هكذا عاش أيوب كل حياته يطلب التوبة، فتصير حياته مطوبة.

v     تستطيع في يوم واحد أن تقتني كل أبدية يا أخي، وفي يومٍ واحدٍ تفقدها. أعطيت لك آلاف الأيام على الأرض لتُستخدم لخلاصك الأبدي أو دينونتك الأبدية. مطوب مئات المرات اليوم الذي تتوب فيه عن كل أعمالك الشريرة وكلماتك الدنسة وأفكارك، وتعود إلى الله بصرخة تطلب الرحمة. هذا اليوم أفضل لك من ألف يوم آخر!

ما هو هذا اليوم المبارك؟ إنه يوم إدانة الإنسان لنفسه. عندما يبزغ فجر ذاك اليوم فإن الإنسان الذي يدين العالم كله حتى ذلك الحين حين يتطلع إلى نفسه أنه أعظم الخطاة على أرض الله. يشعر بالخجل أمام الله، وأمام كل إنسان وأمام كل شيء خلقه الله على الأرض. هذا الخجل يلتهب فيه كنارٍ، عندئذ يعرف ويعترف: "أنا أعظم الخطاة على أرض الله، كل البشر الآخرين أفضل منى... يا رب أرحمني، يا رب أنا الخاطي واغسلني من وحل خطاياي، حتى ابدأ أتشبه بخليقتك."

لا تتوقع يا أخي أن يوم التوبة المبارك يأتي من ذاته، بل تمسك به في أول يوم يلتقي فيه بك، وقل: "أنت هو اليوم المبارك الذي فيه أشتري الحياة الأبدية[427]".

الأسقف نيقولاي فيليميروفيش

v     ماذا يقصد "بالثياب" إلا الجسم الأرضي، الذي تلتحف به النفس وتتغطي؟... يقال إن ثيابنا تشمئز منا، إذ تجعلنا مكروهين. لقد شعر بكراهية الثياب ذاك الذي قال: "ولكني أرى ناموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي" (رو 7: 23). هذه الثياب عينها التي لم يكن قادرًا أن يسر بها نهائيا رغب بكل غيرة أن يلقيها جانبًا لكي يستردها يومًا ما في حالة أفضل بكثير، قائلاً: "ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت؟"

البابا غريغوريوس (الكبير)

6. الحاجة إلى وسيط

لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي،

فَأُجَاوِبَهُ فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ [32].

v     هذا ما يعنيه تقريبا؟ إن كان الذي يعاقبني إنسانًا، فإن عقوباته لا تدين بالتمام من يسقط تحتها. أستطيع أن أحاكم أمامه، وأبرهن له أنه ظالم، ولكن لأنك أنت هو الله فهذا مستحيل.

 القديس يوحنا الذهبي الفم

لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ

يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا! [33]

شكوى أيوب تمثل صرخة البشرية منذ سقوطها، فهي في حاجة إلى مصالحٍ يمكن اللجوء إليه ليرد الإنسان إلى الأحضان الإلهية. من هو هذا الذي له القدرة أن يمد يده بالحب ليضم الإنسان إلى الله. من هو هذا الذي له تلك الدالة إلا كلمة الله المتجسد، الذي هو واحد مع الأب في ذات الجوهر، ومساوٍ له، وقد صار واحدًا مع بنى البشر، صار آدم الثاني.

إذ الشفيع ربنا يسوع المسيح وحده بلا خطية، فهو قادر أن يقوم بعمل المصالحة بين الآب والإنسان.

v     ألا ترون كيف أعلن أيوب عن مجيء المسيح، متنبأ تحت مظهر هذه الصلاة، سرّ وسيط حياتنا؟ لهذا قال أيضًا بولس: "لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح" (1 تي 2: 5). فإنه ماذا يحدث لو أن المسيح قد تجسد وقام بتكرار ما قاله إشعياء في توبيخه للناس؟ "اغتسلوا، تنقوا، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني. كفوا عن فعل الشر. تعلموا فعل الخير. اطلبوا الحق، أنصفوا المظلوم، اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة. هلم نتحاجج يقول الرب. إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج" (إش 1: 16- 18).

لماذا قيل عن المسيح أنه "الوسيط"؟ لأنه أخذ شكل الإنسان والله (في 2: 6) فإنه من الضروري للوسيط أن يكون قادرًا على قيادة الأعداء للمصالحة (رو 5: 10)، أن يحمل وجه الاثنين، فإنه بهذا يحقق الاتفاق والمصالحة. وإذ يريد المسيح أن يصالح الإنسان مع أبيه (2 كو 5: 18)، إذ هو الله وصار إنسانًا (في 2: 7) أخذ شكل الاثنين.

بل ذهب إلى أبعد من هذا؛ إذ يعلن للبشر ما يفعله في أمر دينونتهم، كيف أنه الديان وهو المحب لهم، وكيف يبرز الديان كصانع الخيرات والرؤوف، فإنه يصف الاغتسال، شاهدًا عن الغسل بالمعمودية.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "لنا سلام مع الله" (رو1:5)، من خلال ربنا يسوع المسيح الذي صالحنا مع الله خلال ذبيحة دمه...

جاء المسيح لكي يُهْلِك الأعداء، ويصنع السلام، ويصالحنا مع الله الذي فَصَلْنَا عنه حاجز الشر الذي أقمناه بخطايانا.

v     ظهر في هيئته الجسدية وبذل ذاته كجسدٍ، يجذب لنفسه الجسديين حتى يُحوِّلهم أولاً إلى شبه الكلمة الذي صار جسدًا، ثم بعد ذلك إلى ما كان عليه قبل أن يصير جسدًا.

العلامة أوريجينوس

لِيَرْفَعْ عَنِّي عَصَاهُ

وَلاَ يَبْغَتْنِي رُعْبُهُ [34].

v     من يقدر أن يرفع عصا الله، أي غضبه الإلهي، فلا يعود يرتعب الإنسان منه؟ إنه ربنا يسوع المسيح الذي وضع إثمنا عليه، ودخل بنا إلى الحب الإلهي فصرنا بروحه القدوس أبناء لله، لنا من الدالة عليه.

"ليرفع عني عصاه" [34]، فإنه إذ تجسد وصار مثلنا فلا يضربنا بالعصا ولا بالخوف، بشرط أن نهرب إلى نعمته وإلي الإيمان، نهرب إلى ذاك الذي قام من الأموات: قال الملاك للنسوة: "لا تخفن" (مت 28: 5؛ 10). وعندما ظهر للتلاميذ استخدم ذات اللغة مرة أخرى. في هذا المعني أكمل أيوب: "إذا أتكلم ولا أخافه [35]. فقد أبطل الخوف عنا، وشيّد ناموس الحب (مت 22: 37- 39). هذا ما كتبه يوحنا اللاهوتي: "المحبة الكاملة تطرد خوفنا" (راجع 1 يو 4: 18).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

إِذًا أَتَكَلَّمُ وَلاَ أَخَافُهُ.

لأَنِّي لَسْتُ هَكَذَا عِنْدَ نَفْسِي [35].

بالمُصالح ندخل إلى الأب في دالة البنوة، نتمتع بحبه، ونفرح بالاتحاد معه.

v     في الناموس امسك الله العصا، حيث قال: "إن فعل إنسان هذا أو ذاك ليمت موتا". وأما في تجسده فقد نزع عصاه، مظهرًا طريق الحياة بوسائل لطيفة. فقد قيل له بالمرتل: "تقدم وأملك وتهلل من أجل الحق والدعة والبرّ". فإنه لا يفكر في أن يخيف بكونه الله، بل يسكن في قلوبنا كأبٍ يحب. كما يعلمنا بولس بوضوح: "إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف، بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا، الآب" (رو 8: 15). لهذا لاق أن يضيف هنا: "إذًا أتكلم ولا أخافه" [35]، لأنه إذ رأى القديس مخلص العالم قادمًا في وداعة لم يلتحف بالخوف، بل بنعمة التبني صعد إلى الحب. يقول يوحنا: "لا خوف في المحبة، بل المحبة الكاملة تطرد الخوف" (1 يو 4: 18). ويقول زكريا: "منقذين من أيدي أعدائنا نعبده" (لو 1: 74).

فالخوف ليس له قوة ليقيمنا من موت الخطية، لكن نعمة الوداعة المنسكبة تقيمنا إلى عرش الحياة. هذا ما أشير إليه بأليشع، فإنه إذ أرسل خادمه بالعصا لم يرد الحياة للصبي الميت مطلقًا. ولكن عند مجيئه شخصيًا بشخصه وبسط نفسه على الجسم الميت، ولصق نفسه بأعضائه ومشى هنا وهناك، ونفخ في فم الجسم الميت سبع مرات، رده إلى نور الحياة الجديدة خلال خدمة الحنو... فالله إذ قدم رعب الناموس بواسطة موسى يكون كمن أرسل العصا بواسطة الخادم. لكن عندما جاء بشخصه وبسط نفسه في تواضع على الجسد الميت جعل نفسه ملتصقًا بأعضاء الجسد الميت". الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كانسان..." (في 2: 6 -8).

لقد نفخ في الجسم الميت سبع مرات، وذلك بالإعلان عن النعمة الإلهية، واهبًا روح النعمة السباعية للذين انطرحوا في موت الخطية. بعد هذا قام حيًا، في ذاك الصبي الذي لم تستطع عصا الرعب أن تقيمه إنما نال الحياة بروح الحب.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لماذا تخافون أيها المسيحيون؟

المسيح يتحدث: "أنا هو لا تخافوا".

لماذا تنزعجون لهذه الأمور؟ لماذا تخافون؟

لقد سبق فأخبرتكم بهذه الأمور أنها ستحدث حتمًا... "أنا هو لا تخافوا. فرضوا أن يقبلوه في السفينة".

إذ عرفوه وفرحوا تحرروا من مخاوفهم. "وللوقت صارت السفينة إلى الأرض التي كانوا ذاهبين إليها". وُجدت نهاية عند الأرض، من المنطقة المائية إلى المنطقة الصلدة، من الاضطراب إلى الثبات، من الطريق إلى الهدف[428].

القديس أغسطينوس

v     إرادة الله لا أن يخلّصك من المخاوف بل يحثّك على ازدرائها، فإن هذا أعظم من التخلُّص منها[429].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

 


 

من وحي أيوب 9

هب لي مصالحة أبدية!

 

v     من يتبرر أمامك يا أيها القدوس.

إن حاكمت تتبرر أنت!

إن أعلنت خطاياي فهمي بلا حصر.

إن قدمت ألف اتهامٍ لا أستطيع ان أجيب بكلمة!

أنت فاحص القلوب والكلى،

لا تُخفى عنك أفكاري وضعفاتي الخفية.

اعترف لك إني خاطي.

 

v     لا اقدر أن أقف أمامك في خصومة،

فأنت الحكمة عينها والقدرة.

أمامك تتزحزح الجبال الراسخة وهي لا تدري.

أمامك تنهار النفوس المتشامخة،

وتذوب الجبال البشرية كالشمع أمام النار.

لتزحزح كل كبرياء في داخلي.

ولتذب كل فسادٍ في أعماقي.

ولتقم جبالك المقدسة، كلمتك الثابتة،

عوض جبالي المتشامخة الفاشلة!

 

v     ظن اليهود أنهم أصحاب الجبال العالية،

إذ تسلموا الشريعة، ومنهم جاء الآباء والأنبياء.

لقد تزحزحت هذه الجبال عنهم،

ونقلتها إلينا لننعم بها بالروح لا الحرف.

كشفت لنا أسرار الناموس الداخلية،

وأعلنت لنا النبوات التي تحققت بمجيئك.

وأشرقت بالحق علينا عوض الظلال!

لك المجد يا مقيم جبالك في أعماقنا!

 

v     كيف أدخل في محاكمة معك، يا أيها الخالق القدير؟

تأمر الشمس فلا تشرق، والنجوم فلا تتحرك.

لتقف الشمس، فتظهر ظلمتي الداخلية،

ولتتوقف الكواكب فلا أجد بصيص نور داخلي!

عوض الشمس الظاهرة، فلتشرق علىٌ يا شمس البرٌ،

إني محتاج إليك، فإني جالس في الظلمة.

تشرق علىٌ بنور برِّك، فتقيم منى كوكبًا يحمل بهاء مجدك.

عوض تبرير نفسي أمامك أقتنيك فأتبرر.

 

v     كيف أتراءى أمامك كما في ساحة قضاء،

وأنت باسط السماوات، والماشي على أعالي البحر؟

لتقم من أرضي سماء، فأصير مسكنًا لك.

لتعبر في داخل نفسي كما على بحرٍ هائجٍ.

حضورك يبكم الأمواج ويهدئ الرياح والعواصف.

إني في حاجة إلى غنى نعمتك،

فأنت تعبر بي ولا أراك، تجتاز فلا أشعر بك.

من يقدر أن يقول للخالق: لماذا فعلت؟

إني أصمت وسط العاصفة،

وأنتظر حضورك، فأنت طبيب نفسي،

تشفيني من جروحي الكثيرة المميتة!

أريد أن أراك!

أريد أن أسمع صوتك!

 

v     لماذا تضطرب نفسي عندما تُسلم الأرض ليد الشرير؟

هوذا إبليس صار رئيس هذا العالم الشرير!

ليملك، ولكن الأرض تزول، وينحدر هو إلى الجحيم!

لماذا تئن نفسي، فأنت القدوس صرت إنسانًا!

صوَّب إبليس سهام الموت إليك،

ولم يدرك أنك القيامة والحياة الأبدية.

بإرادتك سلمت جسدك للموت إلى حين.

لكي تحطم الموت وتقتله في داره.

لست أخاف بعد من الشرير،

فإنه لن يجد بعد فيّ أرضًا يستلمها.

حولت أرضي سماء،

فلا موضع لعدو الخير في داخلي!

 

v     إني أترقب رحيلي بفرحٍ وبهجة قلبٍ!

تعد حياتي كسفينة في البحر، لا تترك أثرًا على المياه.

وأطير كنسرٍ في السماء، لا أترك أثرًا لرحلتي في الهواء.

إني بروحك القدوس أطير إليك،

واستقر في أحضان أبيك السماوي.

لست افتخر إلا بصليبك وغنى نعمتك الساترة على ضعفاتي وشروري!

 

v     لن أبرر نفسي! لا ليس ما أتبرر به.

هب لي مصالحة أبدية.

أنت وحدك تنزع العداوة، وتدخل بي إلى حضن أبيك.

أنت بدمك تتكلم، فامتلئ رجاء وحبًا!

فيك وحدك وبك أتمتع بالأمجاد الأبدية.

<<


 
الأصحاح العاشر

هل التفكير في المصير هو الحل؟

يصعب علينا أن نحكم على أيوب، إذ لم نتعرض لنكباتٍ مثله، بذات الصورة من جهة الكمية والتنوع، مع عنصر المفاجأة. هذا بجانب أنه لم يكن لديه الشريعة ولا الإنجيل، حيث تعلن لنا كلمة الله عن دور الشيطان كخصمٍ مقاومٍ لا يهدأ، وعن الخطية، وأيضًا عن الحياة المقبلة، ومع هذا مع ما لدينا من إمكانيات روحية تسندنا، ففي مواقفٍ كثيرةٍ يصعب علينا إدراك أحكام الله.

في هذا الأصحاح نرى أيوب المُجرب يصارع بين الحقائق التالية:

1. إدراكه أنه لم يفعل شرورًا خفية تستوجب مثل هذه التجارب المُرة من كل جانبٍ.

2. في نفس الوقت كان على يقينٍ من الرعاية الإلهية الفائقة، فهو خليقته المحبوبة جدًا لديه.

3. لا يمكن لإنسانٍ أن يفحص حكمة الله، ولا أن يقف أمامه ليحاوره كمن في ساحة القضاء.

4. واثق من عدل الله، فهو ليس بظالمٍ.

5. عاجز عن أن يصمت، فالتجربة فوق احتمال الطبيعة البشرية.

أمام هذه الحقائق يرى أيوب أن الحل الوحيد هو التفكير في المصير المحتوم. كأنه يقول لله: إن كنت لا تقدر أن تقدم لي أسسًا مقنعة لتعاملك هكذا مع شخصٍ بريء مثلي [٢-٣]، وإذ لا يمكنك أنك تُخدع كما قد يُخدع القضاة البشريون [٤-٥]، فهل قررت منذ البداية أن تعاملني كخاطيء، سواء كنتُ مذنبًا أم غير مذنب؟ هل كُتب عليَّ المصير الزمني بالدمار [٦-٧]؟

ولكن كيف يمكن أن يتفق هذا مع معجزة خلقتي عندما كونتني من التراب إلى لحمٍ وعظام؟ [٨-١١] فإنك حتى الآن لازلت تهبني الحياة وترعاني [١٢]، لكن يبدو أنك من البداية وضعت المصير الخفي بتدمير كل ما أعطيتني إياه [١٣]، بغض النظر إن كنتُ صالحًا أو شريرًا [١٤-١٥]، حتى وإن كنت قادرًا أن ارتفع لأبرهن على براءتي، فقد صممت أن تصطادني وتسكب عليّ آلام وأحزان، لكي تشهد على ذنبي أمام أعين العالم [١٦-١٧].

بالتأكيد كان الأفضل أنني لم أكن قد وُلدت عن أن أبقى حيًا [١٨-١٩]. لكن إذ أنا حيّ، فحياتي على الأكثر قصيرة هكذا، حيث تصوب عذاباتك عليّ، إذ سرعان ما يحل بي الموت، حيث الظلمة والمصير النهائي [٢٠-٢١].

يكمل أيوب حديثه في الرد على بلدد، فمع تأكيده أن جميع الأبرار كما الأشرار يتعرضون للتجارب، لكن تحت ثقل النكبات صار يئن، وليس له أن يتبرر أمام الله إلا أنه يشكو من عجزه عن أن يرزح تحت المتاعب التي حلت به. كأن يتردد بين التزامه التسليم بين يدي الله، وبين ثقل الحمل وشهوة التخلص منه بالموت.

1. صارت حياته كريهة     1-7.

2. حياته في يد الله         8-13.

3. عدالة الله ورحمته      14-17.

4. الموت نهاية الأتعاب     18-22.

1. صارت حياته كريهة

قَدْ كَرِهَتْ نَفْسِي حَيَاتِي.

أُسَيِّبُ شَكْوَاي،

َأَتَكَلَّمُ فِي مَرَارَةِ نَفْسِي [1]. 

في شيءٍ من الشجاعة يقف أيوب أمام الديان ليرفع شكواه إلى من أصدر الحكم عليه بالدخول في ضيقات مرة. لقد أدرك أيوب المُجَّرب أنه ليس من طريق للشكوى فيما حلٌَ به بسماح من الله إلا أن يرفعه إلى الله نفسه.

عجز أيوب عن أن يدافع عن نفسه أمام الله، وقد خشي عظمته، ولم يجد من يصالحه معه، عندئذ صرخ: "قد كرهت نفسي حياتي". اشتهى الموت يأسًا.

أطلق أيوب شكواه ضد نفسه، فهو لا يتهم الله بالظلم والقسوة، إنما يتهم نفسه بالجهل، لا يعرف أساس الخصومة، إذ افترض أيوب أن العيب فيه، لكنه لا يعرفه.

لم يرد أن ينطق بكلمة، لئلا يخطئ، لكن انطلقت المرارة التي في داخله تتكلم. وكما يقول الرسول "الخطية الساكنة فيّ" (رو 7: 20).

v     "نفسي قلقة من جهة حياتي" [1]. الآن إذ بدأت الحياة الحاضرة أن تصير بلا طعم، وتصير محبة الخالق عذبة، التهبت النفس ضد ذاتها، فتتهم ذاتها بالخطايا التي كانت قبلاً تبررها، بكونها تجهل العلويات. لهذا أكمل: "أسيب كلامي ضد نفسي" [1].

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لتكن آلامك كتبًا تنصحك.

مار أفرآم السرياني

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن أيوب البار وسط المحن الشديدة ارتفع قلبه نحو السماويات، والتهب قلبه بالحب نحو الله، فتجلت أمامه الخطايا التي لم يكن يشعر بها قبلاً أو التي كان يستتفهها أو يبررها، لذلك كره ما كانت عليه حياته، وصار هو متهمًا لنفسه، يسمح لنفسه أن ينطق بشكواه ضد نفسه.

صار أيوب ديانًا لنفسه، حتى لا يسقط تحت الدينونة في يوم الرب العظيم الذي يستذنبه. إنه يفضل أن يستذنب نفسه قبل أن يستذنبه الله حتى في هذا العالم، فيسخر منه أعداؤه حين يسلمه الله لهم لتأديبه. حقًا ما أعذب أن يلقي الإنسان باللوم على نفسه!

هكذا تتحول الضيقة من ثقل يمرر النفس، إلى تمتع بثقل أمجادٍ أبديةٍ، نختبرها وسط الآلام. لذا يقول الرسول بولس: "لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدي" (2 كو 17:4).

v     "أتكلم في مرارة نفسي"، من يخبر عن خطاياه، مشمئزا منها، يلزمه أن يتكلم في مرارة نفسه، حتى أن المرارة ذاتها تعاقب اتهامات لسانه في تبريره لضميره. لكن يلزمنا أن نضع في ذهننا أنها تجلب نوعًا من الأمان من آلام الندامة التي تسدد ضربة إلى نفسها، وعندئذ ترتفع بثقة أعظم لمواجهة استجواب الديان السماوي.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لا ترجع النفس إلي الله إلا إذا انتزعت من العالم، ولا ينزعها بحق إلا التعب والألم.

القديس أغسطينوس

v     لم تكن طبيعة بولس الرسول تختلف عن طبيعتنا؛ ولا نفسه مختلفة عن نفوسنا، ولا عاش في عالمٍ آخرٍ، بل سكن في نفس العالم والمدينة وخضع لنفس القوانين والعادات، لكنه فاق في الفضيلة كل البشر في الماضي والحاضر. الآن، أين هؤلاء المعترضين على صعوبة الفضيلة وسهولة الخطية؟ فهذا الرجل يدينهم بكلماته: "لأن خفة ضيقاتنا الوقتية تُنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدىٍ" (2 كو 17:4). فإن كانت ضيقاته محتملة وخفيفة، فكم بالحري ضيقاتنا التي إن قارنتها صارت كلا شيء أو مجرد لذٌات؟...

احتضن بولس الآلام بمحبة بلا مُقابل، وتحْمَل بكل فرحٍ ما اعترضه من صعوبات وعوائق في طريق الفضيلة. فلم يتضايق من ضعف الجسد أو ضغوط المسئولية أو بطش العادات، ولا من أي شيءٍ آخر. عِلاوة على ذلك فاقت مسئولياته كل مهام القادة والملوك، لكنه كان يزداد في الفضيلة يوميًا. وصار ازدياد المخاطر سببًا في التهاب غيرته بالأكثر، فقال: "أنسى ما هو وراء، وأمتد إلى ما هو قدام" (في 13:3).

عندما اقترب منه الموت، دعا الجميع لمشاركته هذا الفرح، قائلاً: "وبهذا عينه كونوا أنتم مسرورين أيضًا، وأفرحوا معي" (في 18:2). فكان يتهلل فرحًا في الضيق والألم وفي كل مذلةٍ. كتب إلى أهل كورنثوس: "لذلك أُسَر بالضيقات والشتائم الضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح" (2 كو 10:12). ودَعا ذلك أذرع العدالة، موضًحًا أنها مصدر مثمر لفائدته، فصار لا يُهزَم أمام أعدائه. وبالرغم من الضرب والاضطهاد والشتم كان كمن في عرسٍ مبهجٍ، مُصحِحًَا الكثير من مفاهيم النصرة، متهللاً فرحًا، شاكرًا الله بقوله: "ولكن شكرًا لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين" (2 كو 14:2)[430].

v     ما أمجد الآلام! بها نتشبه بموته!

كما يُلقى ممحص الذهب بقطعة الذهب في الفرن لتحتمل النار إلى حين حتى يراها قد تنقت، هكذا يسمح الله بامتحان البشرية بالضيقات حتى تتنقى وتحصل على نفعٍ عظيمٍ... فليتنا لا نضطرب ولا نيأس عندما تحل بنا التجارب. لأنه كما أن ممحص الذهب يعلم الزمن الذي ينبغي أن يترك فيه الذهب في الفرن، فيُخرجه في الوقت المعين، ولا يتركه بعد في النار، حتى لا يفسد ولا يحترق، هكذا كم بالأكثر يعلم الله ذلك. فعندما يرانا قد تنقينا بالأكثر، يعتقنا من تجاربنا حتى لا ننطرح ونُطرد بسبب تزايد شرورنا.

عندما يحل بنا أمر ما لم نكن نتوقعه، لا نتذمر ولا تخور قلوبنا، بل نتحمل الله الذي يعرف هذه الأمور بدقةٍ، حتى يمتحن قلوبنا بالنار كيفما يُسر، إذا يفعل هذا بهدفٍ لفائدة المجربين، لذلك يوصينا الحكيم قائلاً بأن نخضع لله في كل الأمور، لأنه يعرف تمامًا متى يخرجنا من فرن الشر. (حكمة يشوع 1 :1، 2)

نخضع له على الدوام، ونشكره باستمرار، محتملين كل شيءٍ برضا، سواء عندما يمنحنا بركات أو يقدم لنا تأديبات. لأن هذه الأخيرة هي نوع من أنواع البركات.

فالطبيب ليس فقط يسمح لنا بالاستحمام (في الحمامات)... أو الذهاب إلى الحدائق المبهجة، بل وأيضًا عندما يستخدم المشرط والسكين هو طبيب!

والأب ليس فقط عندما يلاطف ابنه، بل وعندما يؤدبه ويعاقبه... هو أب!

وإذ نعلم أن الله أكثر حنوًا من كل الأطباء، فليس لنا أن نستقصي عن معاملته، ولا أن نطلب منه حسابًا عنها، بل ما يحسن في عينيه يفعله. فلا نميز إن كان يعتقنا من التجربة أو يؤدبنا لأنه بكلٍ من الطريقين يود ردنا إلى الصحة، ويجعلنا شركاء معه، وهو يعلم احتياجاتنا المختلفة، وما يناسب كل واحدٍ منا، وكيف، وبأية طريقة يلزمنا أن نخلص.

لنتبعه حيثما يأمرنا، ولا نفكر كثيرًا إن كان يأمرنا أن نسلك طريقًا سهلاً وممهدًا أو طريقًا صعبًا وعرًا[431].

القديس يوحنا الذهبي الفم

قَائِلاً لله: لاَ تَسْتَذْنِبْنِي.

فَهِّمْنِي، لِمَاذَا تُخَاصِمُنِي! [2]

مع ما يبدو في أيوب من تذمرٍ، لكنه يعلن جهله عن سرّ الخصومة ويستذنب نفسه، وإن كان لا يعرف ما هو ذنبه، لهذا في تواضع يطلب: "لا تسذنبني"، أي لا تفصلني عنك.

إذ سمحت لي بحمل الآلام، فلا تسمح للخطية علة تعبي أن تستقر في داخلي.

إذ سمحت لي بعصا التأديب، لا تسمح بهلاكي.

أدبني لكن لا تحكم علىّ إني مستحق للدينونة. وكما يقول الرسول: "إذ قد حُكم علينا نؤدب من الرب لكي لا نُدان مع العالم" (1 كو 11: 32).

ما اشتهاه أيوب تحقق بالمسيح يسوع: "إذ لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" (رو 8: 1).

يسمح الله بالتجارب لكي يصرخ المؤمن طالبًا المعرفة، واكتشاف أسرار الله: "فهمني، لا تخاصمني".

خلال الضيق أدرك أيوب البار أنه خاطي، لكن هذا لا يكفيه، بل يريد من الله أن يهبه فهمًا ليدرك ما هي خطيته، فيعترف بها لله، ويهرب منها خلال النعمة الإلهية.

v     عظيم هو الإيمان، وعظيمة هي قوة الضمير، أن يستدعي الإنسان الله كشاهدٍ على تحقيق هدفه.

لم يرفض أيوب ما يحل به خلال حاله البشري، إنما يرفض ما يأتي من عدم القداسة، معترفًا أنه يحل به عن ضعفٍ.

أن يخطئ الإنسان هذا من خلال واقعه البشري، لأنه ليس أحد مُستثنى من السقوط.

أما أن يعمل بطريقٍ غير مقدس، فهذا ليس من حاله البشري، إنما هو سم عدم الإيمان خلال القلب الشرير.

لا يليق بالإنسان البار أن يفعل هذا.

تعتمد المغفرة للإنسان على مراحم الله، لا على قوة الإنسان[432].

القديس أمبروسيوس

v     "قائلاً لله: لا تدينني، فهمني لماذا تخاصمني؟" [2] إذ يعلن عن نفسه أنه خاطي، "في مرارة نفسه"، ماذا يقول لله إلا أنه يطلب ألا يُدان، حيث أن مرارة ندامته الحاضرة تنزع آلام السخط عن خطاياه؟

يدين الله الإنسان في هذه الحياة بطريقين: بإدراك أنه بالمتاعب الحاضرة قد بدأ فعلاً أن يجلب عليه العذابات العتيدة، وإلا أن يرفع العذابات العتيدة خلال الضربات الحالية...

يُخَّلص التأديب من الويل أولئك للذين يتغيرون وحدهم. أما الذين لا ينصلحون بالمتاعب الحاضرة، فيدخلون إلى متاعبٍ أخرى كنتيجة لذلك.

لو أن بعض العقوبات الحاضرة لا تحفظ من الويل الأبدي، ما كان بولس يقول: "ولكن إذ قد حُكم علينا نؤدب من الرب، لكي لا ندان مع العالم" (1 كو 11: 32). كما قيل ليوحنا بصوت الملاك: "إني كل من أحبه أوبخه وأؤدبه" (رؤ 3: 19)، كما كتب: "لأن الذي يحبه الرب يؤدبه، ويجلد كل ابن يقبله" (عب 12: 6)...

بعدلٍ قيل هنا: "فهمني، لماذا تحاكمني؟" [2]. وكأنه يقول بوضوح: لقد مارست حكمك عليّ بضرباتك علي، لكي بهذه الضربات تجعلني في أمانٍ من الدينونة.

يمكن أيضًا أن تفهم هذه العبارة بمعنى آخر. كثيرًا ما يتقبل البار ضربات التجربة، وإذ يمتحن حياته بالعين الحاذقة التي تستجوبه لا يقدر أن يحدد أية خطية علي وجه التدقيق لأجلها قد ضُرب، حتى وإن شعر في نفسه أنه خاطي. إنه يرتعب بالأكثر تحت العصا بالنسبة لجهله السبب الحقيقي للضربات. إنه يصلي للديان ليُظهر له غاية ضربه إياه، حتى يتأدب بالبكاء على خطيته. فهو متأكد تمامًا أن المنتقم البار لن يُحزن أحدًا بظلمٍ. وأنه قد وُضع تحت الجلدات كإنذارٍ خطيرٍ، ومع ذلك لم يقدر أن يكتشف من نفسه ما يجب أن يحزن عليه.

أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أَنْ تَظْلِم،َ

أَنْ تَرْذُلَ عَمَلَ يَدَيْكَ،

وَتُشْرِقَ عَلَى مَشُورَةِ الأَشْرَارِ؟ [3]

عاد أيوب يعاتب الله كمن شعر بالظلم، إذ يترك الأشرار يتممون مشورتهم الشريرة في حياة مؤمنيه الذين هم من عمل يديه.

واضح في السفر كله أن أيوب لم ينسب الظلم إلى الله، لكنه كان في حيرة شديدة، إذ لم يعرف كيف يفسر الأحداث بالرغم من إدراكه وتأكده من عناية الله.

إذ يركز الإنسان في ضعفه على الضيقات التي حلت به، يتعجب كيف يترك الله الأشرار يتممون مشوراتهم الشريرة ضد أولاد الله. يظن الإنسان كأن الله قد نسي أنه عمل يديه، وموضع رعايته، وأنه ترك الأشرار يفعلون ما يريدون.

لكن إذ يرفع المؤمن نظره إلى الله، يدرك أنه الطبيب السماوي الصالح الذي يحٌَول مشورات الأشرار لبنيان أولاده ومجدهم. يسمح لهم أن يمارسوا الضيق، لكنه يهب أولاده قدرة على الصبر والاحتمال. لن يسمح الله بتجربة فوق طاقة مؤمنيه وإمكانياتهم! بحق نترنم قائلين: "قد كسر الرب عصا الأشرار، قضيب المتسلطين" (إش 5:14) .

v     الرب لم "يهتم بمشورة الأشرار" بطريقة تكبح نفس البار، حتى عندما يسلم جسده لفنون تجربتهم له... لكن حدة مشورتهم تصير كلا شيء، إذ يكيف الخالق الضربات حسب قدرتنا على الاحتمال...

حسنًا قال بولس: "ولكن الله أمين، الذي لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضا المنفذ، لتستطيعوا أن تحتملوا" (1 كو 10: 13). فلو أن الله الرحيم يسمح بالتجارب فوق قدرتنا، بالتأكيد ما كان يوجد إنسان يقدر أن يقف أمام خطط الأرواح الشريرة الماكرة دون أن يسقط أرضًا.

v     إنه بلياقة يضيف: "عمل يديك"، كمن يقول بصراحة: إنك لن تضغط بقسوة صلدة على من تذكر أنك قد خلقته بنعمتك.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لم يقل: "لماذا تتبرأ من البار، الإنسان الفاضل"، بل من "عمل يديك".

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "أنت تهتم بمشورة الأشرار"، فإن كان بسبب خطاياي (تؤدبني)، فكيف تهتم بمشورتهم؟

v     حقًا يتألم الأبرار في الوقت الحاضر في حدودٍ معينة، وفي الوقت الحاضر يطغي الأشرار على الأبرار، كيف؟ يبلغ أحيانًا الأشرار مراكز عالمية، فيكونوا قضاة أو ملوكًا. يفعل الله هذا لتأديب قطيعه، لتأديب شعبه... لكنه لا يترك العصا هكذا. فإن عصا الأشرار تُترك إلى حين على نصيب الأبرار، لكنها لا تُترك إلى الأبد.

القديس أغسطينوس

v     "أورشليم الجبال حولها، والرب حول شعبه من الآن وإلى الدهر" (مز 2:125)... يقول: إن كانت حتى الجبال محصِّنة لها، فهي في حاجة إلى الحصانة من الرب لكي تكون منيعة... ليس لها أن تثق في سلسلة الجبال.

ما الذي يجعلها مُحصنة، انظروا هذا: "لأن الرب لا يسمح لعصا الخطاة أن تستقر على نصيب الصديقين" (مز 3:125). إنه يشير إلى سبب لائق لنوال معونة الرب، حتى يشجعهم أن يثقوا فيه. ما هو؟ يقول المرتل: إنه لم يحتمل أن يكون صلاح الصديقين في أيدي الخطاة...

إنه لا يسمح لهم أن ينالوا سلطانًا على ميراث الأبرار، فإن سمح به، إنما إلى حين لأجل إصلاحهم ونصحهم وتأديبهم[433].

القديس يوحنا ذهبي الفم

أَلَكَ عَيْنَا بَشَرٍ،

أَمْ كَنَظَرِ الإِنْسَانِ تَنْظُرُ؟ [4]

وثق أيوب أن عيني الله ليستا كعيون البشر الجسدية، فهو يري في الظلام، ويعرف الخفيات، عيناه في كل مكان (أم 15: 3)، تجولان في كل الأرض (2 أي 16: 9). كل شيء مكشوف أمام الله. لهذا يقول الرسول: "نحن نعلم أن دينونة الله هي حسب الحق" (رو 2: 2).

مادام الله مدركًا لأسرار قلب أيوب، ويعلم محبته له ونقاوة قلبه، فهو ليس بمحتاجٍ أن يسمح للعدو أن يجربه كيف يتزكى أمام الرب.

حقًا لم يكن الله محتاجًا أن يُسلم أيوب للتجربة لكي يفحص أعماقه، إنما سمح بذلك ليخزي عدو الخير، ولكي يتزكى بالأكثر أيوب خلال صبره واحتماله بشكرٍ دون أن يجدف على الله.

في عتاب صريح يقول أيوب لله إن عينيه ليست كعيون البشر، فهي فاحصة لأعماق الإنسان بلا حدود، تعرف حتى ما سيفعله في المستقبل، فما الحاجة لفحصه؟ يسأله ألا يسلمه للشرير حتى لا يضغط عليه فيخطئ.

v     "ألك عينا بشر، أم كنظر الإنسان تنظر؟" [4]... لا تقدر أعين الجسد أن تتطلع إلي أعمال الحقبات الزمنية إلا في حدود زمنٍ معين، علاوة على هذا فإن أيام البشر وسنواتهم تختلف عن أيام الأبدية وسنواتها. حياتنا تبدأ في زمنٍ وتنتهي في زمنٍ، بينما الأبدية فبلا حدود...

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "أم كنظر الإنسان تنظر؟" هذه الكلمات معناها... ليس من ضرورة لك أن تفحص أيوب، وتمعن النظر فيه لتنظره إن كان هو كما يدعي العدو، فإذ أنت هو الله تعرفه مقدمًا. إنك لا تنظر كما ينظر المائت، فلماذا سُلمت أنا للعدو ليلزمني أن أرتكب إثمًا؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

أَأَيَّامُكَ كَأَيَّامِ الإِنْسَانِ

أَمْ سِنُوكَ كَأَيَّامِ الرَّجُل [5].

كما أن الله غير محدود، فإن أيامه غير محدودة، هو خالق الزمن. أيام الإنسان كما قال ليعقوب لفرعون: "قليلة ورديئة"، عرضة للتغيير. لذا فإن نظرة الله للأمور وأحكامه تختلف عن نظرة الإنسان. فبالنسبة لله الماضي كما الحاضر والمستقبل، الكل حاضر قدامه.

حَتَّى تَبْحَثَ عَنْ إِثْمِي،

وَتُفَتِّشَ عَلَى خَطِيَّتِي؟ [6]

يرى أيوب أن الله أعظم من أن يبحث عن خطيته أو يفتش عن إثمه، أو أن أيوب في عيني نفسه أتفه من أن ينشغل به الله ليبحث عن خطاياه. وكأنه يقول مع إرميا النبي: "قد عرفنا يا رب شرنا، إثم آبائنا، لأننا قد أخطأنا إليك، لا ترفض لأجل اسمك. لا تهن كرسي مجدك" (إر 14: 20-21).

v     كأنه يقول وهو يتساءل في تواضعٍ: لماذا تفحصني بالضربات في زمنٍ، بينما حتى قبل أن يوجد الزمن تعرفني معرفة كاملة في داخلك؟ لماذا تقيم استجوابًا عن خطاياي خلال الضربات، وأنت بقدرة أبديتك تعرفني قبل أن تخلقني؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

فِي عِلْمِكَ أَنِّي لَسْتُ مُذْنِبًا،

وَلاَ مُنْقِذَ مِنْ يَدِكَ [7].

سبق أن اعترف أنه خاطئ، لكنه ليس بالمعاند الشرير والمقاوم لله ووصيته، ولا بالمرائي. لهذا يقول: "في علمك إني لست مذنبًا".

هكذا يليق بنا أن نعترف أننا خطاة، لكننا بالنعمة نعلن له مع الرسول: "أنت تعرف إني أحبك" (يو 21: 17).

مع اعترافي بأني شرير، لكن ليس من ينقذني من يدك سواك! إليك ألجأ فلا تغضب عليّ!

v     "ليس من يفلت من يدك"، إنه كمن يقول بوضوح: ماذا لك سوى أن تصفح، يا من لا يقدر إنسان على مقاومة قدرتك؟ فإنه كما لا يوجد من ينعم بافتقادك عن استحقاق بسموه، هكذا، فإن حنوك هو الذي يسمح بنوال المغفرة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     حتى إن قدمت شهادة عني، فإني لا أستطيع أن أخلص ببري، وإذ أنت تريد أن تضربني لا أقدر أن أخلص نفسي، لأنه "من يقدر أن ينقذني من يديك؟" كل الخليقة في يمين هذا الذي له المجد الأبدي.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

2. حياته في يد الله

يَدَاكَ كَوَّنَتَانِي وَصَنَعَتَانِي كُلِّي جَمِيعًا.

أَفَتَبْتَلِعُنِي؟ [8]

الإنسان مدين لله بوجوده، لكن عندما تحلّ به تجربة يرى كأن الله يريد أن يبتلعه.

استخدم كثير من الآباء الكنسيين هذه العبارة للرد على أتباع ماني وغيرهم ممن ادعوا أن جسم الإنسان عنصر ظلمة، وأنه فاسد بطبعه يجب الخلاص منه[434].

يرى القديس مار يعقوب السروجي أن الجسد لا يستطيع أن يعيش وحده، كذلك لا تستطيع النفس أن تعيش وحدها. [لم يُمنح الجسد حياة دائمة من دون النفس، ولم تُمنح النفس إحساسًا من دون الجسد. فحياة النفس هامدة بدون الجسد، والجسد الموضوع في التراب يبقى بدون حياة.]

أشار كثير من آباء الكنيسة إلى أن إحدى بركات التجسد الإلهي، أن الله ردّ للجسد الذي خلقه كرامته، إذ لم يأنف كلمة الله الأزلي أن يحمل جسدًا بشريًا حقيقيًا، ويمارس أعمالاً جسدية.

v     من أجل أن الكلمة نزل وأتى ليكون جسدًا مع الجسدانيين، سار في طريق كل المولودين، وبقي في العالم ثلاثين سنة بتواضعٍ. حينئذ بدأ يفعل بقوة جبروته.

عجيب أنه كان ساكنًا في بيت النجار، ومختلطًا بهم، ويسلك حسب عادتهم...

العجب أن السماوات ممتلئة من تمجيده، وقد اكتفي ببيتٍ صغيرٍ يتربى فيه!...

صار طفلاً ورضع اللبن ولم يمل... صار صبيًا وقاس الأسواق بخطواته... صار شابًا وتعبد في بيت النجار. صار رجلاً وأحنى رأسه قدام يوحنا، ومع التائبين نزل للتعميد بتواضعه...

لنصدق أنه أتى وصار جسدًا، لا بالتشبيه بل بالحق. صار إنسانًا ليشعر العالم أن آدم الثاني أظهر نفسه ليجدد العالم عوض الأول الذي لدغته الحية.

لو بدأ يفعل القوات من صباه لكانوا يظلمونه قائلين إنه لم يتجسد بالحق. وأن جسده خيال ولم يكن جسدًا. من أجل هذا ثبَّت ربنا ثلاثين سنة، وحينئذ بدأ يسير بطريق القوات. ليكون بالجسد رجلاً كاملاً يشبه آدم. لأنه خرج ليخاصم العدو (الشيطان) عوض آدم.

القديس مار يعقوب السروجي

v     لسنا نريد أن نتخلص من الجسم، وإنما من الفساد الذي فيه. جسمنا هو ثقل علينا، ليس لأنه جسم، بل لأنه فاسد وقابل للألم. ولكن إذ تحل الحياة الجديدة، فإنها تنزع هذا الفساد، أقول هذا الفساد لا الجسم نفسه[435].

v     إن أردتم أن تتعلموا أية نوعية للجسد الذي خلقه الله أولاً، فلنذهب إلي الفردوس، ونبحث عن الإنسان الذي خُلق في البداية. فإن ذاك الجسد لم يكن فاسدًا ولا ميتًا. لكنه كان أشبه بتمثال ذهبي خارج من الفرن يشرق بهاءً، هيكله متحرر من كل فسادٍ. العمل لا يجعله متُعبًا ليس من عرق يتصبب منه. لا يتآمر عليه، ولا وجد شيء من هذا النوع يزعجه[436].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     يا لشدة فاجعة هذا القديس من أجل الضعف العام لكل البشر! يا لقسوة الرعاية أن الله صنع الإنسان بيديه! يمكن أن يعفي عن الإثم بحجة الضعف (البشري)، وتعلن النعمة عملها الأبدي فينا خلال حنو الحصانة السماوية[437].

القديس أمبروسيوس

v     "يداك كونتاني وصنعتاني كلي جميعًا، ثم عدت فطرحتني فجأة" [8]. كأنه يقول له في تواضعٍ: وإن كان ما أفعله غير لائق باسترضائك إن خضع لفحصٍ عادلٍ، فلتذكر رحمتك، لئلا تهلك صنعة يديك... لماذا تستخف بي هكذا، وأنت خلقتني بمثل هذه الظروف من الكرامة؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "لقد ضربتني" ليس كديانٍ، بل كأب تصلحني!

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

ماذا يعني بيديْ الله؟

v     إذ نقرأ أن الروح القدس هو إصبع الله (لو 11: 20)، فإننا نحسب أن الأصابع تشير إلي الابن والروح. أخيرًا لكي يشير أنه يقتني التقديس من كل من الابن والروح يقول قديس معين: "يداك كونتاني وصنعتاني" (أي 10: 8)[438].

القديس أمبروسيوس

v     "يداك كونتاني وشكلتاني". إنها تشير إلي العناية الإلهية التي تعمل بعد خلقتنا[439].

ثيؤدورت أسقف قورش

اُذْكُرْ أَنَّكَ جَبَلْتَنِي كَالطِّينِ.

أَفَتُعِيدُنِي إِلَى التُّرَابِ؟ [9]

يلجأ أيوب إلى حب الله الفائق للإنسان. أقامه الله من الطين، وقدم له كل هذه الإمكانيات الفائقة، فهل يرجع الله عن حبه، ويرد الإنسان إلى ما كان عليه؟

ليس للإنسان أن يفتخر لأنه جُبل من الطين، وفى نفس الوقت لا يستهين بنفسه، ولا يستخف بحياته، فهو من صنع الله، الذي خلقه على صورته ومثاله.

v     يبدو أيوب كمن يقول: أذكر ضعف الجسد، وأغفر إثمي.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لماذا تنسى عملك؟ لماذا تنسى افتقادك؟

نعم لماذا تنسَ ضعفي؟

لأنه من هو الإنسان إلا افتقادك له؟ (مز 8: 4؛ عب 2: 6)

لهذا لا تنسى من هو ضعيف. تذكر يا رب أنك خلقتني ضعيفًا، أذكر أنك جبلتني كالطين (مز 103: 14؛ أي 10: 9). كيف يمكنني أن أقف ما لم توجهني عنايتك على الدوام لتقوي هذا الطين، فتصدر قوتي عن وجهك؟ "تحجب وجهك، فيرتاع كل شيء" (مز 104: 29)[440].

v     احتياجات الجسم تولد اهتمامات، وتدخل بنا إلي مساعٍ تعوق قوة النفس وتمنع تركيزها. أوضح القديس أيوب ذلك حسنًا: "أذكر أنك جبلتني من الطين" (أي 10: 9). فإن كان الجسم طينًا، فبالتأكيد يلوثنا ولا يغسلنا. إنه يفسد النفس ويلوثها بالإفراط في إشباع الهوى. "كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ" (أي 10: 11). هكذا ترتبط نفوسنا وتتعذب بأعصاب الجسم وأحيانًا تقسو غالبًا عندما تنحني. "من ذنبي لا تحلني. إن كنت شريرًا، فيا ويلي! إن كنت بارًا، لا أتجاسر وأرفع رأسي، لأني شبعان هوانًا. تجلب عذابات ضدي" (أي 10: 14-15، 17LXX )[441].

القديس أمبروسيوس

v     يُوضع (الإنسان) في يد الله (مز 31: 6)، الذي هو ميناء آمن (مز 107: 30)، وبرج حصين (مز 61: 3)، بالطبيعة هو رءوف ينقذ ويخلص. يهتم الله بأولئك الذين خلقهم من الطين برعاية فائقة... لقد أقام شكلاً ملوكيًا ملتحفًا بالمجد (مز 8: 6)، صورة مستحقة للكرامة؛ أعطاه سمات على مثال الخالق، إذ أراد ذلك. لذا يليق بكل واحدٍ منا أن يحفظ هذه الصورة في كل حينٍ، وبالأكثر في وقت التجربة... هكذا الآن يصور أيوب بدقة كل تاريخ آدم، مقدمًا لنا تعليمًا مختصرًا، هذا الذي شرحه موسى بإفاضة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     لقد تضايق يونان بعد هروبه ومصالحة شعب نينوى مع الله... متألمًا ومنفعلاً بطريقة بشرية مملوءة حزنًا. فأمر الله الأرض أن تنبت يقطينه ليونان تحمى رأسه، ثم أمر الشمس أن تزيد من حرارتها فتحرقها. فغضب يونان لهلاكها، لكن إذ عزاه الرب ثم جربه اسمع ماذا يقول له: "أنت تشفق على اليقطينة التي لم تتعب فيها ولا ربيتها، التي بنت ليلة كانت، وبنت ليلة هلكت. أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من أثنى عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم؟!" (يونان 4: 10-12)

هذا ما أراد أن يقوله: ألم تفرح بظل اليقطينة، فكم بالحري ينبغي لي أن أفرح بخلاص أهل نينوى؟! ألم تتألم بهلاكها؟! هكذا يؤلمني هلاك البشرية...

لم يقل له: "أنت شفقت على اليقطينة" وتوقف... بل أكمل: "التي لم تتعب فيها ولا ربيتها". لأنه كما يشفق البستاني على الشجرة التي تعب فيها أكثر من غيره، هكذا أراد الله أن يثبت محبته للبشر خلال هذه المحبة. كأنه يقول له: أنت تدافع بقوة عن عمل غيرك الذي لم تتعب فيه، بالحري يليق بي الدفاع عن عمل يدي! ثم يخفف من حدة الاتهام الموجه ضدهم بقوله: "لا يعرفون يمينهم من شمالهم"، أي أخطأوا بغير معرفة...

ويعاتب الذين يئنون بأنهم متروكون قائلاً: "من جهة بني ومن جهة عمل يديَّ أوصوني!" (إش 45: 11) وكأنه يقول: من يُذَّكر الأب بابنه أو يحثه ليفكر فيه؟ أو من يُذَّكر الفنان ألا يتلف فنه؟!

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الإنسان الترابي يحمل فكرًا ترابيًا يميل إلى الزمنيات الأرضيات، لكن الروح القدس يرفعه إلي السماويات.

من محبة الله أنه يسحب نعمة روحه القدوس منه كما إلى حين حتى يكتشف حقيقته فيصرخ: "أفتعيدني إلى التراب؟" [9]. يشعر الإنسان بضعفه ويدرك أنه بدون تدخل نفخة النعمة السماوية يكون ترابًا جافًا.

أَلَمْ تَصُبَّنِي كَاللَّبَنِ،

وَخَثَّرْتَنِي كَالْجُبْنِ؟ [10]

تشبيه رائع، فكما يمكن للشخص البسيط أن يصب اللبن أو يصنع الجبن هكذا في يُسر وسهولة صنع الله الإنسان.

v     إذ أخذ الرب جسدًا لم يخجل منه، إذ هو مكوِّنًًا للأجساد. لكن من الذي أخبرنا بهذا؟ يقول الرب لإرميا: "قبلما صورتك في البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدستك" (إر 5:1). فإن كان لم يخجل من خلقه جسد الإنسان، أفيخجل من الجسد الذي أخفي فيه لاهوته، الذي يخلق الأطفال في الأحشاء كما كتب أيوب: "ألم تصبني كاللبن، وخثرتني كالجبن، كسوتني جلدًا ولحمًا فنسجتني بعظام وعصب؟!"[442]

القديس كيرلس الأورشليمي

مرة أخري إذ تعمل فيه نعمة الروح القدس ينسحب فكرنا مما كان عليه، فيصير ذهننا كاللبن المصبوب، فيتشكل بالروح القدس إلى الحنو والرقة من جديد، ويصير أشبه بقطعة من الجبن.

v        تختفي الطبيعة العاقلة الخالدة في جسدنا البالي، وتوحي بكل أفعالها فيه وخلاله. وهكذا إذ لكم هذا الجسد الذي صار مذبحًا يُقدم عليه البخور، لذلك ضعوا عليه كل أفكاركم ومشوراتكم الشريرة قدام وجه الرب، رافعين عقولكم وقلوبكم إليه، متوسلين أن يرسل ناره المقدسة لتحرق كل ما هو على هذا المذبح وتنقيه، فيخافكم خصومكم (الشياطين والخطايا) - كهنة البعل - ويهلكون على أيديكم، كما حدث مع إيليا النبي (1 مل 25:18 - الخ) حينئذ تشاهدون المعزى القدوس في الماء الإلهي (المعمودية) الذي يمطر عليكم مطرًا روحيًا.

القديس أنطونيوس الكبير

كَسَوْتَنِي جِلْدًا وَلَحْمًا،

فَنَسَجْتَنِي بِعِظَامٍ وَعَصَبٍ [11].

حين خلق الله الإنسان، لم يخلقه عريانًا، لأنه كساه بالجلد، ولا أوجده ضعيفًا، إذ نسجه بالعظام والعصب. هكذا تتشح أجهزتنا الداخلية بالجلد وتتحصن بالعظام والأعصاب. وكان يُمكن أن يعيش الإنسان في وقارٍ وقوةٍ لو لم تعريه الخطية وتضعف قدرته.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الإنسان الداخلي ملتحف بجلدٍ ولحمٍ، وذلك لأنه في أثناء ارتفاعه نحو السماويات يجد في نفس الوقت إعاقة حيث يُحاصر بتحركات جسدية تعوقه.

ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن أيوب يلمس رعاية الله الفائقة الذي خلقه من العدم ووهبه جلدًا وجسمًا، عظامًا وأعصاب، فكيف يمكن لهذا الخالق المبدع في حبه ورعايته وقدراته ألا يهتم بالإنسان محبوبه؟

v     إنه يعني: ألست أنت هو الذي تقدم له تأكيدًا على عظمة الحب نحو الإنسان، وعلى عظمة الحكمة هذه؟ فإن كان أيوب يشير إلى تكوين الإنسان في شيء من التفصيل إنما ليبرهن أنه بعدما خلقه من العدم، هل ينكر رعاية الله العظيمة وحكمته الفائقة هذه؟ وقد أظهر أن الإنسان (بذاته) عدم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     إنه لصانع حكيم، من الذي أعد الرحم ليحمل الجنين؟!

من يهب الحياة للأشياء التي بلا حياة في داخلك؟!

من الذي ربطنا بعضلات وعظام، وكسانا بجلدٍ ولحمٍ، وما أن يولد الطفل حتى يفيض اللبن من الثديين؟!

كيف ينمو الطفل ليكون صبيًا، فشابًا، فرجلاً، ويبقى هكذا حتى يعبر إلى الشيخوخة، دون أن يلاحظ أحد هذا التحول الدقيق من يومٍ إلى يومٍ؟![443]

القديس كيرلس الأورشليمي

مَنَحْتَنِي حَيَاةً وَرَحْمَةً،

وَحَفِظَتْ عِنَايَتُكَ رُوحِي [12].

إن كان لنا ما نشتكي منه حتى مما صدر عن الله، فإننا نلجأ إليه. إنه يسمح بالضيق لكي نتعلم أن نلجأ إليه فهو الذي خلقنا لكي ننعم به، لا لكي نتذمر.

مع عطية الجسد في روعة خلقته وإمكانياته الظاهرة والخفية، قدم الله لنا ما هو أعظم، ألا وهى نسمة الحياة التي من فم الله. منحنا الحياة والرحمة، وقدم لنا نعمة العقل والفكر مع القلب والعواطف.

أقام النفس مخفية في الجسم، لكن ما يحفظها، ليس الجسم بقدراته وطاقاته، إنما عناية الله.

v     يا لقوة مرثاة هذا الرجل القديس للضعف العام لكل البشر! كم كان ثقل الاتهام بأن الله صنع الإنسان بيديه قويًا، ومع ذلك يُقدم الإنسان عذرًا عن ارتكاب الذنب بدعوى أنه ضعيف، بينما تعلن النعمة عن العمل الأبدي فينا خلال حنو الحماية السماوية[444].

القديس أمبروسيوس

v     "وحفظت عنايتك روحي" [12]. لا يكفي أن يكون لك ذلك بالطبيعة، بل يتطلب عنايتك الإلهية علينا. يقول: خلال كل حياتي استعين بعنايتك الإلهية.

v     إن كنت تشك في عناية الله سْل الأرض والسماء والشمس والقمر، سلْ الكائنات غير العاقلة والزروع... سلْ الصخور والجبال والكثبان الرملية والتلال. سلْ الليل والنهار. فإن عناية الله أوضح من الشمس وأشعتها. في كل مكان، في البراري والمدن المسكونة، على الأرض وفي البحار... أينما ذهبت تسمع شهادة ناطقة بهذه العناية الصارخة...

في كل موضع ترتفع الأصوات مدوية بوضوح أعلى من أصوات البشر العاقلين، تعلن لكل من يريد أن يسمع عن محبة الله الساهرة!

وإذ أراد النبي أن يسجل قوة هذه الأصوات قال: "في كل الأرض خرج صوتهم وفي أقصى المسكونة كلماتهم" (مز 19: 4).

لا يفهم لغتنا نحن إلا أهل لساننا، أما الخليقة فتنطق بلغة تفهمها جميع الشعوب![445]

القديس يوحنا الذهبي الفم

لَكِنَّكَ كَتَمْتَ هَذِهِ فِي قَلْبِكَ.

عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عِنْدَكَ [13].

كان أيوب في صراعٍ بين هذه النعم الإلهية المجانية ورعاية الله الفائقة للحفاظ على الجسم كما على النفس، وبين ما سُمح له بأن تحلّ به متاعب لا تُحتمل. لهذا يقول: "لكنك كتمت هذه في قلبك"، أي أن الأمرين يتفقان معًا خلال مشيئتك المكتومة في داخلك، لا يستطيع أحد منا أن يدرك أعماقها. إنه في يقين من نحو عناية الله ومن نحو سماح الله له بالألم: "علمت أن هذا عندك".

v     "إذ كتمت هذه في نفسي، أعرف أنك تستطيع كل شيء، ولا يستحيل عليك شيء". ألا ترون أن إمكانية معرفة الله معلنة في خليقته (رؤ 1: 19)؛ فإنه يكفيني خلقتي أن تظهر لي وجود الله وقوته دون حاجة إلى السماء؟ فإننا إذ خُلقنا هكذا، أن نوجد من حيوان منوي (بذرة)، وأن نكون بهذا العون، ولا يسمح لنا بالسقوط في مخاطرٍ، هذا كله يكفي ليظهر قوة الله وسلطانه. وذلك كما في حقيقة حفظ الخاطي وعدم معاقبته (هنا)، وفي تأديب البار ومعاقبته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     كيف لا يكون مثل هذا (منح الحياة والرحمة) لخالق كهذا؟

أي شيء يمكن أن يكون مستحيلاً عليه؟

فإن كنت جعلت الطين على صورة الله (تك 2: 7)، وجعلت التراب يعبر إلى درجة الكائن العاقل، إن كنت تهب الكائنات الأرضية سعادة تعادل ما للكائنات السماوية، كيف لا تقدر أن تصنع معجزة لي؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

3. عدالة الله ورحمته

إِنْ أَخْطَأْتُ تُلاَحِظُنِي،

وَلاَ تُبْرِئُنِي مِنْ إِثْمِي [14].

لا ينكر أيوب أنه مخطئ، وأن خطاياه يعلمها الله، ويلاحظها، وبهذا لن يتبرر أيوب أمامه. "إن كنت تراقب الآثام يا رب، يا سيد فمن يقف؟" (مز 130: 3)

v     إن أخطأت تلاحظني، لئلا أسقط في الحفرة (مز 28: 1)، في خطية قصوى، وأضيع تمامًا، ولئلا أضل عن القطيع (يو 10: 1)، واذهب إلى جب الذئاب. حسب قانون العدل لا تجدني بارًا، بل تجدني ملومًا تحت ضربة اللعنة الموروثة (تك 3: 17).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

أدرك أيوب أنه لن يستطيع أن يتبرر بذاته، بل محتاج إلى من يهبه. إنه كسائر آباء العهد القديم كان يترجى مجيء المسيا المخلص.

v     تألم السيد المسيح في الوقت الذي كان فيه بيلاطس بنطس يعمل حاكمًا وقاضيًا...

من الذي تألم؟ ربنا، ابن الله الوحيد!

وماذا حدث له؟ صُلب ومات وقُبر!

ومن أجل من؟ لأجل الأشرار والخطاة!

يا لعظم هذا التنازل! يا لعظمة النعمة!

"ماذا أرد للرب من أجل كل حسناته لي؟ (مز 116: 12)[446].

القديس أغسطينوس

v     يظهر المسيح لكل واحدٍ حسب احتياجه. فالمحتاجون إلى البهجة يتقدم إليهم ككرمة، والمحتاجون إلى الوجود في حضرة الآب يأتيهم كبابٍ، والمحتاجون إلى من يقدم صلواتهم يجدونه الشفيع فيهم الكاهن العلى، وللخطاة هو الحمل (المذبوح) لأجل تقديسهم.

إنه كل شيء لكل واحد دون أن تتغير طبيعته بل يبقى كما هو. هو باقٍ، وعمل بنوته لن يتغير، لكنه يكيف نفسه حسب ضعفنا، بكونه طبيبًا ممتازًا أو معلمًا مملوء حنوًا إنه الرب نفسه، لم يقبل الربوبية عن تقدم، إنما عمل بنوته طبيعي[447].

v     كلمة "يسوع" تعني "مخلص"، أما في اليونانية فتعني "الشافي"، إذ هو طبيب النفوس والأجساد، شافي الأرواح، فتح عيني المولود أعمى، وقاد الأذهان إلى النور. يشفي العرج المنظورين، ويقود الخطاة في طريق التوبة، يقول للمفلوج: "لا تخطئ"، وأيضًا: "احمل سريرك وامش" (يو 14:5، 8)، لأن الجسد كان مفلوجًا بسبب خطية النفس. خدم النفس أولاً حتى يمتد بالشفاء إلى الجسد.

لذلك إن كان أحدكم متألمًا في نفسه من خطايا، فإنك تجده طبيبًا لك. وإن كان أحدكم قليل الإيمان فليقل له: "أعن عدم إيماني" (مر 24:9).

وإن أصابت أحدكم آلام جسدية، فلا يكون غير مؤمنٍ، بل يقترب، فإن يسوع يعالج مثل هذه الأمراض، وليعلم أن يسوع هو المسيح[448].

القديس كيرلس الأورشليمي

v     كثيرًا ما يضطرب الذهن في أعماقه عند تذكر الخطية، فيحث على ممارستها بصورة أشر مما كان عليها حين سبق فارتكبها.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "إن أخطأت تلاحظني" (أي 10: 14). اعترف يا إنسان بخطاياك لتنال المغفرة "اظهر آثامك فتتبرر" (إش 43: 26 LXX).

لماذا تخجلون من الاعتراف بها وأنتم قد وُلدتم فيها؟ (مز 51: 7). من ينكر ذنبه ولا يعترف به ففي الحقيقة ينكر مولده.

لكن أتريدون أن تحتفظوا بما تتسلموه! لماذا تظنون أنكم تملكون ما لم تتسلموه؟ لهذا فليعترف الخاطي، وغير المقدس، ولا يرتفع البار ولا يتشامخ، لئلا يفقد مكافأة برِّه بالكبرياء (أي 10: 15)[449].

القديس أمبروسيوس

إِنْ أَذْنَبْتُ فَوَيْلٌ لِي.

وَإِنْ تَبَرَّرْتُ لاَ أَرْفَعُ رَأْسِي.

إِنِّي شَبْعَانُ هَوَانًا وَنَاظِرٌ مَذَلَّتِي [15].

بدون التوبة نسقط في هذا الويل الذي يشير إليه أيوب هنا. فإنه ليس ما ينقذني منه، لا سمو أخلاقي ولا عبادتي أيا كانت مادامت بدون توبة. هذا ما يعنيه أيوب بقوله: "إن تبررت" أي اتكلت على بري الذاتي أو على سلوكي أو خدمتي، هذا كله لن يرفع رأسي أمام إلهي.

حذرنا الكتاب المقدس من الخطية أيا كانت فإنها تجلب العار والهوان، "إِنِّي شَبْعَانُ هَوَانًا وَنَاظِرٌ مَذَلَّتِي" [15].

"البر يرفع شأن الأمة، وعار الشعوب الخطية" (أم 14: 34).

"ارحمنا يا رب ارحمنا، لأننا كثيرًا ما امتلأنا هوانًا" (مز 123: 3).

"الحكماء يرثون مجدًا، والحمقى يحملون هوانًا" (أم 3: 35).

"تأتي الكبرياء فيأتي الهوان، ومع المتواضعين حكمة" (أم 11: 2).

"فقر وهوان لمن يرفض التأديب، ومن يلاحظ التوبيخ يُكرم" (أم 13: 18).

"إذا جاء الشرير جاء الاحتقار أيضًا، ومع الهوان عار" (أم 18: 3).

"لا تترفع لئلا تسقط، فتجلب على نفسك الهوان" (سيراخ 1: 38).

"شأن الإنسان الكذوب الهوان، وخزيه معه على الدوام" (سيراخ 20: 28).

"الكسلان أشبه بحجر قذر، كل أحد يصفر لهوانه" (سيراخ 22: 1).

"على حسبما كثروا هكذا أخطأوا إليّ، فأبدل كرامتهم بهوانٍ" (هو 4: 7).

"لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان، لأن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة" (رو 1: 26).

v     بجانب الشرور الموروثة (الجدية) أضفت شرورًا من عندي... خطية آدم بلا شك لا تسمح لإنسان أن يتطلع إلى فوق بجسارةٍ، ولا أن يمجد ذاته. لهذا يقول أيوب: "أنا شبعان هوانًا".

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     نعم، فإن "الويل" للشرير، وللبار "الحزن"، فالعقوبة الأبدية تلحق بالخاطي الهالك، بينما كل شخص من المختارين يتطهر بآلام الحزن الوقتي...

ولكن إن تغاضينا عن خطية أبينا الأول إلى حين، نجد أنفسنا نُصطاد بواسطة عادة الكبرياء الشريرة.

كثيرًا ما يحدث أنه بالفضائل الموهوبة، ينتفخ الإنسان في جسارة وبرّ ذاتي، ولكن خلال تدبير العناية الإلهية العجيبة يُسمح له أن توضع أمام عينيه بعض الأمور المعارضة التي يسقط فيها البعض...

إذ يري القديس ما يحدث لزملائه تصدر عنه شخصيًا صرخة من جهة المخاطر التي نتعرض لها.

بهذا إذ نقرأ عن نوح شخصٍ ما نتعلم أن نحزن على ما في داخلنا.

الآن إذ يثور الكبرياء في الفكر، فإن الشعور المجروح بحب الأعالي يفارقنا، ولكن عندما تحل النعمة من فوق علينا تحثنا في الحال على الاشتياق إليها بدموع.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     بحق يقول: "إن تبررت لا أرفع رأسي، فإني شبعان هوانًا" [15]. يعرف الإنسان البار ضعفه...

الحكيم يتحرك للتعرف عليها، والغبي لا يفعل ذلك.

بالحق يتحرك الحكيم نحو التوبة ويتذكر أخطاءه، والجاهل يسر بها.

الحكيم هو من يتهم نفسه (أم 18: 17)، أما الشرير فهو المدافع عن نفسه.

البار يود أن يسبق متهمه في اتهام نفسه بخطاياه، أما الشرير فيرغب في أن يبكمه.

واحد يسرع من البداية في الحديث عن أخطائه، والآخر يحاول أن يتهم الغير بحديثه الثرثار حتى لا تنفضح خطاياه[450].

القديس أمبروسيوس

في إحدى الرسائل الفصحية يصور لنا القديس أثناسيوس الرسولي الهوان الذي يحل بالنفس البشرية بسبب الخطية، بينما يتمتع الأبرار أصحاب القلوب النقية بالمجد، أي مجد رؤية الله.

v     إننا نقول بأن الأشرار أموات، لكن لا في حياة تعبدية ضد الخطية، ولا هم مثل القديسين يحملون الموت في أجسادهم، إنما يدفنون النفس في الخطايا والجهالات، فتقترب النفس من الموت. وإذ يشبعونها بالملذات المميتة، تكون نفوسهم أشبه بنسورٍ صغيرةٍ تحوم فوق جثث الموتى. وقد أعلنت الشريعة عن هذا إذ تأمر في صورة رمزية بعدم أكل النسور وجميع الطيور التي تأكل الجيف (لا 13:11).

هؤلاء يقتلون النفس بالشهوات، ولا يقولون سوى "لنأكل ونشرب، لأننا غدًا نموت" (إش 13:22).

وقد وصف النبي الثمرة التي يجتنيها أمثال هؤلاء الذين ينغمسون في الملذات، فقال: "فأعلن في أذني رب الجنود: لا يغفرن لكم هذا الإثم حتى تموتوا" (إش 14:22).

نعم، حتى عندما يعيشون، فإنهم يكونون في عارٍ، إذ يحسبون آلهتهم بطونهم، وعندما يموتون يتعذبون، لأنهم افتخروا بمثل هذا الموت.

ويحمل بولس أيضًا شهادة عن هذه النتيجة فيقول: "الأطعمة للجوف، والجوف للأطعمة، والله سيبيد هذا وتلك" (1 كو 13:6).

وتعلن الكلمة الإلهية عن هؤلاء بأن موت الأشرار شر، ومبغضو الصديق يخطئون (مز 21:34)، لأن الأشرار يرثون نارًا مرة وظلامًا مهلكًا.

أما القديسون والذين يمارسون الفضيلة ممارسة حقيقية، فقد أماتوا أعضاءهم التي على الأرض، الزنا والنجاسة والهوى والشهوة الرديئة (كو 5:3). فيتحقق فيهم، بسبب هذه النقاوة وعدم الدنس، وعد مخلصنا: "طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله" (مت 8:5).

القديس أثناسيوس الرسولي

وَإِنِ ارْتَفَعَ رَأْسِي تَصْطَادُنِي كَأَسَدٍ،

ثُمَّ تَعُودُ وَتَتَجَبَّرُ عَلَيَّ! [16]

كأنه قد صار فريسة في فم أسد، ليس من مفرٍ ولا مهربٍ، ولا من رحمةٍ أو شفقةٍ! جاءت إحدى الترجمات: "إن تكبرت وتجبرت كأسدٍ فإنك تصطادني".

v     عين الإنسان بحق كأسد، لأنه وحش ملوكي (تك 28: 8-9). علاوة على هذا فإن البار إذ يحفظ كرامة صورة (الله) فيه يكون مرعبًا لخصومه. قيل في هذا في سفر الأمثال: "الصديق جرئ كأسد" (راجع 28: 1). أما إن انحط إلى الطمع، كما يحثه الأعداء على ذلك، ففي ذات اللحظة "يُصطاد كأسدٍ للذبح". يصير موضوع سخرية للذين كانوا يقتفون أثره، فيكون كالأسد الذي ما أن يسقط في إغوائهم له، يصطادونه.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

تُجَدِّدُ شُهُودَكَ تُجَاهِي،

وَتَزِيدُ غَضَبَكَ عَلَيَّ.

مَصَائِبُ وَجَيْشٌ ضِدِّي [17].

ما ضاعف نكبة أيوب أنه شعر بغضب الله يتزايد، مما زاد التجربة مرارةً وثقلاً. لم ينقص الله وجود شهودٍ ضد أيوب، إن عجز شاهد يقوم شاهد جديد محله. ولما كانت كلمة "شهود" في اليونانية تعني "شهداء، فكأن الذين يشهدون لله على محبته ورعايته الإلهية وعمله الخلاصي حتى الموت، يصيرون شهودًا ضد المتشككين في عناية الله والمتذمرين عليه. ظهور هؤلاء الشهود القديسين يديننا، فلا يكون لنا حجة أو تبرير لتصرفاتنا الخاطئة، وقد عبَّر أيوب على ذلك بقوله: " وَتَزِيدُ غَضَبَكَ عَلَيَّ. مَصَائِبُ وَجَيْشٌ ضِدِّي".

"مَصَائِبُ وجيش ضدي"، جاءت إحدى الترجمات: "جيوشك تتناوب الموقف ضدي".

v     شهود الله هم الذين يحملون شهادة بممارسة الأعمال المقدسة... أيضًا أولئك الذين يتألمون من أجل الحق. في اللسان اليوناني "الشهداء" هم "الشهود". يقول الرب خلال يوحنا على لسان الملاك: "حتى في الأيام التي كان أنتيباس شاهدي الأمين الذي قًتل عندكم" (رؤ 2: 13).

الآن يجدد الرب شهوده ضدنا، عندما يضاعف حياة المختارين، فيتحدون شرنا بقصد إقناعنا وتعليمنا... كل ما يفعلونه يضاد شرنا. لذلك دعيت كلمة الحق "الخصم"، حيث يقول الوسيط في الإنجيل: "كن مراضيًا لخصمك، سريعًا مادمت معه في الطريق" (مت 5: 25). ويقول أبناء الهلاك في اضطهاداتهم بخصوص نفس المخلص: "إنه ضد أفعالنا تمامًا"، وبعد ذلك: "لأن حياته ليست كحياة الناس الآخرين" (حك 2: 12، 15). هكذا يجدد الله شهوده ضدنا، حتى يُظهر أن الأعمال الصالحة التي نهملها نحن يمارسها الآخرون، لتوبيخنا...

لاق أن يضيف: "وتزيد غضبك علي"... وذلك كما شهد بطرس القائل: "لأن الوقت لابتداء القضاء من بيت الله، فإن كان أولاً منا، فما هي نهاية الذين لا يطيعون إنجيل الله؟" (1 بط 4: 17). لذلك إذ يحدد الله القدير شهوده ضدنا "يزيد غضبه" كما يليق، إذ يضع حياة الصالحين أمام أعيننا، ويظهر بأية قسوة سيضرب عنادنا، ونحن نمارس الخطية، وذلك في الدينونة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

4. الموت نهاية الأتعاب

جاءت كتابات الكنيسة الأولى ومفاهيمها في عبادتها ونسكها وقوانينها وكل جوانب حياتها لها مسحة أخروية كتابية. وكانت عقيدة الحياة الأخرى ليست عنصرًا إيمانيًا رئيسيًا فحسب، وإنما هي صُلب الإيمان نفسه! لقد كانت الكنيسة الأولى ككنيسة كتابية بحق كنيسة أخروية، وضعت قلبها في السماء، لتعيش سفيرة للمسيح السماوي، تجتذب العالم نحو السماء، وتدخل به إلى الحياة الفردوسية، لكي تترقب في رجاء كمال المجد الأبدي والميراث السماوي.

أما عن نظرة مؤمني العهد القديم إلى الموت، فقد عبَّر عنها ما ورد في سفر الحكمة: "فإن الله خلق الإنسان لعدم الفساد، وجعله صورة ذاته الإلهية، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم" (حك 23:2، 24). لم يخلق الله الموت، لذا فبالبر ينال الإنسان الخلود: "لأن الله لم يصنع الموت، ولا يُسر بهلاك الأحياء؛ فإنه خلق كل شيء لكي يكون، وأن خلائق العالم مفيدة، وليس فيه سمّ مهلك، ولا مُلك لمثوى الأموات على الأرض، لأن البرّ خالد" (حك 13:1-15). كما قيل: "العلم بقدرتك هو أصل الخلود" (حك 3:15).

كان الآباء المؤمنون في العهد القديم ينظرون إلى الموت أنه انضمام أو نوم مع آبائهم (تك 8:25؛ 30:47)، وكانوا يخشون فقط من النزول إلى الهاوية Sheol في حزنٍ (تك 35:27). يحسبون الموت في شيخوخة صالحة بركة (تك 15:15؛ 8:25)، أما قطع الإنسان من أرض الأحياء في ريعان شبابه، فهو أمر مخيف (إش 10:38).

مع هذا فقد اختلفت نظرة اليهود إلى الموت من شخصٍ إلى آخر، وقد قدم لنا الفريد أديرشايم مقارنة بين قائدين يهوديين في نظرتهما للموت[451].

القائد الأول هو الحاخام يوخانان بن ساكاي Jochanan ben Saccai. وقد جاء في التلمود[452] عنه أن تلاميذه جاءوا إليه وهو على سرير الموت، فانفجر في البكاء. دهشوا لذلك، فتساءلوا كيف أن "نور إسرائيل، عمود الهيكل الحق"، تخونه هكذا علامات الخوف؟ أجابهم الحاخام: "لو أنني أُقدم أمام ملك أرضي يحيا اليوم ويموت غدًا، غضبه وقيوده ليست أبدية، وإصداره الحكم بالموت لا يكون موتًا أبديًا، ويمكن بسهولة الدخول معه في حوارٍ، أو شرائه بالمال، من هذا ارتعب وأبكي، فكم بالأكثر يكون حالي وقد اقتربت من الوقوف أمام ملك الملوك، القدوس، المبارك، الذي يحيا ويقطن إلى الأبد، قيوده قيود دائمة، وحكمه بالموت حكم أبدي، هذا الذي لا أستطيع أن أحاوره بالكلمات، ولا أرشيه بالمال! ولا يقف الأمر عند هذا، وإنما قدامي طريقان: واحد نحو الفردوس والآخر نحو الجحيم، وأنا لا أعلم إلى أي الطريقين سأذهب: هل إلى الفردوس أم إلى الجحيم، فكيف لا أسكب الدموع؟"

أما المثل الثاني فهو ر. يهودا Jehudah R. الذي يدعى القديس، فإنه عندما مات رفع يديه نحو السماء مؤكدًا أنه لا يوجد أصبع واحد من أصابعه العشرة قد كسر ناموس الله!

الأول فاقد الرجاء تمامًا، يعيش في يأسٍ شديدٍ ويخشى اللقاء مع الله بالرغم من مركزه كرئيسٍ لأعظم مجمع عند اليهود، والثاني في اعتزازٍ شديدٍ ويقينٍ يظن أنه حتمًا يتمتع بالفردوس، لأنه لم يكسر وصية ما بأحد أصابعه. صورتان متطرفتان تمامًا، واحد يحطمه اليأس، والآخر يحطمه الكبرياء![453]

فَلِمَاذَا أَخْرَجْتَنِي مِنَ الرَّحِمِ؟

كُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ الرُّوحَ،

وَلَمْ تَرَنِي عَيْنٌ! [18]

يكرر أيوب ذات الرغبة التي سبق فأعلنها في حديث سابق (3: 11).

مرة أخرى كان يشتهي أيوب أن يُخنق في الرحم، ولا يخرج إلى العالم، ولا يراه أحد.

لعل أيوب شعر بأنه صار مثلاً وسخرية لكل ناظريه، فاشتهي لو لم يَرَ أحدًا قط، ولا أحد يراه.

فَكُنْتُ كَأَنِّي لَمْ أَكُن،ْ فَأُقَادَ مِنَ الرَّحِمِ إِلَى الْقَبْرِ [19].

كما أن الذي يضع قلبه في الحياة الزمنية يخطئ، هكذا من ييأس من الحياة ويشتهي الموت عن يأس يخطئ. الأول يحب العالم والخليقة أكثر من خالقها، والثاني يستخف بخطة الله من نحوه.

أَلَيْسَتْ أَيَّامِي قَلِيلَةً؟

اتْرُكْ! كُفَّ عَنِّي، فَأَبْتَسِمُ قَلِيلاً [20].

يطلب من الله أن يكف عن التأديب ليلقط أنفاسه ويستريح قليلاً.

يعلم أيوب أن أيام الإنسان قليلة، فيطلب في هذا القليل شيئًا من الراحة، ولو من حين إلى آخر.

v     قال سليمان: "لأنه إن عاش الإنسان سنين كثيرة، فليفرح فيها كلها، وليتذكر أيام الظلمة لأنها تكون كثيرة، كل ما يأتي باطل" (جا 11: 8). مرة أخري كتب: "أيا كان ما تأخذه في اليد، تذكر نهايتك، فلا تخطئ". لذلك عندما تجرب الخطية الذهن يليق بالنفس أن تدرك قصد بهجتها، لئلا تسرع بها الخطية إلى موت محقق، حيث من الواضح أن الحياة القابلة للموت تنتهي سريعًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     يا أبناء آدم، يا من ملك الموت عليكم، فكروا في الموت، وتذكروا الحياة، ولا تتعدوا الوصية مثل أبيكم الأول.

أيها الملوك المتوجون بالأكاليل، تذكروا الموت الذي سينزع الأكاليل الموضوعة على رؤوسكم، سيكون مَلكًا عليكم حتى يأتي الوقت الذي فيه تقومون للدينونة.

يا أيها المتعالون والمتكبرون والمتعجرفون، تذكروا الموت، الذي سيحطم تعاليكم، ويحل أعضاءكم، ويفك المفاصل، ويحل الفساد بالجسم وكل أشكاله. بالموت ينحط المتعالون، والعنفاء القساة يُدفنون في ظلمته...

يا أيها الجشعون المغتصبون والسالبون لزملائكم تذكروا الموت، ولا تضاعفوا خطاياكم. ففي ذلك الموضع لا يتوب الخطاة، ومن سلب ممتلكات رفيقه لا يملك حتى ماله، بل يذهب إلى الموضع الذي لا تُستخدم فيه الثروة، ويصير بلا شيء، تعبر عنه كرامته، وتبقى خطاياه لتقف ضده يوم الدينونة[454].

القديس أفراهاط

قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ وَلاَ أَعُودَ إِلَى أَرْضِ ظُلْمَةٍ وَظِلِّ الْمَوْتِ [21].

يضع الموت أمام عينيه، فيطلب شيئًا من الراحة، ربما لكي يستعد للرحيل، ولكي لا يخطئ ولو بفكره تحت ثقل التجارب. وكما يقول المرتل: "أنر عيني لئلا أنام نوم الموت" (مز 13:3). طلب وقتًا يرجع فيه إلى نفسه، ويطلب عمل الله في حياته قبل أن يموت ويُغلق الباب. "أفلعلك للأموات تصنع عجائب؟" (مز 88: 10)

لا يطلب أيوب الراحة لأنه متعلق بالحياة الزمنية، فهو يعلم أنه راحل ولا يعود بعد. "قبل أن أذهب ولا أعود".

يقدم لنا أيوب صورة مؤلمة عن الموت والقبر، هذه التي كانت سائدة حتى بين المؤمنين قبل قيامة المسيح. "إلى أرض ظلمة وظل الموت".

كان منظر أيوب فيه سخرية لأصدقائه والمارين به، لعله اشتهي القبر حيث الظلمة، فلا يرى أحد قروحه، بل ويتحلل جسمه كبقية الأجسام دون تفرقة!

بالنسبة لنا حياتنا معركة دائمة، موقعها هو أرض القلب والفكر والحواس؛ فهي حرب داخلية بين النور والظلمة. لن يهدأ عدو الخير حتى النفس الأخير، حاسبًا نفسه ملكًا من حقه اقتناء كل البشرية تحت سلطانه. فالمؤمن برحيله يعلن نصرته النهائية، أو نصرة نعمة الله العاملة فيه.

v     كثيرون من شعبنا يموتون بهذا الموت (الجسدي)، فيتحررون من هذا العالم. هذا الموت الذي يحسبه (أهل العالم) كارثة، يراه عبيد الله رحيلاً إلى الخلاص.

يموت الأبرار كالأشرار بلا تفرقة... لكن الأبرار يُدعون إلى الراحة، والأشرار إلى العقاب.

سلام عظيم يوهب للمؤمنين، وعقاب لغير المؤمنين[455].

v     من جهة الراحة، ماذا نجد في العالم سوى حرب دائمة مع الشيطان، وصراع في معركة دائمة ضد سهامه وسيوفه؟! حربنا قائمة ضد محبة المال والكبرياء والغضب وحب الظهور، وصراعنا دائم ضد الشهوات الجسدية وإغراءات العالم.

ففكر الإنسان يحاصره العدو من كل جانب، وتحدق به هجمات الشيطان من كل ناحية. وبالجهد يقدر للفكر أن يدافع، وبالكاد يستطيع أن يُقاوم في كل بقعة. فإن استهان بحب المال، ثارت فيه الشهوات. وإن غلب الشهوات انبثق حب الظهور. وإن انتصر علي حب الظهور اشتعل فيه الغضب والكبرياء، وأغراه السُكر بالخمر، ومزّق الحسد اتفاقه مع الآخرين، وأفسدت الغيرة صداقاته.

هكذا تعاني الروح كل يوم من اضطهاداتٍ كثيرةٍ كهذه ومن مخاطرٍ عظيمةٍ كهذه تضايق القلب، ومع هذا لا يزال القلب يبتهج ببقائه كثيرًا هنا بين حروب الشيطان! مع أنه كان الأجدر بنا أن تنصب اشتياقاتنا ورغباتنا في الإسراع بالذهاب عند المسيح، عن طريق الموت المعجل. إذ علمنا الرب نفسه قائلاً:لاً "الحق الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح؛ أنتم ستحزنون، ولكن حزنكم يتحول إلي فرحٍ" (يو 20:16).

من منّا لا يرغب في أن يكون بلا حزن؟!

من منّا لا يتوق إلى الإسراع لنوال الفرح؟!

لقد أعلن الرب نفسه أيضًا عن وقت تحويل حزننا إلي فرح بقوله: "ولكن سأراكم أيضًا، فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو 20:16). مادام فرحنا يكمن في رؤية المسيح... فأي عمى يُصيب فكرنا، وأيسخافة تنتابنا متى أحببنا أحزان العالم وضيقاته ودموعه أكثر من الإسراع نحو الفرح الذي لا يُنزع عنا؟![456]

الشهيد كبريانوس

أَرْضِ ظَلاَمٍ مِثْلِ دُجَى ظِلِّ الْمَوْتِ،

وَبِلاَ تَرْتِيبٍ،

وَإِشْرَاقُهَا كَالدُّجَى [22].

لم يرد القديس يوحنا الذهبي الفم أن يتحدث عن موضع  جهنم سوى أنها "خارج هذا العالم"[457]، لكنه تحدث في شيء من التفصيل عن لعناتها. ففي إحدى عظاته يقول:

[إنها بحر من النار، ليست بحرًا من ذات النوع بالأبعاد التي نعرفها هنا، بل أعظم وأعنف، بأمواج نارية، نيران غريبة مرعبة. توجد هناك هوة عظيمة مملوءة لهيبًا مرعبًا. يمكن للإنسان أن يرى النار تخرج منها من كل جانبٍ مثل حيوانٍ مفترسٍ...

هناك ليس من يقدر أن يقاوم، ليس من يقدر أن يهرب.

هناك لا ُيرى وجه المسيح الرقيق واهب السلام في أي موضع.

وكما أن الذين صدر عليهم الحكم بالعمل في المناجم هم أناس عنفاء، لا يرون بعد عائلاتهم، بل الذين يسخرونهم، هكذا يكون الأمر هناك. ولكن ليس بالأمر البسيط هكذا، بل ما هو أردأ بكثير. لأنه هنا يمكن أن يقدم الإنسان التماسًا للإمبراطور طالبًا الرحمة، وقد ُيعفي عن السجين، أما هناك فلن يحدث هذا. إنهم لن يخرجوا بل يبقوا، يحتملون عذابات لا يمكن التعبير عنها[458].]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إنه بالرغم من كل هذه العذابات فإن العذاب الرئيسي للمدانين هو حرمانهم من حضرة الرب وشركة القديسين في السماء[459].

درجات العذابات مختلفة في الجحيم، تعتمد على مدى خطايا الإنسان[460]، لكن الكل يسقط تحتها أبديًا[461].

يقول: [مستحيل أن يكون عذابات جهنم غير موجودة[462].] وهو يرى أن هذه العذابات ليست لمجرد تحقيق العدل الإلهي، لكنها وُضعت لحث البشرية على التوبة والامتناع عن الخطية[463]. يقول: [إن كان الله يهتم ألاّ نخطئ، وإن ندخل في متاعب كهذه لتصحيحنا، فواضح أنه يعاقب الخطاة ويكلل الأبرار[464].] كما يقول إنه يعد جهنم، حتى لا يُلقى أحدًا في جهنم[465].

v     كما أن الموت الخارجي يفصل الجسد عن النفس، هكذا الموت الداخلي يفصل النفس عن الله. هكذا فإن "ظل الموت" هو ظلمة الانفصال، حيث كل واحدٍ من الذين يُدانون بنار أبدية تهلكه، يكون في ظلمةٍ من جهة النور الداخلي.

الآن فإن طبيعة النار أن تصدر نورًا، ولها سمة التدمير، أما النار التي تسخط على خطايا سابقة، فلها سمة التدمير وليس لها نور. لذلك يقول الحق للهالكين: "اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدة لإبليس وملائكته" (مت 25: 41). وإذ يتمثلون جميعًا في شخصٍ واحدٍ، يقول: "اربطوا رجليه ويديه، وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية" (مت 22: 13).

لو أن النار التي تعذب الهالكين يمكن أن يكون لها نور لما قيل عن المطرودين خارجًا "اطرحوه في الظلمة". هكذا أيضا يقول المرتل:" تسقط النار عليهم ولا يعاينوا الشمس" (مز 58: 8 Vulgate). إذ تسقط النار على الأشرار.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"بلا ترتيب"، يبدو لنا أنه ليس في القبر نظام معين، إنما يستوي الملوك مع العبيد، والأغنياء مع الفقراء الخ.، كل منهم يُدفن بدوره حسبما يعين الله له، لكن توجد خطة إلهية دقيقة من جهة ما قد يحل بنا من تأديبات حتى وإن لم نستطع تفسيرها.

v     الكلمات: "بلا ترتيب" عجيبة للغاية، فإن الله القدير، الذي بحق يعاقب على الشرور لن يسمح حتى للعذابات أن تكون "بدون ترتيب". العقوبات ذاتها التي تصدر عن ميزان العدالة لا يمكن بأية كيفية أن توقع "بدون ترتيب"، إذ كيف يمكن ألا يكون ترتيب في العقوبات التي يصدرها، مادامت حسب قياس الجريمة هكذا تكون العقوبة التي تلحق بالذين يدانون أبديًا. وكما هو مكتوب: "لكن القادرين يكون عذابهم أشد، والعذابات الأشد تحل على الأقوياء" (حك 6: 6 ،7). قيل في دينونة بابل: "بقدر ما مجدت نفسها وتنعمت، بقدر ذلك أعطوها عذابًا وحزنًا" (رؤ 18: 7). فإن كانت العقوبة حسب قياس الخطية، فإنه حق لا يمكن إنكاره إنه يوجد ترتيب محفوظ في العقوبات...

كما أنه في بيت أبينا منازل كثيرة حسب تنوع الفضائل، هكذا يوجد اختلاف في الجريمة، ويخضع المدانون لعقوبة متباينة في نيران جهنم. فمع أن جهنم واحدة وهي بعينها للكل، لكن هذا لا يعني أن الكل يحترقون بذات الكيفية.

v     "وإشراقها كالدجي" [22]. بالرغم من النار في ذلك الموضع لا تعطي نورًا للراحة، إلا أنه لأجل عذابهم بالأكثر تضيء بهدف معين. فإن المدانين سيرون باللهيب المنير أتباعهم معهم في العذاب، هؤلاء الذين من أجل حبهم للعصاة فضلوا محبة الحياة الجسدانية عن وصايا الخالق...

يُظهر لنا الحق أن الغني الذي كان نصيبه أن ينزل في عذابات النار الأبدية (لو 17: 19-31) وصف بأنه يتذكر إخوته الخمسة، وقد سأل إبراهيم أن يرسل لهم لتعليمهم، حتى لا يسقطوا تحت نفس العقوبة في المستقبل. فمن الواضح – دون شك - إن ذاك الذي يتذكر أقرباءه الغائبين قد ضاعف من آلامه، فكم بالأكثر عندما يراهم فيما بعد بعينيه حاضرين معه يزيد من عذابه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     في يوم الدينونة، ما من شك أن الصالحين سيُفصلون عن الطالحين، والأبرار عن الأشرار. وسوف يُخصص لكل نفسٍ من خلال دينونة الله مكانًا يليق بجدارتها واستحقاقها، إن شاء الله[466].

العلامة أوريجينوس

v     نتحدث عن درجات كثيرة ومقاييس متنوعة في كل من الملكوت وجهنم... فإن الله كقاضٍ عادلٍ يعطي كل واحد حسب مقدار إيمانه[467].

v     في النور وفي المجد توجد درجات. وفي جهنم نفسها وفي العقاب يظهر أنه يوجد سحرة ولصوص، كما يوجد آخرون ممن ارتكبوا خطايا أقل[468].

القديس مقاريوس الكبير

 


 

من وحي أيوب 10

أنت هو أبديتي!

 

v     إذ تحصرني الضيقات أشعر بمرارة وضيق.

أكره حياتي، مشتهيًا الموت.

يملأ القلق أعماقي، ويهتز كل كياني الداخلي.

اصرخ مع أيوب: قد كَرَهت نفسي حياتي.

حقًا في ضعفي كثيرا ما اشتهيت الموت.

كثيرا ما تعجبت لماذا خلقتني.

لكن إذ أرفع عيني إليك، في وسط تجاربي لن أنسى إني صنع يديك.

في وسط تأديباتي لن أتجاهل رعايتك الدائمة لي.

أنت حب، كلك حكمة وكلك أبوة وحب!

أتطلع إليك فتحملني وسط تأديباتي إلى أحضانك.

اذكر أبوتك، فأنسى كل متاعبي.

أدرك بالحق خطاياي الخفية، عوض التفكير في الضيق تضيق نفسي بآثامي.

عوض اشتهاء الموت، أطلب نعمتك الغافرة للخطايا.

عوض التذمر أستذنب نفسي.

أعترف بخطاياي الآن، حتى تسترني في يوم الدين.

أنفضح أمام نفسي، فأستتر ببرِّك.

تتحول الضيقة إلى طمأنينة،

حيث أختفي فيك، وأتحصن بك، يا ملجأ حياتي.

عوض ثقل الضيقات التي تحطم النفس،

أتمتع بثقل مجدٍ أبديٍ يرفع نفسي إلى السماويات.

أنسى كل ألمٍ، بل وأشتهيه،

فهو طريق الشركة معك في الصلب، كما في مجد القيامة.

 

v     في ضيقتي ووسط آلامي أدرك إني خاطي.

لكنني محتاج إلى روحك القدوس ينير بصيرتي،

أعرف خطيتي واكتشفها، فأعترف لك بها.

أبغضها، وأصرخ إليك لتسندني نعمتك، فأهرب منها.

من يفضح نفسي أمامي غير نورك يا رب.

لتشرق عليّ، فأدرك ضعفاتي، وأترجى بتهليلٍ غنى حبك الغافر لكل خطاياي!

هب لي أن أحاكم نفسي هنا، فلا تحكم عليّ يوم مجيئك!

 

v     في ضعفي ابتلعت الآلام نفسي،

حسبتك قد تركت الأشرار يهلكونني.

لكنني إذ أرفع عيني إليك، أدرك أنك لم تسمح لي بضيقٍ فوق احتمالي.

بحبك تضع حدودًا للضيقة فلا تتعداها.

وبنعمتك تهبني عطية الاحتمال بفرحٍ،

وتسكب عليّ ثمر الروح، الصبر، طريقًا للعبور إلى الأمجاد.

حقًا إنك لا تترك عصا الأشرار تستقر على الصديقين.

إنما خلالها تزكيهم، وتعبر بهم إلى الأبدية.

 

v     إلهي، أنت عارف أعماقي،

أنت خالق الزمن، وأنت فوق الزمن.

لستَ محتاجًا أن تفحصني بالتجارب.

ففي ضعفي أخشى ضغطات العدو عليّ.

لئلا ينحرف بي إلى الشر!

إني ألجأ إليك كي تحفظني منه!

 

v     إلهي اعترف لك إني خاطي.

بنعمتك أصرخ مع الرسول بطرس:

أنت تعلم يا رب إني أحبك.

لست أريد أن أقاومك، ولا أن أعصاك.

 لكن هذا لن يبررني، فإني ضعيف.

أسندني بنعمتك، فأحمل بٌرك.

 

v     حقًا إني أئن من جسدي،

لكنه هو من صُنع يديك الصالحتين.

لتبدد الفساد الذي تسلل إليه،

ولتقدس الجسد الذي خلقته، وتود أن تمجده!

وأنت هو الكلمة الأزلي صرت جسدًا،

لكي بتجسدك تقدس كل كياني.

فلا أستخف بالجسد، إذ هو شريك للنفس في المجد!

لك المجد يا من تكرم أجسادنا فيك!

كرَّمت جسدي، لأنه من صنع يديك!

وإذ أهنته أنا بخطاياي، تجسدت أنت لتمجد ما خلقته!

 

v     إني صنع يديك، أنت تعتز بي!

إني واثق من عنايتك الفائقة، مهما ثارت الأمواج ضدي.

لكن يبقى فكرى في ضعفه، عاجزًا عن إدراك حكمتك!

أكشف لي عن سرّ محبتك، فلا أتعثر!

عرفني أحكامك، فألهج في حبك!

 

v     عجيب أنت في رعايتك لي،

فإني إن أخطأت تراقبني، كي لا انحرف بالأكثر،

تقودني بعصا التأديب، لكي لا أسقط في جب الذئاب.

تجتنذبني بالحب المملوء حزمًا، والحزم المملوء ترفقًا!

 

v     سرعان ما أتطلع إلى صليبك،

وأعبر معك إلى قبرك يا مخلصي.

فيصير الموت لي لا عن يأس وقنوط،

بل شركة حب لمن مات من أجلي،

بل أشتهي أن أموت معك حبًا فيك وفي محبوبيك.

لا أتطلع بعد إلى سنى حياتي،

لكنى أترقب خلاص العالم كله!

لا أخشى الأحداث، لكني أتهلل بخلاص الكثيرين!

عجيب أنت في حبك،

يا من تحول حتى الموت إلى عطية مفرحة!

 

v     لن انشغل بعد بضيقاتي.

لن اصرخ بعد في غباوة، قائلاً:

ارفع يدك عني، فقد غصت في وسط مرارتي

لن اصرخ إليك كجاهل،

حاسبًا ان الموت راحة لي من أتعابي.

 

v     لتشرق يا شمس البرّ عليّ وعلى البشرية،

فتبدد ظلمة أفكارنا،

وتخرجنا من قبورنا الداخلية،

وتحول عظامنا الجافة إلى جيش عظيم جدًا جدًا.

لأنعم مع حزقيال برؤيا قيامة البشرية بك (حز 38)

فلا تكون في حياتي ظلمة،

ولن أعاني بعد من ليل!

بل في نورك أدرك أسرار خلاصك،

وانعم ببهجة معرفة تدبيرك العجيب.

وأصير دوما ابن النور، وابن النهار!

<<


 
الأصحاح الحادي عشر

نظريات وحقائق!

لم يستطع كل من أليفاز وبلدد أن يحركا ذهن أيوب سنتيمتر واحدًا، فهل يمكن لصوفر أن يفعل شيئًا؟ يبدو أن صوفر كان أكثر الأصدقاء بساطة، كان رجلاً عمليًا يمثل الإنسان الكنسي، لكن للأسف في حرفية وبدون علاقة شخصية مع الله، مما يفقده الفكر الكنسي الحق.

فكر الكنيسة الحقيقي، ليس فكر الرغبة في المجادلات والمناقشات العقيمة والغبية، لكن فكر التمسك بروح الحق والاستقامة والإيمان السليم بقلبٍ متسعٍ، ونفسٍ منحنيةٍ في خشوعٍ وتواضعٍ، ووجهٍ باشٍ كوجه المخلص الدائم الابتسامة.

كانت قروح أيوب تدمي وجراحات قلبه المنكسرة تتزايد، وليس من يسكب زيتًا يلطف القروح، ولا من يضمد الجراحات، بل جاء حديث الصديق الثالث صوفر كالسابقين يزيد جراحاته التهابًا حتى وإن نطق لسانه بالحقٍٍ.

لقد أنصت صوفر إلى أيوب وهو يعترض على ما حلّ به إذ هو بار.

بالحق ظن صوفر لو أن أيوب التقى مع الله وجهًا لوجه لأدرك أنه خاطيء عظيم، وأن ما حلّ به أخف بكثير مما كان يستحقه [٤-٦].

يتحدث صوفر بكلمات بليغة عظيمة الحكمة الإلهية، مظهرًا أن الله كلي القدرة [٧-١٠]، ولا يُمكن فحصه.

وأن لله السلطان المطلق على المذنب، وأنه يراقب بني البشر بدقةٍ وعدلٍ. ولا يمكن للإنسان أن يخفي خطيته عنه [١١-١٤].

لذا يليق بالإنسان أن يتوب وأن ينزع عنه خطيته، بهذا يتمتع بالرخاء والسلام [١٥-٢٠].

يرسم صوفر صورة جميلة عن شقاء أيوب، وإمكانية الخلاص من هذا الشقاء إذا اعترف بخطيئته وتاب عنها، وذلك بإتباع الخطوات التالية:

1- أن يتطلع في داخله، ويغير تفكيره.

2- أن يتطلع إلى فوق، ويتحرك ليلتصق بالله، ويصلي إليه بغيرة ولجاجة.

3- يجب أن يصلح الاعوجاج في تصرفاته، وإن وجد في يديه أية ثروة عن طريق الإثم أو الخداع والغش والظلم يعوض عنها.

4- يجب عليه أن يبذل أقصى جهده ليصلح حال بيته أيضًا.

مع ما قدمه صوفر من حكمة لكن كان متكبرًا يعوزه التواضع، كما كان يتكلم بالمنطق السليم دون الشركة في الآم أخيه بحبٍ صادقٍ.

1. اتهام أيوب بالكبرياء والكذب 1-4.

2. عدل الله لن يخطئ 5-6.

3. كمال الله لا يُفحص7-9.

4. سلطان الله لا يُحد 10.

5. علم الله شامل 11-12.

6. لا مفر من الغضب الإلهي إلا بالتوبة والصلاة15-20.

1. اتهام أيوب بالكبرياء والكذب

فَأَجَابَ صُوفَرُ النَّعْمَاتيُّ: [1]

أَكَثْرَةُ الْكَلاَمِ لاَ يُجَاوَبُ،

أَمْ رَجُلٌ مِهْذَارٌ يَتَبَرَّرُ؟ [2]

بدأ أليفاز بمقدمة في وقار شديد (أي 4: 2)، أما بلدد فكان في حديثه أكثر خشونة مع أيوب (أي 8: 2). وجاء صوفر ينقَّض عليه بغير رأفة، موجهًا إليه عبارات قاسية جدًا.

لم يكن ممكنًا لصوفر أن يقبل منطق أيوب أن الله هو الذي سمح له بالتجارب بالرغم من كونه بارًا (4:11،21:9، 7:10).، فإن هذا يناقض كل فلسفة دينية سواء في عصره أو سابقه لعصره. بدا أيوب كمن هو مناقض لكل الفلاسفة وأصحاب المعرفة الدينية.

بدأ بقوله: "أكثرة الكلام لا يجاوب، أم رجل مهذار يتبرر؟" ظن صوفر في أيوب إنسانًا ثرثارًا، ورجل كلام بلا عمل، لا يستحق أن يُرد عليه، ومهذارًا لا يحمل جدية، ليس في حديثه روية، أو اتزان ليجاوب عليه.

سبق بلدد فقال لأيوب: "وتكون أقوال فيك ريحًا شديدة" (8: 2)، وجاءت في الترجمة السبعينية: "نسمات فمك تفيض في كلمات". هنا يتهمه صوفر النعماتي بالثرثرة.

حقًا لقد قدم صوفر آراء سديدة وحكيمة، لكنه اتهم أيوب ظلمًا، لأنه لم يشاركه مشاعره كإنسانٍ متألم للغاية، ولم يدقق في كلمات أيوب وظروفه. اتهم أيوب بالثرثرة وكثرة الكلام الباطل بغية تبرير نفسه. مع أن ما نطق به لا يُحسب ثرثرة بالنسبة لما حلّ به. وفي حديثه لم يبرر نفسه بل اعترف أنه خاطي (9: 20).

هنا يدعو صوفر أيوب أن يكون حكيمًا، بأن يجلس عند أقدام الشيوخ، وينصت صامتا، لا أن يكون كثير الكلام. يقول القديس يعقوب : "ليكن كل إنسانٍ مسرعًا في الاستماع، مبطئا في التكلم" ( يع 1: 19). ولعله يقصد بالشيوخ أصحابه الثلاثة. بمعني آخر يرى صوفر أن من حقه ومن حق زميليه ان يقدما عظات ونصائح ومشورات لأيوب، وما على أيوب سوى أن يجلس عند أقدامهم يتعلم منهم في صمتٍ!

v     لم يقدم صوفر رأيًا خاطئًا بقوله: "رجل كثير الكلام لن يقدر أن يتبرر. مادام الإنسان يترك نفسه يتكلم مسترسلاً، تهرب منه رزانة الصمت، ويفقد حفظ نفسه في أمان. لهذا كتب: "عمل العدل سكونًا" (إش 32: 17). هكذا يقول سليمان: "مدينة متهدمة بلا سور، الرجل الذي ليس له سلطان على روحه في الكلام" (أم 25: 28 Vulgate). كما يقول أيضًا: "كثرة الكلام لا تخلو من معصية" (أم 10: 19). ويحمل المرتل شهادة بذلك، قائلاً: "رجل كثير الكلام لا يثبت علي الأرض" (مز 140: 11)، بل وتُفقد قيمة العبارة الصادقة عندما تُقال دون تمييز...

العبارة الصادقة هي ضد الأشرار، إن كانت تهدف إلى نفع الصالحين... أما الأشرار فلا يقدرون أن يسمعوا الكلمات الصالحة بصبرٍ، متجاهلين إصلاح حياتهم، فيلصقون أنفسهم بكلمات للرد على الغير.

v     من يتذكر كلمات الطوباوي أيوب يعرف مدى بطلان هذا الاتهام... إذ كيف يدعو نفسه زكيًا (طاهرًا) من قال: إن تبررت يحكم علي فمي" (9: 20).

البابا غريغوريوس (الكبير)

حقًا لقد حثّ الكتاب المقدس على الصمت ما أمكن إن كان مقدسًا، كما حثّ على الكلام البنّاء. طلب المرتل حراسة إلهية مشددة لفمه، قائلاً: "اجعل يا رب حارسًا لفمي، احفظ باب شفتي" (مز 141: 3).

v     يعلم الروح القدس الإنسان أن يحفظ جسده كله - من الرأس إلى القدمين - في تناسق:

فيحفظ العينين لتنظرا بنقاوة...

ويحفظ اللسان لينطق بالصلاح فقط، معطيًا وزنًا لكل كلمة، فلا يسمح لشيء دنس أو شهواني أن يختلط بحديثه[469].

v     اهربوا من أولئك الذين يحملون اسم "رهبان وبتوليين" دون أن يكون لهم الإدراك الحقيقي والتمييز الحسن. لأنكم إن اختلطتم بهم، لن يدعوكم تتقدمون، بل وربما يطفئون حرارة غيرتكم، إذ لا حرارة لهم، بل برودة، وهم يسيرون وراء أهوائهم. فإن أتوا إليكم وتحدثوا معكم في أمورٍ أرضيةٍ حسب أهوائهم الخاصة، لا تستكينوا لهذا، إذ كتب الرسول بولس: "لا تطفئوا الروح، لا تحتقروا النبوات" (1 تس 2.:5)، عالمين أنه لا شيء يطفئ الروح أكثر من الكلام الباطل[470].

القديس أنبا أنطونيوس الكبير

v     إن الصمت من أجل الله جيد، كما أن الكلام من أجل الله جيد.

الأب بيمين

v     عندما يكون لسانك كلِسان المسيح، ويصير فمك فم الآب، وتكون هيكلاً للروح القدس، عندئذ أيّة كرامة تكون هذه؟! فإنه وإن كان فمك مصنوعًا من الذهب ومن الحجارة الكريمة فإنه لن يضيء هكذا كما بحُليّ الوداعة. أيّ شيء أكثر حبًا من الفم الذي لا يعرف أن يشتم، بل هو معتاد أن يبارِك وينطق بالكلمات الصالحة[471].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

v     كثيرًا ما تكلمت وندمت، وأما عن الصمت فما ندمت قط[472].

القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك

v     يصمت البار، إذ يُعلّم أن للسكوت وقت، وللكلام وقت (جا 3: 7)، لكنّه لا يصير أبكم. إنّما هذه سِمة خاصة بالصدّوقيّين، وكل من يُعلّم بالباطل، إذ هم يبكمون ولا يصمتون. فإنهم وإن كانوا بُكمًا عن الحق، لكنهم غير صامتين، هكذا قال الرب للبحر وليس للإنسان أن يبكم، منتهرًا إيّاه إذ كان عاصفًا[473].

العلاّمة أوريجينوس

أَصَلَفُكَ يُفْحِمُ النَّاسَ،

أَمْ تَلْغُو، وَلَيْسَ مَنْ يُخْزِيكَ؟ [3]

دعاه مستهزئًا، يهزأ بالله حيث يشتكي عليه، ويسخر بالناس، إذ لا يخجل من أن يخدع من هو حوله. كما دعاه متهكمًا، هكذا استخدم صوفر ألفاظًا قاسية، ووصفه بصفات غير لائقة.

يرى البعض في كلمات صوفر هنا اتهامًا غير مباشرٍ لأليفاز وبلدد، فكان يليق بهما أن يبكماه، ولا يتركاه يثرثر بكلامٍ عنيفٍ وخاطئٍ وبلا معنى.

في رأيه قد تصَّلف أيوب في تشامخ وبأكاذيب باطلة، ولم يستطع صديقاه أن يفحماه، بل صمتا عن الدفاع عن الحقٍ.

يتهمه بأنه "يلغو" أي "يسخر" أو "يتهكم"، بتقديمه اللوم لله خلال شكواه.

إِذْ تَقُولُ: تَعْلِيمِي زَكِيٌّ،

وَأَنَا بَارٌّ فِي عَيْنَيْكَ [4].

اتهم أيوب بكلمات لم يتفوه بها. اتهمه بالقول إن تعليمه زكي، وهو لم يقل هذا.

اتسم أيوب بسلامة الإيمان. حقًا أحيانًا اندفع مشتهيًا الموت بسبب ثقل التجربة، لكنه لم يفكر في الانتحار.

وعاتب الله، لكنه لم ينكر عدالة الله ومراحمه.

وأعلن أنه ليس شريرًا ولا مرائيًا لكنه لم ينكر أنه خاطئ وينتظر المغفرة.

تعليم أيوب عن الله أفضل بكثير من أصدقائه.

لقد أساء هؤلاء الأصدقاء، خاصة صوفر، كلمات أيوب، وأعطوها معانٍ غير ما في ذهنه، ولم يراعوا ظروفه، وأنهم لو وضعوا في مكانه ربما أخطأوا في حق الله.

2. عدل الله لن يخطئ

وَلَكِنْ يَا لَيْتَ اللهَ يَتَكَلَّمُ،

وَيَفْتَحُ شَفَتَيْهِ مَعَكَ [5].

يستشهد صوفر بالله نفسه، أنه وإن صمت ولم يجاوب أيوب، لكن إلى حين، فإن تكلم وفتح شفتيه لاكتشف أيوب أنه يستحق أكثر بكثير مما حلّ به.

ما أصعب أن نضع أنفسنا كما على العرش الإلهي وندَّعي أننا نعلم ما في فكره، ونحكم على الآخرين ناسبين الحكم لله.

لقد تحققت أمنية صوفر، وتكلم الله مع أيوب، فتح شفتيه مدافعًا عنه، مطالبًا أصدقائه بالاعتذار له، وأن يطلبوا صلواته عنهم فيسامحهم.

حقًا شتان ما بين أن يفتح الإنسان فمه ليحكم على إخوته ويدينهم تحت ستار الدفاع عن الحق والشهادة لله القدوس، وبين ان يفتح الله فمه ويتحدث مع الإنسان. يتكلم الله بالحق، لكنه الحق المملوء حبًا وحكمة عملية، في صراحة عاتب سمعان بطرس، بل ودعاه "شيطانًا" حين اعترض على صلب السيد المسيح وموته، لكنه كان يسنده ، كما مدحه عندما اعترف أان يسوع هو المسيح ابن الله.

يفتح الإنسان الخاطئ الضعيف فمه ليعكس ضعفه وأخطاءه على الغير، أما لله فيفتح فمه لكي يهب الخاطئ قوة للاعتراف وإمكانية للتوبة، وقدرة على التقديس الدائم والنمو الروحي المستمر بعمل روح الله القدوس.

v     يقول الحق لبطرس الذي كان لا يزال مملوءً بالمفاهيم الأرضية: "لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" (مر 8: 33)، ومع هذا عندما اعترف حسنًا قيل له: "إن لحمًا ودمًا لم يعلن لك، لكن أبي الذي في السماوات" (مت 16: 17). هكذا يفتح الله شفتيه عندما يعلن إرادته للبشر بافتقادٍ صريحٍ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لما كنا لا نستطيع أن ننتحل لأنفسنا صفة القضاء بسبب خطايانا، وجب علينا أن نتنحى عن القيام بهذه الوظيفة، لأنه كيف ونحن خطاة نحكم على الآخرين وندينهم؟!

إذن يجب علينا ألا يدين أحد أخاه، فإن حدثتك نفسك بمحاكمة الآخرين فاعلم أن الناموس لم يقمك قاضيًا ومحاكِمًا، ولذلك فانتحالك هذه الوظيفة يوقعك تحت طائلة الناموس، لأنك تنتهك حرمته...

إذن يجب أن نعني بفحص أنفسنا قبل الجلوس على منصة القضاء للحكم على غيرنا، خصوصًا إن كنا في وظيفة المرشد والمعلم[474].

القديس كيرلس الكبير

v     سيحكم الله في وقته المناسب. فإن القاضي يُهان متى ادعى خادم ونطق بحكم قبل معرفة قرار الحكم الذي للقاضي[475].

v     ابسط رداءك على المذنب واستره، إن كنت لا تقدر أن تحتمل وتضع أوزاره على نفسك.

مار إسحق السرياني

وَيُعْلِنُ لَكَ خَفِيَّاتِ الْحِكْمَةِ!

إِنَّهَا مُضَاعَفَةُ الْفَهْمِ،

فَتَعْلَمَ أَنَّ اللهَ يُغَرِّمُكَ بِأَقَلَّ مِنْ إِثْمِكَ [6].

يرى صوفر أنه كان يليق بأيوب أن يلتزم الصمت عوض اتهام الله بالظلم لأنه يجربه وهو بار. وقد أكد له صوفر ان ما حلٌ به هو عقوبة أقل مما يستحقه إثمه. فيليق به أن ينتظر المزيد من النكبات.

إذ كان صوفر يشعر بعجزه عن إقناع أيوب اشتهي أن يُظهر الله لأيوب خفيات حكمته الإلهية ويعطيه فهمًا مضاعفًا، فيعلم أن التأديب الذي حلّ به أقل مما يجب.

يميز البابا غريغوريوس (الكبير) بين معرفة أعمال الحكمة الإلهية العظيمة وبين أعمال الحكمة الإلهية الخفية العظيمة. فمن السهل أن يتمتع الإنسان بمعرفة حكمة الله العظمي خلال الطبيعة التي خلقها لأجل الإنسان، وعطاياه الفائقة اليومية. أما معرفة حكمته الخفية العظيمة فيصعب إدراكها حيث يبدو الله كأنه تخلى عن الإنسان، فيسمح له بالضيق أو التجربة. يحتاج الإنسان إلى نعمة إلهية ليدرك ما وراء الألم من حكمة إلهية خفية، فإذا ما نال الإنسان هذه المعرفة تحسب معرفة مضاعفة، حيث يدرك حكمة الله عندما يعطي وأيضا عندما يأخذ؛ عندما يقدم للإنسان ما يشتهيه وأيضًا عندما لا يقدم له طلبته.

v     "ويعلن لك خفيات الحكمة، وأن ناموسها مضاعف" (أي 11: 6).

أعمال الحكمة العظمي هي أنه عندما يحكم الله القدير الذين خلقهم يأتي بهم إلى نهاية الصالحات التي بدأ بها، ويعين بإلهاماته هؤلاء الذين ينيرهم بنور افتقاده، فمن الواضح لأعين كل البشر أن الذين خلقهم بسخائه المطلق يسندهم برأفاته. وعندما يمنحهم هبات روحية هو بنفسه يدخل بهم إلى الكمال، هؤلاء الذين بدأ معهم في سخائه بالرأفات.

أما أعمال الحكمة العظمي السرية فهي عندما (يبدو كأنه) يتخلى عن من خلقهم، عندما لا يكمل الأعمال الصالحة التي بدأ بها معنا بسبب الخطية، عندما ينيرنا ببهاء نعمته المنيرة، ومع هذا يسمح بتجربة الجسد أن تضربنا بضباب العمى. عندما لا يهتم إن يحفظ لنا العطايا الصالحة التي وهبنا إياها، فيسمو بأشواق نفوسنا نحوه، ومع هذا يضغط علينا بطريقة خفية خلال عجز ضعف طبيعتنا.

كان بولس قلقًا كي يبلغ أسرار هذه الحكمة عندما قال: "يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه! ما أبعد أحكامه عن الفحص، وطرقه عن الاستقصاء، لأن من عرف فكر الرب أو من صار له مشيرا؟" (رو 11: 33)... إذ كان بولس عاجزًا عن بلوغ أسرار الله عاد إلى معرفة ضعفه.

كان صوفر متعلمًا بالسعي وراء المعرفة، لكنه كان جاهلاً بسبب وقاحة حديثه المتعجرف، غير مدرك لحقيقة نفسه، ناظرًا إلى حاله الضعيف كشخصٍ فاضلٍ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يقول صوفر أنه حيث يعلن الله للإنسان حكمته الخفية، يهبه فهمًا مضاعفًا. هذه حقيقة يتمتع بها المؤمن الصادق والأمين. إنه لا يكف عن أن يطلب من الله أن يهبه حكمة لإدراك خطة الله، فينال فهمًا مضاعفًا.

ماذا يعني بالفهم المضاعف؟

أولاً: يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن إدراك حكمة الله الخفية، ليس إدراكًا نظريًا عقلانيًا بحتًا، لكنه معرفة الخبرة والحياة، حيث ترتبط الحكمة بالحب، فالحكيم ينال فهمًا مضاعفًا، حيث يمارس حبًا مضاعفًا، ألا وهو حب الله وحب القريب. ينال حبًا مضاعفًا نحو الله وبلا حدود؛ وينال حبًا مضاعفًا نحو إخوته، فيود بكل كيانه أن يقدم إخوته عنه في كل شيءٍ، ويشتهي أن يتعامل معهم كما يريد أن يعاملونه به.

ناموس المحبة ناموس مضاعف، حيث نلتزم بالحب لله أو للقريب.

هذا ومن جهة محبتنا لله ينبغي أن يكون حبًا مضاعفًا، حيث نحبه بكل القلب وكل النفس وكل القدرة، فلا نترك لأنفسنا شيئًا لا نقدمه لله.

ومن جهة حبنا للقريب فهي مضاعفة، حيث نُطالب من جانب ألا نستخف بقريبنا خلال الطمع أو الإهانة باللسان أو الاستهانة بأجساد الغير خلال أنانية الشهوات الجسدية؛ ومن الجانب الآخر أن نسلك مع الغير حسبما نود الغير أن يفعل بنا.

v     "وناموسها مضاعف" " (أي 11: 6). بماذا يُفهم "ناموس الله" سوى الحب؟ به نقرأ بطريقة باطنية كيف يجب مساندة وصايا الحياة بأعمال خارجية. يقول صوت الحق عن هذا الناموس: "هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضًا" (يو 15: 12). يقول عنها بولس: "المحبة هي تكميل الناموس" (رو 13: 10). وأيضًا: "احملوا بعضكم أثقال بعض" (غل 6: 2). فإنه بماذا يمكن أن يفهم ناموس المسيح أكثر من المحبة، التي بالحق نتممها حينما نحمل أثقال إخوتنا على أساس المحبة؟

هذا الناموس عينه يدعي "مضاعفًا"، حيث أن المحبة، المملوءة بالعناية الفائقة بغيرة، تمتد إلى كل أعمال الفضيلة. لقد وُضعت بوصيتين فقط لكنها تبلغ إلى عددٍ لا يُحصي. فإن بدء الناموس هو محبة الله ومحبة قريبنا (مت 22: 39- 40)...

لكن "محبة الله" تنقسم إلى ثلاثة أقسام. فإننا نُوصى بحب خالقنا "بكل قلبنا وكل نفسنا وكل قدرتنا". وفي هذا يلزمنا أن نلاحظ أن الكلمة المقدسة توصي بالالتزام بمحبة الله. فهي لا تخبرنا فقط كيف، وإنما تعلمنا إلي أي مدى حيث تضيف "من كل". فمن يرغب أن يسر الله بالكمال يليق به ألا يترك في نفسه شيئًا لنفسه.

ومحبة قريبنا جاءت في وصيتين. فمن جانب قيل بواسطة رجلٍ بارٍ: "افعلوا هذا أن لا يكون لك إنسان تبغضه" (طوبيت 4: 15). ومن الجانب الآخر يقول الحق: "كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضا بهم" (مت 7: 12). بهاتين الوصيتين أُحجم التصرف الشرير ووُضع علينا التصرف الحسن.

v     لذلك ناموس الله بحق يدعي "مضاعفا"، فبينما هو ذو مبدأ المحبة، ما أن يستولي على العقل حتى يلهبه بطرق مضاعفة بأعمالٍ لا حصر لها... يعلن بولس عن مضاعفة هذا الناموس عبنه بطريقة لائقة، معددًا الآتي: "المحبة تتأنى وتترفق، المحبة لا تحسد، المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ، ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها، ولا تحتد، ولا تظن السوء، ولا تفرح بالإثم، بل تفرح بالحق" (1 كو 13: 4-6).

البابا غريغوريوس (الكبير)

ثانيًا: الفهم المضاعف يعني المزيد المستمر غير المنقطع. مادمنا في الجسد لن نتوقف عن طلب النمو في الحكمة والمعرفة والحب. بل ويرى بعض الآباء أن هذا النمو لا يتوقف حتى في الحياة الأبدية. فكلما تطلع المؤمن إلى الله، ونال اتحادًا أعمق، ينمو بلا توقف في الحكمة والمعرفة والحب. إنه لن يكف عن أن يتغنى على الدوام: "هوذا الكل قد صار جديدًا" ( (رؤ 21: )

v     مع أن كل واحد يطلب المزيد من المعرفة على الدوام، فإنها تبقى المعرفة ناقصة في كل الأمور بالنسبة لكمالها الحقيقي حتى يحل الزمن ليأتي ما هو كامل ويزول ما هو جزئي[476].

القديس باسيليوس الكبير

 

v     إنه يشجعها ويحثّها ألا تجلس خاملة هناك، بل تخرج إليه خارجًا، وتحاول أن تراه لا من الشبابيك، ولا من مرآة في لغز، بل تذهب إليه وتراه وجهًا لوجه (نش 2: 9). لأنه الآن إذ هي لا تستطيع أن تراه يقف هكذا خلفها وليس أمامها، يقف وراء ظهرها، وخلف الحائط (نش 2: 9)[477].

العلامة أوريجينوس

لم يعرف صوفر حدوده، فإن كان ما يحث به أيوب هو طلب معرفة مضاعفة، وهذه طلبة مقدسة، ومشورة حسنة، لكن في عدم التزامه بالحدود أعلن في غباوة أن ما حلّ بأيوب أقل مما يستحقه. وكأنه يليق بأيوب أن يتوقع المزيد من الضربات.

هنا يشبه البابا غريغوريوس (الكبير) صوفر بالصديق الذي يرافق صديقه ويذهب معه إلى الوعر ليساعده في قطع أخشاب، وإذا به في عدم حكمة يضرب بالفأس، فيطير رأس الفأس، ويحطم رأس صاحبه. عوض أن يساعده في قطع الأخشاب، بغباوة قطع رأسه!

يليق بنا في حكمة أن ندرك ما هي حدود التوبيخ والانتهار، وما هي حدود التأديب، حتى لا نحطم إخوتنا. وكما يقول الرسول بولس عن تأديب الشاب الذي أراد أن يلتصق بامرأة أبيه فأمر بعزله، عاد ليقول: "حتى تكونوا بالعكس تسامحونه بالحري وتعزونه، لئلا يُبتلع مثل هذا من الحزن المفرط، لذلك أطلب أن تُمكّنوا له المحبة" (2 كو 2: 7-8). فقد نال ما فيه الكفاية وبلغ التأديب غايته، وصار الأمر في غاية الخطورة، فإن لم يجد التائب أحضان الكنيسة الحانية يستعبده اليأس وتهلك نفسه. كما كانوا ملزمين بتأديبه بالعزل، الآن ملزمون بتمكين المحبة له وتجديدها لكي تتهلل نفسه بالخلاص.

v     "فتعلم أن الله يغرمك بأقل من إثمك" [6]... هنا يليق بنا أن نعرف أن صوفر وبخ الرجل البار بإثم عظيم حث اتهمه بطريقة خاطئة... لكن كلمة الإهانة المقدمة يمكن إزالتها إن راعينا الجذر الذي منه نبتت. لذلك بحق أمر الرب خلال موسى: "من ذهب مع صاحبه في الوعر ليحتطب حطبًا، فاندفعت يده بالفأس ليقطع الحطب، وأفلت الحديد من الخشب، وأصاب صاحبه فمات، فهو يهرب إلى إحدى تلك المدن فيحيا، لئلا يسعى ولي الدم وراء القاتل حين يحمي قلبه ويدركه إذا طال الطريق ويقتله" (تث 19: 5-6). فإننا نذهب مع صاحبٍ إلى الوعر حين نذهب مع قريب لنرى آثامنا، ونحن نحتطب عندما نقطع الأفعال الشريرة من الآثمة بهدف تقوي، لكن الفأس يطير من يدنا عندما يكون الإصلاح صعبًا للغاية، فيضرب قريبه ويموت، فيكون من قدم توبيخًا قد قتل سامعه من روح الحب. لأن ذهن الشخص المُوبخ يندفع للفور إلى كراهية إن كان يدينه دون مراعاة للحدود.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     يجب أن يسبق التوبيخ الرحمة لا الغضب.

القدِّيس أغسطينوس

v     لا يليق بالأطباء أن يسخطوا على المرضى، بل يجب عليهم أن يضادوا الأمراض ليشفوا المرضى.

القدِّيس باسيليوس الكبير

v     ارعَ الماشية لا بضجرٍ ولا بهزءٍ، كأن لك سلطان عليهم، بل كراعٍ صالحٍ تجمع الخراف إلى حضنك، وتقوِّي الحبالى.

الدسقوليَّة – باب ٤

3. كمال الله لا يُفحص

أَإِلَى عُمْقِ اللهِ تَتَّصِلُ،

أَمْ إِلَى نِهَايَةِ الْقَدِيرِ تَنْتَهِي؟ [7]

يصور صوفر عظمة الله ومجده كما يصور حماقة الإنسان وجهله، لهذا يلزم الخضوع له وطلب رحمته وعنايته. لا يمكن لإنسان اكتشاف حكمته فكيف يخَّطئه؟

من يقدر أن يبلغ إلى أعماق الله، ومن يعرف نهايته؟ مهما اشتقت إليه، مهما التصقت وتعرفت على شخصه، تبقى معرفتك له ناقصة تمامًا. لا تتخيل أنك تنجح في البحث عن جوهره، وإدراك كمال حقيقته. ندرك حقيقة وجوده، لكن لا نبلغ إلى إدراك أسراره. كالعين التي ترى المحيط، لكنها لا تبلغ نهايته.

ترجم القديس كيرلس الأورشليمي الكلمة المقابلة "لنهاية" بـ "أقل": "أإلي أثار الله تجد، أم إلى أقل ما صنعه القدير تنتهي؟" ويعلق على ذلك: [إن كانت أقل أعمال الله غير مدركة، فهل يكون خالق هذه كلها مدركًا؟![478]]

v     "هل تجد أثرًا للرب؟ أو هل تبلغ نهاية ما يفعله القدير؟" بمعنى إن كنت كما سبق فقلت أنك لا تقدر أن تجد أثرًا لسفينة (على البحر)، ولا لطير نسر (في الهواء)، فمن يجد أثرًا لتدبيرات الله، أو من يقدر أن يفهم إيماءات عنايته الإلهية التي يصنعها بالتتابع؟

v     حسن أن يقول هذا عن الله، لكنه لم يقله صوفر بنية نقية، لكن وهو يمجد الله ينطق بالشر على البار.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     لم يكتشف بعد أحد أو سيكتشف ما هو الله في طبيعته وجوهره. فالاكتشاف يحدث في المستقبل. ليت هؤلاء الذين لهم فكر في هذا أن يبحثوا ويفكروا فيما سيتم في المستقبل.

يخبرني عقلي الذي على شكل الله عندما يمتزج ذاك الإلهي، أقصد الذهن والعقل، بما هو شبيه به؛ عندما تعود الصورة إلى أصلها الذي تشتاق إليه. هذا يبدو لي هو معنى هذه العبارة العظيمة أننا في الزمان المقبل سنعرف كما عُرفنا[479].

القديس غريغوريوس النزينزي

v     مع أن كل واحد يطلب المزيد من المعرفة على الدوام، فإنها تبقى المعرفة ناقصة في كل الأمور بالنسبة لكمالها الحقيقي حتى يحل الزمن ليأتي ما هو كامل ويزول ما هو جزئي[480].

القديس باسيليوس الكبير

من يستطيع أن يدرك عمق أسرار الله وخطته، أو يتفهم أعماله، أو من يقدر أن يقتفي إثر خطواته؟ هكذا يبقى الإنسان يتمتع بالمعرفة المستمرة، وكلما تقدم يدرك بالأكثر عجزه عن إدراك أعماق سرّ الله.

يقدم لنا الآباء خلال الفكر الإنجيلي الطريق للدخول إلى سرّ معرفة الله، ألا وهو الحب. كلما التهبت قلوبنا بحبه عمليًا اغتسلت بصيرتنا الداخلية للتعرف على أعماق جديدة. وكلما دخلنا إلى أعماقٍ جديدةٍ في معرفة الله يزداد لهيب حبنا له، فنستخف بالزمنيات ونتعلق بالأبديات.

v     "هل تجد خطوات الله footsteps of God؟" ما هو الذي يدعوه "خطوات الله footsteps of God" سوى رأفات افتقاده؟ بهذا يحفزنا على التقدم نحو العلويات عندما نتفاعل مع نسمات روحه...

عندما تلهب محبة الرب الروحية القلب، يعطي معرفة لطريق نتبعه، كنوع من خطوات الله، كمن يسير ويترك بصمات قدميه على القلب...

حسنًا كان المرتل ماهرًا في إتباع خطوات خالقنا عندما قال: "نفسي تتبعك بجدية" (مز 63: 8)، وإذ أراد اقتناء رؤية علوية قال: "عطشت نفسي إلى الله، إلى الله الحي، متى أجئ وأظهر أمام وجه الله؟" (مز 42: 2).

يُوجد الله القدير بمفهوم واضح عندما نطأ تحت أقدامنا فساد موتنا. عندئذ يُرى بواسطة الذين يرتفعون إلى السماء في بهاء طبيعته الإلهية. أما في الزمن الحاضر، فإن نعمة الروح المنسكب في قلوبنا ترفع النفس من الأهداف الجسدية وتسمو بها بالاستهانة بالزمنيات، ولا يتطلع الذهن إلى أسفل وإلى كل ما يُشتهي من أسفل، ويلتهب بالشوق نحو العلويات.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     ليس للسان سلطان أن ينطق بكيفيتها (الأسرار الإلهية)، إنما ينظرها العقل الطاهر وحده، وبها يتنعم ويفرح بنظرها، ويتعجب ويبتهج بوجودهما، ويُذهل ويُسر باستعلانها له؛ ويذهل ويُختطف منهما إلى داخلهم.

وفي الله يُبتلع ويُسبى بنظر جماله، ويتحد بمجده وينذهل.

ليس من دخل إلى هذا، وينظر إلى ما يُرى ههنا بشهوة.

ليس من يتلذذ بهذه (الأسرار)، ويذوق أيضًا حلاوة شيء مما على الأرض.

ليس من ينظر جمالها، وينظر إلى جمال شيء مما في عالمنا أنه حسن.

ليس من استغنى بوجودها، ولا يستخف بالدرهم كالزبل.

ليس من استأنس بوجودها وسكر بالهذيذ بها، ولم يمقت في عينيه جلسات الناس وأنسهم.

ليس من انطلقت في نفسه وفي عظامه محبة المسيح، ويقدر أيضًا أن يحتمل قذارة الشهوة المرذولة.

ليس من صار رفيقًا للملائكة واستأنس بأسرارهم، ولم يرذل رفقة العالم ومكائده.

ليس من سُبي عقله بجمال رب الكل، ويقدر أيضًا أن يسبيه شيء مما في هذا العالم بشهواته.

ليس من ربط عقله بالله والاهتمام به، وينحل أيضًا من شيء ويرتبط بالهم به[481].

الشيخ الروحَاني (يوحنا الدّلياتي)

هُوَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ،

فَمَاذَا عَسَاكَ أَنْ تَفْعَلَ؟

أَعْمَقُ مِنَ الْهَاوِيَة،ِ

 فَمَاذَا تَدْرِي؟ [8]

أَطْوَلُ مِنَ الأَرْضِ طُولُهُ

وَأَعْرَضُ مِنَ الْبَحْرِ [9].

إن كنا لا نستطيع أن نقيس علو السماوات ولا أعماق الهاوية ولا طول الأرض ولا عرض البحار، فكيف نقيس خالق هذه جميعها؟ يقول المرتل: "عجيبة هذه المعرفة، فوقي ارتفعت لا أستطيعها" (مز 139: 6)، "أحكامك لجة عظيمة" (مز 36: 6).

نرفع عيوننا إلى فوق نحو السماء، فنرى الله عاليًا أعلى منها. عندئذ تشتهي نفوسنا التحرر من عبودية محبة العالم، بعمل روح الله القدوس، الذي يطير بنا كما بجناحي حمامة.

نتطلع إلى أعماق الهاوية، فنرى الرب في حبه يحطم متاريسها، وينطلق بنا إلى الأحضان الإلهية.

نجول في الأرض المتسعة، فنجدها ضيقة للغاية أمام اتساع قلب الله لنا، حيث يضم كل البشرية من آدم إلى آخر الدهور، بحبٍ لا حدود له.

ننظر إلى المحيطات فنستخف بها أمام لجة محبة الله الفائقة.

v     "هو أعلى من السماء، فماذا عساك أن تفعل؟ أعمق من الهاوية، فماذا تدري؟ أطول من الأرض، وأعرض من البحر" [8-9]. يلزم أن يُفهم ذلك بمعني روحي. إذا فُهم أي شيء خاص به بطريقة جسدية لهو أمر شرير. الآن هو أعلي من السماء، إذ يسمو فوق كل الأشياء بعدم إمكانية إدراك طبيعته الروحية. هو أعمق من الهاوية لكونه بسموه يعيننا نحن الذين في أسفل. إنه أطول من الأرض بكونه يتجاوز قياس الخليقة باستمرار أبديته لانهائيًا. هو أعرض من البحر، بكونه ضابط أمواج الأمور الزمنية، إذ يُحجمها، منجزًا إياها بقوته.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     كل هذه الخصوصيات تشير إلى الإنسان وحده، فيكون "سماءً" عندما يرغب في أن يلصق نفسه بالعلويات.

وهو نفسه يكون هاوية عندما ينبطح مرتبطًا بالسفليات، مرتبكًا بالتجارب.

ويكون "أرضًا" عندما يكثر من الأعمال الصالحة خلال خصوبة الرجاء الثابت.

ويكون بحرًا عندما يضطرب بقلقٍ في بعض الظروف ويرتبك بنسمة ضعفه.

الله أعلى من السماء بكوننا نخضع لقدرة سلطانه، حتى عندما نسمو فوق أنفسنا.

إنه أعمق من الهاوية بكونه يدين الذهن البشري ذاته متطلعًا إليه وسط التجارب.

إنه أطول من الأرض بثمار حياتنا التي يهبنا إياها في النهاية. رجاؤنا ذاته في الزمن الحاضر لا يدرك شيئًا.

إنه أعرض من البحر حيث أن الذهن البشري إذ يتلاطم هنا وهناك يلقي بأهواء كثيرة تخص الأمور العتيدة.

وضع المرتل قلبه في العلا، ومع هذا فقد شعر أنه لم يبلغ إلى الله بعد، فيقول: "عجيبة جدًا هي معرفتك لي، إنها قديرة، لا أستطيع بلوغها" (مز 139: 6). عرف بولس ذاك الذي هو أعمق من الهاوية عندما فحص قلبه، لكنه كان يرهب دينونة الله الأكثر فحصًا. قال: "فإني لست أعرف شيئًا عن ذاتي، لكنني لست بذلك مبررًا؛ ولكن الذي يحكم فيّ هو الرب" (راجع 1 كو 4: 4).

البابا غريغوريوس (الكبير)

4. سلطان الله لا يُحد

إِنْ بَطَشَ أَوْ أَغْلَقَ أَوْ جَمَّعَ فَمَنْ يَرُدُّهُ؟ [10]

بلغ صوفر إلى ذات النتيجة التي سبق فبلغها أيوب الخاصة بحكمة الله المطلقة: "إذ خطف فمن يرده، ومن يقول له ماذا تفعل؟" (12:9) "في علمك إني لست مذنبًا، ولا منقذ من يدك" (7:10).

أن "بطش" بالموت، أو أغلق على أحد في السجن، أو جمعه كما في شبكة المصائد، فمن يقدر أن يمنعه؟ من ذا الذي يقدر أن يقف أمام حكم الله أو يقاوم عمله؟ من له السلطان أن يعترض على أحكام الله؟

v     "إن قَلَبَ كل الأشياء، فمن يناقضه؟ أو من يقدر أن يقول له: لماذا تفعل هذا؟" [10] الرب "يقلب" السماء عندما يدمر ارتفاع تأملات الإنسان بأمره المرعب السري. إنه يخرب الهاوية عندما يسمح لنفس أحدٍ أن ترتعب تحت تجاربها لتسقط في أقصى الحدود. ويُسقط الأرض عندما ينزع ثمار الأعمال الصالحة بسكب مصائب عليها. ويقلب البحر عندما يدحض ترددات (تموجات) روحنا المترددة بحدوث رعبٍ مفاجئٍ.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

تعثر مرقيون في القرن الثاني الميلادي، وأيضًا أتباعه من العبارات الواردة في العهد القديم بخصوص الغضب الإلهي، وقد سبق أن خصصت بندا خاصًا بمفهوم "غضب الله" في كتاب الحب الأخوي، فصل 8 عن الغضب. فالله لا يبطش بأحد ولا يغلق على أحدٍ، إنما ما ورد في الكتاب المقدس عن غضب الله هو من قبيل تقديم بعض الأمور الإلهية بلغة بشرية يمكننا فهمها.

لا يحمل الله انفعالات بشرية، إذ هو "حب"!

v     حين نقرأ عن غضب الرب وسخطه، ينبغي ألا نفهم اللفظ وفق معنى العاطفة البشرية غير الكريمة. إنما بمعنى يليق بالله، المنزه عن كل انفعالٍ أو شائبةٍ. ومن ثم ينبغي أن ندرك من هذا أنه الديان والمنتقم عن كل الأمور الظالمة التي ترتكب في هذا العالم.

وبمنطق هذه المصطلحات ومعناها ينبغي أن نخشاه بكونه المخوف المجازي عن أعمالنا، وإن نخشى عمل أي شيء ضد إرادته. لأن الطبيعة البشرية قد ألفت أن تخشى أولئك الذين تعرف أنهم ساخطون، وتفزع من الإساءة إليهم، كما هو الحال مع بعض القضاة البالغين ذروة العدالة.

فالغضب المنتقم يخشاه عادة أولئك الذين يعذبهم اتهام ضمائرهم لهم، بالطبع ليس لوجود هذه النزعة في عقول هؤلاء الذين سيلتزمون بالإنصاف في أحكامهم. لكن بينما هم في غمرةٍ من هذا الخوف، فإن ميول القاضي نحوهم تتسم بالعدالة وعدم التحيز واحترام القانون الذي ينفذه. وهذا مهما سلك بالرفق واللطف، موصوم بأقسى نعوت السخط والغضب الشديد من أولئك الذين عوقبوا بحقٍ وإنصافٍ[482].

القديس يوحنا كاسيان

5. علم الله شامل

لأَنَّهُ هُوَ يَعْلَمُ أُنَاسَ السُّوءِ،

وَيُبْصِرُ الإِثْمَ فَهَلْ لاَ يَنْتَبِهُ؟ [11]

نحن نعرف عنه أقل القليل، أما هو فيدرك كافة أسرارنا حتى الخفية عنا. هو يعرف أناس السوء حتى وإن حسبناهم أو حسبوا أنفسهم أبرارًا، وهو يبصر الإثم الذي نرتكبه خفية. الأشرار مكشوفون أمامه، والشر لا يمكن أن يُخفى عنه. "فهل لا ينتبه؟" أي هل يقف في سلبية أمام الأشرار والشر، حتى وإن غض النظر إلى حين؟

v     "لأنه يعلم بطلان البشر، عندما يبصر الإثم أيضًا، فهل لا ينتبه؟" [11]... هنا يلاحظ الترتيب حسنًا، فيصف أولا البطلان أنه يُعرف، وبعد ذلك الإثم أنه يُنتبه إليه. فإن كل إثمٍ هو باطل، وليس كل بطلان هو إثم. فإننا نمارس أمورًا باطلة مادمنا نعمل ما هو زائل. في هذا يزول الشيء من أعين الممسك به، ويقال عنه إنه "باطل". يقول المرتل: "إنما كخيال يتمشى الإنسان" (مز 39: 6)

البابا غريغوريوس (الكبير)

أَمَّا الرَّجُلُ فَفَارِغٌ عَدِيمُ الْفَهْم،ِ

وَكَجَحْشِ الْفَرَا يُولَدُ الإِنْسَانُ [12].

يقول صوفر إن الإنسان ذاته صار بعد السقوط فارغًا عديم الفهم، لأنه حرم نفسه من حكمة الله. صار "يشبه البهائم التي تُباد" (مز 49: 20). صار غبيًا كالحمار الوحشي (جحش الفرا) الذي تعود أن يسكن البرية. في غباوته يظن أنه حكيم، فلا يريد أن يخضع لأحكام الله، بل يقاوم، ظانًا أنه يعرف الحق والعدل.

ما قاله صوفر هو حقيقة سقط فيها الإنسان بوجه عام، لكن ما يشوب كلامه أنه يعني أيوب دون أصدقائه، فيحسبه في مرتبة حيوانات البرية الغبية، والتي بلا نفع. لكن إذ يتحدث عن نفسه يحسب نفسه حكيمًا، يقدم مشورة صادقة وفعالة!

v     "المائت مولود المرأة كجحش البرية" [12]. يشير بهذه الكلمات إلى أيوب، مساويًا إياه بجحش البرية. إذ قال: "لأن سهام الرب في جسدي... هل ينهق جحش البرية بلا سبب، إن لم يكن باحثًا عن طعام؟" (6: 4، 5). بمكرٍ يقول صوفر: لماذا يتحدث عن مائت مولود من امرأة، بمعني عن رجل من رجل، مادام أيوب نفسه يقارن نفسه بجحش البرية. لهذا يقول صوفر: "عبثا يختفي في تعقلانه" [12]. بهذه الكلمات الباطلة التي لا جدوى منها يحدر أيوب إلى التفاهة، إذ يقول صوفر أنه يجب أن يعوي كثيرًا جدًا ولا يتنهد كثيرًا متجنبًا أن يكون إنسانًا. إنه يقارنه بجحشٍ يتضور جوعًا.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "الرجل الفارغ (الباطل) ينتفخ في كبرياء" هذه هي نهاية البطلان. الكبرياء يفسد القلب بالخطية فيجعله متوقحًا بالإثم، حتى بتجاهل إثمها لا تشعر النفس بالحزن على فقدانها براءتها، وتصاب بالعمى كجزاءٍ عادلٍ، وربما تنفصل عن التواضع أيضًا. كثيرًا ما يستعيد القلب لنفسه شهوات شريرة، متخليًا عن نير مخافة الرب، وكأنه يصير في حرية لارتكاب الشر. إنه يصارع ليجعل الشر في حيز العمل متساهلاً مع نفسه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

إن كان الإنسان قد نزل إلى غباوة بعض الحيوانات بل والحشرات، وذلك بكبرياء قلبه وتشامخه على الله مصدر الحكمة، فإن حكمة الله صار إنسانًا، لكي يرتفع به إلى الحكمة السماوية، يتمتع به ويتحد معه. بالتجسد الإلهي، خاصة بصعود السيد المسيح، ارتفعنا به من انحطاط الحيوانات إلى الحكمة السماوية.

v     انظروا إلى طبيعتنا كيف انحطت ثم ارتفعت. فإنه ما كان يمكن النزول أكثر مما نزل إليه الإنسان، ولا يمكن الصعود إلى أكثر مما ارتفع إليه المسيح... ويوضح بولس ذلك إذ يقول: "الذي نزل هو الذي صعد أيضًا". وأين نزل؟! "إلى أقسام الأرض السفلى" وصعد إلى "فوق جميع السماوات" (أف 4: 9-10).

افهموا من هذا الذي صعد؟!...

إنني أتأمل في عدم استحقاق جنسنا حتى أدرك الكرامة التي نلناها خلال مراحم الرب المملوءة حنوًا. فإننا لم نكن سوى تراب ورماد...

لقد صرنا أكثر غباء من الحيوانات غير العاقلة، إذ صار الإنسان يقارن بالحيوانات غير العاقلة، وقد صار مثلها (مز 48: 21). وإذ يصير الإنسان هكذا مثلها إنما يكون أردأ منها. لأنها هي هكذا بحكم طبيعتها، أما عدم تعقلنا نحن الخليقة المزينة بالعقل فهذا بإرادتنا...

وهكذا عندما تسمع عن الإنسان أنه صار كالحيوانات غير العاقلة، فلا تظن أنه صار مساويًا لها، بل أحط منها. لا بمعنى أنه نزل إلى مستوى أقل منها، بل إذ ونحن بشر صرنا إلى هذه الدرجة الشديدة من الجمود...

هذا ما يعلم به إشعياء بوضوح قائلاً: "الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. أما إسرائيل فلا يعرف. شعبي لا يفهم" (إش 1: 3).

لكن ليتنا لا نضطرب بسبب معاصينا القديمة، لأنه حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا (رو 5: 20).

لقد رأيتم كيف صرنا أكثر غباء من الحيوانات، فهل تريدون أن تروا كيف صرنا أكثر عدم تعقل من الطيور؟!

"اليمامة والسنونة المزقزقة حفظنا وقت مجيئها. أمَّا شعبي فلم يعرف قضاء الرب" (إر 8: 7).

انظروا كيف صرنا أكثر غباء من الحمار والثور وطيور السماء واليمامة والسنونة، أتريدون أيضًا أن تروا ماذا قد بلغ إليه غباؤنا؟!

إنه يرسلنا إلى النمل لنتعلم منه الحكمة "اذهب إلى النملة أيها الكسلان. تأمل طرقها وكن حكيمًا" (أم 6:6).

لقد صرنا تلاميذ للنمل، نحن الذين خلقنا على صورة الله ومثاله. ولكن لم يكن خالقنا هو السبب، بل نحن السبب إذ لم نرد أن نبقى على صورته ومثاله.

ولماذا أتكلم عن النملة فقط، فإننا قد صرنا أكثر جمودًا من الحجارة؟! هل أقدم دليلاً على ذلك؟ "اسمعي خصومة الرب أيتها الجبال ويا أسس الرب الدائمة. فإن للرب خصومة مع شعبه" (ص 6: 2).

إنه يدين الإنسان مستدعيًا أسس الأرض... لأن الناس صاروا أكثر جمودًا من أسس الأرض.

إلى أي مدى من عدم الحكمة يريدون أن يصلوا بعد؟! إذ صاروا أكثر غباء من الحمار وعدم حساسية من الثور، وعدم فهم من اليمامة والسنونة، وعدم حكمة من النملة، وأكثر جمودًا من الحجارة، بل ويشبهون الأفاعي (راجع مز 58: 5)...

ولماذا أتكلم بعد عن الخليقة غير العاقلة، فإننا قد صرنا (في شرنا) ندعى أبناء إبليس، إذ يقول "أنتم من أب هو إبليس" (يو 8: 44).

ومع ذلك فبالرغم من أننا جامدو الحواس، وناكرو المعروف، وأغبياء وأكثر قسوة من الحجارة، وهكذا صار انحطاطنا وعدم استحقاقنا... لكن اليوم ارتفعت طبيعتنا فوق كل الخليقة!

القديس يوحنا الذهبي الفم

إِنْ أَعْدَدْتَ أَنْتَ قَلْبَك،َ

وَبَسَطْتَ إِلَيْهِ يَدَيْكَ [13].

إن كان الله لا يمكن إدراك أبعاده - إن صح التعبير - وهو صاحب السلطان، والعالم بكل شيءٍ، فمن الجانب الآخر لا يدرك الإنسان كمال الله وكمال معرفته، بل ولا حتى الأسرار الخاصة بالطبيعة البشرية. لذا لاق بالإنسان عوض نقد تصرفات الله أن يلجأ إليه بالصلاة، وينزع كل ما هو غريب عن الله من إثمٍ وظلمٍ، فيرفع الله وجهه، ويهبه بركات لا حصر لها.

إِنْ أَبْعَدْتَ الإِثْمَ الَّذِي فِي يَدِكَ،

وَلاَ يَسْكُنُ الظُّلْمُ فِي خَيْمَتِكَ [14].

يطلب صوفر – كما فعل زميلاه من قبل - أن يلجأ أيوب إلى الله بقلبه كما بسلوكه العملي، فلا يحمل رياءً ولا خداعًا، حتى يستجيب الله لصلاته.

قدم نصيحة صادقة عن التوبة، لكن لا نعلم ماذا كانت نية صوفر، هل يطلب فعلاً توبته، أم كان يود تأكيد شر أيوب وريائه.

يطلب منه أن يعد قلبه بالنقاوة وأن يبسط يديه بالمثابرة في الصلاة كمن يريد أن يمسك بالله ولا يتركه حتى يباركه، كما فعل أبونا يعقوب.

يطالبه صوفر بالكف عن الإثم، وطرد الظلم من خيمته. طلب عجيب لإنسان يقطن في مزبلة، يلبسه الدود كرداءٍ، وتحوط به القروح من أخمص قدميه إلى رأسه. أي إثم يمكن أن يمارسه بيدين تنزفان بلا توقف؟ وأي خيمة يطرد منها الظلم وهو يعيش في مزبلة؟

v     كل خطية ترتكب إما بالفكر وحده أو بالفكر والعمل معًا. لهذا فإن "الإثم في يدك" هو إثم بالعمل. أما "الشر في الخيمة" فهو الظلم في القلب، فإن قلبنا يُدعى بحق خيمة، فيها نُدفن في داخلنا عندما لا تظهر أنفسنا في الخارج خلال العمل.

كان صوفر صديقًا لشخصٍ بارٍ يعرف ما يجب أن يُقال، لكنه هو نفسه إذ يحمل الشبه للهراطقة، في توبيخه لشخصٍ كهذا، لا يعرف بحق كيف يقدم حتى ما يعرفه. فإنه يأمرنا أولاً أن ننزع الإثم عن اليد، وبعد ذلك نزيل الشر من الخيمة. فإن من يقطع من نفسه كل الأعمال الشريرة الخارجية يلزمه بالضرورة أن يعود إلى نفسه، ويمتحن نفسه بحكمة من جهة قلبه، لئلا الخطية التي لم تعد تمارس بالفعل تبقي متخلفة في الفكر. لذلك حسنا قال سليمان: "هيئ عملك في الخارج، وأعده في حقلك، بعد ذلك تبني بيتك" (أم 24: 27). فإنه ماذا يعني عندما يهيأ العمل حتى يعد الحقل بنشاط في الخارج سوى أن نقتلع أشواك الشر، حتى نعمل حاملين ثمار المكافأة؟ وبعد حرث الحقل ماذا بعد ذلك من العودة إلى بناء بيتنا، سوى أننا غالبًا ما نتعلم من الأعمال الصالحة النقاوة الكاملة للحياة التي يلزم أن نبنيها في أفكارنا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     تُعطى التوبة للبشرية كنعمةٍ فوق نعمةٍ. التوبة هي ميلاد ثانٍ من الله، ننال عربونه في العماد، ونناله كعطية خلال التوبة.

التوبة هي مدخل الرحمة المفتوح لجميع طالبيها. خلال هذا المدخل ندخل إلى الرحمة الإلهية، وباعتزال هذا المدخل لا يقدر أحد أن يجد رحمة.

إذ "أخطأ الجميع" كقول الكتاب الإلهي، "يتبرّرون مجّانًا بالنعمة" (رو 23:3-24). التوبة هي النعمة الثانية، تولد في القلب كثمر للإيمان والمخافة.

المخافة هي العصا الأبوية التي تقودنا حتى إلى عدن الروحية، لكن ما أن نبلغ هناك تتركنا وترجع.

عدن توجد في الحب الإلهي، حيث فيه فردوس كل التطويبات. هذا هو الموضع الذي فيه نال القديس بولس قوتًا فائقًا للطبيعة. إذ ذاق شجرة الحياة تعجّب قائلاً: "ما لم تره عين، وما لم تسمع به أذن، وما لم يخطر على قلب بشر، ما أعدّه الله للذين يحبونه" (1 كو 9:2)[483].

القديس مار اسحق السرياني

v     لا يوجد مرض يمكن أن يصيب النفس إلا وتُقدم له كلمة الرب دواءً. وكما توجد أدوية مركبة يقوم الأطباء بخلطها ومزجها لمعالجة الأمراض الجسدية، هكذا توجد أدوية مركبة يعدها روح الرب لمعالجة شهوات الخطية ومواجهتها، فيقدر من يشعر بالمرض أن يجد الدواء قريبًا منه، ويتمتع بالشفاء.

جميع الأمراض تُشفي بما يضادها، فالأمراض التي تتسبب من البرد تُشفي بالأعشاب الساخنة الحارة، والأمراض التي تتسبب من الحرارة تُشفي بواسطة الأعشاب المرطبة...

تعلَّم إذن من هذا أيها الحكيم، يا من تريد شفاء أمراض نفسك، وأفعل لنفسك ما يصنعه علم الطب مع الجسد. فإن الأمور التي على المستوى الخارجي قد وضعت أمام عيوننا كمثال نحتذي به بالنسبة لما يمس المستوى الداخلي، فتُشفي نفوسنا بنفس الطريقة التي تُشفي بها أجسادنا.

إذن لنُعدّ الدواء المضاد لمواجهة كل شهوة:

ضد الشك: الإيمان،

وضد الخطأ: الحق،

وضد الارتياب: اليقين،

وضد الخبث: البساطة،

وضد الكذب: الصراحة،

وضد الخداع: الصدق،

وضد الاضطراب: الوضوح،

وضد القسوة: الحنان،

وضد الوحشية: الرأفة،

وضد الشهوة الجسدية: الشهوة الروحية،

وضد اللذة: الألم،

وضد فرح العالم: فرح المسيح،

وضد الأغاني: التسابيح الروحية...

وضد الحزن: الفرح،

وضد الإعجاب والفخر بأنفسنا: الرجاء الصادق في الله،

وضد الرغبات الجسدية: الرغبات الروحية،

وضد النظرة الجسدية: النظرة الروحية...

وضد التطلع إلى الأمور المنظورة: التفكير في ما لا يُرى...

وضد الارتباط بالعائلة الجسدية (بالنسبة للراهب): الارتباط بالعائلة السماوية،

وضد الحياة في مسكن أرضى: الحياة والسكنى في أورشليم العليا.

إذًا تُشفي جميع هذه الأمراض وما يشبهها بضدها.

من يشتهي الحياة السماوية يلزمه أن يتنازل عن الأمور الأرضية المادية، لأن اشتهاء أحدهما لا وجود له في داخلنا ما لم يمت الآخر. لا تُولد شهوة الروح في أفكارنا إلا بموت شهوة الجسد، فبموت الواحد يحيا الآخر.

عندما يكون الجسد عائشًا فينا بكل شهواته ورغباته، تكون النفس حينئذ ميتة بكل رغباتها[484].

القديس مار فيلوكسينوس

6. لا مفر من الغضب الإلهي إلا بالتوبة والصلاة

حِينَئِذٍ تَرْفَعُ وَجْهَكَ بِلاَ عَيْبٍ،

وَتَكُونُ ثَابِتًا، وَلاَ تَخَافُ [15].

هنا يبدو صوفر فاتحًا باب الرجاء مثل زميليه أليفاز (8:5 الخ) وبلدد (5:8-7،20-22)، على عكس أيوب الذي بسبب شدة التجربة كثيرًا ما سادت عليه النظرة التشاؤمية بأن حياته الأولى لن تعود!

ما قاله صوفر وإن كان لا يناسب أيوب في تلك الظروف، إلا أنه مبدأ حق بالنسبة لكل تائب صادقٍ في توبته. فإنه لا يستطيع أن يرفع وجهه أمام القدوس إلا إذا نزع عنه العيب والخزي بنقاوة قلبه وقداسة خيمته، بهذا يقف أمام الله ثابتًا في رجائه واتكاله على الله، بغير خوف في محبته لله.

v     إن قدمت صلاتك بقلبٍ طاهرٍ [13] بلا لوم من جهة أي عمل غير لائق فإنك إذ تقدم تنهدات على نفسك أمام الله تصير في لقاء معه. عوض الحزن يكون لك الفرح، وعوض المصائب تنال بركات، وتكون ملامح وجهك مشرقة كماءٍ نقيٍ [15]... ولا تعود تخاف من علل أخرى، لأن الله ينزع العلل عنك. تنال عفوًا من متاعبك، وشكرًا على الهدوء الذي يخيم عليك، ولا تخاف التجارب، فتكون كمن وجد راحة في ميناء آمن، لا تخاف الأمواج حيث لا يقدر البحر أن يسبب ضررًا.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     الآن إذ نمسح بالكامل هاتين الاثنتين (إثم اليد والظلم الذي في الخيمة)، نرفع وجوهنا بلا لوم لله. لأن النفس هي وجه الإنسان الداخلي، به نعرف خالقنا بالحب وبه ننظره.

الآن رفع هذا الوجه عينه هو رفع النفس لله بممارسة الصلاة.

أما الوصمة التي تفسد رفع الوجه فهي نية العمل... فإنها (النفس) في الحال تتحطم، وتفقد كل ثقة في الرجاء. وحينما تنشغل بالصلاة تلتصق بتذكر الخطية التي خضعت لها. تفقد الثقة في نوال ما تشتاق إليه، فتحمل في الذهن الرفض المستمر لممارسة ما تسمعه من الله. لذلك يقول يوحنا: "أيها الأحباء إن لم تلمنا قلوبنا، فلنا ثقة من نحو الله، ومهما سألنا ننال منه" (1 يو 3: 21- 22). ويقول سليمان: "من يحول أذنه عن سماع الشريعة فصلاته أيضا مكرهة" (أم 28: 9). فإن قلبنا يلومنا في تقديم صلواتنا عندما نتذكر أنها تقف ضد وصاياه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     ليس أحد يعينه الله ما لم يصنع هو شيئًا. إنه سيُعان إن صلي[485].

v     الأثر الكامل للإيمان هو هذا: يجعلنا نسأل فنأخذ، نطلب فنجد، نقرع فيُفتح لنا. بينما الإنسان الذي يجادل يغلق باب رحمة الله أمام نفسه[486].

v     لا توجد وسيلة بها يصل الشعب إلى كمال مطلق، أو بها أي إنسان يصنع أقل تقدم نحو البرّ الحقيقي التقوى إلا بمعونة مخلصنا المصلوب، المسيح، وعطية روحه. من ينكر هذا لا يستطيع أن يُحسب مسيحيًا نهائيًا كما أظن[487].

القديس أغسطينوس

لأَنَّكَ تَنْسَى الْمَشَقَّةَ.

كَمِيَاهٍ عَبَرَتْ تَذْكُرُهَا [16].

حين يتمتع المتألم بتعزيات الله ينسي آلامه ومشقته كما تنسي الأم آلام مخاضها بسبب فرحها بالمولود الجديد. وتصير الآلام أشبه بقليلٍ من ماء انسكب من أناء لا أثر لها في شيء.

الله هو وحده القادر أن يرفع المتألمين فوق الآلالم، ويعبر بهم فوقها وتصير كلا شيء، بل وتتحول إلى بركات لا تُحصى.

وَفَوْقَ الظَّهِيرَةِ يَقُومُ حَظُّكَ.

الظَّلاَمُ يَتَحَوَّلُ صَبَاحًا [17].

إن كان أيوب قد شعر أن نوره قد انطفأ تمامًا، وصارت حياته أشبه بالظلام الدامس، ففي رأي صوفر أن الله يشرق بنوره عليه عند توبته ليجعل من حياته نورًا أعظم من نور الشمس عند الظهيرة، ويحول ظلام الليل إلى نور الصباح المبهج.

v     "إشراق الظهيرة عند المساء" هو تجديد الفضيلة في وقت التجربة... مكتوب: من يخاف الرب تكون نهايته حسنة" (ابن سيراخ 1: 13)... كلما واجه بالأكثر صلبانًا خارجية، يتلألأ بالأكثر بنور فضائله في داخله، كما يشهد بولس القائل: "وإن كان إنساننا الخارجي يفنى، فالداخل يتجدد يومًا فيومًا. لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبديًا" (2 كو 4: 16).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     أيّها النور غير المنظور!

أيها البهاء الذي لا يراه بهاء آخر!

أنت هو النور الذي تختفي أمامك كل الأنوار المخلوقة!

أنت البهاء الذي ينطفئ قدّامه كل بهاء خارجي!

أنت هو "النور" مصدر كل الأنوار، و"البهاء" ينبوع كل بهاء!

أنت هو النور والبهاء، أمامك تصير كل الأنوار ظلمات، وكل ضياء بالنسبة لك ليس إلاَّ ظلامًا!

أنت هو البهاء الذي بك تصير الظلمة نورًا، وبك يتلألأ الظلام لمعانًا!

أنت هو النور الأسمى، لا تحجبك سحابة ما، ولا يعوقك بخار، يعجز الليل عن أن يسدل بظلامه عليك، لا يعوقك حاجز ولا تُغرٍقك ظلال!

أخيرا، أنت النور الذي ينير الخليقة الداخليّة على الدوام، ابْتَلِعْني في هوّة جلالك، حتى أعاين كل أعماقك، بقوّة بهاء لاهوتك ذاته، وعمل البهاء المنعكس عليَّ منك!

لا تتركني قط، لئلاَّ يتزايد جهلي وتكثر شروري، فبدونك أصير فارغًا وبائسًا!

بدونك لا يكون لأحد صلاح، إذ أنت هو الحق والصلاح الحقيقي وحده!

هذا ما اَعترف به؛ وهذا هو ما أعرفه، يا الله إلهي، أنَّه حيثما وُجٍدْتُ بدونك لا يكون لي غير الشقاء - في الداخل كما في الخارج - لأن كل غني غير إلهي إنّما هو بالنسبة لي فقر مدقع!

القدِّيس أغسطينوس

وَتَطْمَئِنّ،ُ لأَنَّهُ يُوجَدُ رَجَاءٌ.

تَتَجَسَّسُ حَوْلَكَ، وَتَضْطَجِعُ آمِنًا [18].

تعزيات الله تنزع من النفس القلق وتهبه طمأنينة وسلامًا حيث تنفتح أمامه أبواب الرجاء عوض اليأس.

إنه يحفر (يتحسس) حوله كما يفعل الجنود، حيث يحفرون الخنادق، ويضطجعون فيها في آمان، لأنه تحت ظل جناحي الله يستريحون، وفيه يتمتعون بكل احتياجاتهم.

v     يرفع الرجاء ذاته بأكثر ثبات في الله بالنسبة للأمور الصعبة التي يعاني منها الإنسان من أجل الله. لا يمكن جمع الفرح بالمكافأة في الأبدية ما لم يزرع هنا أولاً في حزن تقوي. يقول المرتل: "الذاهب ذهابًا بالبكاء، حاملاً مِبذَر الزرع، مجيئًا يجئ بالترنم حاملاً حزمه" (مز 126: 6). هكذا يقول بولس: "إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضًا معه، إن كنا نتألم فسنملك أيضا معه" (2 تي 2: 11-12). كذلك يحذر تلاميذه، قائلاً: "بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله" (أع 14: 22).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     أن تترجى الله من الله، هذا هو أن تحب الله صاحب النعمة[488].

v     كم أنا بائس؟!

إلهي... متى تفارقني هذه الطبيعة الفاسدة، وتعمل قوّتك الكاملة في؟!

إلهي... لذيذة هي الوحدة والسكون والحق والنقاوة، هذه كلّها التي هي لك! أمّا أنا فألهو بالضوضاء والصخب والباطل والرذيلة!

أعود فماذا أقول بعد؟! أنت هو الخير الحقيقي، رحوم، قدُّوس، عادل... أمّا أنا فشرّير، محب لذاتي، خاطئ، ظالم!...

أنت النور، أمّا أنا فظلمة!

أنت الحياة، أمّا أنا فموت!

أنت الطبيب، أمّا أنا فمريض!

أنت الفرح، أمّا أنا فحزن!

أنت الحق الصادق، أمّا أنا فبطلان حقيقي، مثلي مثل أي إنسان على الأرض!

بأية لغة تريدني أن أحدّثك يا خالقي؟! أتوسّل إليك أن تتفضّل فتُصغي إليّ. إنَّني من صنع يديك، وهلاكي أمر مخيف!

إنّي جُبلتك، وها أنا أموت! إنّي من صُنْع يديك، وها أنا اَنحدر نحو العدم!

إن كان لي وجود، فأنت مُوجدي، "يداك صنعتاني وأنشأتاني" (مز 119: 73). يداك اللتان سُمِّرتا على الصليب، فَلْيُعطياني السلام؛ لأنَّه هل تحتقر عمل يديك؟!

أه! أتطلّع إلى جراحاتك العميقة، فقد نقشتَ اسمي في يديك! ِاقرأْ اسمي وخلّصني!

إن نفسي التي تتأوه قدّامك، هي من عمل يديك. اخلق منّي خليقة جديدة؛ فهذا هو عملك. لذا فهي لا تكف عن الصراخ إليك قائلة: "يا أيّها الحياة، أَحْيني من جديد!"

أنَّها من جبلة يديك، تلتف حولك متوسّلة إليك أن ترد إليها جمالها الأول!

اغفر لي يا إلهي، ما دمتَ قد سمحتَ لي بالحديث معك. لأنَّه من هو الإنسان حتى يتكلّم مع الرب خالقه؟!

نعم. سامحني! سامح تجاسري! سامح عبدك الذي تجاسر ليرفع صوته أمام سيده!

إن الضرورة لا تعرف قانونًا! فالألم يدفعني إلى الحديث معك! والكارثة التي َحَلَّت بي تجعلني اَستدعي الطبيب لأنّي مريض! إنَّني أطلب النور لأنّي أعمى! أبحث عن الحياة لأنّي ميّت! ومن هو هذا الطبيب والنور والحياة إلاَّ أنت؟!

يا يسوع الناصري ارحمني!

القدِّيس أغسطينوس

وَتَرْبِضُ، وَلَيْسَ مَنْ يُزْعِجُ،

وَيَتَضَرَّعُ إِلَى وَجْهِكَ كَثِيرُونَ [19].

لا يليق بالإنسان أن يضطرب، بل يربض أو يرقد ويستريح دون إزعاج، لأنه في أحضان الله، تحوط به العناية الإلهية.

يصير الشخص ليس فقط في آمان، ليس من أعداء يتغلبون عليه، ولا من كوارث تهز كيانه، وإنما يتضرع إلى وجهه كثيرون، إذ يجدون سلامًا وتعزية في مجرد التطلع إلى وجهه. يرون صورة المخلص ربنا يسوع مطبوعة على وجهه، تشهد لسكناه في قلبه.

من يستعطف وجه الله، يحمل صورة وجه الله، فيستعطفه كثيرون.

v     من يطلب المجد الحاضر بلا شك يخشى الاحتقار. من كان فاغر فمه على الدوام طالبًا الربح حتمًا يخشى الخسارة... أما من تأصل في الاشتياق نحو الأبدية وحدها، فإنه لا يتشامخ بالثروة، ولا يهتز بالمصائب. إذ ليس له شيء في هذا العالم يشتهيه، فإنه لا يوجد ما يخشاه من العالم.

ألم يربض بولس ويستريح قلبه بلا خوف عندما قال: "فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا" (رو 8: 38- 39).

قوة هذا الحب مدحه صوت الكنيسة المقدسة حين قيل في نشيد الأناشيد: "لأن المحبة قوية كالموت" (نش 8: 6). فيُقارن الحب بقوة الموت الذي إذ تمسك به النفس تموت تمامًا عن مباهج العالم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

أَمَّا عُيُونُ الأَشْرَارِ فَتَتْلَفُ،

وَمَلْجَأُهُمْ يَبِيدُ،

وَرَجَاؤُهُمْ تَسْلِيمُ النَّفْسِ [20].

بعد أن قدم صورة رائعة عن التوبة الخالصة وثمرها المفرح، حذر من الشر وآثاره. فإن عيون الأشرار تتلف. العيون التي لا تتطلع إلى الله مصدر الخير تفسد.

"ورجاؤهم تسليم النفس"، يبيد ويتلاشى، إذ "عند موت إنسانٍ شريرٍ يهلك رجاؤه" (أم 11: 7).

v     يقصد بالعيون النية المقدمة لنا. يشهد الحق في الإنجيل، قائلاً: "إن كانت عينك بسيطة، فجسدك كله يكون نيرًا" (مت 6: 22). إن كانت النية الطاهرة تسبق عملنا، فمهما بدا العمل لدى البشر، فإنه في عيني دياننا الداخلي يُحسب العمل طاهرًا. فأعين الأشرار هي نياتهم من جهة شهواتهم الجسدية التي في داخلهم. هذه تتلف لأنها لا تبالي باهتماماتهم الأبدية، متطلعين دومًا نحو المكاسب الزمنية وحدها...

"ويكون رجاؤهم دنسا للنفس". ما هو رجاء الخاطى هنا في كل أفكاره سوى أن يسمو على الآخرين في السلطان، وتفوق مخازنه مخازن كل الناس، وأن يكسر منافسيه ليسيطر عليهم، وأن يشبع شهوته، وأن يذعن في كل شيءٍ لإشباع الشهوة. حسنًا قيل أن رجاءهم "دنس للنفس".

الآن كان يمكن القول بأن صوفر محق في هذا لو أن الطوباوي أيوب لم يعلن هذا بأكثر كمال خلال حياته.

البابا غريغوريوس (الكبير)

 

 


 

من وحي أيوب 11

هب لي الحق الإلهي الحي!

 

v     تسبحك نفسي، لأنك خلقتها على صورتك.

تشتهي في أعماقها أن تتعرف على حقك الإلهي.

كعروسٍ تترقب يوم عرسها الأبدي،

تود أن تتزين بفكر عريسها، وتتعرف على أسراره.

 

v     أعترف لك يا أيها الحق العجيب!

كثيرًا ما خالجني فكر متشامخ.

ظننت في نفسي مدافعًا عنك يا أيها الحق،

فأمسكت بسيفٍ مع بطرس أضرب العبد المقاوم.

قطعت بغباوتي أذنه الروحية،

وأفقدته القدرة على سماع كلمتك!

حسبت نفسي رجلاً كنسيًا،

وفي غباوة دافعت عنها بروح غريب لا يليق بابنها!

 

v     هب لي روح الحق والمعرفة، بروح الحب والحنو.

أي حق أدافع عنه بدون الحب الصادق لكل البشرية؟

أتيتَ يا أيها الحق إلى عالمنا الشرير.

في مرارةٍ قدمنا لك الصليب، وأنت محب كل البشرية.

في غباوة دافعنا عن الحق، فاضطهدناه.

هب لي أن أتمتع بك وبروحك القدوس.

فأنت هو الحق، وأنت هو الحب، وأنت هو الطريق.

ليعمل روحك القدوس في،

الروح القادر أن يبكت على خطية، ويهب تعزيات إلهية.

هبنى مرهم الحنو والانسحاق بتواضع حقيقي

فأجتذب بحبك وحنوك ومعرفتك كثيرين إلى شبكة كنيستك!

 

v     لتجعل كلماتك المقدسة في فمي،

فيتقدس لساني، ولا ينطق إلا بالحق المملوء حبًا.

تتكلم أنت فيَّ بلساني، كما بصمتي.

أشهد للحق في أحاديثي كما بسكوني!

 

v     لتفتح فمك وتتحدث معي،

كلماتك نور تكشف ظلمتي، وتبددها،

تهبني استنارة فتخلصني وتمجدني.

علمني كيف أتحدث مع إخوتي، شركائي في الضعف.

عوض الإدانة أترفق بهم، فتترفق أنت بي.

أضعف مع ضعفاتهم، فيلتهب قلبي بنار حبك.

أحسب نفسي مقيدًا كما هم مقيدون،

فتحررنا جميعا يا واهب الحرية!

 

v     لتشرق بنور حكمتك الإلهية عليّ،

فأتمتع بفهمٍ مضاعف.

أدرك حبك خلال أعمال محبتك الفائقة.

واكتشف أسرار رعايتك لي، حتى في وسط تأديباتي.

اسبحك من أجل سخاء عطاياك،

حين تعطي وحين تأخذ أراك الإله العجيب في رعايته.

 

v     هب لي حكمة مضاعفة، فأدرك خطتك الظاهرة والخفية.

وأفهم مع حكمتك الشركة في سمة محبتك.

أحمل بالحكمة المضاعفة حبًا مضاعفًا.

أحبك وأحب إخوتي الذين هم موضوع حبك.

 

v     أحبك حبًا مضاعفًا،

أحبك بكل قلبي ونفسي وقدرتي!

لا أعرف لحبي لك حدودًا!

وأحب إخوتي حبًا مضاعفًا،

أقدم لهم روح الحب بالعطاء السخي وطول الأناة.

لا أعرف كيف أبغض أو أحسد أو أدين.

أود أن أتعامل معهم كما اشتهي أن يعاملوني به.

 

v     هب لي يا رب حكمة مضاعفة، وفهمًا مضاعفًا، وحبًا مضاعفًا.

مع كل صباح أتمتع بمراحمك الجديدة،

فازداد حكمة وفهمًا حبًا.

لن اكتفي يومًا ما بما تهبني إياه حتى أصير أيقونة لك.

عطاياك تلهب شوقي إليك،

وتثير فيَّ الشركة معك والإقتداء بك،

يا أيها الحكمة الإلهي والمحبة!

 

v     هب لي حتى في توبيخ محبوبي أن أكون مترفقًا!

فتكون كلماتي ممسوحة بمسحة روحك القدوس المعزي.

 

v     أقف أمامك أيها القدير،

فيلتهب قلبي شوقًا نحو مزيدٍ من اللقاء،

وتئن نفسي في داخلي، تود أن تتعرف بالأكثر عليك.

أخبرني، إن كنت لا أعرف أسرار خليقتك المنظورة،

فكيف أتجاسر وأدعي معرفة خالقها غير المنظور؟

إن كنت لا أقدر أن أرى أثر السفينة بعد عبورها،

ولا أثر النسر بعد طيرانه،

فكيف اقتفي أثرك لأعرف خطتك؟

 

v     هب لي حبك، فيه أتعرف عليك وعلى خطتك.

ارفع قلبي بروحك فوق كل محبة باطلة،

 فيحلق دومًا في سماواتك، ويتعرف عليك؟

لأعرفك فيزداد حبي لك،

واستخف بالأكثر بكل محبةٍ أرضيةٍ.

 

v     اخبرني، إلى أين أتطلع يا من لا تسعك السماوات والأرض؟

أتطلع إلى السماء، فاشتهي أن يطير بي روحك القدوس،

ويحلق بي في سماواتك،

يرتفع بي من مجدٍ إلى مجدٍ، حتى استقر في أحضانك.

أتأمل في أعمال الهاوية، فأجد ليس لي مكان فيها.

لقد نزلت إليها، وحطمت متاريسها،

وحملتني على ذراعيك، لتدخل بي إلى الأمجاد.

أنظر إلى الأرض بكل اتساعها،

فتضيق بي جدًا أمام اتساع قلبك من نحوي ونحو إخوتي.

أرتعب على شاطئ المحيط،

لكن اتساعه يحسب كلا شيء أمام لجة محبتك الفائقة!

حقا ما هو الارتفاع أو العمق أو الطول أو العرض لمحبتك اللانهائية!

 

v     نتهلل بسلطانك المطلق يا أيها الحب.

أنت صاحب السلطان، ليس من يقدر أن يقاوم،

ولا من يقدر أن يقف أمامك يسألك!

لكن سلطانك سلطان الحب والأبوة الحانية، يا صانع الخيرات.

تريد أن الكل يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون.

سلطانك دومًا للبنيان والمجد،

مادمنا نضع حياتنا في يديك،

ونتجاوب مع نعمة صلاحك الفائق.

 

v     أعترف لك يا رب بالانحطاط الذي انحدرت إليه.

فقدت الفهم الحقيقي، وعاني قلبي من الفراغ.

من يقدر أن يملأه سواك يا حكمة الله.

لتسكن فيّ، وتحملني فيك،

فأتمتع بك، وأسلك في طريق الحكمة العجيب!

بك أصعد من هاوية الجهل،

وارتفع معك إلى سماوات الحكمة والمعرفة.

بروحك تنزع دومًا أعمال الإنسان القديم،

تحطم جهلي وغباوتي،

وتجدد فيَّ أعمال الإنسان الجديد.

فأصير بالحق أيقونة لك، يا كلي الحكمة!

 

v     هب لي حياة التوبة الصادقة،

أعطي ظهري للجهالة،

ووجهي نحوك يا أيها الحكمة الإلهي.

أعلن توبتي بتركي كل شر،

وسلوكي في الحق بغنى نعمتك.

ارفع قلبي إليك،

فأنال أكثر مما أسأل، وفوق ما احتاج.

 


 
ملحق الأصحاح الحادي عشر

المعرفة والحب

عند آباء الكنيسة الأولى

إذ بلغنا الآن إلى حديث الصديق الثالث لأيوب، رأيت نفسي ملتزمًا أن أتحدث عن المعرفة وارتباطها بالحب، أو الحق الإلهي وارتباطه بالحب الإلهي، أو الحكمة الإلهية والحب الإلهي. فقد ظن الأصدقاء الثلاثة في أنفسهم أنهم أصحاب معرفة إلهية صادقة، وأنهم مدافعون عن الحق، وكانوا حكماء في أعين أنفسهم. كثيرًا ما نطقوا بما هو حق، ولكن كان يعوزهم الحب الصادق. هذا ما يرعبني كمسيحي أعرف الكثير من الحقائق السماوية، وأخشى أن ينقصني الحب لكل البشرية حتى للمقاومين لي. هذا الرعب ينتابني بالأكثر ككاهنٍ.

ليس ما يفقد الإنسان شركته مع الله، الذي هو الحب، سوى أن نمسك بسيف بطرس للدفاع عن الحق بقطع أذن من هو أمامنا، حتى وإن كان مقاومًا للحق.

بالحب نمسك بسيف الروح الذي يضرب في أعماقنا كما في أعماق من هم حولنا، ليقطع أذن الإنسان العتيق، ليحل محلها أذن الروح التي تجد عذوبتها في الاستماع لصوت الحق، والخضوع له، والتجاوب معه.

يا لعظمة المعرفة!

v     الفردوس الآهل بكل الأفراح للتطيب هو النفس التي تصنع كل شيء لكي تجد معرفته[489].

v     يا ربنا يسوع المسيح، حكّم عبيدك في تجارب الشياطين المردة. هب لهم معرفة حكمة ربوبيتك، ولتلبسهم قوتك المقدسة، بها يذلون ذخر الشياطين، ويقهرونهم بقوتك المقدسة في كل قتالهم معهم. آمين[490].

الشيخ الروحَاني (يوحنا الدّلياتي)

الغنوسية (المعرفة) الحقيقية

تحدثنا قبلاً عن الغنوسيين الذين وضعوا في قلوبهم أن تحل المعرفة أو الغنوسية محل الإيمان كطريق للخلاص، حتى صارت كلمة "غنوسيون" تشير إلى مجموعات من الهراطقة. لكن القديس إكليمنضس السكندري أعطى للكلمة فهمًا مسيحيًا جديدًا، إذ رأى في الكلمة تعبيرًا عن "المسيحيين الذين يعيشون في معرفة الله"، ومنعًا للبس يستخدم البعض العبارتين "غنوسي حقيقي" و"غنوسي مسيحي" تمييزًا عن "الغنوسي الهرطقي".

من هو الغنوسي؟

في كتابه الثاني من المتفرقات اشترط إكليمنضس في الغنوسي ثلاثة أمور[491]: التأمل، تنفيذ الوصايا، تعاليم الصالحين. إن فقد المؤمن أحد هذه الأمور تعطلت غنوسيته[492]. وكأن الغنوسي يجب أن تكون له المعرفة (الغنوسية) الإلهية التي دعاها "التأمل"، وأن يعيشها عمليًا أي تنفيذ الوصايا، وأن يسلك بروح الكنيسة له "تعاليم الصالحين".

لقد أوضح Walthar Volker حسنًا أن غنوسية إكليمنضس إن كانت تنتعش بضبط الإنسان نفسه لكنها فوق كل شيء هي معرفة الكتب المقدسة خلال الاستنارة بعمل المسيح، على ضوء تقليد الكنيسة[493]

v     الغنوسي إلهي؛ صار مقدسًا، يحمل الله وهو محمول من الله[494].

القديس إكليمنضس السكندري

غاية الغنوسية

غاية معلمنا أن يعلن لنا الحق؛ فالسيد المسيح كمعلم يثقف الإنسان ليدربه على اكتشاف الحق[495] الذي في المسيح يسوع.

لا يقف عمل المعلم عن كشف الحق وإنما يولد في النفس شوقًا لمعرفة الحق، إذ يقول: [التدريب على التعليم Paideia يولد حب المعرفة[496].]

أخيرًا فإن الحق المعلن في المسيح ليس معرفة عقلية فلسفية نظرية، إنما تحمل قوة العمل: [غايته إصلاح النفس لا أن تتعلم (فقط)؛ يرفعها إلى الحياة الفاضلة، لا مجرد نوال معرفة عقلية[497].]

القديس إكليمنضس السكندري

مصادر الغنوسية (المعرفة)

أوضح إكليمنضس في مواضع متفرقة أن الله هو مصدر كل شيء صالح ونافع، لذلك رأى أن كل نقاط الحق الجزئية التي وجدت عند الفلاسفة إنما هي عطية إلهية. أما الغنوسية في كمالها أو الحق الكامل إنما هو عطية الله خلال الابن، هبة المسيح نفسه لنا.

[قد يقول قائل إن اليونان اكتشفوا الفلسفة خلال الفهم البشري، لكنني أجد الكتاب المقدس يقول بأن الفهم هو من عند الله. لذلك يصرخ المرتل، قائلاً: "أنا عبدك فهمني..." (مز 125:119)...[498].]

[الغنوسية، التي هي المعرفة وإدراك الأمور الحاضرة والمستقبلية والماضية، كأمور أكيدة وموثوق فيها، يمنحها ابن الله الذي هو "الحكمة" ويعلنها... [499].]

أوضح إكليمنضس أن السيد المسيح يهب الغنوسية خلال قراءة الكتاب المقدس[500] بروح كنسي حتى لا نسيء فهمها كالهراطقة. بهذا نحمل الكمال بسلوكنا الإنجيلي الكامل، إذ يقول: [بقبول الإنجيل يصير الإنسان كاملاً بعد ما كان سالكًا حسب الناموس[501].]

يؤكد أيضًا أن المعمودية تجعل الغنوسية ممكنة بالنسبة لنا، باستنارة عيوننا الداخلية[502].

أعطى القديس اهتماما بالحب كمصدر للغنوسية، فإنها عليه تتأسس: الله حب، يعرفه الذين يحبونه... لهذا يلزمنا أن ندخل إلى معرفة خلال الحب الإلهي، فتتأمل الشبه بشبيهه[503]. نعرف إله الحب بممارسة الحب، ممارسة الحياة السماوية.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عجبًا! أية صداقة هذه؟! إذ يخبرنا بخفاياه، إذ يقول "بسرّ مشيئته"، لأن أحدًا يقول بأنه عرّفنا بالأشياء التي في قلبه. هنا حقًا السرّ المملوء حكمة وفطنة. فأية حكمة مثل هذه؟ الذين كانوا لا يساوون شيئًا رفعهم في لحظة إلي الغنى والفيض. أي تدبير حكيم هكذا؟! الذي كان عدوًا ومُبغضًا في لحظة ارتفع إلي العلا... هذا تم في الوقت المعين؛ إنه عمل الحكمة، تحقق بواسطة الصليب.]

v     فقط عندما يكون للشخص حب عندئذ يُقال أنه يعرف كما يجب[504].

v     يعنى بولس أن المعرفة هي أمر عظيم ونافع للغاية لمن يقتنيها مادامت تتلطف بالمحبة[505].

أمبروسياستر

v     هذه يمكن أن تفهم فقط بمعنى أنه بدون المحبة لا تقدم المعرفة صلاحًا، بل تنفخ الإنسان، وتجعله يتباهى بريح فارغة.الذين لهم معرفة بدون محبة متعجرفون يشتاقون إلى الكرامات الإلهية مع ممارسة الأعمال الدينية التي يعلمون أنها تخفي الله الحقيقي، ومع ذلك يبذلون كل الجهد لكي يبثوا هذا على الذين لهم تأثير عليهم.

عكس الكبرياء الذي للشياطين، والذي بسببه خضع الجنس البشري لعقوبة يستحقونها، ظهر القدير في شكل عبد..ٍ. غير أن الناس فشلوا في معرفته، لأنهم تمثلوا بالشياطين في الكبرياء لا في المعرفة، فانتفخوا في دنسٍ[506].

v     المعرفة صالحة ما دامت في صحبة الحب، وإلا فإنها تنفخ الإنسان بالكبرياء[507].

v     حقًا إن المتكبر يدعى منتفخًا كما لو كان متعاليًا مع الريح. هنا يقول الرسول: "العلم ينفخ ولكن المحبَّة تبني"[508].

v     "العلم ينفخ، ولكن المحبة تبني"، لكن المحبة لا تنتفخ ولا تتكبر. لذلك ليت المعرفة تكون كقصة تقوم على مبنى المحبة التي ستبقى إلى الأبد عندما تسقط المعرفة[509].

v     المعرفة التي من نوعٍ صالحٍ هي خادمة للحب، فإن المعرفة بدون الحب تنفخ [8]، ولكن إذ الحب يبني يملأ القلب فلا تجد المعرفة فراغًا به تنتفخ[510].

القديس أغسطينوس

v     قال المرتل: "يدنو الإنسان بقلبٍ عميقٍ ويتعالى الله". كلما نرتقي أكثر، صاعدين من درجة إلى أخرى نحو سمو معونة الله، نجد الله عاليًا عنا أكثر علوًا. فمع أنك تساميت جدًا في معرفة الله وقد اضطرمت نار محبته بشدة في قلبك، لكن يتبقى لك على الدوام درجات لا تُحصى فوق هذه المعرفة والمحبة التي بلغت إليها.

الشهيد كبريانوس

المعرفة عطية إلهية!

خلق لله الإنسان على صورته ومثاله (تك 1: 27)، وقدم لنا أثمن عطية وهي الإرادة الحرة، له ان يختار بين الخير والشر، الالتصاق بخالقه، أو حتى مقاومة خالقه والتمرد عليه. لم يخلقه آلة جامدة يحركها الله دون اختيار من جانب الإنسان، وإنما وهبه العقل والقدرة على التفكير كما وهبه المعرفة الصادقة والحقيقية. هذه العطية يقدمها الله مجانا، كما يهبه القدرة على تنميتها أو تحطيمها حسبما يشاء.

أما سمات هذه العطية فهي:

1. عطية شخصية جماعية: هي عطية يقدمها الله للإنسان بصفة شخصية لكي تسنده في علاقته الشخصية بخالقه، كما في التعامل بصفة شخصية مع إخوته من بني البشر ومع الكائنات السماوية.

هذه العطية الشخصية يمكن أن تنمو في الجو الجماعي، كما يمكن ان تتحطم خلاله. فالصداقات المقدسة والأعمال الجماعية الروحية والعلمية تسند الشخص في نمو معرفته المستمر، كما أن الصداقات الشريرة يمكن أن تفسد هذه المعرفة وتحطمها.

في تعليق القديس غريغوريوس النيسي علي نش 1: 8 يبرز أن سرّ جمال الإنسان الداخلي، أن يسلك على أثار الغنم المقدس. فيرعى أعماقه لتتمتع بجمال المعرفة الصادقة، ونموها المستمر، حيث يتقبل في شركته مع القديسين النور الحقيقي، رب المجد يسوع، كسرّ استنارته وتمتعه بالمعرفة المقدسة الطاهرة الفائقة. يصير الإنسان أيقونة المسيح "الحكمة الإلهي، والنور الإلهي"، فيتمتع بمعرفة الأسرار السماوية المقدسة في حياته اليومية.

v     "إن لم تعرفي (نفسك) أيتها الجميلة بين النساء، فأخرجى على أثار الغنم، وارعي جداءك عند خيام الرعاة" (نش 1: 8)... هذا هو الطريق المؤكد لحماية نفسكِ، ويمكن التحقق من أن الله قد وضعنا في مستوى أعلى بكثير من بقية المخلوقات، فلم يصنع السماوات على هيئته ولا القمر أو الشمس أو النجوم الجميلة أو أي شيء آخر تراه في الخليقة.

أنت وحدك قد خُلقت على مثال هذه الطبيعة التي تعلو فوق أي إدراك، على هيئة الجمال الأبدي وصورته، كما استقبلت البركات الإلهية الحقيقية، وختم النور الحقيقي، وستصير مثله عندما تنظر إليه. وعندما تقتدي به، هذا الذي يشرق في داخلك (2 كو 6:4) وينعكس نوره بواسطة طهارتك[511].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

v     منْ مِنَ الكائنات الأرضية خُلق على صورة الله إلا الإنسان؟ ولمن أُعطى السلطان على كل الطبيعة ومخلوقاتها ليختصها لذاته؟

إنه لشرف أصيل يكلل جبينه ويسمو به إلى السماء، فوق الكواكب، أرفع من الشمس تشامخًا وعزة... ومع أنه أوضع منزلة من الملائكة لارتباطه بجسدٍ ماديٍ فقد وُهب قوة لفهم ومعرفة ربه وخالقه[512].

القديس باسيليوس الكبير

v     يلزمنا أن نتعلم من الله ما نفكر فيه عن الله، فليس لنا مصدر للمعرفة سواه. قد تتدرب بكل حذاقة كما تشاء في الفلسفة العلمانية، ربما تسلك حياة بارة. هذا كله يساهم في الشبع الفكري، لكنه لا يعينك على معرفة الله. لقد تبنت ابنة فرعون موسى، فتعلم كل حكمة المصريين، بالإضافة إلى ذلك كان له ولاء لجنسه، فانتقم لما أصاب العبراني بقتل المصري، ومع هذا فلم يعرف الله الذي بارك آبائه[513].

القديس هيلاري أسقف بواتييه

2. معرفة ترتبط بالحياة التقوية المقدسة: فالشيطان يعرف الله أكثر منا من حيث المعرفة العقلية، ويعرف الكثير من الأسرار الإلهية والسماوية، لكنه يُحسب جاهلاً وغبيًا، بلا معرفة. وفي اليوم الأخير يقول الرب للأشرار: "لا أعرفكم من أين أنتم" (لو 13: 25)، مع ان الرب عارف بكل شيء، لكنه لا يعرف الأشرار معرفة الاتحاد معهم والالتصاق بهم، وكما يقول القديس أغسطينوس إنهم لا يستحقون أن يكونا موضع معرفته.

v     "وتعرفون الحق". الحق غير متغير. الحق هو خبز، ينعش عقولنا ولا يسقط، يغَّير من يأكله، ولا يتغير فيمن يأكله. الحق هو كلمة الله... الابن الوحيد. هذا الحق التحف جسدًا من أجلنا لكي ما يُولد من العذراء مريم وتتم النبوة: "الحق نبع عن الأرض" (مز ٨٥: ١١). هذا الحق إذن وهو يتحدث مع اليهود اختفى في الجسد. لكنه لم يختفِ لكي يُنكر، وإنما لكي ما يُرجأ إعلانه، يُرجأ لكي ما يتألم في الجسد، ويتألم في الجسد لكي ما يخلص الجسد من الخطية. هكذا ظهر بالكامل بخصوص ضعف الجسد، وكان مخفيًا من جهة جلال اللاهوت[514].

القديس أغسطينوس

v     الإنسان ليس هو كل من له يدا إنسان وقدماه، ولا من كان عاقلاً فحسب، بل من يمارس التقوى والفضيلة بشجاعة[515].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

v     جميعكم واحد في المسيح يسوع. ليس أن البعض أصحاب معرفة مستنيرون، والآخرين أقل كمالاً في الروحانيات. ليضع كل واحدٍ جانبًا كل الشهوات الجسدية، فتكونوا متساوين وروحيين أمام الرب[516].

v     الشخص الذي يعرف يعمل أيضًا الأعمال التي تليق بواجب الفضيلة، ولكن يوجد من يمارس الأعمال وهو ليس بالضرورة بين أصحاب المعرفة. إذ قد يفهم أن يميز بين ما هو مستقيم وما هو خطأ، لكن ليس لديه معرفة بالأسرار السماوية. علاوة على هذا يفعل البعض الصلاح خشية العقوبة أو لنوال مكافأة، لذلك يعلمنا يوحنا أن الإنسان الذي له معرفة كاملة يمارس هذه الأعمال عن حب.

القديس إكليمنضس السكندري

v     يستحيل على النفس غير النقية، مهما بلغت أشواقها نحو القراءة، أن تحصل على معرفة روحية. لأنه لا يقدر أحد أن يسكب دهنًا طيبًا أو عسلاً جيدًا أو أي سائل قيّم في إناءٍ قذرٍ كريه الرائحة، لأن الإناء الذي امتلأ بروائح كريهة يفسد ما يوضح فيه أكثر مما يتأثر هو من الشيء الصالح، لأن ما هو نقي يفسد بسرعة أكثر من تأثير النقي عليه[517].

v     إن كنتم مشتاقين إلى الحصول على نور المعرفة الروحيّة، معرفة ليست خاطئة لأجل كبرياء فارغ لتكونوا رجالاً فارغين يجدر بكم أولاً أن تلتهبوا بالشوق نحو هذا التطويب الذي نقرأ عنه "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8). وبهذا تنالون ما قاله الملاك لدانيال "والفاهمون يضيئون كضياء الجَلَد، والذين ردّوا كثيرين إلى البر كالكواكب إلى أبد الدهور" (دا ١٢: ٣)... وهكذا يَلزم المثابرة بالجهاد في القراءة مع السعي بكل اشتياق لنوال المعرفة العمليّة الاختباريّة أولاً أي المعرفة الأخلاقيّة.

فبعدما يبذلون جهودًا وأتعابًا كثيرة يستطيعون أن ينالوا المعرفة الروحيّة كمكافأة لهم من أجلها. وإذ يقتنون المعرفة لا من مجرد التأمل في الشريعة بل كثمرة لتعبهم يتغنون قائلين: "من وصاياك تَفَهَّمْت " (مز ١١٩: 104)[518].

الأب نسطور

v     إن امتلأت السماء والأرض وكل ما فيهما من الله، إن عَبَرَ كل شيءٍ، وإن كان طبيعته منبسطة في كل الطبائع كالسُحب في الهواء، فالكثيرون يعرفون هذا من السمع.

قليلون يعرفونه من المطالعات.

بعضهم فقط من رؤية الطهارة، هذه التي تتطيّب بالطوبى، لا بالكلمات التافهة[519].

الشيخ الروحاني (يوحنا الدّلياتي)

3. المعرفة هي اقتناء المسيح نفسه: نزل حكمة الله إلينا متجسدًا لنقتنيه، فصارت الحكمة بالنسبة لنا لا تقف عند حدود الخبرات التي نتمتع بها نحن أو تمتع بها من سبقونا، ولا تقف عند البحث والدراسة فحسب، وإنما يليق بنا أن نقتني حكمة الله نفسه.

v     لاحظوا أنه حتى ذاك نفسه الذي هو الحق والكلمة، والذي به كان كل شيء، وقد صار جسدًا ليسكن بيننا، مع ذلك يقول الرسول: "وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد"، لأن المسيح لم يرد فقط أن يهب ممتلكات لمن يكمل الرحلة، بل أيضًا أن يكون هو نفسه الطريق للذين يشرعون في السير[520].

القديس أغسطينوس

4. معرفتنا الحاضرة جزئية: مهما بلغت معرفتنا، فإننا مادمنا بعد في الجسد الترابي، تُحسب معرفتنا جزئية ناقصة. الله لا يبخل علينا بتقديم معرفة كاملة، لكنه يقدم ما هو جزئي لكي يلهب قلوبنا لطلب المعرفة الكاملة بروح التواضع، ولئلا نسقط في الكبرياء بسبب معرفتنا.

"فإننا ننظر الآن في مرآة، في لغزٍ (مرآة غامقة)، لكن حينئذ وجهًا لوجه. الآن اعرف بعض المعرفة، لكن حينئذ سأعرف كما عُرفت".

v     مع أن كل واحد يطلب المزيد من المعرفة على الدوام، فإنها تبقى المعرفة ناقصة في كل الأمور بالنسبة لكمالها الحقيقي حتى يحل الزمن ليأتي ما هو كامل ويزول ما هو جزئي[521].

القديس باسيليوس الكبير

v     "الآن أعرف بعض المعرفة، لكن حينئذ سأعرف كما عُرفت". ألا ترون كيف أنه بطريقتين ينزع عنهم الكبرياء؟ لأن معرفتهم جزئية، وحتى هذه ليست من عندهم. يقول: "لأني لست أعرفه، بل هو عرّفني ذاته". لذلك فإنه حتى الآن هو الذي أظهر أولاً نفسه، وهو الذي يسرع إليّ حتى أُسرع أنا إليه، عندئذ أكثر مما أنا عليه الآن[522].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     في صوت اليمامة الذي يُسمع في أرض الموعد يليق بنا أن نرى المسيح يعلم بشخصه، نراه وجهًا لوجه، ولا نعود نراه في مرآة في لغز[523].

v     إن كانت المعرفة تُعلن للذين يستحقونها فينالونها في مرآة، وهي لغز في العصر الحالي، وستعلن بالكامل عندئذ فقط، فمن الغباوة أن تظن أنه سوف لا يكون الأمر هكذا بالنسبة لبقية الفضائل[524].

v     إنه يشجعها ويحثّها ألا تجلس خاملة هناك بل تخرج إليه خارجًا وتحاول أن تراه لا من الشبابيك، ولا من مرآة في لغز، بل تذهب إليه وتراه وجهًا لوجه. لأنه الآن إذ هي لا تستطيع أن تراه يقف هكذا خلفها وليس أمامها، يقف وراء ظهرها، وخلف الحائط[525].

العلامة أوريجينوس

v     عندما سنؤمن جميعنا بذات الإيمان عندئذ تكون الوحدة، فإن هذا هو ما يدعوه بوضوح: "الإنسان الكامل". ومع ذلك يدعونا في موضعٍ آخر أطفالاً (1 كـو 13: 11) حتى ونحن بالغون في العمر، لكنه يتطلع إلى مقارنة أخرى. إذ يقارن بين معرفتنا المقبلة فيدعونا الآن أطفالاً. فبقوله: "نعرف بعض المعرفة" يضيف أيضًا كلمة "لغز (ظلمة)" وما يشبه ذلك. بينما يتحدث هنا (رسالة أفسس) بخصوص أمر آخر بخصوص التغيير، إذ يقول في موضع آخر: "وأما الطعام القوي فللبالغين" (عب 14:5)[526].

v     هذا هو معنى التعبير: "كما عُرفت": ليس أننا سوف نعرفه كما هو، ولكن كما أنه يسرع نحونا الآن هكذا سنلتصق نحن به ونعرف الكثير من الأمور التي هي سرّية الآن، وسنتمتع بالمجتمع الأكثر طوباوية وحكمة[527].

v     كمثال نحن نعرف الآن أن الله في كل موضع، لكننا لا نعرف كيف يمكن ذلك. نحن نعرف أنه أوجد الخليقة من لا شيء ولكن ليس لدينا فكرة عن كيفية تحقيق ذلك. نحن نعرف أن المسيح وُلد من عذراء ولكننا لا نعرف كيف وهكذا[528].

v     ليست المعرفة هي التي تعبر بل الوضع الذي فيه تكون المعرفة جزئية. فإننا ليس فقط نعرف الكثير بل ما هو أعظم بكثير[529].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     هذا يعنى أن الأمور التي نسمع عنها الآن على مسئولية الكتب المقدسة نؤمن أنها هكذا. بعد القيامة سنراها بأعيننا ونتعرف عليها خلال الواقع، عندما تبطل المعرفة الجزئية، لأن المعرفة التي تقوم على السماع هي جزء من معرفة الشهادة بالعين والخبرة[530].

القديس ديديموس الضرير

v     لم يكتشف بعد أحد أو سيكتشف ما هو الله في طبيعته وجوهره. فالاكتشاف يحدث في المستقبل. ليت هؤلاء الذين لهم فكر في هذا أن يبحثوا ويفكروا فيما سيتم في المستقبل.

يخبرني عقلي الذي على شكل الله عندما يمتزج ذاك الإلهي، أقصد الذهن والعقل، بما هو شبيه به؛ عندما تعود الصورة إلى أصلها الذي تشتاق إليه. هذا يبدو لي هو معنى هذه العبارة العظيمة أننا في الزمان المقبل سنعرف كما عُرفنا[531].

القديس غريغوريوس النزينزي

v     الآن نحن نعرف بعض المعرفة ونفهم جزئيًا، ولكن عندئذ سيمكننا أن ندرك ما هو كامل عندما يبدأ لا الظل بل حقيقة عظمة الله وسرمديته تشرق وتعلن عن ذاتها بغير حجاب أمام أعيينا[532].

القديس أمبروسيوس

6. يليق بنا في التمتع بالمعرفة لا أن نقف عند الدراسة والقراءة، بل نطلب من الله "المعرفة" كإحدى مواهب الروح القدس. يقول الرسول: "فإنه لواحدٍ يُعطى بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد" (1 كو 12: 8).

 

v     لم يتعلَّم بولس الإيمان بالكلمات فحسب (معرفة كلاميَّة) وإنما تمتَّع بغنى الروح، حتى ينير الإعلان كل نفسه ويتكلَّم المسيح فيه[533].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

v     تُعطى المعرفة لا بالتعلم من كتاب بل باستنارة الروح القدس[534].

أمبروسياستر

في حديث للشباب لا يمنع القديس باسيليوس الكبير القراءة للشعراء والمؤرخين والخطباء ما دامت هذه القراءات نافعة. يكمل حديثه لهم قائلاً: [علينا أن نبتدئ بقراءة الفكر الدنيوي لنرتفع بعده إلى المقدسات وأسرار الإيمان... فإذا كان هناك من موافقة بين هذه الثقافة وعقائدنا، كانت معرفتها من الإفادة بمكان كبير، وإلا فالمقارنة في الحالة العكسية من شانها أن تثبت اعتقاداتنا الصحيحة[535].]

كما يقول إنه على الرهبان أن يقرأوا لا ما يحلو لهم، وإنما ما هو مفيد لحياتهم الروحية، وما يأمرهم به الرئيس، في أوقات مناسبة[536].

المعرفة والحواس

الحواس هبة إلهية للإنسان، هي منافذ تدخل منها المعرفة، وخلالها ننعم بالعلم والنمو في الحكمة، إن استخدمت كما يليق بنا كخليقة الله العاقلة.

v     تبقى معرفتنا في هذه الحياة ناقصة، لكن يمكن الاعتماد عليها في حدودها. يثق المؤمنون في شهادة حواسهم التي هي خادمة خاضعة لتعقلهم. ربما أحيانا ينخدعون، ومع هذا فهم أفضل من القائلين بعدم الثقة في الحواس تمامًا[537].

القديس أغسطينوس

طريق المعرفة الإلهية

نظرة القدّيس إكليمنضس الفلسفيّة في معرفة الله وُجدت بوجه خاص في الكتاب الخامس من "المتفرّقات Stromata"، حيث أعطى إيمانًا ورجاءً في إدراك الذهن للأمور غير منظورة، والتي لا تستطيع الحواس أن تدركها. أمّا طريق المعرفة فيمر بمراحل ثلاث:

أ. المرحلة الأولى، وهي مرحلة التطهير من الخطيّة. يليق بالإنسان لكي يتمتّع بمعرفة الإلهيّات أن يتخلّص من أفكاره الخاطئة عن الله، التي هي ثمرة عبوديّته لأهوائه الجسديّة. خلال هذه الآلام يرى الإنسان في الأمور الماديّة هدفًا له، فيصير أبعد ما يكون عن الله.

[إذ التحف غالبيّة البشر بأمور قابلة للموت كالقواقع المغلفة في الصدَّف، منطوين حول شهواتهم كالقنافذ أشبه بالكرة. صاروا يفكّرون في الله الطوباوي غير المائت بذات التعبيرات التي يفكّرون بها عن أنفسهم...[538]] لهذا يليق بالبشر أن يتخلّصوا من هذا الخطأ، فيتحرّرون من آلام النفس والمؤثّرات الأرضيّة لكي يدركوا الله.

ب. المرحلة الثانية هي التحليل المنطقي أو الابتعاد عن التفكير في الله بطريقة ماديّة جسدانيّة. فكلمات الإنجيل لا تفهم بطريقة حرفيّة؛ حين يتحدّث عن "يمين الله" مثلاً، لا يفهم أن لله يمينًا ويسارًا، بل هو فوق الزمان والمكان، فوق عالم الأسماء وفوق المفاهيم الأرضيّة.

ج. المرحلة الثالثة هي مرحلة الرؤيا. معرفة الله كهبة إلهيّة، لا يمكن بلوغها بدون نعمته. حقًا إن الفلسفة تسندنا، لأنها تعرفنا ما هو ليس الله، وهو أمر هام، به تزول الأفكار الخاطئة التي في أذهاننا والتي في أذهان الآخرين. أمّا إدراك الله فلا يمكن بلوغه إلا بالنعمة الإلهيّة وحدها، فوق حدود الفكر المنطقي.

المعرفة والإيمان

هذا هو هدف الغنوسي عند القديس إكليمنضس السكندري أن يتعرف على الله (الحق) ويراه[539] وجهًا لوجه، أي يعبر إلى كمال المعرفة من خلال الإيمان، وذلك خلال خبرة الحياة النقيّة والتأمّل الدائم. فإن كنّا قد عبرنا من الوثنيّة إلى الإيمان، فيليق بنا أن نعبر من الإيمان إلى المعرفة[540]، لنرى الله ونعرفه. هذه المعرفة هي هبة إلهيّة نتقبّلها خلال الابن، وذلك بقبولنا إيّاه وتشبّهنا به؛ أي خلال نقاوة القلب، نعاين الله وندرك ما يبدو للآخرين غير مدرك[541].

v     يقولون إنهم يؤمنون ويعرفون، فيربطون الأمرين معًا. لأنه يجب على الإنسان أن يؤمن وأيضًا أن يفهم. ليس معنى أننا نقبل الأمور الإلهية بالإيمان أن نبتعد تمامًا عن أي فحص لها، بل نحاول بالحري أن نبلغ إلى معرفة معتدلة، كما يقول بولس: "كما في مرآةٍ كما في لغزٍ" (١ كو ١٢: ١٢). حسنًا إنهم لم يقولوا عرفوا أولاً ثم آمنوا، إذ يضعون الإيمان أولاً ويلحقونه بالمعرفة، ولكن ليس قبل الإيمان. كما هو مكتوب: "إن لم تؤمنوا لن تفهموا" (إش ٧: ٩ LXX).

القديس كيرلس الكبير

v     ليس أننا عرفنا وآمنا بل "آمنا وعرفنا" [69]. لقد آمنا لكي نعرف؛ لأننا إن أردنا أن نعرف أولاً وعندئذ نؤمن، لن نستطيع أن نعرف ولا أن نؤمن...

بماذا آمنا وعرفنا؟ "أنت المسيح ابن الله الحيّ" [69]، بمعنى أنت هو الحياة الأبدية عينها، تهبها في جسدك ودمك فقط اللذين هما أنت[542].

v     ألم يبلغوا مثل هذه المعرفة حين كان الرب يكلمهم؟ إن كانت ليس لهم المعرفة فكيف آمنوا؟ لقد آمنوا ليس لأنهم كانوا يعرفون، وإنما لكي يعرفوا. فإننا نؤمن لكي نعرف، ولسنا نعرف لكي نؤمن. لأن ما سنعرفه لم تره عين ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على بال بشر (إش ٦٤: ٤؛ ١ كو ٢: ٩) لأنه ما هو الإيمان إلاَّ تصديق ما لم تروه بعد؟[543]

v     إذ تحدث الرب عن الله أبيه أجابوه وقالوا له: "أين هو أبوك؟" لقد فهموا أب المسيح جسديًا، لأنهم يدينون كلمات المسيح حسب الجسد. لكن الذي تحدث كان الظاهر هو الجسد، وأما الخفي فهو الكلمة؛ الإنسان المنظور والله الخفي... لقد احتقروه لأنهم لم يعرفوه، ولم يعرفوه لأنهم لم يروه، ولم يروه لأنهم عميان، وهم عميان لأنهم لم يؤمنوا[544].

v     نحن نراك وحدك، ولا نرى أباك معك، فكيف تقول إنك لست وحدك بل أنت مع أبيك؟ إلا فلترنا أن أباك معك[545].

v     الآن أيضًا هو فينا ونحن فيه، هذا ما نؤمن به الآن، أما حينئذ فإننا سنعرف أيضًا هذا. وإن كنا ما نعرفه الآن هو بالإيمان، أما ما سنعرفه فسيكون بالرؤية الفعلية[546].

القديس أغسطينوس

المعرفة والحرية الداخلية

يقدم لنا ربنا يسوع نفسه ذاته لنقتنيه بكونه الحق، القادر وحده أن يحملنا إلى معرفة خلاصنا به وفيه. فالمعرفة غايتها اقتناء الحق واهب الحرية، حيث يتمتع المؤمن بشركة الأمجاد الأبدية.

v     "وتعرفون الحق" بمعنى: "ستعرفونني، إذا أنا هو الحق. كل الأمور اليهودية هي رموز، لكنكم تعرفون الحق فيَّ، وهو يحرركم من خطاياكم"... إنه لم يقل "أحرركم من العبودية" فقد تركهم هم يستنتجون ذلك[547].

القديس يوحنا الذهبي الفم

المعرفة والشركة مع الله

غاية المعرفة الاتحاد بالمحبوب أو المحبوبين، والشركة معه أو معهم. فلا نعجب إن قيل عن آدم أنه عرف حواء امرأته حين التصق بها، وصارت له شركة معها. ونحسب أصحاب معرفة إلهية حين نلتصق بالله، فنتمتع بالاتحاد معه، والشركة الحية العملية كأبناءٍ له.

v     غالبًا ما تعني كلمة "يعرف" في الكتب المقدسة ليس بمعنى إدراكه أمرٍ ما، بل وجود علاقة شخصية بالشيء. فيسوع لم يعرف خطية، ليس لأنه لا يعرف عنها شيء، وإنما لأنه لم يرتكبها قط بنفسه. فمع كونه يشبهنا في كل طريق آخر إلا أنه لم يخطئ قط (عب 4: 15). بتقديم هذا المعنى لكلمة "يعرف" واضح أنه كل شخص يقول بأنه يعرف الله يلزمه أن يحفظ وصاياه، لأن الاثنين يسيران معًا.

القديس ديديموس الضرير

v     يعرف الرب من له، بمعنى أنه يتقبلهم في شركة قويَّة بسبب أعمالهم الصالحة[548].

v     الله يعرف الذين هم له، بمعنى يعرفهم خلال أعمالهم الصالحة (في المسيح). إنه يقبلهم في شركة عميقة معه[549].

القدِّيس باسيليوس الكبير

v     الذين يهلكون لا يعرفون الله، وسينكر الله أنه يعرفهم، كما قال: "ابعدوا عني لأني لا أعرفكم" (مت 7: 23)[550].

هيلاري أسقف آرل

v     انظروا إن كان الكتاب المقدس لم يقل أيضًا في موضع آخر إن الذين يتحدون مع شيءٍ ما ويصيرون معه واحدًا يعرفون هذا الذي صاروا معه واحدًا وانشغلوا به. قبل هذه الوحدة والشركة فإنهم حتى وإن أدركوا شروح قُدمت لهم عن الشيء فإنهم لا يعرفونه.

كمثال قال آدم عن حواء: "هذه الآن عظم من عظامي، ولحم من لحمي" (تك ٢: ٢٣)، فإنه لم يعرف زوجته، أما حين التصق بها قيل: "عرف آدم حواء امرأته" (تك ٤: ١).

من يتعثر لأننا استخدمنا هذه العبارة: "عرف آدم حواء امرأته" كمثال لمعرفة الله ليأخذ في اعتباره أولاً: "هذا السرّ عظيم" (أف ٥: ٣٢)، بعد ذلك يقارن ما قوله الرسول عن الذكر والأنثى، فقد استخدم نفس اللغة الخاصة بالرجل مع الرب. "من التصق بزانية هو جسد واحد، وأما من التصق بالرب فهو روح واحد" (١ كو ٦: ١٦ – ١٧). لذلك من يلتصق بزانية يعرف الزانية، ومن يلتصق بزوجته يعرف زوجته، ولكن بالأكثر من يلتصق بالرب يعرف الرب بطريقة مقدسة.

إن كان الأمر هكذا فإن الفريسيين لم يعرفوا الآب ولا الابن[551].

v     إن كان أحد ما قادرًا أن يقدم حسابًا كاملاً عن الأمور الخاصة بالله، وقد تعلَّم من آبائه أنه وحده ينبغي له السجود، فإنه ما لم يسلك باستقامة يقول الكتاب عنه أنه لا يحمل معرفة الله.

إن كان أحد بالحقيقة يعرف الأمور الخاصة بالخالق وخدمته الكهنوتية فمن الواضح أن أبناء عالي الكاهن كان لهم هذا، إذ أنهم كانوا يقيمون في موضع العبادة. مع هذا إذ أخطأوا كُتب عنهم في سفر ملوك الأول: "وكان بنو عالي بني الهلاك، لم يعرفوا الرب" (راجع ١ صم ٢: ١٢)...

يمكننا أن نجد نفس الشيء ليس فقط بخصوص أبناء عالي بل وبخصوص حكام أشرار في إسرائيل ويهوذا. هكذا أيضًا لم يعرف الفريسيون الآب، إذ لم يعيشوا حسب إرادة الخالق[552].

العلامة أوريجينوس

المعرفة والثالوث القدوس

"كل شيء قد دُفع إلىّ من أبي، وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب، ولا من هو الآب إلا الابن، ومن أراد أن يُعلِن له" [22].

v     العبارة: "تعرفونني وتعرفون من أين أنا" (يو ٧: ٢٨) خاصة بشخصه كإنسانٍ، أما العبارة "لستم تعرفونني أنا ولا أبي" [١٩] فخاصة بلاهوته... فمن الواضح أن كلمات القوم الذين من أهل أورشليم: "هذا نعلم من أين هو" (يو ٧: ٢٧) تشير إلى حقيقة أنه وُلد في بيت لحم (مت ٢: ١). وقد عرفوا أنه ذاك الذي أمه تُدعى مريم وأن إخوته (أبناء خالته) هم يعقوب ويوحنا وسمعان ويهوذا (مت ١٣: ٥٥). لهذا شهد للقائلين: "هذا نعلم من أين هو" قائلاً: "تعرفونني وتعرفون من أين أنا". لكنه حينما تحدث مع الفريسيين قال: "وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق، لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب" [١٤]، إذ كان يتحدث عن طبيعته الإلهية، كشخص يتحدث عن الأساس الذي به هو بكر الخليقة (كو ١: ١٥)[553].

العلامة أوريجينوس

v     من ينكر أن الابن من الآب لا يعرف الآب الذي منه الابن، وأيضًا لا يعرف الابن لأنه لا يعرف الآب[554].

القديس أمبروسيوس

v     لم تكن بعد عينا فيلبس سليمتين بما فيه الكفاية لتنظرا الآب (يو 14: 8)، وبالتالي لتنظرا الابن الذي هو مساوي للآب. هكذا قام يسوع المسيح بشفائه بأدوية ومراهم الإيمان ليقوي عيني ذهنه اللتين كانتا بعد ضعيفتين وعاجزتين عن رؤية نورٍ عظيمٍ كهذا. وقال له: "أما تؤمن إني في الآب، والآب فيّ؟"

ليت ذاك العاجز عن أن يرى ما سيظهره له الرب يومًا ما ألا يطلب أن يرى بل أن يؤمن. ليؤمن أولاً حتى تُشفى العينان اللتان بهما ينظر[555].

بالحق انتهر السيد التلميذ، إذ رأى ما في قلب السائل (يو 14: 9).

إن كان الآب بنوعٍ ما أفضل من الابن، حتى أن فيلبس أراد أن يعرف الآب، بهذا لم يعرف الابن، إذ ظن أنه أقل من الآب. فلكي يُصحح مثل هذا المفهوم قيل: "الذي رآني رأى الآب، فيكف تقول أنت أرنا الآب؟" (يو 14: 9)...

لماذا تود أن تكتشف وجود مسافة بين من هما متشابهين؟

لماذا تتوق إلى معرفة منفصلة بين من هما غير منفصلين؟

ما قاله بعد ذلك لم يكن لفيلبس وحده، بل لهم جميعًا، هذا يلزم ألا نضعه كما في زاوية، حتى يمكننا بمعونته أن نفسره بأكثر حرص[556].

القديس أغسطينوس

v     يتحدَّث هنا عن نوع معين من المعرفة (معرفة خلال وحدة الجوهر) لا يملكه آخر[557].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

v     ماذا إذن أن يُقال للشيطان: "من أين جئت؟" (أي 1: 7) إلا لكي يدين طرقه كما لو كانت غير معروفة. فنور الحق لا يعرف شيئًا عن الظلمة، هذه التي يوبخها، وعن طرق الشيطان التي يدينها كديان. يليق أن يُسال عنها كما لو كانت مجهولة. ولهذا قيل لآدم وهو في خطيته بصوت خالقه: "آدم، أين أنت؟" (تك 9:3)، فإن القوة الإلهية لم تجهل الموضع الخفي الذي هرب إليه عبده عند عصيانه، لكنه رأى أن الساقط في خطيته مختفيٌ عن عيني الحق تحت الخطية...

إنه يدين الشيطان، لذا فُحص طريقه، أما الملائكة المختارون فلا يحتاجون أن يُسألوا من أين جاءوا، إذ طرقهم معروفة لله، إذ هم كمن يمثلون حركته، إذ هم خاضعون لإرادته وحدها، ولن يمكن أن يكونوا غير معروفين له.

البابا غريغوريوس (الكبير)

معرفة الله لنا ولخليقته

الله يعرف أولاده وخدّامه المقدّسين، ولا يعرف الأشرار فعلة الإثم، لهذا عندما سقط آدم في الخطيّة سأله: أين أنت؟ وكما يقول القدّيس جيروم: [كان الله يعرف أن آدم في الجنّة، ويعلم كل ما قد حدث، لكنّه إذ أخطأ آدم لم يعرفه الله، إذ قال له: أين أنت؟[558]  [كأنه لا يراه، لأن آدم اعتزل النور الإلهي والبرّ، فصار تحت ظلال الخطيّة وظلمة الموت.] يُعلّق القدّيس أغسطينوس على قول السيد: "لا أعرفكم" هكذا: [لا أراكم في نوري، في البرّ الذي أعرفه[559].] فالله لا يرانا في نوره عندما نطيل الصلوات باطلاً أو نكرز باسمه أو نصنع قوّات وإنما حينما نحيا معه وبه ونسلك طريقه.

v     كتابة أسمائنا في السماء برهان على حياتنا الفاضلة، أمّا إخراج الشيّاطين فهو هبة من المخلّص، لذلك يقول للذين يفتخرون بعمل القوات دون ممارسة الحياة الفاضلة: "لا أعرفكم"، إذ لا يعرف الله طريق الأشرار[560].

القدّيس أثناسيوس الرسولي

v     لا يعرف الرب الخاطىء بل البار[561].

القدِّيس جيروم

v     يا للعجب الذي جاء ليقيمه من الأموات يبدو كمن لا يعرف موضع القبر، إذ "قال: أين وضعتموه؟" [34]. وكما يقول كثير من الآباء إن الله العالم بكل شيء يبدو كمن لا يعرف موضع الظلمة، ولا يعرف الشر ولا الأشرار. لهذا إذ أخطأ آدم في الجنة، سأل الرب: "أين أنت؟" (تك ٣: ٩). وفي يوم الدينونة يقول للأشرار: "لست أعرفكم" (مت ٧: ٢٣)، وهنا يتساءل: "أين وضعتموه؟"

v     لست أراكم في نوري، في البرّ الذي أعرفه[562].

v     ماذا تعني "أنظر"؟ ترفق، فإن الرب ينظر حين يتحنن. لذلك قيل له: "أنظر إلى تواضعي وألمي، واغفر لي كل خطاياي" (مت ٩: ١٣)[563].

v     ربما إذ يعرف الرب الذين هم له (٢ تي ٢: ١٩؛ عد ١٦: ٥)، لا يعرف الذين ليسوا له. وكما يقول عن البعض: "إني لم أعرفكم قط" (مت ٧: ٢٣)، لهذا يقول أيضًا عن يهوذا الذي ليس له: "إني لا أعرفك قط". لكن لو أن يهوذا كان للمسيح ثم سقط، كان يُمكن أن يُقال له: "لست أعرف من أين أنت" (راجع لو ١٣: ٢٧)... لهذا السبب لم يقل: "أنا أعلم جميعكم"، بل "أنا أعلم الذين اخترتهم".[564]

العلامة أوريجينوس

v     إلى أن دعاها باسمها وظهر لها كهاتفٍ لا تزال تظنه ميتًا وتسأل أين هو موضوع، دعاها باسمها. وكأنه يقول لها: "لتعرفي ذاك الذي يعرفك". وإذ دُعيت مريم باسمها عرفت خالقها. إنه ذاك الذي تبحث عنه خارجها، وهو يعلمها أن تبحث عنه داخليًا[565].

البابا غريغوريوس (الكبير)

النمو في المعرفة

v     إن تقدّم أحد وكان غيورًا، فالله من جانبه يعطيه كل شيء، أمّا من لم ينشغل بهذه الأمور ولا يساهم بشيء من جانبه فلن تمنح له عطايا الله[566].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

v     لتتبارك نفوسهم بالفهم والمعرفة والأسرار لكي يشتركوا فيها، ليتبارك الكل معًا خلال الابن الوحيد يسوع المسيح[567].

قداس الأسقف سرابيون

فيما يلي مقتطفات من تعليق القديس أمبروسيوس عن هذا الموقف:

[يمكننا اعتبار شهادة الجموع له بلا نفع، فقد ظنه البعض إيليا قد قام، مؤمنين بمجيئه، وآخرون آمنوا بقيامة يوحنا عالمين أن رأسه قد قطعت، وآخرون أنه واحد من الأنبياء القدامى.

البحث في ذلك (أي في شخص المسيح) أمر يفوق قدرتنا، لكنه يتناسب مع فكر شخص كبولس وحكمته، هذا الذي يكفيه أن يعرف المسيح وإياه مصلوبًا (1 كو 2: 2)، لأنه أية معرفة يشتاق إليها أكثر من أنه المسيح؟ ففي هذا الاسم "المسيح" يتجلى اللاهوت ويُعلن التجسد وأيضًا الآلام.

لقد عرفه بقية التلاميذ، لكن بطرس وحده قال: "مسيح الله" (لو 9: 20)، إذ يشمل هذا الاسم كل شيء، ويعّبر عن طبيعته، ويحوي كل الفضائل.

هل نثير تساؤلات حول كيفية ميلاد الرب بينما يقول بولس أنه لا يعرف شيئًا إلا المسيح وإياه مصلوبًا، ويعترف بطرس أنه مسيح الله! نحن بعيون الضعف البشري نبحث هكذا: متى وكيف وما هي عظمته، أما بولس فيرى في هذه التساؤلات هدمًا لا بناء، لذا لا يريد أن يعرف إلا يسوع المسيح.

عرف بطرس أن في "ابن الله" يكمن كل شيء، فقد دفع الآب كل شيء في يده (يو 3: 35)... لذا فيه الأزلية والعظمة التي للآب.

إني قبلت الإيمان بأنه المسيح ابن الله (مت 16: 16) فلا يجوز لي أن أعرف كيف وُلد، لكن لا يجوز لي أيضًا أن أجهل حقيقة ميلاده.

لتؤمن إذن كما آمن بطرس، فتطوّب أنت أيضًا وتتأهل لسماع الكلمات: "إن لحمًا ودمًا لم يعلن لك لكن أبي الذي في السماوات" (مت 16: 17). فاللحم والدم لا يقبلان إلا الأرضيات، أما من ينطق بأسرار الروح فلا يعتمد على تعاليم اللحم والدم بل على الإعلان الإلهي.

ليتك لا تعتمد على اللحم والدم لتأخذ منهما أوامرك، فتصير أنت نفسك لحمًا ودمًا، وإنما من يلتصق بالرب يكون معه روحًا واحدًا (1 كو 6: 17). يقول الله: لا يدين روحي في الجسد بعد لأن كل تصورات قلبه شريرة (تك 6: 3).

ليسمح الرب ألا يكون السامعون لحمًا ودمًا، بل يكونوا متغربين عن شهوة اللحم والدم، فيردد كل واحد منهم: "لا أخاف، ماذا يصنعه بي الإنسان (أي اللحم والدم)؟" (مز 56: 5).

من يغلب الجسد يصير من أعمدة الكنيسة؛ إن لم يستطع أن يبلغ إلى بطرس فإنه يتمثل به ويتمتع بعطايا الله إذ هي كثيرة، يرد لنا ليس ما تركناه بل ما هو له.

يحق لنا أن نتساءل: لماذا لم يرَ فيه الجموع إلا إيليا أو إرميا أو يوحنا المعمدان؟

ربما رأيت فيه إيليا لأنه أُختطف إلى السماء؛ لكن المسيح ليس كإيليا إذ لم يُختطف إليها بل جاء منها. الأول أُختطف إلى السماء، أما الثاني فلا يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله (في 2: 6). الأول انتقم بالنار التي طلبها (1 مل 18: 38) والثاني أحب خلاص المسيئين إليه لا هلاكهم.

لماذا اعتقدوا أنه إرميا؟ ربما لأنه تقدس من الرحم (إر 1: 4)، لكن المسيح ليس كإرميا. الأول تقدس، أما الثاني فهو يقّدس، الأول بدأ بميلاده أما الثاني فهو قدوس القديسين.

لماذا ظنه الشعب يوحنا؟ ربما لأن يوحنا عرف الرب وهو في بطن أمه، لكن المسيح ليس كيوحنا. يوحنا سجد وهو بعد في الرحم، والثاني هو المسجود له. الأول عمّد بالماء، وأما المسيح فبالروح. الأول نادى بالتوبة والثاني غفر الخطايا[568].]

الغنوسية الحقيقية

تحدثنا قبلاً عن الغنوسيين الذين وضعوا في قلوبهم أن تحل المعرفة أو الغنوسية محل الإيمان كطريق للخلاص، حتى صارت كلمة "غنوسيون" تشير إلى مجموعات من الهراطقة. لكن القديس إكليمنضس أعطى للكلمة فهمًا مسيحيًا جديدًا، إذ رأى في الكلمة تعبيرًا عن "المسيحيين الذين يعيشون في معرفة الله"، ومنعًا للبس يستخدم البعض العبارتين "غنوسي حقيقي" و"غنوسي مسيحي" تمييزًا عن "الغنوسي الهرطقي".

العلم والإيمان

[في ظني أن كل إنسان عاقل يفكر بأن العلم هو الأمر الرئيسي من بين كل ما هو حسن وفي منال عقولنا. ولا أقول بأن علومنا هي وحدها عالية ونبيلة، لأنها تحتقر أناقة الخارج لتتعلق بجمال الأفكار، وإنما أيضًا العلم الذي من الخارج، الذي يرفضه كثير من المسيحيين القليلي التقدير ويعتبرونه خادعًا وخطرًا يبعدنا عن الله... فمن هذا علينا أن نحتفظ بما يمكنه ان يساعدنا على التأمل في الحق متجنبين كل ما يؤدى إلى الشر والخطأ والهلاك[569].]

v     يهمنا جدًا ألا ننكب بجهل على العلوم، وإنما أن نعرف ما الأفيد منها... وخوفًا من أن نتعلق بها وننسى علم الله منغمسين في أبحاث باطلة، يبين من الضروري ان نستعمل التمييز في التربية بطريقة نختار فيها العلم المفيد ونتجنب كل ما هو ضرر وشؤم[570].

القديس باسيليوس الكبير

المعرفة والفلسفة

عالج القديس إكليمنضس السكندري في كتابه "المتفرقات Stromata" موضوعين رئيسيين، هما علاقة المسيحية بالفلسفة اليونانية، وعلاقة الإيمان بالمعرفة (الغنوسية). لقد أجاب القديس في أكثر من موضع وبشيء من التفصيل على السؤال الذي كان يشغل أذهان المفكرين المسيحيين في ذلك الوقت، ألا وهو: ما هي نظرة المسيحية للفلسفة اليونانية (الهلينية)؟ هل تمثل خطرًا على الإيمان المسيحي أم هي معين له؟

القديس إكليمنضس السكندري - في محاولاته لإرساء "غنوسية" مسيحية حقيقية وأصيلة وعملية - يستخدم بصفة مستمرة، مصطلح "غنوسي Gnostic" بمعنى "المؤمن الروحاني". فهو لا يفصل بين المعرفة Gnosis والروحانية.

آمن القديس إكليمنضس السكندري أن دستور الكنيسة والكتب المقدسة لا تتعارض مع الفلسفة، وأنه لا عداوة بين المسيحية والفلسفة. وتتلخص نظرته إلى الفلسفة في النقاط التالية:

1- إن الفلسفة ليست عملاً من أعمال الظلمة، بل في كل مذهب من مذاهبها يشرق عليها شعاع نور[571] من اللوغوس... ففي بداية كتابة "المتفرقات Stromata" انتقد القائلين بأن الفلسفة شر، ووعد أنه سيوضح - خلال هذا العمل - أنها من جانب هي "عمل التدبير الإلهي[572]".

في رأيه أن غاية الفلاسفة في كل المدارس الفلسفية هي ذات غاية المسيحية، ألا وهي الحياة السامية، ولكن الفارق هو أن الفلاسفة لم يتمتعوا إلا بقبسات من الحق، أما المسيحية فأعلنت الحق كاملاً في المسيح[573]. الفلسفة - في رأيه - أقل من الحق[574]، لكنها ليست بلا قيمة[575]. لهذا فهو يرى الفلاسفة أطفالاً بقوا هكذا حتى جعلهم السيد المسيح رجالاً.

2- خلال هذه النظرة أراد أن يقدم تعريفًا للفلسفة من وجهة نظره، فقال: "أقصد بالفلسفة لا المذهب الرواقي أو الأفلاطوني أو الأبيقوري أو الأرسطاطلي، بل ما قد قيل بحق في كل المذهب منها، حيث يعلم بالبرّ جنبًا إلى جنب مع العلم التقوى. هذا الاختيار الكلى أدعوه "الفلسفة". أما نتائج التعقلات البشرية التي يقطعها البشر ويزيفونها فليست فلسفة[576]".

كأن الفلسفة في ذهنه تحمل جانبين: الجانب الإلهي هو عطية الله، وهو نصيب من الحق، والجانب البشري من وضع الفكر الإنساني، يزيف الحق ويفسده، هذا الذي حذر منه الرسول بولس في رسالته إلى أهل كولوسي (8:2). رأى في كتب الفلاسفة تناقض في أمورٍ كثيرةٍ[577]، وذلك على خلاف الكتاب المقدس.

أما تعليله لوجود الجانبين في الفلسفة فيقوم على أساس أن كل ما هو صالح يأتي من قبل الله[578]، قدمه لنا ليس كهدف في ذاته وإنما كبذرةٍ يلقيها اللوغوس على الأرض فتأتى بثمر صالح أو شرير، وذلك حسب نوع التربة إن كانت صالحة أو حجرية[579].

خلال هذه النظرة نراه تارة يدافع عن الفلسفة في جانبها الحق، وأخرى يهاجمها في الشوائب التي دخلت إليها. تارة يرى في الفلسفة تحمل جانبًا من الحق، وأخرى يراها تعليمًا تمهيديًا للوصول الحق. وثالثة يراها ليست الحق ولا هي الخطأ ورابعة أنها مطلوبة لاكتشاف الحق المزيف، وذلك كالصراف الذي يتعرف على العملة المزيفة ليعرف الأصلية.

3- يرى القديس إكليمنضس أن عناية الله لم تتجاهل الفلسفة مطلقًا. ففي رأيه كما أن الله قد أعد العبرانيين بالناموس ليقودهم للسيد المسيح، هكذا استخدم الفلاسفة بالنسبة لليونانيين للبلوغ بهم إلى ذات الهدف. لقد استخدم القديس كلمات بولس الرسول مع الإثينيين ليجتذبهم للإيمان خلال أقوال شعرائهم (أع 22:17-28) كمثال حيَّ لتأكيد نظريته.

خلال هذه النظرة رأى بعض الكتَّاب في القديس أفلاطونيًا أو أفلاطونيًا حديثًا أو على الأقل مدافعًا عن الفلسفة الهيلينية في المسيحية فيقول Fillinton: "من يعطى اهتماما لإكليمنضس الإسكندري يدافع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن سَّر الهيلينية في المسيحية[580]".

4- أكد القديس بأمثلة عديدة أن اليونانيين قد استعاروا الكثير من العهد القديم[581]. قال أن أفلاطون انتحل آراء موسى والأنبياء، ولو أنه لم يقمها بطريقة صادقة. كما شبه الفلسفة اليونانية بالشريعة الموسوية، ومع ذلك فكثيرًا ما أكد أن الإيمان هو أساس كل المعرفة[582]، أعظم منها والحكم عليها[583]، كما دافع عن الإيمان ضد الفلاسفة[584].

5- إذ عرف القديس العالم بجانبيه الوثني والمسيحي، عرف الكتابات اليونانية الكلاسيكية أو اللاهوت المسيحي. لهذا أعتقد أنه ليس من واجب الكنيسة أن تثبط همة الموعوظين عن متابعة دراستهم الفلسفية، إنما تستطيع الكنيسة أن تعطى مسحة مسيحية للفلسفة بثقافتها وتعليمها.

لقد أوضح القديس[585] أن الغنوسي أو المسيحي الأمثل يستخدم كل أنواع المعرفة ولا يخاف الفلسفة بل يستفيد منها. حقًا إن الجماهير تخاف الفلسفة بل كما يخاف الأطفال من القناعات لئلا تضلهم الطريق. لكن المسيحي بالإيمان يقدر أن يعرف الحق ويميزه؛ يفصل الحق غير المتغير عن الآراء الباطلة، فيكون كالصراف الذي يقدر بخبرته أن يفصل العملة الحقيقية عن الزائفة... هكذا لا ينخدع الغنوسي بالكلمات الزائفة، وكما يصرخ داود قائلاً: "البار لا يتزعزع إلى الآبد" مز 6:112، لا بالكلمات الزائفة ولا باللذات الخاطئة. إنه لن يتزعزع عن ميراثه "لا يخشى من خبر سوء" مز 6:112، فلا ترعبة افتراءات لا أساس لها، ولا يهتز من آراء باطلة تنتشر حوله.

في نفس الفصل يوضح إكليمنضس أن الغنوسي يستخدم الفلسفة بطريقة صالحة لمعرفة الحق الذي يظهر فيها جزئيًا، أما الهراطقة فيستخدمونها بطريقة شريرة للتضليل. هذا وفي رأيه أن الفلسفة أيضًا قادرة على فضح أخطاء السوفسطائيين وإظهار انحرافهم...

v     الله الواحد الحقيقي هو المصدر لكل جمال، سواء الجمال الهيليني أو الجمال الخاص بنا[586].

v     كأن الفلسفة اليونانية تطهر النفس وتعدها لقبول الإيمان، الذي عليه يبنى الحق (المسيح) صرح المعرفة[587].

v     قبل مجيء الرب كانت الفلسفة ضرورية لليونانيين للبرّ، وأما الآن فقد أصبحت موصلاً للتقوى، بكونها نوعًا من التدريب الإعدادي للذين ينالون الإيمان خلال البرهان... لقد أعطيت الفلسفة اليونانية مباشرة، وبطريقة بدائية إلى أن يدعوهم الرب. وكما يقود الناموس العبرانيين للمسيح (غلا 24:3)، هكذا كانت الفلسفة إعدادًا، تهيئ الطريق الذين يتكملون في المسيح[588]".

v     إنه بعد ذلك يدمغ الفلسفة ويدينها، ليس بصفة شاملة بل يدين الفلسفة الأبيقوريّة التي يذكرها بولس الرسول في سفر أعمال الرسل (17: 18)، تلك التي تجحد الله القدير وتؤلّه اللذّة[589].

القديس إكليمنضس السكندري

v     احذروا لئلا يفسدكم أحد عن الإيمان بالمسيح بفلسفة وخداع باطل الذي يهمل تدبير العناية الإلهية "بحسب تقليد الناس". لأن الفلسفة التي هي بحسب التقليد الإلهي إنما تطابق وتتبع تدبير العناية الإلهية، والذي إذ أُهملِ ظهور المخلص بتدبير خلاصه في الزمن كنا منقادين بحسب "أركان العالم وليس بحسب المسيح"[590].

v     لأن القديس بولس أيضًا، في رسائله لا يهاجم الفلسفة، بل يراها تنزل بمستوى الإنسان ليبلغ المعرفة الخاصة بالعالم. لا يليق به أن ينحدر إلى الفلسفة الهيلينية والتي يسمَّيها بشكل رمزي قائلاً إنها أركان العالم الحاضر، إذ هي ناقصة لم تكتمل بعد، وهي مجرد مبادئ تمهيدية للحق[591].

v     هل يقول أحدكم إن الفلسفة التي اكتشفها أهل اليونان قد جاءت نتيجة الفهم البشري، إلا أني أجد الكتاب المقدس يقول إن الفهم هو من الله ذاته. فالمرنم يعتبر الفهم أعظم هبة مجانية ويحث المؤمنين قائلاً، بأن داود بالرغم من فيض تجاربه، ومعرفته، يكتب: "علمني الرقة والحكمة والمعرفة، لأنني آمنت بوصاياك"[592].

v     بقول الرسول: "بحسب أركان العالم وليس بحسب المسيح" يؤكد أن التعليم الهيليني (اليوناني) تعليم أوليَّ، أما تعليم المسيح فكامل[593].

القديس إكليمنضس السكندري

لقد أعطى العلامة ترتليان إجابة واضحة وقاطعة اتسمت بالعنف الشديد[594]، إذ يقول: [أية شركة بين الفيلسوف والمسيحي، بين تلميذ اليونان حليف الباطل وتلميذ السماء عدو الباطل وحليف الحق؟ حتى حكمة سقراط لم تصل إلى شيء يعتد به، لأنه ليس ثمة شخص يمكنه أن يعرف الله معرفة حقيقية بغير المسيح، أو يعرف المسيح من دون الروح القدس، ثم أن سقراط نفسه يعترف أن جنًا كان يقوده ويهتف في قلبه. أما أفلاطون فيقول إنه من العسير أن يجد الإنسان صانع الكون ووالده، بينما أبسط مسيحي قد وجده[595].]

يرى ترتليان أن الهراطقة وجدوا أسلحتهم في الفلسفة، ففالنتينوس أخذ هرطقته عن أفلاطون، ومرقيون عن الرواقيين والأبيقوريين وغيرهم من الفلاسفة. لهذا كثيرًا ما يردد تليان تحذير معلمنا بولس الرسول: "أحذروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة" كو 8:2.

هكذا يرفض ترتليان بطريقة قاطعة أية دراسة فلسفية، إذ يقول: "أية شركة بين أثينا وأورشليم، أو بين الأكاديمية والكنيسة، أو بين الهراطقة والمسيحيين؟! تعاليمنا تأتى من رواق سليمان الذي علمنا أنه يجب علينا أن نطلب الله ببساطة قلب كاملة. أنه لأمر رديء أن يقيم البعض مسيحية رواقية أو أفلاطونية أو جدلية. أما نحن فلم يعد لدينا حب استطلاع بعد أن عرفنا يسوع المسيح، ولا نطلب أن نبحث عن شيء بعد الإنجيل. مادمنا قد آمنا فما حاجتنا أن نؤمن بشيء آخر. إن أول بنود إيماننا هو ألا نؤمن بشيء غير هذا الإيمان[596]".

أما القديس هيبوليتس وإن كان له معرفة أوسع مما لترتليان لكنه لم يكن متعاطفًا مع الهيلينية أو فلسفتها التي نظر إليها كمصدر للهرطقات.

لم يحدث أن قصد العلامة أوريجينوس بهذا المصطلح "الروحانية" المسيحية، لكنه كان يستخدم المصطلح "teleios" (البولسي)- نسبة إلي الرسول بولس، بمعنى كامل، أو "pneumatikos" بمعنى روحاني. أما كلمة" gnostikos " فنادرة الاستخدام عنده، استخدمها مرة واحدة للتعبير عن “روحاني" في وثيقة بالية، وفي قصد تهكمي موجه للمتمسكين بالغنوسية المزعومة.

v     قضيت زمانًا طويلاً في الباطل، وأضعت تقريبًا كل شبابي أبحث عن نوعٍ من الحكمة هي جهالة عند الله. فجأة مثل إنسانٍ قام من نومٍ عميقٍ فتحت عيني على نور حق الإنجيل العجيب، فأدركت عدم نفع حكمة رؤساء هذا العالم التي تزول (1 كو 2: 6). سكبت دموعًا كثيرة على حياتي البائسة وطلبت أن أنال هداية كي ألتصق بتعليم الدين الحقيقي.

القديس باسيليوس الكبير

v     العقل الذي ينسى المعرفة الحقيقية يشن حربًا مع الناس لأجل أمور ضارة به يظنها نافعة له.

القديس مرقس الناسك

v     هذا الإنسان إنسان عالمي ينتبه لتعاليم الناس، ضحية الفلسفة، لأنه لا يتصرف في المسيح بملء اللاهوت[597].

v     لئلا تضل النفس وتقع في خداع الفلسفة الوثنية، فإنها تقبل الدرس الأفضل الذي للولاء الأكمل للإيمان المقدس الذي علَّم به الرسول في كلمات موصى بها[598].

القديس هيلاري أسقف بواتييه

v     نحترس، بوجه خاص، لئلا ونحن نجاهد في طلب للحكمة، التي هي كائنة في المسيح وحده المذخر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة – أقول نحترس لئلا باسم المسيح ذاته، يخدعنا الهراطقة أو أية أحزاب فاسدة الذهن ومُحبة لهذا العالم[599].

القديس أغسطينوس

المعرفة والكبرياء

v     لا يفتخرن أحد إذن بأنه يعلم ووثيق بالمعرفة البشرية، إذ مكتوب حسنًا في سفر إرميا: "لا يفتخر الحكيم بحكمة ولا يفتخرن القوي بقوته ولا يتفاخر الغنى بغناه، بل من يفتخر فليفتخر بهذا، أنه يفهم ويعرف أنني أنا الرب الذي يتراحم ويدين بالبرّ فوق الأرض" حتى لا نتكل علي ذواتنا بل علي الرب الذي يقيم الميت" يقول الرسول: "الذي خلصنا من موت هذا ثقله حتى لا نتكل علي حكمة الناس، بل علي قوة الله" لأن الروحي يحكم في كل شيء ولكن لا يُحكم عليه في شيء" وأيضًا أنصتُ إلي كلماته هذه: "إنما أقول هذا لئلا يخدعكم أحد بكلام ملِق (مخادع) أو يتسلل أحد ليتلفكم[600]".

القديس إكليمنضس السكندري

v     حسنًا يدعوها الرسول هكذا " العلم الكاذب الاسم" (1 تي 6: 20)، فإنه حيث لا يوجد الإيمان لا توجد المعرفة (الحقيقية)[601].

v     لا ينبع التصلف عن المعرفة، إنما عن عدم المعرفة، فمن يعرف تعاليم التقوى يميل بالأكثر إلي التواضع. من يعرف الكلمات المستقيمة لا يكون غير مستقيمٍ، كما يقول: [من يعرف ما لا يلزم معرفته فهو عديم المعرفة، والكبرياء تنشأ عن عدم المعرفة[602].]

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     هب لي أن أبقي دائمًا مع (صفوف الملائكة) في بلد الدهش والعجب في اللامعرفة التي تتجاوز كل معرفة، وكل أصحاب المعرفة[603].

الشيخ الروحَاني (يوحنا الدّلياتي)

المعرفة والدينونة

v     من العدل أن من يستمتع بنصيب أوفر من المعرفة ينال نصيبًا أشد من العقاب إن تعدى الناموس. ومن ثمّ، يكون عقابنا أشد كلما ازددنا في الحكمة والسلطان. إن كنت غنيًا يُطلب منك العطاء أكثر من الفقراء، وإن كنت صاحب حكمة أوفر تلتزم بالطاعة أكثر من غيرك، وإن نلت سلطانًا يلزمك تقديم أعمال أكثر بهاءً[604].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

المعرفة والتأمل في الإلهيات

v     ليس للسان سلطان أن ينطق بكيفيتها (الأسرار الإلهية)، إنما ينظرها العقل الطاهر وحده، وبها يتنعم ويفرح بنظرها، ويتعجب ويبتهج بوجودهما، ويُذهل ويُسر باستعلانها له؛ ويذهل ويُختطف منهما إلى داخلهم.

وفي الله يُبتلع ويُسبى بنظر جماله، ويتحد بمجده وينذهل.

ليس من دخل إلى هذا وينظر إلى ما يُرى ههنا بشهوة.

ليس من يتلذذ بهذه (الأسرار)، ويذوق أيضًا حلاوة شيء مما على الأرض.

ليس من ينظر جمالها وينظر إلى جمال شيء مما في عالمنا أنه حسن.

ليس من استغنى بوجودها ولا يستخف بالدرهم كالزبل.

ليس من استأنس بوجودها وسكر بالهذيذ بها ولم يمقت في عينيه جالة الناس وأنسهم.

ليس من انطلقت في نفسه وفي عظامه محبة المسيح ويقدر أيضًا أن يحتمل قذارة الشهوة المرذولة.

ليس من صار رفيقًا للملائكة واستأنس بأسرارهم ولم يرذل رفقة العالم ومكائده.

ليس من سُبي عقله بجمال رب الكل، ويقدر أيضًا أن يسبيه شيء مما في هذا العالم بشهواته.

ليس من ربط عقله بالله والاهتمام به، وينحل أيضًا من شيءٍ ويرتبط بالهم به[605].

v     طوباك يا من هو في لجج النور طائر بأجنحة الروح القدس، وهو محبوس في العمق الذي يحبس العقل، والذي أعماقه لا تُدرك[606].

الشيخ الروحَاني (يوحنا الدّلياتي)

معرفة الله الساكن في القلب

v     إن ينظر الإنسان إلي الله اللانهائي... هذا ذكر مستقيم حقًا. إنه ينزع الأهواء، ويطرد الشياطين، وينير العقل، ويطهر القلب.

أما إن طلب الإنسان حياة الله في داخله، فهذا أفضل مما سبق. إن كانت العوالم كلها مليئة بالحياة وهو خالٍ منها، فما هي المنفعة التي تأتيه من الخارج؟ وإذا كان مليئًا بالحياة، بماذا يضره الموت الذي هو خارج عنه؟[607]

v     أنظر إلي الله في ذاتك، وأنظر كيف أن الله هو نور!

إن طبيعته هي نور ممجد نور أشعة وفيرة. وهو يظهر نور طبيعته إلي كل من يحبونه في كل العوالم، أعني مجده لا طبيعته؛ وهو يحول صورة الذين يرونه إلي صورة مجده.

أنظر إلي نفسك وأبصره فيها، في ذاتك، متحدًا بك كاتحاد النار بالحديد في داخل الكور، وكالرطوبة في جسمك.

عندما تنظر إليه وهو متحد بك هكذا، يسبي ذاتك من أمام ذهنك لكي يتراءى وحده لذهنك[608].

v     إن سألك عن رؤية الأقانيم الممجدة، لا تستطيع خليقة أن تتكلم عنها. بالرغم من أن الأنقياء يرون كل واحدٍ منها وفق نقاوتها الصافية. ورغم أن القوة الرائية هي فيهم بحسب قوتهم، فهي قوة في طبيعتهم للتعريف بالكلمة، مع هذا نضع علامات ضعيفة لإنارة المظلمين أمثالنا[609].

v     الذين يريدون بوقاحة سبر جوهر طبيعته التي لا بداية لها يقتنون الهلاك لهم من سبرهم. ويتلقون من تجارتهم الويل والمرارة والتنهدات!...

لا تفصل نفسك عن الحياة!

لا تسقط في اليم لئلا تهلك.

بل نظم مسيرك، واعدله، واقتنِ منه الحياة إلي الأبد...

إن كنت لا تستطيع أن تعرف نفسك، كيف تستطيع أن تسبر جوهر طبيعة خالقك؟!

أيها الفاحص المنافق، انحنِ من كبريائك لئلا تسقط في الغمر الذي ليس له سندّ لنزولك![610]

v     ليس من أحدٍ يشخص إلي ذاته دائمًا إلا ويقتني النقاوة التي ترى الله في زمن قصير.

من ينظر إلي الله في داخله، ينظف نفسه من القذارة، ولن يستطيع الشيطان أن يزرع الأهواء في قلبه. وإن زرعها تتلف سريعًا. فإن ذكر الله وذكر الأهواء لا يمكنهما أن يقطنا في مسكنٍ واحدٍ[611].

v     الذهن الذي في طياته يطلب الله يصبح بنفسه مرآة يري الله فيها.

المجد لذاك الذي يُظهر مجده بالذهن الملتهب برؤيته. لكي يراه لبهجته. لا يأتي من مكانٍ ما ليتراءى له، بل يختفي فيه ويختبئ. وما أن يجده مجاهدًا ومتعبًا في طلبه، وهو دومًا في فكره، ومتعطشًا إلي رؤيته، حتى يشرق به جماله الممجد الذي كان مختفيًا فيه، ويعزيه.

هذا هو الذي يجد الملكوت، وقد كان مختبئًا في داخله.

هذا هو الكنز المخفي في الحقل، والذي يجده فورًا من يترك كل ما يمتلكه (مت 44:13)[612].

v     طوبى لمن يشخص إليك علي الدوام، يا فردوسي الذي تتراءى فيَّ!

ويا شجرة الحياة التي تلهبني في قلبي شوقًا إليه، وتُغير وجهي بقوة محبته، وتقيم بالدهش الذي تثيره أشعه جماله!

طوبى لمن يطلبه دومًا في ذاته، إذ منه تجري الحياة لتطيَّبه (يو38:7)!

طوبى لمن يحمل ذكرك في قلبه في كل آن، إذ أن نفسه هي أيضًا سكري بحلاوتك!

طوبى لمن هو شاخص إليك علي الدوام في داخله، إذ يستنير قلبه لرؤية الخفيات!

طوبى لمن يطلبك في ذاته إذ أن قلبه ملتهب أيضًا بنارك، وجسده متقد مع عظامه بقوته المطهرة![613]

v     تعزيه برؤيتك في كل حين.

عندما يأكل يراك في مأكله، وعندما يشرب تشع في شرابه!

عندما يبكي تشرق في دموعه.

أينما نظر يراك، ففي كل موضع تزيده من تطويباتك[614].

v     لأن الرؤية لا يمكن أن تتحقق في ذلك النور الذي تشكل أشعته الساطعة مانعًا، يقولون أنك غمام وضباب، وإن غمامًا منيرًا يحيط بك (مز 2:79)، وإنك تمنع نظر محبيك عن التطلع بإفراط لرؤية طبيعتك المخفية[615].

v     إنك، أيها الصالح في كل محبيك، لأنهم يجدونك في الدهش الذي لا يُوصف، في مجد بهاء جمالك، وفي قوة طبيعتك، وفي معرفتك التي هي أعلي من الكل.

أنت موجود بكلك في كل محبيك، بكل ما لك، وفي كل واحدٍ منهم.

أنت بكليتك لكلٍ منهم بالكمال بغير نقصان، مع أنه لا يقدر أحد أن يمتلكك كليًا.

المجد لكمالك الذي يضبط كل الكمالات، ولا يستطيع أحد منها أن يحدَّك[616].

v     المجد لذاك الذي وهب من حكمته لخاصته، مظهرًا جماله لأجل تلذذ محبيه[617].

v     تأمل في ذاتك قليلاً ليشرق فيك الشعاع المفرح، لاسيما حين تقع علي وجهك، فإنه لا يوجد وقت مثل هذا فيه تري ذاك الذي يري الكل. فإنه يظهر لمحبيه، ويوفر لهم الصالحات[618].

v     اكشف ما لك للخفي، فيكشف هو ما له[619].

v     طوبى لمن يري ذاك البلد من ههنا، ومنه ينطلق إلي بلد الأفراح، إلي البلد الذي لا تغرب شمسه[620]!

v     طوبى لمن ينصت ويسمع أسرار الروح الخفي ويكتمها في نفسه[621].

v     يا إلهي وحياتي! لقد سُبي فكري بالحديث معك، فإنه ليس لي من أتحدث معه خارجًا عنك!

ماذا أفعل؟ نفسي عطشي إليك، ولحمي يبتغيك (مز 2:63).

بالحديث معك يمكن الصعود إليك، وبالتفكر فيك توهب رؤية وجهك[622].

v     إن كنت تحزن في طلبه، فستبتهج بوجوده!

إن كنت تتألم لكي تنظره بالدموع والضيق، فانه يظهر لك حُسنه (جماله) داخلك فتنسى أحزانك!

لا تطلبه خارجًا عنك، ذاك الذي مسكنه ومقره في داخلك! من رأى حكيمًا يطلب نعيمه خارجا عنه؟!

كيف تليق لك الحياة خارجًا عنك؟!

لمن أنت تخدم؟ لمن أنت تصلي؟ قدام من أنت تصرخ؟

لمن تدعو قائلا: "أبانا أسرع لمعونتي؟" قدام من أنت تسكب دموعك؟ أليس قدام ذاك الذي به تحيا وتتحرك؟!

ولكن لماذا لا تشعر بنعيمك في داخل نفسك؟ أليس لأنك لم تخلط أعمالك به؟

إذا جلست، أنظر شعاعه متحدًا بك...

وإذا قمت فبغمام مجده تطهر...

وإذا مشيت ارفع الأرض عن نظرك، واجعل مسلكك في نور الرب كموضع نقي...

وإذا نمت فبلجج نوره تغطى...

وفي شربك امزج شرابك بمنظر محب الكل...

ِطرْ مع الطير في جو طهارته، ومع السمك اسبح في عمق عظمته، من الحديد في الكور تعلم سر اتحاده بالنار، ومع نسيم فمك تستنشق نفسك خليلها، مع الروحانيين قدس في السماء داخلك، وهناك انظر مسكنه.

v     آه ما أعجب خفاياك يا إلهنا. وما أعظم من يؤمن بها. نسيت ذاتي بهذيذ أولئك القديسين، الذين لست أنا واحدًا منهم.

أجاهد أن أمسك الله القدوس، فلا يُمسك.

أصوره فلا يتصور.

إذ أنا مملوء فحينئذ أنا فارغ، وإذ أنا ماسكه ليس هو،

وإذ أنا ساكن فيه، وهو في يسكن.

وإذا هو مخفي عني، أنا مخفي فيه.

وإذ أردت أن أطلبه، أبصره داخلي.

ومن أي موضع،.. وإلى أي موضع أذهب به، لا يتركني.

وإذ أنصت إليه يتكلم معي.

وإذا التمسته لا يتحرك...

السبح لك، إنك مخفي عن الكل، ولمحبيك تشرق بلا انقطاع!

السبح لك، وعلينا رحمتك إلى الأبد آمين.

v     ربي وإلهي... لم تقدر يميني أن ترسم أسرارك بالصور، ولكن مثل حكيم أتقدم لأكتب...

أتقدم الآن إليك وأتنعم! نصعد إلى جبلك المقدس لننظر حسنك (جمالك) الممجد.

نورك مسبوك، كثير الإشراق، عجيب الإحسان، يبهر ناظريه.

يلقبونك "بحرًا" و"ينبوع كل العالم".عظمتك تحبس كل عمق عميق.

يشبهونك بالنار،لأنها تعطي دون أن تنقص، تطهر ولا تتسخ.

v     قال لي إنسان: إنه بينما يكون في بدء الصلاة أو عند نهايتها، ينسى ذاته وكل ما له ويتعجب ويتلذذ بجمال خالقه.

 من يفهم فليفهم، وكل من لا يفهم فليعطه الرب أن يدرك.

v     ما أشهاك وأحبك أيها الطفل (يسوع).

شهوتك تسبي النفوس.

خرجت نفسي وراءك، إذ فيك تشخص داخلها، ولها يشرق جمالك.

أنت حسن.

أنت محبوب مثل أبيك.

أنت حلو لذيذ، مذاقك لا يعرفه إلا من ذاقك فقط.

استنشقت رائحتك الطيبة، وقلبي تلذذ في، وليس من يقدر أن يفسر.

v     طوبى لمن في شربه يراك مخلوطًا، يشرب ويبتهج قلبه بمحبتك.

طوبى لمن دخل إليك، ونظر منظرك العجيب، وتعجب بجمالك البهي الذي ينبع داخله.

احتَّد قلبي على القلم، كدت أكسره، لأنه لا يقدر أن يصور الجمال العجيب الذي أنظره، أنهار مياه الحياة التي تجري من ينبوع الطوبى...

كل عقل كثير الكلام، إن دخل إلى هذا البلد، يلتزم السكوت عن الكلام والحركات لاندهاشه بالأسرار.

ههنا يظهر الله جماله لمحبيه.

ههنا تبصر النفس ذاتها والمسيح المشرق فيها، ويبهجها منظره.

ههنا الثالوث القدوس بالسِّر يُرى.

v     احترق القلم من حدة نارك يا يسوع. ووقفت يميني عن الكتابة. استضاءت عيناي بشعاع جمالك. وذهبت من قدامي الأرض وكل ما عليها.

 دُهش ذهني بالعجب الذي فيك.

اشتعل اللهب بعظامي.

وانشقت الينابيع لتسقي جميع لحمي لئلا يحترق...

v     لسبح لك، فكما أنك عجيب، عجيبة هي أيضا أسرارك. طوبى لمحبيك الذين بجمالك يضيئون كل ساعة.

v     قبل أن أخرج من هذا الجسد، أعطني يا رب جمال منظرك للأكل، ورؤيا أسرارك المخفية فيك بحضن جوهريتك للشرب المفرح.

v     طوبى لمن سكروا بمحبتك يا إلهي، لأن بسكرهم بك استمتعوا بجمالك. ذُقْ يا أخي، وانظر حلاوة أبينا الصالح ومقدار لذتها.

v     أما أولئك الذين لم يجربوا لذة السكر بالله والتمتع به، فهم مساكين تعساء.

لقد أعطى الله محبته طيبا يسكرهم به ويلذذهم. هو بذاته يفرح، وبهم أيضًا يبتهج. هو هو عرسهم، وحجلة فرحهم. ينظرونه في داخلهم فيبتهجون. يشرق فيهم من هو في داخلهم، ويدهشهم بجماله.

v     المحبة نار تشتعل بالقلب، صاحبها قائم في خدمته بفرح.

إني مرات كثيرة سمعت إنسانًا من الإخوة، حين كان يسكر بمحبة المسيح، لم يكن يقدر أن يمسك نفسه من النار الإلهية المتقدة في قلبه، ومن ابتهاج قلبه النابع عن إشراق سبح الله... كان يصرخ ويقول: "آه. ألهبتني محبتك يا إلهي. اضمحلت حياتي بمحبتك يا ربنا ولم أقدر أن أصبر".

وكان أيضا يصرخ ويقول مرات كثيرة: "طوبى للذين هم سكارى بمحبتك يا ربنا. آه لحسنك الذي لا يُنطق به، أيها الآب أبي".

v     سبّح من قلبك بغير انقطاع، واخلط كل أعمالك بذكر الله. هذا هو العمل الذي يُظهر لك وجه الله. وهذا هو الأجر الذي يناله كل من يصلي لله خفية. ادخل إلي مخدعك وصلِ خفية حيث أبوك الخفي، أما أجرة المعلن فهو إشراقه في النفس[623].

الشيخ الروحاني (يوحنا الدّلياتي)

<<

 

 


 
اَلأَصْحَاحُ الثَّانِي عَشَرَ

نظريات وحقائق

في دهشة مع مرارة تطلع أيوب إلى أصدقائه المتشامخين بحكمتهم البشرية، الذين فيما هم يعزونه يسخرون به، وكأنه قد صار أضحوكة في أعينهم. هنا في قوة يصرخ أيوب قائلاً بأن ما لديهم من حكمة ليس بالأمر الفريد. إنه كإنسان يشاركهم حكمتهم الموهوبة للبشرية من الله، لكن لا يشاركهم قسوة قلوبهم. الطبيعة ذاتها تشهد لله أفضل منهم، تشهد لرعايته الفائقة وسلطانه. أخيرا يدرك أيوب أن حكمة الله تفوق كل فكر بشري، ليس لإنسان أن يحصر خطة الله ويحللها بفكره المحدود.

في الأصحاحات 12-14 يجيب أيوب على صوفر في شيء من الإطالة، وكعادته بعد مناقشته لأصدقائه يلتفت إلى الله ويوجه عتابًَا له في دالة.

في نهاية الدورة الأولى يوبخ أيوب أصحابه بقسوة، بسبب غرورهم بأنفسهم، ويتهمهم أنهم يرفضون مواجهة حقائق الحياة.

يعلن أيوب في هذا الأصحاح أنه عارف بالإجابات المتعارف عليها [٣]، لكن ما يحتاج إليه من أصدقائه هو الحنو واللطف.

أوضح أصحاب أيوب رأيهم في سياسة الله، وهو أن الأشرار يتألمون لا الأبرار، وأيوب يريهم أن الأمر بعكس ذلك، أي أنه يغلب أن يكون الأشرار ناجحين مطمئنين [6].

أعلن أيوب أن الحكمة التي افتخروا بها ليست لهم وحدهم، وكل الذين لهم عيون يستطيعون أن يروا أعمال الله مع وحوش الحقل وطيور السماء وأسماك البحر، وأنهم يعرفونه. يستمر في الحديث بأن الطبيعة تشهد لله واهب الحياة [٧-١٠].

لا ينكر أيوب أهمية الحكمة التقليدية [١١-١٢]، لكنه يكشف أنها أحيانًا تعجز عن تفسير ما يحل بنا [١٣-٢٥].

1. إساءة حكمهم عليه                         1-5.

2. ليس بالضرورة يهلك الأشرار في العالم    6-11.

3. حكمة الله وسلطانه                         12-25.

1. إساءة حكمهم عليه

فَقَالَ أَيُّوبُ: [1]

صَحِيحٌ إِنَّكُمْ أَنْتُمْ شَعْب،ٌ

وَمَعَكُمْ تَمُوتُ الْحِكْمَةُ! [2]

يوبخ أيوب أصدقائه لأنهم غير حكماء:

أولاً: لأن قسوتهم هربت منها الحكمة. هذا التوبيخ مُوجه إلى كل من يتكبر ويستخف بأخيه، خاصة في وقت آلامه. هذا الذي لا يعرف أن بضع حدودًا للتوبيخ، كما الذي لا يعرف أن يختار الوقت المناسب. "الإنسان الحكيم يسكت إلى حين، أما العاتي والجاهل فلا يبالي بالأوقات" (سيراخ 20: 7).

ثانيُا: لأنهم يتوهمون أنهم شعب يحتكر الحكمة، وأن حكمهم هو الأمثل والأعلى، الذي به يُقاس كل شخص ويُحكم عليه. لهذا يحذرنا الكتاب المقدس من السقوط في هذا الوهم، حين نحسب أنفسنا حكماء في تشامخٍ وكبرياءٍ. "لا تكن حكيمًا في عيني نفسك، اتق الرب، وابعد عن الشر" (أم 3: 7). "أرأيت رجلاً حكيمًا في عيني نفسه؟ الرجاء بالجاهل أكثر من الرجاء به" (أم 26: 12). "الرجل الغني حكيم في عيني نفسه، والفقير الفهيم يفحصه" (أم 28: 11). "هكذا قال الرب: لا يفتخرن الحكيم بحكمته، ولا يفتخر الجبار بجبروته، ولا يفتخر الغني بغناه" (إر 9: 23).

v     كن جاهلاً في العالم كما يوجهك الرسول فتصير حكيمًا. لا تتحيز (لرأيك) ولا تصدر حكمًا من ذاتك فيما تسأل فيه، بل اظهر الطاعة علي الدوام بكل بساطة وإيمان. اهتم فقط أن تكون هذه الأمور مقدسة ونافعة وحكيمة، إذ تعلن عن شريعة اللَّه، وتكشف عن رأي أبيك الروحي في تلك الأمور[624].

القديس يوحنا كاسيان

ثالثًا: لأنهم ظنوا أن بعد موتهم تموت الحكمة، ويُحسب كل البشر بدونهم جهلاء. بعد أن تغرب شمسهم يسقط العالم في ظلمة الجهالة.

من الحماقة أن نتوهم أن موتنا يسبب خسارة كبيرة، وأنه لا يمكن الاستغناء عنا، فإن الله قادر أن يقيم من بعدنا من هو أكفأ منا. موت الحكماء والصالحين لا يعني موت الحكمة والصلاح.

رابعًا: عدم الاعتدال في السلوك تحت ستار الحكمة يحول حتى ما هو صالح إلى الهدم لا البنيان. "لا تكن بارًا كثيرًا، ولا تكن حكيمًا بزيادة، لماذا تخرب نفسك؟" (جا 7: 16)

خامسًا: يرى البابا غريغوريوس (الكبير) وغيره من الآباء أن أصدقاء أيوب يمثلون الهراطقة الذين يعتمدون على حكمتهم البشرية وإمكانياتهم الفكرية والمادية والاجتماعية في تشامخٍ وعجرفةٍ، مستخفين بالفكر الكنسي الروحي.

"أين الحكيم؟ أين الكاتب؟ أين مباحث هذا الدهر؟ ألم يجهل الله حكمة هذا العالم؟" (1 كو 1: 20)

"لا يخدعن أحد نفسه، إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر، فليصر جاهلاً لكي يصير حكيمًا" (1 كو 3: 18).

"من هو حكيم وعالم بينكم، فليرِ أعماله بالتصرف الحسن في وداعة الحكمة" (يع 3: 13).

v     يتكلم أيوب مندهشًا... كأنه يقول: هل كرامة الكائنات العاقلة بالحقيقة مرتبطة بكم؟

هل تعرفون حكمة الله من جهة الخطاة والأبرار؟

هل يناسب البشر أن يعرفوها؟

هل تعلمون أن الله يمتحن الأبرار (ابن سيراخ 2: 5)، مؤكدًا طول أناته على الخطاة؟ (ابن سيراخ 2: 11)

هذا هو السبب أن البعض في رخاء وآخرين في تجربة، لأنه بالنسبة للبعض، فإن طول الأناة تردهم للتوبة (حز 33: 11)، بينما بالنسبة لآخرين فإن الصراع (مع التجربة) يمدهم بالإكليل (1 كو 9: 25). إن فهمتم هذا لا تعودوا تدينون البار الذي في تجربة، ولا تحسبوا الخاطي الذي في رخاء كما لو كان بارًا. لكن ليحكم على كل واحدٍ حسب أعماله، إن عرفتم هذا، فلا يليق بكم أن تنطقوا بهذه الكيفية في الدينونة القادمة...

هل حكمة هذا العمل يمكن أن تموت مع الناس؟ أين هو الفلك؟ أين هو التكهن بمراقبة طيران الطيور؟ أين هو السحر؟ أين هي العرافة؟ في هذه تجد الحكمة الدنسة المستنبطة من الغباوة الخداع. أو هل مثل هذه الحكمة تبقى حية هنا أسفل؟

حكمة الله، على العكس ترافق من يطلبها، إذ تتوافق مع التدرب على معرفة الله وناموسه. بهذا يرى الإنسان أمرين بكل بوضوح: مجد الله، وقوة الناموس المعطى لنا.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     كل الأشرار، وكل الهراطقة لا يخشون أن يعَّلموا من هم أفضل منهم بلهجة شديدة، إذ يرون في الكل أنهم أقل منهم. أما الكنيسة المقدسة فتدعو كل متشامخٍ في الفكر، وكل معتدٍ بذاته، لتجدده بروح التعقل بالارتباط معًا في مساواة. أيوب الذي هو عضو في ذات الكنيسة المقدسة، إذ رأى أصحابه في زهوٍ ينطقون بكلمات ضخمة في التعليم أجابهم قائلاً: "صحيح إنكم أنتم شعب، ومعكم تموت الحكمة" [2]. فمن يظن أنه يسمو على كل البشر في قدرة التعقل ماذا يفعل مثل هذا الإنسان سوى أنه يفتخر بأنه "الإنسان الوحيد"؟ غالبا ما يحدث أنه ينتفخ العقل بالكبرياء بتعالٍ محتقرًا كل البشر ويكون معجبًا بنفسه. فإن إطراء الإنسان لذاته ينبع عن الوهم في غباوة مغترًا بذاته، كمن هو وحده له الحكمة. يفكر في كل ما يقوله ويعتز بكل ما ينطق به، معجبًا بذاته ومستخفًا بكلمات الآخرين. إذن من يظن أنه وحده هو الحكيم بالحق ينحصر في ذاته الضيقة.

 البابا غريغوريوس (الكبير)

v     واضح أن الرسل الكذبة كان لديهم موهبة البلاغة التي نقصت بولس. ولكنه لا يعني شيئًا مادام جوهر الكرازة قائمًا، وتلقي ظلاً على مجد الصليب، فهذه (البلاغة) ليست إلا مظهرًا جذابًا[625].

v     هنا يتهم بولس المعلمين الكذبة ليس فقط أنهم يفتخرون بمبالغة، بل ويدعون أن لهم الفضل خلال أتعاب الآخرين[626].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     اخترع (الشيطان) الهرطقات والانشقاقات لكي يتلف الإيمان، ويفسد الحق، ويحطم الوحدة. وإذ يعجز عن أن يحفظنا في طرق الخطأ الجديد المظلمة يسحبنا إلى متاهة جديدة للخداع.

إنه يصطاد الناس بعيدًا عن الكنيسة نفسها، وإذ يظنون أنهم اقتربوا من النور وهربوا من ليل العالم يغمرهم في ظلمة جديدة وهم غير مدركين لها.

ومع أنهم لا يتمسكون بالإنجيل ونظام المسيح وناموسه يدعون أنهم في النور خلال مداهنات العدو المخادعة، هذا الذي يقول عنه الرسول أنه يغير نفسه إلى شبه ملاك نور ويزين خدامه  كخدام للبرَ.

يدعون الليل نهارًا، والموت خلاصًا، واليأس رجاءً، والخيانة أمانة، وضد المسيح المسيح، ويثبط الحق بالخداع بإبراز الحق بصورة كاذبة.

هذا هو ما يحدث يا إخوتي عندما لا نعود إلى ينبوع الحق، عندما لا نتطلع إلى الرأس ونحفظ التعليم الصادر من السماء[627].

القديس كبريانوس

غَيْرَ أَنَّهُ لِي فَهْمٌ مِثْلَكُمْ.

لَسْتُ أَنَا دُونَكُمْ.

وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِثْلُ هَذِهِ؟ [3]

لم يكن من قبيل الافتخار أن يقول لهم: "لي فهم مثلكم"، وإنما أراد منهم ألا يسقطوا في العجرفة، كأن معرفة الأسرار الإلهية خاصة بالنسبة لحكمة الله في عنايته بالخليقة وفى تعامله مع الأشرار والصالحين قاصرة عليهم دون سواهم. فهو ليس بأقل منهم في المعرفة، وربما كثيرون لهم ذات المعرفة.

غايته هنا أن يكتم كبرياءهم لا أن يفتخر بمعرفته ويتكبر. جاء في الترجمة السبعينية: "غير أن لي قلب مثلكم".

v     "غير أن لي قلب مثلكم" [3 LXX]. يقول: "إني أعرف كيف أفكر تمامًا مثلكم، علاوة على ذلك لي قلب إنسان مثلكم. لكنكم أنتم أظلمتم قلوبكم، أما أنا فجعلته مثمرًا بناموس الله. هذا هو السبب، بالرغم من أن لي قلب مثلكم، غير إني أراه، هذا الذي لا تقدرون أن تروه. فإني لا أدهش إن كنتم تسخرون بي.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "غير أنه لي فهم مثلكم، لست أنا دونكم" [3] من يجهل مدى عظمة الطوباوي أيوب وخبرته التي تفوق معرفة أصحابه؟ الآن لكي يصلح من كبريائهم يؤكد أنه ليس بأقل منهم، ولئلا يخطئ، فيتعدى حدود تواضعه احتفظ لنفسه بأنه أسمى منهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

ما أجمل أن يشعر الإنسان بشركة البشرية في التمتع بالعقل والفكر وأيضًا العواطف والقلب، كل حسبما وهبه الله لمجد الله وبنيان الإنسان وبنيان الجماعة. لكن الذي يميز الواحد عن الآخر تقديس ما قد تسلمه من يدي الله بعمل روح الله القدوس، وإضرام هذه العطايا بأمانة واجتهاد حسب مشيئة الله، هذا التقديس لن يتم قسرًا بغير إرادتنا، كما لا يتمتع به غير المتواضعين.

v     أعطى الله الطبيعة العاقلة نعمة حرية الإرادة، وأنعم على الإنسان بالقدرة على تحديد ما يريده حتى يسكن الصلاح في حياتنا، ليس قسرًا ولا لاإراديًا بل نتيجة للاختيار الحر. إن تمتعنا بحرية الإرادة يؤدى بنا إلى اكتشاف حقائق جلية. في طبيعة الأمور إذا ما أساء أحد استخدام مثل هذه الإرادة الحرة فإنه بحسب كلمات الرسول يصير مثل هذا الشخص مخترعًا لأعمال شريرة (رو 30:1). كل من هو من الله يُعد أخًا لنا، أما الذي يرفض الاشتراك في أعمال الصلاح يتم ذلك بكامل إرادته[628].

القديس غريغوريوس النيسي

v     ليعطنا الرب الإله نعمة التواضع التي تقتلع الإنسان من أمراض كثيرة وتحفظه من تجارب كثيرة[629].

الأب دورثيؤس من غزة

v     من يعرف وهن الطبيعة البشرية ينال خبرة قوة الله.

الأب مكسيموس المعترف

رَجُلاً سُخْرةً (أُضْحُوكَةٌ) لِصَاحِبِهِ صِرْتُ.

دَعَا اللهَ فَاسْتَجَابَهُ.

سُخْرةً (أُضْحُوكَة)ٌ هُوَ الصِّدِّيقُ الْكَامِلُ [4].

اكتشف أيوب أنهم يعاملونه بازدراء شديد، يحقرون من شأنه، ويدوسون عليه كما لو كان موضوع سخريتهم، أو تسليتهم عوض مساندته في جدية.

حقًا لقد جاءوا لتعزيته ونصحه، لكن أسلوبهم في النصح تحول إلى نقدٍ لاذعٍ، أساءوا إليه في محنته. وكان يمكن لأيوب أن يقبل هذا من أعداء شامتين فيه، أما أن يصدر عن أصدقاء أعزاء فيصعب احتماله. "لأنه ليس عدو يعيرني فأحتمل، ليس مبغضي تعظم عليَّ فاختبئ منه، بل أنت إنسان عديلي، أليفي وصديقي" (مز 55: 12-13)، وفي هذا كان أيوب رمزًا للسيد المسيح الذي قيل عنه: "ما هذه الجروح في يديك؟ فيقول هي التي جُرحت بها في بيت أحبائي" (زك 13:  6). أما ما زاد جرحه ليس فقط أنهم أصدقاؤه، وإنما هم شيوخ قادة للشعب ومتدينون. كان يود أن يصلوا من أجله لدى الله فيستجيب لهم، وإن يطلبوا المشورة من الله، فيقدموا كلمات تعزية من عند الله عوض التوبيخات المؤلمة للغاية. هذا هو نصيب الأنبياء والرسل وكل رجال الله وكل الصديقين أن يسخر منهم حتى من القريبين منهم.

v     كلما اقتنى القديسون حُبًا لله أعظم يحتملون من أجله كل شيء[630].

القديس أغسطينوس

v     "نعم يُسلم الصديق الكامل للسخرية" [4]. لا يسخر به كل أحدٍ، بل يسخر به الخطاة (حك 5: 3)، لا يسخر به العقلاء بل السكارى، فإن من عادة السكارى أن يسخروا بالعاقلين. هذه حقيقة فغالبًا ما يسخر الأطفال بالشيوخ. هكذا الخاطي يسخر بالصديق (إر 20: 7-8)، فإنهم يزرعون بدموعهم وآلامهم (مز 126: 5-6). لا يفكر الخاطي في الثمار القادمة وأن الصديق يعبر من الدموع إلى الفرح، ومن الألم إلى كرامة فائقة، وأن أحزان الصديق تبقى فقط إلى حين (2 كو 4: 17- 18).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     بينما يوبخ الأشرار نفوس الصالحين، يُظهرون من يوبخونهم بأنهم شهود عليهم. بينما النفس التي تئن تحصر نفسها في الصلاة، تتحد في داخلها لتسمع العلي، وذلك بذات العمل الذي تعاني منه من اعتداد الناس... لأن سخرية زملائه المخلوقين له تجعله قريب الله (صديقه)، هذا الذي براءته تجعله متغربًا عن شر زملائه المخلوقين...

إنها حكمة الأبرار التي تجعلهم لا يطلبون الظاهر في شيء، بل يدركون المعاني بالكلمات، يحبون الحق كما هو، متجنبين الزهو الباطل.

لا يمارسون الأعمال الصالحة ليحملوا شر (الكبرياء)، فيجدون فيه بهجة أكثر من بهجة ممارستها.

إنهم لا ينتقمون للضرر، حاسبين كل إهانة من أجل الحق مكسبًا!

لكن بساطة الأبرار هذه يضحك عليها (الأشرار) في استخفاف، فيحسب حكماء هذا العالم صلاح النقاوة جهالة. فإنه دون شك كل ما يمارس في براءة يحسبونه غباوة، وتبدو لهم ممارسة كل قوانين الحق ضعفًا بالنسبة للحكمة الجسدانية... أما بالنسبة للديان الخفي فمثل هذا (المتسم بالبراءة) مشرق بالفضائل، مملوء بهاء ينبع عن استحقاقات حياته. إنه يخشى أن يُكرم، لا ينقبض عندما يُحتقر، يدرب جسده بالعفة، خصب بالحب وحده في النفس... يتهلل عندما يُشتم، ويتحنن على المنكوبين من قلبه، ويفرح لنجاح الصالحين كأنه نجاح له. يتأمل بدقة مؤونة الكلمة المقدسة في القلب، وعندما يُمتحن يوجد بلا خبرة في إعطاء إجابة مزدوجة. إنه مصباح، لأنه يضيء في الداخل، يسخر منه لأنه لا يضيء في الخارج. في الداخل يتلألأ بلهيب الحب، وفي الخارج يشرق دون بهاء المجد (الباطل). إنه يُشرق ويُحتقر، هذا الذي يتلألأ بالفضيلة ويحسب محتقرًا.

هكذا كان القديس داود يتطلع إليه والده باستخفافٍ عندما رفض أن يقدمه أمام عيني صموئيل النبي، وذلك عندما قدم أبناءه السبعة لنوال عطية المسحة. وعندما سأله النبي إن كان قد جاء بكل أبنائه، أجابه في استخفاف: "بقي بعد الصغير، وهوذا يرعي الغنم" (1 صم 16: 11). وعندما أحضره وأُختير سمع الكلمات: "الإنسان ينظر إلى العينين، وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب" (1 صم 16: 7).

وأيضا الكارز البارع قلل من مجد رسوليته أمام أعين الناس، قائلاً: "ولا استخدمنا السلطان حين كنا مثقلين بكوننا رسل المسيح، بل جعلنا أنفسنا أطفالاً صغارا بينكم" (راجع 1 تس 2: 6-7).

البابا غريغوريوس (الكبير)

لِلْمُبْتَلِي هَوَانٌ فِي أَفْكَارِ الْمُطْمَئِنِّ،

مُهَيَّأٌ لِمَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ [5].

وردت في الترجمة الإنجليزية:

He that is ready to slip with his feet is as a lamp despised in the thought of him that is at ease. )Job 12:5 KJV)

كأنه يقول إن الذي تزل قدمه يسقط في المتاعب حتى وإن كان كسراجٍ فيما قبل. يُنظر إليه كسراجٍ انطفأ، وكفتيلة نلقيها على الأرض وندوسها بأقدامنا.

هذا ما يمرر نفس أيوب أن الذين في رخاء وشبع يحتقرون المجربين والمتألمين والجائعين.

v     "في الوقت المعين يكون مستعدًا أن يموت بضربات الغريب؛ يرى بيته يهدمه الأشرار" [5 LXX].

"في الوقت المعين"، أي نوع من الزمن؟ كما يعين الله الزمن، هذا الذي يغير الساعات والأزمنة حسب مشيئته، محركًا كل واحدٍ هنا وهناك.

إنه ذاك الذي يعرف حدود البشر المنغمسين في التجربة، وإلى أي مدى يمكنهم أن يحتملوا التجربة.

إنه يحدد وقتًا "ليموت بضربات الأعداء"، بمعنى أن الصديقين يُساء معاملتهم بواسطة الأشرار. بمعني سيعلن بأية معاملات يسيء الأشرار للصديقين، وكيف يعبرون حياتهم في رفاهية. أما بالنسبة للصديقين فمن الواضح كيف يعيشون في مثابرة (يع 5: 11)، وكيف يحتملون أحزانًا هنا على الأرض.

إنه ليس اعتباطًا يسمح الله للأشرار أن يدمروا بيوت الصديقين، لكنه لا يتخلى عن الأبرار، ولا يسمح بأمور فوق إمكانيتهم... فإنه لا يصيبهم أذى من هذا الدمار، لأن مساكن الحياة الحاضرة والخيام الأرضية تخرب (2 كو 5: 1-2)، حتى وإن لم تُسلب.

هذا إذن ما نؤمن به، أننا نختبر شيئًا من الدمار، ولكن نجد فيه ربحنا بكل وضوح. فإننا نتقبل المكافأة على المثابرة والجزاء على اهتمامنا، وعوض مسكننا الأرضي نرث مسكنًا سماويًا حيث نعيش فيه وسط الملائكة ورؤساء الملائكة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     المصباح المحتقر، الذي يخضع للسخرية على الأرض يتلألأ بحكم السماء. لهذا بحقٍ أضيف: "مهيأ في الزمن المحدد". بخصوص هذا الزمن يقول المرتل: "لأني أعين ميعادًا، أنا بالمستقيمات أقضي" (مز 75: 2). ويعلن الحق في الإنجيل: "لأن وقتي لم يكمل بعد" (يو 7: 6). ويقول بطرس: "الذي ينبغي أن السماء تقبله إلى أزمنة رد كل شيء" (أع 3: 21).

البابا غريغوريوس (الكبير)

يروي لنا القديس مار أفراهاط الحكيم الفارسي كيف تعثر أحد الحكماء في المسيحية بسبب شدة ما يعانيه المسيحيون من اضطهاد، دون تدخل الله لإنقاذهم، وماذا كان رد القديس عليه، حيث فدم أمثلة حية من العهد القديم موضحًا أن الله يسمح بالضيق لأحبائه لكي يتمجدوا في الوقت المعين.

v     حدث ذات يوم أن إنسانًا يدعي حكيمًا بين اليهود سألني: يسوع الذي يُدعي معلمكم، كتب أنه إن كان أحد منكم له إيمان مثل حبة خردل تقولون لهذا الجبل انتقل، فينتقل من أمامكم، ويرتفع ويسقط في البحر، وهو يطيعكم (مت 17: 19؛ 21: 22). وواضح أنه ليس في كل شعبكم حكيم واحد تُسمع صلاته، فيسأل الله أن يُبطل المضطهدين لكم. فمن البيَّن أن هذا كتُب لأجلكم: "ليس شيء غير مستطاع لديكم[631]".

v     وإذ رأيته يجدف وينطق ضد الطريق، اضطرب ذهني، وأدركت أنه لم يعرف تفسير الكلمات التي اقتبسها وقالها لي. عندئذ من جانبي سألته عن أقوال من الناموس والأنبياء، وقلت له: هل تثق أنه حتى عندما تشتتم فإن الله معكم؟... إذ قال لإسرائيل: "حتى في أراضي أعدائكم لا أنساكم، ولا أنكث ميثاقي معكم" (راجع لا 26: 44).

أجبته: "حسنًا، أسمع هذا منكم أن الله معكم. لكنني أنطق أيضًا بكلمات ضدكم"، إذ يقول النبي لإسرائيل كما من فم الله: "إذا جزت في البحر فأنا معك، وفي الأنهار فلا تغمرك. إذا مشيت في النار فلا تلدغ واللهب لا يُحرقك، لأني أنا الرب إلهك معك" (راجع إش 43: 2-3). هكذا أما يوجد حكيم واحد بينكم بار وصالح من كل الشعب حتى يعبر البحر ويحيا دون أن يغرق، ويجتاز النهر دون أن يغمره، ومن يقدر أن يسير على النار فلا يُلدغ، واللهيب لا يحرقه. وأن قدمت لي شرحًا لا أقبله منك، كما أنت لا تقبل تفسير الكلمات التي سألتني عنها[632].

v     كان يعقوب مُضطَهدًا، وعيسو مضطهِدًا. نال يعقوب البركات والبكورية، بينما حُرم عيسو من الاثنين[633].

v     كان يوسف مضطَهدًا، وكان إخوته هم المضطهِدِين. يوسف تمجد، ومضطِهدوه سجدوا له، فتحققتِ أحلامه ورؤياه.

كان يوسف المُضطَهد رمزًا ليسوع المُضطَهد.

يوسف ألبسه والده قميصًا بألوان كثيرة، ويسوع ألبسه أبوه جسدًا من البتول.

يوسف أحبه أبوه أكثر من إخوته، ويسوع هو العزيز المحبوب لدي أبيه.

رأي يوسف رؤى وحلم أحلامًا، وتحققت الرؤى والأنبياء في يسوع.

كان يوسف راعيًا مع إخوته، ويسوع هو رئيس الرعاة.

عندما أرسله أبوه ليفتقد إخوته رأوا يوسف قادمًا وخططوا لقتله، وعندما أرسل الآب يسوع ليفتقد إخوته قالوا: "هذا هو الوارث، هلم نقتله" (مت 21: 38).

ألقي إخوة يوسف أخاهم في الجب، ويسوع أنزله إخوته ليسكن بين الموتى.

يوسف صعد من الجب، ويسوع قام من بين الأموات[634].

v     أُضطهد موسى أيضًا كما أُضطهد يسوع.

حين وُلد موسى أخفوه من مضطهديه لئلا يقتلوه، وحين ولد يسوع هربوا به إلي مصر لكي لا يقتله هيردوس مضطهِده.

في الأيام التي وُلد فيها موسى كان يغرقون الأطفال في النهر، وعند ميلاد يسوع قُتل أطفال بيت لحم وما جاورها.

لموسى قال الله: "مات الرجال الذين يطلبون نفسك" (خر 4: 19). وليوسف قال الملاك في مصر: "قم وخذ الصبي وأمه وأذهب إلي أرض إسرائيل، لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي" (مت 2: 20).

أخرج موسى شعبه من خدمة فرعون، وخلّص يسوع الشعوب من خدمة الشيطان.

ترَّبي موسى في بيت فرعون، وتربي يسوع في مصر حين هرب به يوسف إلي هناك[635].

v     أُضطهد يشوع بن نون كما أُضطهد يسوع مخلصنا.

أُضطهد يشوع بن نون بواسطة الشعوب النجسة، وأضطهد يسوع مخلصنا بواسطة الشعب الجاهل.

أخذ يشوع بن نون الميراث من مضطهديه وأعطاه لشعبه، ويسوع مخلصنا أخذ الميراث من مضطهديه ووهبه لشعوبٍ غريبةٍ.

أوقف يشوع بن نون الشمس والقمر وانتقم من الشعوب التي اضطهدته، ويسوع مخلصنا جعل الشمس تغيب في وسط النهار، ليخزى الشعب المضطهِد الذي صلبه.

وزع يشوع بن نون الميراث على شعبه، ووعد يسوع مخلصنا أن يعطي الشعوب أرض الحياة[636].

v     هذه الذكريات التي أكتبها إليك يا عزيزي بخصوص يسوع الذي أُضطهِد، والأبرار الذين اُضطهِدوا هي من أجل الذين يُضطهدون اليوم من أجل يسوع المُضطهَد، فيستريحون. فقد كتب لنا وأراحنا بنفسه: "إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم أيضًا. يضطهدونكم لأنكم لستم من العالم كما أني أنا لست من العالم" (راجع يو 19:15، 20؛ 14:17)[637].

القديس مار أفراهاط الحكيم الفارسي

2. ليس بالضرورة يهلك الأشرار في العالم

خِيَامُ (اللصوص) الْمُخَرِّبِينَ مُسْتَرِيحَةٌ،

وَالَّذِينَ يُغِيظُونَ اللهَ مُطْمَئِنُّونَ،

الَّذِينَ يَأْتُونَ بِإِلَهِهِمْ فِي يَدِهِمْ! [6]

لا نعجب إن رأينا الأشرار إذ يعيشون في وسع وفيض، وتبدو حياتهم ناجحة لا ينقصهم شيء، يسخرون من المؤمنين المجربين، الذين يعانون من الضيق. إنهم كالعشب الذي يسخر بالاشجار في فصل الشتاء وقد زالت عنها الأوراق الخضراء وتبدو بلا حياة كأنها لن تثمر، ولا تصلح إلا كوقود للنار. لكن لكل شيئ زمن معين من قبل الله. فسرعان ما يجف العشب، ويأتي فصل الربيع فنرى العشب قد زال وربما حل غيره، أما الأشجار التي كانت تبدو جافة تحمل اوراقا وثمارا ولها جمال خاص. هكذا تطلع أيوب إلى أصحابه الذين جعلوه موضوع سخريتهم فتغني بالقول ان لكل شيء عند الله زمان.

اعترض أيوب على المبدأ الذي تمسك به أصدقاؤه وهو أن الأشرار لا يمكن أن يطول نجاحهم في العالم، بل حتمًا تحل بهم النكبات فجأة. وقرر أن الله له حكمته في تصرفه مع الناس، فقد يؤجل الجزاء أو العقاب للعالم الآخر. لهذا يقول إن خيام اللصوص أحيانًا تكون مزدهرة، يمارسون التجديف والعنف واضطهاد الغير ومع هذا فهم ناجحون. ولعله يشير هنا إلى السبئيين والكلدانيين الذين نهبوا ممتلكاته ومع هذا يبدو أنهم ناجحون.

ليس بالأمر الغريب أن الذين يمارسون الشر أشبه بلصوص متغطرسين لا يبالون بعلاقتهم بالله. يسلبون الغير بالغدر والخيانة، ولا يخشون أي ضرر يحل بهم.

v     "مع هذا ليت الأشرار لا يتوقعون خروجهم دون عقاب" [6 LXX]. ليته لا يخطئ أحد في تقدير طول أناة الله، أو يفشل في وضع الدينونة القادمة في اعتباره.

ليته لا يعتقد أحد أن الديان العادل يترك أعمال الأشرار دون تأديب.

ليتعلم درسًا من الأحكام التي حلت بفرعون (خر 14: 4) ونبوخذنصر (إر 5: 57) وإيزابل (2 مل 9: 7-10)، والعمالقة (باروخ 3: 27-28) وبني قورح (عد 16: 31)، وجماعة داثان (عد 26: 9-10) ومدينتي سدوم وعمورة (تك 19: 24-25)، وكل بقية الأمم. فإن التطلع إلى هذه الأمم الشريرة وكيف استخفوا بطول أناة الله يجعلنا نقف قليلاً، ونخشى العقوبة التي قد تحل بمثلهم.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

كثيرًا ما يطمئننا القدّيس أغسطينوس أنه وإن وُجدت الحنطة مختلطة بالتبن في هذا العالم دون أن يُحرق التبن، فإن هذا لن يؤذي الحنطة ولا يفقدها إكليلها، فسيأتي الوقت لعزلها عن التبن حيث يحرق التبن في النار.

v     هذا التبن لا يُهلك من هم حنطة الرب، والذين هم قليلون إن قورنوا بالآخرين، لكنهم هم جمع عظيم. لا يهلك مختارو الله الذين يُجمعون من أقاصي العالم، من أربعة رياح، من أقصى السماء إلى أقصاها (مت 24: 31). يصرخ المختارون قائلين: "خلِّص يا رب، لأنه قد انقرض التقي، لأنه قد انقطع الأمناء من بني البشر" (مز 12: 1). فيقول لهم الرب: "من يصبر إلى المنتهى (حيث يُقيد الشرّ) فهذا يخلُص" (مت 24: 13)[638].]

القدّيس أغسطينوس

          ليس لنا أن ندين ونفرز الحنطة عن الزوان، والأواني التي للكرامة عن التي للهوان، وإنما يليق بنا أيضًا أن نطمئن أن الحنطة لا تُُهمَل من الله بسبب الزوان، ولا الأواني المُكَّرَمة تفقد كرامتها بسبب التي للهوان، إذ يقول الرسول: "يعلم الرب الذين هم له".

v     ليس من أجل التبن تهلك الحنطة (مت ٣: ١٢)، ولا من أجل السمك الرديء، لا يؤخذ في الأوعية شيء من الشبكة (مت ١٣: ٤٧)... لقد سبق فعيننا قبل أن نُولد، واعدًا إيانا بيقين: "الذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضًا، والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضًا، والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضًا" (رو ٨: ٣٠)[639].] كما يقول: [حتى إن كانت البذار مختفية في التبن لكنها معروفة لدى صاحب الحقل. لا يخف أحد متى كان بذرة، حتى وإن كان وسط تبن، فإن عيني الذي يذرينا لا تنخدعان[640].]

القدّيس أغسطينوس

فَاسْأَلِ الْبَهَائِمَ فَتُعَلِّمَكَ،

وَطُيُورَ السَّمَاءِ فَتُخْبِرَكَ [7].

يظهر أيوب ما حسبه هؤلاء الثلاثة حكمة يفتخرون بها ليست إلا معرفة طبيعية تعٌَلم بها كل الخليقة، حتى البهائم وطيور السماء.

v     يقول: اسأل حتى الذين بلا نطق (أي 12: 7)، فقد تنقصهم اللغة، لكنهم يشيرون بطريق طبيعي، إذ يعرفون خالقهم، ويعترفون بأنه صانعهم، وأنه سرّ وجودهم. الآن اسأل البهائم بأمر منْ تكلم حمار بلعام (عد 22: 26)؟ هكذا اسأل طيور السماء: لماذا قاتَ الغربان إيليا (1 مل 17: 4-6)؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     إذا كنت في حدود الليل تتأمَّل الجمال الأخَّاذ الذي للنجوم. فإنك ترى الفنَّان الذي صمَّمها وزيَّن السماء بهذه الورود. إذ كنت في الصباح المبكِّر، تتعلَّم عن عجائب النهار، وخلال الأشياء المنظورة تصل إلى غير المنظور.

v     إذا كنت في حدود الليل تتأمَّل الجمال الأخَّاذ الذي للنجوم. فإنك ترى الفنَّان الذي صمَّمها وزيَّن السماء بهذه الورود. إذ كنت في الصباح المبكِّر، تتعلَّم عن عجائب النهار، وخلال الأشياء المنظورة تصل إلى غير المنظور.

v     ليكن بهاء هذه الأشياء المنظورة مدعاة لنا لفهم غير المنظور والذي هو فوق كل جمال أرضي. ولترفعنا روعة هذه المحسوسات المحدودة إلى إدراك سمو من هو سرمدي غير محدود ذو جبروت يتخطى مدارك عقولنا وإفهامنا[641].

v     هل عبر اليوم؟ أشكر ذاك الذي قدم لنا الشمس لخدمة عملنا النهاري، ويهبنا نارًا لكي تنير الليل وتخدم احتياجاتنا الأخرى في الحياة. ليت الليل أيضًا يوحي لنا بما يدفعنا للصلاة.

عندما تتطلع إلى السماء وترى جمال النجوم صلِّ إلى رب كل الأشياء المنظورة، خالق المسكونة الذي بحكمة صنع الكل (مز 104 :24).

وعندما ترى كل الطبيعة تغُط في النوم، مرة أخرى أسجد لذاك الذي حتى بغير إرادتنا يعتقنا من ضغط العمل المستمر، وبفترة راحة صغيرة يردنا مرة أخرى إلي نشاط قوتنا.

لا تسمح لليل بأكمله إن يكون للنوِم لا تسمح لنصف عمرك أن ينقضي بلا فائدة في نوم ببلادة وسباتٍ. بل قسم وقت الليل بين النوم والصلاة. وليكن نومك الخفيف ذاته تداريب للتقوى. فإن أحلامنا أثناء النوم غالبًا ما تكون انعكاسات لأفكارنا في النهار[642].

القديس باسيليوس الكبير

أَوْ كَلِّمِ الأَرْضَ فَتُعَلِّمَكَ،

وَيُحَدِّثَكَ سَمَكُ الْبَحْرِ [8].

كل الخلائق غير الناطقة تشهد أن الكبير يلتهم الصغير كالسمك، والقوى يفترس الصغير كالحيوانات المفترسة. لو لم تدخل الخطية لما حدث هذا كله، إنما "الذئب والخروف يسكنان معًا" (إش 11: 6).

v     من يقدر أن يعرف كيفية الولادة الأزلية؟ الآب الذي ولد ليس بطريقة يمكن لإنسان أن يفهمها بل يقدر وحده أن يفهمها.

فإننا نعرف ألاّ نخبر عن الطريقة التي ولده بها، بل نصر أنها ليست بهذه الكيفية وليس فقط نحن نجهل مولد الابن من الآب، بل نجهل حتى كل طبيعة مخلوقة.

"أو كلم الأرض فتعلمك" (أي 12: 8). وبالرغم من إنك تسأل كل الأشياء التي على الأرض، فإنها تعجز عن أن تخبرك. لأن الأرض لا تقدر أن تخبر عن جوهر الذي شكَّلها كخزاف وصنعها. وليس فقط الأرض بل الشمس أيضًا... والسماء أيضًا لا تعلن ذلك... ولا سماء السماوات[643].

القديس كيرلس الأورشليمي

v     "اسأل سمك البحر" من الذي أمر الحوت ليبتلع يونان (يونان 2: 1 الخ)؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     توجد أسماك رُحَّل، كأنها تهاجر بقرار جماعي، بإشارة خاصة إلى مناطق غريبة. فإذا جاء موعد تكاثرها، رحلت، هذه من خليج، وتلك من آخر، تدفعها سُنة طبيعيَّة عامة، مسرعة إلى البحر الأسود. فترى هذه الأسماك، إبّان رحيلها، كالسيل يتدفق في البسفور نحو البحر الأسود. من حركها؟ وأين الملك الذي يرأسها؟ والأوامر التي عُلقت في الساحات العامة، وعينت موعد السفر؟ وأين القادة؟ إنك لترى العناية الإلهيَّة تتمم كل شيء، وتعتني بأدنى الخلق. فالسمك لا يقاوم سُنة الله، أما نحن البشر فإنَّنا نخالف تعاليمه.

فلا تحتقر الأسماك لأنها خرساء وغير ناطقة، وخف أن تكون أقلّ تعقُّلاً منها حينما تخالف أوامر خالقك.

استمع إلى الأسماك، لا ينقصها غير النطق، وسلوكها يقول لك: إن حفظ الجنس يحملها على مباشرة هذا السفر الطويل. ليس عندها إدراك، بل شريعة طبيعيَّة راسخة كل الرسوخ في غريزتها تدفعها إلى ما يجب أن تعمل. فتقول: هلم بنا إلى البحر الأسود... إن ماءه أعذب من ماء سواه، والشمس فوقه أقل حرارة فلا تمتص ماءه الحلو كله، لهذا يصعد السمك في الأنهار ويبعد عن البحار، ويفضِّل البحر الأسود ليستقبل ويربِّي فيه صغاره، ومتى قضى هناك مأربه، عاد جميعًا أدراجه، لماذا؟ كأنه بمسلكه يقول لنا: "البحر الأسود قليل الأعماق، عرضة للعواصف العنيفة، قليل الملاجئ، وكثيرًا ما تقلبه الرياح الهوجاء رأسًا على عقب، وتعكِّره أكوام من الرمال. وهو فوق ذلك بارد شتاءً، لما يصب فيه من الأنهار العظيمة"، فيهجره السمك، بعد ما أفاد منه صيفًا، ويعجِّل العودة إلى دفء المياه العميقة، والمناطق التي بها دفء الشمس، فيستريح في بحر هادئ بعيدًا عن ريح الشمال العاتية.

لقد رأيت هذا المشهد وأُعجبت بحكمة الله الشاملة.

فإذا كانت البهائم فاقدة النطق تخضع لغرائز كامنة، وتعرف كيف تتدارك أمور معاشها، وإذا كان السمك يعرف ما يجب أن يختار وما يجب أن يجتنب، فماذا نقول نحن، وقد تشرَّفنا بطبيعة عاقلة، وتثقَّفنا بالشريعة، ودُعينا بالمواعيد الإلهيَّة وتشرَّبنا الحكمة بالروح القدس، فهل ندبِّر شؤوننا تدبيرًا دون الأسماك تعقلاً؟

أتعلم هي أن تتدارك بعض الأمور قبل وقوعها، ونحن بخلافها نكاد لا نكترث، ونفني عمرنا في الملذَّات البهيميَّة.

تقطع السمكة البحار كلها بحثًا عن بعض منافعها، وأنت ماذا تقول، إذا كنت تعيش في التواني والكسل؟ فلا يحتج أحد بالجهل فإن فينا ذهنًا طبيعيًا يبيِّن لنا لياقة الخير وينفّرنا من الأفعال المضرَّة[644].

القديس باسيليوس الكبير

مَنْ لاَ يَعْلَمُ مِنْ كُلِّ هَؤُلاَءِ أَنَّ يَدَ الرَّبِّ صَنَعَتْ هَذَا! [9]

كل كائن عاقل أو حتى غير عاقل، يمكنه أن يدرك أن الله خالقه، وأنه هو الذي يعوله.

الَّذِي بِيَدِهِ نَفَسُ كُلِّ حَيٍّ،

وَرُوحُ كُلِّ الْبَشَرِ [10].

v     "أليست حياة كل حي في يده؟" لماذا كل صغار الغربان تدعوه (مز 147: 9)؟

لماذا تطلب الأشبال الطعام من الله (مز 104: 21)؟

إن كانت هذه الخلائق تضع في اعتبارها خالقها، فكم يليق بنا نحن الذين جاء بنا إلى الوجود؟! نحن الذين نجهل أن "روح كل بشر" في يد الله، هذا الذي من البدء نفخ فينا نسمة حياة (تك 2: 7). لقد أظهر ذلك داود في أغانيه النبوية: "تأخذ نسمتهم فيعودون إلى ترابهم" (مز 104: 29).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     تشير "اليد" إلى "القوة"... إنه يمنح النفس القوة لتهب حياة للجسد، ومن الجانب الآخر يحيي النفس إلى درجة نوالها فهم الأبدية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     ليس كائن ما يُعزى وجوده إلى ذاته. أنت وحدك لم تنل وجودك من آخر. كلنا - أي كل الخليقة - لم تكن كائنة قبل خلقتها. علة وجودنا هي مشيئة الخالق[645].

v     حقيقة وجودنا ليس ثمرة استحقاق أعمالنا، إنما هي نعمة من قبل خالقنا[646].

v     (بخصوص الخليقة العاقلة) أيا كان الصلاح الموجود فيها فهو ليس صلاحًا بالطبيعة، إنما هو عطية خيِّرة من قبل خالقها... فقد وهبها الخالق العقل، وأعطاها حرية الحركة بإرادة حرة، لكي يحسب الخير الذي فيها كأنه خيرها، وذلك باحتفاظها بالإرادة الحرة[647].

v     ليس أحد - سواء كان يهوديًا أو أمميًا - خالٍ من هذا الناموس الذي في البشر بالطبيعة. فقد أعطى الله الإنسان كل المشاعر والأحاسيس التي يستطيع بها أن يصارع لأجل بقائه في الفضيلة ونموه فيها. بجانب هذا غرس الله فيه قوة العقل، به يدرك ماذا ينبغي أن يفعل وماذا يتجنب. وهب الله هذا للجميع على حد سواء[648].

العلامة أوريجينوس

أَفَلَيْسَتِ الأُذُنُ تَمْتَحِنُ الأَقْوَالَ،

كَمَا أَنَّ الْحَنَكَ يَسْتَطْعِمُ طَعَامَهُ؟ [11]

يليق بالأذن ألا تصدق كل ما تسمعه، بل تميز بين الحق والباطل، كما يميز الفم بين الحلو والمر. وإن كانت الأذن كما الفم يلزمها تمييز ما يُعرض عليها سواء الاستماع أو الطعام، أفلا يليق بالإنسان أن يحمل روح التمييز ليعرف التعاليم الصادقة من غير السليمة (1 كو 10: 15؛ 11: 13)؟

v     لا يتحدث عن أذن الجسم، بل أذن الروح. فبالآذان الجسدية نسمح أصوات الكلمات، أما بالآذان الداخلية فنميز الفكر والكلمات. كذلك "الحنك (خاصة التذوق) يستطعم الطعام" بمعني أن يقدره بالنسبة للذته. هكذا فإن حنك الروح يميز فائدته.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "فإن العقل nous يميز الكلمات"... إن كان الله يعطينا الحنك لنميز تذوق الطعام، فإنه يهبنا أيضًا العقل لنأخذ قرارتنا، ويسمح لنا الزمن أن نطلب الفهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     يوجد قاضٍ واحد يشرف على الداخل، أي قدرة التمييز التي للعقل، ولكن خلال طرق لائقة تحفظ الحواس الخمس متمايزة. يصنع الله عجائب، فلا تقدر العين أن تسمع، ولا الأذن أن ترى، ولا الفم أن يشم، ولا الأنف أن تتذوق، ولا الأيدي أن تشم. بينما كل هذه تعمل خلال قوى العقل الواحدة، غير أنه لا تستطيع حاسة ما أن تمارس غير ما قد عينه الخالق لها. وهكذا خلال هذه التدابير الجسمانية الخارجية، يترك لنا أن نجمعها في الداخل بطريقة روحية...

 بينما توجد حكمة واحدة تسكن في إنسانٍ أقل مما في آخر... إلا أنها في ذاتها لا تحمل اختلافات فيما بينها، لكن بواسطتها نمارس عمليات متباينة مختلفة، فواحد ينال عطية حكمة، وآخر عطية معرفة، وآخر ألسنة، وآخر موهبة شفاء...

يدين الطوباوي أيوب عدم خبرة أصحابه، ووقاحة كل من ينتفخ مدعيًا أنه قد تعلم في الحكمة. فإن معرفة شيءٍ ما عن الله شيء، وتذوق ما تعرفه بفهمٍ شيء آخر.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لا توجد فضيلة واحدة يمكننا أن نحصل عليها بمجهودنا البشري ما لم تعيننا النعمة الإلهية. ونحن نرى في الكتاب المقدس أن التمييز حُسب ضمن مواهب الروح، إذ يقول الرسول: "فإنه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ولآخر كلام بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمان بالروح الواحد، ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد... ولآخر تمييز الأرواح"...

لقد رأيتم إذن كيف أن موهبة التمييز ليست موهبة أرضية، ولا هي بالأمر الهيّن ، إنما هي عطية عظمى تهبها النعمة الإلهية. إن لم يسعَ الإنسان[649] بكل حماس نحو التمييز... حتمًا يخطئ ويصير كمن هو في ظلمة الليل وحلكة الظلام، ولا يسقط فقط في الأشراك والأهواء بل ويخطئ حتى في الأمور السهلة...

يعلم التمييز أن يسير الإنسان في الطريق الملوكي، من غير أن يسمح له بالتطرف اليميني في الفضيلة، أي المغالاة وتجاوز حدود الاعتدال في جسارة ووقاحة، كما لا يسمح له بالكسل...

هذا هو التمييز الذي يعبر عنه الكتاب المقدس بـ "العين" أو "نور الجسد"، وذلك كقول المخلص: "سراج الجسد هو العين. فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرًا. وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلمًا.." (مت 22:6، 23). لأنها هي التي تميز كل الأفكار والأعمال، وترى كل شيء وتراقب ما سيحدث.

فإذا كانت عين الإنسان "شريرة" أي غير محصنة بصوت الحكمة والمعرفة، مخدوعة ببعض الأخطاء والعجرفة (في العبادة)، فإنها تجعل جسدنا "كله يكون مظلمًا". تظلم عقولنا وتصير أعمالنا في ظلام الرذيلة ودجى الاضطرابات، وإذ يقول: "فإن كان النور الذي فيك ظلامًا فالظلام كم يكون؟!" (مت 23:6).

فلا يستطيع أحد أن يشك في أنه متى كان "الحكم في الأمور" في القلب خاطئًا، أي كان القلب مملوء جهلاً، تكون أفكارنا وأعمالنا، التي هي ثمرة التمييز والتأمل، في ظلام الخطية العظمى[650].

الأب موسى

3. حكمة الله وسلطانه

عِنْدَ الشَّيْبِ حِكْمَةٌ وَطُولُ الأَيَّامِ فَهْمٌ [12].

لا يستطيع أحد أن ينكر تمتع البعض بالحكمة هذه التي ينالونها مع خبرة السنين وطول الأيام. "ما أجمل الحكمة للشيوخ والرأي والمشورة لأرباب المجد" (سيراخ 25: 7).

قد تكون لهم الحكمة والإدراك والفهم للأمور لكنهم يعجزون عن تنفيذ حكمتهم، أما الله فكلي الحكمة والقدرة.

ربما أراد أيوب أن يعلن لهم أنهم قد تسرعوا في الحكم عليه لأنهم رأوه بسقط في تجارب كثيرة، وكان يليق بهم أن ينتظروا مدة من الزمن لكي في حكمة صادقة يروا ما وراء التجارب.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم على لسان أيوب: [ألعلنا إذ نعرف هذا الكثير نظن إننا نعرف كل شيء؟ أنا أعلم أن الأشرار يعاقبون، لكنكم ترون أنه بالرغم من برِّي أنا أيضا أعاقب. أضف إلى هذا، هل يحتاج الأمر إلى وقت لكي تفهموا عن أمر له أمثلة كثيرة متشابهة؟ ألا ترون كيف يقدم الكتاب المقدس عمق الخبرة؟ ماذا اقتنى القدماء بخبرة الأحداث بالتفصيل، وأنتم الأصغر منهم تقدمون تشكرات كثيرة لذاك الذي يعدد الأحداث. لقد حدثت لهم أحزان كثيرة ومن جوانب متعددة وأنتم أيضًا إن بحثتم في الأسفار المقدسة باهتمام شديد ترون الكثير منهم (قد دخلوا في ضيقات). هذا هو السبب لقول احدهم: "لتكن راغبًا في سماع مقالٍ صالحٍ"، وفي موضع آخر يقول: "لا تحتقر مقال القدامى"... فإن هؤلاء بالحق ملتحقون بمدرسة آبائهم" (ابن سيراخ 6: 35، 8: 8-9). إنكم لستم محتاجون إلى زمن، فإن كان الله نفسه يرغب أن يهبكم إياها، فلستم في حاجة إلى زمن.]

v     "الحكمة عند الشيب، والفهم بطول الأيام" [12]. ذلك لأن الحكمة نقتنيها بالدراسة، والتعلم يغرس في الذهن بدروس البشر. أما بالنسبة لله فالأمر على غير ذلك، لأنه هو نفسه الحكمة في شخصه، وهو الذي يعلم دروس الحكمة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     هذه الأقوال تثبت جذور الحكمة، فباستمرار الحياة تتقوى الحكمة وذلك بممارسة الأعمال. ولكن إذ يوجد كثيرون قد وُهب لهم طول الحياة، ولم توهب لهم الحكمة، لذا يظهر بلياقةٍ من له القرار لتقديم هذه الهبات، قائلا: "به الحكمة والقدرة، له المشورة والفهم".

البابا غريغوريوس (الكبير)

عِنْدَهُ الْحِكْمَةُ وَالْقُدْرَةُ.

لَهُ الْمَشُورَةُ وَالْفِطْنَةُ [13].

الله كلي الحكمة وحده يدرك كل الأمور وقادر أن يتمم إرادته لأنه كلي القدرة أيضًا. ليس من مقارنة بين حكمة الشيوخ مع حكمة الله.

"هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك ولا ترذلني من بين بنيك" (الحكمة 9: 4).

"على أنه إن كان في بني البشر أحد كامل، فما لم تكن معه الحكمة التي منك لا يحسب شيئًا" (الحكمة 9: 6).

"إن معك الحكمة العليمة بأعمالك و التي كانت حاضرة اذ صنعت العالم و هي عارفة ما المرضي في عينيك والمستقيم في وصاياك" (الحكمة 9: 9)

"ينبوع الحكمة كلمة الله في العلى، ومسالكها الوصايا الأزلية" (سيراخ 1: 5).

v     "عنده الحكمة والقوة، به المشورة والفهم" [13]. لم يتكلم أيوب تمامًا دون تقديم شهادة، ولا بدون دفاع (عن رأيه)، إنما يسند كلماته بشهادة المخلوقات، فإن جمال العناصر المنظورة تعلن عن حكمة الله وقوته العظيمة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     يتمجد عمل الآب الذي يعم كل الوجود ويعظم جدًا عندما يتقدم كل إنسانٍ ويبلغ أعلى قامات النمو خلال الشركة مع المسيح "الحكمة" و"المعرفة" و"القداسة".

يتحقق ذات الأمر عندما يتقدس الإنسان ويتطهر ويبلغ أعلى درجات الكمال خلال شركة الروح القدس، ومن ثم يصير أكثر استحقاقًا لنوال نعمة الحكمة والمعرفة، حتى تزال عنه كل أدران الدنس والجهل، فيبلغ هذا التقدم بكمال وفي نقاوة. بهذا تكون الحياة التي نالها من الله جديرة بالله، الذي يقصد لها أن تكون طاهرة وكاملة. فيستحق المخلوق لهذه الحياة (المقدسة) (ويكون على مثال الخالق)؛ لأن الإنسان بهذه الطريقة التي يريدها له الخالق ينال منه القوة على الوجود أبديًا...[651]

v     يهتم (الله) بالنفس [أي موضع القدرات والمشاعر والأحاسيس[ في كل إنسانٍ، ليكون عاقلاً، وينال المعرفة، ويعمل ذكاؤه بشكلٍ لائقٍ وسط حياة الجسد، فتصير مشاعره وإدراكاته (عب 5: 14) صالحة[652].

العلامة أوريجينوس

هُوَذَا يَهْدِمُ فَلاَ يُبْنَى.

يُغْلِقُ عَلَى إِنْسَانٍ فَلاَ يُفْتَحُ [14].

من يقتنِ الله يتمتع بحكمته وقدرته عاملتين فيه، أما من يقاوم حكمة الله بحكمته البشرية، لن يلحق به إلا الحماقة. تُهدم حياته بسماح إلهي، وليس من يقدر أن يبنيه. يرجع بنا أيوب إلى عصر إقامة برج بابل حيث اتكل الإنسان على حكمته وقدرته، وظن أنه قادر على مقاومة الله. هؤلاء ظنوا أنهم قادرون على بناء برج في السماء، لكنهم فشلوا وتشتت طاقتهم. وهوذا خراب سدوم وعمورة يشهد بفشل مقاومة الله.

يغلق الله بالسماح بمرضٍ أو كارثةٍ أو يسمح للإنسان بالموت، فيدخل القبر ولا يخرج منه. عندما يغلق على الأشرار في جهنم من يقدر أن يصعدهم من هناك؟

حينما يصر الإنسان على أن يغلق قلبه على ممارسة خطية ولا يفتحه ليتقبل نعمة الله ومساندته تبقى الخطية حبيسة قلبه، تملك عليه وتقوده وهي في سجن القلب المغلق، كما حدث مع فرعون الذي رفض بقلبه أن ينصت لصوت الله خلال الضربات ومع وعوده بفمه المخادع، كان يضمر في قلبه العنف والمقاومة لعمل الله، لذا قيل: "ولكني أقسي قلب فرعون" (خر 7: 3)، وذلك بتركه حبيسًا لشره وعنفه.

يقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) مثلا آخر لمن صار قلبه مغلقًا، وهو عيسو، فقد أغلق قلبه بإرادته وذلك بشره واستهتاره حتى باع بكوريته بأكلة عدس، قائلاً: "أنا ماض إلى الموت، فلماذا لي البكورية؟" (تك 25: 32). احتقر عيسو البكورية، ولم يقدم توبة عن ذلك ولا عن شروره فانغلق قلبه على شره، وقد أراد والده أن يفتح هذا الباب ليهبه البركة قبل أن يموت (تك 27: 4)، لكن الرب رفض هذا الابن لأنه لم يتب، وقدم الأب البركة للابن الأصغر بغير إرادته. لقد صرخ عيسو صرخة عظيمة لم تصدر عن نفسٍ متواضعةٍ منسحقةٍ، فصارت توبته كلا شيء، عاجزة عن جذب نعمة الله لفتح قلبه.

v     الله القدير يهدم قلب الإنسان عندما يتخلى عنه، ويبنيه عندما يملأه، فإنه لا يهدم نفس الإنسان بالدخول في حرب بل بانسحابه منه. عندما يترك القلب لذاته ينصرف إلى لا شيء، بل إلى هدمه لذلك عندما يحدث أن قلب السامع لا يمتلئ بنعمة الله القدير، بسبب خطاياه باطلاً يقدم الكارز من الخارج نصائحه له. فيكون كل فمٍ يتكلم منه كأنه أبكم، إن لم ينطق الله بصوتٍ في القلب من الداخل، ذاك الذي يوحي بالكلمات التي تُقدم للأذن. هكذا يقول النبي: "إن لم يبن الرب البيت باطلاً يتعب البناؤون" (مز 127: 1). يقول سليمان: "أنظر عمل الله، لأنه من يقدر على تقويم من عوجه؟!" (جا 7: 13)...

استطاع قايين أن يتمتع بالنصائح صادرة عن صوت الله، ومع هذا لم يقدر أن يتغير. بسبب خطية قلبه الشرير في الداخل تركه الله، مع أنه وجه إليه كلمات من الخارج لتحمل شهادة عليه.

حسنا أضاف: "يغلق على إنسان فلا يفتح" [14]" فكل إنسان متى مارس الخطأ في كل طرقه ماذا يفعل سوى أن يجعل من نفسه سجنًا لضم يره؟ الشعور بالإثم في النفس قد يضغط عليه حتى وإن لم يتهمه أحد من الخارج. وإذا ترك في عمى قلبه الشرير بحكم من الله يكون كمن أغلق على ذاته، فلا يجد موضعًا للهروب، ولا يستحق أن يجد موضعًا هكذا. فكثيرًا ما يحدث أن أشخاصًا يشتاقون إلى ترك عاداتهم الشريرة ولكن لأنهم إذ تثقلوا حتى الأرض بسبب حملهم يغلقون على العادة الشريرة في السجن ولا يستطيعون أن يخرجوا هم من أنفسهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     نتعلم من هذا (مز 127: 1) أنه ليس لأن الله هو الذي يبني يجلس الإنسان خاملاً فإن الله يبني له البيت. وإنما لأنه يعمل ويهتم قدر إمكانياته البشرية، لكن الله يزيل كل العقبات ويتمم العمل. هكذا يدعي الإنسان للعمل قدر ما يستطيع في جدية، لكن الله هو الذي يكلل العمل بالنجاح. لهذا يليق بالإنسان بحقٍ وفي تقوى أن يترك إتمام عمله لله، وليس لإنسانٍ بشري آخر. على هذا بولس غرس وأبولس سقى والله هو الذي كان ينمي، إذ ليس الغارس شيئاً ولا الساقي بل الله الذي ينمي (1 كو 3: 6-7). بنفس الطريقة يمكننا القول أن هذا يعتمد لا حسب مشيئة إنسان أو جهاده إنما على مراحم الله[653].

العلامة أوريجينوس

v     "لا نقدر أن نجري في طريق الله إلا محمولين على أجنحة الروح[654]".

v     "بمعونة الله نحن نفعل الخير الذي نمارسه[655]".

v     "ليس أقوى من الذي يتمتع بالعون السماوي، كما أنه ليس أضعف من الذي يحرم منه[656]".

v     "لنكن أقوى من الجميع، متمثلين ببولس وبطرس ويعقوب ويوحنا، فانه ان غاب عنا عون الله لا نقدر أن نقاوم أتفه إغراء[657]".

v     "لا نخشى شيئا، فإننا لكي نقهر الشيطان يلزمنا أن نعرف أن مهارتنا لن تفيد شيئا، وأن كل شيء هو من نعمة الله[658]".

v     "الذين يعاقبون، فمن أجل العدالة، أما الذين يكللون، فمن أجل النعمة. فلو أنهم مارسوا ألف عمل صالح، إنما يتمتعوسن بالسماء والملكوت مقابل هذه الأعمال الصغيرة لأجل حرية النعمة، فيرتفعون إلى ما لا يقاس[659]".

القديس يوحنا الذهبي الفم

يَمْنَعُ الْمِيَاهَ فَتَيْبَسُ.

يُطْلِقُهَا فَتَقْلِبُ الأَرْضَ [15].

في يد الله الأمطار، إن منعها تيبس الأرض وتنعدم ثمارها (أي 4: 7). وإن سمح لها بفيض ففيض المطر الجارف يفسد محاصيل الأرض وتنهار المباني. ربما يشير هنا إلى طوفان نوح فغرقت الأرض.

v     إن أغلق السماء من يفتحها؟ وإن فتح ميازيب الطوفان من يغلقها؟ من يقدر أن يزيد من المطر أو يمسكه عن السقوط بقدرٍ كافٍ، إلا الذي يدير الكون بمقياسه وموازينه؟[660]

 القديس غريغوريوس النزينزي

v     إن فهمت "المياه" أنها للمعرفة للكرازة، كما كُتب: "كلمات فم الإنسان مياه عميقة، نبع الحكمة نهر متدفق" (أم 18: 4)، فعندما تُمنع المياه، يصير كل شيءٍ يابسًا، هذا يعني عندما تمنع معرفة الكارز تيبس قلوب أولئك الذين كان يجب أن تنتعش بالرجاء في الأبدية. قد يبقوا في عقم عدم الرجاء، وذلك بمحبتهم للزمنيات...

وإن كان تعبير "المياه" يشير إلى عطية الروح القدس كما قال صوت الحق في الإنجيل: "من آمن بي، كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهار ماء حي"، مضيفًا: "قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه" (يو 7: 38-39)... فإن الروح القدس إذ يُمنع عن ذهن السامع يصير الحس في الحال يابسًا، هذا الذي كان خلال الرجاء يبدو أخضر في السامع.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [عندما كان بولس في طريقه إلى دمشق، مسلحًا برسائل ضد المسيح، ارتوى في رحلته بنعمة الروح القدس، فتغير للحال من نيته لسفك الدماء؛ وتقبل بعد ذلك الضربات لأجل المسيح هذه التي في رحلته كان يود أن يصبها على المسيحيين. هذا الذي كان قبلاً - وهو سالك حسب الجسد - يكافح ليسلم قديسي الرب للموت، صار يتهلل أن يقدم ذبيحة جسده من أجل حياة القديسين. هذا الذي كان باردًا يهدف نحو القسوة قد تحول إلى دفء الحنو، والذي كان قبلاً مجدفًا ومضطهدًا صار كارزًا متواضعًا ومملوء حنوًا. ذاك الذي كان يحسب ذبحه للمسيح في تلاميذه مكسبًا عظيمًا، الآن يتمسك بالمسيح ليكون حياته، حاسبًا موته ربحًا" (في 1: 21). هكذا "يطلق المياه، فتقلب الأرض" [15]، وذلك في ذهن بولس، في اللحظة التي فيها نال نعمة الروح القدس حيث غيرت ثبات عناده وقسوته.]

v     لقد أنجبت المياه الأولي حياة، لا يتعجب أحد إن كانت المياه في المعمودية أيضًا تقدر أن تهب حياة.

v     كان روح الله محمولاً على المياه هذا الذي يعيد خلقة من يعتمد. كان القدوس محمولاً على المياه المقدسة، أو بالحري على المياه التي تتقبل منه القداسة. بهذا تقدست المياه بالروح وتقبلت إمكانية التقديس. هذا هو السبب الذي لأجله إذ كانت المياه هي العنصر الأوّلي (للخلقة) حصلت على سرّ التقديس خلال التوسل لله[661].

 العلامة ترتليان

v     تتم الخلقة الجديدة بواسطة الماء والروح وذلك كخلقة العالم، إذ كان روح الله يرف على المياه[662].

           القديس إكليمنضس السكندري

عِنْدَهُ الْعِزُّ وَالْفَهْمُ.

لَهُ الْمُضِلُّ وَالْمُضَلُّ [16].

هو صاحب القدرة والقوة وهو مصدر الحكمة والفهم. إنه يهتم بكل البشر حتى البسطاء الذين يضللهم الغير، والخبثاء الذين يضللون إخوتهم. يستخدم كل الأمور لتحقيق خطته الإلهية، إذ كلا من المُضِلْ والمُضَلْ تحت يديه. يتمجد في الكل، وإن كان لا يقبل الضلال والخبث والمكر. في النهاية يترنم المؤمنون: "هللويا، فإنه قد ملك الرب الإله القادر على كل شيء" (رؤ 19: 6).

v     إن كان أحد لديه القوة والسلطان، أو اكتسب الفهم والتعقل، فهذا من عند الله، يتقبلها منه، هذا الذي يعطي بسخاء للذين يريدون أن ينالوا. وواضح أنه يستردها ممن يريد. من بين كثيرين يوجد مثال يعلمكم هذا، وهو نبوخذنصر، هذا الذي كانت قوته عظيمة فقال عنه دانيال: "أنت يا أيها الملك الذي كبرت وتقويت، وعظمتك قد زادت وبلغت إلى السماء، وسلطانك إلى أقصى الأرض" (دا 4: 22). على أي الأحوال إذ تشامخ في كبرياء في كل مناسبة لم يفقد سلطانه وملكوته فحسب، بل وفقد المعرفة والفهم، "وطُرد من بين الناس، وأكل العشب كالثيران" (دا 4: 33). صار يفكر مثل بهيمة، وليس كما يفكر البشر. لماذا حدث هذا معه؟ هذا ما شرحه دانيال بكل وضوح: "تمضي عليك سبعة أزمنة حتى تعلم أن العلي متسلط في مملكة الناس، ويعطيها من يشاء" (دا 4: 25). وعندما عرف (نبوخذنصر) ذلك استرجع روحه، وفي نفس الوقت ملوكيته، عندما قدم تسبيحًا ومجدًا لله (دا 4: 34- 37).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

يَذْهَبُ بِالْمُشِيرِينَ أَسْرَى،

وَيُحَمِّقُ الْقُضَاةَ [17].

ليس فقط الأفراد تحت سلطانه، وإنما حتى تحركات الأمم والشعوب لا تفلت من يدي ضابط الكل.

كثيرًا ما يسمح بالحمقى الذين يظنون في أنفسهم أنهم مشيرون حكماء أن يسقطوا في الأسر كغنائم حربية، تُسلب كرامتهم وثروتهم وحريتهم؛ ليس فقط يُسلبون من حكمتهم بل وأحيانًا كما من آدميتهم.

حتى القضاة الذين يُعرفون بمشورتهم وسمو أفكارهم يصيرون أحيانًا حمقى كما حمَّق الله مشورة أخيتوفل، وصار اسمًا على مسمي، إذ معناه "أخو الجهل أو الغباء". وكما قيل بإشعياء: "رؤساء صوعن صاروا أغبياء؛ رؤساء نوف انخدعوا، وأضل مصر وجوه أسباطها" (إش 19: 13).

كثيرًا ما يفقد الشيوخ أصحاب الخبرات الطويلة والحكمة قدرتهم على الفهم، فعامل الزمن الذي قادهم للحكمة هو عينه الذي يسبب ضعف الشيخوخة، فيعيدهم إلى حالة تشبه الطفولة، كمن هو بلا خبرة ولا فهم.

v     "يذهب بالمشيرين إلى نهاية غبية" [17]، ذلك عندما يفعلون صلاحًا بدون هدفٍ صالحٍ، بل يطلبون المكافأة الوقتية. فإن كان ابن الله الآب العلي الوحيد قد صار إنسانًا ليكرز بالحقائق الأبدية، لذلك دعي "ملاك المشورة العظيم" (إش 9: 6 )، فبحق نفسر "المشيرين" بالكارزين الذين يزودون السامعين لهم بمشورة الحياة. ولكن عندما يبشر أي كارز بالحقائق الأبدية ليقتني مكاسب وقتية فبالتأكيد "يذهب إلي نهاية غبية"، إذ يهدف نحو بلوغ ذلك بجهوده المضنية، هذه التي كان يجب أن يهرب منها الفكر المستقيم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     فكر "المجد الباطل" هو أخبث أنواع الأفكار.

يأتي هذا الفكر للسالكين في حياة البرّ، ويبتدئ الإنسان يمجّد جهاده، ويجمع لنفسه مديح الآخرين له. فيتصور فزع الشياطين منه، شفاءه للنساء، ازدحام الجماهير حوله يلمسون هدب ثوبه، وأخيرًا يتنبأ له بتكريسه للكهنوت. وأن الناس يفدون إليه ليجعلوه كاهنًا، وعندما يرفض الكهنوت يقيدونه ويقودونه رغمًا عنه.

بعدما يشعل الشيطان فيه هذه الآمال الكاذبة، ينسحب تاركًا المجال لمحاربات أخرى يقدمها شيطان الكبرياء أو شيطان التذمر، الذي يأتي حالاً ويعرض عليه أفكارًا مضادة لهذه الآمال، حتى أنه في بعض الأوقات يستسلم لأفكار شيطان الزنا، هذا الذي منذ لحظات كان يرى في نفسه أنه قديس وكاهن وقور![663]

أما "شيطان الكبرياء" فهو سبب سقوط النفس المحزن للغاية. إنه يشير على النفس ألا تنظر إلى الله كمعين لها، بل تنسب إلى ذاتها كل ما هو صالح. فتبتدئ تنتفخ أمام الإخوة، وتحسبهم جهلاء، لأنهم لا يعرفون منزلتها السامية.

الكبرياء يتبعه الغضب والتذمر. والشر الأخير يتبعه خروج الإنسان عن وعيه والغيظ ورؤية شياطين كثيرة في الهواء[664].

v     يصعب عليك الهروب من فكر المجد الباطل، لأن كل ما تصنعه لطرده يمكن أن يكون عاملاً مساعدًا لإنشاء دافع جديد نحو المجد الباطل. هذا والشياطين لا تقاوم دائمًا كل فكر سليم، بل أنها أحيانًا تشجع فينا بعض الأفكار السليمة على رجاء أنها تقدر بعد ذلك أن تخدعنا.

القديس أوغريس

يَحُلُّ مَنَاطِقَ الْمُلُوكِ،

وَيَشُدُّ أَحْقَاءَهُمْ بِوِثَاقٍ [18].

يسمح الله أحيانًا بأصحاب السلطة كالملوك أن ينحطوا عن مراكزهم، ويتجردوا من كل كرامة. يحل مناطقهم، فيسقط السيف من جانبهم، والتيجان من رؤوسهم. ولعله يشير هنا إلى انحدارهم ليكونوا عبيدًا إذ كان العبيد لا يمنطقون أحقاءهم.

يَذْهَبُ بِالْكَهَنَةِ أَسْرَى،

وَيَقْلِبُ الأَقْوِيَاءَ [19].

إذ تحدث عن فئات الحكماء مثل المشيرين والقضاة، وفئات أصحاب الخبرة كالشيوخ، وفئات أصحاب السلطة كالملوك الآن يتحدث عمن يظنون في أنفسهم أبرارًا، وهم فئة الكهنة. هؤلاء الذين أحيانًا في ريائهم يظنون أنهم لا يُمسون لأنهم خدام الله والعاملون لحساب شعبه. لكن الله ليس عنده محاباة حتى كهنته يسمح لهم بالسبي، فيفقدون كرامتهم وسلطتهم وثروتهم التي كانوا يعتزون بها.

أخيرًا يشير إلى فئة الأقوياء، سرعان ما يصير القوي ضعيفًا. كم من جبابرة بأس سقطوا في مصيدة أناس ضعفاء، وكم من جيوش قوية انهزمت أمام جيوش أضعف منها. هكذا لا يليق بأحد أن يعتمد على قوته الزمنية ولا على حكمته الذاتية وفهمه البشري المجرد ولا سلطانه ولا مركزه الاجتماعي أو الديني.

v     "يقود الكهنة إلى الخزي، ويقلب الأقوياء" [19] عظمة الكاهن العظيمة هي برّ الخاضعين له. فالكارز الممتاز حسنًا يقول لتلاميذه: "لأن من هو رجاؤنا وفرحنا وإكليل افتخارنا؟ أم لستم أنتم أيضًا أمام ربنا يسوع المسيح في مجيئه؟" (1 تس 2: 19)، لكن يتجاهل الكهنة حياة المسئولين عنهم، ولا يثمرون في تقدمهم أمام الرب. بهذا يصيرون في خزي، لا يجدون مجدًا أمام الديان الحازم، هؤلاء الذين لا يطلبونه في حياة المخدومين بإلحاحهم في الكرازة.

حسنًا قال: "ويقلب الأقوياء". بحكمٍ عادلٍ يترك قلوب الذين يحكمون، إن كانت لا تتطلع إلى المكافأة الداخلية، فتطرح خارجًا، حيث تخدع نفسها بأن تفرح بالمجد الزمني عوض الأبدي.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     ليس العيب في السلطان في ذاته، وإنما في الطمع الباطل، وعلى هذا فإن تأسيس السلطان يأتي من قِِبل الله، ومن يستعمله يكون سفيرًا لله بكونه خادم الله للصلاح (رو 13: 3-4). العمل في ذاته ليس خطيَّة، لكن العيب في الذي ينفِّذه... يجب أن نميِّز بين الاستخدام الصالح للسلطان والاستخدام الطالح.

القدِّيس أمبروسيوس

يَقْطَعُ كَلاَمَ الأُمَنَاء،ِ

وَيَنْزِعُ ذَوْقَ الشُّيُوخِ [20].

إذ يعتز أصحاب الفصاحة والخطابة والفلسفات على إبداعهم اللغوي أو جاذبية شخصياتهم، هؤلاء يقفون أحيانًا كخرس، ليس من كلمة في فمهم، لأنهم أهانوا الذين وهبهم العقل وأعطاهم موهبة الكلمة وخلق أفواههم.

v     "يغير شفاه الأمناء، وينزع تعاليم الشيوخ" [20]. عندما لا يمارس الكاهن الصلاح الذي يخبر به، فإن ذات عمل شفتيه يُنزع منه، فلا يجسر أن ينطق بما لا يمارس. قيل بالنبي: "وللشرير قال الله: مالك تحدث بفرائضي، وتحمل عهدي على فمك؟" (مز 50: 16). أيضا يسأله: "لا تنزع من فمي كلام الحق كل النزع، (مز 119: 43). إذ يظهر أن الله القدير يعطي كلمة الحق للذين يمارسونها، وينزعها عمن لا يمارسوها...

يقول الحق في الإنجيل: "من فضلة القلب يتكلم الفم. الإنسان الصالح من الكنز الصالح في القلب يخرج الصالحات. والإنسان الشرير من الكنز الشرير يخرج الشرور" (مت 12: 34- 35).. أيضا يقول يوحنا: "هم من العالم، من أجل ذلك يتكلمون من العالم"(1 يو 4: 5). حسنًا قيل: "الذي يغير شفاه الأمناء، وينزع تعاليم الشيوخ".

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "فيجب أن يكون الأسقف بلا لوم"... كل الفضائل تحويها هذه العبارة وهكذا يبدو كما لو أن الرسول يطلب كمالاً مستحيلاً. لأنَّه إن كانت أية خطيَّة أو أية كلمة باطلة تستحق اللوم، فمن هو في هذا العالم بلا خطيَّة وبلا لوم؟! ومع ذلك فإنَّه يلزم فيمن يختار راعيًا للكنيسة أن يكون متمايزًا عن الآخرين الذين بحق هم قطيع خراف (ناطقة).

إن كان الفصحاء يعرِّفون الخطيب بأنه "إنسان صالح قادر على الكلام" إذ يلزمه أن يكون بلا عيب في سلوكه كما في شفتيه (خَطابته) حتى يكون مستحقًا للمديح، لأن المدرس الذي كلماته لا تسندها أفعاله يفقد كل تأثير على سامعيه.

القدِّيس إيرونيموس

v     "بلا لوم"... هذه العبارة تحوي الفضائل جميعها، حتى أنه إذا عرف إنسان عن نفسه خطيَّة ما، فليس حسن له أن يشتهي وظيفة هو غير مؤهَّل لها، إنَّما يكون محتاجًا إلى مرشد لا أن يقوم بدور الإرشاد. لأن من يقوم بدور قيادي، يلزمه أن يكون أكثر بهاءً من أي كوكب منير. فتكون حياته بلا عيب، يتطلَّع الكل إليه ويقتدون بسلوكه.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن هذه العبارة تنطبق على اليهود الذين نطقت شفاههم بالحق قبل تجسد الكلمة، وقد آمنوا أنه قادم، وأعلنوا عن مجيئه، لكن شفاههم تغيرت بعد مجيئه، وأنكروه. لقد صار حاضرًا في وسطهم، ذاك الذي سبق فأعلنوا عن مجيئه. لكنهم نزعوا تعاليم آبائهم، إذ لم يسلكوا حسبما تنبأ لهم آباؤهم عنه.

يُلْقِي هَوَانًا عَلَى الشُّرَفَاءِ،

وَيُرْخِي مِنْطَقَةَ الأَشِدَّاءِ [21].

إذ يهين الشرفاء خالقهم، يجتنون لأنفسهم الهوان. "يسكب هوانًا على رؤساء ويضلهم في تيهٍ بلا طريق". (مز 107: 40).

v     "يلقي هوانا على الشرفاء، ويرفع المضطهدين" [21]. استمر الشعب اليهودي في وصية الناموس، بينما لم يكن يعرف العالم الأممي كله شيئًا عن وصية الله، دُعي الأولون شرفاء بالإيمان، بينما سقط الآخرون في هوى عدم الإيمان. ولكن عندما أنكرت اليهودية سرّ تجسد ربنا، وآمن العالم الأممي به، سقط الأشراف في الهوان، وارتفع الذين انحدروا إلى خطية عدم الإيمان، ونالوا حرية الإيمان الحقيقي. إذ رأى إرميا ذلك قبل حدوثه بزمن طويل قال: "صار السيد كعدو. ابتلع إسرائيل. ابتلع كل قصوره، أهلك حصونه" (مرا 2: 5).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لما رفض الله إسرائيل، تدفقت النعمة على الأمم، فدعوة الأمم بدأت بسقوط إسرائيل ويقبل بنعمة الله  يسوع المسيح، الذي سبق وبشر به الأنبياء[665].

v     نقول نحن المسيحيون أن اليهود، بالرغم من سابق تمتعهم بعطف الله إذ كانوا محبوبين منه أكثر من غيرهم، إلا أن هذا التدبير والنعمة الإلهين قد تحولا إلينا، عندما نقل يسوع السلطان العامل بين اليهود إلى مؤمني الأمم[666].

العلامة أوريجينوس

يَكْشِفُ الْعَمَائِقَ مِنَ الظَّلاَمِ،

وَيُخْرِجُ ظِلَّ الْمَوْتِ إِلَى النُّورِ [22].

إذ سقط الإنسان الأول في العصيان، صار الموت يرافق ذهنه كظلٍ له، بل وأكثر التصاقا من الظل. ليس ما يرعبه مثل الموت، حتى دعاه الرسول بولس: "آخر عدو"، أو أعنف عدو يواجه الإنسان. لكن موت السيد المسيح على الصليب حطم سلطان الموت في عرينه. بالموت داس الموت، ووهبنا قوة الحياة الأبدية والقيامة.

أزال السيد المسيح تعبير الموت من قاموس فكرنا، فصار عوضًا عنه تعبير "ظل الموت؟ أو "الرقاد" أو "الانتقال". نتغنى قائلين: "لا يكون موت لعبيدك بل هو انتقال". ونرتل مع الرسول بولس، قائلين: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟" (1كو 15 : ).

لقد فضح الرب الموت فصار ظلاً بلا كيان في حياة المؤمنين به. أشرق بنوره على القبور، فانفضح ضعف ظل الموت.

رفع الرب الغطاء عن الظلمة، وأدركنا أن لا موضع لنا في مملكة الظلمة، حيث أشرق علينا شمس البرّ.

يفضح الله المؤامرات التي تُدبر في الظلام، والشر الذي يرتكب في الخفاء. عندما ظن ملك آرام أن من بين رجاله من هو خائن، قال له أحد عبيده: "اليشع النبي الذي في إسرائيل يخبر ملك إسرائيل بالأمور التي تتكلم بها في مخدع مضطجعك" (2 مل 6: 12).

v     "يكشف الأعماق من الظلام" [22]. ما هي الأعماق؟ الأمور المخفية، الأفكار التي لا تظهر في بهاء النهار. هذا هو السبب أن أيوب يتحدث عن الظلام. فإن المسيح نفسه يستخدم نفس الكلمات لكي يقر ويثبت كلمات أيوب عندما يقول للرسل: "ليس مكتوم لن يُستعلن، ولا خفي لن يُعرف" (مت 10: 26). اذكروا الكلمات التي أضافها: "الذي أقوله لكم في الظلمة، قولوه في النور. والذي تسمعونه في الأذن نادوا به على السطوح" (مت 10: 27).

"ويخرج ظل الموت إلى النور" [22]. ظل الموت هو الخطية، بنفس الطريقة كما أن الظل يكشف عن الجسم الذي له الظل، هكذا الخطية تعني "شوكة الموت هو الخطية" (1 كو 15: 56)، وخاصيتها المميزة لها.

على أي الأحوال ظل الموت هذا يعلن به عن سره (رو 16: 25؛ كو 1: 26) للبشرية، ويعلن عن برّه (مز 98: 2؛ رو 1: 17)، بنفس الكيفية يكشف عن الخطية (أف 4: 22)، ولا يسمح لها أن تختفي. وإذ نعرف قبحها وأنها تفسد النفس، لنهرب جميعنا منها! هذا هو السبب أن المسيح قال عن الشعب اليهودي: "لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية" (يو 15: 22)، بمعني آخر، لما عرفوا قوة الخطية. لكنه يضيف: "وأما الآن فليس لهم عذر في خطيتهم"، لأنهم عرفوا دنسها، ورائحتها الشريرة، وخبثها إن قورنت بالبرّ والجمال الذي لم يكن معروفًا من قبل.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) في ظل الموت إشارة إلى قسوة الناموس، الذي أبرز أن كل من يخطئ يستحق موت الجسد، لكن إذ جاء المخلص نزع موت الجسد كعقوبة لمن يرتكب الخطية، ووجه أنظارنا إلى خطورة فاعلية الخطية على نفوسنا.

يُكَثِّرُ الأُمَمَ ثُمَّ يُبِيدُهَا.

يُوَسِّعُ لِلأُمَمِ ثُمَّ يُشَتِّتُها [23].

الله هو ضابط التاريخ كله، يسمح أحيانًا للبعض أن ينمو ويكون لها سلطان لتحقيق هدف معين لتأديب شعبه، كما حدث مع بابل التي كانت دويلة صغيرة، سرعان ما هزمت أشور العظيمة واحتلت مركزها، وسبت يهوذا، وإذ تشامخت بابل على الله في لحظات انهارت لتحتلها فارس ومادي. التي كانت رأسًا صارت ذيلاً بل وتلاشت.

v     "يجعل الأمم في تيه ويبيدها؛ يبعثرها ثم يجلبها" [23]... إنه ليس هو الذي يقود الأمم بعيدًا، إنما يسمح لهم أن يشردوا، يذهبون بأنفسهم إلى الإبادة خلال شرورهم، إذ لا يرغبون في العودة إلى لإيمان به. أما عن الأمم المشتتة (المبعثرة)، فيود أيوب أن يقول للرب: "بددهم"، بينما يود أن يقود الذين يرغبون في الجري نحو نور (إش 60: 3) للتمتع بالكرازة. إنه لن يتعدى العدالة، بل يسلك بما يليق مع كل أحدٍ سواء كان في الإيمان أو عدم الإيمان. لهذا إذ حمل سمعان الرب الطفل على ذراعيه قال: "إن هذا قد وضع لسقوط وقيام كثيرين" (لو 2: 34).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

يَنْزِعُ عُقُولَ رُؤَسَاءِ شَعْبِ الأَرْضِ،

وَيُضِلُّهُمْ فِي تِيهٍ بِلاَ طَرِيقٍ [24].

من هم رؤساء الأرض الذين يفقدون فهمهم، إلا أبناء إبراهيم حسب الجسد، وقد انسحبوا عن بنوتهم له روحيًا بجحدهم مخلص العالم، ورفضهم ما كان أبوهم إبراهيم يتهلل بيومه قبل مجيئه بأجيالٍ كثيرة.

جحودهم حوَّل حياتهم إلى برية قاحلة، حيث لا ترتوي قلوبهم بمياه الروح القدس الذي يحول البراري إلى فردوس إلهي!

v     "يغير قلوب رؤساء شعب الأرض" [24]. بقوله: "شعب الأرض" يحتاج الإنسان أن يفهم به الشعب اليهودي، لأنه التصق بالأرضيات. فإن بولس أيضًا الذي تحدث عن الذين "وضعوا عقولهم في الأرضيات"". رؤساؤهم هم الكهنة والكتبة والفريسيون. يقصد بتغير قلوبهم، أنه يحولها.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     فإذ لم يبقً لهم مذبح ولا هيكل ولا كاهن، ولم يكن لهم بالتالي تقدمات ذبائح، كانوا يشعرون بأن خطيتهم باقيه فيهم، وأنه لا سبيل لينالوا الغفران[667].

العلامة أوريجينوس

v     ها سامريون وجليليون قد آمنوا بالمسيح لخزي اليهود وتخجيلهم، فالسامريون وُجدوا أفضل من الجليليين، لأن أولئك السامريين قبلوه من كلام المرأة، أما الجليليون فقبلوه من معجزاته. يذكر الإنجيلي السامع بالمعجزة (تحويل الماء خمرًا في قانا الجليل) ليرفع من مديح السامريين، فقد قبله رجال قانا بسبب المعجزة التي تمت في أورشليم، ولم يكن هذا حال السامريين، إذ قبلوه من أجل تعليمه وحده[668].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يَتَلَمَّسُونَ فِي الظَّلاَمِ وَلَيْسَ نُورٌ،

وَيُرَنِّحُهُمْ مِثْلَ السَّكْرَانِ [25].

الذين كانوا قادة شعوب عظماء، لهم قوتهم العسكرية وسلطانهم المرهب سرعان ما فقدوا كل شيء، وصاروا في مذلةٍ وضعفٍ. وكما يقول المرتل: "سُلب أشداء القلب... كل رجال البأس لم يجدوا أيديهم" (مز 76: 5). صاروا كمن هم ضالين "في تيه بلا طريق" [ع 25]. يتحسسون الطريق في الظلام ويترنحون كسكرى بلا وعي ولا تفكير ولا قوة.

هكذا يتحدث أيوب عن الله ضابط الكل، الذي في قبضة يده كل التاريخ، محولاً الأحداث لحساب ملكوته. لا تستطيع قوة ما أن تقاومه!

v     لماذا؟ لأنهم "أحبوا الظلمة أكثر من النور" (يو 3: 19)، بطريقة صار فيها الرب نفسه متهمًا لهم. لماذا أحبوا الظلمة أكثر من النور؟ لأن أعمالهم شريرة. فإنه لأمر حتمي أن الذين يمارسون الشرور يترنحون كالسكرى". فإنهم كسكرى يكونون مخبولين، عاجزين عن تمييز بين أمرٍ وآخر، أو بين الشر والصلاح.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     يا معشر اليهود، عندما تأتون إلى أورشليم وتجدون إنها خربت، وتحولت إلى تراب ورماد، فلا تبكوا كالأطفال (1 كو 4). لا تحزنوا، بل أنشدوا لكم مدينة في السماء بدلاً من تلك التي تبحثون عنها هنا على الأرض. ارتفعوا بأبصاركم، فستجدون في الأعالي أورشليم الحرة التي هي أمنا جميعًا (غلا 4: 26).

لا تحزنوا على غياب الهيكل هنا، ولا تيأسوا لافتقاركم إلى كاهن. ففي السماء تجدون مذبحًا وكهنة الخيرات العتيدة، على رتبة ملكي صادق، في موكبهم أمام الله (عب 5: 10). فقد شاءت محبة الرب ورحمته أن ينزع عنكم الإرث الأرضي، حتى يتسنى لكم أن تطلبوا السماوي[669].

العلامة أوريجينوس


 

من وحي أيوب 12

وهبتني الحكمة لأمجدك، لا لأفحص أعمالك!

 

v     لك المجد يا واهب العقل والفكر والقلب وكل الطاقات البشرية!

ليس لي أن أتشامخ على خليقتك، إخوتي في البشرية.

أنت العجيب في حكمتك، تقوم بتوزيع كل العطايا للبشرية.

هب لي عقلاً مقدسًا، وقلبًا يحملك فيه.

قدس كل كياني،  قدس فكري وقلبي.

ارفع يا رب فكري بروحك، فأكرم كل زميل لي.

املأ قلبي،  فيتسع بالحب لكل بشرٍ.

 

v     إلهي، كم تتمرر نفسي من سخرية أحبائي بي!

صرت لهم مثلاً وأضحوكة!

لكني أتطلع إليك، فأراك مجروحًا في بيت أحبائك!

تتهلل نفسي وتمجدك، لأنك سمحت لي بشركة آلامك!

أدركت بحق أنك بحكمة سمحت لأحبائي أن يجرحوني!

أتقبل هذه الجراحات إكليل مجد لا أستحقه.

وسط مرارة نفسي أتلمس يدك المعزية.

أدرك أن كل سخرية تحل بي هي بسماحٍ منك.

بحبك العجيب أردتني أن أشترك معك في تعيراتك !

أرى الظلمة لا تطيق النور.

والفساد يظن أنه قادر أن يحطم عدم الفساد.

وإبليس الساقط يظن أنه صاحب سلطان!

لك المجد يا من تحول آلامي  إلى تسبحة مفرحة،

فأرى عربون السماء معلنًا في أعماقي.

لأدرك يا رب أن خطتك من نحوي فائقة.

فأتهلل بسخرية إخوتي بي.

فيما هم يسخرون بي، يراني السمائيون في مجد فائق!

حتمًا سرعان ما تعبر هذه اللحظات المؤقتة،

وأعبر بك إلى حضن أبيك،

وأتمتع  بشركة المجد السماوي!

سيعبر الشتاء بثلجه، ويحل ربيع الأبدية ببهائه.

 

v     إلهي، لقد وهبت البشرية حكمة وتعقلاً لتمجدك.

هوذا حتى الخليقة تشهد لحكمتك وحبك ورعايتك!

الخليقة الظاهرة والخفية تمجدك!

يشهد الكل لحكمتك غير المدركة.

 

v     هب لي أن أسجد عند قدميك.

بكل قلبي أسبحك على ما أعرفه عنك أو ما لم أعرفه بعد.

حقا، أقف في حيرة أمام حكمتك،

أرى أشرارًا ولصوصًا يظنون أنهم ملوك وآلهة.

يعيشون في حياة مزدهرة ناجحة،

بينما يتألم أولادك كمن قد حلّ بهم الغضب السماوي!

من يقدر أن يدرك حكمتك يا أيها الحكيم القدير؟

 

v     هوذا كل الطبيعة تكرز لي:

لتخضع لأبيك السماوي الذي يحبك ويرعاك.

في يديه كل حياتك،

من أجلك أوجدنا، وها هو يُعد لك مكانًا في أحضانه الإلهية.

لا تتكل على خبراتك الشخصية وحدها،

خالقك هو وحده يهبك الحكمة،

ويكشف لك فهم أسراره.

أخضع، فبتواضعك ترتفع إلى الأعالي.

لا تقاوم ولا تناضل،

هل تقاوم الجبلة خالقها؟

من أعطاك الفم ليتكلم، والأذن لتسمع، واليد لتلمس؟

من وهبك العقل والفكر والحكمة والفهم؟

إنه يحبك، حياتك ومواهبك كلها عطاياه لك!

+إلهي، من لي يسندني غيرك.

تشامخ ملوك واباطرة ورؤساء فامتلأوا عارًا!

تشامخت أمم وشعوب قوية،

فسقطت أمام أمم ضعيفة.

إلهي هب لي روح التمييز، فأسلك كابن لك!

لك المجد يا من أحببتني قبل أن أوجد.

تحطم جهلي وغباوتي، وتهبني الحكمة التي عندك!

تبدد ظلمتي، وتهبني نورك الفائق!

تقتل موتي، وتهبني قيامتك المجيدة!

تفضح إبليس وجنوده، وتطرحهم تحت قدمي!

تهبني ذاتك، فلا أعتاز إلى شيءٍ!

<<

 


 
اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ عَشَرَ

عتاب جريء

أو

مدافع في المحكمة!

أوضح أيوب في الأصحاح السابق أن حكمة أصدقائه باطلة، لأنها حتى وإن حملت شيئا من الحق، لكنها ليست بجديدة. ما نطقوا به كحكماء يعتزون بمشورتهم وتوبيخاتهم له، يعرفه تمام المعرفة. هذا بجانب أن حكمتهم قد فقدت كيانها لأنه ينقصها الحب، مع عدم التمييز، لا يعرفون حدود التوبيخ الذي يتوقفون عنده، كما لا يعرفون التوقيت المناسب لتقديم المشورة. الآن في هذا الأصحاح يكمل أيوب حديثه موضحا بأنه ليس بأقل منهم في الحكمة والخبرة.

وجه إليهم أيوب الاتهامات التالية:

أولاً: إنهم أطباء بطالون، يجيدون الكلام، لكن لا يقدمون الدواء اللائق.

ثانيًا: صمتهم أكثر نفعا من كلماتهم التي تشبه الرماد، لذا طالبهم بالصمت، فيحيون حكماء.

ثالثًا: لا يحملون غيرة صادقة على مجد الله، إنما يتسترون بالمظهر الخارجي للغيرة المقدسة.

رابعًا: اتسموا بمحاباة الوجوه خفية.

خامسًا: ليس فيهم مخافة الرب، ولا رهبة جلاله.

سادسًا: كلماتهم حطمته، وأفقدته الرجاء

بعد أن قدم هذه الاتهامات التي أفضت إليه باشتهائه الموت وتسليم الروح، حول نظره عنهم لئلا يهلك، ورفع عينيه نحو الله يتحدث معه ويعاتبه.

في جرأة وسط آلامه المرة دافع أيوب عن نفسه معلنًا أنه هو وأصدقاءه بدأوا بإعلان ذات الحقائق [١-٢]، بالاعتقاد بأن الله كلي القدرة وكلي الحكمة [١-٢]. لكنهم حولوا معرفتهم ضده، وأن بعض أفكارهم ليست صحيحة. إنهم ملفقو كذب، أطباء بطالون، وكلماتهم وخطبهم مثل رماد يُذرى، ومثل الطين لا تثبت عند المقاومة. يطلب إليهم أن يصمتوا، فيكون ذلك أولى بهم [4-5]. لأنكم بهذا يخفون جهلهم وسوء طبيعتهم.

حاول إقناعهم بالإساءة التي ارتكبوها في حق مجد الله، في الوقت الذي ادعوا فيه إنهم يدافعون عنه. لقد افتخروا إنهم دافعوا عن الله، وتعهدوا بتبريره وتبرير كل ما فعله مع أيوب، بالرغم من أن الله غير محتاج لمحامين مثلهم، وحق الله لا يحتاج إلى أكاذيبهم أو طرقهم الخاطئة. فإن "غضب الإنسان لا يصنع برّ الله" (يع 2:1).

حاول أن يثير فيهم الخوف من دينونة الله. فإن دلّ موقف أيوب على الجسارة في الحديث، فموقفه أيضًا موقف الإجلال والكرامة له أكثر من محاولات أصحابه. ثم يطلب أيوب أن يتركوه وشأنه، لأنه ليس في أيديهم حل المشكلة الحيوية. إنه يود الحديث مع الله بخصوصها مباشرة [٣]. من حقه الدفاع عن نفسه في محكمة الله إن كان شريرًا أو مذنبًا، وليس أمام قضاة بشريين. الله – في الحقيقة – أكثر أمانة من أصدقاء أيوب. هنا مرة أخرى يرى أيوب يتحرك نحو الله بكونه رجاءه الوحيد. تكلم مع الله في جسارة، حتى ولو كان ثمن ذلك هو حياته نفسها [١٣-١٥].

يسأل الله ألاَّ يُعاقب قبل أن يسمع منه، ولا أن يظهر جلاله الفائق بطريقة تجعله عاجزًا عن الحديث معه. يجد أيوب مسرته أن يدافع عن نفسه وأن يجيب على أي إتهام موجه ضده. في نهاية كلامه يؤكد إنه ينتظر الخلاص حتى في الهاوية، ثم يسأل الله أن يهب له أمرين: أن يبعد يده عنه، وأن لا يدع هيبته ترعبه [20-21]. ويتضح هنا إن صورة التهكم ولهجة العناد قد حل محلها طلب الصبر والتأني، ويعرب أيوب عن دهشته من أن الله يعامل بقسوةٍ إنسانًا ضعيفًا، حياته مملوءة من المشقة، وأيامه قصيرة كالعشب الذي ييبس، وكالظل الذي سرعان ما يزول. بل إن الشجرة التي تقطع قد تعود فتفرخ، أما الإنسان فإذا مات فإنه لا يحيا. لا يتظاهر أيوب إطلاقًا بأنه بلا خطية، ولكنه يقول بصراحة إنه خاطئ منذ صباه، يعترف أنه خاطيء إلى حدٍ ما لكن هذا لا يبرر كل ما حلّ به من متاعب مرعبة. يريد أن يعرف بدقةٍ أية خطية معينة هي التي استوجبت عداوة الله له [24]. فإنه قبلما يُسمع إليه يُعفى من العقوبة على خطاياه [٢٣-٢٥].لقد صار مسجونًا مدانًا، موضعًا في القيود، تحت حراسة مشددة، وتحت الحفظ [٢٧]، مع أنه إنسان ضعيف للغاية، ليس إلاَّ [٢٨].

هنا يذكر ثلاثة أنواع من الخطايا: الخطأ والفشل والعصيان.

في جرأة يعاتب أيوب أصدقاءه الثلاثة الذين سخروا به وقدموا اتهامات ضده. وفى جرأة عاتب الله بسبب ما حلّ به.

1. ليس دونهم                        1-3.

2. أطباء بطالون                     4-8.

3. الله يدينهم                         9-12.

4. دعوة للصمت                     13.

5. عتاب مع الله                      14-19.

6. صرخة لوقف التأديب             20-22.

7. لماذا تحجب وجهك عني؟         23-28.

1. ليس دونهم

هَذَا كُلُّهُ رَأَتْهُ عَيْنِي.

سَمِعَتْهُ أُذُنِي وَفَطِنَتْ بِهِ [1].

v     انظروا كيف – حتى في تواضعه - ما أعلنه كان رمزيًا، يقوده روح النبوي، ويعلن له ما هو أسمي. فإنه يقول: "هذا كله رأته عيني"، واضح أنه ينطق برؤيا نبوية. "سمعته أذني"، ذاك الذي يجده الله مقدسًا اختاره ليسمع أسراره.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "وفطنت به"... متى نُظر إلى شيء أو سمع عنه دون أن يُمنح الإنسان فهمًا لا تعود تكون هذه رؤيا نبوية. ففرعون رأى في حلم أمورًا ستحدث لمصر، لكنه لم يقدر أن يفهم ما رآه، لم يكن نبيًا. الملك بلتشصر رأى أصابع يد تكتب على الحائط، ومع هذا لم يكن نبيًا، لأنه لم ينل فطنة ما رآه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

مَا تَعْرِفُونَهُ،

عَرَفْتُهُ أَنَا أَيْضًا.

لَسْتُ دُونَكُمْ [2].

التزم أيوب المتواضع أين يدافع عن نفسه ويمدح نفسه، كما فعل فيما بعد الرسول بولس حين وجهت بعض الجماعات في كورنثوس اتهامًا أنه ليس برسول.

هنا يؤكد أيوب أنه ليس دونهم، وأن ما يعرفونه كان يعرفه هو أيضًا، فهو لا يحتاج وسط هذه الظروف إلى عظات ومناقشات، بل إلى حب ورعاية وصلوات تسنده.

v     ليتنا لا نكون مجاهدين في الحوار وكسالى في صلواتنا (عنهم). لنصلِ أيها الأعزاء المحبوبين، لنصلِ لكي يعطينا الله النعمة، حتى لأعدائنا وبالأخص عن اخوتنا والمحبوبين[670].

القديس أغسطينوس

وَلَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُكَلِّمَ الْقَدِيرَ،

وَأَنْ أُحَاكَمَ إِلَى اللهِ [3].

تحَّول عن أصدقائه واتجه نحو الله، فإنه لم يسترح في الحديث معهم، لذا أراد الحديث مع القدير، فإن المحاكمة أمام الله أفضل من الوقوع في يد إنسانٍ. الدخول في حوار مع الله أهون من الحوار مع الأصدقاء. وكما قال داود لجاد النبي: "قد ضاق بي الأمر جدًا، فلنسقط في يد الرب لأن مراحمه كثيرة، ولا أسقط في يد إنسان (2 صم 24: 14؛ 1 أخبار 21: 13).

v     أنا أيضًا أعرف عظمة الله اللانهائية، حكمة الخالق غير المحدودة، وقوته المذهلة، ولكن مع معرفتي بهذا "أريد أن أكلم الرب"، فإني أعرف برّه. إذ هو بار يحتمل أولئك الذين يتحدثون معه دون أن يكونوا متهمين. فإنه إن لم يرد ذلك سأصمت، إذ أعرف ما ألتزم به بكوني أنال شرف الخادم له. بأمره "أتكلم"، وأتجاسر إلى درجة اتهام الله.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     إني لن أكف عن الكلام مع الله، لأنني هل أتكلم مع إنسان؟ إني أتكلم مع الله، العارف بأسرار أفكاري.

يقول إنه لأمر ذو قيمة عظيمة أن يحاكم أمام الله عن أن يحاكم أمامهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     نحن نكلم القدير حين نطلب حنوه، ونجادله (أُحاكم أمام الله) حين نتحد معه في برّه، نمحص أعمالنا ببحثٍ دقيقٍ. وربما يعني بالجدال مع الله أن من أطاع وصايا الله هنا سيأتي معه كديان حين يدين الشعب (مت 19: 28)... لهذا فإن الرب أيضا يقول بإشعياء: "انصفوا المظلوم، اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة، هلم نتحاجج" (إش 1: 17-18).

فإنه بحق يلزمهم أن يحاجوا الله بخصوص الاتهامات في الدينونة، هؤلاء الذين عند (سماعهم) كلمات الله يجحدون العالم الحاضر تمامًا. هكذا يتحقق الكلام معه بالصلاة، والمحاجة معه بالحكم.

لهذا يتكلم القديس مع القدير هنا، حتى يحاججه فيما بعد (في وقت الدينونة العام)، حيث يأتي مع الله فيما بعد كديان هذا الذي يلتصق مع القدير هنا بالصلاة.

وأما الكنيسة المقدسة التي سبق فقلنا أن أيوب يحمل شبها يأتي لها، فإنها ليس فقط تدين الأشرار حين يحل وقت الدينونة النهائية، وإنما حتى الآن لا تكف عن أن تدين الكل، سواء الذين يسلكون بالشر أو الذين يفكرون بغباوة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

2. أطباء بطالون

أَمَّا أَنْتُمْ فَمُلَفِّقُو كَذِبٍ.

أَطِبَّاءُ بَطَّالُونَ كُلُّكُمْ [4].

يشتكي أيوب من أصدقائه، لأنهم حكموا عليه ودانوه حسب تصوراتهم الكاذبة وعدم إدراكهم لعناية الله ورعايته وخطته من نحو البشرية. لهذا صاروا ملفقي كذب. نطقوا بالكذب ولفقوا له اتهامات كاذبة.

جاءوا إليه كأطباء يتعهدون جراحاته، لكنهم بالحق كانوا أطباء بطالين، لم يعرفوا المرض، فجاء العلاج قاتلاً. تحولوا من أطباء حكماء إلى مشعوذين دجالين. ادعوا العلم والمعرفة، وهم في جهل تامٍ للحق الإلهي، لأنهم فقدوا الحب.

لم يقبل أيوب اخوته كأطباء يقدمون له العلاج، متطلعًا إلى المسيا القادم، بكونه طبيب النفوس والأجساد السماوي، الذي يشفي عيون نفوسنا، فتتمتع برؤية الإلهيات.

عجيب هو طبيبنا السماوي، فإنه حين أعلن عن نفسه كطبيبٍ كان يأكل في بيت عشار، ويلتف حوله كثير من العشارين والخطاة. لم يكن يعظهم ولا كان يوبخهم على خطاياهم، لكنه كان يأكل معهم (لو5: 27- 32). لست أظن إني أجد طبيبًا يدخل إلى مستشفي ويدعو كل المرضى ليأكل معهم ثم يتركهم ويخرج من المستشفي دون أن يقدم لهم أدوية خاصة بأمراضهم لشفائهم منها.

لقد قدم السيد الدواء حين أكل معهم، حيث قدم لهم الحب العملي، كان يأكل مع أولئك الذين كان المجتمع يمقتهم ولا يريد حتى التعامل معهم لئلا يتدنس. يمد القدوس يده ويأكل معهم، لكي يدركوا أن مخلصهم ليس ببعيدٍ عنهم، ولا منعزلٍ عنهم. هذا هو الدواء السماوي الذي قدمه الطبيب السماوي. إنه طبيب فريد ودواءه فريد!

والعجيب أنه أعلن شخصيته هكذا كطبيب في اللحظات التي أعلن فيها أن تلاميذه هم بنو العرس أو أصدقاء العريس. وكأن العاملين معه عملهم أن يتقبلوا أسرار العريس، فيعلنوا عن شخصه وسماته وإمكانياته للعروس، البشرية التي تقبل الإيمان به. كأنه لا عمل للعاملين مع الطبيب سوى الإعداد للعرس السماوي المفرح.

عمل خادم السيد المسيح وكل القادة، بل وكل مسيحي أن يساهم في الإعداد لهذا العرس، لا بالتوبيخ والانتهار والإدانة، بل بالكشف عن محبة العريس ونزوله إلى عروسه، وفتح أبواب السماء - حجاله - لها. فالعروس تُعد لعريسها باكتشافها محبة عريسها لها وشوقه إليها.

v     إنكم أطباء ضارون تجددون الأمراض، "تجددون الشر"، أنتم الذين لا تحققون الشفاء من الجراحات باستخدام أدوية لائقة جدًا. هكذا أنتم تظنون أنكم تدافعون عن الله، وأن فمكم ينطق بكلمات مُسرة، ها أنتم ترون شرورًا لمن قد وضع تحت المحاكمة، وتأتون لتعينوا العدو بإثارة مشاعر الألم للمجروح.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     المرشد السماوي، اللوغوس يدعى الهادي عندما يدعو البشرية للخلاص... لكنه إذ يعمل كطبيب أو مربى يصير اسمه "المربي"... فإن النفس المريضة تحتاج إلى مربٍ يشفي آلامها. ثم تحتاج إلى المعلم الذي يعطيها الإدراك... "إعلان اللوغوس". هكذا إذ يريد اللوغوس خلاصنا خطوة فخطوة يستخدم وسيلة ممتازة: أنه في البداية يهدي، ثم يصلح، وأخيرًا يعلم[671].

v     من هو؟ تعلموا باختصار أنه كلمة الحق، كلمة عدم الفساد، الذي يجدد الإنسان إذ يرده إلى الحق. أنه المهماز الذي يحث على الخلاص. هو محطم الهلاك وطارد الموت. أنه يبني هيكل الله في الناس، فيأخذهم لله مسكنًا له.

يحتاج المرضى إلى مخلص،

ويحتاج الضالون إلى مرشد،

يحتاج العميان إلى من يقودهم إلى النور،

والعطاش إلى الينبوع الحيَّ الذي من يشرب منه لا يعطش أبدًا،

والموتى إلى الحياة،

والخراف إلى راعى،

والأبناء إلى معلم؛

تحتاج كل البشرية إلى يسوع![672]

القديس إكليمنضس السكندري

v     طوبى لهم حقًا، الذين في احتياجهم لابن الله، قد تجاوزوا الحاجة إليه كطبيب لشفاء أمراضهم، أو كراعٍ، أو كفادٍ، وصار احتياجهم إليه كحكمة وكلوغوس، أو كأحد الألقاب الأخرى التي يقدمها لأولئك الذين لهم الفصح الروحي الذي يهيئهم لأسمى النعم.

v     في داخل ألوهية الكلمة قوة، ليس فقط لمساعدة وشفاء من هم مرضى...، بل للإعلان عن الأسرار لأنقياء الجسد والذهن.

قد أُرْسِلَ الكلمة كطبيب للخطاة، بل وكمعلم لأولئك الذين هم بالفعل أنقياء وبغير خطية.

v     بواسطة نور الكلمة تتبدد ظلمة التعاليم الهرطوقية. فالكلمة يفتح أعين أنفسنا، فنستطيع التمييز بين النور والظلمة، ونختار في كل حال أن نمكث في النور.

v     ليس أمام من ينشد الشفاء سوى أن يتبع يسوع.

v     تعال الآن إلى يسوع، الطبيب السماوي.

ادخل إلى هذه العيادة، التي هي كنيسته.

أنظُر. فهناك يرقد أعداد من الضعفاء. تجد امرأةً تطلب التطهير (مر 25:5، لا12). كما تجد أبرص معزولاً "خارج المحلة" بسبب دنس برصه (مر 40:1، لا46:13).

إنهم ينشدون الشفاء من الطبيب، يطلبون كيف يصيرون أصحاء، وكيف يتطهرون.

يسوع الطبيب هو نفسه كلمة الله. إنه يُعِدُّ أدوية لمرضاه، لا من مستحضرات أعشاب، بل من قُدسِيات الكلمات.

إذا ما نظر أحد إلى تلك الأدوية اللفظية متناثرة بلا ترتيب في ثنايا الكتب، ولم يعرف قوة مُفْرَد الكلمات، ربما يعدل عنها كأشياء رخيصة تعوزها بلاغة. أما من يَعْلَم أن دواء النفوس هو في المسيح، فسيفهم حتمًا من هذه الكتب التي تُقرأ في الكنيسة كيف يجب على كل شخص أن يجمع أعشابًا مفيدة من الحقول والجبال، أعني قوة الكلمات، لكي يحصل من هو متعب النفس soul على الشفاء، لا بقوة الأغصان الخارجية (للنباتات الطبية) والقشرة السطحية، بقدر ما هو  بفاعلية العصارة الداخلية.

v     هناك أيضا أمور أخرى كثيرة مخفية عنا، لا يعلمها إلا ذاك الذي هو طبيب نفوسنا. فإنه فيما يختص بصحتنا الجسدية نجد لزامًا علينا في بعض الأحيان أن نتعاطى أدوية كريهة ومُرَّة كعلاجٍ لأمراضٍ جلبناها على أنفسنا من خلال الطعام والشراب. كما يحدث إذا ما استلزمت طبيعة الداء أن تحتاج إلى معالجة قاسية بمشرط الجراح في عملية جراحية مؤلمة. نعم، وإذا حدث أن امتد المرض إلى حد تجاوز تأثير هذه الوسائل العلاجية، يصير اللجوء آخر المطاف إلى حيث لابد من كي الداء بالنار. كيف يتسنى لنا أن ندرك أن الله طبيبنا، يرغب في غسل أمراض نفوسنا التي جلبتها علينا العديد من الخطايا والجرائم، ويستخدم علاجًا تأديبيًا من أنواع مماثلة قد تصل إلى حد توقيع عقوبة النار على الذين فقدوا صحة نفوسهم.

العلامة أوريجينوس

v     أولاً لتدركوا تنازل الله. لتتنازلوا فتكونوا متواضعين لأجل أنفسكم، متطلعين إلى الله الذي تنازل متواضعًا لأجلكم أيضًا وليس لأجل نفسه...

اعترفوا بضعفكم؛ ولترقدوا أمام الطبيب في صبرٍ.

عندما تدركون تنازله ترتفعون معه، ليس بأن يرفع نفسه بكونه الكلمة، بل بالحري يُدرَكْ منكم أكثر فأكثر...

هو لا يزيد، لكنكم أنتم تتقدمون، فيكون كمن ارتفع معكم...

تطلعوا إلى الشجرة فإنها أولا ضربت جذورها إلى أسفل حتى تنمو إلى فوق. تثبت جذرها السفلي في الأرض لكي ما تمتد بقمتها إلى السماء. هل تبذل جهدًا للنمو إلاَّ من خلال التواضع؟ إذن "ليحلّ المسيح بالإيمان في قلوبكم، وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة... لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله" (أف ٣: ١٧ – ١٩)[673].

القدِّيس أغسطينوس

v     نرى الكتاب المقدس لا يقدم لنا الرب تحت اسم واحد، ولا تحت الأسماء المنوطة بلاهوته فقط، أو الدالة على عظمته، بل تارة يستعمل ميزات الطبيعة (خواصه الأقنومية)، فيعرف أن يقول: "الاسم الذي يفوق جميع الأسماء" (في 2: 9)، اسم الابن، والابن الحقيقي، والله الابن الوحيد، وقوة الله وحكمته وكلمته. وتارة، بالنظر إلى كثرة سبل وصول النعمة إلينا التي بصلاحه يمنحها لطالبيه حسب حكمته الكثيرة الأوصاف، يدعوه الكتاب المقدس بنعوت أخرى كثيرة، فهو يسميه تارة الراعي، وتارة الملك، ثم الطبيب، فالعريس والطريق والباب والينبوع والخبز والفأس والصخرة. هذه التسميات لا تدل على الطبيعة، كما قلت، بل على تعدد مظاهر النشاط الذي يبذله، رحمة منه بكل فرد من خليقته، وتلبية لحاجة كل من يسأله[674].

القديس باسيليوس الكبير

v     يوجد طبيب واحد، هو في الوقت نفسه جسم وروح (إنسان وإله)، مولود gennetos، وغير مولود، الله صار إنسانًا. حياة حقيقيّة في موت (في جسدٍ قابل للموت)، كان قابلاً للموت (بالجسد) وأصبح الآن غير قابلٍ للموت (بقيامته)، من مريم ومن الله،، هو يسوع المسيح ربّنا[675].

القدِّيس أغناطيوس الثيوفورس

v     إذن لنتعبد له بكونه إله مؤمنين بتأنسه، لأنه لا نفع من القول عنه إنه إنسان وليس الله، أو أي خلاص لنا إن رفضنا الاعتراف ببشريته مع ألوهيته؟ لنعترف بحضوره إذ هو ملك وطبيب. لأن يسوع الملك إذ صار طبيبًا اتزر بكتان ناسوتنا، وشفي ما كان مريضًا. المعلم الكامل للرُضع صار رضيعًا بينهم (رو 20:2) لكي يعطى حكمة للجهلاء. خبز السماء نزل إلى الأرض لكي يطعم الجياع![676]

v     "يسوع" تعني "مخلص"، أما في اليونانية فتعني "الشافي"، إذ هو طبيب الأنفس والأجساد، شافي الأرواح، فتح عيني المولود أعمى، وقاد الأذهان إلى النور. يشفي العرج المنظورين، ويقود الخطاة في طريق التوبة، يقول للمفلوج: "لا تخطئ"، وأيضًا: "احمل سريرك وامشِ"، لأن الجسد كان مفلوجًا بسبب خطية النفس. خدم النفس أولاً حتى يمتد بالشفاء إلى الجسد.

لذلك إن كان أحدكم متألمًا في نفسه من خطاياه، فإنك تجده طبيبًا لك. وإن كان أحدكم قليل الإيمان فليقل له: "أعن عدم إيماني" (مر 24:9).

وإن أصاب أحدكم آلام جسدية، فلا يكن غير مؤمنٍ، بل يقترب فإن يسوع يعالج مثل هذه الأمراض، وليعلم أن يسوع هو المسيح[677].

القديس كيرلس الأورشليمي

v     أدوية الطبيب الكثيرة، يهب بها الشفاء... يضمِّد الجراحات بوصايا حازمة، ويبعث الدفء عندما يغفر الخطايا. وينخس القلب كما تفعل الخمر، عندما يعلن دينونته. وأركبه على دابَّته (لو 10: 34)؛ تأمَّل كيف يُصعدك (فيه) إذ حمل خطايانا وتألَّم لأجلنا (إش 53: 4). حمل الراعي أيضًا الخروف الضال على منكبيْه (لو 15: 5).

القدِّيس أمبروسيوس

لَيْتَكُمْ تَصْمُتُونَ صَمْتًا.

يَكُونُ ذَلِكَ لَكُمْ حِكْمَةً [5].

أنهم جاءوا ليقدموا مشورات حكيمة، فظهروا أنهم هم بالأكثر يحتاجون إلى من يرشدهم، ويدخل بهم إلى الحكمة. أما الحكمة التي هم في عوز إليها فهي أن يصمتوا صمتًا، فصمتهم أنفع من الكلام الباطل الجارح. وكما يقول الحكيم: "الأحمق إذا سكت يُحسب حكيمُا، ومن ضم شفتيه فهيمًا" (أم 17: 28).

v     ِ"كان الأفضل من أجل الله أن تلتزموا بالصمت، فيكون لكم حكمة" [5]... الحكيم ليس فقط من يتكلم حسنًا، مقدمًا مشورات مفيدة، ومعلنًا ما هو نافع ووقور للكل، وإنما أيضًا من يلجم نفسه (يع 3: 2)... إنه يراعي ما تغنى به داود في المزامير: "ضع يا رب حارسًا لفمي، وبابًا حصينًا لشفتي. لا تمل قلبي للشر لأتعلل بعلل الشر مع فاعلي إثم" (مز 141: 3-4).

لننعزل تمامًا عنهم حتى إن ظنوا أحيانًا أنهم يدافعون عن الله، لا بقصد تمجيد الله، وإنما للافتراء على من يكرس نفسه للبرّ، وأن يخون جندي الصلاح... إذ يحتاج الإنسان أن يهرب من المخادعين وصداقتهم، ويدير وجهه عن إطرائهم. أما رجال الصلاح فيقبلون التوبيخ الصادر عنهم، ويذكرون في وقارٍ حديثهم الخبيث ضدهم، فإن كل الأمور تؤول لخيرهم، وتعمل للصلاح (رو 8: 28)، وسرعان ما ينالون مديح الله الآب والابن والروح القدس...

لقد تحدث أيوب بعد فقدانه كل غناه كما لو كان في فيضٍ.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     كما في منزلٍ عندما يكون الباب مغلقًا لا يعرف أي الأعضاء مختفين فيه، هكذا بصفة عامة إن التزم الجاهل بسلامه (صمته) يخفي أمره إن كان حكيمًا أو غبيًا. هكذا هو الأمر متى لم يخرج عمل إلى حيز النور، فيتكلم الذهن حتى وإن كان الإنسان صامتًا. لهذا فإن القديس إذ يرى أصحابه يظهرون على ما هم ليسوا عليه يوصيهم بحفظ سلامهم (صمتهم) حتى لا ينكشفوا على ما هم عليه. هكذا قيل بسليمان: "الأحمق إذا سكت يُحسب حكيمًا" (أم 17: 28).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v    "ضع يا رب حافظا لفمي، وبابا حصينا لشفتي" (مز 141: 3). لم يقل: "حاجزًا حصينًا، بل "بابًا حصينًا". فالباب يُفتح كما أيضا يًغلق. فإن كان هذا بابًا، فليفتح ويغلق. يفتح للاعتراف بالخطية، ويغلق للغفران عن الخطية. فإنه باب للحصانة لا للتدمير[678].

القديس أغسطينوس

اسْمَعُوا الآنَ حُجَّتِي،

وَاصْغُوا إِلَى دَعَاوِي شَفَتَيَّ [6].

يدعوهم إلى الاستماع إليه عوض الكلام الباطل. بالرغم من أنهم لم يقاطعوه، لكنهم لم يبالوا بكلماته، ولا أصغوا لصرخات نفسه المرة. ظنوا أنهم دافعوا عن الله، ونطقوا بالحق، لكن بدون الحب العملي لا يعرفون الله، ولا يدركون الحق.

v     "اسمعوا الآن توبيخاتي، وأنصتوا إلى حكم شفتي" [6] حسنًا يبدأ أولاً بتقديم التوبيخ وبعد ذلك "الحكم". فإنه ما لم يخمد غرور الأحمق لا يفهم حكم البار نهائيًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

أَتَقُولُونَ لأَجْلِ اللهِ ظُلْمًا،

وَتَتَكَلَّمُونَ بِغِشٍّ لأَجْلِهِ؟ [7]

يسخف بهم أيوب لأنهم ظنوا أن الله محتاج إليهم ليدافعوا عنه، ويكشفوا عن عدله. وكأنه يقول لهم: من أنتم أيها الضعفاء العديمي الحب حتى تدافعوا عن الحق الإلهي الذي لا ينفصل عن الحب؟

خلال دعوتهم بالدفاع عن العدل الإلهي نطقوا بالغش، وقدموا اتهامات باطلة ضد أيوب، وحسبوه شريرًا، فسقطوا في الكذب والقسوة والظلم والإساءة إلى أخيهم. ويبررون هذا كله بأنه "لأجل الله". لم يدركوا أن "غضب الإنسان لا يصنع برّ الله" (يع 1: 20).

برروا تصرفاتهم الشريرة مع أيوب بأنها لتحقيق هدفٍ سامٍ وهو الدفاع عن الله، فهل تبرر الغاية الصالحة الوسيلة الشريرة؟ وكأنهم يقولون: "لنفعل السيئات لكي تأتي الخيرات" (رو 3: 8). لقد وبخ الله الذين يبغضون إخوتهم وهم يسبحون الله: "قال إخوتكم الذين أبغضوكم وطردوكم من أجل اسمي ليتمجد الرب. فيظهر لفرحكم، وأما هم فيخزون" (إش 66: 5).

من له شركة مع الله، الحق، لن يقدر أن يمارس الغش والكذب، إلا إذا انحرف الإنسان عن الله الذي لا يطيق الغش. كثيرًا ما يضع المرتل الغش مع سفك الدماء في ذات الدرجة، لأن غايته هلاك نفوس الآخرين وممتلكاتهم أو كرامتهم، وإذا بالغاش يُهلك نفسه، ويحرم نفسه من المجد والتطويب الأبدي.

"تهلك المتكلمين بالكذب، رجل الدماء والغش يكرهه الرب" (مز 5: 6).

"طوبى لرجلٍ لا يحسب له الرب خطية، ولا في روحه غش" (مز 32: 2).

"صن لسانك عن الشر، وشفتيك عن التكلم بالغش" (مز 34: 13).

"وأنت يا الله تحدرهم إلى جب الهلاك، رجال الدماء والغش لا ينصفون أيامهم، أما أنا فاتكل عليك" (مز 55: 23).

"لا يسكن وسط بيتي عامل غش، المتكلم بالكذب لا يثبت أمام عيني" (مز 101: 7).

"ماذا يعطيك، وماذا يزيد لك لسان الغش؟" (مز 120: 3).

"موازين غش مكرهة الرب، والوزن الصحيح رضاه" (أم 11: 1).

"الشرير يكسب أجرة غش، والزارع البرّ أجرة أمانة" (أم 11: 18).

"من يتفوه بالحق يظهر العدل، والشاهد الكاذب يظهر غشًا" (أم 12: 17).

"الغش في قلب الذين يفكرون في الشر، أما المشيرون بالسلام فلهم فرح" (أم 12: 20).

"حكمة الذكي فهم طريقه، وغباوة الجهال غش" (أم 14: 8).

"الشاهد الأمين منجي النفوس، ومن يتفوه بالأكاذيب فغش" (أم 14: 25).

"معيار فمعيار مكرهة الرب، وموازين الغش غير صالحة" (أم 20: 23).

"ذبيحة الشرير مكرهة، فكم بالحري حين يقدمها بغشٍ" (أم 21: 27).

"بشفتيه يتنكر المبغض، وفي جوفه يضع غشًا" (أم 26: 24).

"لأن روح التأديب القدوس يهرب من الغش، ويتحول عن الأفكار السفيهة، وينهزم إذا حضر الإثم" (الحكمة 1: 5).

"خطفه لكي لا يغير الشر عقله، ولا يطغي الغش نفسه" (الحكمة 4: 11).

"لا تدخل كل إنسان إلى بيتك، فإن مكائد الغشاش كثيرة" (سيراخ 11: 31).

v     ألا تتكلمون أمام الرب، وتنطقون بالغش أمامه، بالرغم من كلماتكم الرائعة. هذا هو ما يود أن يقوله: إنكم لا تعتقدون أن الله يصغي إلى ما تقولونه، لأن الخداع يلقنكم الحوار. ليس من دافعٍ حسن يحرككم، وإنما الرغبة في الإساءة إلى شهرتي، وتقديم تعليقات جارحة. فإنه وإن كانت كلماتكم لائقة، فإنكم لا تعبرون بها عن نية حسنة؛ إنها لا تطلب التقويم والإصلاح والتقدم، بل تطلب الهدم، فإنكم لستم تعلمون إنسانًا جاهلاً تمامًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "هل يحتاج الله إلى كذبكم، فتتكلمون بغش لأجله؟" لا يحتاج الله إلى كذب، فإن الحق لا يقبل أن يتحقق بمعونة الباطل... ينطق الهراطقة بالغش لأجله، حيث يخدعون أصحاب العقول الضعيفة مضللين مفاهيمهم عن الله بطريقة حمقاء.

البابا غريغوريوس (الكبير)

في تعليق القديس أغسطينوس على مز 55: 23، يقارن بين سافكي الدماء والهراطقة المخادعين والمتكلمين بالغش فيقول أن سافكي الدماء هم قتلة ظاهرون يسفكون دماء الأجساد ولا يقتلون النفوس، أما الهراطقة فيهلكون النفوس ويسفكون دمها غير المنظور. إنهم سافكو دماء ومخادعون![679]

في تعليقه على تساؤل المرتل وإجابته: "ماذا يعطيك، وماذا يوضع أمامك مقابل لسان الغش؟ سهام جبار مسنونة مع جمر مهجور" (مز 120: 3-4) يرى مقاومة أصحاب الألسنة الغاشة لا تكون بالكلام المجرد، إنما تحتاج إلى كلمة الله، السهام المسنونة التي للجبار، مع وجود أمثلة حية لأشخاص أبرار كانوا كقفرٍ مهجورٍ بلا حياة وصاروا ملتهبين كالجمر. يقول: [لا يكفي أن نرد عليهم بالكلمات، إنما ندافع بالأمثلة أيضًا... فالكلمة: "جمر" تستخدم للتعبير عن أمثلة لخطاة كثيرين رجعوا إلى الرب. إنكم تسمعون أناسًا يندهشون قائلين: "أنا أعرف إنسانًا كيف كان مدمنًا السكر، كم كان في دنائة يهوى المسارح والسيرك ويحب الخداع، الآن ها هو يخدم الله، كيف صار هكذا بريئًا! لا تتعجبوا، فإنه صار جمرًا حيًا. لتفرحوا أنه حي، ذاك الذي حزنتم عليه بكونه كان ميتا[680].]

أَتُحَابُونَ وَجْهَهُ،

أَمْ عَنِ اللهِ تُخَاصِمُونَ؟ [8]

لا يحتاج الله إلى مدافعين عنه، في دفاعهم يبغضون اخوتهم. "أتحابون وجهه؟ أم عن الله تخاصمون؟" كيف يخدمون الله بالبغضة والكراهية لاخوتهم؟ ففي غيرتهم على الله، يهينون الله ويسلبون كرسي حكمه بكونه الديان للبشر. إذ هو وحده يعرف كل نفس وقوتها وميولها، ومواهب الإنسان وتكوينه البيولوچي وطاقاته والظروف المحيطة به. وبناء على هذا كله فهو الذي يدين أو يبرر. حقًا قد نعرف إنسانًا أخطأ خطية معينة وربما واضحة لا تحتاج إلى بحث، لكن هل يمكن أن نحكم على الإنسان ككلٍ من أجل خطية أو خطايا ارتكبها في وقتٍ ما، ونحن لا نعرف أعماقه أو ظروفه؟!

v     "هل تنوبون عن شخصه؟ هل عن الله تخاصمون؟" [8] لأنه عندما يرى الأغبياء أفعال الحكماء تبدو لهم كلها إنها مستحقة للوم. ينسون فراغهم ونقائصهم، ويحكمون على تصرفات الغير بغيرة أعظم... ومن الجانب الآخر عندما يوبخ الأبرار تصرفات الأشرار، يعترفون دومًا بضعفاتهم هم وأنهم مستحقون للوم. فإنهم حتى وإن انتهروا واندفعوا بقوة لمقاومة شرور الآخرين من الخارج غير أنهم يتعاطفون معهم في الداخل، مدركين أن فحص خطايا الناس هو من اختصاص الله... لهذا فإن أصدقاء أيوب الطوباوي وبخوا أعماله كما لو كانوا لم يرتكبوا هم شيئًا ملومًا.

حسنًا قيل هنا: "هل تنوبون عن شخصه؟ هل عن الله تخاصمون؟" فإن يرتدى الشخص وجه الله يعني أنه يدعي لنفسه سلطانه في الإدانة، ويخاصم الشخص عن الله عندما ينتهر نقاط الضعف في الآخرين ولا يشعر بضعفه الشخصي الداخلي.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     قال شيخ: "إذا كان لا يعرف ما في الإنسان إلاَّ روحه كقول الرسول، وإذا كنا نعلم أن كثيرين تابوا ولم نعلم بتوبتهم، إذن قد يتوب الإنسان في آخر حياته، وتُقبل كتوبة اللص، فعليك إلاَّ تدين أحدًا. فالديان هو الله وحده، فكيف يجسر أحد أن يتدخل فيما هو خاص بالله؟!"

بستان الرهبان

v     لا تكن ديانًا لأخيك، لتؤهل أنت للغفران، فربما تراه دائمًا مخطئًا، لكنك لا تعلم بأية خاتمة يفارق العالم. فاللص المصلوب مع يسوع كان قاتلاً وسفاكًا للدماء، ويهوذا كان تلميذًا للمسيح ومن الأخصاء، إذ كان الصندوق عنده، إلاَّ أنهما في زمن يسير تغيرا، فدخل اللص الفردوس، واستحق التلميذ المشنقة وهلك.

القديس أنسطاسيوس

v     انظروا يا اخوتي، إن عمل الخدام في عرس ابن الملك (مت ٢٢) لم يكن سوى جذب الصالحين والأشرار إلى الوليمة، ولم يقل الرب عنهم أنهم دانوا المدعوين وميّزوا بين الصالحين والأشرار، ولا قال عنهم إنهم وجدوا من ليس عليه لباس العرس، بل الملك نفسه هو الذي رآه، سيد البيت وحده هو الذي اكتشفه وأخرجه.

القديس أغسطينوس

v     إن أبصرت إنسانًا قد أخطأ وشاهدته في الغد، فلا تنظر إليه كخاطئ، فإنك لا تعرف إن كان في فترة غيابك عنه قد عمل شيئًا صالحًا بعد السقطة، إنما تضرع إلى الرب بزفرات وعبرات مرّة، مستعطفًا إياه!

مار أفرام السرياني

3. الله يدينهم

أَخَيْرٌ لَكُمْ أَنْ يَفْحَصَكُمْ،

أَمْ تُخَاتِلُونَهُ كَمَا يُخَاتَلُ الإِنْسَانُ؟ [9]

من صالحهم، والأفضل لهم أن يفحص الله قلوبهم، ويكشف لهم كراهيتهم لإخوتهم وبغضهم للحق، عن أن يتستروا بالدفاع الظاهري عن الله، فيخاتلونه (بخدعونه في غفلةٍ) كما يُخاتل الإنسان.

v     كل مبتدع بالنسبة لله هو "عدو ومدافع"، فإنه في صراعه وفي طريق دفاعه عن الله يقاوم الحق. لكن لا يمكن أن يهرب شيء من نظر الله، إذ يحكم حسب أفكار القلب أكثر من المظهر الخارجي الذي يبدو فيه كمن يخدم الله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     كيف يقاومون الحق إلاَّ بواسطة غرور كبريائهم المتشامخ باطلاً؛ بينما يقيمون أنفسهم متشامخين إلى العُلَى كعظماء وأبرار، وإذا بهم يعبرون كالهواء الفارغ[681].

القديس أغسطينوس

v     إن كان أحد يعترض على وجود هراطقة الآن، فليذكر أن الأمر هكذا منذ البداية، إذ كان الشيطان يقيم الضلال على الدوام في مقابل الحق. في البداية وعد الله بالصالحات، وقدم أيضًا الشيطان وعده. أقام الله الفردوس، وخدع الشيطان الإنسان بقوله: "تصيران كالله" (تك ٣: ٥)، فإن كان قد عجز عن تقديم عمل قدم وعودًا هي بالأكثر كلمات، وهذه هي طبيعة المخادعين.

بعد هذا جاء قايين وجاء معه هابيل،

أبناء شيث ومعهم بنات الناس،

حام ومعه يافث،

إبراهيم (وفي أيامه) وُجد فرعون،

يعقوب ومعه عيسو.

وهكذا جاء موسى (وهرون) وقام الساحران.

الأنبياء ومعهم الأنبياء الكذبة.

الرسل والرسل الكذبة،

المسيح وسيجيء ضد المسيح.

هذا ما كان قبلاً، وما حدث إلى ذاك اليوم... وفي اختصار لم يكن هناك وقت لم يوجد فيه الباطل ليقف ضد الحق. إذن لا تقلقوا[682].

القديس يوحنا الذهبي الفم

تَوْبِيخًا يُوَبِّخُكُمْ، إِنْ حَابَيْتُمُ الْوُجُوهَ خِفْيَةً [10].

في توبيخهم لأيوب بهذه الروح المملوءة بغضة، صاروا محابين للوجوه ولو خفية، لذا لا يُحسبون في عين الله مستحقين للمدح، بل للتوبيخ بشدة. يستقبح الله الكراهية المستترة تحت الدفاع عن الله وعن مجده وملكوته. لعله قصد بمحاباة الوجوه أنهم كانوا يكرمونه ربما بمبالغة في غناه، وبلا سبب تغير سلوكهم تمامًا عندما افتقر وفقد مركزه الاجتماعي وسلطانه كملكٍ أو قائدٍ وأيَضًا كل ماله. لقد حذرنا الكتاب من المحاباة.

"والآن لتكن هيبة الرب عليكم، احذروا وافعلوا، لأنه ليس عند الرب إلهنا ظلم، ولا محاباة، ولا ارتشاء" (2 أخبار 19: 7).

"هذه أيضًا للحكماء محاباة الوجوه في الحكم ليست صالحة" (أم 24: 23).

"محاباة الوجوه ليست صالحة فيذنب الإنسان لأجل كسرة خبز" (أم 28: 21).

"لأن ليس عند الله محاباة" (رو 2: 11).

"وانتم أيها السادة افعلوا لهم هذه الأمور، تاركين التهديد، عالمين أن سيدكم أنتم أيضًا في السماوات، وليس عنده محاباة" (أف 6: 9).

"وأما الظالم فسينال ما ظلم به، وليس محاباة" (كو 3: 25).

"أناشدك أمام الله والرب يسوع المسيح والملائكة المختارين، أن تحفظ هذا بدون غرض، ولا تعمل شيئا بمحاباة" (1 تي 5: 21).

"يا إخوتي لا يكن لكم إيمان ربنا يسوع المسيح رب المجد في المحاباة" (يع 2: 1).

"وإن كنتم تدعون أبًا الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحدٍ، فسيروا زمان غربتكم بخوفٍ" (1 بط 1: 17).

يقول البابا غريغوريوس (الكبير) إن الله هو فاحص أسرار القلوب ولا يخفي عنه شيء (1 كو 4: 5)، فقد يحدث تحت ستار الدفاع عن الحق، يلوم البعض الإنسان البار، ويحابون من يقف ضد البار، بينما يقفون في صف المجدفين على الله. هؤلاء يدعون أنهم يمجدون الله، بينما لا يحملون إخلاصًا في تصرفاتهم. إنهم مثل الشياطين التي قالت للسيد المسيح: "أنت هو ابن الله" (مر 3: 11)، وهم في هذا لا يطلبون مجده، بل يرتعبون مما سيحل عليهم.

v     ما هو النفع الذي يعود عليك بتكريمك (محاباتك) للغني؟ هل لأنه أكثر استعدادًا لإبقاء محبة الآخرين له؟ فنقدم المعروف لمن نتوقع منهم أنهم سيوافوننا عنه. إنه يلزمنا أن نفكر بالأكثر فيما يخص الضعفاء والمحتاجين لأننا بسبب هؤلاء نترجى الجزاء من الرب يسوع، الذي في مثال وليمة العرس (لو ١٤: ١٢-١٣) قدّم لنا صورة عامة للفضيلة. فقد طلب منا أن نقدم أعمالنا بالأكثر لمن ليس في قدرتهم ردها لنا[683].

v     إن كان ملكوت الله للمساكين، فمن هو أغنى منهم؟

القديس أمبروسيوس

v     الجميع عند الله متساوون، إنما تسمو منزلة كل واحدٍ منهم حسب إيمانه، وليس حسب أمواله.

القديس أغسطينوس

v     كثيرون ينتهرونني قائلين: أنت دائمًا تُضيِّق على الأغنياء، وهم بالتالي يُضيِّقون على الفقراء.

حسنًا إنني أُضيِّق على الأغنياء، أو بالحري ليس على الأغنياء، بل على الذين يُسيئون استخدام الأموال. فأنا لا أهاجم أشخاصهم بل جشعهم. فالغِنَى شيء، والجشع شيء آخر، وجود فائض شيء والطمع شيء آخر.

هل أنت غني؟ أنا لا أمنعك من هذا. كن غنيًا.هل أنت جشع؟ إنني أتوَعَّدك... إنني لن أسكت.

هل تهاجمني بسبب هذا؟ إنني مستعد أن يُسْفَك دمي، لكنني أريد أن أمنعك عن أن تخطيء. إنني لا أُكِنُّ لك بغضة، ولا أشنّ عليك حربًا، إنما أريد أمرًا واحدًا هو نَفْع المستمعين إليَ.

إن الأغنياء هم أولادي، والفقراء أيضًا أولادي. إن رَحمًا واحدًا (المعموديّة) تَمَخَّض بهم بشدة. فالكل هم نسل لمن تَمَخَّض بهم. فإن كنت تَكيل الإهانات للفقير، فإنني أَتَوَعَّدك، لأن الفقير في هذه الحالة لا تحل به خسارة مثلك. لأنه لا يسقط في الخطأ، بل ما يصيبه من خسارة هو مجرد فقدانه المال، أمَّا أنت فكغني تلحق بك الخسارة في روحك[684].

القديس يوحنا ذهبي الفم

فَهَلاَّ يُرْهِبُكُمْ جَلاَلُهُ،

وَيَسْقُطُ عَلَيْكُمْ رُعْبُهُ! [11]

يحذرهم أيوب من تصرفاتهم غير اللائقة، فإنهم إذ يظنون أنهم يدافعون عن الله، إذا بهم يسقطون تحت غضبه، لأنهم يسلكون بالشر، فتسقط عليهم رهبة جلاله ورُعبه.

v     الآن يدرك الأبرار رهبة الله قبل أن يثور سخطه عليهم. إنهم يخافونه وهو في هدوء (من جهتهم)، لئلا يلتزموا بالشعور به عند تحركه بالغضب. من الجانب الآخر، فإن الأشرار يرتعبون منه لأول مرة عندما يُضربون بالعصا، ويقيمهم الرعب من حالة النوم في جمودهم، إذ يقلقهم الانتقام. هكذا قيل بالنبي: "يكون الانزعاج وحده هو السند لفهم ما يسمعونه" (راجع إش 28: 19). فإنهم إذ يبدأون في السقوط تحت ضربات الانتقام بسبب استخفافهم بوصايا الله وإهمالهم لها، يفهمون ما يسمعونه. يقول المرتل: "إذ قتلهم طلبوه" (مز 78: 34)...

البابا غريغوريوس (الكبير)

خُطَبُكُمْ أَمْثَالُ رَمَادٍ،

وَحُصُونُكُمْ حُصُونٌ مِنْ طِينٍ! [12]

افتخر أصدقاء أيوب بأنهم مدافعون عن الله وعدله وأحكامه، فإذا بكل أحاديثهم تشبه الرماد، تافهة وبلا قيمة، يهب الريح فيتلاشى الرماد. تطير أفكارهم من أجسادهم الترابية، يعبرون وتعبر معهم حكمتهم البشرية. إنهم لا يكدسون حكمة للزمن، بل أكوامًا من الطين، يريد أولاد الله الخلاص منها.

يشّبه أحاديثهم بالتراب، لأنها تقوم على أفكار أرضية زائلة، ولا تعتمد على الحكمة السماوية الأبدية. يتحصنون بالمنطق البشري، الذي لن يقدر أن يحميهم إلا إلى لحظات.

v     "تذكارهم مثل رمادٍ" [12]. كل الذين يتشكلون حسب الحال الحاضر، تكون أفكارهم أرضية، فإنهم بكل ما يفعلونه يتركون ذكرى وقتية لهم في العالم. البعض يجاهدون في حربٍ، وآخرون بإشادة مبانٍ شاهقة، والبعض بتسجيل كتبٍ تحمل خبرات هذا العالم. إنهم يتعبون ويصارعون ويبنون لكي يقيموا ذكرى لأسمائهم. ولكن إذ تجري الحياة نحو النهاية بسرعة، أي شيء يثبت فيها، حينما تهوي الطبيعة عينها بسرعة؟

نسمة الهواء تذرى الرماد، كما هو مكتوب: "ليس كذلك الأشرار، لكنهم كالعصافة التي تذريها الريح" (مز 1: 4). بحق تُقارن ذكرى الأغبياء بالرماد، حيث يكون موضعها هو أن تذريها نسمة الهواء. بقدر ما يتعب الإنسان لينال مجدًا لاسمه، يضع ذكراه التي كالرماد في مهب رياح الإماتة المسرعة إلى لحظة. على عكس هذا كُتب عن الصديق: "الصديق يكون لذكرٍ أبديٍ" (مز 112: 6). فإنه بذات الظروف حيث يطبع أعماله على عيني الله وحده، يثبت اسمه لذكراه في العالم الأبدي.

v     "وتنحط أعناقكم إلى الطين" [12]... هكذا تنحط العنق إلى الطين، عندما ينزل كل متشامخٍ إلى الموت، وينحل الجسد الذي ارتفع في الفساد. لنتأمل في جثث الأغنياء الملقاة في قبورهم، أي نوعٍ من الموت حلّ بالجسد الذي بلا حياة، ما هي نتانة فساده!

البابا غريغوريوس (الكبير)

4. دعوة للصمت

اُسْكُتُوا عَنِّي، فَأَتَكَلَّمَ أَنَا،

وَلْيُصِبْنِي مَهْمَا أَصَابَ [13].

إن كان قد أُصيب أيوب بتجاربٍ هذا مقدارها، فإنها أهون مما أصابه من كلمات أصدقائه. تجاربه لن تدينه بل تزكيه، أما كلماتهم الشريرة وكذبهم وبغضهم، فمصائب أخطر من كل نكبة أو كارثة!

يليق بهم أن يصمتوا لأنهم محبون للجدال غير النافع. ليتكلم أيوب، ويكشف لهم ما هم عليه، حتى وإن تكلم وهو جالس في المزبلة يرتدى ثوبًا من الدود المحيط به.

لا يبالي أيوب بما يصيبه: "وليصبني مهما أصاب"، ومهما فسروا هذه المصائب، وفكروا فيه أسوأ تفكير، فإن هذا كله لن يوقف شهادة ضميره التي يقدمها بكل استقامةٍ ونزاهةٍ.

v     "اسكتوا عني قليلاً، فأتكلم ما يمليه عليّ فكري" [13]. إنه يظهر أنهم تكلموا بإدراك جسدي، هؤلاء الذين يلزمهم بالصمت، ليتكلم حسبما يمليه عليه عقله. كأنه يقول بكلمات واضحة: "لست أتكلم بطريقة جسدية بل روحية، لأنني اسمع بإدراك روحي الأمور التي أقدمها بخدمة الجسد.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     عندما تلتقي بإنسان محب للمجادلات، ويبدأ يجادل معك فيما هو بديهي وحق، اقطع الحديث وانسحب سريعًا، إذ تَحوَّل ذهنه إلى حجر.

فكما أن الماء يفسد أجود أنواع الخمور، هكذا المناقشات الغبية تفسد الفضلاء في السيرة وفي طباعهم[685].

القديس أنطونيوس الكبير

5. عتاب مع الله

لِمَاذَا آخُذُ لَحْمِي بِأَسْنَانِي،

وَأَضَعُ نَفْسِي فِي كَفِّي؟ [14]

لعل أيوب يود أن يبرز رغبته في الشهادة للحق تحت كل الظروف، ليس فقط عندما مُزق بسبب كوارثه، وإنما حتى إن مزق جسمه بأسنانه، وإن وضع نفسه على كفه ليسلمها للموت، هذا كله لن يجعله يصمت عن الكشف عن براءته في الرب، وعن خطأ تفسير أصدقائه للأحداث.

v     إنها تعني: لماذا أدين نفسي بطريقة صارمة أمام البشر، أو أظهر ما يميل إليه قلبي مادام هذا ليس فيه بنيان قريبي، سواء بإدانة شروري أو إبراز صلاحي؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     يقول: إنني أكون مثل هؤلاء الذين لهم تعزية بافتراسهم لأنفسهم؛ مثل أولئك الذين يعضون أجسامهم بشدة، مختبرين نوعًا من تخفيف آلامهم، هذا ما يحدث معي عندما أعبِّر عن نفسي بهذه الطريقة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     هذا هو السبب أنه يأخذ لحمه بأسنانه، كلماتهم الباطلة المثيرة. إنه يتكلم في غضبٍ، ويود أن يهدئ من نفسه.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الأسنان هنا تشير إلى الحواس الداخلية التي تمضغ ما يشغل الذهن، وتقدمه لبطن الذاكرة. [لذلك بحق قيل: "كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه" (إر 31: 30). ما هو الحصرم إلا الخطية؟ الحصرم هو ثمرة قبل الأوان. فمن يشتهي أن يشبع بملذات الحياة الحاضرة يكون كمن يُسرع فيأكل ثمرة قبل أوانها. لهذا فإن أسنان من يأكل الحصرم تضرس، بمعني أنه وهو يقتات ببهجة الحياة الحاضرة تكون له إدراكات عاجزة عن الأكل، أي تعجز عن إدراك الروحيات. لذات السبب إذ يبتهجون بالأمور الخارجية يصيرون متبلدي الحس من جهة الأمور الداخلية، وبينما تقتات النفس على الخطية، تعجز عن أن تأكل خبز البرّ. وإذ ترتبط الأسنان بعادة الخطية لن يمكنها أن تمضغ ذلك الصلاح لتستمع في الداخل.]

كأن أيوب وقد أراد ان يأخذ الأمور الخارجية (لحمه) بمفاهيم روحية، يمضغها بأسنان روحه ليتمتع بالملذات الروحية التي لا يقبلها أصدقاؤه، لأنهم يطلبون مجد العالم وملذات الجسد. يقاومونه ويطلبون هلاكه، لأن الجسدانيين لا يطيقون الروحيين.

هُوَذَا يَقْتُلُنِي.

لاَ أَنْتَظِرُ شَيْئًا.

فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ [15].

اعتزم أيوب على التمسك بطريقه، ولم يشأ قط أن يتخلى عن الراحة التي وجدها في السير باستقامة مع الله مهما بلغت ضيقاته، ولو إلى الموت. فيقول مع حزقيا: "آه يا رب. أذكر كيف سرت أمامك بالأمانة وبقلبٍ سليم؟" (2 مل 20: 3). حتى وإن دفعت بي التجارب إلى قتلي، فإني أبقى واثقًا فيه، أو مملوء رجاءً فيه، لكي أتزكى أمامه.  إني صديقه وهو صديقي، لن أتخلى عن الالتصاق به، حتى وإن بدا كعدوٍ لي يسلمني للتجارب حتى الموت.

v     "وإن كان يقتلني إلا إني أثق فيه" [15]... يكون الإنسان بالحق صابرًا عندما تحلّ به الكوارث... بهنا يتميز الذهن البار عن الشرير؛ ففي وسط الضيق، يعرف الأول أن المجد لله القدير لا يهتز مع الأحداث العالمية، فلا ينهار مع انهيار المجد الخارجي، بل بالحري يؤكد أنه يكون أكثر قوة عندما يفقد الخيرات الزمنية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضًا" (٢ كو 1: 5)... إنه يسمو بنفوسنا حاسبًا هذه الآلام خاصة به، فأي فرح يشملنا أن نكون شركاء المسيح، من أجله نتألم! بالإيمان ندرك الميلاد الجديد والقيامة. فالذين يؤمنون بيسوع المُقام حقًا، يلزمهم أن يقدموا أنفسهم للآلام. والذين لهم شركة في آلامه، يقومون معه أيضًا. "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهًا بموته لعلي أبلغ إلى قيامة الأموات" (في ٣: 10)[686].

v     الإنسان المحب الملتصق بالله على الدوام لا تؤذيه الأمواج مهما كثرت، بل على العكس يخرج منها بقوةٍ جديدةٍ. أما الإنسان الضعيف المتخاذل فإنه يسقط كثيرًا حتى ولو لم يوجد ما يضايقه[687].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     إن كان كلما كثرت آلام المسيح هكذا أيضًا تزداد التعزية بالمسيح فلنرحب بآلام المسيح المشجّعة. ولتفض فينا، إن كنا بالحق نطلب التعزية الفيّاضة التي بها يتعزّى كل الحزانى، وإن كانت ليست متشابهة بالنسبة لكل واحدٍ. فلو أن التعزية متشابهة لكل أحدٍ ما كان قد كتب أنه كلما كثرت آلام المسيح فينا، هكذا تكثر التعزية بالمسيح جدًا. الذين يشتركون في الآلام سيشتركون أيضًا في التعزية حسب شركتهم في آلام المسيح[688].

العلامة أوريجينوس

فَهَذَا يَعُودُ إِلَى خَلاَصِي،

أَنَّ الْفَاجِر َ(المرائي) لاَ يَأْتِي قُدَّامَهُ [16].

لا يقصد هنا الخلاص الوقتي، فقد كان رجاؤه في الخلاص من تجاربه في هذا العالم وعودته إلى ما كان عليه يكاد يكون معدومًا، لكنه يترجى خلاصه الأبدي حيث يلتقي مع  الله، ويراه وجهًا لوجه. أما سرّ ثقته في خلاصه الأبدي، فهو أنه يعلم بأن علاقته بالله ليس فيها رياء ولا انحراف، فالله لا يلتصق بالمرائيين، ولن يسمح لهم بالوقوف أمامه يتمتعون بمجده.

v     "فإن المرائي (الفاجر) لا يأتي قدامه" [16]... يلزمنا أن نضع في أذهاننا أننا نأتي أمام الرب بطريقين.

نحاسب أنفسنا على معاصينا هنا ونحكم عليها أمامه ونعاقبها بالبكاء. فإننا في أي وقت نذكر إدراكنا لقوة خالقنا، نكون كمن يقف أمامه. هكذا حسنًا قال إيليا رجل الله: "حي هو الرب إله إسرائيل الذي أقف أمامه.

والطريق الآخر هو أن نأتي أمام الله عندما نُحضر أنفسنا أمام منبره فقط في الدينونة الأخيرة. هكذا فإن المرائي - في الحساب الأخير - يأتي أمام الديان، لكنه إذ يغمض عينيه عن التطلع إلى خطاياه هنا وانتحابها، يرفض أن يأتي أمام الرب.... وإذ يفسد ذهنه بكلمات المديح الموجهة إليه، لن يستدعيه للتعرف على الخطية، ولا يدرك أنه يعارض الديان الداخلي، ولا يخشى حزمه... بهذا لا تتجه عيناه إلى حزم الله، إذ يطمع في أن يبهج عيون الناس.

v     "لكنني أوبخ طرقي قدامه، سيكون هو خلاصي" [15] يقول بولس الرسول: "لأننا لو كنا حكمنا على أنفسنا لما حُكم علينا" (1 كو 11: 31). يكون الرب خلاصنا قدر ما نوبخ خطايانا بمخافة الله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     سأحكم على نفسي، حتى لا يحكم عليّ ذاك الذي فيما بعد سيدين الأحياء والأمـوات (2 مك 7: 18- 19)[689].

القديس أغسطينوس

v     "تأمل إذن ذاتك" حتى تبلغ معاينة الله[690].

القديس باسيليوس الكبير

v     ليكن هذا هو اهتمامك الأول ألا تخدع نفسك.

القديس ميليتو أسقف ساردس

v     الرياء أمر مكروه لدى الله، وممقوت من الناس، لا يجلب مكافأة، ولا يصلح قط في خلاص النفس بل بالحري يهلكها.

إن كان أحد يهرب بالرياء لئلا يُكتشف أمره، فإلى حين، إذ لا يدوم كثيرًا، بل ينكشف كل شيء، فيجلب على صاحبه عارًا. وهكذا يكون أشبه بامرأة قبيحة المنظر، تُنزَع عنها زينتها الخارجيَّة التي وُضعت لها بطرق صناعيَّة.

الرياء إذن غريب عن القدِّيسين، إذ يستحيل أن يفلت شيء مما نفعله أو نقوله من عيني اللاهوت، إذ قيل: "ليس مكتوم لن يُستعلن، ولا خفي لا يُعرف" (لو 12: 2). فإن كانت كل كلماتنا وأعمالنا ستُعلن في يوم الدينونة، فالرياء مُتعب وبلا منفعة. يليق بنا أن نتزكَّى كعابدين حقيقيِّين نخدم الله بملامح صادقة وصريحة [691].

القدِّيس كيرلس الكبير

سَمْعًا اسْمَعُوا أَقْوَالِي،

وَتَصْرِيحِي بِمَسَامِعِكُمْ [17].

يعود فيدعوهم أن يكفوا عن الاتهامات ويصغوا بآذانهم، حتى يتمتعوا معه باللقاء مع الله خلال الإخلاص والنقاوة والحب.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن أيوب يكرر كلمة "اسمعوا"، إذ يريدهم ألا يسمعوا بأذانهم الخارجية فحسب، وإنما أن ينصتوا بأذانهم الداخلية أيضًا حتى يفهموا أعماق كلماته بطريقة روحية.

هَأنَذَا قَدْ أَحْسَنْتُ الدَّعْوَى.

أَعْلَمُ أَنِّي أَتَبَرَّرُ [18].

إنه ليس في حاجة إلى شهادتهم، فقد أحسن الدعوى أمام الله، وقدم له إخلاص ضميره ونقاوة قلبه فيتمتع بالبراءة خلال نعمة الله.

v     "ها أنا قريب جدًا من حكمي، أعلم إنني سأوجد بارًا". هذا هو الحكم الذي يقال عنه في سفر آخر: "سيظهر برَّكم كالنور، وحكمكم كالظهيرة". لكنه لم يقل: "أنا بالفعل هكذا"، بل "أنا قريب جدا". فإن كان حكمه الذي يعنيه لم يكن هكذا كما اختبره، إنما سيكون هكذا في اليوم الأخير، حيث يُدان الكل، فيوجدون أبرارًا هؤلاء الذين يصلون بإخلاص: "اغفر لنا ما علينا، كما نغفر نحن لمن لنا عليهم" ( مت 6:12). فخلال هذه المغفرة يوجدون أبرارًا، إذ تُمحى الخطايا التي ارتكبوها هنا وذلك بأعمال المحبة التي مارسوها (بغفرانهم للغير)[692].

القديس أغسطينوس

v     "ها أنا قريب من ديَّاني". يليق بالخصم أن يبكم لسانه، وإنما الديان هو الذي يتكلم...

v     "أنا أعرف إنني سأظهر بارًا"، فإنني قد تممت كل الناموس، ونفذت كل الوصايا. لم أبالِ بخطاياي غير المعروفة، وتلك التي ارتكبتها بإرادتي، فقد غسلتها بالصلاة والدموع. "إني أعرف إنني سأظهر بارًا". بالرغم من أن العدو يرغب في إخفاء بري بإثارة أصحابي لاتهامي، فإنني حتى في هذا سأظهر بارًا، بينما حجاب هذه الحياة الحاضرة سيُفتح، بينما سُحب حال هذه الحياة فاسدة، لكنني حتى الآن أظهر بارًا مادام صبري قائمًا حتى النهاية، وسأظهر شجاعة في التجارب حتى المنتهى.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

يري البابا غريغوريوس (الكبير) أن ما قاله الطوباوي أيوب عن نفسه يحمل تواضعًا، فقد شهد الله نفسه عنه أنه ليس مثله على الأرض، وشتان بين شهادة الله له وبين قول أيوب عن نفسه في جداله مع أصدقائه الذين صاروا متهمين له بأنه بار. لقد رفض أن يصف نفسه أنه أعظم من غيره، مكتفيًا بتبرير نفسه من اتهامات أصحابه له.

مَنْ هُوَ الَّذِي يُخَاصِمُنِي،

حَتَّى أَصْمُتَ الآنَ، وَأُسْلِمَ الرُّوحَ؟ [19]

في يقين بمراحم الله المتسعة للمؤمنين المخلصين لا يبالي بخصومتهم، ولا يخشى التأديب الإلهي، إنما في طمأنينة يسلم روحه ويجد راحة أبدية.

يقدم لنا أيوب صورة حية للمسيحي الذي يتمتع برؤيا صادقة لعمل الصليب في حياته، كيف حرره من إبليس خصمه، وشهَّر به، فصار العدو تحت قدميه. بهذا لا يخاف منه ولا يرتعب، بل يسخر به.

v     إذ رأى في تصرفاته الخارجية ليس من إمكانية لأن يلومه أحد لهذا بكل حرية يتطلع نحو أي متهم له.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     تسقط الأرواح في الحزن، وإذ تريد هلاكنا تهلك هي بواسطتنا بنفس التهلكة التي يرغبونها لنا. ولكن لا تعني هزيمتهم أنهم يتركوننا بغير رجعة...

إذ تهلك قواهم ويفشلون في صراعهم معنا، نقول: "فليخزَ وليخجل الذين يطلبون نفسي لإهلاكها، ليرتد إلى الوراء ويخز المسرورون بأذيتي" (مز 40: 14). وأيضًا يقول إرميا: "ليخز طارديّ ولا أخزَ أنا، ليرتعبوا هم ولا أرتعب أنا، أجلب عليهم يوم الشر واسحقهم سحقًا مضاعفًا" (إر ١٧: ١٨)، إذ لا يقدر أحد أن يشك في أنه متى انتصرنا عليهم يهلكون هلاكًا مضاعفًا[693].

الأب سيرينوس

v     إن قلت إن القوة المضادة قوية جدًا، وإن للشر سيادة كاملة على الإنسان، فإنك بهذا تنسب لله الظلم حينما يدين البشر بسبب خضوعهم للشيطان، لأن الشيطان قوي جدًا ويُخضع البشرية بقوة لا تُقاوم. بهذا تجعل الشيطان أعظم وأقوى من النفس، ثم تقول لي لا تخضع للشيطان. هذا مثل معركة بين شاب وطفل صغير، فإذ ينهزم الطفل يُدان على هزيمته. هذا ظلم عظيم![694]

القديس مقاريوس الكبير

v     أفكار الشيطان هي مجرد تصور عقلي محض لشيء (أو عمل) شرير والذي يُمكَّنه من التملك علينا أو حتى مجرد الاقتراب إلى عقلنا هو ضعف إيماننا. لأننا بعدما تسلِّمنا الوصية لنطرح عنا كل الارتباكات ونحفظ قلوبنا في يقظة كاملة (أم 23:4)، ونطلب ملكوت الله الذي هو في داخلنا، إذ تخلى العقل عن القلب وعن الغرض الذي نسعى إليه، بهذا أفسحنا المجال في الحال لتخيلات الشيطان، وصار العقل متساهلاً في قبول أي مشورة شريرة.

 حتى إلى هذا الحد، ليس للشيطان أي سلطان أن يحرك أفكارنا وإلا ما كان يرحمنا بل كان يدس لنا كل أنواع الأفكار الشريرة ولا يسمح لنا بأي صلاح. إنما قدرته محصورة في مجرد تقديم مشورة كاذبة في بدء كل فكر، ليختبر أي جهة يميل إليها قلبنا: هل يميل إلى مشورته أم إلى مشورة اللّه؟ لأنهما نقيضان.

القديس مرقس الناسك

v     نخرج من بيت أبينا القديم... إذ كنا بالطبيعة أبناء غضب كالباقين أيضًا، مثبتين أنظارنا تجاه العلويات[695].

القديس بفنوتيوس

6. صرخة لوقف التأديب

إِنَّمَا أَمْرَيْنِ لاَ تَفْعَلْ بِي،

فَحِينَئِذٍ لاَ أَخْتَفِي مِنْ حَضْرَتِكَ [20].

مع ما حلٌ بأيوب، فإنه لا يريد أن يختفي من وجه الله مثل أبيه آدم، وإنما يريد أن يتراءى في حضرته.

مع اعتراف أيوب في أكثر من موضع بخطاياه إلا أنه يريد أن يكون دومًا مع الله. "أعلمني ذنبي وخطيتي، لماذا تحجب وجهك، وتحسـبني عدوًا لك؟" (24:13).

اشتهى أيوب أمرين بهما يقف في حضرة الديان، لا في خوفٍ من محاكمة، بل كخالق محبٍ لمؤمنيه.

هذا ما يدفعه للشوق إلى الوقوف أمام الله، وعدم الرغبة في الاختفاء من حضرته كما فعله أبوانا الأولان حين ظنا أن ظلال شجرة التين تخفيهما عن خالقهما. ولكن ما هما هذان الأمران؟ أشار إليهما في العبارة التالية [21].

v     يقول الله نفسه بالنبي: "أنا الله القريب، ولست الله البعيد." (إر 23: 23 LXX)[696]

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

v     أينما توجد يأتي إليك الله إن وجد حجرات في نفسك بطريقة يمكنه أن يسكن فيها.

القديس غريغوريوس النيسي

v     الثالوث القدوس قريب من كل الأشياء، لكن ليس كل الأشياء قريبة منه.

المدعو ديونيسيوس الأريوباغي

v     ليكن الله الحي حاضرًا على الدوام في ذهنك. فإن ذهنك ذاته هو على مثاله، هو أيضًا غير منظور ولا مدرك، ولا يُمثل بأي شكل، ومع هذا بإرادته يتحرك كل الجسم.

القديس ميليتو أسقف ساردس

أَبْعِدْ يَدَيْكَ عَنِّي،

وَلاَ تَدَعْ هَيْبَتَكَ تُرْعِبُنِي [21].

ربما عني بالأمرين الآتي:

1. "أبعد يدك عني": ربما طالبه لا أن ينزع التجربة عنه، بل أن يخففها. ففي تخفيفها يجد فرصته للهدوء، والتحرر من الانزعاج، فيتفرغ للحديث مع الله. فهو لا يطلب تخفيف آلامه لكي يفتخر أمام أصدقائه أنه ليس بشريرٍ كما ادعوا، وأن ما يشغله هو الوقوف في حضرة الله.

2. يعلم أيوب هيبة الله، هذه المهابة مبعث فرح وبهجة للمؤمن الأمين وليست مبعث رعب!

v     "محتاج إلى أمرين، عندئذ لا أخفي نفسي عن وجهك" [20] ما هما الأمران الذي يحتاج إليهما أيوب من الله؛ هذان اللذان كما يقول إن نالهما لا يخفي نفسه عن وجه الديان؟

"أمسك يدك عني، ولا تدع خوفك يرعبني" [21]... عن هذا قال داود: "انزع ضرباتك عني، لقد هزلت بسبب قوة يدك" (مز 39: 10)... أنت غير الفاسد، وأما أنا ففاسد (رو 1: 23). أنت هو السيد، وأنا عبد، كمصارعٍ تحت التمرين، كجنديٍ مسلح. أنت تتكلم، وأنا أجاوب، ليس في جسارة أعارض، بل رغبة في نوال الحكمة، وأن أتعلم خلال الكلام والاستماع.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) في هذين الطلبين أن يمسك يده ولا يدع خوفه أن يرعبه نبوة عن الاشتياق إلى عصر النعمة، حيث لا تحل بالمؤمنين ضربات الغضب الإلهي بكسر الناموس، ولكي لا يعود المؤمنون يعبدون الله خلال الخوف كما في العهد القديم، بل خلال الحب. [لا يمكن للبرّ أن يكمل بالخوف، وبحسب صوت يوحنا: "المحبة الكاملة تطرد الخوف" (1 يو 1: 18). ويقدم بولس راحة لأبناء التبني، قائلاً: "لأنكم لم تأخذوا روح العبودية أيضا للخوف، بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا، الأب" (رو 8: 15). لذلك بصوت البشرية المشتاقة إلى إزالة قسوة ضربة الناموس، ورغبة حارة للتقدم من الخوف إلى الحب يحدد في الصلاة أمرين أن ينزعهما الله عنه، قائلا: "انزع يدك بعيدًا عني، ولا تدع خوفك يرعبني". انزعني من قسوة الضربة، ارفع ثقل الرعب؛ وعندما تشرق عليَّ نعمة الحب اسكب عليَّ روح الطمأنينة. إن لم أُنتزع من العصا ومن الرعب، فإني أعرف إنني لن أُسحب من حزم امتحانك. من يخدمك ليس على أساس الحب بل على أساس الخوف لا يقدر أن يتبرر أمامك.]

ثُمَّ ادْعُ فَأَنَا أُجِيبُ،

أَوْ أَتَكَلَّمُ فَتُجَاوِبُنِي [22].

بهذين الأمرين يوجد في حضرة الله، ويدخل في حوار ممتع. يتكلم الله وأيوب يجيب، ويتكلم أيوب، والله يحجب. هذا هو الحب المشترك بين الله ومؤمنيه. هذه هي الدالة العجيبة التي لنا حين تقف أمام عرش النعمة الإلهية.

v     "لتدعوني وأنا أجيب، أو دعني أتكلم، وأنت تجيبني"... دعوة الله لنا هي تقديره لنا بالحب واختياره لنا، وإجابتنا نحن هي خضوعنا بالطاعة لحبه بالأعمال الصالحة... من يركض لاهثًا مشتاقًا إلى العالم الأبدي يفحص أعماله، يضع في نفسه أن يعمل بدقة عظيمة، ويفحص نفسه تمامًا لئلا يوجد فيه شيء يكون به معارضًا وجه خالقه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

7. لماذا تحجب وجهك عني؟

كَمْ لِي مِنَ الآثَامِ وَالْخَطَايَا.

أَعْلِمْنِي ذَنْبِي وَخَطِيَّتِي [23].

الآن إذ يقف في حضرة الرب يسأل أيوب الله عن آثامه وخطاياه لكي يكشفها له، فيعترف بها، ويطلب الصفح عنها بروح التواضع لا يخشى فضيحته أمام نفسه.

يقول البابا غريغوريوس (الكبير) أنه يوجد فارق بين الجرائم والآثام. فالجرائم أثقل جدًا من قياس الخطية، أما الإثم فلا يتعدى وزن الخطية. عندما يًؤمر بتقديم ذبيحة حسب الناموس فإنها دون شك تُفرض عن "الخطية" وفي نفس الوقت عن "الإثم" أيضًا. لن تتحقق الجريمة إلا بالفعل، أما الإثم عادة ما يرتكب في الفكر وحده.

لِمَاذَا تَحْجُبُ وَجْهَك،َ

وَتَحْسِبُنِي عَدُوًّا لَكَ؟ [24]

يعترف أيوب أنه خاطئ أثيم، لكن بروح التواضع والتوبة يطلب من مخلصه الإلهي، ألا يحجب وجهه عنه، ولا يحسبه عدوًا له، فإنه مع كل ضعفاته وخطاياه لن يكف عن السؤال لكي يتمتع بالشركة مع الله خالقه.

v     "لماذا تخفي وجهك، وتحسبني عدوك؟" [24] تمتع الإنسان بنور التأمل الداخلي في الفردوس، لكنه إذ سرّ بذاته ورحل عن نفسه. فقد نور الخالق، وهرب من وجهه إلى أشجار الفردوس. بعد أن ارتكب خطيته خشي أن يراه، ذاك الذي كان قبلاً يحبه. لكن لاحظوا قد جلبت عليه العقوبة بعد الخطية، ولكن بعد العقوبة رجع إلى الحب، إذ وجد نتائج عصيانه، والوجه الذي كان يخشاه وهو في الخطية، إذ استيقظ إلى فهم سليم بدأ يبحث عنه من جديد خلال العقوبة، حتى يهرب من ظلمة حالة العمى التي حلت به، وصار يتراجع في فزع من هذه الوحدة التي منعته عن رؤية خالقه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

أَتُرْعِبُ وَرَقَةً مُنْدَفَعَة،ً

وَتُطَارِدُ قَشًّا يَابِسًا! [25]

يستعطف أيوب الله، إذ يتصاغر أمام الله وأمام نفسه جدًا، فيحسب نفسه أشبه بورقة شجر يابسة تطير باندفاع تسقط على الأرض، وقش يابس تحركه الرياح... إنه مدوس بطبعه الفاسد، فهل يليق بكرامة الله أن يُداس بما هو مدوس فعلاً؟ أو يسحق شخصًا ليس لديه قوة للمقاومة؟

"جرفتهم كسنة، يكونون بالغداة كعشب يزول" (مز 90: 5).

"إذا زها الأشرار كالعشب وأزهر كل فاعلي الإثم، فلكي يبادوا إلى الدهر" (مز 92: 7).

"أيامي كظلٍ مائلٍ، وأنا مثل العشب يبست" (مز 102: 11).

"الإنسان مثل العشب أيامه، كزهر الحقل كذلك يزهر" (مز 103: 15).

"ليكونوا كعشب السطوح، الذي ييبس قبل أن يقلع" (مز 129: 6).

"فسكانها قصار الأيدي قد ارتاعوا وخجلوا، صاروا كعشب الحقل، وكالنبات الأخضر، كحشيش السطوح، وكالملفوح قبل نموه" (إش 37: 27).

"لأن الشمس أشرقت بالحر، فيبست العشب، فسقط زهره، وفني جمال منظره، هكذا يذبل الغني أيضًا في طرقه" (يع 1: 11).

"لأن كل جسد كعشبٍ، وكل مجد إنسانٍ كزهر عشب، العشب يبس، وزهره سقط" (1 بط 1: 24).

v     "هل ُظهر سلطانك على ورقة شجر تطير هنا وهناك؟ وهل تقتفي أثر جذامة (بواقي الحصاد) الجاف؟" [25]

ما هو الإنسان إلا ورقة سقطت من الشجرة في الفردوس؟

ماذا يكون ذاك الذي تلعب به ريح التجربة، فترفعه عواصف شهواته، سوى أنه ورقة شجر؟

يُثار ذهن الإنسان بعواصفٍ كثيرةٍ عندما يعاني من التجارب. هكذا غالبًا ما يثيره الغضب. وإذ يزول الغضب يتبعه مرح فارغ. إنه ينسحب بمنخاس الشهوة، يرفعه الكبرياء، وأحيانًا يغطس به الخوف المتزايد إلى ما هو تحت التراب. هكذا إذ يرى الإنسان نفسه مرتفعًا محمولاً بعواصفٍ كثيرةٍ كهذه للتجربة يصير الإنسان كورقة شجر. لذلك حسنًا قيل بإشعياء النبي: "كلنا سقطنا كورقة شجر، وآثامنا مثل الريح استبعدتنا" (راجع إش 64: 6).

v     نرى أن ما نقوله يعبر، أما ما نكتبه فيبقى، لذلك قيل عن الله لا إنه يتكلم بل ويكتب أمورًا مرة، حيث أن ضرباته علينا تبقى إلى زمنٍ طويلٍ. قيل مرة للإنسان الذي أخطأ: "أنت تراب وإلى تراب تعود"، وظهرت الملائكة مرارًا، وأعطت وصايا للناس. وحدد موسى مستلم الناموس الخطايا بوسائل حازمة. وجاء ابن الآب والعلي الوحيد ليخلصنا. لقد ابتلع الموت بموته. لقد أعلن أن الحياة الأبدية لنا قد أظهرها في نفسه. غير أن هذا الحكم الذي صدر في الفردوس بخصوص موت جسدنا بقي دون تغيير منذ بداية الجنس البشري حتى نهاية العالم. "فإن أي إنسان يحيا ولا يرى الموت؟" (مز 89: 48) ، وأيضًا: "أنت، أنت المخوف، ومن يقف قدام عينيك عندما غضبت؟" (مز 76: 7). فبكونه قد غضب مرة عندما أخطأ الإنسان في الفردوس تثبت حكم موت جسدنا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "سنواتهم كأشياء بلا قيمة، في الصباح كعشب يزول" (مز 90: 50)… هكذا هي هذه الأمور التي لم تكن موجودة قبل مجيئها، وإذ تأتي لتكون هنا سرعان من تزول، فإنها لا تأتي هنا إلا لكي تعبر... إنها تأتي لكي تسقط في الموت، وتجف في جيفة، وتذبل في التراب. ما هذا إلا الجسد الذي فيه الشهوات الجسدية البغيضة؟[697]

v     الذين لا يفكرون في قلوبهم باستقامة يتطلعون الى الأشرار حينما يكونون كالعشب الأخضر، أي عندما يكونون مزدهرين إلى حين. لماذا يتطلعون إليهم؟ " لكي يهلكوا إلى الأبد". يتطلعون إلى ازدهارهم المؤقت ويتمثلون بهم، ويريدون أن يزدهروا معهم إلى حين، ويهلكون معهم الى الأبد[698].

v     إذ تقول في هذا الزمان إن كل شيء يعبر كظلٍ، فإنك لا تعبر أنت كظل. "أيامي تعبر كظل، وأنا مثل العشب يبست"… لكن العشب إذ يتبلل بدم المخلص يعود فيزدهر. لقد صرت يابسًا مثل العشب؛ فإني كانسان عانيت من حكمك العادل لأنك "أنت تقوم وترحم صهيون، لأنه وقت الرأفة، جاء الميعاد" (مز 102: 13)[699].

v     "الإنسان، مثل العشب أيامه" (مز 103: 15). ليدرك الإنسان ما هو؛ فلا يفتخر إنسان ما. "مثل العشب أيامه". لماذا يفتخر العشب، هذا الذي يزدهر الآن، وفي وقت بسيط ييبس؟ لماذا يفتخر العشب هذا الذي يزهر فقط إلى فترة قصيرة، حتى تصير الشمس حارة؟ إذن من الصالح لنا أن تحل رحمته علينا، ويجعل من العشب ذهبًا! "إنه مثل زهر الحقل يزهر". كل سمو الجنس البشري من كرامات وسلطات وغني وكبرياء وتهديدات هي زهر العشب. ذاك البيت يزهو، وهذه الأسرة عظيمة، وتلك العائلة تنمو؛ كم من كثيرين يزدهرون، وكم من سنين يعيشون! بالنسبة لك هي سنين كثيرة، أما بالنسبة لله فهي فترة قصيرة - حسابات الله ليست كحساباتك. بالمقارنة لطول الحياة لعصور طويلة تكون زهرة أي بيت مثل زهرة عشب. بصعوبة يبقى جمال السنة طوال العام. كل ما يزهو، كل ما يمتلئ بدفء الحرارة، كل ما هو جميل لن يدوم، لا بل ولا يبقي سنة كاملة!... لقد أرسل إلينا كلمته، كلمته الذي يدوم إلى الأبد... لا تعجب أنك ستشاركه أبديته، فقد شاركك العشب الذي لك. هل هذا الذي انتحل منك ما هو سفلي، يبخل عليك أن يهبك ما هو سام؟[700]

القديس أغسطينوس

لأَنَّكَ كَتَبْتَ عَلَيَّ أُمُورًا مُرَّةً،

وَوَرَّثْتَنِي آثَامَ صِبَايَ [26].

في أحاديثه مع أصدقائه إذ يقارن نفسه بالبشرية، يؤكد أنه بار وليس شريرًا كما يدعي أصدقاؤه. وعندما يتحدث مع القدوس يعترف بآثام صباه، ويطلب منه أن يفسر له لماذا يتركه ليبلى كما بالسوس، أو كثوب يأكله العث [28]!

يقول لله: إن كنت تسجل خطاياي وسقطاتي فهي مرة، لن أبرر نفسي منها، وإن سجلت آثامي فهي آثام صباي. أعرفها تمامًا ولا أنكرها، لكني أذكر حبك يا غافر الخطايا والآثام.

يطلب داود النبي من المعلم ألا يذكر خطاياه وإنما يذكره هو كخليقة الله المحبوبة لديه، والتي لها تقديرها الخاص، لا لفضل له فيها، وإنما من أجل مراحم الله وصلاحه، ولأجل اسمه القدوس. يقول: "لا تذكر خطايا صباي، ولا معاصي، كرحمتك أذكرني أنت من أجل جودك يا رب" (مز 25: 7). طلب اللص اليمين من المعلم الحق أن يذكره متى جاء ملكوته، فلم يذكر جرائمه ولا خطاياه، بل حمل نفسه إلى الفردوس، مبررة في استحقاقات الدم الثمين. هكذا إذ نطلب من الرب أن يذكرنا يجيب قائلاً: "أنا أنا هو الماحي ذنوبك لأجل نفسي وخطاياك لا أذكرها" (إش 25:43). يوصي القديس بولس تلميذه تيموثاوس: "أما الشهوات الشبابية فاهرب منها، وأتبع البرّ والإيمان والمحبة والسلام مع الذين يدعون الرب من قلب نقي" (2 تي 2: 22).

v     "لماذا كتبت عليٌ أمورًا شريرة، وتتهمني بخطايا صباي؟" (أي 13: 26 LXX)

إنه بصدق وجدارة حسب هذه الفترة من الحياة (الشباب) علة شكواه، لأنه بصفة عامة يكون الشخص في هذه الفترة مزعزعًا من جهة الخطية.

حقًا تتسم الطفولة بالبراءة، والشيخوخة بالحكمة. ويُنظر إلى الرجولة المبكرة التي تلتصق بمرحلة الشباب أنها مرحلة نوال سمعة طيبة، ويشعر الشخص بخجل إن ارتكب خطية. أما مرحلة الشباب فهي وحدها تحمل سمة الضعف والمشورة الواهنة، مع الحماس في الخطية، والاستخفاف بمن يقدمون لهم مشورة، وهم مهيأون أن ينخدعوا بالملذات. لذات السبب سأل داود بطريقة مدهشة العفو من الرب عما سقط فيه في تلك الفترة كلها، إذ قال: "خطايا صباي وجهلي لا تذكر" (مز 25: 7). لأنه في تلك الفترة الغالبية يعانون من التهاب الشهوات واشتعالها بحرارة الدم الساخن[701].

القديس أمبروسيوس

v     "لماذا تكتب شروري ضدي؟ وتتهمني بخطايا شبابي؟" بخصوص كتابة محني يقول: "ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك.  وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أُخذت منها، لأنك تراب وإلى تراب تعود" (تكوين 3: 17-19). دينت كل البشرية بكل هذه، كما لو كان بسببٍ حسنٍ تُكتب هذه الأسطر بخصوص الصديقين والأشرار. بنفس الكيفية يضع الله على كل واحدٍ خطايا شباب آدم، لأن آدم كان لا يزال شابًا حين ذاق الطعام الضار. هذا هو السبب أنه ليس هو وحده، بل ونحن أيضًا نسله الذين نُمنع من أن نجمع من شجرة الحياة (تك 2: 3) التي في الفردوس.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     لا تذكر خطايا صباي وجهلي" (مز 25: 7). معاصي وجسارتي الوقحة وجهلي لا تحفظها للنقمة، بل انسها. "كرحمتك اذكرني" (مز 25: 7). بالحق أذكرني ليس حسب الغضب الذي استحقه، بل حسب رحمتك التي تليق بك"... ليس حسب استحقاقاتي وإنما حسب صلاحك يا رب[702].

القديس أغسطينوس

فَجَعَلْتَ رِجْلَيَّ فِي الْمِقْطَرَةِ،

وَلاَحَظْتَ جَمِيعَ مَسَالِكِي،

وَعَلَى أُصُولِ رِجْلَيَّ نَبَشْتَ [27].

لقد تأدبت بسبب ضعفاتي وآثام صباي، صرت كسجينٍ وُضعت رجلاه في مقطرة، عاجز عن الحركة. إني لن أهرب من ضربات تأديبك.

أنت تدرك كل مسالكي، وتؤدبني حتى من أجل أفكاري الخفية أو نظراتي المنحرفة. تسجل على باطن قدمي كل ما قد ارتكبته، وأنا لا أنكر ما فعلت.

v     "وضعت قدمي في المقطرة"، لأن أقدامنا قد مُنعت عن السير للتمتع بمنافع الفردوس. لأن الله "يلاحظ أعمالنا". بخصوص عصيان الوصية الذي ارتكبه آدم أدان الله الجنس البشري كله الذي هو نسله. على أي الأحوال، إذ هو صانع خيرات ومحب للإنسان (حك 7: 23) "يلاحظ أعمالنا". فإن كانت شريرة ننسبها لأنفسنا، بكوننا على مثال آدم القديم، ونسقط تحت التأديب الذي حلّ عليه. أما إذا كانت أعمالاً صالحة، فسنخلص من اللعنة، ونتحرر من العقوبات (2 كو 11: 4) على شبه آدم الجديد، وبوساطته ننال إبطالاً لمحنتنا الكبرى.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "وضعت قدمي في المقطرة"... هذا يعني: لقد ربطتهما. "لقد نفذت إلى أُصُولِ قدمي (عقبي)" بمعنى أنك هاجمتني بكليتي، وفحصتني حتى الأعماق؛ لقد ضربت قدمي ورأسي، ولم تترك فيّ جزءً سالمًا. مرة أخرى، إنه يتكلم عن خطورة محنته، إنه يسخر من انحطاط الطبيعة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     وضع الله قدم الإنسان في المقطرة، لكي يقيد شره تمامًا بحكمٍ قويٍ حازمٍ.

v     "وتتطلع بتدقيق في كل سبلي، إنك تضع علامة لآثار قدمي" [27]... من الممكن أن تكون آثار القدمين هي الأمور الكثيرة التي تمارس خطأ، فإنها تدرك... عادة عندما نمارس أشياء خاطئة ويراها إخوتنا نكون مثالاً رديئًا لهم، وتكون أقدامنا قد انحرفت عن الطريق، ونترك آثار أقدامنا كلها المنحرفة لمن يتبعنا، فنكون بتصرفاتنا قدنا ضمائر الآخرين للعثرة.

لكن كل هذه الأمور يفحصها الله القدير بدقةٍ، ويزن كل منها في الحكم. ولكن متى يمكن للإنسان المربوط كما بضعف الجسد أن يكون له سلطان أن يقوم ضد هذه كلها بدقة ويحفظ خط استقامة فكر القلب دون أن يتحرك؟ لذلك يقول: "من أنا؟ كشيء فاسد يهلك، وكثوب أكله العث" [28]... فالإنسان مثل شيء فاسد يهلك، حيث يبدده فساد جسده. ولأن تجربة النجاسة تنبع فيه ليس من مصدرٍ آخر سوى منه هو، مثل العث، هكذا تهلك التجربة الجسد، كما يفسد العث الثوب مما يصدر عنه، فإن الإنسان يحوي فيه الفرصة التي منها تصدر التجربة، لذلك فالعث يفسد الثوب، بينما يصدر العث من الثوب ذاته.

البابا غريغوريوس (الكبير)

وَأَنَا كَمُتَسَوِّسٍ يَبْلَى،

كَثَوْبٍ أَكَلَهُ الْعُثُّ [28].

يعترف أيوب بأنه يدخل من فسادٍ إلى فسادٍ بسبب خطاياه، وكأن السوس قد أبلى عظامه والعث أكل ثوبه (جسده) فسدت أعماقه بسوس الخطية وبلي جسده بعث الإثم... لكن يوجد من ينقذ النفس من الفساد، ويهب الجسم مجدًا أبديًا حين يلبس الفاسد عدم الفساد، ويحتل الجسم الروحاني ذاك الترابي.

v     إن أردت، تستطيع أن تكون عبدًا للشهوات. وإن أردت، تقدر أن تتحرر منها ولا تخضع لنيرها، لأن الله خلقك وأعطاك هذا السلطان.

من يُقهر شهوات الجسد يُتوَّج بعدم الفساد. فلو لم تكن هناك شهوات ما كان يمكن أن توجد فضائل، وبالتالي ما كان يعطي الله أكاليل لمن يستحقونها[703].

v     من يفهم ما هو الجسد، أي إنه قابل للفساد وقصير الأجل، يفهم أيضًا أن النفس سمائية وخالدة، وأنها نسمة من الله، ومرتبطة بالجسد إلى أن تتقدم وتسمو نحو التشبه بالله[704].

القديس أنطونيوس الكبير


 

من وحي أيوب 13

أقع في يدك يا إلهي،

ولا أقع في يد إنسان!

 

v     الوقوع في يديك يا إلهي، أفضل من الوقوع في يد إنسان!

يظن الإنسان أنه صاحب السلطان، كمن هو فريد في معرفته.

يحسب أنه دون غيره صاحب معرفة وحكمة.

يدين أخاه كأنه عبد جاهل!

 لا يستطيع أن يدرك مساواته له!

 

v     لأُحاكم أمامك، فإنك تصغي إليّ.

أنت وحدك الطبيب السماوي الفريد.

تقدم ذاتك طبيبًا ودواءً.

دواءك الحب والحنو والقرب مني.

لا تجرح إنسانًا ولا تطلب إهانته.

 

v     الإنسان وهو يحاكم أخاه يظن في نفسه أنه بار.

تحت ستار الدفاع عنك، والشهادة للحق،

يدين ويحكم في محاباة للوجوه.

يتستر بالغيرة المقدسة، وقلبه غاش ومخادع!

لا يرهبه جلالك، ولا يرتعب من مجدك.

ينطق في خداع كأنك غير فاحص لقلبه.

كلماته رماد سرعان ما يذريها الريح،

وحصونه طين لا قدرة لها على حمايته.

ليته يسمع نصيحتي فيصمت ليسمع.

صمته أنفع من كلماته.

 

v     حقا، لقد قام البشر عليّ،

وثقلت التجربة للغاية.

لكني بنعمتك أبقى أمينًا لك إلى الموت!

لا أترجي شيئًا سوى أن أتبرر بدمك أمامك!

اعترف لك بخطاياي وآثامي.

أذكرني، لكن لا تذكر خطاياي!

أتراءى قدامك يا أيها الرحوم فأستريح.

 

v     لأراك فاطلب أن تسندني في ضيقتي.

ترفع يد التأديب حسبما ترى يا أيها المحب.

تلهب قلبي بحبك، فلا أحمل خوف العبيد.

تظهر وجهك أمامي،

فتنزع عداوتي، وتهبني روح البنوة.

 

v     لقد فسد كل كياني،

صرت كمن دب فيه السوس، فأصابه الدمار.

حلّ بي الفساد كالعث للثوب.

لست أبرر نفسي، هذا الفساد هو ثمرة خطاياي.

لكن دمك يغسل فسادي.

عوض الفساد أتمتع بعدم الفساد.

وعوض الموت أتمتع ببهجة قيامتك عاملة فيّ!

<<

 


 

اَلأَصْحَاحُ الرَّابِعُ عَشَرَ

حياتنا وقتية

يبدأ هذا الأصحاح بصرخات مرة، ونظرة تشاؤمية من نحو الإنسان، بكونها مثقلة دوما بالمتاعب والضيقات التي لا تنقطع، كما يكشف أيوب عن حقيقتها كعشب حقل سرعان ما يذبل بحرارة شمس التجارب، وكظل سرعان ما يتبدد. يبدو أيوب كمن يصرخ إلى الله ليرفع يده عنه فيستريح من عناد التجارب، كما يبدو كمن لا رجاء له في الحياة من جديد بعد موته. لكن من يدقق في كلماته يجدها مملوءة رجاء في الرب، كمخلص للبشرية، وحده قادر أن يحولها عن الخطية إلى البر الحقيقي، ويهبها القيامة والحياة الجديدة بعد زوال السماء والأرض. إنه يتطلع إلى الموت كاضطجاع مؤقت أو رقاد يلحق استيقاظ.

فالأصحاح يقدم جانبين واقعيين، مرارة من تحل به التجارب القاسية، والمجد الذي ينتظره.

يرى البعض أن بعض كلمات أيوب التي تبدو كما لو حملت يأسا شديدا لم تكن إلا لأنه يضع نفسه موضع الضعفاء حتى متى أعلن رجاءه في عمل الرب يكون مثل سيده القادم "فيما هو مجرب يقدر أن يعين المجربين".

وجد أيوب أن الحديث مع أصدقائه بلا نفع، فرفع قلبه إلى الله يناجيه فيما يخص حياة الإنسان على الأرض. يرسم أيوب صورة مؤلمة لحياة الإنسان. فيرى أنها قصيرة، وبصعوبة يمكن أن تشغل اهتمام الله، وبالتأكيد لا تشغله عقوبة الإنسان [١-٣].

ليس من يقدر أن يجعل الإنسان طاهرًا [٤]، فلماذا لا يتركه الله ينعم بالملذات حسبما يقدر أن يقتني، حتى وإن كان ليس إلاَّ عاملاً أجيرًا؟ [٥-٦]

يقارن أيوب بين شجرة مقطوعة ومصير إنسانٍ ميتٍ. يمكن للشجرة أن تعود للحياة، أما الإنسان فلا يستطيع [١٧-١٢؛ راجع ١٠: ٢١-٢٢].

لو كانت ليست هذه هي النهاية: الهاوية أو حالة الموت، وأن الله سيستدعيه في النهاية ليلتقي معه وجهًا لوجه، لكان يمكنه أن يحتمل الآلام الحاضرة، ويذهب بفرحٍ ليلتقي مع الله، إذ يشعر أنه نزع عنه خطاياه إلى الأبد [١٣-١٧].

لكن نور الرجاء سرعان ما يتبدد بمجرد ظهوره، وإن كان يعود فيظهر ثانية في الأصحاح ١٩. الإنسان ليس مثل شجرة حية، وإنما مثل جبلٍ يتفتت، يبلى شيئًا فشيئًا بواسطة الله، ويفقد كل اهتمام هو وعائلته.

1. حياة الإنسان على الأرض        1-5.

2. الموت والعبور من الألم          6-15.

3. الاستعداد للموت                  16-22.

1. حياة الإنسان على الأرض

اَلإِنْسَانُ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ قَلِيلُ الأَيَّامِ،

وَشَبْعَانُ تَعَبًا (غضبًا) [1].

يشترك أيوب مع أليفاز في أن الإنسان مولود للتعب والمشقة. يقول الحكيم: "لأن كل أيامه أحزان، وعمله غم، أيضا بالليل لا يستريح قلبه، هذا أيضا باطل هو" (جا 2: 23). هكذا عندما يركز الإنسان على ما يحلّ به يتطلع إلى الحياة بنظرة مُرة. أما إذ رفع قلبه إلى الله، فيرى في الحياة عطية إلهية، ويدرك خطة الله خلف ما يحل به من متاعب، فتتهلل نفسه بروح الرجاء.

يتطلع أيوب إلى نفسه كما إلى كل إنسانٍ، فلا يجد ما يفتخر به، فإنه مولود المرأة، أي من زرع بشري ضعيف. يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن المرأة هنا تشير إلى الضعف الروحي، فالإنسان الذي يولد من امرأة في ضعفٍ يمتلئ من السخط. وهو قليل الأيام، مهما طال عمره يُحسب عمره كله أيامًا قليلة، وملخص كل حياته أنها أيام مملوءة بالتعب والألم، يندر أن يعبر يوم بدون ضيقة.

v     بالحق حال الإنسان بؤس! يلتزم أن يقدم حسابًا عن خطيته، ومع ذلك لم يقدر أن يتجنب الخطية.

لقد اضطر إلى الدخول في محاكمة، ليقف أمام نظر الله القدير، معلنًا أسباب تصرفاته... مع أنه لا يقدر أحد أن يكون طاهرًا من الخطية.

يرجع الذنب إلى بدء الطفولة نفسها، قبل أن يوجد لدى الإنسان القدرة على إدراك للخطأ.

أي حال من البؤس هذا، أن حياته قصيرة والإغراء حلو، والمحن متضاعفة، والغيظ عمل يومي. فإنه حتى في وسط لحظة البهجة توجد مرارة دائمة[705].

القديس أمبروسيوس

يعلق القديس أغسطينوس على العبارة "شبعان غضبًا" (1:14) بأن غضب الله، إنما باعثه مراحمه ومحبته التي دفعته إلى تجسد الابن الوحيد في ملء الزمان لكي يجددنا وينزع عنا كل جرم الخطايا، سواء الخطية الجدية المتوارثة عبر الأجيال أو تلك التي نمارسها[706].

v     سقط الجنس البشري تحت دينونة عادلة، وصار كل البشر أبناء الغضب. كُتب عن هذا الغضب: "عبرت أيامنا في سـخطك، قضينا سنواتنا كقصةٍ قد رويت" (مز 90: 9). ويقول أيوب أيضًا عن هذا الغضب: "الإنسان مولود المرأة قليل الأيام، وشبعان غضبُا" (أي 14: 1). وعن هذا الغضب يقول الرب يسوع أيضًا: "الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية، والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة، بل يمكث عليه غضب الله" (يو 3: 36 - حديث القديس يوحنا المعمدان وليس السيد المسيح)... يُولد كل إنسانٍ بهذا الغضب، لذلك يقول الرسول: "كنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين" (أف 2: 3)[707].

القديس أغسطينوس

v     الإنسان "مولود المرأة قليل الأيام"، لأن الله أمره أن يعود إلى التراب (تك٣: ١٩). أما عن كونه شبعان غضبُا (فأيوب يفكر) في اللحظة التي تقبل الإنسان فيها الأمر بحفظ الوصية فعصاها (تك٢: ١٧؛ ٣: ٦).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     لاحظوا دقة التعبير: "تذخر لنفسك غضبًا"(رو 2 :5)، موضحًا أن الدينونة لا تصدر عن الديّان، إنما هي نتيجة لعمل الخاطيء، إذ لا يقول "يذخر الله لك" وإنما "تُذخّر لنفسك"... إنه يحاول اجتذابك بكل وسيلة، فإن ظللت على عنادك تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة. ولكن لا يتبادر إلى ذهنك أن غضبه انفعال عنيف إنما هو العدالة، هو "استعلان"، حيث ينال كل إنسان ما يستحقه[708].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

v     حين نقرأ عن غضب الرب وسخطه، ينبغي ألا نفهم اللفظ وفق معنى العاطفة البشرية غير الكريمة. إنما بمعنى يليق بالله، المنزه عن كل انفعالٍ أو شائبةٍ. ومن ثم ينبغي أن ندرك من هذا أنه الديان والمنتقم عن كل الأمور الظالمة التي ترتكب في هذا العالم.

وبمنطق هذه المصطلحات ومعناها ينبغي أن نخشاه بكونه المخوف المجازي عن أعمالنا، وأن نخشى عمل أي شيء ضد إرادته. لأن الطبيعة البشرية قد ألفت أن تخشى أولئك الذين تعرف أنهم ساخطون، وتفزع من الإساءة إليهم، كما هو الحال مع بعض القضاة البالغين ذروة العدالة.

فالغضب المنتقم يخشاه عادة أولئك الذين يعذبهم اتهام ضمائرهم لهم، بالطبع ليس لوجود هذه النزعة في عقول هؤلاء الذين سيلتزمون بالإنصاف في أحكامهم. لكن بينما هم في غمرةٍ من هذا الخوف، فإن ميول القاضي نحوهم تتسم بالعدالة وعدم التحيز واحترام القانون الذي ينفذه. وهذا مهما سلك بالرفق واللطف، موصوم بأقسى نعوت السخط والغضب الشديد من أولئك الذين عوقبوا بحقٍ وإنصافٍ[709].

القديس يوحنا كاسيان

يرى القديس غريغوريوس النيسي أن أيوب يدعو الإنسان هنا "المائت".

v     "المائت مولود المرأة قليل الأيام، وشبعان غضبُا" [١]. الكائن الذي يدعوه الكتاب المقدس في تاريخ الخليقة "إنسانًا"...هو بعينه يدعوه أيوب مائتًا ، أما الكتَّاب الوثنيون فبعضهم يدعونه كائنًا بشريًا ، وآخرون "متكلم ناطق"[710].

القديس غريغوريوس النيسي

يَخْرُجُ كَالزَّهْرِ ثُمَّ يَذْوِي،

وَيَبْرَحُ كَالظِّلِّ وَلاَ يَقِفُ [2].

يشبه أيوب حياة الإنسان برمزين:

1. زهر الحقل أو العشب الذي يظهر قليلاً وسرعان ما ييبس بسبب حرارة الشمس ويسقط (إش 40: 7؛ يع 1: 11؛ 1 بط 1: 24).

2. الظل، كأن لا كيان له، سرعان ما يزول. وكما قال بلدد: "لأن أيامنا على الأرض ظل" (أيوب 8: 9).

v     إنه "كالزهرة تزهر، ثم يسقط بعد أن يهتز" [٢]. لقد أزهر الإنسان في الفردوس حتى أعطى أسماءً لكل الحيوانات (تك ٢: ٢٠). لكنه سقط بعد أن اهتز، حيث انجذب بخداع الحية (تك٣: ٤-٥؛ ٢ كو ١١: ٣). بعد هذا "هرب كالظل"، إذ وجد نفسه عاريًا، فهرب من الله، وأخفى نفسه تحت شجرة في الفردوس، حين دعاه الله: "آدم، أين أنت؟" (تك٣: ٧-٩). رجاؤنا انهار، وإذ طُرد الإنسان من الفردوس، فسد وفقد كل معونته، وهلك تمامًا، فبضربة واحدة أُدين مطرودًا دون أن يكون لنا رجاء في الحكم لحسابنا.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     الحياة في الجسد هي زهرة في عشب. حسنًا قيل بالمرتل: "الإنسان مثل العشب أيامه، كزهر الحقل كذلك يُزهر" (مز ١٠٣: ١٥). أيضًا يقول إشعياء: "كل جسد عشب، وكل مجده كزهرٍ" (إش ٤٠: ٦). فإن الإنسان مثل زهرة تختفي، فجأة يُظهر نفسه في يومٍ مفتوحٍ، وفي لحظة ينسحب بالموت حيث يختفي...

حيث ينسحب الإنسان يوميًا إلى الموت، لحظة فلحظة، بحق أُضيف: "يهرب كظلٍ، ولن يبقى على حاله"... لماذا تُشبه حياة الإنسان بالظل لا بالشمس، إلاَّ لأنه بحسب صوت الحق: "لكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين" (مت ٢٤: ١٢).

حسنًا قيل: "لن يستمر حال كما هو". فإنه ينتقل من الطفولة المبكرة إلى الطفولة، ومن الطفولة إلى الشبوبية، من الشبوبية إلى الرجولة، ومن الرجولة إلى الشيخوخة، ومن الشيخوخة إلى الموت. هكذا في الحياة الحاضرة يلتزم الإنسان بذات خطوات نموه أن ينقص. وهو دائمًا يتدمر بذات العلل التي يظن أنه بها يقتني ما هو لحياته. إذ لا نستطيع أن تكون لنا إقامة ثابتة هنا، فقد أتينا لكي نعبر، وبذات الوسائل التي بها نحيا نعبر بها يوميًا من هذه الحياة.

لم يكن الإنسان الأول قادرًا أن يدرك هذا الانطلاق من الحياة، وذلك قبل العصيان، إذ عبر به الزمن وهو قائم. ولكن بعد العصيان وضع الإنسان نفسه على نوعٍ من منزلق حاله المؤقت. إذ أكل الثمرة الممنوعة في الحال فشل في البقاء.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن هذا الخضوع للتغير الخارجي يصحبه تغير داخلي أيضًا، حيث يجاهد الإنسان ليمارس أعمالاً أفضل. فالذهن دائمًا في حالة تغير، إلاَّ إذا التزم الشخص بضبط ذاته حتى لا ينحدر إلى حالٍ سيئ.

[الذهن الذي هجر ذاك الذي هو قائم على الدوام فقد بقاءه واستمراره على حاله. بينما يجاهد لممارسة أمورٍ أفضل يلتزم أن يواجه ما يقاوم التيار، أما إن تراخى في محاولته للصعود بغير جهد يُحمل إلى الخلف إلى حالٍ أدنى مما عليه.

فالصعود يحتاج إلى جهدٍ، وفي النزول راحة من الجهد. لذلك يحذرنا الرب لكي ندخل من الباب الضيق، قائلاً: "اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق" (لو ١٣: ٢٤)...

إن لم يوجد جهاد من قلبٍ ملتهب،ٍ فإن مياه العالم لا تُغلب، وتنحدر النفس إلى الأماكن السفلية.]

فَعَلَى مِثْلِ هَذَا حَدَّقْتَ عَيْنَيْكَ،

وَإِيَّايَ أَحْضَرْتَ إِلَى الْمُحَاكَمَةِ مَعَكَ [3].

يقف أيوب في دهشة أن الله العالم بأن حياة الإنسان أشبه بظلٍ لا يدوم، بل سرعان ما يتلاشى، مع هذا يهتم جدًا أن يأتي بأيوب للمحاكمة.

لقد صرخ داود المرتل: "يا رب أي شيء هو الإنسان حتى تعرفه، أو ابن الإنسان حتى فتكر به. الإنسان أشبه بنفخة، أيامه مثل ظل عابر" (مز 144: 3-4). مرة أخرى يقول: "فمن هو الإنسان حتى تذكره، وابن آدم حتى تفتقده" (مز 8: 4).

في تواضعٍ شديدٍ ينظر أيوب أنه ليس بالأهل أن يدقق الله في أخطائه، ولا أن يحاكمه. "يا رب لا تدخل في المحاكمة مع عبدك" (مز 143: 2).

v     من يقدر أن يتبرر في عيني الله، إن كان الطفل ابن يومٍ واحدٍ لا يقدر أن يتطهر من الخطية، ولا يقدر أحد أن يفتخر ببره ونقاوة قلبه؟[711]

القديس أمبروسيوس

v     "ألم تعطه اعتبارًا، وأحضرته إلى المحاكمة أمامك؟" [٣]. هذا لا يخص آدم وحده قبل عصيانه. فإن الله كان مهتمًا به كي لا يخطئ ولا يُطرد من الفردوس. لهذا أمره قبل أن يخطئ: "من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت" (تك ٢: ١٦: ١٧).

أما بالنسبة لنا نحن أيضًا، فقد أعطانا اعتبارًا، فوضع لنا الناموس المكتوب، وأضاف أيضًا الأنبياء (مت ١١: ١٣).

ماذا كان يمكن أن يقول أكثر من هذا؟ بجانب هذا أعطانا نعمة الإنجيل (أع ٢٠: ٢٤)، خلاله أشار إلينا كيف يمكننا أن نتقبل كرامة بدائية، كيف نتجنب التهديد بجهنم (لو ١٢: ٥)، وأيضًا نطلب الفردوس (مر ١٣: ٣٣).

طلب من الإنسان أن يدخل في محاكمة، لكي يتقبل الجزاء حسب أعماله (مت ١٦: ٢٧).

إذ ندرك هذا كله يلزمنا أن نعبر حياتنا بطريقة سليمة، إذ يُعاقب كل أحدٍ ويكلل حسب أعماله. فالذين يتشبهون بآدم يسقطون تحت العقوبة، إذ لم ينتفعوا من الدرس الذي لتأديبهم. أما الذين يحفظون وصايا الناموس، فإنه يجعلنا نرى كيف يصيرون إلى حالٍ أفضل بحفظهم للوصايا (مت ٥: ١٩). سنكون أهلاً لنوال مكافأة مضاعفة من جانب الديان العادل (مت ٥: ١٢)، إذ تسندنا النعمة المعطاة لنا بآدم الجديد (رو ١٥: ١٥). فإن هذا هو الطريق الذي يمكننا به أن نتمتع بالسعادة في الملكوت وفي مجد الله الآب والابن والروح القدس.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

مَنْ يُخْرِجُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ؟ لاَ أَحَدٌ! [4]

في تواضعٍ حقيقيٍ يتطلع أيوب إلى حياته كعشب ييبس أو كظلٍ يتبدد، وفي نفس الوقت يرى حياته دنسة، من يقدر أن يُخرج من هذا الدنس طهارة؟!

وكما صرخ المرتل داود: "هأنذا بالإثم حبل بي، وبالخطية ولدتني أمي" (مز 51: 5). ليس من يقدر أن يطهر أو يقدس الإنسان إلا خالقه، فعملية التطهير هي أشبه بإعادة خلق. " قلبًا نقيًا أخلق في يا الله، وروحًا مستقيمًا جدد في داخلي" (مز 51: 10).

يرى أيوب أن الإنسان يحمل فساد الخطية منذ الحبل به، كقول المرتل: "بالآثام حبل بي، وبالخطية ولدتني أمي". وكأن أيوب يقول لله أنه خاطئ، لأن كل البشرية قد تنجست منذ سقوط الأبوين الأولين، فالكل يحتاج إلى تقديسك وتطهيرك لهم، ليس من يتبرر أمامك.

v     بالرغم من أن خدام الله وأصدقاءه يتجنبون الخطايا التي للموت، ويمارسون أعمالاً صالحة كثيرة إلا أننا لا نعتقد أنهم بلا خطايا تافهة، فإن الله لا يكذب حيث يقول: "ليس طفل حياته يوم واحد على الأرض بلا خطية". أضف إلى هذا الطوباوي يوحنا الإنجيلي الذي بلا شك ليس بأقل من يعقوب في استحقاقه، يعلن: "إن قلنا أننا بلا خطية، نضل أنفسنا والحق ليس فينا" (1 يو  8:1). علاوة على هذا، نقرأ في موضع آخر: "الصديق يسقط سبع مرات ويقوم" (أم 16:24)[712].

 الأب قيصريوس أسقف آرل

v     "من يقدر أن يطهر شيئًا به بذرة نجسة؟" إنه هو وحده الطاهر في ذاته يقدر أن يطهر الأمور النجسة.

فالإنسان الذي يعيش في جسدٍ فاسدٍ تتأصل فيه نجاسة التجربة، إذ يستمدها من مولده. فإن الحَبَلْ به هو نفسه يتحقق بلذة جسدية غير طاهرة. يقول المرتل: "بالآثام حُبل بي، وبالخطايا ولدتني أمي" (مز ٥١: ٥)... لهذا يُجرب الإنسان بغير إرادته. أما من يسيطر على عواطف التجارب السرية، ويغلب دنس الفكر، فيلزمه ألاَّ ينسب هذه الطهارة إلى نفسه، إذ لا يستطيع أحد أن يجعل ما حُبل به في دنسٍ أن يصير طاهرًا، إلاَّ ذاك الذي هو وحده طاهر في ذاته.

المعنى هنا هو أن الطوباوي أيوب كان متطلعًا إلى تجسد المخلص، فرأى أنه هذا الإنسان وحده في العالم لم يُحبل به من زرعٍ دنسٍ، فلم يستمد شيئًا من حبلٍ دنسٍ. إذ لم يأتِ من زرع رجل وامرأة، بل من الروح القدس والعذراء مريم. هو وحده طاهر بحق في جسده، إذ لم يأتِ إلى العالم حسب مسرة الجسد.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لقد اقتبست العبارة التالية من سفر أيوب: "في عينيك ليس أحد طاهرًا، ولو كان طفلاً عمره على الأرض يومًا واحدً" (4:14-5 LXX). وأضفت: "فإننا مذنبون على شبه معصية آدم[713]"، وهو رأي يعلنه كتابك عن نبوة يونان بطريقة مشرفه وواضحة، حيث تؤكد أن أطفال نينوى الصغار بعدل التزموا أن يصوموا مع الشعب لمجرد خطاياهم الجدية[714]، لذلك فإنه ليس من غير اللائق أن أوجه لك السؤال: أين مارست النفس الإثم الذي تلتزم به حتى في هذا العمر أن تخلص منه بسرٌ النعمة المسيحية؟[715]

v     ليس إنسان بلا خطية سواء كانت حياته يومًا واحدًا أو عاش سنوات طويلة. فإن كانت الكواكب نفسها ليست بطاهرة في عيني الله، كم بالأكثر الدودة والفساد هذا الذي صار عليه من خضعوا لخطية عصيان آدم؟[716]

القديس أغسطينوس

v     "من سيتطهر من النجاسة؟ لا أحد. ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض" (١٤: 4). لا يقدر أحد أن يفتخر قائلاً: "أنا طاهر"، سوى المسيح "الذي لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه مكر" (١ بط ٢: ٢٢).

,الطفل ابن يوم واحد الذي ليس فيه أية نجاسة، لأنه لا يعرف أن يميز الصالح من الشرير (إش ٧: ١٥-١٦)، إلاَّ أنه يحمل فساد آدم القديم (١ كو ١٥: ٤٢) الذي علينا. لكن نعمة آدم الجديد، الذي خلع عنا آدم القديم (أف ١٤: ٢٢؛ كو ٣: ٩)، طهر أيضًا فسادنا "بغسل الميلاد الجديد" (تي ٣: ٥).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

إِنْ كَانَتْ أَيَّامُهُ مَحْدُودَةً،

وَعَدَدُ أَشْهُرِهِ عِنْدَكَ،

وَقَدْ عَيَّنْتَ أَجَلَهُ،

فَلاَ يَتَجَاوَزُهُ [5].

يتطلع أيوب إلى حياته فيجد حتى عمره يحدده الله مقدمًا. فالله صاحب سلطان وقدرة يحدد عمر الإنسان باليوم والشهر، فلا يقدر أن يتعدى ما هو محدد له. يقول موسى النبي: "إحصاء أيامنا هكذا علمنا، فنُوتى قلب حكمة" (مز 90: 12).

الله هو الذي "يميت ويحي" (2 مل 5: 7)، لا يحدث شيء مصادفة، فحياة الإنسان معروفة لدى الله، وأيامه محددة لديه.

v     "وقد عينت أجله (زمنه) فلا يتجاوزه" (١٤: 5). بالنسبة لكل البشر قد تعين ليس فقط بالسنوات والشهور، بل والأيام والساعات وذلك من جانب خالقنا. فقد "عين زمنًا"، وقد تحدد الزمن ولا يمكن تجاوزه مطلقًا. ألا تعلمون أن كثيرين يخلصون من المرض المميت، بينما آخرون وهم في صحة جيدة يُختطفون فجأة من الحياة الزائلة؟ البعض يسقطون من أماكن عالية وينزلون في أمانٍ أصحاء، بينما آخرون وهم يمشون يختطفهم الموت في خطوة باطلة. مرة أخرى فإن البعض يخرجون من سفينتهم (أتناء غرقها) ويصعدون على لوحٍ خشبيٍ مجرد، فيصلون في صحة وأمان، بينما آخرون يجدون الموت قرب الميناء، تغرق سفينتهم هناك حيث لا يتوقع أحد أن يكون الموت نصيبهم، لكنه يتحقق بدعوة من الخالق.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     أنا أعرف أن النفس البشرية روحية وليست جسدية، ممنوح لها العقل والتفكير، وهي ليست من جوهر الله، وإنما مخلوقة عن حياة الله التي وحدها حياة مطوّبة؛ وخالدة لأن شعورها يلزم أن يستمر على الدوام وتشكل مصدر سعادتها أو ويلها. حقًا إنها ليست مدينة لاحتجابها في الجسد إلى أعمالٍ مارستها قبل الجسد، لكنها في الإنسان ليست قط بلا خطية، حتى إن كانت حياتها يومًا واحدًا. من كل الذين يولدون من نسل آدم لا يولد إنسان ما بدون خطية. ومن الضروري حتى بالنسبة للأطفال أن يولدوا من جديد في المسيح بنعمة التجديد. أنا أعرف كل هذا بخصوص النفس[717].

v     ليس من بين المولودين من نسل آدم إنسان وُلد بدون خطية, ومن الضروري حتى للأطفال الصغار أن يولدوا من جديد في المسيح بنعمة التجديد[718].

القديس چيروم

v     بالنسبة لسرب خطايا النفس والإرادة الحرة، أية عظة يمكنها أن تعلن عنها؛ يقول: "من الداخل تخرج الأفكار الشريرة" (مر 7: 21؛ مت 15: 19). ويضيف قائمة بالأفكار التي تدنسنا.

فإن كانت شباك الخطايا منتشرة حولنا من كل جانب، خلال كل الحواس وحركات النفس الداخلية، من يقدر أن يفتخر بأن قلبه طاهر كما يقول الحكمة (أم 20: 9 LXX)؟ أو كما يشهد أيوب بذات الأمر: "من هو طاهر من وصمة؟" (أي 14: 4 LXX

الوصمة التي تلحق بنقاوة النفس هي اللذة الحسية التي تمتزج بالحياة البشرية بطرقٍ متنوعة خلال النفس والجسد، بالأفكار والحواس والحركات المتعمدة والتصرفات الجسدانية.

إذن من نفسه طاهرة من هذه الوصمة؟

كيف يوجد أحد غير مضروب بالخيلاء وغير مدوس تحت قدم الكبرياء؟

من لم يهتز قط بأيدٍ خاطئة، ومن لم تجرِ قدمه قط إلي الشر؟

من لم يفسد قط بتجوال عينيه نحو الفساد أو أذنيه غير المضبوطتين؟

من لم ينشغل قط في تذوقه بمتعة، ومن لم يتحرك قلبه قط بعواطف باطلة؟[719]

القديس غريغوريوس النيسي

v     "ليس أحد بلا وصمة، ولو كانت حياته يومًا واحدًا" (أي 14: 4). يئن داود قائلاً: "بالآثام حُبل بي، وفي الخطايا ولدتني أمي" (مز 51: 5). أيضًا يعلن الرسول: "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله، متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح، الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه" (رو 3: 23-25). لذلك يُمنح غفران الخطايا للذين يؤمنون، إذ قال الرب نفسه: "هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي يُسفك من أجل كثيرين، لمغفرة الخطايا" (مت 26: 28)[720].

القديس باسيليوس الكبير

يستخدم العلامة أوريجينوس هذه العبارة لتأكيد ضرورة تعميد الأطفال، إذ ليس أحد بلا دنس ولو كانت حياته يومًا واحدًا[721].

v     يًعمد الأطفال الصغار لمغفرة الخطايا (أع 2: 38). خطايا من هذه؟ متى صنعوا الخطايا؛ أو كيف يمكن شرح الغسل الخاص بالمعمودية أن يُمارس في حالة الأطفال الصغار إلا بحسب التفسير الذي تحدثنا عنه منذ قليل؟ "ليس أحد طاهرًا من دنس، ولو كانت حياته على الأرض يومًا واحدًا" (أي 14: 4-5). يُستبعد دنس الميلاد خلال سرّ العماد. لهذا حتى الأطفال الصغار يُعمدون. فإنه إن لم يُولد الإنسان مرة أخرى من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت السماوات[722].

v     كل إنسانٍ يدخل هذا العالم يُقال عنه إنه يحمل فسادًا معينًا. هذا أيضًا يقوله الكتاب المقدس: "ليس أحد طاهرًا من دنس (قذر)، وإن كانت حياته يومًا واحدًا فقط" (أي 14: 4-5). وذلك في الحقيقة يُحدث في رحم (أي 3: 11) أمه، وقد أخذ جسدًا من أصل البذار الوالدية، فيقال عنه أنه "فسد في أبيه وأمه" (راجع لا 21: 11). ألا تعلمون انه عندما يبلغ الطفل الذكر أربعين يومًا يُقدم على المذبح لكي يتطهر (لا 12: 2) الخ.، كما لو كان قد تدنس في الحبل به بالبذار الوالدية أو رحم والدته؟ لهذا فكل إنسان "تدنس في أبيه وأمه" (لا 21: 12).

إنما يسوع وحده ربي جاء إلي العالم طاهرًا في ميلاده هذا ولم يتدنس في أمه، لأنه دخل إلي جسم غير مدنس. إذ هو ذاك الذي قال منذ زمن طويل بسليمان: "كنت صالحًا فأتيت في جسد غير مدنس" (حك 8: 20)[723].

العلامة أوريجينوس

v     ليس أحد طاهرًا من خطية حتى وإن عاش يومًا واحدًا. حيث أن الرسل والقديسين لم يجسروا أن يقولوا: نحن قديسون. ولا تجاسروا بالقول: "أنا أُسر" بل "أنا سأسر". يعد النبي بخصوص المستقبل ويعترف بأنه لم يفعل ذلك في الماضي: "سأسر الرب". أين أسر الرب "في أرض الأحياء" (مز 116: 9). هذه الأرض هي أرض الأموات، الأرض الأخرى هي أرض الأحياء[724].

v     امسكوا بقدمي المخلص. اغسلوهما بدموعكم، وجففوهما بشعركم. عندما تفعلون هذا تبلغون إلى رأسه. عندما تنزلون في ينبوع الحياة مع المخلص، حينئذ تتعلمون أن تسكبوا الدهن على رأس المخلص. إن كان المسيح هو رأس كل رجل (اكو 11: 3)، يلزم ان يُمسح رأسكم، وبعد عمادكم تمسحون[725].

القديس جيروم

v     "بالآثام حبل بي" (مز 6:51). هل وُلد داود من زنا، بكونه وُلد من يسى (1 صم 18:16)، الرجل البار وزوجته؟ ما الذي يقوله عن نفسه إلا تلك الآثام التي جاءت من آدم؟ حتى رباط الموت قد غُرست في النفس مع الإثم ذاته؟

فإنه ليس إنسان وُلد دون أن تُجلب معه العقوبة، يُجلب معه الاستحقاق للعقوبة.

يقول نبي في موضع آخر: "ليس أحد طاهرًا في عينيك، ولو كان طفلاً، حياته يومًا واحدًا على الأرض" (أي 5:14 LXX )[726].

 القديس أغسطينوس

v     الذين يريدون أن يقدموا عذرًا لخطاياهم يدعون بأنه لا يوجد أحد بلا خطية. إنهم يلجأون إلي شهادة سفر أيوب حيث يقول: "ليس أحد طاهرًا من قذر، وإن كانت حياته على الأرض يومًا واحدًا. عدد أشهره يُمكن إحصائها" (أي 14: 4-5 LXX).

إنهم فقط ينطقون بهذه العبارة ويجهلون معناها تمامًا. إننا نجيبهم في اختصار. لكي يكون الإنسان بلا خطية هذا له معنيان في الكتاب المقدس. معني أن الإنسان لم يخطئ قط، والثاني أنه يكف عن ارتكاب الخطية.

فإن قالوا هذه العبارة: "بلا خطية" تعني أنه لا يوجد أحد لم يخطئ قط فإننا نوافقهم، إذ لا يوجد أحد بدون خطية. كلنا أخطأنا في وقت ما حتى وإن صرنا فضلاء بعد ذلك.

ولكن إن أخذوا النص بمعنى أنهم ينكرون أن الشخص بعدما يخطئ يمكنه أن يمارس الفضائل ولن يعود بعد إلي الخطية، فرأيهم هذا خطأ. إذ يمكن أن يحدث أن إنسانًا كان قبلاً يخطئ يتوقف عن خطأه وُيقال عنه أنه "بلا خطية".

ربنا يسوع المسيح "أحضر لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها" (أف 5: 27)، ليس لأن أعضاء الكنيسة لم يكن بهم دنس قط، وإنما لأنهم مؤخرًا تحرروا من الدنس. يضيف الكتاب: "ولا غضن"، ليس لأن أعضاء الكنيسة لم يكن فيهم غضن الإنسان القديم (أف 4: 22؛ كو 3: 9) في أيّ وقت، وإنما لأنهم كفوا عن أن يكونوا هكذا[727].

العلامة أوريجينوس

v     هذه أيضًا يمكن أن تؤخذ بخصوص الروح، فإننا أحيانًا نحاول أن نتقدم في بلوغ مكاسب في الفضيلة وبعض المواهب المقدمة لنا، لكننا نُمنع من بعضها... فإنه لا يوجد إنسان يبلغ إلى الدرجة التي يشتهيها، إنما الله القدير الذي يميز ما بداخلنا يضع حدودًا للمكاسب الروحية ذاتها. هكذا بالأمور التي يحاول الإنسان أن يسود عليها ويعجز عن ذلك، لا يعود يفتخر حتى بالأمور التي في سلطانه.

هذا هو السبب الذي لأجله الكارز العظيم الذي حُمل إلى السماء الثالثة واخترق أسوار الفردوس (٢ كو ١٢) بعد نواله هذا الإعلان لم يُعطَ له سلطان ليستريح، وأن يكون بدون تجربة، إنما لأن الله القدير "عيَّن للإنسان حدوده فلا يتجاوزها"، رفعه ليدرك أمورًا علوية، ثم عاد فنزل به ليخضع لضعفاتٍ. هذا حدث لكي لا يتكبر بذاته، بل يلتزم بالتواضع، فيلزم حدوده، وبعد تطلعه إلى قياس حدوده يسعى أن يكون في أمان.

البابا غريغوريوس (الكبير)

جاءت الترجمة السبعينية: "ليس إنسان طاهرًا من وصمة (قذر)". ويعلق العلامة أوريجينوس على ذلك بالقول بأن العبارة لم تقل: "ليس إنسان طاهرًا من خطية" وإنما "من قذرٍ". [فكل نفس ارتدت الجسم البشري لها قذارتها، أما يسوع فقد قبل ذلك بإرادته إذ أخذ الجسم البشري من أجل خلاصنا (إذ حمل فيه وصماتنا). [لتصغ إلي زكريا النبي؛ إنه يقول: "وكان يشوع لابسًا ثيابًا قذرة" (زك 3: 3). يقول زكريا هذا لكي يرد على الذين ينكرون أن ربنا أخذ له جسدًا حقيقيًا، ويدعون أن جسده من مادة سماوية روحية[728].

يعلق العلامة أوريجينوس على هذه العبارة بأنه ليس أحد من القديسين يقيم احتفالاً بعيد ميلاده. على العكس نجد في العهد القديم فرعون أقام احتفالاً بمولده، وفي الوليمة قتل رئيس الخبازين وعلقه (تك 40: 20-22)، وهيرودس صنع وليمة يوم ميلاده وقطع رأس القديس يوحنا المعمدان[729].

2. الموت والعبور من الألم

فَأَقْصِرْ عَنْهُ لِيَسْتَرِيحَ،

إِلَى أَنْ يُسَرَّ كَالأَجِيرِ بِانْتِهَاءِ يَوْمِهِ [6].

إذ اشتدت به الضيقة التي يحسبها أيوب أنها بسماح من الله، يطلب منه أن يرفع يده عنه ليستريح من شدة ما حلّ به. وكما يقول المرتل: "أقصر عني، فأتبلج قبل أن أذهب فلا أوجد" (مز 39:13).

كأنه يقول لله، إن أفضل أيامي مملوءة تعبًا وشقاءً، فاسمح لي أن أتنفس من الضيق المستمر. فالأجير يتطلع برجاء إلى نهاية يومه ليستريح من التعب. أحسب أيامي كأيام أجيرٍ! ليكن فيها تعب، ولكن تتخللها فترات راحة.

v     "فأقصر عنه (إلى حين)، ليستريح إلى أن يُسر كالأجير بانتهاء يومه" [٦]. يقصد هنا بـ "أقصر عنه" انزع عنه عنف الضربة. لكن من يقدر أن يستريح إن ابتعد عن (الله)، مادام الله وحده هو الراحة؟ وقدر ما يبتعد الإنسان عنه يبتعد عن الراحة؟

قدر ما يكون الأجير بعيدًا عن نهاية عمله، يكون بعيدًا عن مكافأة أجرته. لهذا فكل قديسٍ قائمٍ في هذه الحياة، بينما يرى أنه بعيد عن الرحيل من الحياة الحاضرة يحزن بأنه بعيد عن البركة الأبدية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لأَنَّ لِلشَّجَرَةِ رَجَاءً.

إِنْ قُطِعَتْ تُخْلِفْ أَيْضًا،

وَلاَ تُعْدَمُ أَغْصَانُهَا [7].

يتطلع أيوب إلى حياته على الأرض وهي حياة واحدة متى عبرت لا تعود، بينما الشجرة إن قُطعت وتُرك جذُرها في التربة تنبت أغصانًا صغيرة، كأنها غرست حديثًا. فإن رطوبة الأرض وأمطار السماء تؤثر في جذعها لكي تتنفس وتعيش من جديد، أما الإنسان فمتى دفن في القبر لا يقوم في هذا العالم.

يرى أيوب أن الحياة بالنسبة للأشجار أفضل منها للإنسان، فعندما تسقط شجرة يمكن أن تنبت من جذعها شجرة جديدة. عندما تنبأ اشعياء النبي عن إصلاح حال مدن يهوذا بعد خرابها قدم التشبيه التالي: "ولكن كالبطمة والبلوطة التي وإن قطعت، فلها ساق يكون ساقه زرعا مقدسا" (إش 6: 13). فإن بيت يسى – أي إسرائيل - يقطع، كما تقطع بلوطة (سنديانة) عظيمة. لكن الله برحمته العظيمة يسمح لجذع هذه البلوطة أن تنبت من جديد فتأتي بفرعٍ بهيٍ جديدٍ، هو المسيا المخلص الذي من سبط يهوذا. "يخرج قضيب من جذع يسى، وينبت غصن من أصوله، ويحل عليه روح الرب..."(إش 11: 1).

يقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) تفسيرًا نبويًا حيث يرى في هذه العبارات نبوة عن موت السيد المسيح وقيامته.

v     كان قادرًا أن يموت بآلامه، لكن بمجد قيامته جاء إلى خضرة الحياة مرة أخرى. فروعه التي تنبت هي المؤمنون به الذين يتضاعفون بقيامته فينمون ويتسعون. أصله يبدو كمن قد قدُم في الأرض، إذ أن الكرازة به كانت لغير المؤمنين من اليهود أمر مهين. "جذعه جف في التراب"، حيث الآن قلوب مضطهديه التي أمسك بها روح عدم إيمانهم، فصار كمن هو مُحتقر ومرذول، لأنه كان قادرًا أن يموت بالجسد. ولكن "برائحة المياه نبت" بقوة الله، وجسده بعد موته قام من الأموات. وذلك كما هو مكتوب: "أقامه الله من الأموات" (أع ٣: ١٥)..."وأنبت أوراقًا كغرسٍ جديدٍ"، إذ أن ضعف الرسل، إذ وقت موته خافوا، وبإنكارهم له صاروا جافين، وبمجد قيامته حيّوا من جديد في الإيمان. بالمقارنة بهذه الشجرة، ماذا يكون كل إنسان إلاَّ ترابًا؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     إن كان يوجد رجاء للشجرة المنظورة لحياة جديدة حتى بعد قطعها مادام جذرها ثابتًا، كم بالأكثر بالنسبة للشجرة الممنوحة عقلاً؟ فكما يوجد فأس لهذه الشجرة، يوجد أيضًا فأس للشجرة التي بها عقل (لو ٣: ٩).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

وَلَوْ قَدُمَ فِي الأَرْضِ أَصْلُهَا،

وَمَاتَ فِي التُّرَابِ جِذْعُهَا [8].

v     ما هو أصل (جذر) الصديق إلاَّ الكرازة المقدسة، إذ هي مصدره، التي يتمسك بها؟ وماذا يعني بالأرض أو التراب إلاَّ الخاطي؟ الذي قيل له بصوت الخالق: "أنت تراب، وإلى ترابٍ تعود". هكذا أصل الصديق "يقدُم في الأرض، وجذعه يموت في التراب"... فبحسب كلمات الحكمة: "في نظر الجهال يبدو أنهم ماتوا، ويكون رحيلهم للبؤس" (حك ٣ : ٢).

أما ذاك الذي أصله يقدم في الأرض وجذعه يموت في التراب، فإنه برائحة الماء ينبت، وذلك خلال إلهام الروح القدس، على مثال سلوكه، ويسبب نبتة الفضيلة في قلوب المختارين. فإن الماء يشير أحيانًا إلى روي الروح القدس، كما كُتب: "إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب"، "من يشرب من هذا الماء الذي أعطيه لن يعطش" (راجع يو ٧: ٣٧؛ ٤: ١٤).

تبع ذلك: "تُنبِت أوراقًا كغرسٍ جديدٍ". تنبت أوراقًا على أصل الشجرة المقطوعة، إذ يموت الصديق بالجسد، وبمثال آلامه يقيم قلوب الكثيرين، وبإيمانه المستقيم يظهر اخضرار الحق. ولذلك حسنًا قيل: "كغرسٍ جديدٍ". كل ما يفعله الصديق هنا هو غرس ثانٍ، فمن الواضح أن الغرس الأول لا يكمن في ممارسة الصلاح بل في سبق معرفة الخالق. بينما كل ما يفعله المختارون كما لو كان يُرى لأول مرة هو مستقر في داخلهم، وبعد ذلك ينُفذ في الخارج. حسنًا قيل: وتنبت أوراقًا كغرسٍ جديدٍ (أول)، بمعنى أن يظهر الاخضرار بالتنفيذ العملي لما هو كائن قبلاً في سبق معرفة الخالق.

البابا غريغوريوس (الكبير)

فَمِنْ رَائِحَةِ الْمَاءِ تُفْرِخُ،

وَتُنْبِتُ فُرُوعًا كَالْغَرْسِ [9].

إن كانت المياه تهب جذر الشجرة الميتة حياة، فينبت من جديد، ويعود للشجرة حياتها، فإن الروح القدس يهب المؤمن الحياة الجديدة في مياه المعمودية. يقدم لها القيامة، قيامة النفس من موتها، حتى يتمتع الجسم أيضا بالقيامة في بوم الرب، وتشترك النفس مع الجسم في الحياة الأبدية.

في مياه المعمودية يدخل بنا الروح القدس إلى الدفن مع المسيح والقيامة أيضًا معه، فنخرج من المعمودية أعضاء جسد المسيح القائم من الأموات الذي لا يشيخ ولا يقدم بل ينمو على الدوام بغير انقطاع متمتعًا بالحياة الجديدة. بهذا يتحقق اتحادنا مع السيد المسيح فننعم بالبنوة لله، إذ نصير خلال الابن الوحيد الجنس أبناء معه بالتبني، أي ليس حسب الطبيعة, وإنما خلال النعمة المجانية. هذا ما قصده الرسول بقوله: "لا بأعمالٍ في برّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمتهِ خلَّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تي 3: 5)، "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمتهِ الكثيرة ولدنا ثانيةً لرجاءٍ حيٍّ بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات لميراثٍ لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحلُّ، محفوظ في السماوات لأجلكم" (1 بط 1: 3-4). هذا ما قصده السيد المسيح نفسه في حديثه مع نيقوديموس: "الحقَّ الحقَّ أقول لك إن كان أحد لا يُولَد من الماءِ والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو 3: 5). ولم يستطع نيقوديموس معلم إسرائيل أن يفهم، لأنه لم يكن بعد قد أدرك أن يسوع هذا الذي يحدثه إنما يضم المؤمنين به إلى نفسه في المعمودية بالروح القدس، حتى يهبهم حياته المُقامة كعطية الميلاد الروحي الجديد.

v     هل كان ممكنًا أن تتحول عصا موسى التقي إلى حيَّة، وغير ممكن أن تحيا أجساد الأتقياء وتقوم ثانيةً؟ وهل عمل هذا خلافًا للطبيعة؟ وهل لا يعودون هم ثانية بحسب الطبيعة؟!

كذلك عصا هرون ولو أنها قُطعت، لكنها أزهرت دون أن تشتم الماء (أي 14: 9). مع أنها كانت تحت سقف أزهرت أزهارًا كما لو كانت في الحقول. مع كونها وُضعت في مواضع جافة، حملت في ليلة زهورًا وثمر النبات الذي يُسقى لسنين عديدة، فهل قامت عصا هرون من الموت، وهرون نفسه لا يقوم؟!

هل يعمل الله معجزات في الخشب ليضمن له الكهنوت، ولا يتعطف بقيامة هرون نفسه؟[730]

القديس كيرلس الأورشليمي

v     "فمن رائحة الماء تفرخ، وتنبت فروعًا" [٩]، وذلك بغسل الميلاد الثاني (تي ٣: ٥)، ذلك في وقت قيامة الأموات. إذ لنا الرجاء في القيامة، بفضل نعمة المعمودية. بهذا ننال محصولاً كغرسٍ جديدٍ، إذ نُغرس في آدم الجديد (١ كو ١٥: ٤٥)، ولا نعود نرتبط بآدم القديم. ولكن إن حلت علينا الشيخوخة خلال الكسل، إن كان الموت يلتصق بنا خلال الخطية، فلتكن لنا رائحة الماء، خلال البكاء مثل داود وبطرس وغيرهم (٢ صم ١٢: ٢١؛ مت ٢٦: ٧٥). لأن رائحة العماد يدعوها البعض[731] بحق دموع الندامة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     إذ رأى الثالوث غير المنقسم ولا منطوق به منذ الأزل سقوط الطبيعة البشرية، وفي نفس الوقت أوجد الماء من العدم، أعدَّ للإنسان الشفاء المزمع أن يتم في المياه. هذا هو السبب الذي لأجله إذ حُمل الروح القدس على المياه ظهر مقدِسًا لها... وربطها بعملية الولادة (الإنجاب). بهذا يليق بنا أن نقرن الحقيقة معًا، فإنه من المهم أن نعرف أنه في اللحظة التي اعتمد فيها يسوع نزل الروح القدس على أمواج الأردن واستقر عليها[732].

القديس ديديموس السكندري

v     انظروا إلى المولدين من الله. هنا الرحم المادي، مياه المعمودية!

v     لنا ميلادان: أحدهما أرضي، والآخر سماوي. الأول من الجسد، والثاني من الروح.

 الأول صادر عن مبدأ قابل للفناء، والثاني عن مبدأ أبدي.

 الأول من رجل وامرأة، والثاني من الله والكنيسة.

 الأول يجعلنا أبناء الجسد، والثاني أبناء الروح.

 الأول يصيرنا أبناء الموت، والثاني أبناء القيامة.

 الأول أبناء الدهر، والثاني أبناء الله.

 الأول يجعلنا أبناء اللعنة والغضب، والثاني أبناء البركة والمحبة.

 الأول يقيدنا بأغلال الخطيئة الأصلية، والثاني يحلّنا من رباطات كل خطيئة[733].

           القديس أغسطينوس

أَمَّا الرَّجُلُ فَيَمُوتُ وَيَبْلَى.

الإِنْسَانُ يُسْلِمُ الرُّوح،َ فَأَيْنَ هُوَ! [10]

إذ يموت الإنسان يبلى الجسد ويفنى، إذ يصير كالتراب، وتنطلق الروح ولا تعود بعد إلى الجسد في هذا العالم.

بالرغم مما يبدو من بعض كلمات أيوب في السفر كمن لا يعتقد في القيامة، إلا أنه هنا يدعو الموت رقادا" والقيامة استيقاظ من المضطجع، مما يؤكد إيمانه الحي بالقيامة من الأموات.

v     "عندما يموت الإنسان ويُجرد ويفنى أسأل: أين هو؟" [١٠] لا يوجد إنسان بلا خطية سوى ذاك الذي جاء إلى العالم بلا خطية. وبينما نحن جميعًا مقيدون بالإثم نموت بفقداننا للبرّ.

أُعطي لنا ثوب البراءة سابقًا في الفردوس، وتجردنا منه، وصرنا عراة. هذا العري الذي للابن الضال وهبه الآب أن يتغطى، إذ قال عند عودته: "احضروا له سريعًا الثوب الأول" (راجع لو ١٥: ٢٢).

فإن الثوب الأول هو ثوب البراءة الذي بحق تسلمه الإنسان عند خلقته، لكنه إذ خُدع بواسطة الحية خسره.

مرة أخرى قيل عن هذا العري: "طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلا يسير عريانًا" (رؤ ١٦: ١٥). فإننا نحفظ ثيابنا عندما نحفظ وصايا البراءة في قلوبنا، حتى إذ قد تجردنا نظهر عراة أمام الديان بالإثم، فبالندامة نتغطى وتعود لنا البراءة التي فقدناها.

حسنًا قيل: "أسأل أين هو؟" حيث لا يقف هناك الخاطي حيث خُلق، بينما وهو هنا حيث سقط يُمنع من أن يقف طويلاً. بإرادته فقد وطنه، وبغير إرادته يُسحب من نفيه، الذي فيه يبتهج. إذن أين هو هذا الذي ليس فيه حب الله، أين حقيقة كيانه؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     كان النبي يحزن لبؤس حالنا الواهن، حيث لا يجد الإنسان راحة في حياته، ويفقد كل شيء بمستهل الموت المفاجئ. فقد أعلن له الروح القدس أن الإنسان لا يقوم إلى وقت طويل، حتى يأتي ذاك الذي لا يخيط ما هو قديم مع ما هو جديد، ولا يربط المادة الجديدة بالقديمة (مت 9: 16)، بل يجعل كل شيء جديدًا، وذلك كما قال: "ها أنا أصنع كل شيء جديدًا" (رؤ 21: 5). لأنه هو القيامة (يو 11: 25)، بكر الراقدين (كو 1: 18، رؤ 1: 5). الذي فيه بحق نقبل امتياز القيامة المقبلة. لكن إلى الآن هو وحده قام القيامة الدائمة[734].

القديس أمبروسيوس

قَدْ تَنْفَدُ الْمِيَاهُ مِنَ الْبَحْرِ،

وَالنَّهْرُ يَنْشَفُ وَيَجِفُّ [11].

v     "كما لو أن المياه تنحدر من البحر، والنهر يجف فارغًا" [١١]. عقل الإنسان هو بحر، وأفكار ذهنه كما لو كانت أمواج بحر. أحيانًا يُبتلع هذا البحر بالغضب، ويصير بالنعمة هادئًا، ويجري من البغضة إلى المرارة. ولكن عندما يموت الإنسان "ينحدر الماء من البحر"... "وإذ يفرغ النهر يجف". بهذا تنسحب النفس ويبقى الجسم فارغًا. فإن الجسم الذي بلا حياة يكون كمجرى نهرٍ جاف.

البابا غريغوريوس (الكبير)

الإِنْسَانُ يَضْطَجِعُ (يرقد) وَلاَ يَقُومُ.

لاَ يَسْتَيْقِظُونَ حَتَّى لاَ تَبْقَى السَّمَاوَاتُ،

وَلاَ يَنْتَبِهُونَ مِنْ نَوْمِهِمْ [12].

حُذفت كلمة "الموت" من قاموس الكنيسة، فلم تعد تختبره. وليس من بين أعضائها الحقيقيين من هم أموات بل الكل أحياء، لأنها جسد الرب السري الحي، وإذ الرأس حيّ، لذلك فإن الأعضاء حية.

هي كنيسة واحدة حية، جسد لرأس واحد حيّ، لا تعرف التمزيق، بل يرتبط الكل عبر الأجيال في وحدانية تفوق حدود الزمن.

نحن لا نعتقد بكنيستين، كنيسة أحياء وكنيسة أموات، لكنها كنيسة واحدة، كمَّل بعض الأعضاء جهادهم فانتقلوا إلى الفردوس علي انتظار أن نكمل نحن العبيد رفاقهم جهادنا فنعبر إليهم، وينال الجميع المكافأة يوم الدينونة.

إننا كنيسة واحدة، بعض أعضائها كملوا جهادهم وغلبوا وانتصروا، والبعض لا يزالوا يجاهدون، والباقون سيأتون في الأجيال المقبلة، والكل كنيسة حية واحدة، بغض النظر عن اللقاء الجسدي  في هذا العالم.

بهذه النظرة الإيمانية، لا نتطلع إلي الأموات كأموات بل كمن ناموا ليستيقظوا. هذا بالنسبة لأجسادهم، أما نفوسهم فهي لا تنعس ولا تنام. استراحت نفوسهم من الجهاد والتعب والألم، لكن لم ينفصلوا عنا، لأن رباطنا ليس بالرباط الجسدي. نحبهم ويحبوننا، نطوبهم من أجل جهادهم، وهم يصلون عنا.

v     "والإنسان يضطجع ولا يقوم، حتى تزول السماء" (أي 14: 12). هذا يبدو معناه حتى تصير السماء جديدة. إذ "ستكون سماء جديدة وأرض جديدة" (إش 65: 17 LXX). كما هو مكتوب. فإن ما يزول هو قديم، وما هو قديم سيتغير.

أنصتوا إلى المرتل القائل: "في البدء يا رب أوجدت الأرض، والسماوات هي عمل يديك. هي تبيد وأنت تبقى، وكلها كثوبٍ تبلى، كرداءٍ تغيرهم فتتغير" (مز 12: 25-26). نحن أيضًا قادرون أن ننسج الرداء، لأن ما هو قديم يزول، أما ما هو جديد فيُغتصب "ومن أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السماوات يغُتصب، والغاصبون يختطفونه" (مت 11: 12).

المجمع (اليهودي) زال بقليلين، والكنيسة تغتصبه بالآلاف، وربما المعنى أيضًا أن السماء الآن تظهر زائلة، إذ تمتزج بالسحاب والضباب وظلمة الليل، وببزوغ نهار بلون أحمر ذهبي يظهر بألوان متنوعة مضاعفة. "ولا يكون ليل هناك، ولا يحتاجون إلى سراج أو نور شمس، لأن الرب الإله ينير عليهم" (رؤ 22: 5)، كما قال يوحنا. أو يقول آخر: "ويل للـواتي يخطن وسائد وتُطحن بنفوس الشعب" (حز 13: 18 LXX)[735].

القديس أمبروسيوس

v     "الإنسان الذي يرقد (في الموت) لا يقيم نفسه. مادامت السماوات قائمة لا تلتئم (أعضاؤه) معًا، ولا يقوم من نومه".

بدعوة الموت رقادًا يقدم لنا أيوب بوضوح الرجاء في القيامة. يقول إننا لا نقيم أنفسنا مادامت السماوات (المنظورة)، قائمة. هذه شهادة أن "السماء ستنطوي كدرجٍ" كما يقول إشعياء "وكل قوات السماوات ستنحل، والقمر سيظلم، والنجوم تتساقط، تسقط كورقة الشجر" (إش ٣٤: ٣٤؛ مت ٢٤: ٢٩). عندئذ عندما يُضرب البوق (مت ٢٤: ٣٠-٣١؛ ١ كو ١٥: ٢٥؛ ١ تس ٤: ١٦) تقيمنا الملائكة من الموت كما من الرقاد، بطريقة واضحة بناء على أمر الله وإشارته. فإنكم تجدون كلمات الرب هذه موضوعة في الوقت الذي فيه يتحدث مع تلاميذه عن مجيئه... وإذ يعلن عن ظهور علامة صليبه عند مجيئه أضاف: "سيرسل ملائكته بصوت بوق عظيم"...

أما بالنسبة لنا ليتنا نصغي باهتمام إلى القول: "نلتئم معًا". إنه يعلن كيف عندما تزول السماوات (مت ٢٤: ٣٥) تكون لنا نحن القيامة. إذن سيكون لقيامة الأعضاء موضع، هذه التي الآن منفصلة ومبعثرة في الأرض، وقد عادت إلى الطين. عندئذ تستعيد النسمة بأمر الله (حز ٣٧: ١٠)، "وتلتئم معًا". فإنه لا يصنع لنا الخالق جسدًا آخر، بل من كل الجوانب هو ذات الجسد الفعلي. على أي الأحوال، سوف لا يكون بذات الطابع، بل يقوم في عدم فساد وعدم موت. إنه يقيمه، وكما يقول بولس: "هذا الفاسد يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم الموت" (١ كو ١٥: ٥٣).

إذ يفكر أيوب في هذا ويتأمل في مجد المستقبل والحياة الأبدية، كما في انحطاط الحياة الحاضرة، يتمسك بفكرة التحول من هذه الحياة السريعة الزوال، وفي الرجاء في الحياة العتيدة، نسمعه يقول: "آه! إن كان أحد يحفظني من جهنم!"

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "هكذا يرقد الإنسان ولا يقوم". يبدو هذا صعب جدًا، لماذا نتعب ونجاهد، إن كنا لا نجد بعد مكافأة القيامة؟

كيف يُقال: "لا يقوم"، مع أنه مكتوب: "كلنا سنقوم، لكن ليس كلنا نتغير". وأيضًا: "إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح، فنحن أشقى جميع الناس". ويقول الحق نفسه: "كل الذين في القبور يسمعون صوته ويقومون، ويذهب الذين صنعوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين صنعوا السيئات إلى قيامة الدينونة" (١ كو ١٥: ٥١، ١٩؛ يو ٥: ٢٨، ٢٩). لكن العبارة السابقة إذ تضيف: "إلى أن تزول السماوات لا يستيقظون، ولا يقومون من نومهم". فمن الواضح أنهم سوف لا يقومون إلى أن لا تعود توجد السماوات، فإن لم تأتِ نهاية العالم لا يستيقظ الجنس البشري إلى الحياة من نوم الموت...

علاوة على هذا فنلاحظ لماذا بعدما دعا الإنسان ميتًا قبلاً، أشار إليه بعد ذلك انه ليس بميتٍ بل هو نائم، وأنه لن يقوم مرة أخرى من نومه حتى تتفتت السماوات، التي لا تعني سوى أن نفهم بوضوح أنه بالتشبه بالشجرة التي تنتعش من جديد للحياة، يشير إلى الإنسان كخاطي ميت، أي ليس فيه حياة البرّ. ولكن عندما يتحدث عن موت الجسد يفضل أن يدعوه هذا ليس موتًا بل رقادًا. بالتأكيد يعلمنا الرجاء في القيامة، حيث يقوم الإنسان بسرعة من النوم، سيقوم في لحظة بإيماءة من خالقه، يقوم من موت الجسم.

فإن كلمة "الموت" ترعب أصحاب العقول الضعيفة، أما لقب "النوم" فغير مخيف. لذلك إذ يوصي بولس تلاميذه يقول: "أريد أن لا تجهلوا أيها الإخوة بخصوص الراقدين، ألاَّ تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم. فإننا إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام، فإنه هكذا الذين رقدوا في يسوع سيحضرهم الله معه ثانية (١ تس ٤: ١٣-١٤).

البابا غريغوريوس (الكبير)

لَيْتَكَ تُوارِينِي فِي الْهَاوِيَةِ،

وَتُخْفِينِي إِلَى أَنْ يَنْصَرِفَ غَضَبُكَ،

وَتُعَيِّنُ لِي أَجَلاً، فَتَذْكُرَنِي [13].

يشتاق أيوب إلى القبر كمكان يختبئ فيه مؤقتا من غضب الله. هنا يختلف هدفه عما كان لديه سابقا حين كان يطلب الموت والقبر (7: 9-10: 18-21).إنه ينسب ما يحل به إلى غضب الله، لأنه تعلم ان البار يكون دوما مطوبًا ولا تحل به المصائب كالأشرار.

في وسط آلامه المرة يشتهي الموت، عالمًا انه سينحدر إلى الهاوية، لكن إلى حين مترقبًا عمل الخلاص الإلهي، فينصرف الغضب ويتمتع بالقيامة المجيدة.

إن كان أيوب يئن من ضعف الحياة البشرية على الأرض بكونها أضعف من حياة شجرة، لكنه وسط آلامه يشتهي أن يختبئ في القبر ليستريح من الألم ولا يعود إليه بعد. يدرك أيوب أن الموت هو اختباء في القبر الذي مفاتيحه في يد الله، يفتح ليدخل أولاده، ثم يعود فيخرجهم في يومه العظيم.

إذ يتطلع أيوب إلى أجساد المؤمنين في القبر يرى أنه لا يزال توجد أثار للغضب، حتى متى قام الجسد وتمتع بالمجد ينتهي كل أثر للغضب تمامًا، بهذا يُباد سلطان الموت.

تدخل الأجساد في القبور إلى تعيين أجل الخروج إلى الحياة الجديدة الأبدية، كما دخل نوح وعائلته في الفلك، وأغلق الله عليه، لا ليحفظهم من الدمار فحسب، وإنما ليدخل بهم إلى العالم الجديد، وكأن أيام القبر أفضل من الأيام الحالية.

يرى القديس أمبروسيوس في هذه العبارة (أي 14: 13-17) أن الله تحدث في أيوب وعرف بالروح القدس أن ابن الله ليس فقط يأتي على الأرض، وإنما ينزل إلي الهاوية ليقيم الأموات، وأن ما حدث فعلاً فيٍ أيامه كان شهادة للأمور الحاضرة ونموذج للأمور المقبلة[736].

v     يا لها من عبارة رائعة تقوينا من جهة القيامة!

كيف تبدو هذه العبارة في توافق مع كلمات الرب التي نقرأها في الإنجيل! إنه يقول: "حينئذ يبتدئون يقولون للجبال أسقطي علينا، وللآكام غطينا" (لو 23: 30). لأن غضب الرب سيظهر في نهاية العالم. لهذا فضل أيوب البار أن يقوم في الدينونة، وليس في وقت غضب الرب الذي يكون مرعبًا حتى بالنسبة للبار.

"وتعين لي زمنًا، فتذكرني" (أي 14: 13). يُفهم أيوب أنه يتنبأ أنه سيقوم في وقت آلام الرب كما هو واضح مما جاء في نهاية السفر (أي 42: 17LXX ) حيث جاءت الترجمة السبعينية "مكتوب أنه سيقوم مع أولئك الذين يقيمهم الرب". ومع هذا فهو لا يكف عن أن ينتحب، وكلما أدرك أن القيامة تنتظره كلما عظمت اشتياقاته أن يهرب من هذه الحياة. إذ يرى نفسه يُسلم في أيدي خصومه، وأنه يسقط تحت سلطان الشرير[737].

القديس أمبروسيوس

v     "يا من تدافع عني في الجحيم" [١٣]. قبل مجيء الوسيط بين الله والناس، كل شخص حتى وإن كانت حياته طاهرة ومُزكاة، فإنه دون شك نزل إلى سجن الجحيم. الإنسان الذي سقط بعمله، صار عاجزًا بعمله أن يعود إلى راحة الفردوس. فقد سُجل أن سيفًا ملتهبًا وُضع عند مدخل الفردوس بعد خطية الإنسان الأول، والذي دُعي "المتحرك"، حتى يأتي اليوم الذي فيه يتحرك...

"حتى تحفظني مخفيًا إلى أن يعبر سخطك تمامًا". فإن سخط الله القدير ينجز قوة كل يوم، فيُبتلع الذين يعيشون بطريقة جائرة بعقوبات لائقة...

في هذا الأمر يلزم أن نعرف أن تعبير "سخط" لا يليق بالكائن الإلهي، حيث لا يوجد في طبيعة الله البسيطة قلق. فقد قيل له: "لكن أنت، يا ضابط السلطة تحكم في هدوء وتأمرنا باهتمامٍ عظيمٍ زائدٍ" (حك ١٢: ١٨). ولكن لأن نفوس الصديقين تحررت يومًا ما بمجيء الوسيط من مواضع الجحيم، وليست مواضع عقوبة، لذلك فالصديق سبق فرأى وطلب قائلاً: "حدد لي زمنًا، متى تأتي وتذكرني".

هكذا ليت الطوباوي أيوب، إذ يعرف هذا المجيء لمخلصنا إلى الجحيم يطلب ما قد سبق فرآه يحدث في المستقبل. ليقل: "وأنت فلتحدد لي زمنًا فيه تذكرني"، يكمل: "هل تظن أن الإنسان الميت يحيا ثانية؟" [١٤]

حين كان ربنا قريبًا من آلامه نطق بصوت الضعفاء، قائلاً: "يا أبتاه، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس" (مت ٢٦: ٣٩). ولكي يزيل خوفهم أخذ (الخوف) فيه (نيابة عنهم).

مرة أخرى أظهر بالطاعة القوة بقوله: "لكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك". هكذا يكون الأمر عندما يهددنا... يلزمنا في الضعف أن نصلي ألاَّ يكون (ما نخشاه)، لكننا مستعدون أن تتم إرادة خالقنا، حتى وإن كانت ضد إرادتنا.

على هذا المثال يليق أحيانًا أن يتبنى الأقوياء كلمات الضعف، حتى بكرازتهم القوية يمكن لقلوب الضعفاء أن تزداد قوة. هكذا عندما نطق الطوباوي أيوب كلمات كمن هو في شكٍ، قائلاً: "هل تظن أن إنسانًا ميتًا يقوم ثانية؟" للتو أضاف عبارة تؤكد يقين إيمانه حيث يقول: "كل الأيام التي فيها الآن أنا أناضل، انتظر حتى يحل تغيري" [١٤].

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     [في رسالةٍ يعث بها القديس إلى أرملة شابة، رجلها كان واليًا، جاء فيها:] فإن هذا الموت ليس بموت، إنما هو نوع من الهجرة والانتقال من سيئ إلي أحسن، من الأرض إلي السماء، من وسط البشر إلي الملائقائلاًكة ورؤساء الملائقائلاًكة، بل ومع الله الذي هو رب الملائقائلاًكة ورؤساء الملائقائلاًكة...

فبقدر ما تحزنين لأن الله أخذ إنسانًا هكذا كان صالحًا ومكرمًا كان يجب أن تفرحي أنه رحل إلي مكان أكثر أمانًا وكرامة، متخلصًا من مضايقات الحياة الحاضرة الخطيرة، إذ هو الآن في أمان وهدوء عظيم.

إن كان لا حاجة لنا أن نعرف أن السماء أفضل من الأرض بكثير، فكيف نندب الذين رحلوا من هذا العالم إلي العالم الآخر؟!

لو كان زوجك سالكًا مثل أولئك الذين يعيشون في حياة مخجلة لا ترضى الله، كان بالأولي لك أن تنوحي وتبكي، ليس فقط عند انتقاله، بل حتى أثناء وجوده حيًا هنا. لكن بقدر ما هو من أصدقاء الله، يلزمنا أن نسر به، ليس وهو حيّ هنا، بل وعندما يرقد مستريحًا أيضًا.

وإذ يلزمنا أن نفعل هذا، استمعي ما يقوله الرسول الطوباوي: "لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا" (في 23:1)[738].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إِنْ مَاتَ رَجُلٌ، أَفَيَحْيَا؟

كُلَّ أَيَّامِ جِهَادِي أَصْبِرُ،

إِلَى أَنْ يَأْتِيَ بَدَلِي [14].

ليست مسرة الله في موت الإنسان، بل أن يرجع إليه فيحيا. هذا ما يدفع أيوب لاحتمال كل أيام جهاده، حتى تتبدل أيامه الحاضرة بالحياة الأبدية الجديدة.

كان أصحاب أيوب وهم معزون متعبون، يقدمون له الرجاء في الدعوة إلى ما كان عليه إن اعترف بريائه وشره المخفي، وقدم توبة صادقة، ورجع إلى الله. أما أيوب فكان يتعزى بذلك فإنه حسب نفسه كميتٍ، لا يعود إلى الحياة على الأرض من جديد، قائلاً: "إن مات رجل، أفيحيا؟" لكن هذا لا يدفعه إلى التراخي، ولا إلى اليأس، إنما يقول: "كل أيام جهادي أصبر إلى أن يأتي بدلي". أي بديل ينتظره أيوب؟ هذا الذي قال عنه الرسول بولس: "سيتغير شكل جسد تواضعنا" (في 3: 21). هذا هو البديل، عوض العظام اليابسة الملقاة في بقعة تصير حياته جيشًا عظيمًا جدًا جدًا (حز 37: 10). هكذا تصير النفس بكل طاقاتها والجسد بكل قدراته جيشًا للرب مجيدًا وعظيمًا، حيث يشارك السيد المسيح مجده. بهذا يترنم المرتل: "وجسدي أيضًا يسكن مطمئنًا" (مز 16: 9). هذا هو الإبدال المفرح حيث يلبس الفاسد عدم الفساد، والمائت عدم الموت.

جاء سؤال أيوب: " إن مات رجل، أفيحيا؟" جاء الرد بالإيجاب بواسطة رب المجد يسوع وما ورد في أسفار العهد الجديد (يو 11: 23-26؛1 كو 15: 3-57).

v     "إن كان الإنسان حتمًا يموت، هل سيقوم، وقد أتم أيام حياته؟... إني أنتظر حتى أوجد ثانية" (أي ١٤: ١٤). إنه يدعو القيامة وجودًا جديدًا... لقد عرف أيوب الساحة لا بكلمات مديح صادرة عن اللسان، وإنما بالأعمال. كلمات المديح هي أمراضه وقروحه ونياته. كان عاريًا تمامًا، وكان أكثر بهاءً ممن يرتدي ثيابًا موشاة بالذهب. فإن سريره الذي كان يرقد عليه هو كوم مزبلة، لكنه كان أكثر تألقًا من الذين يجدون مسرتهم في الذهب والحجارة الكريمة. فإن الله يتحدث معه شخصيًا، والملائكة بجانبه، وكل الخليقة تعلن مجد المصارع، هذا الذي دون أن يمد يديه، يسقط العدو.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة" (رو 10:6).

مات لا لأنه مائت بطبعه، لكنه مات بالجسد ليضع نهاية للخطية. وهو حيّ في حياته التي لا تزول كإله[739].

ابن الصليبي

v     لأنه محب البشر فقد رحب بالموت الذي بدونه لهلك العالم في خطاياه[740].

القديس كيرلس الأورشليمي

v     دُفن وحده ولكنه أقام الجميع، نزل وحده ليرفعنا جميعًا، حمل خطايا العالم كله وحده ليطهر الكل في شخصه، وكما يقول الرسول:

"نقوا أيديكم إذن وتطهروا" (يع8:4)، فالمسيح غير محتاج للتطهير تطهر لأجلنا.

القديس أمبروسيوس

v     كن مصلوبًا مع المسيح، مماتًا معه، كن مدفونًا معه، لكي تقوم معه، وتمجد معه، وتملك معه.

 القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس

تَدْعُو، فَأَنَا أُجِيبُك.

تَشْتَاقُ إِلَى عَمَلِ يَدِكَ [15].

الله في عدله يرفض المعصية، ولا يقبل الإثم (17:14)، لكنه إذ يدبر الخلاص يشتاق إلى الإنسان عمل يديه.

في وسط الشدة يصرخ أيوب إلى الله، وكأن الله لا يسمع له، أما إذ يحين وقت القيامة، فالله يدعوه أن يقوم فيستجيب أيوب، يلتقي مع الله الذي يشتهي إلى عمل يديه، حيث يحمل أيوب انعكاس بهاء مجد الله عليه.

v     "تسألني، فأجيبك" [١٥]... مادمنا نخضع للفساد لا نجيب خالقنا بأية وسيلة، متطلعين إلى أن الفساد بعيد عن عدم الفساد، وليس من تشابه يليق بإجابتنا. أما عن هذا التغير فقد كُتب: "عندما يظهر نصير مثله، لأننا سنراه كما هو" (١ يو ٣: ٢). بالحقيقة سنجيب الله، الذي يدعو، لدى الأمر "بعدم الفساد الأسمى"، نقوم في عدم فسادٍ. ولأن المخلوق لا يقدر أن يتأهل لذلك بنفسه، إنما يتحقق هذا بعطية الله القدير وحده، وهو أن يتغير إلى مجد عدم الفساد الفائق، لذلك بحق أضاف: "ستبسط يمينك لعمل يديك". وكأنه يقول بكلماتٍ واضحة: لهذا السبب مخلوقك القابل للفساد قادر أن يُمسك في عدم الفساد، لأنه يرتفع بأيدي سلطانك، ويُحفظ بنعمة اهتمامك. فإن المخلوق البشري، بهذا وحده، بكونه مخلوقًا، يرث في ذاته الانهيار إلى أسفل مما هو عليه، لكن الإنسان ينال من خالقه أن يلتزم بأن يرتفع إلى ما هو أعلى منه وذلك بالتأمل، ويمسك في نفسه عدم الفساد. إنه يرتفع إلى الرسوخ في عدم التغير وذلك بيمين خالقه.

من يقدر أن يقدِّر سخاء الرحمة الإلهية، أن يحضر الإنسان بعد الخطية إلى علو مجدٍ كهذا؟ الله يضع في اعتباره الأمور الشريرة التي نفعلها، ولكن برأفته يغفرها في رحمة. وهكذا أضيف: "الآن تحصي خطواتي، وتصفح عن خطاياي" [16].

البابا غريغوريوس (الكبير)

3. الاستعداد للموت

أَمَّا الآنَ فَتُحْصِي خَطَوَاتِي!

أَلاَ تُحَافِظُ عَلَى خَطِيَّتِي [16].

يقول الحكيم: "لأن طرق الإنسان أمام عيني الرب وهو يزن كل سبله" (أم 5: 21).

v     "أنت تحصي خطواتي، ليست خطية واحدة من خطاياي تهرب منك" [١٦]. يقول: أود أن أخلص، لأني أنا عمل يديك، وليس لأني بار بأية كيفية، ولا لأني أطلب العدالة منك، ولا لكي تنسى آثامي، فإنه ليس من الممكن لأي ذنبٍ أن يهرب منك.

القديس يوحنا الذهبي الفم

مَعْصِيَتِي مَخْتُومٌ عَلَيْهَا فِي صُرَّةٍ،

وَتُلَفِّقُ عَلَيَّ فَوْقَ إِثْمِي [17].

يقول الرب: "أليس ذلك مكنوزا عندي مختومًا عليه في خزائني؟!" (تث 32: 34).

هذا عن يوم الدينونة المفرح، أما الآن فيبدو لأيوب أن الله يحصي خطواته، ويختم على معاصيه كما في صرة، كما يُختم على ورق الاتهام ضد المتهم. يشعر أيوب كأن الله يدقق في كل تصرف يمارسه أيوب ويقيد كل خطاياه ضده، وتُحسب عليه كل آثامه.

v     "أنت تختم معاصي، كما لو كانت في حقيبة، لكنك تشفي آثامي" [١٧]. تُختم معاصينا كما لو كانت في حقيبة، حيث أن كل ما نفعله بتصرفٍ خارجيٍ، إن لم نغسله بالندامة يُحفظ في سرية أحكام الله كما في وضعٍ خفيٍ، حتى يظهر يومًا ما من حقيبة السرية إلى علانية الحكم. قيل أيضًا بموسى: "ألم يوضع هذا في مخزن معي، ويختم عليه وسط خزائني؟ في يوم الانتقام أجازي عنها" (تث ٣٢: ٣٤). ولكن إن كنا نُسحق بضربة التأديب من أجل الشرور التي نفعلها، ونحزن عليها بالندامة، فإنه "يختم" و"يشفي" آثامنا، حتى لا يترك شيئًا هنا لا نُعاقب عليه، ولا يُحفظ لنعاقب عليه في الدينونة...

هكذا فإن إثم مُضطهده (شاول الطرسوسي) الذي طرحه أرضًا، فقد فعل معه هذا بأن ختم وشفي، قائلاً عنه لحنانيا: "إنه إناء مختار لي يحمل اسمي أمام الأمم وملوك وبني إسرائيل. فسأريه كم ينبغي أن يتألم لأجل اسمي" (أع ٩: ١٥).

البابا غريغوريوس (الكبير)

إِنَّ الْجَبَلَ السَّاقِطَ يَنْتَثِرُ،

وَالصَّخْرَ يُزَحْزَحُ مِنْ مَكَانِهِ [18].

إن كان الأصدقاء الثلاثة يوجهون اللوم لأيوب لأنه عوض التوبة والرجوع إلى الله في نظرهم يتهم الله بالظلم، فإن أيوب يوضح أنه إن حلّ به ضعف، وبدا كمن فقد رجاءه، فذلك من ثقل الضربة. إنه كالجبل الذي مع ثباته ينتثر، وكالصخرة التي لا تتحرك، لكن تحت الشدة تتزحزح من مكانها، وكالحجارة التي تفتتها قطرات الأمطار المتوالية وتجرفها السيول. هكذا يشبه نفسه كالجبل والصخرة والحجارة... لكن التجربة قاسية للغاية!

الْحِجَارَةُ تَبْلِيهَا الْمِيَاهُ،

وَتَجْرُفُ سُيُولُهَا تُرَابَ الأَرْضِ [19].

وسط آلامه يصارع أيوب بين عجزه عن احتمال الألم ورجائه في التمتع بالمكافأة الأبدية. لقد كشف الألم ورجاءه في التمتع بالمكافأة الأبدية. كشف عن رجائه في استبدال وتغيير حتى جسده لكنه يخشى أن يتزحزح هذا الرجاء خلال طول مدة الضيقة. فنحن نرى مع طول الزمن بعض الجبال تتناثر، والصخر يتزحزح من مكانه، والحجارة تبليها المياه المتساقطة عليها باستمرار، وتجرفها سيول المياه كتراب الأرض. إنه يصرخ ألا يدوم صبره.

v     يشِّبه دمار الإنسان هكذا... يوجد نوعان من التجارب:

نوع يعبر في الذهن، حتى بالنسبة للإنسان الصالح، يحدث هكذا فجأة. إنه يُجرب فجأة، حتى بعدم توقعه ما يحدث يُصاب بدوارٍ ويسقط أرضُا ولا يرى سقوطه.

ويوجد نوع آخر يأتي قليلاً قليلاً في الذهن، وباقتراحات حسنة يفسد النفس المقاومة، وذلك ليس بإفراطها الزائد بل بإلحاحها تفسد قوى البرّ.

عندما يوجد النوع الأول من التجربة الذي يقوم بهجومٍ مفاجئٍ، غالبًا ما ينزل بالصالح أرضًا، يُقال: "وبالتأكيد تسقط الجبال إلى العدم، وتتحرك الصخرة من موضعها" [١٨]، ويُقصد بذلك الذهن الذي موضعه كان البرّ، وبدافع مفاجئ تتحرك إلى الخطية.

مرة أخرى إذ يوجد نوع آخر من التجربة، يسكب نفسه بهدوء في قلب الإنسان، ويرهق مفسدًا كل صلابة ثباته، فيُقال: "المياه ترهق الحجارة". بهذه الكيفية، حيث أن المداهنة الناعمة للشهوة التي لا تُصفِحْ عنها تمتص صلابة النفس، وتسلل العادة الشريرة ببطء يتلف غاية الذهن الصامدة والقوية. لهذا أضيف: "وبغسل الأرض تتآكل قليلاً قليلاً". فإنه كما بفيض المياه تتآكل الأرض قليلاً قليلاً، هكذا تزحف العادة الشريرة بدرجاتٍ خفيفة، فيُبتلع حتى الذهن القوي. بحق قيل: "وأنت بنفس الطريقة تهلك الإنسان"...

لنرى كيف داود "الجبل العالي" الذي استطاع أن يتأمل أسرار الله العظيمة بروح النبوة، انهار بسقطة مفاجئة، حيث اشتهى وأخذ امرأة رجلٍ آخر، وقتل رجلها على حساب جيشه. عندئذ سقط الجبل بسقطةٍ مفاجئةٍ، عندما غُلب هذا العقل الذي اعتاد أن يسكن مع الأسرار السماوية، وذلك بتجربة مفاجئة، وانحدر إلى فسادٍ رهيبٍ كهذا...

دعونا أيضًا نرى "المياه تقلق الحجارة، وبغسل الأرض تتآكل قليلاً قليلاً"، وذلك في سليمان بإفراطه في العلاقات النسائية ومعاشرته لهن، انزلق إلى هذا الطريق حتى بنى هيكلاً للأوثان، هذا الذي سبق فشيد هيكلاً لله...

هكذا يضع الطوباوي أيوب كلا النوعين من التجربة، سواء التي تحدث فجأة في إفراط، أو تدخل بهدوءٍ وبطريقٍ طويل. ليتأمل سقطات زملائه من الخليقة (الجبال والصخور والأرض)، فمنها يستطيع ما يحدث في الخارج أن يجد مفتاحًا لتأملاته.

البابا غريغوريوس (الكبير)

وَكَذَلِكَ أَنْتَ تُبِيدُ رَجَاءَ الإِنْسَان.

تَتَجَبَّرُ عَلَيْهِ أَبَدًا فَيَذْهَبُ.

تُشَوِّهُ وَجْهَهُ وَتَطْرُدُهُ [20].

يطلب أيوب التدخل الإلهي قبل حلول ساعة موته وهو في تذمرٍ بلا رجاء.

في لحظات الموت يتغير وجه الإنسان، إما بسبب المرض، أو حالة الهزال التي تحل بالإنسان قبيل موته. يفقد الإنسان جماله وبهاءه وعظمته، حتى يجد أقرباؤه أن دفنه تكريم له. وكما يقول إبراهيم: "أعطوني ملك قبر لأدفـن ميتي من أمامي" (تك 23: 4، 8).

"حطمت رجاء الإنسان"... يقول الأب هيسيخيوس الأورشليمي أن هذا هو السبب أن يقول داود: "أحييني يا الله، فإن المياه قد وصلت إلى نفسي" (مز ٦٩: ١). فإنه إذا سقط أبوانا آدم وحواء في العصيان طُردا من الفردوس وصدر الحكم: "أنت تراب وإلى التراب تعود"، وصارت الأرض تخرج شوكًا وحسكًا، فأي رجاء لآدم بعد حلول مثل هذه اللعنة؟ لذلك يكمل أيوب حديثه: "لقد رفضته إلى الأبد، وهو قد ذهب!"

يُكْرَمُ بَنُوهُ وَلاَ يَعْلَمُ،

أَوْ يَصْغِرُونَ وَلاَ يَفْهَمُ بِهِمْ [21].

يرى الأب هيسيخيوس الأورشليمي أن أيوب يتطلع إلى أبيه آدم وقد عبر إلى الجحيم، فلم يعد يدري بما حل بأولاده، أي بالبشرية التي هي نسله. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه (مت ١٦: ٢٦)؟

v     لو أن رحلة الرب في الجسد لم تحدث، ما كان المخلص قد دفع للموت ثمنًا. ما كان يحطم سلطان الموت بقوته. لو أن الجسد الذي خضع للموت هو شيء والجسد الذي أخذه الرب شيء آخر، عندئذ ما كان يمكن للموت أن يبطل من ممارسة أعماله، وما كانت آلام الإله المتجسد لها نفع؛ نحن الذين مُتنا في آدم ما كان يمكننا أن نحيا في المسيح[741].

القديس باسيليوس الكبير

v     نحن نعرفه أنه بكر الذين استراحوا، بكر الأموات. دون أي نقاش البكر هو من ذات سمات وطبيعة بقية الثمار... لهذا كما أن بكر الموت كان في آدم هكذا بكر القيامة هو في المسيح[742].

القديس أمبروسيوس

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن هذا هو موقف النفوس التي لم تتمتع بالخلاص، أما نفوس الصديقين أو [النفوس المقدسة فهي إذ ترى بهاء الله القدير في داخلها، لا تستطيع أن تتخيل إلى لحظة أن أمرًا ما خارجًا لا يعرفونه. أما الأشخاص الجسدانيون، فإذ يركزون كل همهم في أولادهم (في الأمور الزمنية)، لذلك يعلن أيوب أنهم بعد ذلك يجهلون الأمور التي يحبونها هنا بكل قلوبهم، حتى إن كان "أولادهم في كرامةٍ أو هوانٍ، لا يعرفون".]

إِنَّمَا عَلَى ذَاتِهِ يَتَوَجَّعُ لَحْمُهُ،

وَعَلَى ذَاتِهَا تَنُوحُ نَفْسُهُ [22].

مع شوقه العجيب إلى الموت للهروب من الضيقة الشديدة، يخشى ساعة الموت لأنها رهيبة، حتى تبدو نفسه كمن تنوح على الجسد الذي تفارقه.

v     حسنًا قيل: "نفسه فيه تحزن عليه"، وذلك فإن كل من يريد أن يفرح بنفسه يصير فيما بعد بذات السبب في ويل حيث يعبر من مصدر فرحه الحقيقي. لأن الفرح الحقيقي للنفس هو الخالق. لذلك يليق بالإنسان أن يبقى في حزن أبدي في داخله بتركه خالقه، وبحثه عن الفرح في نفسه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

من وحي أيوب 14

إليك أصرخ وسط مرارتي،

بك وحدك أتحدي الموت!

 

v     إذ تحوط بي الضيقات المتلاحقة،

في ضعف اصرخ إليك:

إني مولود المرأة، كلي الضعف،

حياتي مملوءة تعبًا،

كيف احتمل كل هذه التجارب؟

حياتي كعشب الحقل، كادت شمس التجارب تحرقني تمامًا.

حياتي كظلٍ تعبر، ولكن إلى أين أذهب؟

أيامي أنت قد حددتها، وعينت أجلي فلا أتجاوزه،

هب لي راحة في لحظات عمري.

 

v     في ضعفي تنطمس عيناي عن رؤية القيامة.

أغير من الأشجار التي تقطع، فتنبيت جذورها،

وأرى في حياتي أنها عابرة بلا عودة.

ظننت في الأشجار أنها تمارس الحياة أفضل مني.

في غباوتي اشتهي المياه التي تجعل جذع الشجرة ينبت،

ولا أرى المياه الحية، روحك القدوس العجيب،

يقيم مني ابنا لله، فأتمتع بحياة أبدية.

أسر بشجرة مغروسة على مجاري المياه،

إن قطعت تنبت جذورها ساقًا جديدة،

ولا أدرك انك غرستني على مجاري الروح القدس،

وإن قام علي إبليس بكل جنوده وخططه،

لن يقدر أن يحطم أبديتي المجيدة!

v     لم تكن عصا هرون تحتاج إلى مياه هذا العالم لكي تفرخ وتزهر.

هب لي ألا أعطش إلي مياه العالم،

بل أطلب مياه الروح واهب البرّ والقداسة.

 

v     إذ أرى نهرًا نفد ماؤه فجف،

أظن أنني أرقد ولا أقوم.

لكني علمت أنني لن أقوم حتى تزول السماء،

حينئذ تيقظني كلمتك.

أدرك أنني كنت مختفيًا إلى حين لأستريح من التجارب،

وإذ تأتي أنت شفيعي وبديلي،

تدعوني للقيامة، فأقوم.

تدعوني للحياة الأبدية، فيهرب مني الفساد.

حينئذ أدرك شوقك إلى عمل يديك.

أتمتع بحبك الأبدي وسط أمجادك الفائقة.

هوذا الجبل الثابت قد ينتثر،

والصخر قد يتزحزح من مكانه.

والحجارة تفتتها قطرات الأمطار المتواترة.

لكن نعمتك تقيمني من الفساد إلى عدم الفساد.

<<

 


 

اَلأَصْحَاحُ الْخَامِسُ عَشَرَ

بدء الدورة الثانية

حديث خطير

انتهت الدورة الأولى، ويمكن تلخيصها هكذا:

v   أليفاز: الله طاهر.                 أيوب: لكنه يعذبني.

v   بلدد: الله يدبر الأمور حسنًا.       أيوب: لكنه لم يسمح لي بالوقوف أمامي.

v   صوفر: الله كلي الحكمة.          أيوب: لكنني أود أن أستأنف الحكم أمامه.

ظن أيوب انه قد أفحم الثلاثة، إن لم يكونوا قد اقتنعوا فقد أبكمهم. لكننا نجد دورة جديدة ثانية حيث يؤكد فيها كل منهم اتهاماته، مهاجمين بعنفٍ شديدٍ موقف أيوب. الآن يبدأ أليفاز حديثه الثاني بهجومٍ عنيف:

"أنت تتحدث عن نفسك كرجلٍ حكيمٍ، لكن حديثك لا يثبت ذلك. طريقة تفكيرك تدّمر المخافة الإلهية تمامًا. عدم وقارك لله يؤكد أنك مذنب [١-٦].

هل لك حكمة آدم، المخلوق من الله مباشرة، والذي يمكن في شيء من الاستثناء أن يكون مملوء معرفة، أو مثل الملائكة الذين خُلقوا قبل العالم؟ [٧].

لقد وافقت بأن الإنسان غير طاهر تمامًا (١٤: ٤)، ومع هذا فإنك تظن أن الله القدوس الذي يتصاغر أمامه الملائكة والسماوات نفسها يجب أن يضع نفسه بين يديك لكي تنتقده على أحكامه، خطاياك تشبه الطعام والشراب [١٢-١٦]."

لقد ورث الحكماء (وأيضًا أيوب) تقليدًا وهو: إن الإنسان الشرير يسقط تحت الألم. يُقطع وهو في عز مجده (هكذا كان أيوب)، يفقد كل رجاء (هكذا أيضًا أيوب).

يتهكم أليفاز على أيوب الذي يحسب نفسه صاحب حكمة [7-11]، لأنه هل هو أول رجل وُلد. يريد أليفاز أن يعرف لماذا يعتبر أيوب أصحابه لا يستحقون أن يُلتفت إليهم [11]. ثم يوبخ أيوب على تصرفه في مقاومة الله، حيث ظن أليفاز أن أيوب يتهم الله بالعنف ويتحداه مطالبًا إياه أن يحاكمه محاكمة عادلة [12-16]، ويختم أليفاز حديثه بتكرار كلمات استعارية قوية لمبدأ أنه بحسب ناموس الطبيعة المصيبة دليل على اقتراف خطيئة سابقة. فقد كان رأيه أن الأشرار لابد أن يكونوا بؤساء، وبالتالي البؤساء لابد أن يكونوا أشرارًا، فلابد أن يكون أيوب شريرًا، وليس حكيمًا جدًا كما يزعم. إنه يتهمه بالحماقة والسخافة وعدم التقوى.

جاءت توبيخات أليفاز نافعة، لكنها لا تنطبق على حالة أيوب.

1. اتهام أيوب بالبرّ الذاتي           1- 13.

2. الحاجة إلى التذلل لله             14- 16.

3. دينونة الأشرار                             17- 35.

1. اتهام أيوب بالبرّ الذاتي

"فَأَجَابَ أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ:

أَلَعَلَّ الْحَكِيمَ يُجِيبُ عَنْ مَعْرِفَةٍ بَاطِلَةٍ،

وَيَمْلأ بَطْنَهُ مِنْ رِيحٍ شَرْقِيَّة،

فَيَحْتَجَّ بِكَلاَمٍ لاَ يُفِيدُ،

وَبِأَحَادِيثَ لاَ يَنْتَفِعُ بِهَا؟" [1-3]

يبدأ أليفاز الدورة الثانية باتهام أيوب أنه كان مخادعا، فقد نال شهرة عظيمة كرجل حكيم. حمل هذا اللقب، لكنه لم يحمل الحكمة الحقيقية، معرفته باطلة جوفاء، وعلمه كاذب، يملأ الهواء كلاما لا نفع له، بل يملأه بكلام مدمر.

يقصد هنا بالبطن أعماقه الداخلية، وقلبه، وفكره. وكما جاء في سفر الأمثال: " كلام النمام مثل لقم حلوة، وهو ينزل إلى مخادع البطن" (أم 18: 8).

يتهمه بأنه يتظاهر بالحكمة، لكن أعماقه مملوءة بريح شرقية، وهي ريح يعرفها سكان شرقي البحر الأبيض المتوسط أنها ريح مملوءة بالعواصف والزوابع جافة وحارة تدمر الحقول (إش 27: 8). وهي مثل الريح التي يدعوها اليونانيون" أوروكليدون".(أع 27: 14)

يليق بالإنسان كلما ظنه الناس حكيمًا، أن يتحفظ بالأكثر، لئلا يصَّدق مديح الناس فيه. عليه أن يصمت، ليتمتع بحكمة روح الله الساكن فيه، لا روح العالم أو ريحه الفارغة، خاصة الرياح الشرقية العنيفة والتي لا نفع لها.

هكذا يرى أليفاز وزميلاه في أيوب البار إنسانًا مدمرا للحقول. هذا ليس بالأمر الغريب فإن الهراطقة لن يكفوا عن توجيه الاتهامات ضد كنيسة المسيح أنها تحمل ريحا شرقية مدمرة، وأن تعاليمها لا نفع فيها.

v     كثيرًا ما قلنا إن الطوباوي أيوب يحمل رمزًا للكنيسة الجامعة المقدسة، وأن أصدقاءه يحملون شبهًا للهراطقة، الذين يبدون كمن يدافعون عن الرب، فيجدون الفرصة للنطق بأقوالٍ غبية. إنهم يطلقون كلمات السب ضد الصالحين، وبالنسبة لهم كل ما يفكر فيه المؤمنون يثير استياءهم، ويحسبونه ككلامٍ في الريح.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     من يصرخ إلى الله بصوت التواضع الحقيقي والاعتراف الحق للإيمان فهو حمل، وأما من ينطق بتجاديف ضد الحق وعداوة ضد الله فهو ذئب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     إنهم يفسدون تعاليم الله، ويثبتون أنفسهم كمفسرين أشرار لكلمة الإعلان الصالحة، يحطمون إيمان الكثيرين بانتزاعهم عن الإيمان تحت ستار المعرفة... يخدعون البسطاء بالكلمات المنمقة والشكل الحسن، محطمين إياهم بسماجة[743].

القديس إيريناؤس

يليق بنا أن ننتفع من اتهام أليفاز لأيوب البار، فإنه وإن كان اتهامًا لا أساس له من الصحة، لكن كثيرًا ما ينطبق علينا.

لنصرخ إلى إلهنا فيهبنا نور المعرفة الإلهية، تشرق على أعماقنا، فتنير داخلنا بالنور السماوي ويصير سلوكنا شاهدًا حيًا لكلماتنا، وتكون أفكارنا متناغمة مع كلماتنا وتصرفاتنا.

حقًا إذ يهب الروح القدس الساكن فينا علينا، لا تقدر رياح العدو الشرير الجافة والمدمرة للحقول أن تتجه إلينا. يهب روح الله، فيحول بريتنا إلي جنةٍ مفرحةٍ، ولا يكون للعدو ما يدمره فينا، لأنه ثمر الروح!

"أَمَّا أَنْتَ فَتُنَافِي الْمَخَافَةَ،

وَتُنَاقِضُ التَّقْوَى لَدَى اللهِ" [4].

يرى بعض علماء اليهود أن أليفاز هنا يعني: "إن كان الله قد خلق المُضل، فإنه قد أوجد التوارة التي بها يستطيع الإنسان أن يُخضع المضل[744].

بعد أن هاجمه كإنسان ظهر أمام الكثيرين أنه حكيم، مع أن في أعماقه ريح مدمره لحقول الرب، مهلكة للنفوس الآن يهاجمه أيضا كشخص متدين يتعبد لله. فإن عبادته – في رأي أليفاز وصاحبيه- عبادة باطلة، لأنها تخلو من التقوى أو مخافة الرب.

يا له من اتهام خطير! لا يحمل مخافة الرب، وليس له تقوى صادقة في عيني الله، أي عبادته غير مقبولة. إن كانت رأس الحكمة مخافة الرب، فمن هو بلا مخافة يكون جاهلاً غبيًا، ولا تقبل عبادته مهما حملت من شكليات جذابة.

v     خوف الرب يحث النفس على حفظ الوصايا، وعن طريق حفظ الوصايا يُشيد منزل النفس.

v     إذًا ليتنا نخاف الرب ونُشيد منازل لأنفسنا، حتى نجد مأوى في الشتاء حيث المطر والرعد، لأن من لا منزل له يعاني من مخاطر عظيمة في وقت الشتاء.

الأب دوروثيؤس

v   إن أراد أحد أن ينال حب الله، فليكن فيه مخافة الرب، لأن الخوف يولِّد بكاء، والبكاء يولد قوة. وإذا ما كملت هذه كلها في النفس، تبدأ النفس تثمر في كل شيء. وإذ يرى الله في النفس هذه الثمار الحسنة، فإنه يشتمها رائحة بخور طيبة، ويفرح بها هو وملائكته، ويشبعها بالفرح، ويحفظها في كل طرقها حتى تصل إلى موضع راحتها دون أن يصيبها ضرر.

إذ يرى الشيطان الحارس العلوي العظيم يحيط بالنفس، يخاف أن يقترب منها أو يهاجمها بسبب هذه القوة العظيمة.

إذًا، اقتنوا هذه القوة حتى ترتعب الشياطين أمامكم، وتصير أعمالكم سهلة، وتتلذذوا بالعمل الإلهي، لأن حلاوة حب الله أشهي من العسل.

حقًا أن كثيرين من الرهبان والعذارى في المجامع، لم يتذوقوا هذه الحلاوة الإلهية، ولم يقتنوا القوة الإلهية، ظانين أنهم قد نالوها، بالرغم من عدم جهادهم. أما من يجاهد لأجلها فينالها حتمًا خلال المراحم الإلهية، لأن الله لا يحابى الوجوه.

فمن يريد أن يكون له نور الله وقوته، يلزمه أن يستهين بكرامات هذا العالم ودنسه، ويبغض كل أمور العالم ولذة الجسد، وينقى قلبه من كل الأفكار الرديئة. ويقدم لله أصوامًا ودموعًا ليلاً ونهارًا بلا هوادة كصلوات نقية، عندئذ يفيض الله عليه بتلك القوة.

اجتهدوا أن تنالوا هذه القوة، فتصنعوا كل أعمالكم بسهولة وُيسر، وتصير لكم دالة عظيمة قدام الله، ويهبكم كل ما تطلبونه[745].

القديس الأنبا أنطونيوس الكبير

مخافة الرب هي عجلة القيادة للنفس، يهبها روح الله القدوس لنا، القادر وحده أن يدخل بنا من مجدٍ إلي مجدٍ، ويهبنا نعمة فوق نعمة، خلال شركتنا مع رب المجد يسوع القدوس. تدخل بنا مخافة الرب إلي الطريق الملوكي، فلا ننحرف نحو الخطية، ولا إلي البرّ الذاتي. يحفظنا من الضربات الشمالية اليمينية، حتى ندخل إلي حضن الآب السماوي القدوس.

"لأَنَّ فَمَكَ يُذِيعُ إِثْمَكَ،

وَتَخْتَارُ لِسَانَ الْمُحْتَالِين" [5].

حسب أليفاز دفاع أيوب عن نفسه إثمًا لا يستطيع أن يبرره.

v     هذا هو السبب أنه يعلن بأنه "أثيم بالكلمات" بسبب وقاحته أمام الله – ولكن ليس من أجل الحق يفتري أليفاز عليه بهذه الكيفية، ولا يتكلم في غيرة من أجل الله، إنما من أجل نفسه ومن أجل أصدقائه، إذ رأوا أنفسهم يُؤنبون علانية.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "لأن إثمك يعلم فمك، وأنت تتبع لسان المحتالين" [٥]...كأنه يقول له: ما تنطق به شرًا تعلمته بالأكثر من حياتك الشريرة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن ما نطق به أليفاز ضد أيوب يشير إلى ما ينطق به الهراطقة ضد الكنيسة المقدسة. فكما اتهم أليفاز أيوب بأنه يهين الله ولا يحمل المخافة الإلهية ولا يسلك بالتقوى، وأن فمه يذيع بما تحمله حياته من شرٍ، هكذا الهراطقة الذين ينكرون أن السيد المسيح قد أخذ جسدًا حقيقيًا، وأنه مات حقًا يهاجمون الكنيسة المقدسة حاسبين أن في إيمانها بأن الكلمة صار جسدًا حقيقيًا وأنه مات بالجسد حقًا لهو إهانة واستخفاف بالله.

"إِنَّ فَمَكَ يَسْتَذْنِبُكَ لاَ أَنَا،

وَشَفَتَاكَ تَشْهَدَانِ عَلَيْكَ" [6].

كأن أليفاز يقول له: لست أحكم عليك من تصرفاتك قبل التجارب، لكن هوذا فمك بعد حلول التجارب هو نفسه شاهد على إثمك، وشفتاك تنطقان بالحكم عليك، ولست أنا.

لقد أثاره الأصدقاء الثلاثة، وإذ انفعل لم يفكروا في إثارتهم له وسط محنته، وحسبوا انفعاله ـ حسبما يفسرونه ـ شهادة عليه.

"أَصُوِّرْتَ أَوَّلَ النَّاسِ،

أَمْ أُبْدِئْتَ قَبْلَ التِّلاَلِ!" [7]

يوبخه بسؤال: "أصورت أول الناس؟" كأنه يقول له:

هل أنت أول إنسان قد خُلق، فصرت أقدر من غيرك على فهم أحكام الله؟

هل عشت في أيام الخليقة، وكنزت في داخلك حكمة العصور الماضية، حتى أنك تتحدث باعتزاز وافتخار وفي ثقة يقين؟

هل صُورت قبل آدم؟ آدم اخطأ، ومع هذا لم يعانِ مما تعاني أنت منه، ومع هذا ألا تريد أن تعترف بخطاياك؟

"أم أبدئت قبل التلال؟" إن كانت الحكمة نفسها مثل الجبال المرتفعة (أم 8: 23 الخ؛ مز 36: 6)، فهل أنت أعظم من الحكمة نفسها؟ أما يليق بك أن تنحني أمامها، لتغرف منها عوض التشامخ بحكمتك الذاتية؟

تقول الحكمة: " من قيل أن تقررت الحبال، قبل التلال أبدئت" (أم 8: 25). وكأن أليفاز في تهكم يسأل أيوب: ألعلك أنت هو الحكمة بعينها التي بدأت قبل التلال، وقد تشخصنت أو صرت شخصا؟

v     لم يقل أيوب هذا أية كلمة يدعي بها المجد لنفسه، لم يقل أنه مخلوق قبل كل البشرية... إنما في عبارة واحدة تحدث عما حدث مع البشرية في البداية (١٣: ٢٦)، فوضع نفسه موضع الكل. لكن أليفاز أراد أن يتهم أيوب أنه حمل أفكارًا عالية خاصة بالله؛ أنصتوا إلى ما أضافه: "هل سمعت أحكام الله؟ أو قصرت الحكمة على نفسك؟" [٨)

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

هَلْ أَصْغَيتَ فِي مَجْلِسِ اللهِ؟

أَوْ قَصَرْتَ الْحِكْمَةَ عَلَى نَفْسِكَ!" [8]

كان ينظر إلى الله أنه في محبته للبشرية يقيم كما لو كان له مجلس سماوي، ويجتمع مع أتقيائه، كأحباء له. فيقول المرتل:

"مادام الملك في مجلسه، أفاح نارديني رائحته" (نش 1: 12).

"لأنه من وقف في مجلس الرب، ورأى وسمع كلمته، من أصغى لكلمته وسمع؟" (ار 23: 18)

"ولو وقفوا في مجلسي، لأخبروا شعبي بكلامي، وردوهم عن طريقهم الرديء، وعن شر أعمالهم" (إر 23: 22).

"الله قائم في مجمع الله، في وسط الآلهة يقضي" (مز 82: 1).

"سرّ الرب لخائفيه، وعهده لتعليمهم" (مز 25: 14).

في تهكم يقول له: أتظن أنك القائم بأعمال الله في مجلسه؟

هل تدعى أنك كاتم أسرار السماء؟ أو أنك أقدر من غيرك على معرفة معاملات الله؟ كأنك فريد على الأرض في معرفتك لما يدور في السماء، وما يخططه إله السماء؟ أتعرف الله ونحن لا نعرفه؟

"هل قصرت الحكمة على نفسك؟" ألا يوجد حكيم غيرك؟ هل أنت محتكر الحكمة دون سواك؟

v     كأنه في كلماتٍ واضحة يقول: "يا من تتكلم عن الأزلي لتذكر أنك مخلوق في زمنٍ، يا من تحاجج بخصوص الحكمة تذكر أنك لا تعرف مشورته".

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لا يمكن إنكار وجود الله روحيًا لا جسديًا، وذلك بما يليق بطبيعته. يوجد مع المخلوقات بطريقة عجيبة، والذي لا يفهمه إلا قلة قليلة... بحق قيل إن الله يقف في مجمع البشر بطريقة غير منظورة، حيث يؤكد ذلك بنفسه على فـم النبي (أي 23: 24)[746].

القديس أغسطينوس

إن كان أليفاز يتهكم على أيوب البار، مدعيًا أنه صاحب حكمة فريدة، أهلته للجلوس في مجلس الله، فإنه وإن لم يدعِ أيوب ذلك، لكن مسيحنا بالحق يود أن نتمتع بكرامة الحضرة الإلهية. فلا عجب إن قال لتلاميذه إنهم سيدينون أسباط إسرائيل، وقال الرسول بولس إننا ندين ملائكة، أي نشهد ضد إبليس وملائكته، بتمتعنا بغنى نعمة الله الفائقة.

 "مَاذَا تَعْرِفُهُ، وَلاَ نَعْرِفُهُ نَحْنُ؟

وَمَاذَا تَفْهَمُ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَنَا؟ [9]

يتطلعون إليه ليجيبوا على قوله: "ما تعرفونه، أعرفه أنا أيضًا" (أي 13: 2)، بقولهم: "ماذا تعرفه، ولا نعرفه نحن؟"

ربما يبدو أن كلمات أليفاز منطقية، فإنه يجيب علي أيوب بما سبق فأجابه أيوب عليهم. لكن شتان ما بين فكر أيوب وفكر أليفاز؛ أيوب دافع عن نفسه، لأنهم كيًَلوا له الاتهامات الكثيرة، وحسبوه غبيًا بلا حكمة ولا معرفة، فأكد لهم أن ما ينطقون به يعرفه كل إنسان بالطبيعة، ليس فيه شيء جديد.

لم يقل اليفاز هذا إلا دفاعًا عن نفسه، وفي نفس الوقت يسَّفه من شخصية أيوب ومعرفته وحكمته.

"عِنْدَنَا الشَّيْخُ وَالأَشْيَبُ أَكْبَرُ أَيَّامًا مِنْ أَبِيكَ" [10].

ظنوا أنه متشامخ بسبب شيخوخته وخبرته، فيفتخروا عليه بأنه في جانبهم من هم أكثر شيبه منه ومن أبيه، وهم متفقون معنا فيما نقوله لك. ولعل أحد هؤلاء الأصدقاء كان أكبر سنًا من أيوب.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الهراطقة خرجوا من الكنيسة، فهي تمثل الشيخ الحكيم، أما هم فبلا حكمة سماوية حقيقية. مع هذا يدّعي الهراطقة أنهم الكنيسة صاحبة الخبرة والحكمة، وكأن الكنيسة هي الدخيلة، وهم الشيوخ أصحاب المعرفة.

v     يشهد يوحنا أن كل الهراطقة خرجوا من الكنيسة المقدسة الجامعة، عندما قال: "منا خرجوا، لكنهم لم يكونوا منا" (١ يو ٢: ١٩).

البابا غريغوريوس (الكبير)

"أَقَلِيلَةٌ عِنْدَكَ تَعْزِيَاتُ اللهِ،

وَالْكَلاَمُ مَعَكَ بِالرِّفْقِ!" [11]

حسب أليفاز أن رفض أيوب لمشورتهم إنما هو رفض لتعزيات الله نفسه، وأن ما نطقوا به بالرغم مما فيه من قسوة وتوبيخ مُرْ، إنما يُحسب ترفقًا، لأنه يستحق ما هو أكثر.

تترجم أحيانا عبارة "والكلام معك بالرفق" "هل لديك أي شيء سري؟" بمعنى هل في قلبك خطية سرية تعطل تمتعك بتعزيات الله؟ فإنه لا ينتفع بتعزيات الله الذين يخفون شهواتهم داخلهم.

"لِمَاذَا يَأْخُذُكَ قَلْبُك،

وَلِمَاذَا تَخْتَلِجُ عَيْنَاكَ؟ [12]

لماذا يسحبك قلبك إلى مقاومة نفسه، ومقاومة من يكشف لك عن أسرار معاملات الله؟ لِمَ تختلج عيناك؟ أي تفخر بعينيك، وكأنك تهزأ بمشورتنا ولا تبالي بما نحدثك عنه. حقا يليق بالمؤمن أن يتسربل بالتواضع، لأن القلب المتشامخ عدو نفسه. أما المتواضع فينتفع من الكثيرين، ويتحدث معه الله خلال مرشديه. يرى الله متجليًا في الكنيسة، وينحني بأعماقه للتعلم المستمر في الرب.

v     لكوني كنت جاهلاً بهذه الأمور، فقد هزأت بأبنائك وخدَّامك القدِّيسين، ولكن لم أربح من وراء هذا سوى ازدرائك بي.

القدِّيس أغسطينوس

v     من يقبل منه (الأسقف) يقبل من المسيح، والذي لا يقبله لا يقبل من المسيح...

قال: من أطاعكم فقد أطاعني، ومن خالفكم قد خالفني. ومن خالفني فقد خالف الذي أرسلني (لو 10: 16).

الدسقوليَّة

v     ينبغي علينا أن نقبل أي إنسان أرسله رب البيت (الله) ليكون رئيسًا على البيت مادمنا نحن الذين طلبنا إليه أن يرسله. أنه من الواضح إذن أنه ينبغي علينا أن ننظر إلى الأسقف كما للرب نفسه.

v     يليق بكم أن تطيعوا أسقفكم بدون رياء، تكريمًا لله الذي يريد منَّا أن نفعل هكذا. فمن لا يفعل هذا لا يخدع بالحقيقة الأسقف المنظور بل يسخر بالله غير المنظور. فهذا العمل لا يخص إنسان بل الله العالم بكل الأسرار.

القدِّيس أغناطيوس الثيؤفوروس

"حَتَّى تَرُدَّ عَلَى اللهِ،

وَتُخْرِجَ مِنْ فَمِكَ أَقْوَالاً؟" [13]

"حتى ترد على الله"، أي حتى تهيج نفسك على الله، فإن ثورته عليهم حسبوها ثورة ضد الله نفسه. وحسبوا شهوة الموت عنده مقاومة للتدبير الإلهي، وتمردًا داخليًا على أحكامه، فدخل في عداوة مع الله. وكأنه قد انحرف إلى صف إبليس الدائم التمرد على الله.

يقول البابا غريغوريوس (الكبير) أن أصدقاء أيوب حكموا عليه كمقاوم لله، مقتبسين بعض العبارات التي نطق بها دون أن يراعوا ما في قلبه.

من الصعب الحكم على إنسان بكلمات ينطق بها، دون معرفة ما في قلبه. فما قاله بطرس الرسول عن السيد المسيح: " أنت هو المسيح ابن الله الحي" (مت 16: 16) هي ذات الكلمات التي ننطق بها الشيطان وجنوده في أكثر من موضع حيث قالوا: " نحن نعرفك… أنت قدوس الله" (مر 1: 24). الأول طوبه السيد المسيح، والآخرون انتهرهم وطردهم.

كان يليق بأصدقاء أيوب ان يطلبوا منه أن يوضح ويفسر ما يقوله، لا أن يقدموا فهما لكلماته حسبما اشتهت قلوبهم الحاسدة، والتي تبذل كل الجهد لتتلقط له أخطاء!

v     "لماذا ينتفخ قلبك على الله؟ فتسمح بمثل هذه الكلمات تخرج من فمك؟" غالبًا إذ يُصاب الأبرار بويلات كثيرة، يلتزمون بالاعتراف بأعمالهم، وذلك كما فعل أيوب. هذا الذي بعد أن عاش حياة بارة سقط تحت ضغطات ضربات العصا. وإذ يسمع الأشرار أقوالهم يظنون إنهم إنما يتكلمون باعتداد بذواتهم وليس بالحق. فإنهم يزِنون كلمات الأبرار حسب مشاعرهم الخاصة، ولا يظنون أنه يمكن أن يُنطق بكلمات صالحة بروحٍ متواضعٍ. فكما أنه يُحسب خطية عظمى أن ينسب إنسان لنفسه ما هو ليس له، هكذا فإنه ليس بخطية عليه نهائيًا إن تحدث في تواضع عن أمور صالحة فعلها. لهذا كثيرًا ما توجد كلماتٍ مشتركة ينطق بها الأبرار والأشرار، لكن القلب يكون دومًا مختلفًا تمامًا!

هكذا عندما دخل الفريسي الهيكل قال: "أصوم مرتين في الأسبوع، وأعشر كل ما أقتنيه" (لو ١٨: ١٢)، لكن العشار خرج مبررًا أكثر منه. حزقيا الملك أيضًا عندما أُصيب بمرضٍ في جسمه وجاء إلى آخر لحظات عمره، صلى بقلبٍ مجروحٍ: "آه يا رب، أذكر كيف سرت أمامك بالأمانة وبقلبٍ سليم" (إش ٢٨: ٣). لم يتغاضَ الرب عن هذا الاعتراف بالكمال، ولا رفضه، بل في الحال استجاب لصلواته. أنتم ترون أن الفريسي برر نفسه بالعمل، وحزقيا أكد أنه بار في الفكر أيضًا، وبذات العمل أحدهما صار أثيمًا والآخر استرضى الله. لماذا هذا إلاَّ لأن الله القدير قدَّر كلمات كل منهما حسب فكره الداخلي، وكانت هذه الكلمات ليست متشامخة في أذني الله لأنها قيلت بقلبٍ متواضع...

لقد اعتاد الهراطقة أن يمزجوا بعض النقاط الصادقة بعبارات تحمل إقناعات خاطئة. انخدع أصحاب الطوباوي أيوب جميعًا بإتنهارهم لأيوب، وإن نطقوا بأمورٍ صادقة تعلموها خلال اتصالهم بأيوب. مثل هذه الكلمات كانت كلها متناقضة. وإلاَّ ما كان الرسول بولس يقول: "الآخذ الحكماء بمكرهم" (١ كو ٣: ١٩)...

البابا غريغوريوس (الكبير)

2. الحاجة إلى التذلل لله

"مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى يَزْكُو؟

أَوْ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَتَبَرَّرَ؟ [14]

هذه حقيقة أنه ليس إنسان يتزكى أمام الله، ولا مولود امرأة يتبرر في عينيه، بسبب فساد الطبيعة البشرية. وكما سبق فقال: "من يخرج الطاهر من النجس؟" (أي 14: 4). لكن ما يهدف إليه أليفاز أنه يؤكد بأن أيوب شرير مرائي. فيطبق هذه الحقيقة على أيوب ولا يطبقها على نفسه وعلى رفقائه.

v     قال هذا، ربما لأن أيوب قال: "أبعد يدك عني، ولا تدع هيبتك ترعبني" (أي ١٣: ٢١)... فقد بالغ أليفاز كثيرًا ليزيد من تشويه سمعة أيوب والاتهامات الموجهة ضده، إن غضبه صار بلا نفع له.

وفيما كان يشوه سمعة أيوب وجد أليفاز نفسه يغطس فيه، فقد سبّ البرّ بغضبه، وفي جنونه فشل في إدراك الظروف التي فيها نطق أيوب بهذه الأمور. لتعملوا ماذا أضاف: "من هو المائت (الإنسان) حتى يزكو أو مولود المرأة حتى يتبرر" [١٤]. وقد نطق أيوب بذات الكلمات بكل وضوحٍ: "من يخرج طاهرًا من النجس؟ لا أحد، حتى وإن كانت حياته يومًا واحدًا" (أي ١٤: ٤).

لم يكن أيوب جاهلاً بضعف جنسنا، بل بالعكس إذ كان عارفًا ذلك لم يخفِ الأمر، بل أعلنه بصوتٍ عالٍ كما تسمعون. فقد سبق فقال أيوب قبلاً ما يفتخر به أليفاز. لقد قال هذا بلياقة، إذ أعلن عن ضعفنا بحكمةٍ وهدوءٍ. لهذا لم يكن يستحق أن يكون موضع اتهام، بل موضع مديح.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "من هو الإنسان حتى يكون طاهرًا؟" فإنه بذات دعواه إنسانًا يوصف أنه أرضي ضعيف، فإن كلمة إنسان (بالعبرية) يُدعى أرضًا (آداما adamah). كيف يمكن له أن يتحرر من الوصمة ذاك الذي خُلق من الأرض، وبإرادته سقط في الضعف؟

لقد أضيف: "ومولود المرأة كيف يتبرر؟" فإن المرأة عرضت أول قطعة من الشر للإنسان في الفردوس. هكذا كيف يظهر بارًا من وُلد من التي عرضت الشر؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

"هُوَذَا قِدِّيسُوهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ،

وَالسَّمَاوَاتُ غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِعَيْنَيْهِ" [15]

يستخدم الله قديسيه وملائكته، لكنه لا يأتمنهم على خلاص الإنسان، إذ هم ليسوا كفاة لتحقيق الخلاص. إن كانت النجوم تحسب غير منيرة بجوار الشمس فماذا تكون السماوات بجوار خالقها؟

v     لا يمكن أن يُوجد أحد طاهر من دنسٍ في عيني الله، ليس أحد مهما قصرت أيامه (راجع أي 14: 4-5). "السماوات غير طاهرة بعينيه" (أي 15:15)، "إلى ملائكته ينسب حماقة" (أي 4: 18). لماذا أقول كل هذا؟ إن كانت السماوات ليست طاهرة، وحتى ملائكته ليسوا بلا خطأ، كم بالأكثر يوجد الشر في أفكار البشر؟ أين أولئك الذين يقولون: "ابعدوا عني، فإني طاهر" (راجع إش 65: 5 LXX؛ لو 5: 8). نحن نعلم أننا نعاني يومًا فيومًا مما في أفكارنا، حتى أننا نستحي ونشعر بالخجل أن نعلنها. كثيرون لم يرتكبوا خطايا خطيرة، وآخرون لم يخطئوا بلسانهم قط، لكن لا يوجد بين البشر من لم يخطئ بالفكر، لذلك يقول المرتل: "لأن فكر الإنسان يعترف لك"[747].

v     "وأخضع كل شيء تحت قدميه" (أف 1:22)... لماذا كل الأشياء؟ لماذا يُقال إن الملائكة والسلاطين والقوات وكل القوات الأخرى الذين لم يعارضوا الرب قط أنهم يوضعون تحت قدميه؟ يبدو الأمر غامضًا. لكن الإجابة على ذلك هو أنه لا يوجد قط من هو بلا خطية. "الكواكب ذاتها غير طاهرة بعينيه" [15]، وكل خليقة ترتعب عند مجيء الرب... يوجد تفسير آخر وهو أن "كل" لا تشير إلى الجميع بل إلى أولئك الذين هم موضوع الجدال. وذلك كما يقول قائل: "كل المواطنين صرخوا"، لا يعني بهذا أنه لم يوجد أحد قط صامت، وإنما قيل هذا عن الغالبية التي تطغي على الأقلية[748].

القديس جيروم

v     "هوذا قديسون ليس بينهم أحد غير متغير، والسماوات ليست بطاهرة في عينيه". إنه يكرر اسم "السماوات" التي أشير إليها بلقب "القديسين". مكتوب عن هؤلاء القديسين عينهم: "السماوات تحدث بمجد الله" (مز ١٩: ١). هؤلاء الذين بالطبيعة التغير لائق بهم. ولكن متى رغبوا بجدية أن يلتصقوا دومًا بالحق غير المتغير، فبالتصاقهم به يأتون إلى العبر (الحياة السماوية) ليصيروا غير متغيرين...

لأنه ما هو هذا التغير سوى نوع من الموت؟ إذ يغير الشيء إلى شيء آخر، وكأنه يقتل ما كان ليصير إلى ما لم يكن عليه. قيل عن خالق كل الأشياء: "الذي وحده له عدم الموت" (١تي ٦: ١٦)، بكونه هو وحده غير المتغير في ذاته. كُتب عنه في يعقوب: "ليس عنده تغيير ولا ظل دوران" (يع ١: ١٧). لأن التغير ذاته هو ظل...

حسنًا قيل هنا: "السماوات ليست بطاهرة في عينيه"، فإنها بذاتها أمام معرفة الله الدقيقة، حتى الكارزون بالطهارة لا يمكن أن يكونوا كاملين. كما يشهد بذلك يوحنا القائل: "إن قلنا إنه ليس لنا خطية نُضل أنفسنا، وليس الحق فينا" (١يو١: ٨). إن كان من بين القديسين لا يوجد أحد غير متغير، والسماوات ليست طاهرة في عينيه، فمن يدعي لنفسه أنه ممارس للبرّ؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

"فَبِالْحَرِيِّ مَكْرُوهٌ وَفَاسِدٌ الإِنْسَانُ الشَّارِبُ الإِثْمَ كَالْمَاءِ!" [16]

إن كان الله لا يأتمن القديسون على بعض أعماله كالخلاص، فكم يكون حال الخطاة الفاسدين الذين يشربون الإثم كالماء. يجد الإنسان لذته في الإثم كما يتلذذ الإنسان الظمآن وهو يشرب الماء. ويحسب الأثيم الشر جزءً لا يتجزأ من كيانه، لا غنى له عنه، كما يحتاج الإنسان إلى الماء، ولا يستطيع أن يحيا بدونه.

v     "كم بالحري مكروه وغير نافع الإنسان الشارب الإثم كالماء؟"..."مكروه" بسبب نجاسته ووصمته، و"غير نافع" بسبب شر حياته الناقصة. يُمكن أيضًا أن يفهم "مكروه وغير نافع" بمعنى آخر. غالبًا ما يمارس الإنسان الشرير أمرًا مستقيمًا، ولكن بممارسته الأمور الخاطئة تصير حتى الأمور التي فعلها باستقامة كلا شيء...

ما يؤكل أولاً يحتاج إلى مضغ لكي يُبتلع، أما ما يُشرب فليس من عائق أمامه... وهكذا يمارس الجاهل الخطية دون تراجع "يشرب الإثم كالماء".

البابا غريغوريوس (الكبير)

3. دينونة الأشرار

"أُوحِي إليَكَ.

اسْمَعْ لِي،

فَأُحَدِّثَ بِمَا رَأَيْتُهُ". [17]

بعد أن سفّه من شخص أيوب وسلوكه وحكمته طلب إليه أن يستمع إليه دون احتجاج من جانبه. يقول له: "أوحي إليك" أو إني أبين لك ما يستحق السمع، فأقدم لك حقائق رايتها بعيني ولمستها بنفسي.

إذ تطمس الخطية عيني الإنسان الشرير، يحسب نفسه حكيمًا، ليس من يقدر أن يرشد الآخرين مثله. يدهش كيف لا ينتفع الناس من حكمته، فيفرض نفسه عليهم معلمًا، يريد في زهو أن يعلم على الدوام. لذلك يقول يعقوب الرسول: "لا تكونوا معلمين كثيرين يا إخوتي" (يع 3: 1)، إنما يليق حتى بالمعلم وكل رجال الكهنوت أن يكونوا محبين للتعلم المستمر.

"سأظهر ذلك لك، اسمع لي، فأحدثك بما رأيته". كل المتغطرسين لهم هذه السمة، عندما يكون لهم مفهوم سليم، حتى وإن كان تافهًا، يحرفونه لخدمة كبريائهم. عوض أن يعملوا لرفع أنفسهم إلى العلا في الفهم، يسقطون في هوة تمجيد الذات، إذ يُبتلعون بالكبرياء، ويحسبون أنفسهم أكثر علمًا من المتعلمين. إنهم يغتصبون لأنفسهم التقدير من الذين يستحسنونهم، ويستخدمون هذا ليعلموا بسلطان من هم أقدس منهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     إنني في خلال تعليم الآخرين أرغب أن أكون قادرًا على التعلم لأنه سيد واحد (الله) الذي لا يتعلم مما يعلم به الكل. أما البشر فعليهم أن يتعلموا قبل أن يعلموا، وأن يقبلوا من الله معلمهم ما يعلّمون به الآخرين.

أما أنا فقد خرجت من كرسي القضاء إلى الكهنوت... ولم تكن لي فرصة للتعلم، لذلك وجب على أن أتعلم وأعَّلم في نفس الوقت.

القديس أمبروسيوس

"مَا أَخْبَرَ بِهِ حُكَمَاءُ عَنْ آبَائِهِمْ،

فَلَمْ يَكْتُمُوه"ُ. [18]

إن كان الحكماء يتعلمون خلال خبرة آبائهم دون أن يقتصروا على خبراتهم الشخصية، فيتعلمون من السلف عبر الأجيال المتعاقبة، ولا يكتمون هذه الخبرات، فإن أليفاز يدَّعي بأنه حكيم، يقدم لأيوب هذه الخبرات، حتى وإن تعارضت مع خبرة أيوب أو فهمه الشخصي.

ما هو مدى التزامنا بما ورد في تراث الآباء؟

يمثّل الآباء القدّيسون فكر الكنيسة الجامعة الذي تسلّمته من الرسل بفعل الروح القدس الذي يعمل بلا انقطاع في حياة الكنيسة. يتحدّث عنهم القدّيس أغسطينوس، قائلاً: [تمسّكوا بما وجدوه في الكنيسة، عملوا بما تعلّموه، وما تسلّموه من الآباء أودعوه في أيدي الأبناء[749]] ، [من يحتقر الآباء القدّيسين إنّما يعرف أنّه يحتقر الكنيسة كلّها[750]].

يقوم هذا السلطان على عاملين: عامل طبيعي إذ اتّسم الآباء بالحياة القدسيّة والأمانة في استلام وديعة الإيمان الحيّ من أيدي الرسل لذلك هم أقدر على الشهادة للحياة الكنسيّة من كل جوانبها، خاصة وأنهم يحملون الفكر الواحد، بالرغم من اختلاف الثقافات والمواهب والظروف، مع بُعد المسافات بين الكراسي الرسوليّة وصعوبة الاتصالات في ذلك الحين. والعامل الثاني إلهي حيث عاش الآباء منحصرين بالروح القدس قائد الكنيسة ومرشدها إلى كل الحق، يحفظها داخل دائرة صليب المسيح.

هذا لا يعني عصمة الآباء كأفراد وإنّما تعيش الكنيسة الجامعة ككل محفوظة بروح الرب.

"الَّذِينَ لَهُمْ وَحْدَهُمْ أُعْطِيَتِ الأَرْض،

وَلَمْ يَعْبُرْ بَيْنَهُمْ غَرِيبٌ". [19]

ما يقدمه أليفاز من حكمة تسلمها عن آبائه، إنما هي خبرة أناس موثوق فيهم ذوي مراكز سامية، أقدر من غيرهم على تدبير شئون الأرض، لا يشترك معهم إنسان جاهل غريب عن روح الحكمة. بينما قال أيوب: "الأرض مُسلمة ليد الشـرير" (أي 9: 24)، إذا بأليفاز يقول له: "الأرض مسلمة ليد أناس حكماء قديسين موثوق فيهم"، وستبقى هكذا في يدهم، ولا تُسلم في يد غريبٍ عنهم. هنا ربما يلمح بأن أيوب ليس حكيمًا ولا قديسًا ولا بالشخص الموثوق فيه، وإلا لما نهب السبيئيون والكلدانيون ثروته وهم غرباء. ومن جانب آخر إذ فقد أيوب ممتلكاته، كمن طُرد من مركزه المرموق كملكٍ أو رئيس قبيلةٍ، فهو غير مستحق أن يوجد بين الحكماء الذين وحدهم أعطيت الأرض.

لعله يشير هنا إلي الكنيسة على الأرض، فإن الذين يديرونها الحكماء السالكون بروح الآباء الأولين، تحت قيادة روح الله القدوس. هذا ولا يليق أن يوجد بينهم غريب، ليس له الروح الإنجيلي الكنسي الروحي الحق.

"الشِّرِّيرُ هُوَ يَتَلَوَّى كُلَّ أَيَّامِهِ،

وَكُلَّ عَدَدِ السِّنِينَ الْمَعْدُودَةِ لِلْعَاتِي". [20]

يكاد يقول أليفاز في صراحة وبجرأة أن أيوب رجل شرير ينطبق عليه القول: "الشرير هو يتلوى كل أيامه، وكل عدد السنين المعدودة للعاتي". هكذا يتهم أيوب بالظلم والبطش، لذا تأهل أن يتلوى بالمحن والتجارب القاسية، ما فعله ارتد على رأسه، لذا لم يعد يوجد وقت للتظاهر بخلاف ما هو في داخله، فأيامه لا تطول.

v     أليفاز ملك التيمنيين وبلدد طاغية الشوحيين وصوفر ملك المينيين Mineans وبخوا أيوب بعنفٍ على أساس أنه عانى من مثل هذه العقوبات بسبب خطاياه. بنظرتهم التافهة لم يدركوا أن الرب سلمه ليُجرب، لكي ما يتشكل بالتجارب وينال إكليلاً أعظم مثل مصارعٍ لأجل المسيح. لهذا لم يروا سرّ الحكمة العظيم هذا. قلوبهم الضيقة كانت خائفة لئلا يظهروا أنهم يتهمون الله بالظلم إن سمحوا بقبول حلول عقوبات على إنسانٍ بار. لقد ألقوا المسئولية على أيوب البار من جهة العقوبات التي حلت به، قائلين: كل حياة الأشرار تنقضي في قلقٍ، و"الغني الذي يجمع بالظلم يُتقيأ خارجًا" (٢٠: ١٥). ادعوا أنه عانى من كل الأحزان كإنسانٍ يتألم على الأرض بسبب خطاياه[751].

القديس أمبروسيوس

v     هذا القول مضلل، فإننا نرى الكثير من الأشرار يعيشون في رخاءٍ وسلام. حتى وإن كان هذا لا يدوم خلال كل حياتهم، فعلى الأقل يحتل نصيبًا كبيرًا من حياتهم (إر ١٢: ١). على أي الأحوال أراد أليفاز أن يعدل في كلمات أيوب الذي يسخر من رخاء الأشرار. كما أراد في نفس الوقت أن يظهر أنه هو نفسه لم يكن شريرًا بكونه يعيش في رخاء.

"السنوات التي تُعطى للظالم كثيرة". في هذا أيضًا لا يتكلم أليفاز بأمانة، فإنه حين يريد الله ذلك يضع نهاية لسلطان الظالم، فإنه لا يقيد بعددٍ من السنوات، ولا يُحد بزمنٍ ما. لقد قال هذا لأن أيوب قال: "البار والذي بلا لوم يُسلم للسخرية، لأنه في الوقت المعين يكون مُعدًا أن يموت بضربات الغريب، ويرى بيته يخرب بواسطة الأشرار" (١٢: ٤-٥). أراد أيوب أن يتحدث عن الزمن الذي خلاله يسمح الله للخطاة أن يعذبوا الأشرار (حك ٢: ١٠) حسب قدرتهم (١ كو ١٠: ١٣)، بقصد أن يُجرب كل واحد حسب قياسه، معلنًا أنهم يحاربون من أجل الفضيلة حتى يكللوا.

أما بالنسبة لأليفاز فإنه نطق بهذه الكلمات ضد أيوب: "يعطي سنوات عديدة للأقوياء" لكن هذه أيضًا عبارة مضللة، مثل العبارة التالية. "ورعبه في أذنيه" (٢١)، كيف يمكن أن يكون الرعب في أذنيه، هذا الذي لا يحفظ ناموس الله في قلبه، وكيف لا يفتح أذنيه إلى الذين يمكنهم أن يعلموه مخافة الله (مز ٣٧: ٣١؛ ٤٠: ٨؛ ٣٤: ١٢)؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "وعدد سنوات ظلمه غير أكيدة"... معروف أن كل إنسانٍ متكبر يمارس الطغيان حسب قياسه. فما يمارسه شخص في دولة وذلك بحكم مركزه العالي الذي يتناسب معه؛ وآخر في مقاطعة، وآخر في مدينة، وآخر في أسرته، وآخر يخفي شره، فيمارسه على نفسه في فكر قلبه. فالله لا يشغله كمية الشر التي يستطيع الإنسان أن يمارسها، وإنما الكمية التي في ذهنه ليمارسها. وعندما يكون الإنسان بلا سلطان في الخارج يُحسب طاغية في داخله، ويسيطر الإثم عليه في داخله. فإنه وإن كان لا يضغط على أقربائه من الخارج، إلاَّ أنه في الداخل يبحث ليجد فرصة وسلطانًا للضغط على الغير. فإن الله يتطلع إلى قلوب البشر، فيُحسب في عيني الله الشرير قد مارس بالفعل ما يتخيله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"صَوْتُ رُعُوبٍ فِي أُذُنَيْهِ.

فِي سَاعَةِ سَلاَمٍ يَأْتِيهِ الْمُخَرِّبُ". [21]

يرى أليفاز أنه يليق بأيوب ألا يدهش بأن صوت الأهوال لا يفارق أذنيه، فالسماء والأرض يقتصان لما سبق فعمله. ليس له أن يهرب من الضيق، فإن صوت شروره يلاحق أذنيه، فيكون كقايين الذي اعتقد أن كل من وجده يقتله (تك 4: 14).

لسنا ننكر أنه "لا سلام قال الرب للأشرار" (إش 48: 22). لكن العبارة هنا تشير إلي السلام الداخلي الذى تنتزعه الخطية بعزلها للإنسان عن مصدر سلامه، أما الضيقات والمتاعب فقد تشتد بالقديسين لتزكيتهم وتقديسهم بروح الرب، كما قد تشتد بالأشرار لعلهم يرجعون إلى الله بالتوبة.

أما من جهة السلام الخارجي والازدهار، فلا نتعجب إن كان المرتل يدهش لسلام الأشرار، قائلاً: "لأني غرت من المتكبرين، إذ رأيت سلامة الأشرار" (مز73: 3). إنه ليس بسلام حقيقي، إذ يقول كاتب سفر الحكمة:"ثم لم يكتفوا بضلالهم في معرفة الله، لكنهم غاصوا في حرب الجهل الشديدة، وهم يسمون مثل هذه الشرور سلامًا" (الحكمة 14: 22).

          لقد جاء السيد المسيح مخلصا للعالم، يهب السلام الحقيقي الداخلي لمؤمنيه.

"لأنه يولد لنا ولد، ونُعطى ابنًا، وتكون الرياسة على كتفه، ويُدعى اسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السلام" (إش 9: 6)

"ما أجمل على الجبال قدمي المبشر المخبر بالسلام، المبشر بالخير، المخبر بالخلاص القائل لصهيون: قد ملك إلهك" (إش 52: 7)

"وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحُبره شفينا" (اش 53: 5)

"فإن الجبال تزول، والآكام تتزعزع، أما إحساني فلا يزول عنك، وعهد سلامي لا يتزعزع، قال راحمك الرب" (إش 54: 10)

"وأقطع معهم عهد سلام، وانزع الوحوش الرديئة من الأرض، فيسكنون في البرية مطمئنين، وينامون في الوعور" (حز 34: 25).

"وأقطع معهم عهد سلام، فيكون معهم عهدًا مؤبدًا واقرهم وأكثرهم، وأجعل مقدسي في وسطهم إلى الأبد" (حز 37: 26).

"هوذا على الجبال قدما مبشرٍ، منادٍ بالسلام، عيدي يا يهوذا أعيادك، أوفي نذورك، فإنه لا يعود يعبر فيك أيضًا المهلك، قد انقرض كله" (نا 1: 15).

"ليضيء على الجالسين في الظلمة وظلال الموت، لكي يهدي أقدامنا في طريق السلام" (لو 1: 79).

"المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة" (لو 2: 14).

"سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا، لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب" (يو 14: 27).

"قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام، في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33).

v     "صوت مرعب دائمًا في أذنيه، وحين يوجد سلام يتوقع حدوث مكائد" [٢١]. ولكن ليس شيء أسعد من بساطة القلب... ولا يكون شيء مرعبٌ في اللقاء مع الغير. فإن البساطة تكون أشبه بقلعة للقوة، ولا يوجد ريب في اجتياز ما ليس فيه تذكر لذاته، لذلك حسنًا قال سليمان: "مخافة الرب ثقة عظيمة"، كما يقول: "الذهن الآمن يشبه وليمة دائمة" (أم ١٤: ٢٦؛ ١٥: ١٥). فإن مجرد الراحة في أمان يشبه انتعاشًا دائمًا. من الجانب الآخر الفكر الشرير دائمًا في آلامٍ وأتعابٍ، إما لأنه يصارع مع محنٍ قد تحل به، يخشى أن تحل عليه بواسطة الغير. إذ يدبر مؤامرات ضد أقربائه يخشى الذهن من الخطط التي يدبرها الأقرباء ضده... وحين يوجد سلام يتخوف من حدوث مؤامرات، إذ يتعامل في مكرٍ على الدوام، واضعًا في ذهنه أنه ليس من يتعامل ببساطة معه. مكتوب: "عندما يسقط الشرير في حضرة الأشرار يدين" (أم ١٨: ٣)، إذ تحوط به ظلمة شره، وبالتالي ييأس من وجود النور. لذلك قيل بعد ذلك: "إنه لا يؤمن أن يخرج من الظلمة، بل ينتظره السيف" [22].

البابا غريغوريوس (الكبير)

"بسلامة اضطجع، بل أيضًا أنام، لأنك أنت يا رب منفردًا في طمأنينة تسكنني" (مز 4: 8).

"الرب يعطي عزًا لشعبه، الرب يبارك شعبه بالسلام" (مز 29: 11).

"ليهتف ويفرح المبتغون حقي، وليقولوا دائما ليتعظم الرب المسرور بسلامة عبده" (مز 35: 27).

"أما الودعاء فيرثون الأرض، ويتلذذون في كثرة السلامة" (مز 37: 11).

"لاحظ الكامل وانظر المستقيم، فإن العقب لإنسان السلامة" (مز 37: 37).

"فدى بسلام نفسي من قتال عليّ، لأنهم بكثرة كانوا حولي" (مز 55: 18).

"تحمل الجبال سلامًا للشعب، والآكام بالبرّ" (مز 72: 3).

"يشرق في أيامه الصديق، وكثرة السلام إلى أان يضمحل القمر" (مز 72: 7).

"سلامة جزيلة لمحبي شريعتك، وليس لهم معثرة" (مز 119: 165).

"الذي يجعل تخومك سلامًا، ويشبعك من شحم الحنطة" (مز 147: 14).

"فإنها تزيدك طول أيام وسني حياة وسلامة" (أم 3: 2).

"طرقها طرق نعم، وكل مسالكها سلام" (أم 3: 17).

"إكليل الحكمة مخافة الرب، إنها تنشئ السلام والشفاء والعافية" (سيراخ 1: 22).

"ولو أنك سلكت في طريق الله، لسكنت في السلام مدى الدهر" (با 3: 13).

"فإذ قد تبررنا بالإيمان، لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح" (رو 5: 1).

"لأن اهتمام الجسد هو موت، ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام" (رو 8: 6).

"وكيف يكرزون إن لم يُرسلوا، كما هو مكتوب: ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام، المبشرين بالخيرات" (رو 10: 15).

"لان ليس ملكوت الله اكلأ وشربًا، بل هو برّ وسلام وفرح في الروح القدس" (رو 14: 17).

"فلنعكف إذًا على ما هو للسلام، وما هو للبنيان بعضنا لبعض" (رو 14: 19).

"وليملأكم إله الرجاء كل سرور وسلام في الإيمان، لتزدادوا في الرجاء بقوة الروح القدس" (رو 15: 13).

"إله السلام معكم أجمعين. امين" (رو 15: 33).

"وإله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا" (رو 16: 20).

"نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح" (1 كو 1: 3).

"ولكن الله قد دعانا في السلام" (1 كو 7: 15).

"لأن الله ليس اله تشويش، بل اله سلام كما في جميع كنائس القديسين" (1 كو 14: 33).

"وحاذين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام" (أف 6: 15).

"لاَ يَأْمُلُ الرُّجُوعَ مِنَ الظُّلْمَةِ،

وَهُوَ مُرْتَقَبٌ لِلسَّيْفِ". [22]

الشرير تلاحقه شروره، يفقد كل رجاء في الخروج من الظلمة التي تحوط به. يعيش في رعبٍ، كأن السيف مُسلط على رقبته، يترقب قتله بين لحظة وأخرى. ففي أعماقه يدرك "إن كان أحد يقتل بالسيف، فينبغي أن يُقتل بالسيف" (رؤ 13: 10).

"ويشفون كسر بنت شعبي على عثمٍ قائلين: سلام سلام، ولا سلام" (إر 6: 14؛ 8: 11).

"انتظرنا السلام، ولم يكن خير وزمان الشفاء، وإذا رعب" (إر 8: 15)

"هل رفضت يهوذا رفضًا، أو كرهت نفسك صهيون، لماذا ضربتنا ولا شفاء لنا، انتظرنا السلام، فلم يكن خير وزمان الشفاء، فإذا رعب" (إر 14: 19)

"ليست في جسدي صحة من جهة غضبك، ليست في عظامي سلامة من جهة خطيتي" (مز 38: 3).

"وطريق السلام لم يعرفوه" (رو 3: 17).

"وبادت مراعي السلام من أجل حمو غضب الرب" (إر 25: 37).

"تَائِهٌ هُوَ لأَجْلِ الْخُبْزِ حَيْثُمَا يَجِدُهُ،

وَيَعْلَمُ أَنَّ يَوْمَ الظُّلْمَةِ مُهَيَّأٌ بَيْنَ يَدَيْه"ِ. [23]

يعيش الشرير في تيهٍ وفراغٍ، كمن هو جائع إلى كسرة خبز على عكس الصديقين (مز 37: 23–25). وأن يوم الظلمة، أو يوم الدينونة على الأبواب، مسرع إليه وليس من تأجيل. يوم الرب يكون نورًا للمؤمنين الأمناء، وظلامًا للأشرار حيث يحكم عليهم بالظلمة الدائمة الخارجية الأبدية.

v     عندما يمارس الإنسان أمورًا غير شرعية، إنما يخشى مما فعله!

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لأن المتمرد، خصمنا، يحارب بالكبرياء، ويريد أن ينتصر بالتعالي بغيًا، قدم لنا ملكنا المنتصر سلاح التواضع.

بدون قوة التواضع التي لا تُقهر لا ينتصر أحد.

بالتواضع ينحني كبرياء المخادع، ويجعله مداسَ أرجل الودعاء المسالمين.

أنظر كيف شق آباؤنا الجبابرة لنا الطريق، فلبسوا التواضع، حلة المسيح، وكيف أنهم غلبوا الثلاّب، وربطوه بقيود الظلمة[752].

v     أعد لي الشياطين تجربة يرتعب من سماعها السامعون...

بوقاحتهم يعودون ويظهرون قسوتهم نحوي وهم يتوعدونني.

وعندما أرسم أمامهم علامة الصليب حياتنا، يعودون إلي الظلمة التي هي نصيبهم، وتنطفئ نارهم[753].

الشيخ الروحَاني (يوحنا الدّلياتي)

"يُرْهِبُهُ الضَّرُّ وَالضِّيقُ.

يَتَجَبَّرَانِ عَلَيْهِ،

كَمَلِكٍ مُسْتَعِدٍّ لِلْوَغَى". [24]

الشرير يرهبه الضرر الداخلي وضيق النفس أكثر من المحن الخارجية. وكما يقول الرسول بولس: "سخط وغضب، شدة وضيق على كل نفس إنسان يفعل الشر" (رو 2: 8-9). فمن يفقد التصاقه بالله، تنفتح في داخله أبواب الجحيم الذي لا يُطاق. قد يظن الشرير أنه يتخلص من مخاوفه الداخلية، لكن هذه المخاوف تملك على قلبه وفكره وطاقاته الداخلية، وتستعبده، فيكون بكل كيانه أسيرًا كما لملكٍ قاسٍ مستعدٍ بجيوشٍ قويةٍ لا تُقهر، فمن يريد أن يسترد حريته ليبدأ بالحرية الداخلية بالمسيح يسوع محررنا، أو التحرر بالبرّ الإلهي ضد الشر.

v     "الضيق يجعله خائفًا، والشدائد تحاصره، كملكٍ يستعد للمعركة". في كل ما يفعله الشرير يكون السياج حوله كرب وبلية وشدائد، فترتبك نفسه بالقلق والهواجس، إنسان يشتاق سريًا أن يمنع خيرات الآخرين بالقوة، فإنه يتعب ويتضايق بأفكار قلبه، مترجيًا ألاَّ يوجد. آخر بهجره الحق يضع في ذهنه أن يكذب، حتى يخدع أذهان سامعيه. وأما التعب الشديد فهو أن يدافع بحذرٍ كافٍ أن لا يوجد خداعه لنفسه... لأن طريق الحق ممهد، وأما طريق الباطل فوعر. لذلك قيل بالنبي: "يتعلمون أن يتكلموا الكذب، ويربكوا أنفسهم بارتكاب الإثم" (إر ٩: ٥).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     العصفور عند اصطياده لا يحتاج الأمر لدخول جسمه كله داخل الشبكة يكفي أن تقتنص الشبكة رجله فقط، فهذا لا يُعطل من سيطرة الصياد عليه.

هكذا الشيطان إذا أراد أن يدخلنا في شباكه فليس من الضروري أن يسيطر على كل سلوكنا وإيماننا، بل يكفيه البدء في السيطرة على سلوكنا. "ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات بل الذي يفعل... فحينئذ أصرح لهم إني لم أعرفكم قط[754]".

v     دُعي الشيطان قويًا ليس لأنه بالطبيعة هو هكذا، إنما بالإشارة إلى سلطانه الذي صار له بسبب ضعفنا[755]".

v     أي انحطاط أكثر من الشيطان الذي انتفخ؟! وأي علو للإنسان الذي يريد أن يتواضع؟! صار الأول يزحف على الأرض تحت أقدامنا، وارتفع الثاني مع الملائكة في العلا[756].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     الآن يا أحبائي قد ذُبح الشيطان، ذاك الطاغية الذي هو ضد العالم كله... لا يعود يملك الموت بل تتسلط الحياة عوض الموت، إذ يقول الرب: "أنا هو الحياة" (يو6:14)، حتى امتلأ كل شيءٍ بالفرح والسعادة، كما هو مكتوب: "الرب قد ملك فلتفرح الأرض"... الآن إذ بطل الموت وتهدمت مملكة الشيطان امتلأ الكل فرحًا وسعادة.

القديس أثناسيوس الرسولي

"لأَنَّهُ مَدَّ عَلَى اللهِ يَدَهُ،

وَعَلَى الْقَدِيرِ تَجَبَّرَ". [25]

"هَاجِمًا عَلَيْهِ،

مُتَصَلِّبُ الْعُنُقِ بِتُرُوسِهِ الْغَلِيظَة"ِ. [26]

"لأَنَّهُ قَدْ كَسَا وَجْهَهُ سَمْنا،

وَرَبَّى شَحْمًا عَلَى كُلْيَتَيْه" [27]

إذ يمد الشرير يده على الله، ويتجبر على القدير، يسحق نفسه بنفسه.

يقول الأب هيسيخيوس الأورشليمي بأن أليفاز يشبه أيوب بالواشي (الشيطان) الذي كان قائدًا عظيمًا، يحتل الرتبة الأولى بين السمائيين وقد سقط (رؤ ١٢: ٧-٩). لقد رفع يده ضد الرب، ففقد عقله بمقاومته لله. ابتلعه الوهم، أي امتلأ بالكبرياء. وأخذ موقفًا معاديًا لله بالغطرسة. إنه مثل الشيطان الذي يضرب في المعركة ويختبئ، واضعًا الترس على كتفيه، يحمل قلبًا قاسيًا، يغطي وجهه بشحمه، أي بالرخاء، وإذ يتخم معدته بشر الخطاة لا يقدر أن يرفع وجهه أمام الخالق. يضع طبقتين من الشحم على فخذه، أي يمارس سلطانه خلال أمرين: الطمع والانغماس في الملذات. لكن باطلاً حاول أليفاز أن يقارن أيوب البار بالواشي الشيطان.

ويرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن هذه العبارات تنطبق على ضد المسيح، رئيس الأشرار نفسه، الذي إذ يرفع يده ضد الله يُقال عنه أنه "تقوى"، وذلك إلى حين، حيث يُسمح له أن يرتفع وأن يتمجد، فيُعاقب بلا شفقة إلى الأبد. إنه يبسط يده ضد الله، بمعنى أنه يثابر على فعل الشر، غير مبالٍ بأحكام الله. أما أنه يجري ضد الله بعنق غليظة، فيعني أنه يرتكب أمورًا شائنة تغضب الخالق. فإن مثل هذا الإنسان يُقال عنه أنه يجري في فعل الشر، ليس من عدو يعوقه. أما غلاظة رقبته فهي الغنى في الكبرياء تدعمه مخازن تفيض كما لو كانت من الجسد.

أيضًا تنطبق هذه العبارات في رأي البابا غريغوريوس (الكبير) على الإنسان الشرير الذي يتسلح بالسلطة، فيتشامخ على الله، ويأخذ موقفًا ضد وصايا الحق. يتجاهل غنى الله، ويتسلح بالغنى الباطل للزمنيات. يغطي وجهه بالشحم، حيث يطلب شحم الخيرات الزمنية، دون أن تكون فيه مخافة الرب، يضايق الفقراء، ويتشامخ بقوة المجد الزمني.

v     كل المتكبرين يحملون رقابًا متشامخة، فلا يمارسون الشرور فحسب، بل ويرفضون أن يحسبوها شرورًا. وعندما يُنتهرون يبررون أنفسهم[757].

v     يحارب الأشرار الله، فتتحطم الأواني الخزفية وتصير كسرًا، هكذا ينتفخ البشر معتمدين على قوتهم الذاتية. هذا هو الدرع الذي يتحدث عنه أيوب بخصوص الشرير. "يجري ضد الله، على عنقه المتصلب لدرعه. ما هو "العنق المتصلب لدرعه"؟ ذاك الذي يعتمد بالأكثر جدًا على حمايته الذاتية[758].

 القديس أغسطينوس

"فَيَسْكُنُ مُدُنًا خَرِبَة،ً

بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَة،ٍ

عَتِيدَةً أَنْ تَصِيرَ رُجَم ًالله" [28].

"ويسكن في مجتمعاتٍ مهجورة وبيوتٍ خربة صارت خرائب" (٢٨ LXX). ربما ندهش لتعبير "مجتمعات مهجورة"، لأن كلمة "مجتمع" تأتي من اجتماع الناس معًا، فكيف تكون مهجورة؟ حيثما يوجد حشد ضخم من الأشرار، يشعر كل منهم بالعزلة، لأن الخطية تفسد علاقة الإنسان بإخوته، وتنزع عنهم الحب. كل يشعر كأنه ليس من يشاركه مشاعره، ولا من يفهم أعماقه.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن سكان البيت هي الأفكار، فبالنسبة للأشرار لن تجد أفكارهم راحة، فيشعروا أنهم حطام وخرائب ليس من ساكنٍ فيها.

"لاَ يَسْتَغْنِي،

وَلاَ تَثْبُتُ ثَرْوَتُهُ،

وَلاَ يَمْتَدُّ فِي الأَرْضِ مُقْتَنَاه"ُ. [29]

لا يعرف الشرير الشعور بالشبع والاكتفاء، فهو لا يستغنى إذ يبقى على الدوام فقيرًا، ليس ما يملأ فراغه الداخلي، حتى وإن ملك الكثير من الغنى الخارجي.

الثروة التي جمعها بالشر، تزول بشرٍ آخر. يتضاءل كل غناه حتى يتلاشى: "بنت ليلة كانت، وبنت ليلة هلكت" (يونان 4: 10). "الغنى الباطل يقل" (أم 13: 11).

إذ يفقد الشرير أبناءه ويموت، يرثه الغرباء.

"لا يمتد في الأرض مقتناه"، أي لا تطول مدة تمتعه بثروته. يبذل كل جهده ليترك ثروته لبنيه من بعده، لكنه يفشل في تحقيق ذلك.

يقول البابا غريغوريوس (الكبير) إن الشرير يعاني من الفراغ الداخلي، لن يشعر قط بالشبع، حتى كيانه يبدو كعابرٍ بلا ثمرٍ.

"لاَ تَزُولُ عَنْهُ الظُّلْمَةُ.

أَغْصَانُهُ تُيَبِّسُهَا السُّمُومُ،

وَبِنَفْخَةِ فَمِهِ يَزُولُ". [30]

يعيش كمن في ظلمةٍ دائمةٍ، ويفسد أولاده كأبناء للظلمة، فيكونون كأغصان شجرة جفت واحترقت.

جاء النص في الترجمة السبعينية ما يغني: "لن يقدر أن يهرب من الظلمة بأية وسيلةٍ: لتهب الريح على زهرته فتسقط". وكأنه يقول: إن الشرير يسقط في ظلمة لا يقدر الخلاص منها، أما نسله أو زهرته فتهب عليها الريح وتسقطها دون أن تتحول إلى ثمرٍ.

ما ورد في الترجمة السبعينية عن زهرته جاء في النص العبري "أغصانه" التي تيّبسها السموم، أو ريح السموم الحارقة للزرع.

إنه بنفخة فمه يزول الشرير حيث يموت فجأة. وكما قيل: "هذه الليلة تطلب نفسك منك" (لو 20: 12)، وأيضًا: "الشرير يُطرد بشره" (أم 14: 32). ومحبة العالم تزول مع زوال العالم.

v     إن أراد الإنسان المتكبر أن يرجع عن الخطية إلى البرّ يلزمه أن يرحل من الظلمة. لكنه إذ لا يبحث عن نور البرّ لا يرحل عن الظلمة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"لاَ يَتَّكِلْ عَلَى السُّوءِ.

يَضِلُّ.

لأَنَّ السُّوءَ يَكُونُ أُجْرَتَهُ". [31]

كثيرًا ما يظن الإنسان أن الخداع وطرق الشر يمكن أن تنجيه. إنها في البداية تضلله، لكنه سرعان ما يشرب من كأس الشر الذي ملأه بنفسه.

"هذه أجرة مبغضي من عند الرب، وأجرة المتكلمين شرا على نفسي" (مز 109: 20).

"الشرير يكسب أجرة غش، والزارع البرّ أجرة أمانة" (أم 11: 18).

"لان أجرة الخطية هي موت، وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا" (رو 6: 23).

"قَبْلَ يَوْمِهِ يُتَوَفَّى،

وَسَعَفُهُ لاَ يَخْضَرُّ". [32]

ليس فقط يفقد ثروته، إنما يفقد حياته سريعًا كمن يموت قبل موعده.

حقا قد يعيش الأشرار حتى الشيخوخة، وقد يموت قديسون أبرار في سن الطفولة المبكرة. لكن سنوات الشرير تُحسب كلا شيء، إذ تكون سنوات عمره أشبه بالرماد، بينما يوم واحد من أيام القديسين يُحسب في عيني الله كألف سنة.

"لأن ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس بعدما عبر، و كهزيع من الليل" (مز 90: 4).

"ولكن لا يخف عليكم هذا الشيء الواحد أيها الأحباء أن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة، وألف سنة كيومٍ واحدٍ (2 بط 3: 8).

حتى أولاده الذين ظن أنهم يكون من عظماء هذا الدهر يصيرون سعفًا جافا "لا يخضر".

ما هو السعف الذي لا يخضر إلا الثمر الروحي للمؤمن، فإنه إن سلك بالشر يجف ثمر روح الله القدوس فيه، فيكون علة دينونة عوض مساندته.

v     كان أيوب مترجيًا هذا، وذلك بسبب آلامه وصبره، يتقبل من الله مكافأة ميراثه. يقول أليفاز "كأسه" أو حصاده سيهلك قبل زمن (الحصاد)، بالتأكيد يقصد أنه يهلك قبل زمن المكافأة. "وفرعه (في الشجرة) لن يزدهر"...هكذا يعلن أليفاز أن أيوب وهو يتوقع منافع عظيمة جدًا، منتظرًا إياها كما لو كانت في يديه، سيصاب بخيبة أملٍ ولن ينال شيئًا من توقعاته.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "قبل أن تكتمل أيامه يهلك، وتكون يداه ذابلتين" [٣٢]...غالبًا الإنسان الشرير، في سبق معرفة الله الخفية لا يعين الله له طول عمر، فإنه إذ يريد أن يعيش حسب الجسد يتخيل أنه يعيش أيامًا كثيرة. وإذ لا يقدر أن يبلغ العمر الذي يطلبه لنفسه يبدو كمن يهلك قبل اكتمال أيامه.

هذه العبارة أيضًا يمكن أن نفهمها بمعنى آخر. نرى عادة أشخاصًا يسلكون في الشر، ومع هذا يبلغون إلى شيخوخة متأخرة جدًا. إذن كيف يُقال: "قبل أن تكتمل أيامه يهلك"، بينما نرى من بينهم أشخاصًا ترتعش أطرافهم بسبب الشيخوخة، مع ذلك فإن أهواءهم لا تكف عن أن تحمل إليهم شرورهم؟ إنه يوجد البعض بعد أن فقدوا طريق الحياة ارتدوا، وصار ضميرهم يعذبهم، فتركوا طرقهم الوقحة، واستبدلوا أفعالهم، وقاوموا شرورهم القديمة، وهربوا من الأرضيات، واتبعوا أهدافًا سماوية، لكنهم قبل أن يثبتوا في هذه الأهداف المقدسة، وإماتة الفكر، عادوا إلى ما كانوا عليه في البداية، وسقطوا في عاداتهم الشريرة التي قرروا تركها... فإنه ما لم يثبت القلب أولاً في الشهوات السماوية بالطلب المستمر، والاهتداء المستمر، فإنه إذ يرتد لتنفيذ أمورٍ خارجية، يُقتلع من ثباته في العمل الصالح.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"يُسَاقِطُ كَالْكَرْمَةِ حِصْرِمَهُ،

 وَيَنْثُرُ كَالزَّيْتُونِ زَهْرُهُ". [33]

يكون أولاده كحصرم العنب المُرْ، الذي يسقط من الكرمة قبل أن ينمو وينضج، وكزهر الزيتون الذي يتساقط، ولا يتحول إلى ثمرٍ. يموت أولاده في فجر حياتهم، ولا يبلغون ما اشتهاه لهم.

v     "عنقوده يفسد مثل كرمة في بدء ازدهارها، ومثل زيتونة تطرح زهرها. فإن جماعة المرائين ستكون عقيمة". لنتأمل كيف أن المرائي يفسد مثل كرمة في بدء ازدهارها أو مثل زيتونة تطرح زهرها.

إن كانت كرمة ما عندما تخرج زهورها ويلمسها برد شديد خلال تغير الجو فجأة، تفقد كل رطوبتها أو خضرتها. يوجد البعض الذين بعد سلوكهم فترات من الشر يشتاقون إلى طرق القداسة، ولكن قبل أن تثبت فيهم الشهوات الصالحة – كما قلنا – يحل بهم نوعٌ من الرخاء للحياة الحاضرة، فيرتبكون به في اهتمامات خارجية، وإذ ينسحب فكرهم عن حرارة الحب الداخلي، يصير كما لو أن بردًا يحلً بهم، فيُقتل فيهم كل ما بدأ يظهر فيهم من نبتات للفضيلة. فإنه بالتصرفات الأرضية يصير الذهن باردًا للغاية إن لم يثبت في الداخل...

"ويكون مثل زيتونة تطرح زهورها"، فإذ تكون الزيتونة قد أزهرت، وتتلامس مع ضباب كثيف تتجرد من كمال الثمار. وكما أن الكثيرين من الذين يدخلون إلى الأعمال الصالحة يُمدحون كثيرًا من الذين يرونهم، وإذ يجدون لذة في مديحهم يحل ضباب على أفكارهم، فلا يعودوا يميزون بأية نية يفعلون هذا، فيفقدون ثمر عملهم، بضباب حب المديح.

حسنًا قيل بسليمان: "لنبكر إلى الكرم لنرى إن كانت الكروم قد أزهرت، وحملت الزهور ثمارًا" (نش ٧: ١٢). تزهر الكروم عندما تقدم أذهان المؤمنين أعمالاً صالحة، لكنهم لا يحملون ثمرًا إن كانوا في هدفهم لا يستطيعون التغلب على ممارستهم الخاطئة.

v     يبدو المراءون مثمرين ومخضرين في أعين زملائهم المخلوقين، لكنهم في نظر الديان الخفي يظهرون بلا ثمر وذابلين.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"لأَنَّ جَمَاعَةَ الْفُجَّارِ عَاقِرٌ،

وَالنَّارُ تَأْكُلُ خِيَامَ الرَّشْوَةِ". [34]

v     تحرق النار الخيام، عندما تُفسد حرارة الطمع الأفكار.

فكر المرائي لن يستريح من التفكير في الشر، فإذ يسير وراء الأرضيات أو حب المديح يتذمر على ما للآخرين، فيركض لاهثًا لكي تكون له، ويبذل جهده لكي يُظهر الآخرين أشرارًا إن قورنوا به، إذ يود أن يظهر أكثر قداسة من العالم كله.

إذ يجعل الغير مُحتَقَرين يحاول أن يظهر في كل وقت أنه مستحق للكرامة. لهذا إذ يطلب المديح من قريبه يبسط شباك لسانه أمام الحكم على زملائه في الخليقة، حتى يتصيد الفكرة الصالحة عنه عند الذين يطلب أن يسرهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"حَبِلَ شَقَاوَةً وَوَلَدَ إِثْما،ً

وَبَطْنُهُ أَنْشَأَ غِشًّا". [35]

v     "إنه يحبل بالأحزان". وما هي ثمرة هذا؟ "يحل به الباطل، وتحمل بطنه خداعًا". أو بالحري "سيحمل" مما يأتي من "الخداع"، يحمل الخداع نفسه، بحمله أمورًا لا نفع لها، ولا تفيده في شيء.

لو أن أليفاز كان يفكر في هذه الأمور كلها واقعيًا، لو أنه التقى هنا بمخادعين، ما كان قد فكر بطريقة صادقة وبإخلاص، لأن الحكم على كثير من المخادعين محفوظ للعصور المقبلة. وإن كان يتحدث عن مكافآت مقبلة، فإنه يسيء إلى أيوب باطلاً. باطلاً كان يدينه على أحزانه. لأن بهاء هذه الحياة كثيرًا ما يحل على عبيد الطمع، ومآسي الحياة على الأبرار. لم يقرر الله ذلك خطأ بل بالاستقامة تمامًا. فإنه لا يمنح البار بهاء هذه الحياة التي شبعها أوراق شجر، وقوتها ظل، وغناها قش، ومجدها دخان، أما البار فيتأهل لملكوت السماوات، وعدم الفساد، وعدم الموت، والمجد العلوي، الذي فيه يفرح الشخص مع الملائكة. هذا هو السبب أنهم حتى إن أنهكوا أنفسهم بالعرق، ولاقوا متاعب كثيرة، لا يلومون الديان، عالمين أنهم بهذه الأحزان البسيطة ينالون المجد المقبل (٢كو٤: ١٧)، الذي سيُعلن لنا (رو٨: ١٨) من الآب والابن والروح القدس.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "يحبلون ويلاً ويلدون إثمًا، ويُعِّد رحمهم خداعًا". يحبل (الإنسان) ويلاً عندما يدبر أمورًا شريرة، ويلد إثمًا عندما يبدأ في تنفيذ ما دبره.

بالتمتع بالحسد يحبل ويلاً، وبالنطق بالافتراءات يلد إثمًا.

إنه لشر عظيم عندما يجاهد الشرير أن يُظهر الآخرين أشرارًا، حتى يبدو هو نفسه قديسًا، إذ يظهر الغير نجسين.

يلزمنا أن نضع في ذهننا أن الكتاب المقدس يستخدم لقب "البطن" أو "الرحم" ليُفهم بهما "العقل". قيل بسليمان: "سراج الرب طرق البشر يبحث عن كل الأجزاء الداخلية للذهن" (أم ٢٠: ٢٧). بلقب "الرحم" بحق يُفهم العقل، فكما أن النسل يُحبل به في الرحم، هكذا الفكر يتولد في العقل. وكما أن اللحم يوجد في البطن هكذا الأفكار في العقل. فإن رحم المرائي يعد خداعات، إذ يحبل دومًا في عقله شرورًا عظيمة ضد أقربائه، تتناسب مع أهدافه نحو نفسه أن يظهر بريئًا أمام كل البشر.

البابا غريغوريوس (الكبير)


 

من وحي أيوب 15

لأنتفع بتعييرات معيري!

 

v     بظلم قام اليفاز وصاحباه باتهام البار أيوب!

كيَّلوا له اتهامات مُرة، فصارت علة مجدٍ له!

أما أنا ففي ضعفي اسمح لي أن أنتفع من اتهاماتهم!

 

v     ادعوا أنه يتستر في الحكمة، لكن الحكمة بريئة منه،

لأن معرفته باطلة، وأعماقه تحمل رياحًا مدمرة!

هب لي يارب معرفة من عندك،

أشرق بنورك على أعماقي، فتصير حياتي شهادة حية،

لا أنطق إلا بما أحياه بك وفيك،

هب لي روحك القدوس يهب في داخلي،

فلا تقدر الأرواح الشريرة المدمرة أن تتسلل إليّ!

لتكن كل كلمة ممسوحة بمسحة الروح.

ولتكن حياتي ملحًا للأرض!

 

v     هب لي يارب مخافتك تتسلم عجلة القيادة.

تسير نفسي في الطريق الملوكي.

أتمتع بشركة مع عريس نفسي، الطريق والحق والحياة!

لا أنحرف يمينًا ولا يسارًا!

فعجلة القيادة في يد أبٍ قدير حكيم محب!

 

v     كن يارب حافظا لفمي،

وضع بابًا حصينًا لشفتي،

لا يخرج منه إلا ما يرضيك,

هب لكلماتي أن تتناغم مع أعماقي وسلوكي.

فلا تكون شهادة على إثمي، وعلة إدانتي!

 

v     أعود بفكري إلي أعمالك العجيبة.

خلقت كل شيء من أجلي.

وأعطيت لأبي آدم عقلاً وحكمةً.

أردت ان يكون نسله حكيمًا بالحق،

فيُحسبون ابناء لك، يتمثلون بك!

هب لي الحكمة الجالسة عن يمينك.

أعطني ليس حسب استحقاقي، بل كمحبتك!

 

v     تشتاق أن تجتمع بكل مؤمنيك،

ويجتمع مؤمنوك بك.

تشتاق أن تشرق بنور حكمتك على الجميع.

تريد أن يكون الكل كمن هم في مجلسك.

تعلن أسرارك الفائقة لخائفيك.

 

v     هب لي يا رب روح الحكمة التي من عندك.

فلا اتشامخ بمعرفةٍ ليست من عندي،

ولا أدعي الحكمة كأنها فريدة وسامية.

لأحترم كل إنسان، وأقدر مواهب الله له!

 

v     لأنتفع بكل مشورة صادقة،

هب لي تواضعًا، فانتفع من حكمة الجميع إن أمكن.

لكن لا أطلب تعزيات بشرية،

فأنت الطبيب السماوي، واهب التعزيات الحقيقية.

أنصت إلي صوتك خلال كنيستك،

فتتجلي أمام عيني، وأتمتع ببهجة أسرارك!

أراك متجليًا في خدامك،

وأتقبل عطاياك من يديك خلالهم!

أنت واهب العطايا للقلوب المتواضعة!

 

v     أتطلع إلى نفسي، فأدرك حقيقة ضعفي.

من يقدر أن يتبرر أمامك يا أيها القدوس؟

ليس مولود امرأة يتزكي قدامك،

حتى وإن كان ابن يومٍ واحدٍ!

قديسوك يعترفون بضعفاتهم!

والسمائيون ليسوا بأطهارٍ أمامك!

لا تأتمن أحدًا علي خلاصي سواك!

 

v     أعترف لك إني أشرب الإثم كالماء.

لكن أنت غافر الخطايا،

أنت منقذ النفوس من الفساد!

 

v     الآن تطلع يارب على كنيستك المقدسة.

هب للكل - كهنة وشعبًا - أن يلتهبوا بمحبة التعلم المستمر.

يسلك الكل بقيادة روحك القدوس،

علي آثار الآباء القديسين الأولين.

لا يكن بيننا غريب، صاحب فكر منحرف.

بل الكل قطيع واحد لراعٍ واحدٍ يتمتع بمراعيك المثمرة!

ليتمتع الكل بروح البساطة،

فلا يوجد بينهم متكبر ولا مرائي!

 

v     هب لي ألا أدين أحدًا، فأنت وحدك فاحص القلوب.

كثيرًا ما أظن فيمن يسقط تحت ثقل التجارب،

أنها ثمرة شروره الخفية.

من يقدر أن يدرك حكمتك، يا أيها المخلص، محب البشر؟

 ليس كل متألمٍ قديسًا أو شريرًا.

أنت وحدك تسمح بالرخاء أو الضيق،

وفي كلا الحالين لست تطلب إلا خلاصنا ومجدنا!

 

v     نظراتنا الخفية للمجربين تحطمهم،

أما يدك الإلهية فتقدم ما هو لبنيان المؤمنين بك.

 

v     إلهي، أنت مصدر سلامي،

بل أنت هو السلام عينه،

من يقتنيك، لن يدخل رعب ولا قلق إلي حياته!

لا يخشى الظلمة ولا السيف!

ليس ما يرعبه مادمت حال في أعماقه!

أما من يجرى وراء الشر،

فيجرى وراء سرابٍ مدمرٍ،

يقتني الباطل، ويفقد الحق،

يحل به تيه وفراغ، ويصير في عوزٍ إلى كسرة خبزٍ.

يحل به الضيق، ويملك عليه عدو الخير.

لأهرب إلى صليبك،

فأراك تمزق الصك الذي عليَّ،

تحررني من عبودية إبليس،

وتحضره تحت قدمي.

في مذلةٍ يسقط ذاك الطاغية ويُشَّهر به!

 

v     نعم لأتقدم إليك أيها المصلوب العجيب،

أتحد بك، فلن يجد الكبرياء له موضعًا فيَّ.

يتحطم الكبرياء الذي حطّم نفسي،

وحول فردوسي إلى برية، وجعل من مسكني خرابًا!

يهرب من الخداع، وتُغلق طرق الشر أمامي.

ليس بعد من مجاعةٍ في نفسي،

ولا من دماءٍ يحيطني.

تمتلئ كرمتي من عناقيد حبك!

وتثمر زيتونتي، لتفيض من زيت نعمتك!

لا تعرف نفسي الفقر بعد،

بل تحمل بروحك القدوس ثمارًا سماوية مفرحة.

لا تقترب نار الشر المدمرة إلي خيمتي،

بل تلتهب بنار روحك القدوس المقدسة.

يصير كل كياني ممجدًا فيك.

أتشبه بالسمائيين خدامك اللهيب الناري!


 
أهمية المباحثات الثلاث الطويلة

إلى فترةٍ طويلةٍ كنت أتساءل: ما هي أهمية المباحثات الثلاث الطويلة بين أيوب وأصدقائه؟ أما كان يكفي أن يقدم لنا الكتاب المقدس مختصرًا مبسطًا للغاية، يكشف عن مرارة نفس أيوب من نقص الحب عند أصدقائه من نحوه، ومن مرارة في الحوار، وتجاهل تام لمشاعر صديقهم المتألم؟ لكن في دراستي للسفر أدركت ما لهذا الحوار من دور في علاقتي بالله وبالمتألمين. وكيف يكشف هذا الحوار عن العلاقة بين الكنيسة وأصحاب البدع المقاومين لها، الذين يظنون أنهم حكماء، ويتهمون الكنيسة بالحرفية والجفاف.

توقفنا في الجزء الأول عند بدء المباحثة الثانية بكلمات أليفاز الأكثر عنفًا من كلماته في المباحثة الأولى. والآن نرجو أن يعطينا الرب بركة دراسة بقية الحوار الثاني وأيضًا الثالث...

الرب قادر أن يلهب قلوب كل البشر للتمتع بكلمة الله، وارتفاع قلوبنا جميعًا لخبرة الحب السماوي، ومشاركة المتألمين في أتعابهم.

<<


 
اَلأَصْحَاحُ السَّادِسُ عَشَرَ

مرثاة

مع الرجاء في الوسيط!

جاء جواب أيوب لأليفاز (ص 16، 17) في الحلقة الثانية من الحوار أنه قد تعب من سخافة أصحابه الذين لم يكونوا في عينيه سوى معزين متعبين. ينظر إلى كلماتهم بعين الاحتقار، وذلك بسبب تكرار الكلام بلا مبررٍ، وعنادهم، وعدم مراعاة ظروفه. وحسب نفسه أنه لو كان مكانهم لكان يشددهم وينطق بما أمكن ليخفف عنهم حزنهم.

يتكلم أيوب بمرارة عن الله الذي أرسل عليه الضربات فجأة وهو مطمئن في بيته السعيد. يرى أن الله نفسه قد صار كمحاربٍ ضده، يصوِّب عليه الضربات، ويمزقه إربًا، ويحطم حصونه مثل مدينة أسوارها مهدمة (16:١٢-١٤).

يقول أيوب إنه لا تزال لا توجد إجابة على سبب ضربات الله لجسده، التي جعلته طريدًا مرذولاً، وأنتن جلده، فصار ذلك شهادة على جُرمه في أعين أصدقائه. ظن أن الله تحول عنه، ودفعه إلى أيدي الظالمين، يحتقرونه.

مع ذلك يرتدي أيوب مسوح التواضع والحزن بالرغم من عجزه عن رؤية أية خطيةٍ خطيرةٍ ارتكبها (16: ١٥-١٧).

تمسك أيوب ببراءته، لكنه يلتجئ إلى الله لكي يحل ألغاز غايته الغامضة، ويكشف عما وراء هذه التأديبات، وأن يوضح ما هو محير لعقل مخلوقه المفكر المتألم وضميره. إنه كمن يلتجئ من الله بالله نفسه، من الله الذي يخفي نفسه، إلى الله الذي هو نور وليس فيه ظلمة، يلجأ إليه بروح الإيمان والرجاء في عمل الله الخلاصي.

وسط كل هذه المرارة من نحو أصدقائه الذين أرادوا تحطيم نفسيته تمامًا، فصاروا بالنسبة لأيوب معزين بطّالين، وتطلعه إلى الله الذي سمح له مع كل هذه التجارب بموقف هؤلاء الأصدقاء القاسي، فحسبه كمحاربٍ ضده، لم يجدف عليه، ولا جحده، كما توقع عدو الخير إبليس. إنما رأى صورة عجيبة، أن الله قد سمح بتخلي كل الأذرع البشرية عنه لكي تحمله الأذرع الإلهية. أدرك أيوب أنه لا ملجأ للهروب من الله إلا بالالتجاء إليه. هكذا انكشف له شعاع خفيف من العمل المسياني، حيث لا ملجأ من الغضب الإلهي والسقوط تحت العدالة الإلهية إلا بظهور كلمة الله نفسه متجسدًا لكي بصليبه يضمه إليه كملجأ أبدي أمين. تحولت حيرة أيوب إلى معرفةٍ للحق الإلهي الإنجيلي خلال الظلال، حتى يشرق شمس البرّ على الجالسين في الظلمة، ويتمتع المؤمنون بالمجد الأبدي.

يرى أيوب أن الراحة الوحيدة له الآن هي في الخروج من العالم بروح الإيمان، والرجاء في عمل الله الخلاصي.

بهذا هزم أيوب الشيطان الذي كان يظن أنه سيسب الله ويجحده، فإذا به يلجأ إلى الله بكونه مصدر العزاء الوحيد له.

أيوب رمز المسيح المتألم كوسيطٍ وشفيعٍ كفاري

إذ يرد أيوب على أليفاز بلغة أسيفة يرثى فيها حاله، يقدم في مرثاته نبوات رائعة عن السيد المسيح المتألم كوسيطٍ وشفيعٍ كفاري. هذا ما شغل أذهان آباء الكنيسة في تفسيرهم لهذا الأصحاح، خاصة الأب هيسيخيوس الأورشليمي والبابا غريغوريوس (الكبير) الذي كان يعشق كتابات الآباء الشرقيين واستخدم أحيانًا الترجمة اليونانية السبعينية (LXX) للعهد القديم مع الفولجاتا.

1. لومه أصدقائه على قسوتهم      1 – 5.

2. مرثاته لحاله                      6 – 16.

3. التجاؤه إلى الله العادل            17 – 21.

4. العبور من العالم                  22.

1. لومه أصدقائه على قسوتهم

"فَقَالَ أَيُّوبُ: قَدْ سَمِعْتُ كَثِيرًا مِثْلَ هَذَا.

مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ!" [1-2]

احتدت المناقشة بطريقة مؤلمة، حتى ملت أذنا أيوب الاستماع إلى أصدقائه فصرخ: "قد سمعت كثيرًا مثل هذا؛ معزون متعبون كلكم". هذا هو ما بلغت إليه نفس أيوب. يقول الحكيم: "ابتداء الخصام إطلاق الماء، فقبل أن تدفق المخاصمة أتركها" (أم 17: 14).

حتى إن قالوا كلمات تعزية فهي مؤلمة، لأنها تصدر عن قلوبٍ لا تشاركه آلامه، ولا تشعر بأحاسيسه. وكما يقول الحكيم: "يغنون أغاني لقلب كئيب" (أم 25: 20) بلا أي نفع.

جاء في مقدمة الأب هيسيخيوس الأورشليمي حديث رائع عن صبر أيوب خاصة في مواجهة أصحابه المقاومين له والمستهزئين به، وقد امتدح فضيلة الصبر أو طول الأناة.

v     يمكن للشخص أن يكتشف خلال التعقل بطريقة عميقة أن الصبر هو أساس الفضائل.

خلال الصبر صار إبراهيم أبًا للأمم (تك ١٧: ٥؛ ابن سيراخ ٤٤: ٢٠؛ رو٤: ١٧)، وصديق الله (يع ٢: ٢٣).

بالصبر إسحق الذي على مثال الابن الوحيد صار ذبيحة (تك٢٢: ٢).

وبالصبر أيضًا حمل يعقوب عصا كصليبٍ (تك٣٢: ١٠؛ عب١١: ٢١)؛ وذاك الذي هرب (تك٢٧: ٣٤) جعله الصبر يعود مملوء غنىً (تك ٣٢: ٢٢-٢٣).

بمثل هذا الصبر أيضًا جاهد أيوب ورفع لواء النصرة. بالرغم من أن خصومه كانوا كثيرين وأصحاب سطوةٍ. ومع أنه كان عاريًا تمامًا، بدا كإنسانٍ مسَلَّح، مهوب أمام مصارعيه. وجد أيوب نفسه مطروحًا أرضًا، والذين أرادوا أن يخلقوا عقبات (الشياطين) كانوا يطوفون حوله في الهواء (أف ٢: ٢). الذين سبوه ارتدوا الأرجوان، أما هو فارتدى القروح. لكن قوات السماوات حسبته بهيًا...

الفقراء يمجدونه؛ والأغنياء يخدمونه، وكل الأجيال ركزت أنظارها على أيوب كانعكاسٍ للبرّ.

أية حاجة إلى كلامٍ كثيرٍ عنه؟ أتريد أن تتعلم قوة الصبر القائم في أيوب؟

كان يوجد ثلاثة أصدقاء يسبونه، كانوا أصحاء جسديًا، مفعمين بالحيوية بسبب فيض بركاتهم الزمنية. وإذ كانوا يتعبون من الكلام كان كل منهم يستريح بالتناوب. أما عن أيوب فكان وحده جسمه مُغطى بالقروح، حزين النفس. باحتماله، غلب هؤلاء الأقوياء، وبصبره، هدأ من الثرثرة الملتهبة المهذارة للذين يهينونه معتمدين باطلاً على ثرثرتهم.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     تردد الكنيسة كلمات المرتل داود: "يحرث الخطاة على ظهري" (مز ١٢٩: ٣). يُقصد بذلك بينما تصبر الكنيسة على الهراطقة أو المفقودين من كل نوعٍ هؤلاء الذين تستطيع أن تصلحهم، تحمل على ظهرها أعمال الذين يرتكبون الإثم. هكذا إذ رأى الطوباوي أيوب صديقه أليفاز يقدم شكاوى كثيرة ضده متهمًا إياه بالرياء انسحق في مرارة النقد، مظهرًا إياه معزٍ زائفٍ. بطول أناته صار أيوب رمزًا للكنيسة التي بوجهٍ عامٍ تحتمل مثل هذه الأمور...

الآن بهذه الإجابة يشير الطوباوي أيوب إلى عصر الكنيسة، عندما يُنظر إليها بسبب ضغط خصومها أنها صارت مُلقاة على الأرض بسلطانهم المؤقت. لذلك قيل: "معزون متعبون كلكم" (أي 16: ٢)، سواء كانوا هراطقة أو من الأشرار، متطلعة إلى الأتعاب الصالحة في المحنة. عندما يقصدون أن يعزوها يثيرون أمورًا خاطئة في أذهانهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     اشرب الاستهزاء بشغفٍ (طواعية) كأنه ماء الحياة. اشربه من كل إنسان أيا كان، كما ممن يريد أن يسقيك دواء مطهرًا، يخلصك من الزنا. حينئذ يشرق كوكب طهارة عميقة في نفسك، ولن ينطفئ سراج الله بعد من قلبك[759].

القديس يوحنا الدرجي

"هَلْ مِنْ نِهَايَةٍ لِكَلاَمٍ فَارِغٍ؟

أَوْ مَاذَا يُهَيِّجُكَ حَتَّى تُجَاوِبَ؟" [3]

شعر أيوب أنهم يدورون في حلقة مفرغة، فليس لهم إلا كثرة الكلام الذي بلا هدفٍ واضحٍ، ليس فيه من جديدٍ نافعٍ. ولعله حسب كلامهم نكبة كسائر النكبات التي حلت به، إن لم تزد عن كل النكبات السابقة. شعر أن أصدقاءه يهيجون عليه بلا سبب، ويسيئون إليه بلا نفع لهم.

v     "هل من نهاية لكلامٍ فارغٍ؟" إنه كلام فارغ ذاك الذي يخدم زهوًا وقتيًا، وليس غايته البرّ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

إذ يفقد الإنسان الحب الحقيقي يعاني قلبه من الفراغ، فلا يمارس الصداقة المخلصة، إنما يسلك في سلبيةٍ تامة، متجاهلاً أصدقائه المتألمين، أو يجد الكثير من العلل لاتهامهم بالشر، وعوض تعزيتهم يسَّفه من شخصياتهم وتصرفاتهم. هكذا كان أصدقاء أيوب في صمتهم كما في كلماتهم!

فقدان الحب يحرم الإنسان من تقديس عطيتي الصمت والكلام. فإن صمت لا يحمل صمته حبًا بل تجاهلاً لمن هم حوله، وإن تكلم ينطق بالباطل، ويحطم نفسه ونفوس الغير.

يحذرنا الكتاب المقدس من اللغو الباطل كما من الصمت الباطل، حتى متى تقدسنا يتقدس صمتنا كما كلامنا، فيكون للكلام وقت وللسكوت وقت، ويعمل كلاهما لبنيان الإنسان ولتعزية اخوته كما لمجد الله.

"الكلام في غير وقته كالغناء في النوح" (سيراخ 22: 6).

"كثرة الكلام لا تخلو من معصية، أما الضابط شفتيه فعاقل" (أم 10: 19).

"الجاهل يكثر الكلام، لا يعلم إنسان ما يكون وماذا يصير بعده من يخبره" (جا 10: 14).

"الكثير الكلام يمقت، والمتسلط جورًا يبغض" (سيراخ 20: 8)

"لا تعّود فاك فحش الكلام، فإن ذلك لا يخلو من خطية" (سيراخ 23: 17).

"في الكلام كرامة وهوان، ولسان الإنسان تهلكته" (سيراخ 5: 15).

"الحكيم في الكلام يشتهر، والإنسان الفطن يرضي العظماء" (سيراخ 20: 29)

"الكلام الحسن شهد عسل، حلو للنفس، وشفاء للعظام" (أم 16: 24).

"لا تمتنع من الكلام في وقت الخلاص، ولا تكتم حكمتك إذا جمل إبداؤها" (سيراخ 4: 28).

"لا تكثر الكلام مع الجاهل، ولا تخالط الغبي" (سيراخ 22: 14).

v     العاقل هو من يسعى في إرضاء الله، ويُكثر من الصمت، وإن تكلم يتكلم قليلاً، ينطق بما هو ضروري ومرضى لله[760].

v     في الصمت ترى عقلك، ولكن عندما تستخدم عقلك، فإنك تتكلم في داخل نفسك. لأنه أثناء الصمت يلد العقل الكلمة، وكلمة الشكر التي تُقدم لله هي خلاص الإنسان[761].

v     من يتكلم بغباءٍ ليس له عقل، إذ يتكلم دون أن يفكر في كل الأمور. لذلك امتحن ما هو مفيد لك، لأجل خلاص نفسك، لكي تفعله[762].

القديس أنبا أنطونيوس الكبير

v     لا يقدر العقل أن يتحرر من التغير (الطبيعي) في كل الأشياء إذا لم يخرج من دائرة ذاته، ويجعل له مكانًا في الصمت، الذي هو أسمى من الفكر[763].

v     لا يقدر العقل أن يصمت ما لم يصمت الجسد، ولا يمكن للحائط الفاصل بينهما أن يتحطم إلا بالصمت والصلاة[764].

القديس مرقس الناسك

في رسالة لمار فيلوكسينوس إلى الرهبان الآمديين، كتبها من منفاه، حثًّهم فيها على الجهاد من أجل الإيمان المستقيم وعدم الصمت عن الشهادة للحق، جاء فيها:

[الراهب الذي يسكت عن الإيمان رياءً، لا يعرف الله.

الراهب الذي يفتر عن الغيرة حياءً من السلطان، لا يعرف المسيح.

الراهب الذي يكون مع كل أحد مثله (يتلوّن ويجاري كل واحدٍ) رياءً، يلبس وجه شيطان.

الراهب الذي يلبس المسيح ويصمت عن الحق، فإن لباسه هو برص جيحزى.

الراهب الذي تفتقده النعمة ويسكت عن الإيمان، فسيُسد فمه في اليوم الأخير مثل لجيؤن الشياطين.]

"أَنَا أَيْضًا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَكَلَّمَ مِثْلَكُمْ،

لَوْ كَانَتْ أَنْفُسُكُمْ مَكَانَ نَفْسِي،

وَأَنْ أَسْرُدَ عَلَيْكُمْ أَقْوَالاً، وَأَهُزَّ رَأْسِي إِلَيْكُمْ". [4]

ماذا يشتهي أيوب البار لأصدقائه؟ هل حمل كراهية وبغضة، وفي ضيق نفسه طلب أن يحل بهم ما حلّ به، ويأخذ موقف المعزي؟

هل يشتهي أن يسخر بهم في تجاربهم، فيهز رأسه في استخفاف بهم، لأن هز الرأس في الشرق هو علامة الاحتقار (إش 22:37، إر 16:18، مت 39:27)؟

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن ما يتحدث به أيوب إنما هو صلاة تصدر عن إنسانٍ محبٍ، يعلم أنهم لن يتعلموا الحب العملي إلا بدخولهم في خبرة الضيق والتجارب. فالدافع ليس تدميرهم، بل خلال الضيق الخارجي تُصلح قلوبهم وأعماقهم الداخلية.

أما أنه يسرد أقوالاً في الهواء (باطلة) ويسخر بهم بهز رأسه، فهذا ما لا يقبله أيوب، ولا فعله حين رجعوا إليه يطلبون الصلاة وتقديم الذبائح عنهم. ما ينطق به هنا إنما لتوبيخهم ومراجعة أنفسهم، ليدركوا أنهم ينطقون بكلمات جوفاء، ويسخرون من إنسانٍ متألمٍ! كأنه يقول لهم: يليق بكم أن تفعلوا ما تريدون أن يفعله الآخرون بكم.

هذا وإذ يمثل أيوب الكنيسة المتألمة فإنها في محبتها لخلاص الأشرار تطلب أن تمتد عصا الرب للتأديب وليس للانتقام، حتى يتعلموا من الأحزان في الخارج كيف يتمتعون بالحب الداخلي.

v     يقول: "آه، ماذا لو كانت أنفسكم مكان نفسي. وأن أريحكم بكلماتٍ، وأنغص رأسي إليكم، وأحرك شفتي لراحتكم" (أي 16: ٤-٥). أحيانًا توجد ضرورة بالنسبة للأذهان الشريرة العاجزة عن الإصلاح بكرازة إنسان أن تُضرب من الله. هذا ما يطلبه الكارز (أيوب) لهم للترفق بهم. فإنه إذ يحدث هذا عن غيرةٍ عظيمةٍ للحب، واضح أنه لا يطلب لهم ذلك كعقوبةٍ، وإنما لإصلاح المخطئين، فيكون ذلك صلاة من أجلهم، وليست لعنة ضدهم.

يظهر أيوب الطوباوي في هذه الكلمات أنه يهدف إلى هذا: أصدقاؤه الذين لم يعرفوا أن يتعاطفوا معه بالحب في حزنه، يلزمهم أن يتعلموا بالخبرة كيف يجب أن يترفقوا في أحزان الغير، وبهذا يعيشون في حالة داخلية أفضل، مدركين شيئًا عن الضعف الخارجي...

الآن نحن نعزي الأشرار بسقوطهم تحت العصا، عندما نشير إلى الحزن الخارجي لتشييد صحة داخلية فيهم. ونحرك رؤوسنا عندما يميل عقلنا – الجزء القائد فينا – نحو الحنو. ونسندهم وسط ضربات المحن عندما نخفف من قوة حزنهم بكلماتٍ رقيقة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يليق بالكنيسة المحبة لكل البشر أن تمارس أحيانًا التوبيخ، وتطلب من الرب التأديب لأجل خلاص الساقطين، وليس لهلاكهم.

v     يحتمل الله كل ضعفات البشر، لكنه لن يسمح بترك الإنسان الدائم التذمر بدون تأديب[765].

v     صديق ينتهر آخر سرًا هو طبيب حكيم، أما من يريد أن يشفي أمام عيون كثيرين ففي الحقيقة هو شتَّام... الإنسان البار يتشبه بالله، لن يؤدب إنسانًا للثأر والانتقام من شره، بل ليصلحه أو لكي يخاف الآخرون[766].

 القديس مار اسحق السرياني

"لأن الوصية مصباح، والشريعة نور، وتوبيخات الأدب طريق الحياة" (أم 6: 23).

"من يحب التأديب يحب المعرفة، ومن يبغض التوبيخ فهو بليد" (أم 12: 1).

"فقر وهوان لمن يرفض التأديب، ومن يلاحظ التوبيخ يكرم" (أم 13: 18).

"الأحمق يستهين بتأديب أبيه، أما مراعي التوبيخ فيُذكى" (أم 15: 5).

"الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكماء" (أم 15: 31).

"من يرفض التأديب يرذل نفسه، ومن يسمع للتوبيخ يقتني فهمًا" (أم 15: 32).

"التوبيخ الظاهر خير من الحب المستتر" (أم 27: 5).

"العصا والتوبيخ يعطيان حكمة، والصبي المطلق إلى هواه يُخجل أمه" (أم 29: 15).

"من مقت التوبيخ فهو في أثر الخاطئ، ومن اتقى الرب يتوب بقلبه" (سيراخ 21: 7).

"الإنسان الخاطئ يجانب التوبيخ، ويجد حججًا توافق مبتغاه" (سيراخ 32: 21).

"بَلْ كُنْتُ أُشَدِّدُكُمْ بِفَمِي،

وَتَعْزِيَةُ شَفَتَيَّ تُمْسِكُكُمْ". [5]

في صراحة تحدث أيوب مع أصدقائه أنهم حتى على المستوى الاجتماعي العادي لم يراعوا أبسط قواعد الصداقة. وأنه لو حدث تبادل في المواقف لكان يمكنه أن يفعل معهم ما فعلوه معه، وهو تقديمه تعزيات بالفم واللسان والتظاهر بكلمات الحكمة دون مشاركة المشاعر الصادقة. وكأنه يطالبهم أن يبادلوه موقفه ولو إلى برهة حتى يشعروا بالسهام التي يصوبونها ضده بكلمات تعزية فارغة.

كان يليق بهم أن يجبروا عظامه المكسورة بكلماتهم اللينة مع قلب محبٍ، لا أن يكسروا عظامه بعنف قلوبهم. يقول إشعياء النبي: "أعطاني السيد الرب لسان المتعلمين لأعرف أن أغيث المعيي بكلمة" (إش 50: 4). فالذي انهار وصار مريضًا جدًا يحتاج إلى دهن طيب يسنده، لا إلى كلمات لاذعة تحطمه بالأكثر.

2. مرثاته لحاله

سبق أن أشرت إلى أن مرثاته لحاله حملت نبوات رائعة عن السيد المسيح المتألم كوسيطٍ وشفيعٍ كفاريٍ عنا أمام الآب. وفي نفس الوقت يمثل الكنيسة المتألمة المشاركة لمسيحها آلامه وصلبه من الذين في الخارج، كما من الهراطقة المقاومين للحق الإلهي.

"إِنْ تَكَلَّمْتُ، لَمْ تَمْتَنِعْ كَآبَتِي.

وَإِنْ سَكَتُّ، فَمَاذَا يَذْهَبُ عَنِّي؟" [6]

صار أيوب في حيرة، إن تكلم فما نفع كلماته مع أناسٍ قساةٍ لا يراعون مشاعره، وإن صمت، فهل يُبطل الصمت مرارة نفسه. إن سكب شكواه أُتهم بالتذمر وأسيء فهمه، فيزداد حزنه. وإن صمت أُتهم بالكآبة. إن دافع عن نفسه حسبوه متمسكًا بالبرّ الذاتي، وإن سكت حسبوه شريرًا يستحق تأديبًا أعظم!

الإنسان الجاد في حياته الذي يطلب خلاص نفسه، ينتفع من كلمات أولاد الله، كما ينتفع من صمتهم. إن تكلموا يتقبل الكلمات بروح الله لأجل بنيانه، وإن صمتوا يتلامس مع تأملاتهم الداخلية وتمتعهم بالحياة السماوية. أما الذي في استهتار أو في إصرار لا يطلب الحق ولا الحياة الأبدية، فيتعثر من كلمات الأبرار، وأيضًا من صمتهم.

لقد عبَّر أيوب عن موقف السيد المسيح، الذي إن تكلم بالحق الإلهي أُتهم أنه مجدف (مت 26: 65)، وإن صمت على الصليب قالوا: "خلص آخرين، وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها" (مت 27: 42). كانت نفسه حزينة حتى الموت، ليس من أجل الألم، وإنما لأجل مرارة الخطية التي حملها عنا ليقتلها بموته.

إن كانت نفس السيد المسيح حزينة، تبقى الكنيسة عروسه تئن كل أيام غربتها حتى يكمل المختارون جهادهم، ويتمتع المؤمنون بشركة الأمجاد في مجيء الرب الأخير.

v     "ماذا أفعل؟ إن تكلمت لا تُنزع عني كآبتي، وإن احتملت (في صمت) فلا تفارقني"... ليس من أحدٍ يجهل أن هذا ينطبق على شخص أيوب الطوباوي،. أما بالنسبة للكنيسة الجامعة، فإنها عندما تتكلم "لا يتوقف حزنها"، إذ لا ترى الأشرار ينصلحون بكلماتها. وإن صمتت فإن موقفها نفسه بالصمت يحزنها بالأكثر، إذ وهي صامتة ترى خطية الأشرار تتزايد متعالية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     صالح لكم الاضطهاد، لأن محبة الصليب غنية فيكم. عزيزة عليكم العذابات، لأن نار محبة ذاك الذي ألقى ناره في العالم (لو 12: 49) مضطرمة فيكم. جهادكم عجيب، لأن مضطهديكم أشرار. معركتكم مليئة عجبًا، لأن أعداءكم ألداء. لو اضطهدكم الوثنيون لكان مسوغًا لآلامكم وراحة لعذاباتكم، لكن الآن يصطف اليهود أعداء الصليب ضدكم. آلامكم أسمى من أية آلام. وإكليلكم أكثر انتصارًا من أي إكليل...

عظيم هو جمال من تكثر آلامه. وهكذا يصير الإكليل جميلاً بقدر قسوة الضيق. فالروح المعزي الذي يجعلكم حكماء يعرف أن يتكلم فيكم، ويقول: "آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا" (رو 8: 18). إن ضيق زمن قصير، يقربكم لتحفظوا الحياة الدائمة التي لا نهاية لها، وعندما تموتون عن العالم تظهرون بالموت الحياة مع المسيح.

من لا يشتهي أن يجني الحياة الأبدية من ضيقات الزمان؟

العالم ينحل ويذبل جماله، ويترك غناه، وتزول سلطته ويُرذل بهاؤه، وتبطل مرتبته، وتنتهي حياته، وتتغير أشكاله، ويتناثر كالورد، ويذبل كالزهر، ويهرب كالظل، ويُطوى ويسرع كالعجلة، وتزول معه كل الأمور التي تجري فيه، إن كانت الراحة أو العذاب، الكرامة أو الإهانة؛ كل خواصه تظل معه ومثله. ضيقاته لا تطول، وراحته ليست حقيقية[767].

القديس مار يعقوب السروجي

"إِنَّهُ الآنَ ضَجَّرَنِي.

خَرَّبْتَ كُلَّ جَمَاعَتِي". [7]

إذ شعر أيوب بعدم صدق نية أصدقائه، في مرارة أعلن لهم ارتباكه، فهو يعلم أن ما قد حلّ به هو بسماح من الله، فصار في ضجرٍ وارتباكٍ.

لقد ضجر من عدم قدرته على أخذ القرار السليم: أيتكلم أم يصمت؟ وضجر أيوب من أصدقائه كما من حياته نفسها. أما ما أضاف إليه أحزانًا، فهو خراب كل جماعته. أبناؤه وخدمه ماتوا، والعاملون معه تشتتوا، والأصدقاء صاروا مقاومين له، شامتين ببليته.

"قَبَضْتَ عَلَيَّ.

وُجِدَ شَاهِدٌ.

قَامَ عَلَيَّ هُزَالِي يُجَاوِبُ فِي وَجْهِي". [8]

يرى بعض الآباء أن أيوب وهو رمز للسيد المسيح يرى في كل ما حلّ به إنما ظلال لما سيحل بالسيد المسيح. فإن كانوا قد اجتمعوا على أيوب لتحطيمه، فإن قوات الظلمة تكاتفت ضد السيد المسيح، وأبناء الظلمة قبضوا عليه لصلبه، وللأسف قام أحد تلاميذه بتسليمه.

صار أيوب كمن قُبض عليه في أسرٍ مريرٍ، وصار في هزالٍ شديدٍ حيث بلي لحمه بسبب القروح التي ملأت كل جسمه، صار هزاله موضوع حديث يُعلن على وجهه، بمعنى أن ملامحه تشهد لما بلغه من هزال.

يترجم البعض هذه العبارة: "ملأتني تجعيدات، وهذا شاهد علي، وهزالي قام علي ليشهد لوجهي". صار وجهه كله تجعيدات لا بسبب تقدم السن، بل بسبب شدة الأمراض. منظر وجهه يشهد بأنه لم يشكُ من فراغ وبلا مبررٍ.

v     يبرهن أيوب أنه اقتنى ربحًا عظيمًا من هجوم المقاتل (الشيطان)، إذ لم يعرف الأخير أن أيوب يُكَلَل بذات الوسائل التي يظن أنه يخدعه بها. لذلك يقول أيوب: "إذ قبضت عليّ، صرت شاهدًا ضدي" (أي 16: 8). فالعدو لم يقبض فقط على خيرات أيوب وأبنائه وبناته، بل قبض أيضًا على أيوب في شخصه، حيث أن المفتري أمسك به ليصارع معه ويغتصبه.

هذه شهادة ضد البار، حُملت بدقة بواسطة الأعداء. ولهذا فبعد فترة قصيرة من هذه المعارك قدم الله تلك الأفكار لأيوب: تظن إني أتحدث معك بطريقٍ آخر... لكنني سأظهر برّك، ستظهر كحامل الله. في كل الأحوال هذه الشرور أيضًا تحمل شهادة لصالح أيوب.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

ما حدث لأيوب كرمزٍ تحقق في شخص السيد المسيح. وما حدث مع السيد المسيح، إنما فتح الباب لكنيسته كي تشاركه آلامه وصلبه. لقد سّلم يهوذا الخائن سيده، أما بالنسبة للكنيسة فيبقى ضد المسيح الكذاب يهاجمها خفية حتى يظهر في أواخر الدهور لمقاومتها علنًا في وجهها.

إنها حرب دائمة بين الله وإبليس، أو بين مملكة الظلمة ومملكة النور. في القديم قام أصدقاء أيوب بتمثيل مملكة الظلمة، وفي أيام السيد المسيح ظهرت بشاعتها في التلميذ الخائن المتكاتف مع المقاومين، وبعد صعود السيد المسيح إلى السماء يقاومها أعداء المسيح الكثيرون إلى يوم ظهور ضد المسيح علانية في معركة حاسمة ومُرة.

v     "قام عليّ هزالي (باطلي)". يتحدث أيوب عن يهوذا، فقد كان تلميذ السيد (لو ١٤: ٢٦، ٢٧، ٣٣) ورسوله، لكنه وُجد كذَّابًا (باطلاً يو١٢: ٦)، وخائنًا (لو٦: ١٦).

v     "يجاوب (يتحدى) في وجهي". عندما قلت لتلاميذي: "الحق الحق أقول لكم إن واحدًا منكم سيسلمني" (يو ١٣: ٢١). تجاسر فقال في وجهي في غير خجل: "هل أنا هو يا سيدي؟" (مت ٢٦: ٢٥)

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     سيحارب الشيطان عدونا وخصمنا لكي يحفظنا في قبضته. من سيهرب منه؟ ذاك الذي يفهم ما قيل عن الفقير والمحتاج: "الرب يخلصه في يوم الشر" (مز 1:41)[768].

 القديس جيروم

v     لا يشعل العدو الحرب ضدنا مباشرة علنًا، بل خلال حيله. ما هي حيل إبليس؟ إنها تكمن في محاولة أسرنا أحيانًا بطرق مختصرة، ولكنه دائمًا يستخدم الخداع... لا يضع العدو التجارب مكشوفة أمامنا. إنه لا ينادي بعبادة الأوثان علانية، لكن خلال خداعاته الحربية يقدم الفرص للعبادة الوثنية، وبالإغراء بالكلام مستخدمًا مهاراته[769].

 القديس يوحنا ذهبي الفم

v      في المعارك العادية لا يقوم القادة بتسليح النساء أو الأطفال أو الشيوخ، أما قائدنا الرب المسيح، فيوزع هذا السلاح الملوكي (الذي هو اقتناء المسيح نفسه) على الكل بالتساوي. عندئذ يعلمهم حيل إبليس العسكرية[770].

 الأب ثيؤدورت

v     كل قصة (من قصص معارك العهد القديم) تتضمن نوعًا من النصرة والغلبة على قوات الشيطان الروحية[771].

 العلامة أوريجينوس

v     "قام عليّ الكذاب، ضد وجهي يقاومني[772]". حتى في وقت سلامها تخضع الكنيسة المقدسة للكذاب، إذ أن كثيرين لا يؤمنون بالوعد بالحياة الأبدية، وباطلاً يدعون أنهم مؤمنون. وإذ لا يستطيعون مقاومة كرازتها علانية تتعرض للكذاب من ظهرها وليس أمام وجهها. وإذ يندلع وقت الشر (أيام ضد المسيح)، فإن ذاك الذي يستخف بالكنيسة يقف بإدراك كامل مقاومًا إياها في وجهها، مستخدمًا عبارات صريحة بكلماتٍ يقتبسها من الإيمان الحق.

لكن يجب أن نتحقق أننا إذ نواجه مثل هذه الأمور من أيدي أناس جسدانيين هؤلاء الذين يقتلوننا بعنفٍ، فإنهم ليسوا في عنف الروح الشرير الذي يسود أذهانهم، كقول بولس: "فإن مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ، بل مع الرؤساء مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر" (أف ٦: ١٢).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     ضُرب المخلص العظيم بالمقارع، وبالحكم الصادر من الحاكم خرج ليصلب!

أتى إلى خاصته، وخاصته لم تقبله، بل أخرجوه بالهزء من عندهم!

خرج ليموت مع الأثمة بغير زلةٍ، حينئذ ندم يهوذا - السراج الذي انطفأ من بين أصحابه - وخزي من الفعل الشرير الذي صنعه.

الذي أسلمه رد الفضة للذين امسكوه حيث ازدرى بنفسه، واعترف أنه أسلمه بالشر... وأيضًا هرب الصالبون كأنهم غير قريبين، وقالوا: ما علينا أنت تعرف.

الدم الزكي طرح الرعب على من سفكوه، وبدأوا يرتعبون ويرتعشون منه قبل أن يهرقوه!

القديس مار يعقوب السروجي

"غَضَبُهُ افْتَرَسَنِي وَاضْطَهَدَنِي.

حَرَّقَ عَلَيَّ أَسْنَانَهُ.

عَدُوِّي يُحَدِّدُ عَيْنَيْهِ عَلَيَّ". [9]

من هو هذا العدو الذي يفترسه بغضبه عليه؟ هل أليفاز ومن معه الذين سحقوه باتهاماتهم ضده ظلمًا؟ أو هل الشيطان الذي لن يستريح براحة إنسان يعبد الله بالحق، فيثير الأشرار عليه؟

يرى البعض أنه في ضعفه يرى عدوه هو الله نفسه الذي سمح له بالتجارب القاسية، والتي لا يعرف أيوب علةً لذلك. إن كان "غضب الملك رسل الموت" (أم 16: 14)، فماذا يكون غضب ملك الملوك؟ لكن واضح من سياق الحديث أنه لا يُقصد ذلك.

v     "جمع غضبه ضدي، وهددني، وصرّ أسنانه علىّ، تطلع إلىّ عدوي بعينين مرهبتين" (أي 16: ٩ LXX). من هم الأشرار إلاَّ أعضاء الشيطان؟ لذلك يعمل هو بهم بما يضعه في قلوبهم ويلتزمون به. فالشيطان حتى الآن يضمر غضبًا على الكنيسة المقدسة، لكن غضبه يتشتت، لذا يضع تجاربه الخفية خلال وكالة أفراده...

أسنان هذا العدو هم المضطهدون ومنفذو العذابات على الصالحين، الذين يشوهون أعضاء الكنيسة عندما يصبون المحن على مختاريها باضطهاداتهم لهم. أما عينا هذا العدو فهم الذين يخططون ما هو لضررها للتنفيذ، وبمشورتهم يلقون ضوءً على قسوة مضطهديها. لذلك فإن عدوها القديم يصر بأسنانه عليها، مادام يصطاد خلال أبناء الهلاك القساة حياة الصالحين فيها. يتطلع عليها بعينين مرهبتين، وذلك خلال مشورات الأشرار. فلا يكف عن أن يضع خططًا للمحن لكي يعذبها أكثر فأكثر. وكما أن الحق المتجسد (السيد المسيح) في كرازته اختار أشخاصًا فقراء من العامة وبسطاء، فمن الجانب الآخر الملاك المرتد، الإنسان الملعون، سيختار في نهاية العالم للكرازة ببطلانه ماكرين وملتوين لهم معرفة هذا العالم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     انظروا كيف كانت الأمة اليهودية زانية!

احتقرت أباها وأبغضته من سيناء، ولما تجسد ابنه لخلاصها أمسكته ووضعته على الصليب، ووقفت ترقص وتضحك وتزدري وتهزأ.

تعال يا موسى، أنظر العروس التي أخرجتها من مصر، ماذا تعمل بعريسها الطاهر!

تعال، انظر الوليمة التي وضعتها أمامه. أحضرت المر، مزجت الخل، استلت السيف. عوض المن أعطته الخل. عوض المياه المرة التي جعلها لها حلوة، وضعت له المر في المياه الحلوة.

الكرمة المختارة صنعت عنبًا رديئًا.

القديس مار يعقوب السروجي

"فَغَرُوا عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ.

لَطَمُونِي عَلَى فَكِّي تَعْيِيرًا.

تَعَاوَنُوا عَلَيَّ جَمِيعًا. [10]

أما بالنسبة للسيد المسيح الذي تكاتفت كل قوى الشر ضده، فقد قيل عنه: "فغروا عَليّ أفواههم" (مز 22: 13)، كما قيل: "يضربون قاضي إسرائيل بقضيب على خده" (مي 5: 1)، وقد تحقق ذلك حرفيًا (متى 26: 27).

v     "لطموني على خدي، كملوا ملء عقوباتي[773]" (أي 16: 10)... هكذا يلطم الأشرار خد الكنيسة المقدسة عندما يضطهدون الكارزين الصالحين.

يظن الخطاة المفقودون أنهم يمارسون عملاً عظيمًا حين يضعون نهاية لحياة الكارزين.

بعد اللطم على الخد لاق القول: "كملوا ملء عقوباتي"، فإن هذه العقوبات تكمل شبعهم، هذه التي تؤدب ذهن الكنيسة بطريقة خاصة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     حجبوا عينيه واستهزأوا به، ولكموه، وقالوا له: تنبأ لنا من الذي ضربك!

لطموا بالقصبة الرأس المرتفع، فارتعبت الملائكة!

بهذه الأمور الفاسدة الشريرة كافئوه بجنون!...

صاروا في جنون ليحجبوا وجه شمس البرّ، لئلا يُشرق، فينظر العالم فسادهم.

حجبت العروس الجاهلة العريس، لئلا ينظر فجورها وفسادها.

حجبوا الطبيب، لئلا يضمد جراحاتهم ويشفيهم!

أنظر في المسيح، كم احتمل من الأثمة؟!

ذاك الجاهل كيف تجاسر وتفل في وجهه!

كيف تجاسرت أيها اللسان أن تنضح بالبصاق؟!...

كيف احتملتِ أيتها الأرض هزء الابن؟!...

نظرة مخوفة، مملوءة دهشًا، أن ينظر الإنسان الشمع قائمًا ويتفل في وجه اللهيب...

وهذا أيضًا من أجل آدم حدث، لأنه كان مستحقًا البصاق لأنه زل! وعوض العبد قام السيد يقبل الجميع!

قدم وجهه ليستقبل البصاق، لأنه وعد في إشعياء أنه لا يرد وجهه عن احتمال خزي البصاق!...

شفق سيد (آدم) على ضعفه، ودخل هو يقبل الخزي عوضًا عنه!

القديس مار يعقوب السروجي

"دَفَعَنِيَ اللهُ إِلَى الظَّالِمِ،

وَفِي أَيْدِي الأَشْرَارِ طَرَحَنِي". [11]

لم يكن للأشرار سلطان على ربنا يسوع المسيح، لكنه إذ قبل أن يكون ذبيحة إثم عن العالم، حبًا في البشرية وطاعة للآب محب البشر، أُعطاهم سلطانًا من فوق (يو 19: 11).

هكذا كانت تطلعات أيوب البار، كان يحسب أن كل حياته في يد الرب، حتى ما يصيبه من الأشرار إنما بسماح من الله، لذا يقول: "دفعني الله إلى الظالم". بنفس الروح عندما سبّ شمعي داود النبي حسب ذلك من قبل الله (2 صم 16: 5-13).

يستخدم الله حتى الأشرار مع تمتعهم بكامل حريتهم ليكونوا سيفًا ضد الأشرار اخوتهم، أو لتأديب أولاده (إش 10: 5) أو تزكيتهم.

v     يقول أيوب إن هذا يتم بواسطة "الله". واضح أنه يقصد الآب، لأن الابن الوحيد خضع لهذه (الآلام)، ليس فقط بكامل إرادته، بل وأيضًا حسب إرادة أبيه، لأن إرادة الآب والابن واحدة، إذ يريد أن يتمم عمله العجيب لأجلنا، ويتألم لأجل خلاصنا. حسنًا! لنقارن كلمات أيوب هنا بكلمات المخلص...

"دفعني الرب إلى الظالم"، أي إلى قيافا، هذا الذي استجوبه قائلاً: "استحلفك بالله الحيّ أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله" (مت ٢٦: ٦٣). وقد نال إجابة لم يكن يستحقها، ولكن من أجل أنه استحلفه سمع هذه الإجابة على سؤاله: "من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا على سحاب السماء" (مت ٢٦: ٦٤)، فمزق قيافا ثوبه كمن هو أمام مجدفٍ.

"وفي أيدي الأشرار طرحني"، أي في حضور قيافا وقادة اليهود الآخرين. إذ كيف لا يكونون أشرارًا، هؤلاء الذين صرخوا لبيلاطس: "خذ هذا (للموت)، وأطلق لنا باراباس، هذا الذي طُرح في السجن لأجل فتنةٍ حدثت في المدينة، وقُتلٍ" (لو ١٣: ١٨-١٩).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

"كُنْتُ مُسْتَرِيحًا فَزَعْزَعَنِي،

وَأَمْسَكَ بِقَفَايَ فَحَطَّمَنِي،

وَنَصَبَنِي لَهُ هَدَفًا". [12]

كان أيوب مستريحًا في تمتعه بخيرات الرب الزمنية له قبل التجربة، لكنه في وسط التجربة شعر أن كل ما يحدث له ليس جزافًا، ولا هي أحداث عارضة. إنما كأن الله قد زعزعه، وأمسك بعنقه، كما يمسك الأب ابنه في ثورته. كأنه اختاره من بين كل البشرية لينصبه غرضًا أو هدفًا له يُوجه إليه كل سهامه، كأن الله قد أفرزه لهذا الهدف.

v     "حين كنت مستريحًا زعزعني، وأمسك بشعري واقتلعه" (LXX). بحق يمكن القول بأن السيد المسيح يدعو رسله "شعره" ماداموا زينة الرأس، فقد كان معهم هو في سلام. لكنهم إذ تركوا المسيح بسبب الآلام، تشتت التلاميذ، ولهذا قال أيوب هذه العبارة. كيف تحقق ذلك؟ قال المسيح نفسه لتلاميذه: "كلكم تشكُّون فيَّ في هذه الليلة" (مت ٢٦: ٣١)... أضاف يسوع بعد ذلك: "لأنه مكتوب: إني أضرب الراعي، فتتبدد خراف الرعية" (مت ٢٦: ٣١؛ زك ١٣: ١٧).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     نحن ننظر ونتعجب بالظافر الذي وقف في المحكمة. ابن الأحرار الذي لُطم على خده،

الشمس الذي احتضن العمود (الذي رُبط السيد حوله ليُجلد)،

النار التي تُجلد بالسياط (مت 27: 26)،

النور الذي تحتقره الظلمة (يو 8: 12؛ 1: 5)،

رب جبرائيل الذي ضربه عبد قيافا (يو 18: 22)،

شبل الأسد الذي تنهشه الثعالب الحقيرة (هو 5: 14).

البحر الكبير الذي يحكم عليه التراب.

المخوف الذي على الكاروبيم ركب شجرة الصليب.

واهب السوسن المجد، والورود الألوان المتنوعة (مت 6: 28)، معلق عاريًا في عارٍ.

غارس الفردوس يُعطى له الخل والمرارة (تك 2: 8؛ مت 27: 34).

اللهيب يُطعن بالحربة (يو 19: 34).

مكلل الشمس بالأشعة وُضع على رأسه إكليل شوك (مت 27: 29)[774].

القديس مار يعقوب السروجي

"أَحَاطَتْ بِي رُمَاةُ سِهَامِهِ.

شَقَّ كُلْيَتَيَّ، وَلَمْ يُشْفِقْ.

سَفَكَ مَرَارَتِي عَلَى الأَرْضِ. [13]

حسب أيوب الذين ساهموا في حلول بلاياه أشبه برماةٍ خاصين بالله، صدر إليهم الأمر الإلهي بتصويب سهامهم نحوه. وقد جاءت السهام صائبة، بلغت إلى كليتي أيوب فشقتهما دون رحمة، كأن غاية السهام هي قتله بلا شفقة.

"سفك مرارتي على الأرض". أخذ هذا التشبيه عما يفعله الصيادون حينما يصطادون وحشًا بريًا ويذبحونه، يلقون بمرارته على الأرض في اشمئزاز. حسب نفسه قد صار بالفعل قتيلاً مُستهدفًا.

"يَقْتَحِمُنِي اقْتِحَامًا عَلَى اقْتِحَامٍ.

يَهْجِمُ عَلَيَّ كَجَبَّارٍ". [14]

لم يُصب أيوب بضربة واحدة قاضية، يموت فيستريح، لكنه أُصيب بضربات متوالية، ضربة تلو الأخرى، وجرح على جرحٍ. فمن جهة لم يسترح بموته، ولا أخذ أنفاسه بين الضربة والأخرى، بل صار يتوقع المزيد، فلا أمل من انتهاء متاعبه، أو حتى التوقف عند الحد الذي بلغ إليه.

ربما شعر كأن الله يقتحمه كجبارٍ، كما كان الملوك القساة حين يغلبون يأتون بأعضاء الأسرة الملكية المنهزمة، ويلقون بهم على الأرض، ويطأ الملك بقدمه على رقابهم، كنوِع من الاستعباد والإذلال والتشهير بهم.

يرى الأب غريغوريوس (الكبير) أن أيوب يتحدث عن عدو الخير الذي لن يتوقف عن اقتحام الكنيسة ليسلب الأعضاء الضعيفة كأسرى تحت سلطانه، فيهجم على الكنيسة كماردٍ جبارٍ. يحارب العدو الكنيسة كجماعةٍ، كما يحارب كل عضوٍ فيها بكل الوسائل الممكنة، حتى يحطم إن أمكن الكثيرين.

v     "يقتحمني اقتحامًا على اقتحامٍ". تنكسر الكنيسة المقدسة باقتحامٍ على اقتحامٍ خلال أعضائها الضعيفة، عندما تُضاف خطية على خطية، حتى يبلغ الإثم إلى درجةٍ خطيرةٍ. ينطبق هذا على من يدفعه الطمع إلى السرقة، والسرقة إلى الخداع، فيدافع عن الخطية بالكذب...

"يلتقي به مثل المارد" (LXX). يمكن مقاومة العدو بسهولة إن كان الشخص لا يوافقه، سواء من جهة الارتداد عن الإيمان أو الاستمرار فيه. ولكن إن اعتادت النفس على الخضوع إلى اقناعاته، فبقدر ما تخضع لها، يصعب عليها جدًا أن تصارع ضده في قليلٍ أو كثيرٍ.

عدونا الشرير "مثل مارد" يحارب ضدها عندما تُغلب بعادة شريرة. ولكن غالبًا ما ترد الكنيسة المقدسة أذهان المؤمنين إلى التوبة، حتى بعد ارتكاب الخطايا وتغسلها من ممارسة الخطايا بفاعلية تأديب الإنسان لنفسه باختياره.

البابا غريغوريوس (الكبير)

قدم لنا القديس مار يعقوب السروجي في رسالته (19) التي أرسلها إلى دير مار اسحق جيولا صورة حية عن مقاومة إبليس للبشرية. يقول إنه بدأ حربه بالكذب (يو 8: 44) ويود أن ينهيها بالضلال.

في الجيل الأول في جنة عدن، ألقى العداوة بين الله وصورته (آدم وحواء).

وفي الجيل السابع علَّم الإنسان الزنا، ودنّس أولاد الله (أولاد شيث الطاهر) ببنات قايين الطريد وجمالهن المزركش.

وفي الجيل العاشر امتلأت الأرض بالأثمة. أرسل الله الناموس الإلهي، يمد يد موسى كمصباحٍ ينير الأرض التي أظلمت.

وفي الجيل الرابع عشر امتلأت الأرض بعبادة الأصنام، ونُسي الله حتى في وسط شعبه. فأرسل الله إيليا النبي - موسى الثاني - ليعلن عن غيرته على مجد الله ضد الضلالة.

وفي آخر الأزمنة أرسل الله ابنه متجسدًا، وصار واحدًا منا، ليجعلنا معه ومثله، وأعطانا نفسه ليأخذنا لأبيه، ونزل إلى أسفل العمق ليرفعنا إلى قوة العلو، وتواضع غاية التواضع ليحتقر بتواضعه الأثيم ذاك الذي أراد أن يصير إلهًا بالاختلاس.

v     يشن العدو حربًا ليخرج (المرء) من شكل إلى شكل آخر. وعندما يخرجه من ذلك الشكل، يبدأ يلوم نفسه بأفكار الكآبة التي يلقيها الشيطان في عقله، فيفكر أنه أساء التصرف يوم بدّل عمله والتحق بعملٍ آخر.

إنه يقلقه في كل الفرص، وفي كل ما يعمله، لكي يستقطبه، جاذبًا إياه إلى مشوراته الماكرة والمعاكسة[775].

القديس مار يعقوب السروجي

"خِطْتُ مِسْحًا عَلَى جِلْدِي،

وَدَسَسْتُ فِي التُّرَابِ قَرْنِي". [15]

لم تعد ثيابه الفاخرة تليق بجسمه المملوء قروحًا، ولا تناسب من هو في كربٍ كهذا، لهذا خاط لنفسه مُسحًا؛ خاط المسح بنفسه، إذ لا يوجد من يشفق عليه ليخيطه له وسط آلامه الشديدة.

كان "القرن" يشير إلى السلطة والقوة؛ فداس بنفسه في التراب قرنه، علامة رفضه التام أية كرامة أو رفعة. لقد حسب أيوب أن التراب هو أفضل موضع لا للجلوس في وسطه فحسب، بل وليردم فيه كرامته وسلطانه.

v     ماذا يقصد بالمُسح والرماد سوى الندامة، والجلد والجسد سوى خطايا الجسد؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

"اِحْمَرَّ وَجْهِي مِنَ الْبُكَاءِ،

وَعَلَى هُدْبِي ظِلُّ الْمَوْت"ِ. [16]

لم يفقد أيوب الفرح فحسب، وإنما صار الوقت لائقًا أن يذرف الدموع من أجل خطاياه، ومن أجل تأديبات الرب له، وقسوة أصدقائه عليه، فصار وجهه محمرًا من البكاء، وحملت عيناه علامات الموت.

العجيب أن أيوب قد أحمر وجهه كله، وليس فقط عيناه، وذلك بالدموع الكثيرة، لكنه لم يخشَ الموت، إذ صار بلا سلطان عليه. رآه ظلاً عابرًا بعد أن قاد المسيح بنفسه عجلة الموت ليحطم بها الموت نفسه، ويهبنا قوة قيامته. هذا ما تتغنى به الكنيسة مسبحة القائم من الأموات: "بموته داس الموت!"

v     "على جفون عيني ظلال الموت" (أي 16: 16). ليس الموت بل "ظلال الموت"، لأن المخلص نائم. لهذا تنبأ الأب يعقوب عن موت المخلص من أجلنا، ناطقًا بالكلمات التالية في بركته: "من نسلي يا ابني تصعد، ترقد كأسد ومثل شبل، ومن عندئذ يوقظه؟" ( راجع تك 49: 9). فإنه ليس بمحتاج إلى أحد يوقظه، هذا الذي يقيم كل البشرية. إنما قام بنفسه بإرادته.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "جفوني أظلمت" (LXX): بحق لقبوا أولئك الذين يؤتمنون على الحراسة من أجل أمان سبل الأقدام بالجفون. ولكن لا يقدر الولاة الحارسون على فهم أحكام الله السرية، "جفون" الكنيسة المقدسة "تظلم".

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     استخفت الحياة بالموت، قائلة: "أين شوكتك يا موت؟ وأين غلبتكِ يا هاوية؟" (1 كو 15: 54-55).

في نهار الأحد فُتح لهم باب السماء الذي كان موصدًا يوم الجمعة في وجه الملائكة لئلا ينزلوا إلى الجلجثة، فأسرعوا لينحدروا بثيابهم البيض، ليستقبلوا ملكنا الذي خلص المسبيين وعاد عند أبيه.

صار القبر الجديد بيت العرس، أُنشأ في الحديقة للعريس المذبوح، الذي أعاد العروس من حرب الأعداء.

اجتمع وحضر إلى الباب الحسن الملائكة في ثيابهم البيض، والتلميذات بأطيابهن (لو 23: 56). سمعان ويوحنا يركضان بسبب الأخبار السارة (يو 20: 3-8). كليوباس وأخوه (سمعان) تنفتح أعينهما بخبز البركة لينظرا القيامة علنًا. الأصدقاء يكشفون عن وجوههم، والمبغضون يطأطئون رؤوسهم.

حنان خجل، وقيافا لا يستطيع أن يتكلم.

يهوذا مشنوق، ورؤساء المجمع يلطمون على وجوههم.

أُغلق باب الهاوية، وفُتح باب المعمودية.

نُصب الصليب في مجاري المياه.

جاء القطيع الناطق ليرتوي من المياه التي سالت من الصليب.

نظر إليه وهو لابس النور، وواقف على الينبوع، فحبل وولد على شبه منظر نوره الحسن.

لبس بياضًا ناصعًا كالنور، وجعله أبيض كالثلج...

القطيع كله أبيض، لأن الصليب كله متشح بالنور[776].

القديس مار يعقوب السروجي

v     بعد أن جاء المسيح ومات لأجل حياة العالم لم يعد ُيدعى الموت موتًا، بل نومًا ونياحًا[777].

v     أما تعرف كيف أصلح الصليب أخطاء كثيرة؟ ألم يحطم الموت، ويمسحُ الخطية، وينهى قوة الشيطان، وُيشبع كيان جسدنا الصالح؟ ألم يصلح العالم كله، ومع هذا لا تثق أنت فيه؟[778]

v     من يخبر عن أعمال الرب القديرة؟ (مز 2:105) من الموت صرنا خالدين، هل فهمتم النصرة والطريق التي بلغتها؟ تعلموا كيف اُقتنيت هذه الغلبة بدون تعب وعرق. لم تتلطخ أسلحتنا بالدماء، ولا وقفنا في خط المعركة، ولا جُرحنا، ولا رأينا المعركة، لكننا اقتنينا المعركة. الجهاد هو (تمتعنا) بمسيحنا، وإكليل النصرة هو لنا.

مادامت النصرة هي لنا، إذن يليق بنا كجنودٍ أن نرتل اليوم بأصوات مفرحة بتسابيح الغلبة. لنسبح سيدنا قائلين: "قد أُبتلع الموت إلى غلبة. أين غلبتك يا موت أين شوكتك يا هاوية؟" (1 كو 54:15-55)[779].

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. التجاؤه إلى الله العادل

"مَعَ أَنَّهُ لاَ ظُلْمَ فِي يَدِي،

وَصَلاَتِي خَالِصَة"ٌ. [17]

بقيت شهادة ضميره باستقامة لا تفارقه، إذ لم يذكر أنه ارتكب ظلمًا في حق إنسانٍ ما، ولا رفع صلاةً من أجل أمورٍ زمنيةٍ، ولا بسط يديه للصلاة وقد دنسهما بظلمٍ ما.

v     "لم يكن في يده ظلم" (أي 16: 17)، قيل عن المخلص في الكتاب المقدس الموحي من الله: "لم يفعل إثمًا، ولا وجد في فمه غش" (إش 53: 9),

"كانت صلواتي نقية"، إذ كان المخلص نقيًا حتى من الغضب والسخط. كان واضحًا لليهود الذين صلبوه أنه صلى: "يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" ( لو 23: 34). لذلك كان أيوب نبيًا وحاملاً لله، هذا الذي استطاع بكلمات يقينية أن يرى آلام المسيح كما لو كانت قدامه. لهذا تكلم عن شخصه بقصد إظهار الآلام لأسلاف الشعب اليهودي حتى صار ممكنًا للناس إدراكها جيدًا، بعد ذلك قدم لنا ذات الحدث.

لم يقدم حديثه البار عن افتخار، وإنما ليقود أصدقاءه، وكل الأجيال التالية للإقتداء به.

في حديثه ترك لنا ختمًا صالحًا، صلواته النقية.

إنها تعزي وتعين الصديقين على نقاوة الصلاة، إذ يتأهلون للإيمان. إنهم يحفظون الصلاة النقية بنفس الطريقة التي يفهمها بولس أيضًا: "أريد أن يصلي الناس في كل موضعٍ، رافعين أيادٍ مقدسةٍ، بدون سخط أو ريب" (1 تي 2: 8). لأن الصلاة تكون طاهرة عندما تكون الأيدي طاهرة من الطمع ومن كل وصمة. لنعرف هذا، كيف يكون الإنسان بارًا ما لم يكن ذلك بسبب إنسانه الداخلي (رو 7: 22) المتحرر من الضغينة، ولا يسقط في الشك عندما يصلي. فإننا نتكلم مع الله نفسه، ونقترب إلى الملك العظيم الذي يغسلني تمامًا من إثمي، ويطهرني من الخطية (مز 51: 3).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     كما أذكر إنني قلت بأن الطوباوي أيوب، وهو يحمل رمزًا للكنيسة المقدسة، يستخدم أحيانًا صوت الجسد (الكنيسة)، وتارة صوت الرأس (السيد المسيح). وبينما يتكلم عن أعضائها، فجأة يتحدث بكلمات رأسها. لذلك يضيف هنا: "لقد عانيت من هذا دون إثم يدي، بينما أقدم صلواتي الطاهرة لله" (LXX). لقد عانى دون إثم من يده، هذا الذي لم يفعل خطية، ولا وجد إثم في فمه" (1 بط 2: 22). ومع هذا فإنه احتمل ألم الصليب لأجل خلاصنا. إنه وحده فوق كل الآخرين صنع صلوات طاهرة لله، إذ في احتماله كرْب آلامه صلى من أجل مضطهديه، قائلاً: "يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" لو 23: 24). كيف يمكن وصف نقاوة صلاة أكثر من هذه؟ من يقدر أن يفهمها أكثر من هذا؟

إنه يمنح حنو شفاعته حتى للذين مارست أياديهم الألم، فإن ذات دم مخلصنا الذي سفكه مضطهدوه في ثورتهم صاروا يشربونه بعد إيمانهم به، معلنين أنه ابن الله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     تقوم نقاوة صلاته من هذه الظروف، أنه ليس بالأمر غير اللائق بالنسبة له إن سأل المغفرة في صلاته مادام بالحق يقدم عفوًا بنفسه عن الغير[780].

القديس أغسطينوس

v     تحرك بالصلاة، وأطلب الحنان بتواضعٍ، وخذ من واهب الحسنات...

إنه هو القابل كل الصلوات والطلبات، لا تدخل صلاة لأبيه بدونه، ولا تخرج عطية منه إلا بيديه...

لقد قبل صلاة حنة في هيكل القدس، وخرج إليها بالمراحم من بيت أبيه.

لقد أنصت إلى صلاة يونان في جوف الحوت، وأدخلها إلى أبيه كتقدمة.

لقد أنصت إلى الفريسي والعشار في هيكل القدس، لما قاما للصلاة وسمع الطلبة...

إنه يسمع لجميع المسكونة، ولا ينسى أن يقدمها كما خُدمت...

v     الصلاة النقية تجد طريقها لدى الله، فهي تتحدث إليه، تسمعه وتثق فيه.

v     لا تضجر في طلبك. لا تفكر بأن طلبك يعود فارغًا.

لا تقل: طلبت كثيرًا ولم أجد، ولعلني لا أجد أبدًا[781].

القديس مار يعقوب السروجي

"يَا أَرْضُ، لاَ تُغَطِّي دَمِي،

وَلاَ يَكُنْ مَكَانٌ لِصُرَاخِي". [18]

يفسر البعض هذه العبارة بأنه يرى أصدقاءه قد سفكوا دمه البريء بصب اتهامات باطلة ضده، فيطلب من الأرض أن تشهد له ضدهم، وألا تحجز صرخاته في موضعٍ ما، بل تتركها تصعد إلى الله في الأعالي.

إن كان أصدقاؤه قد اتهموه بالشر والرياء، فها هو يُشهد الأرض إن كان قد سفك دمًا بريئًا أو ارتكب جريمة ما فلتكشف عنها وتعلنها (تك 4: 10-11؛ إش 26)، ولا تكتم نفسه فلا يصرخ.

v     "لا تغطي"؛ ليت صراعات أيوب لا تُنسى، ليت عَرَقْ اضطرابي ذاته لا يُنزع، هذا الذي يتصبب في ممارسة الفضيلة، أنا الذي ارتديت كل أنواع أعمال الصبر. ليت قروح الصديق تُكشف لعيون العامة، حتى يطهروا أنفسهم بالرغبة في الإقتداء به.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     تذكروا ضميره الطاهر وصلاته التي بلا عيب: "يا أرض، لا تغطي دم جسدي" (أي 16: 18 LXX)، حتى تتوجه صلاته كبخورٍ نحو الرب (مز 141: 2)، ولا تُودع في الأرض.

صلاة القديس تخترق السحاب (سيراخ 35: 17)، أما الأرض فتفتح فاها وتخفي صلاة الخاطيء في دم الجسد، كما قال الله لقايين القاتل: "ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك، مادمت أنت أرضًا" (راجع تك 4: 11-12)[782].

القديس أمبروسيوس

v     "آه يا أرض لا تغطي دم جسدي، ليت صرختي لا تجد موضعًا لتختفي فيكٍ" (18 LXX). قيل للإنسان عندما ارتكب الخطية:" أنت تراب (أرض)، وإلي تراب تعود" (تك 3: 19). " هذه الأرض" لا تغطي دم مخلصنا، حيث كل خاطي يأخذ لنفسه ثمن خلاصه، فيعترف ويسبح ويعلن ذلك لكل أقربائه ما أمكن. علاوة على هذا فإن الأرض لم تغطِ دمه، حيث أن الكنيسة المقدسة كرزت بسرّ خلاصه في كل أجزاء العالم.

لاحظوا ماذا يضيف: "ليت صرختي لا تجد موضعًا لتختفي فيكِ". لأن ذات دم الخلاص الذي يؤخذ هو نفسه صرخة فادينا. يقول بولس: "ودم الرش يتكلم أفضل مما لهابيل" (عب 12: 24). قيل عن دم هابيل: "صوت دم أخيك يصرخ إليَّ من الأرض" (تك 4: 10). أما دم يسوع فيتكلم بأمورٍ أفضل مما لدم هابيل، لأن دم هابيل جلب موت أخيه، أما دم الرب فربح حياة لمضطهديه. لذلك فإن سرّ آلام ربنا لا تكون بلا نفع فينا، بل نلتزم أن نقتدي بما نأخذه ونكرز بما نعبده.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"أَيْضًا الآنَ هُوَذَا فِي السَّمَاوَاتِ شَهِيدِي،

وَشَاهِدِي فِي الأَعَالِي". [19]

لكيلا يُتهم من جديد بأنه متكبر ينسب لنفسه برًا ذاتيًا، يطلب من السماء أن تشهد له، والساكن فيها أن يعلن عن استقامته.

v     إن سألت: وأين شُهد له؟ أجبتك: في الأردن قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (مت 3: 17)...

أوضح أنه ليس في الله صوت، وليس له صورة، لكنه هو أعلى من كل الأشكال والنغمات التي هذه صفتها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "شاهدي في السماء" ليس بسبب غناه، فإن الله ليس في حاجة إلى مكافأة، هذا الذي لا يخشى أعمال العداوة، ولا ينشغل بمحبة العالم (مت 6: 19-20).

"ومدافعي في العلا"، هذا الذي يعرف بالأكثر الأعمال والكلمات وتحركات الأفكار، هذا الذي يقدم لنا ذكرى أيوب التي لا تُنسى محفوظة في الأسفار الإلهية.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "أيضًا ها شاهدي في السماء، وزمالة قلبي في العلا" (أي 16: 19 LXX). فعندما نزل الابن إلى الأرض كان له شاهد في السماء، إذ أن الآب هو شاهد للابن، الذي قال عنه في الإنجيل: "الآب نفسه، الذي أرسلني، يشهد لي" (يو 5: 37). بحق أيضًا دُعي "زمالة قلبي"، إذ لهما إرادة واحدة، ومشورة واحدة، يعمل الآب دومًا في اتحاد مع الابن...

يمكن أيضًا أن ينطبق هذا على صوت جسده، الكنيسة المقدسة، التي تحتمل مآسي هذه الحياة، من أجل النعمة العلوية التي تقودها نحو المكافآت الأبدية.

إنها تستتفه الموت الجسدي، إذ تهدف نحو مجد القيامة. ما تعانيه مؤقت، وما تتوقعه أبدي. ليس لها شك من جهة هذه البركات الأبدية. فإنها ترى بالذهن قيامة جسده، فتتقوى جدًا أن يكون لها الرجاء، فتحسب ما قد رأته قد عبر برأسها. وتترجى دون شك أن يتحقق في جسده، أي فيها...

هكذا ليت الشعب المؤمن حين يعاني من خصومة، عندما ينزعج بضيقات مرة، يرفع عقله إلي الرجاء في المجد العتيد، ويثق في قيامة الفادي، قائلاً: "الآن أيضًا أرى شاهدي في السماء، وزمالة قلبي في العلا".

بحق دعاه "زمالة"، إذ قد تعرف على طبيعتنا ليس فقط بخلقتها، وإنما أيضًا بأنه اتخذها لنفسه. فقد تحققت معرفته بأن اتخذ ما لنا...

لكن يمكن أن ينطبق هذا الصوت على كل واحدٍ منا مع الطوباوي أيوب، فإن كل إنسانٍ يهدف نحو المديح البشري فيما يفعله يطلب شاهدًا على الأرض. أما المشتاق إلى مسرة الله القدير بأفعاله، فيفكر أنه له شاهد في السماء.

غالبًا ما يحدث أن الأعمال الصالحة نفسها فينا تُحسب خاطئة بواسطة أناس طائشين، أما الذي له شاهد في السماء، فلا حاجة له أن يخاف من توبيخات البشر.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     إذ يحصل الحكماء على الخيرات, يرسلون جزءً منها أمامهم, كما قال أيوب: "شهودي في السماء" (أي 16: 19). وأيضا: "إخوتي ومحبيّ مع الله" (أي 16: 20). ويأمر ربنا الذين يحرزون ممتلكات أن يصنعوا لهم منها أصدقاء في السماء، وأن يكنزوا لهم هناك كنوزا[783].

 القديس أفراهاط

"الْمُسْتَهْزِئُونَ بِي هُمْ أَصْحَابِي.

لله تَقْطُرُ عَيْنِي". [20]

لم يقف أصدقاؤه عند مقاومته فحسب، بل صاروا يشَّهرون به ويتآمرون عليه. إنه لا يتوقع منهم لطفًا ولا تعزية، إنما يسكب دموعه أمام الله وحده مصدر كل تعزية، مقدمًا له ذبيحة القلب المنكسر والمنسحق الذي لا يرذله! استهزأ الأصدقاء بصرخاته، فقدم دموعه تقدمه خالصة لله رجاء التعابى.

v     "ليت طلباتي تأتي أمام الرب". فإنه إن بلغت صلاتي العلا، يهلك أعدائي (مز 92: 2)؛ الصديق يثبت (حك 5: 1)، الشبكة تنكسر، والعصفور إذ يتحرر يطير في حرية (مز 124: 7)؛ والمضطهدون يحنون رؤوسهم، والمضطَهَدين يفرحون (مت 5: 10-12).

v     "ولتبكِ عيناي أمامه". لقد قال عن عمدٍ "أمامه"، أي أمام الله. بلياقة أضاف أيوب ذلك، لأن البكاء أمام الناس لا نفع له تمامًا بالنسبة للذين يصلون. فإنهم حتى إذا تزينوا بأفكار حكيمة، فمن الجنون أننا نقبل مجدًا من الناس.

لكن فلنسكب دموعنا أمامه (مز 56: 8)، فقدر ما نترك دموعنا تفيض في الصلاة أمام الرب يهرب المخادعون وينحلون (مز 5: 6)، بينما يلتحف الملك بالحنو.

فإن الدموع تغسل النفوس والأجساد، وتطهر كل دنس وتطهر بالكامل كل وصمة وتجعل الباكين يظهرون أبيض من الثلج (مز 51: 9).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "أصدقائي مملوءون كلمات، وأما عيني فتسكب دموعًا لله" (LXX)، ماذا يعني بالعين إلا نية القلب؟ "إن كانت عينك بسيطة، فجسدك كله يكون نيرًا" (مت 6: 22).

البابا غريغوريوس (الكبير)

"لِكَيْ يُحَاكِمَ الإِنْسَانَ عِنْدَ اللهِ،

كَابْنِ آدَمَ لَدَى صَاحِبِه"ِ. [21]

يعلم أيوب أن ليس من إنسانٍ يمكنه أن يقضي لصالحه، لكنه يقف أمام الله فاحص القلوب والعالم بالأفكار والنيات، هو وحده يقدر أن يحاكمه فيبرره خلال نعمته الغنية.

يرى الأب هيسيخيوس الأورشليمي أن الإنسان المُشار إليه هنا هو ابن الإنسان، الابن الذي تجسد لأجلنا (يو 1: 12؛ رو 3؛ 1 يو 4: 2، 2 يو 7)، الجالس عن يمين الآب (مز 110: 1). يشفع فينا كمساوٍ للآب في الكرامة الملوكية، ويفند اتهامات إبليس المفتري علينا.

"إِذَا مَضَتْ سِنُونَ قَلِيلَةٌ،

أَسْلُكُ فِي طَرِيقٍ لاَ أَعُودُ مِنْهَا". [22]

شعر أيوب أن الموت على الأبواب، تعبر سنوات قليلة فيدخل إلى بيته الأبدي، ولا يعود بعد إلى هذا العالم.

v     "سنواتي محصية، ونهايتهم قادمة" (أي 16: 22)، بمعنى إنني لست أسأل هذا باطلاً، وإنما لأن نهاية حياتي قد بلغت، وانهيار تلك الحياة قريب!...

"إنني اذهب إلى الطريق الذي ليس له عودة، هذا الذي قال عنه داود: "أنا سائر في طريق البشر كلهم" (1 مل 2: 2).

الرجوع إلى هنا، أي أسفل، أمر مستحيل بالنسبة للإنسان. يشهد داود النبي نفسه عن ابنه الذي مات، قائلاً: "أنا ذاهب إليه، أما هو فلا يأتي إلي" (2 صم 12: 23). من جانب آخر، فإننا إذ نذهب في طريق يستحيل بعده العودة إلى هنا، لنبادر ونهيئ زاد السفر، أي الفضائل. في هذا الطريق لا نجوع ولا نعطش، ولا نتعرى ولا نفقد مجد الحياة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

أدرك أيوب أنه لن يأتي المسيا في عصره، وقد جاءت سيرة الأب سيسوى الكبير Abbot Sisoes the Great كيف يتهلل المؤمن الحقيقي بلحظات خروج نفسه من هذا العالم، وإن كان في شعوره بضعفه يطلب فرصته للبقاء من أجل التوبة. قيل عنه إنه لما أوشك أن يغادر العالم قال: "انظروا، فإن الأب أنطونيوس قادم"، وبعد قليل تمتم قائلاً: "ها قد جاءت صفوف الأنبياء"، ثم قال: "مصاف الرسل قادمون". وفي كل مرة كان وجهه يشرق أكثر بهاءً. في لحظة بدا كأنه يكلم أحدًا، فسأله الحاضرون: "من هو المتحدث إليك يا أبانا؟" قال: "ها إني أرى الملائكة الذين جاءوا ليستلموا نفسي. لكنني استعطفهم أن يمهلوني قليلاً حتى أتوب". فقال له الشيوخ: "لا حاجة لك إلى التوبة يا أبانا" فقال لهم الشيخ: "في الحقيقة لا أظن أني قد بدأت بعد". فأيقن الجميع أنه في قامة عالية جدًا من القداسة والكمال. أضاء وجهه كالشمس، فخاف الحاضرون، أما هو فأعلن لهم: "انظروا هوذا الرب قد جاء، وهو يقول: احضروا لي إناء البرية". وللحال أسلم روحه، فصار في الموضع ما هو أشبه بالبرق، وامتلأ البيت كله برائحةٍ ذكيةٍ[784]".

إذ حطم الرب سلطان الموت، وأشرق علينا ببهاء قيامته، صار المؤمنون يبكون، لا خشية الموت بالنسبة لهم أو لأحبائهم، لكنهم بالأكثر يبكون على خطاياهم كما يبكون شوقًا للانطلاق إلى السيد المسيح.

v     بحسب النظام الطبيعي نبكي من أجل الأموات، هكذا يليق بنا أن نبكي من أجل خلاصنا، بطريقة لا يُعلي عليها.

نبكي بشوقٍ هكذا وشجاعة حتى يكون كل شيءٍ لخدمتنا... لنتذكر الخلاص.

الذين يفقدون أبناءهم وزوجاتهم لا يفكرون في شيءٍ سوى الذين فقدوهم، بينما نحن الذين فقدنا ملكوتًا سماويًا نفكر في أي شيءٍ ماعدا هذا.

ليس من إنسانٍ يفقد والده (أو والدته أو أحد أقربائه) يخجل من الخضوع لناموس الحزن، حتى وإن كان من سلالةٍ ملوكيةٍ. فإنه يسقط على الأرض ويبكي بمرارة، ويستبدل ثيابه، وبإرادته يمارس كل التصرفات التي تليق بمثل هذا الزمن.

هذا لا يقوم بناء على تدريبٍ، ولا عن ضعفٍ يخص مثل هذا الحزن، وإنما يمارس هذا كله دون أية صعوبة... وأما نحن الذين نحزن، لا على زوجة، ولا على طفلٍ، بل على نفسٍ، لا لآخر، بل على نفوسنا، فنقدم عذرًا لأنفسنا بدعوى تعب الصحة أو أننا أصحاب تعليم عالٍ...

لكننا نهمل حتى ما لا يتطلب مجهودًا جسمانيًا.

إني أسأل: أي مجهود نحتاج إليه لممارسة ندامة القلب، والسهر في الصلاة، والتفكير في خطايانا؟... هذه الأمور التي تجعل الله مترفقًا بنا. لكننا لا نفعل مثل هذه[785].

القديس يوحنا الذهبي الفم

صَّور لنا كاتب سيرة القديس أفرام السرياني المنسوبة للقديس غريغوريوس النيسي كيف كان مهتمًا أن يسكب الدموع من أجل التمتع بالخلاص الأبدي.

[عندما بدأت أتذكر فيضان دموعه، بدأت أنا نفسي أبكي، إذ كان يصعب جدًا أن أعبر بعيون جافة خلال محيط دموعه.

لم يوجد قط نهار أو ليل أو جزء من النهار أو الليل، أو أية لحظة، مهما كانت قصيرة، لم تظهر فيها عيناه الساهرتان تسبحان في الدموع.

وكما قال، إنه أحيانًا كان يبكي من أجل شقاء الكل وغباوتهم بصفة عامة، وأحيانًا كان يبكي من أجل رذائل معينة. تجده باكيًا ونائحًا ليس فقط عندما كان يتكلم عن الندامة والأخلاقيات وضبط الحياة، بل وحتى أثناء صلوات التسبيح[786].]

v     النفس ميته بالخطية. هذا يتطلب الحزن والبكاء والدموع، الحداد والنحيب على الإثم الذي نزل بها إلى الدمار.

الصراخ والبكاء والنوح يردها إلى الله...

يحزن الله على الصورة التي فُقدت (بسبب خطايانا). النفس عند الله أكثر معزة بكثير من كل خليقته. بالخطية صارت ميتة، وأنت أيها الخاطي أما تبالي؟!...

أسكب الدموع وأقمها!

قدم لله هذا الفرح، يفرح بأنك تقيم نفسك[787].

القديس مار افرام السرياني

v     لنترفق بأنفسنا، ونشق طريقًا إلى الحنو البار الذي للآب! لنزرع بالدموع، فنحصد بالفرح![788]

v     الدموع هي الفيضان الذي يسقط على الخطايا، وهي تطهر العالم[789].

القديس غريغوريوس النزينزي

 


 

من وحي أيوب 16

معزون متعبون كلكم!

 

v     كثيرًا ما أشتاق أن أسمع كلمة تعزية من إنسانٍ.

لكنني أدركت أنهم جميعًا معزون متعبون.

ليس من يقدر أن يدخل أعماقي،

ويشاركني مشاعري، ويئن لأناتي،

سواك يا محب لكل نفسٍ بشرية!

قد ينطقون بشفاههم بكلمات عذبة،

لكن هل لهم القلب المتسع ليحمل ضعفاتي؟

وإن نطقوا بكلمات لينة، لكن عيني الإنسان تنتقدان،

أما عيناك فتنظران كل ما هو صالح وجميل فيّ!

 

v     هب لي ألا أتكئ على تعزيات بشرية،

أنت هو اتكالي وعزائي وبهجة قلبي.

حتى إن جَرَحتنيْ، فجراحاتك تحمل دواءً لشفائي.

مع تأديباتك أتلمس عذوبة حبك الفائقة!

 

v     هب لي وسط آلامي ألا انشغل بنظرة الناس ولا بكلماتهم.

لكنني أتطلع إليك يا مصدر كل تعزية!

 

v     ليستخف بنو البشر بي،

فإني أرى في سخريتهم دواءً نافعًا لأعماقي!

لأحتمل كل تسخيفٍ،

فأنت وحدك تشرق عليّ،

فتبدد ظلمتي، يا شمس البرّ.

 

v     عجبي إن صَمَتَ الناس، أشعر بتجاهلهم لي.

وإن تكلموا يرشقون بكلماتهم قلبي كما بسهامٍ قاتلةٍ!

أما أنت ففي صمتك، تحملني لرؤية أمجادك،

وفى كلماتك، تلهب قلبي بحبك!

علمني كيف أصمت، وكيف أتكلم!

ليكن ناموس حبك هو قائد صمتي وكلماتي!

 

v     لأحملك في أعماقي، وأقدمك لإخوتي،

أقدمك لهم بصلواتي عنهم،

وبكلماتي الحاملة عذوبة حبك!

أقدم لهم لا سهام النقد الذي يهدم،

بل سهام حبك التي وإن جرحت تشفي!

 

v     تعزياتك لي هي إعلان حضرتك داخلي!

أراك أيها المصلوب، فأستعذب الألم حتى الموت!

أراك تحطم بالصليب سلطان إبليس،

فأدرك أن مقاومة عدو الخير إنما لنصرتي.

ليضرب بكل قوته، فإني مختفٍ فيك.

بك أتمتع بإكليل مجدٍ لا يفنى!

 

v     عدوي الذي يشهد ضدي يفتح لي باب النصرة عليه!

هي حرب لا تتوقف،

لكن ماذا يقدر إبليس أن يفعل بك يا مخلصي؟

هل يمكن للظلمة أن تطفئ النور؟

هل يمكن لضد المسيح أن يغتصب ملكوتك؟

يا له من عدو تافه؟

هو مخادع وخبيث،

لكنك أنت هو الحق الذي لا يُقاوم!

 

v     في وسط ضيقي افتح عيني،

فأراك وإن سمحت بالتأديب فأنت أب.

وإن اشتدت الضيقة للغاية عيناك تترفقان بي!

ليس لإبليس أي سلطان عليّ!

قد يشّوه صورتي، ويضيِّق عليّ!

لكن أنت سرّ بهائي الأبدي، وراحتي السماوية!

 

v     عدو الخير يود أن يلطمني على خدي،

كي لا أنطق بكلمة شهادة لك.

لكن كلمتك في فمي نار ملتهبة.

لن يقدر العدو أن يطفئ لهيبها،

ولا يستطيع أن يكتمها!

 

v     حقًا إن عدو الخير كماردٍ خطيرٍ،

لن ييأس عن محاربة الكنيسة ككل، وكل عضوٍ فيها.

بدأ حربه مع الإنسان الأول في الجنة،

ويبقى يحارب في كل الأجيال بطرقٍ متنوعةٍ،

لن يتوقف حتى منتهى الدهور.

يعمل بكل قوةٍ خلال ضد المسيح!

يعمل بكل خداعٍ ومكرٍ،

منتهزًا كل فرصة لتحطيمنا!

يحَّول حياتنا إلى جحيم،

حتى نفقد الرجاء في خلاصنا!

تظلّم عيوننا باليأس،

ونحسب أن الموت قد سبانا إلى الأبد!

لكن موتك وهبنا القيامة،

وصعودك فتح أبواب السماء أمامنا!

لن يقدر إبليس بعد أن يحبسنا في الهاوية حيث الظلمة الأبدية!

لن نخشاه بعد، لأنك أنت أيها الفادي هو نصرتنا!

أنت قيامتنا وإكليلنا!

 

v     ليضرب العدو بكل قوته، فإن الأرض نفسها تصرخ.

لن تقبل الأرض أن تشرب دمًا بريئًا، بل تصرخ إليك.

لم تستطع الأرض أن تحبسك في القبر، لأنك السماوي.

لأتحد بك، فلا أعود إلى تراب الأرض،

بل بك أصير سماويًا،

وأتمتع بشركة الأمجاد السماوية.

 

v     وسط آلامي أراك شاهدًا لي في السماء!

تشهد بموتك وقيامتك وصعودك لي،

فإني إذ أشاركك آلامك،

أتمتع بشركة أمجادك!

 

v     وسط آلامي تنهمر دموعي، لا أمام الناس، بل أمامك.

فالبشر معزون متعبون،

أما أنت فتعتز بدموعي!

 

v     وسط آلامي أترقب عبوري إليك.

سنواتي قليلة، ونهاية حياتي الأرضية قادمة.

إني ذاهب في طريق الأرض كلها!

لكن ليس وحدي، لأنك معي!

وإليك أذهب لأستقر أبديًا!

<<

 


 

اَلأَصْحَاحُ السَّابِعُ عَشَرَ

الرجاء في الوسيط الإلهي!

يستمر أيوب في حديثه مظهرًا أنه ليس من أحدٍ يقف بجانبه. يرى في أصدقائه أنهم يتطلعون إليه كتنينٍ لعينٍ!

يدهش الإنسان البار حين يرى الأشرار في رخاءٍ، لكنه يخشى لئلا ينحرف عن البرّ بقصد مشاركة الأشرار في رخائهم [٨-٩].

يرى أيضًا أصدقاءه أنهم أخطأوا حين ترجوا سرعة إصلاح الموقف بالنسبة له، قائلين له إن الصباح يظهر سريعًا [١٠-١٢]. كل ما ينظره الآن هو الموت وفقدان الرجاء في هذا العالم تمامًا [١٣-١٦].

إذ تطلع أيوب إلى قرب رحيله من هذا العالم لجأ إلى الله، وتوسل إليه أن يقف بجانبه سريعًا وينصفه، لأن أصدقاءه أساءوا إليه، لكن الله حتمًا سيقف معه ليظهر براءته.

1. القبور لي                         1.

2. صرخة للنجدة من عند الرب      2-7.

3. البرّ ينتصر                        8-9.

4. لا رجاء في هذا العالم            10-16.

1. القبور لي

رُوحِي تَلِفَتْ.

أَيَّامِي انْطَفَأَتْ.

إِنَّمَا الْقُبُورُ لِي [1].

بلغ أيوب إلى حالة مُرة، فحسب نفسه كميتٍ. في العبارة السابقة كان يتطلع إلى حياته الباقية كرحلةٍ قصيرةٍ، سنوات قليلة ثم يعبر من هذا العالم بلا عودة. أما هنا ففي وسط مراراته حسب أن روحه قد فسدت، وأن نور حياته قد انطفأ، وصار وهو في المزبلة كمن يسكن القبور.

لم يقل: "إنما القبر لي"، بل "القبور". وكأن قبور آبائه التي ضمتهم تستعد لتضمه هو أيضًا. تفتح القبور أبوابها لتتلقف البشرية، ويليق بالمؤمن من جانبه أن يتهيأ للدخول كغالبٍ ومنتصرٍ.

v     لا يستطيع أحد أن يذهب من هنا إلى هناك مادام الله لم يدعُه. فإن كان الله هو الذي ربط النفس والجسد معًا، فلا يحلهما الإنسان ليلتصقا بطريقة جديدة. فالنفس لا تفصل ذاتها من الجسد. قال أيوب هذا، ليس لأن العدو المشترك يهدده بالموت، وإنما لأنه كان قد ضُرب بإسقامه. هذا هو سبب سؤاله في صلاته أن يترك العالم.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     تنسحق الروح من الخوف من الدينونة. كلما شعر المختارون باقتراب الدينونة النهائية يرتعبون بالأكثر في أذهانهم بمخافة، إذ يكتشفون أنفسهم. متى وجدوا في داخلهم أي فكر جسداني تنسحق أنفسهم بحماس ندامتهم... يحكمون على أنفسهم، ويؤدبون أنفسهم بأكثر صرامة، إذ ينتظرون الديان الحازم قادمًا على الأبواب. لذلك يتطلعون دائمًا إلى رحيلهم أنه قريب.

أما من جهة أذهان الضائعين، فإنهم يفترضون أنهم يعيشون هنا إلى زمانٍ طويلٍ، لذلك يمارسون أمورًا كثيرة شريرة.

لذلك روح الصديق تنسحق وروح الشرير تسمن...

"أيامي تقصر، والقبر وحده متروك لي[790]". فإن من يتأمل فيما سيكون عليه بالموت يكون دائمًا في خوفٍ، لأنه من الآن فصاعدًا يكون كمن يحيا حسبما يرى بل بصدقٍ يحيا كما في عيني خالقه...

تتحقق الحياة الكاملة بالتفكير في الموت حيث يبذل الصديق جهده أن يهرب من شباك الخطية. لذلك كتب: مهما تنال في يدك تذكر نهايتك، فلا يمكنك أن تخطئ قط" (ابن سيراخ 7: 36).

البابا غريغوريوس (الكبير)

من التداريب الرئيسية في حياة آباء البرية كما في حياة الجادين في خلاصهم هو تذكرهم لساعة الموت، أو ليوم مجيء الرب الأخير، ليس خوفًا من الدينونة، وإنما استعدادًا للتمتع بالأمجاد الأبدية، وخلاصًا من مصير الأشرار.

v     عندما تقترب من فراشك قل له: "هذه الليلة عينها ربما تكون أنت قبرى يا أيها الفراش، فإنني لست أعلم إن كان في هذه الليلة عوض نومي المؤقت يكون لي النوم الدائم".

هكذا مادام لك رجلان أسرع إلى العمل، قبلما تُربط بذلك القيد الذي ما إن يُوضع لا ينحل بعد.

مادام لك يدان أبسطهما نحو السماء في الصلاة، قبلما يسقط الذراعان من مفصليهما، حيث تشتهي أن تسحبهما فلن تقدر.

مادام لك أصابع ارشم ذاتك بالصليب، قبلما يحل الموت الذي يحل قوة أعصابها اللائقة.

مادام لك عينان، املأهما بالدموع، قبلما تأتي الساعة حين يغطي التراب ثيابك السوداء، وتتجه عيناك نحو اتجاه واحد بنظرة لا تدركها ولا تعرفها. لا، بل املأ عينيك بالدموع مادام قلبك تحكمه قوة التمييز، قبلما تهتز نفسك برحيلها منه، وتترك القلب بيتًا مهجورًا من ساكنه.

يا أيها الحكيم لا تنخدع بتوقعك حياة طويلة المدى![791]

v     عندما يُنهي التاجر عمله يسرع إلى بيته. ومادام الراهب (الإنسان) لم يتمم بعد دوره في الجهاد البار، يشعر بمرارة، إذ يفكر في رحيله من جسده. ولكن عندما يدرك في نفسه أنه قد افتدى وقته (أف 16:5)، ونال عربونه، يشتهي أن يرى الحياة العتيدة. التاجر الذي في البحر يخشى في داخله لئلا تثور الأمواج ضده، وتبدد رجاء عمله. هكذا الراهب (الإنسان) مادام في هذا العالم يحكمه الخوف، لئلا تحدث زوبعة مفاجئة مضادة له، وتحطم العمل الذي جاهد فيه منذ صباه إلى الشيخوخة. يركز التاجر عينه على البر، ويركز الراهب (الإنسان) عينه على ساعة موته[792].

القديس مار اسحق السرياني

v     كان أخ حارًا في الصلاة، وإذ كان أخوه يمارس الخدمة، غلبته الدموع وكان أحيانًا ينسى فقرات من المزمور. توسل إليه الأخ يومًا ما أن يخبره فيما هو يفكر أثناء الخدمة حتى يبكي هكذا بمرارة. قال له: "سامحني يا أخي، فأنا أتأمل دائمًا أثناء الخدمة في الديان، ووقوفي أمامه، فإني مجرم مذنب تحت الاستجواب. وإذ لا أجد تبريرًا لنفسي أقف مرتعبًا، ويُغلق فمي، فتعبر مني آية من المزمور. سامحني على مضايقتي لك، فلنمارس الخدمة كلٌ لوحده. أجاب الأخ: "لا يا أبي، فإنني أعيش بلا ندامة، فعلى الأقل إذ أراك أخجل". وإذ رأى الله تواضعه وهبه الندامة التي لأخيه. دعنا نحن أيضًا نحفظ أعيننا على هذه العطية، فيكون لنا ذات المنفعة مثل هذا الأخ[793].

من أقوال آباء البرية

2. صرخة للنجدة من عند الرب

لَوْلاَ الْمُخَاتِلُونَ عِنْدِي،

وَعَيْنِي تَبِيتُ عَلَى مُشَاجَرَاتِهِمْ [2].

بينما يرى أيوب القبور تستعد لاستقباله يرى حوله أصدقاءه كأنهم مخاتلون، يسخرن به ويهينونه في وجهه. حوَّلوا الجلسات إلى مشاجرات عوض التعزيات. أما قوله: "تبيت على مشاجراتهم" فتكشف أنهم كانوا يقضون اليوم كله معه في المشاجرات، حتى إن تركوه في نهاية اليوم لا يعلق بذهنه طوال الليل سوى هذه المشاجرات التي ترافقه.

جاء النص هنا مترجمًا عن العبرية، مختلفًا عنه في السبعينية، وأيضًا في الفولجاتا. جاء في الترجمة السبعينية: "في قلق استعطف: ماذا أفعل؟ يسرق الغرباء خيراتي".

حاصر القلق نفس أيوب، إذ رأى المعركة حامية، يقف لا أمام أصدقائه الذين صاروا غرباء عنه يحملون روح العداوة ضده بلا سبب، وإنما يرى وراءهم عدو الخير إبليس بكل قواته يقاومونه. هؤلاء هم الغرباء عن جنس البشر، لا عمل لهم إلا سلب الإنسان ما يتمتع به من بركات إلهية، وما يُعد له من أمجاد سماوية، إنهم خصوم للبشرية، يشتهون إذلالها كي تشاركهم مصيرهم الأبدي في جهنم!

v     لماذا (كان في قلق)؟ لأن أيوب يطلب في صلواته حلول الموت. إنه كمن يدافع عن نفسه، إذ هو مضطرب من التجارب، لأنه لا يعرف تمامًا ما هو سرّ تجاربه التي يصبها العدو عليه. لهذا يقول: "ماذا أفعل؟"

يتبع ذلك: "يسرق الغرباء خيراتي" (راجع أي 17: 2 LXX). يدعو أيوب الشياطين غرباء لأنهم مخادعون، وأعداء لأنهم بالطبيعة غرباء حقيقيون لجنسنا. أما بخصوص سرقة خيراته، فقد قال هذا ليس لأنهم سلبوا خيرات أيوب، وإنما لأنهم كذبوا على الله كمن يسرق الكلمات عندما قال المفتري رئيسهم لله: "لا، بل ضع يدك والمس كل ما لديه، فبالتأكيد سيلعنك" (راجع أي 1: 11)... أما بالنسبة لله، إذ يعرف السرقة (التي ارتكبها الواشي) بكلماته، فقد سمح له بالتجربة لكي يجعل أيوب يتهيأ لعلامة النصرة المتلألئة. فإنه بالحق كمنتصرٍ يتجاسر فيقول: "من هو هذا؟ يضـم يده معي" [3 LXX].

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "لم أخطئ، وعيني تقطن في مرارة". إنه كمن يعبر عن نفسه بكلمات واضحة: "لم ارتكب خطية، ومع ذلك أتحمل جلدات". لكن بخصوص هذه النقطة، نضع في الاعتبار أنه في عبارات كثيرة يعترف أيوب أنه مخطئ وأن عقله يتحرك بالتفكير، فلماذا ينكر هنا ارتكابه الخطية؟ يقدم لنا السبب ذاته بسرعة. إنه لم يخطئ إلى الدرجة التي تجعله مستحقًا لضربات العصا، وليس هو بقادرٍ أن يكون بلا خطية.

فإنه قد ضُرب لا للإصلاح من الخطية، وإنما للتمتع بمزيد من النعمة. الديان نفسه يحمل شهادة، هذا الذي يمدح وهو يضرب.

لكنني أظن أننا ندرك هذه الكلمات بصورةٍ أفضل، إن فهمناها بخصوص فادينا، فإنه لم يخطئ وفي نفس الوقت "تعهد مرارة"، فبكونه بلا خطية تعهد عقاب خطيتنا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يرى أوريجينوس أن للقديسين أيضًا خطاياهم الشخصية. ويقول Ernest Latko: [في تعليقه على مصطلح "قديسين" كما يُطلق على شعب الله يُذكّرنا أوريجينوس في إحدى عظاته عن سفر العدد Homilies on the book of Numbers، أن كونهم قديسين، لا يعني أنهم مستثنون من اقتراف الخطية. فقداستهم ليست مطلقة، بل هي نسبية، تتمثل في تكريس حياتهم للرب، الذي بصلاحه يعصمهم من الأخطاء الأكثر جسامة[794].]

v     يموت من هم ليسوا بقديسين في خطاياهم، أما القديسون فيتوبون عنها. يتحملون جراحاتهم، ويدركون أخطاءهم. ثم يسعون إلى الكاهن بحثًا عن العلاج، أو ينشدون التطهير بواسطة الأسقف[795].

v     "كونوا قديسين، لأني أنا قدوس يقول الرب" (لا 7:20). ماذا يعني بقوله: "لأني أنا قدوس"؟ أي، كما أعتزل وأتباعد عن كل ما يُعبد، سواء على الأرض أم في السماء، وكما أسمو على كل مخلوق، وأعتزل ما صنعته يداي، هكذا، فلترفضوا أنتم أيضًا كل من ليس مقدس أو مكرّس لله...

وأخيرًا، فهذه الكلمة، التي يُطلق عليها hagios باليونانية، تفيد بأنه شيء بعيد عن الأرض[796].

v     أما إذا رغبت في أن تتذكر قديسين آخرين، فستجيب عليك كلمات الكتاب المقدس: "لا إنسان صديق في الأرض يعمل صلاحًا ولا يخطئ" (جا 20:7). فالمسيح وحده "له يدان كاملتان"، "لم يفعل خطية" (1 بط 22:2)، أي أن ليديه أعمال كاملة وتامة[797].

العلامة أوريجينوس

يمكننا القول بأن أيوب لم يخطئ خطية للموت، لكن كما يعترف هو نفسه بأنه ليس إنسان بلا خطية ولو كانت حياته يومًا واحدًا.

كُنْ ضَامِنِي عِنْدَ نَفْسِك.

مَنْ هُوَ الَّذِي يُصَفِّقُ يَدِي؟ [3]

بالرغم من قول أيوب إنه لم يخطئ خطية تستوجب كل هذه الضربات، إلا أنه يعترف بأنه مدين لله، يحتاج إلى ضامن أو كفيل قادر على أن يحل محله ليوقف الحجز ويودع الكفالة.

كثيرًا ما أشار الكتاب المقدس إلى دور الضامن أو الكفيل "الرجل الصالح يكفل قريبه، والذي فقد كل حياءٍ يخذله، لا تنسى نِعَم الكافل، فإنه بذل نفسه لأجلك" (سي 29: 14-15)

لم يجد أيوب إنسانًا ما على الأرض، حتى من أعز أصدقائه يشهد لبراءته، وليس من يقف في صفه كفيلاً أو ضامنًا، بل تحول الكل إلى أضداد له. من هنا لم يجد من يلجأ إليه سوى الله نفسه العارف بأسرار قلبه ونياته وتصرفاته الخفية والظاهرة.

باسم البشرية كلها يصرخ إلى الله، طالبًا أن يكون كفيلاً له. فليس من يقدر أن يدفع عنا ديننا ويمثلنا أمام الحضرة الإلهية سوى الكلمة الإلهي المتجسد، وكما يردد القديس أغسطينوس في مناجاته لله، قائلاً إنه ليس من ملجأ يهرب إليه من الله سوى الالتجاء إلى الله نفسه.

v     إنه (السيد المسيح)، الذي لم يخطئ بالفكر ولا بالعمل، صار في مرارة خلال آلامه. لقد تحرر بالقيامة، وصار بجوار الآب بصعوده، حيث صعد إلى السماء وجلس عن يمين الله (يضمننا).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     قبل مجيء ربنا ومخلصنا، ملكت كل الشياطين على عقول الناس وأبدانهم، واستقرت في أرواحهم. ثم ظهرت نعمة الرب المخلص، ورحمته على الأرض، تعَلِّمنا كيف يجدر بنفس كل إنسان أن تستعيد الحرية، وتسترد صورة الله التي خُلِقَت عليها...

من هو هذا، إذا لم يكن يسوع المسيح، الذي بجلداته قد شفانا نحن المؤمنين به، عندما "جَرَّدَ الرئاسات والسلاطين" الذين في وسطنا و"أَشْهَرَهُم جهارا" فوق الصليب؟ (كو 15:2)[798].

v     لقد سقطنا تحت سلطان أعدائنا، أي "مَلِكُ هذا الدهر" وأعوانه من قوى الشر. لهذا نشأت حاجتنا إلى الفداء بواسطة ذاك الذي يشترينا حتى نرجع من حالة التغرب عنه، لذلك بذل مخلصنا دمه فدية عنا...

ولما كانت "مغفرة الخطايا"، وهي تتبع الفداء مستحيلة قبل أن يتحرر الإنسان، لابد لنا أولاً أن نتحرر من سلطان ذاك الذي أخذنا أسرى، واحتفظ بنا تحت سيطرته، نتحرر بعيدًا عن متناول يده، حتى نتمكن من أن نحظى بغفران خطايانا والبُرْء من جراحات الخطية، حتى ننجز أعمال التقوى وغيرها من الفضائل[799].

v     "لنا سلام مع الله" (رو 1:5)، من خلال ربنا يسوع المسيح الذي صالحنا مع الله خلال ذبيحة دمه... جاء المسيح لكي يُهْلِك الأعداء، ويصنع السلام، ويصالحنا مع الله الذي فَصَلْنَا عنه حاجز الشر الذي أقمناه بخطايانا[800].

العلامة أوريجينوس

لأَنَّكَ مَنَعْتَ قَلْبَهُمْ عَنِ الْفِطْنَةِ.

لأَجْلِ ذَلِكَ لاَ تَرْفَعُهُمُ (تمجدهم) [4].

أما عن أصدقائه فبسبب سوء نيتهم نزع الرب عنهم الحكمة والتمييز. فارقتهم الحكمة التي وُهبت لهم من الله، إذ استردها، لأنهم لا يستحقونها. فحيث لا يوجد الحنو نحو المتألمين ينزع الله الفطنة من قلوبهم، تزول عنهم الكرامة ويلتصق بهم العار، ويصيرون في حالة انهيار، وليس في نمو وارتفاع. وبالتالي لا تكون لديهم القدرة على إدراك رحمة الله ولا التمييز لفهم معاملاته، خاصة عندما يسمح بالضيق لمؤمنيه.

v     إنه لمن النافع لنا أن يكون أعداؤنا محدودين في الحكمة ومجردين منها. لهذا يقول بولس: "لكننا نتكلم بحكمة الله في سرِّ، الحكمة المخفية التي وضعها قبل كل الدهور لمجدنا، التي ليس أحد من رؤساء هذا العالم يعرفها، فإنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد" (1 كو 2: 7-8).

"لذلك لا تمجدهم"... لماذا؟ من أجل ما هو لنفعنا، هكذا معرفة الحق مخفية عنهم (الشياطين)؛ وإذ يرغبون الشر، يشتهون أن يجعلونا جهلاء ونجدف على الخالق.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

جاء النص في كتابات البابا غريغوريوس (الكبير) "نزعت قلوبهم عن التأديب" وجاء في الترجمة السبعينية: "نزعت قلوبهم عن الحكمة"، فإذ نزع الله عن أصدقاء أيوب الفطنة أو الحكمة، إنما نزع عنهم معرفة حكمة الله من جهة التأديب، فهو يؤدب بالضيقات ليبني ويزكي، وليس لكي يهدم ويحطم!

الذين يقبلون التأديب الإلهي بفطنة وتمييز تنسحق قلوبهم بالتوبة، ويتمتعون بالمجد. "لأن الذي يحبه الرب يؤدبه، ويجلد كل ابن يقبله، إن كنتم تحتملون التأديب يعاملكم الله كالبنين، فأي ابن لا يؤدبه أبوه؟" (عب 6:12-7).

v     لتفرح وأنت تحت الجلدات، فإن الميراث محفوظ لك، لأنه لا يطرد شعبه. هو يؤدب إلى حين، ولا يدين إلى الأبد[801].

 القديس أغسطينوس

v     "نزعت قلوبهم بعيدًا عن التأديب" [4]. فإنهم لو تعرفوا على غاية التأديب، ولم يحتقروا قط وصايا فادينا، لأثارهم ذات حال جسدهم المائت (الذي تحت التأديب) نحو حب الحياة الخالدة...

الآن يحتمل البعض جلدات لكنهم لا يشكلون حياتهم لتتجدد بخوف الرب الذي يجلدهم. لذلك بحق قيل الآن: "نزعت قلوبهم بعيدًا عن التأديب". بمعني أنه وإن كان الجسم تحت التأديب، فإن القلب ليس تحت التأديب مادام الشخص المضروب بالعصا لم يرجع إلى تواضع الذهن. لم يقل هذا كما لو كان القدير، الإله الرحوم، قد نزع قلب الإنسان بعيدًا عن التأديب. إنما بعد سقوطه بإرادته، يسمح الله له أن يبقى على حاله في السقوط...

"لذلك فإنهم لا يتمجدون"، فإنه إن كان القلب تحت التأديب، يطلب الأمور العلوية، ولا يفتح فمه طالبًا الزمنيات... بينما الذين يطلقون أنفسهم نحو الملذات المنحطة يشتاقون دومًا إلى خيرات الأرض. إنهم لن يرفعوا قلوبهم نحو مباهج السماء، فلو أنهم رفعوا عقولهم نحو الرجاء في المدينة السماوية لتمجدوا...

البابا غريغوريوس (الكبير)

الَّذِي يُسَلِّمُ الأَصْحَابَ لِلسَّلْبِ،

تَتْلَفُ عُيُونُ بَنِيهِ [5].

لا يقف الأمر عند حرمان هؤلاء المخاتلين من الفطنة أو من البصيرة الداخلية لمعرفة حكمة الله، وإنما يسيئون حتى إلى نسلهم، إذ يرون في آبائهم أنهم قد أساءوا التصرف مع أصدقائهم.

جاء النص في كتابات البابا غريغوريوس (الكبير): "يَعد إبليس أصدقائه بالغنيمة، وأعين أبنائه تفشل". وكأن أيوب يقارن بين أولاد الله وأولاد إبليس. الأولون يسقطون تحت التأديب لأجل رفعتهم ومجدهم وميراثهم الأبدي، أما الآخرون فيقدم لهم إبليس وعودًا كاذبة بنوال غنائم، وهي عطايا زمنية مؤقتة، بينما يهلكون أبديًا.

 يرى البابا غريغوريوس أنه قبلاً كان يتحدث عن الأشرار بصيغة الجمع، والآن يتكلم عن رأسهم إبليس بصيغة المفرد. وبكونه الرأس يُمكنه أحيانًا أن يوجه الحديث باسم الأشرار، وأحيانًا باسم أبيهم إبليس. لأن ما للرأس هو للجسد كله، وأيضًا ما للجسد يُنسب للرأس. كما يقول أيضًا إن إبليس رئيس كل الأشرار يقدم وعودًا لأصحابه الشياطين والأرواح الشريرة، أن يقدم لهم غنيمة ليست إلا أبناء البشر الذين صاروا أسرى له!

v     "يَعِدْ (إبليس) أصدقاءه بالغنيمة، وأعين أبنائه تفشل" بعدما نطق الطوباوي أيوب بعبارة تخص جماعة الأشرار، أي تخص جسم العدو القديم، للحال ينتقل إلى عبارة تخص قائدهم نفسه (إبليس)، رأس كل أبناء الهلاك. ينتقل من صيغة الجمع إلى صيغة المفرد، لأن الشيطان وكل الشعب الشرير هم جسم واحد. غالبًا ما يحدث أن الجسم يأخذ اسم الرأس، والرأس يُلقب بلقب الجسم...

الرأس يأخذ لقب الجسم، كما قيل عن الملاك المرتد نفسه: "إنسان عدو فعل هذا" (مت 13: 28).

رئيس كل الأشرار له البعض كزملاء، والبعض كأبناء. من هم زملاؤه إلا الملائكة المرتدون الذين سقطوا معه من كرسي المدينة السماوية؟ ومن هم الآخرون الذين هم أبناء له سوى الناس الأشرار، الذين يولدون خلال حثه الشرير على ممارسة الشر؟ هكذا أيضًا قيل بصوت الحق لغير المؤمنين: "أنتم من أب هو إبليس" ( يو 8: 44)

هذا الشرير هو مصدر الخطأ يعد بالغنيمة لزملائه، حيث يعد الأرواح الشريرة بأنفس الناس الأشرار يمسكون بها حتى النهاية.

"وأعين أبنائه تفشل"، حيث يضع الأمور الأرضية هدفًا للناس يتطلعون إليها، فيجعلهم يحبون ما لا يقدرون أن يحتفظوا به طويلاً. إذ لا تستطيع نزعة الحب المُوجه خطأ أن تبقى عندما يُظهر أن كلا من المحبين والأشياء المحبوبة يصيرون كلا شيء بسرعة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

أَوْقَفَنِي مَثَلاً لِلشُّعُوبِ،

وَصِرْتُ لِلْبَصْقِ فِي الْوَجْهِ [6].

أصدقاؤه الذين كانوا يشتهون الجلوس معه، ويتلمسون رضاه ويمتدحونه، صاروا يسخرون به في ضيقته، ويحسبونه مثلاً ودرسًا لكل مراءٍ وشرير كي لا يقتدي أحد به.

صار أيوب صورة حية للذين يعيشون في الرب، فيسخر بهم العالم، وإن أمكن يبصقون على وجهه. كما كان رمزًا للسيد المسيح الذي سخر به الأشرار، فصار مثلاً هزًأ، وبصقوا على وجهه.

"كثيرا ما شبعت أنفسـنا من هزء المستريحين، وإهانة المستكبرين" (مز 123: 4).

"صرت ضحكة لكل شعبي، وأغنية لهم اليوم كله" (مرا 3: 14).

"بذلت ظهري للضاربين، وخدي للناتفين، وجهي لم استر عن العار والبصق" (إش 50: 6).

"حينئذ بصقوا في وجهه ولكموه، وآخرون لطموه" (مت 26: 67).

"وبصقوا عليه، وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه" (مت 27: 30).

"فابتدأ قوم يبصقون عليه، ويغطون وجهه ويلكمونه، ويقولون له تنبأ، وكان الخدام يلطمونه" (مر 14: 65).

"وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة، ويبصقون عليه، ثم يسجدون له جاثين على ركبهم" (مر 15: 19) .

"وآخرون تجربوا في هزءٍ وجلدٍ، ثم في قيودٍ أيضًا وحبسٍ" (عب 11: 36).

v     "كثيرًا ما امتلأنا هوانًا" (مز 3:123). كل الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى حسب المسيح، يلزمهم أن يحتملوا الإهانة (2 تي 12:3). يليق بهم أن يُحتقروا من الذين لا يختارون الحياة بتقوى. يحتقرون أولئك الذين يطلبون السعادة التي لا يمكن رؤيتها بعيونهم، ويُقولون لهم : "بماذا تؤمن يا أيها المجنون؟ هل عاد أحد من العالم السفلي وقدم تقريرًا لك بما يحدث هناك؟ أنظر فإني أرى وأتمتع بما أحب، إنك مُحتقر، لأنك تترجى ما لا تراه".

"كثيرًا مما شبعت أنفسنا من هزء الأغنياء (المستريحين)، وإهانة المستكبرين" (مز 4:123). إننا نسأل: من هم الأغنياء؟ لقد شرح ذلك بقوله "المستكبرين". الهزء والإهانة هما واحد، كما أن الأغنياء والمستكبرين هما واحد، لماذا الأغنياء مستكبرون؟ لأنهم يريدون أن يكونوا سعداء هنا... ربما يسخرون عندما يكونون سعداء، إذ يفتخرون بخيلاء غناهم. عندما ينتفخون بحالهم المملوء غرورًا من أجل كرامتهم الباطلة، يسخرون بنا. يبدو كمن يقول: انظروا، فإنه خير لي أن أتمتع بالخيرات التي أمامي. ليبتعد عني أولئك الذين يعدون بما لا يقدرون أن يظهروه. ما أراه أمسك به؛ ما أراه أتمتع به، لأسلك ناجحًا في هذه الحياة، لتكن أنت في أكثر أمانٍ، لأن المسيح قام وقد تعلمت أنه سيهبك حياة أخرى، لتتأكد أنه سيهبها لك[802].

 القديس أغسطينوس

v     رب العظمة تواضع ورفضه الجميع... سمع السخرية من كل جانب، من الفريسيين ومن كل بشرٍ. إنه لأمر مؤلم للقلب أن يتطلع كيف بصقوا في وجهه، وكللوه بإكليل شوك، ولطموا خديه، كما هو مكتوب: "بذلت ظهري للضاربين، وخدي للناتفين، وجهي لم أستر عن العار والبصق" (إش 6:50). الآن إن كان الله قبل أن يتواضع، ويحتمل مثل هذه الآلام والإهانات والخزي، لا تهتم إلى أي مدى تتواضع، يا من طبيعتك هي من الوحل، خاضعة للموت، وليس من وجه للمقارنة بينك وبين ربك في هذا الأمر. أنت تتكبر وتنتفخ. وجاء الله وأخذ ثقلك ليهبك راحته، وأنت لا تريد أن تحتمل أتعابًا وآلامًا، بأتعابك تُشفي جراحاتك[803].

 القديس مقاريوس السكندري

كَلَّتْ عَيْنِي مِنَ الْحُزْنِ،

وَأَعْضَائِي كُلُّهَا كَالظِّلِّ [7].

صار أيوب رجل أحزان ودموع، حتى كلت عيناه. واشتد به الحزن حتى أبلي لحمه، وصار أشبه بهيكلٍ عظمي،ٍ أو أشبه بالظل، ليس فيه سوى الجلد والعظام.

يصًٌور لنا أيوب حاله المُر، فمن شدة الحزن كلت عيناه أو صارتا معتمتين عاجزتين عن رؤية نور الحق الإلهي. فقد كاد الحق أن يختفي. لقد تحٌَول الأصدقاء إلى أعداء مقاومين بكل قوة، تسندهم في ذلك إمكانياتهم. ويبرر تصرفاتهم ما حلّ بأيوب نفسه، الذي كاد أن يصير كالظل الذي لا كيان له. سُلب منه كل شيء، وبلا سبب!

هذا ومن جانب آخر يصِّور لنا حال المؤمن أو الكنيسة ليس فقط أثناء المعاناة من مضايقات الأشرار المرة، ولكن الحزن الشديد الذي يحل بالمؤمن أو الكنيسة ككلٍ من أجل كل نفسٍ تحيد عن طريق الحق، وتضل عن المعرفة الصادقة. لهذا يصرخ الرسول بولس، قائلاً: "من يضعف وأنا لا أضعف؟ ومن يعثر وأنا لا التهب؟" (2 كو 11: 29).

هذه المشاعر يعيشها رجال الله سواء في العهد القديم أو الجديد، الذين إذ يختبرون عذوبة العشرة مع الله، لا يطيقون حرمان أحدٍ منها.

يقول المرتل: "الكآبة ملكتني من أجل الخطاة الذين حادوا عن ناموسك" (مز 119: 53). ويقول إرميا النبي: "يا ليت رأسي ماءً، وعينيَّ ينبوع دموع، فأبكي نهارًا وليلاً قتلى بنت شعبي" (إر 1:9).

v     "عيني معتمة بالسخط، وكل أعضائي كما لو كانت قد صارت كلا شيء" [7]. تصير العين معتمة بالسخط عندما يُمنح ذات الأشخاص نور الحق... ويرون أنفسهم مُحتقرين إلى زمنٍ طويلٍ، ويستخف بهم الأشرار. إنهم يرتبكون في دهشة لدى الحكم المخزي، ويفشلون في سبر غور سرّ الله: لماذا يُسمح للأشرار أن ينتصروا على براءة الصالحين؟ من لا يستغرب عندما يرى هيروديا برقصة ابنتها تنال من يد الملك السكران رأس "صديق العريس"، النبي، والأعظم من نبي، تُقدم أمام وجوه ضيوفه على طبق (مت 14: 6-11؛ لو 7: 26)؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     إذا رأى الصديقون إنسانًا من أبناء الشريعة يخالفها، يغتمون ويكتئبون، لأن ألم عضوٍ واحدٍ يجعل جميع الأعضاء تتألم.

أنثيموس أسقف أورشليم

v     يوجد بين الخطاة من يخطئ بدون الناموس (رو 12:2)، لأنهم لم يعرفوا الناموس. وآخرون يخطئون في الناموس، لأنهم إذ يخالفونه يستهينون به. فالكآبة ملكتني من أجل الخطاة الذين تركوا عنهم ناموسك (مز 119: 53). حقًا إن كان عضو يتألم، تتألم معه جميع الأعضاء؛ وإن كُرم عضو واحد، تفرح معه جميع الأعضاء (1 كو 26:12). إذن يليق بنا أن نتألم من أجل اخوتنا الخطاة لأنهم يخطئون، وأن نتخذ نفس موقف هذا القديس (المرتل).

القديس ديديموس الضرير

v     من يسكب دموعًا ساخنة على أخطاء قريبه يبرأ بحزنه على أخيه[804].

القديس باسيليوس الكبير

v     لنبكِ عليهم لا يومًا ولا يومين، بل كل أيام حياتنا[805].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     آه أيها الأعزاء المحبوبون! وإن كنا سنقتني تعزية من الأحزان، وراحة من الأتعاب، وصحة من الأمراض، وخلودًا بعد الموت، لا يجوز لنا أن نغتم من الأمراض التي تلحق بالبشرية، ولا نقلق بسبب التجارب التي تحل بنا.

يلزمنا ألا نخاف إن تآمر الذين يحاربون المسيح (الأريوسيون) ضد الصالحين، إنما بالحري نحن نرضي الله بالأكثر بسبب هذه الأمور، إذ نتهيأ أكثر ونتدرب على حياة الفضيلة. لأنه كيف ننال الصبر ما لم توجد متاعب وأحزان؟

وكيف تظهر الشهامة إلا باحتمالنا الهزء والظلم؟

وكيف يختبر الاحتمال ما لم يوجد هجوم من الأعداء (الأريوسيين وغيرهم)؟

وكيف تتزكى طول أناتنا إن لم توجد وشايات ممن هم ضد المسيح (الأريوسيين)؟!

وأخيرًا كيف يمكن للإنسان أن يدرك الفضيلة ما لم تظهر أولاً شرور الأشرار؟!

هكذا فإن ربنا سبقنا في هذا عندما أراد أن يظهر للناس كيف يحتملون... عندما ضُرب احتمل بصبر، وعندما شُتم لم يشتم، وإذ تألم لم يهدد، بل قدم ظهره للضاربين، وخديه للذين يلطمونه، ولم يحول وجهه عن البصاق (1 بط 23:2؛ إش 6:50).

وأخيرًا كانت إرادته أن يُقاد إلى الموت حتى نرى فيه صورة كل الفضائل والخلود، فنسلك مقتفين آثار خطواته، فندوس بالحق على الحيات والعقارب وكل قوة العدو (الخطية)[806].

القديس أثناسيوس الرسولي

v     لنفكر في سبي اخوتنا بكونه سبينا نحن. حزن الذين في خطر هو حزننا نحن. يلزمكم أن تتأكدوا أنه يوجد جسد واحد. ليس فقط الحب بل وأيضًا التقوى تدفعنا وتشجعنا أن نخلص أعضاء أسرتنا[807].

 الشهيد كبريانوس

v     لا يعني بولس أنه يتظاهر بضعفهم، إنما يتعاطف مع ضعفهم[808].

 القديس أغسطينوس

v     يا للحنو العجيب في الراعي (بولس)! يسقط آخرون، فيقول مؤكدًا حزنه على عثرات الآخرين. إنها تلهب نار آلامه. ليت كل الذين تُعهد إليهم رعاية القطيع العاقل أن يقتدوا به، ويبرهنوا أنهم ليسوا بأقل من الراعي الذي يتعهد لسنوات طويلة قطيعًا غير عاقلٍ. هذا لا يحدث حتى إن حدث إهمال ما، أما في حالتنا فإذا ضاع خروف واحد أو سقط فريسة، تكون الخسارة ضخمة للغاية، والضرر والرعب والعقوبة لا يُنطق بها. فوق هذا كله إن كان ربنا قَبِلَ سفك دمه من أجله، فأي عذر يبرر ذاك الذي يسمح لنفسه بأن يهمل في حق من له اعتباره لدى الرب، ولا يبذل كل الجهد من جانبه للاهتمام به؟[809]

 القديس أغسطينوس

3. البرّ ينتصر

يَتَعَجَّبُ الْمُسْتَقِيمُونَ مِنْ هَذَا،

وَالْبَرِيءُ يَقُومُ عَلَى الْفَاجِرِ [8].

إذ يسمع الصديقون ما حلّ بأيوب من ضيقات متوالية، ومن موقف أصدقائه منه، يقفون في دهشةٍ متعجبين. يظنون كأن الله قد ترك الأرض وتخلى عن مؤمنيه، فينهض البريء على الفاجر، أي لا يطيق أن يحتمل هذا، ويبحث عن عناية الله هذه التي تبدو غامضة. ينهض البريء ليقف ضد الفاجر مدافعًا عن الحق أو رافضًا كل تفسير خاطئ.

v     "يدهش الأبرار لذلك، ويثور البريء على المرائي" [8]. يُفهم"البريء"  في هذا الموضع على أنه البار لكنه غير كامل، هذا الذي يبدأ في الطرق الصالحة. فإنه وإن كان لا يفكر في الإضرار بالغير، لكنه ليس بقادرٍ أن يمارس الأمور الكاملة. إذ ترى قلوب الصغار الأشرار يزدهرون في الحياة الحاضرة، يلتهبون نارًا بجمر الحسد... الآن يلتهب البريء ضد المرائي، إذ لم يعتد أن يضر أحدًا لكنه يحسد مجد المرائي.

ولكن إن كان البريء في هذه العبارة يعني من هو كامل في صلاحه، "البريء يتحرك ضد المرائي" عندما يراه منتعشًا يزدري به وبانتعاشه. عندئذ يكرز بالأمور الحقيقية، ويقول بأنه يجب أن يُحتقر بواسطة الآخرين كلما رأوا فيه شوق نحو الأمور التي لا يستطيع أن يحتفظ بها طويلاً.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "لا تغر من الأشرار ولا تحسد عمال الإثم، فإنهم مثل الحشيش سريعًا يُقطعون، ومثل العشب الأخضر يذبلون" (مز 1:37-2). ما يبدو لك أنه مدة طويلة فهو في نظر الله "سريعًا". إذ تخضِعْ ذاتك لله تصير المدة الطويلة بالنسبة لك أيضًا "سريعًا"... تصَّيرون الأشياء تافهة لا قيمة لها، تظهر على سطح الأرض فقط، ليس لهم جذور في الأعماق. في الشتاء يكونون في اخضرار، ولكن إذ تلسعهم شمس الصيف يجفون. الآن وقت الشتاء، مجدك ليس كما هو في الظاهر، لكن إن كان لحبك جذر عميق مثل كثير من الأشجار في وقت الشتاء، يذهب الصقيع ويأتي الصيف (يوم الدينونة)، عندئذ يجف اخضرار العشب ويظهر مجد الأشجار[810].

v     لاحظت الأشرار، فرأيتهم في سلامٍ، أي سلام؟ سلام مؤقت، متغير، عابر وأرضي، ومع هذا فإني أنا أيضًا أطلب هذا من الله. رأيت الذين لم يخدموا الله ينالون ما اشتهيته أنا الذي أخدم الله، لكن قدمي زلتا وخطواتي زلقت (مز 2:73). الآن أدركت لماذا لهم سلام وانتعاش على الأرض... لأن عقابهم ليس مؤقتًا، بل ثابتًا إلى الأبد[811].

 القديس أغسطينوس

أَمَّا الصِّدِّيقُ فَيَسْتَمْسِكُ بِطَرِيقِهِ،

وَالطَّاهِرُ الْيَدَيْنِ يَزْدَادُ قُوَّةً [9].

إذ يرى الصديق الأشرار يزدهرون بينما تحل التجارب والضيقات بالأبرار والصديقين، لا ينسحب الصديق عن طريق الشركة مع الله، بل يزداد ثباتًا في عزيمته ويتقدم متمسكًا بالأكثر بطريقه. يرى ما يحل بالصديقين من متاعب تؤول إلى نموهم وتمتعهم بقوة أعظم.

يختبر الإنسان الروحي عربون الحياة السماوية، فلا يهتز أمام نجاح الأشرار المؤقت، ولا يضطرب أمام التجارب والضيقات. يجد سعادته في المثابرة بروح الرب الذي يعطي عذوبة فائقة للشركة مع السيد المسيح في صليبه، ويلهب دومًا أعماق المؤمن نحو طلب السماويات، مستهينًا بكل عطية زمنية.

لا يكف المؤمن الحقيقي عن أن يثابر ضد الخطية والتمتع بالحياة المقدسة، من أجل تمتعه بالشركة مع الرب.

v     ينال المرائي بإرادة شريرة أمور هذا العالم. أما الصديق فمربوط ومقيد بأكثر قوة بمحبة السماويات.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     إن راعينا قانون المثابرة ومارسنا التمييز بمعرفة، حيث تُحصد ثمرة الحياة، عندئذ يكون الصراع مع هجمات أهواء غير قادرة بأية وسيلة أن تقترب من ذهننا[812].

 القديس مار اسحق السرياني

v     نحن الذين وُهب لنا الحياة الأبدية ، نصنع الأعمال الصالحة، لا لأجل الجزاء، بل لحفظ النقاوة التي وُهبت لنا[813].

القديس مرقس الناسك

v     من المفيد جدًا قراءة الكتاب المقدس، فإنها تجعل النفس حكيمة، وتوجّه الروح نحو السماء، وتحرّك الإنسان نحو الشكر، وتهلك الرغبة في الأمور الأرضية، وتدع أذهاننا تتمعن باستمرار في العالم الآخر.[814]

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "(أحكام الرب) أحلى من العسل والشهد" (مز 10:19). إذ تلتزم النفس بأن تصير عسلاً نقيًا، متحررة من رباطات الحياة المائتة، تنتظر في بساطة بركات الوليمة الإلهية؛ أو أنها تكون في قرص الشهد، ملتحفة بهذه الحياة كما في خلايا شمع العسل التي تملأها دون أن تصير مثلها (أي دون أن تصير شمعًا). وهي في هذا تحتاج إلى معونة يد الله التي تضغط لا لتحطم، بل لكي تقطر عسلاً. تصير أحكام الرب بالنسبة لمثل هذه النفس أحلى من كيانها ذاته، أحلى من العسل والشهد.

القديس أغسطينوس

v     تأمل الأسلوب الأرثوذكسي في المعركة وقدر إنجازات المعارك الروحية، كيف أن المناضل المسيحي وقد انتصر على جسده الثائر ووضعه تحت وطأة قدميه يُحمل إلى الأمام كمنتصرٍ في الأعالي. ولذلك فإنه لا يركض كأنه عن غير يقين، لأنه يثق بدخوله توًا إلى المدينة المقدسة، أورشليم السمائية[815].

القديس يوحنا كاسيان

4. لا رجاء في هذا العالم

وَلَكِنِ ارْجِعُوا كُلُّكُمْ وَتَعَالُوْا،

فَلاَ أَجِدُ فِيكُمْ حَكِيمًا [10].

يطالبهم أيوب أن يرجعوا عما يفكرون فيه، وليدركوا أنه ليس بينهم حكيم واحد، لأنهم يسألونه التوبة من أجل عودة الرخاء إليه والرفاهية في العالم، ظانين أن هذا فيه تعزيات المتألمين. إنهم غير حكماء، لأنهم حوّلوا أعينهم عن تعزيات السماء إلى رفاهية العالم. سعادة الصديقين في رجائهم في الأبدية، لا في نوالهم خير زمني.

كأنه يقول لهم إنه من الحماقة أن يسمع لهم ويجيب طلبتهم فيهبهم ما هو زمني.

v     "حسنًا، تعالوا الآن، انهضوا جميعكم، إذ لا أجد الحق فيكم" (أي 17: 10 LXX). كأنه يقول: تعالوا وأنتم متعاونون معًا، ولتدخلوا في حوار حار ضدي.

يعرف أيوب أن واحدًا مفردًا يقتفي أثر ألف، واثنين يمكنهما أن يهزما عشرات الألوف (تث 32: 32). فلا حاجة إلى عدد عظيم من المصارعين، خاصة متى تسلحوا بالكذب.

إنني أرى على نحوٍ جازمٍ أنه لا يوجد الحق فيكم، لهذا بالتأكيد أحرضكم جميعًا على المعركة.

يليق بالإنسان أن يدهش للروح الجريء في كلمات أيوب. فبعدما وطأ أصدقاؤه عليه تحت الأقدام حتى أننا لا نقدر أن نتصور كيف تألم، غير أنه لم يهدأ عن مناظرتهم ولا تخلى عن صبره الذي جعله مرعبًا لأعدائه.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

جاء النص في كتابات البابا غريغوريوس (الكبير): "لكن بالنسبة لكم جميعًا فلتغيروا طريقكم وتأتوا الآن" [10]. وكأن أيوب يجيبهم بالقول: إن كنتم تسألونني التوبة عن خطايا لم ارتكبها، فإنكم تسقطون في خطية السب والاتهام الظالم. إني أنصحكم أن ترجعوا عن طريقكم هذا، وسلوككم الشرير، حينئذ تأتون إليّ، ويمكن التفاهم معًا.

يرى البابا هنا أن أيوب يدعوهم لعملين: الأول السلبي وهو الكف عن الخطية، والثاني إيجابي وهو عمل الصالح، هذا ما عناه بأن يغيروا طريقهم الشرير، ويأتوا إليه حاملين الأعمال الصالحة.

v     يسألنا بولس أن نكون أمواتًا للعالم، فإن هذا الموت نافع لنا، بكونه بدء حياة جديدة. هكذا أيضًا يأمرنا أن نكون جهلاء للعالم، لكي بهذا ندخل إلى الحكمة الحقيقية. تصيرون جهلاء لهذا العالم عندما تحتقرون الحكمة الأرضية، وتثقون أنها لا تساهم في إدراكنا للإيمان[816].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

v     حكمة هذا العالم هي تلك التي تنقصها نعمة الله، إنها بشرية في سماتها تمامًا[817].

 الأب ثيؤدورت

v     يلزمهم أن يغيروا طريقهم، وأن يأتوا. يتم التغيير بالإيمان، والمجيء بالممارسة، أو يلزمهم أن يتغيروا بترك الأعمال الشريرة، ويأتوا بممارسة الأعمال الصالحة. كما هو مكتوب: "كفْ عن الشر، واصنع الخير" (مز 37: 27).

"لعلي لا أجد إنسانًا واحدًا حكيمًا بينكم" [10]. ماذا يعني هذا أنه يوصيهم بالحكمة، وفى نفس الوقت يشتاق ألا يجدهم حكماء، سوى أنهم لا يقدرون أن يأتوا إلى الحكمة الحقيقية حين ينخدعون بثقتهم في حكمتهم الذاتية الباطلة؟

كُتب عن هذا : "لا تكن حكيمًا في عيني نفسك. (راجع إش 5: 21). قيل أيضًا: "لا تكونوا حكماء عند أنفسكم" (رو 12: 16).

في هذا يقدم الكارز العظيم (بولس) مشورة لأولئك الذين وجدهم حكماء جسديًا، وهي لكي ينالوا حكمة حقيقية يلزمهم أولاً أن يصيروا أغبياء، قائلاً: "إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلاً لكي يصير حكيمًا" (1 كو 3: 18). ويقول الحق نفسه: "أحمدك أيها الآب، رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء، وأعلنتها للأطفال" (مت 11: 25). هكذا لأن الذين هم حكماء في عيون أنفسهم لا يقدرون أن يأتوا إلى الحكمة الحقيقية، فإن الطوباوي أيوب، إذ كان تواقَا لتغيير سامعيه، بالحق اشتهي ألا "يوجد أي إنسانٍ حكيم بينهم". وكأنه يقول بصراحة: "تعلموا أن تكونوا جهلاء في أنفسكم، لكي تكونوا حكماء حقيقيين في الله".

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لا تدع كثرة الحكمة تصير حجر عثرة لنفسك، وفخًا في طريقك، بل أن الثقة بالله بثبات تصنع لك بداية الطريق المملوء دمًا (طريق الجهاد الروحي ضد الخطية)، لئلا تُوجد في عوزٍ على الدوام وعاريًا من معرفة الله، لأن الخائف الذي يراقب الريح لا يزرع أبدًا[818].

مار اسحق السرياني

أَيَّامِي قَدْ عَبَرَتْ.

مَقَاصِدِي إِرْثُ قَلْبِي قَدِ انْتَزَعَتْ [11].

يسألون أيوب توبته عن شره وريائه لكي يعود إليه ما فقده. أما بالنسبة له، فليس لهذه الأمور موضع في قلبه. فأيامه قد عبرت أو مسرعة إلى النهاية، ومقاصد قلبه القديمة من أعمال للإصلاح واهتمام بالفقراء قد نُزعت عنه. لقد صار أيوب يرى الموت ليس ببعيدٍ عنه، فلا يفكر فيما لا يستطيع عمله.

يرى البابا غريغوريوس أن أيوب يرمز للكنيسة المُضطهدة. إذ تشتد الضيقة عليها جدًا يرتفع بالأكثر فكرها نحو السماء، فلا تنشغل بالأمور الأرضية ولا حتى بالخدمة الاجتماعية البحتة، لكن تُحصر في المجد الأبدي. وما نقوله عن الكنيسة كجماعةٍ مقدسةٍ، يتحقق في حياة كل عضوٍ فيها، متى واجه الضيق بالتفكير في السماويات.

v     "أيامي تعبر، أفكاري تتبدد، توجع قلبي" [11]. ترى الكنيسة المقدسة أن فترات حياتها تعبر في فترات نهارٍ وليلٍ، فعندما تكون في شدة يكون لها ليل، وعندما تكون في رخاء يكون لها نهار. فإن النور يشرق في هدوء السلام. أحيانًا تصغي إلى خدمة الأمور الزمنية... هكذا الطوباوي أيوب، سواء كان بصوته أو بصوت الكنيسة الجامعة بعد اختبار أن أيامه قد عبرت، أكمل: "أفكاري تبددت، توجع قلبي". عندما يذهب المجد المؤقت من أذهان الصالحين، فإنه حتى الالتزامات بالأمور الأرضية أيضًا تُنزع عنهم... أحيانًا في التزاماتهم الأرضية يلتزمون بالنزول إلى التفكير في الأمور الدنيا، ويشعرون في داخلهم أنهم في عذابٍ. وأيضًا يحدث أن نفس العمل العدائي للاضطهاد يتحول بالنسبة لهم إلى تهليلٍ عظيمٍ بسبب راحة القلب التي ينالونها.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "نفسي في يدي"... تكون نفس أي إنسان بين اليدين حين يكون في وسط مخاطر... إذن يقول البار: بالنسبة لي فإني أموت كل يوم، أنا في خطر دائم من أجل (ارتباطي) بكلامك، ومن أجل الحق... لكنني لم أنسَ ناموسك، لأن خطر الموت لا يقدر أن ينسيني ناموسك.

يمكننا أن نفهم هذه العبارة بطريقة أخرى، وهي أن نفسي دائمًا في كفي، أي أنها دائمًا تمارس الأعمال الصالحة، لأن "اليد" أو "الكف" تُطلق دائمًا على العمل[819].

العلامة أوريجينوس

v     تحصل علي عالم النور عوض ألمٍ مريرٍ تتحمله لأجله ليومٍ واحدٍ.

إن صبرت علي الجوع قليلاً من أجل حبه، تلتهب عندئذٍ رغبتك لرؤية وجهه.

إن ظهرت الظلمة علي وجهك من الأعمال لأجله، يجمّلك بمجده إلي الأبد بلا نهاية.

إن تعريت مما هو لك، يلبسك نوره، ويخفي عنك ما هو لك.

إن تركت ما تملكه، تقتنيه في نفسك أبديًا[820].

الشيخ الروحاني (يوحنا الدّلياتي)

v     عناء كل السنين الطويلة لهذه الحياة الحاضرة يختفي عندما ننظر إلى أبدية المجد العتيد، وكل أحزاننا ستتلاشى بالتفكير في البركة العظيمة، وتصير كالبخار الذي يضمحل وكأنها لم تكن؛ تشبه البرق الذي حالما يختفي[821].

القديس يوحنا كاسيان

v     لقد زهد (الشهداء) كل الأشياء التي على الأرض، ونظروا بعيني الإيمان ملك السماء وطغمات الملائكة تقف أمامه. لقد رسموا في أذهانهم السماء وبركاتها التي لا يُنطق بها. لقد نقلوا أفكارهم إلى السماء، ولم يعطوا اهتمامًا بعد ذلك لأي أمرٍ يمكن أن يروه بأعينهم الجسدية...

لم يتأثروا بالأمور المنظورة قط (أدوات العذاب)، بل عبروا بجوارها، إذ حسبوها أحلامًا وظلالاً، ونالت عقولهم أجنحة بسبب رغبتهم في الأمور العتيدة[822].

v     لا نخاف من الفقر أو المرض أو أية ضيقة كهذه، فإننا نعرف أننا في طريقنا إلى حياة أفضل، والتي هي منيعة ضد الموت والدمار، ومتحررة من كل ظلمٍ[823].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يَجْعَلُونَ اللَّيْلَ نَهَارًا،

نُورًا قَرِيبًا لِلظُّلْمَةِ [12].

يحدثونه عن الليل حيث أيامه كادت أن تعبر كأنه نهار، لكنه ليس نهارًا مبهجًا بنوره، وإنما نوره قريب من الظلمة. بينما لم يكن يتوقع شيئًا ما على الأرض، ركزوا حديثهم على الرخاء في العالم كمكافأة الرب للأبرار، بهذا يهيئون له العالم في أذهانهم بيتًا للراحة، أما هو فيرى الموت نصب عينيه، ولا رجاء له في أمور العالم الزمنية. إنه يرحب بالموت كبيتٍ يستقر فيه. هناك في القبر يُعد فراشه.

إِذَا رَجَوْتُ الْهَاوِيَةَ بَيْتًا لِي،

وَفِي الظَّلاَمِ مَهَّدْتُ فِرَاشِي [13].

َقُلْتُ لِلْقَبْرِ: أَنْتَ أَبِي،

وَلِلدُّودِ: أَنْتَ أُمِّي وَأُخْتِي [14].

في مرارة يتطلع أيوب إلى استبدال أصدقائه في العالم بالقبر، فيصير له أبًا، إذ هو أكثر رحمة منهم، وعوض وعودهم بالبركات الزمنية يجد في الدود أمه وأخته. شكا أيوب من أن أقاربه قد خذلوه، وصاروا غرباء عنه (أي 19: 13، 14)، لذلك يذكر هنا أقرباء لا يفارقونه ولا يتنكرون له وهم الموت والدود.

يرى الأب هيسيخيوس الأورشليمي أن أيوب دعا الفساد أمًا وأختًا، لأنه بسبب الخطية صدر الحكم ضد الإنسان أن ينحل ويفسد ويعود إلى ترابه.

v     إن فهمنا هذا بالمعنى الروحي، فإن الطبيعة ليست بالأمر غير اللائق أن تُدعى أمنا، والعادة تُدعى أختًا لنا، فإننا وُلدنا من الواحدة، ونمونا مع الأخرى. ذات الأم والأخت هما الدود، فإنه بسبب الطبيعة الفاسدة والعادة الشريرة نُلزم بنوعٍ من الدود أو الأفكار المثيرة، تأكل الذهن. فإن طبيعة الجسد الفاسدة والعادة الشريرة تولدان اهتمامات عديدة في قلب ضعفنا، لذا بحق دُعيت دودًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     ليتنا نتخلص من قذارة الخطية، فيظهر الجمال الأول الذي للفضيلة. يقول داود النبي في المزمور: "يا رب بجمالك أعطيت جمالي قوة" (مز 8:29). لنتطّهر حتى تظهر صورة الله فينا، وهذا هو ما يريده الله منّا، أن نكون بلا دنس ولا نقص ولا عيب[824].

الأب دوروثيؤس

v     يحزن جميع القديسين بتنهدات يومية من أجل ضعف طبيعتهم هذا. وبينما هم يستقصون أفكارهم المتنقلة ومكنونات ضمائرهم وخلواتهم العميقة يصرخون متضرعين: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدامك حيّ" (مز 143: 2)....

ها أنت ترى إذن كيف يعترف جميع القديسين بصدق أن جميع الناس كما هم أيضًا خطاة، ومع ذلك لا ييأسون أبدًا من خلاصهم، بل يبحثون عن تطهيرٍ كاملٍ بنعمة الله ورحمته...

لا يوجد أحد، مهما كان مقدسًا، في هذه الحياة بلا خطية. وقد أخبرنا أيضًا تعليم المخلص الذي منح تلاميذه نموذج الصلاة الكاملة...، إذ يقول: "وأغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا" (مت 6: 12).

إذن إذ قدم هذه كصلاةٍ حقيقيةٍ يمارسها قديسون، كما يجب أن نعتقد دون أدنى شك، فمن يمكنه أن يبقى عنيدًا ووقحًا ومنتفخًا بكبرياء الشيطان، فيظن أنه بلا خطية[825].

الأب ثيوناس

v     كما أن القديس هو هيكل الله، هكذا الخاطئ يقيم من نفسه قبرًا[826].

القديس جيروم

فَأَيْنَ إِذًا آمَالِي؟

آمَالِي مَنْ يُعَايِنُهَا! [15]

يرى أيوب أن كل آماله السابقة تنحدر معه إلى القبر فيرثيها. حقًا إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء، فنحن أشقى جميع الناس (1 كو 15: 19). ليس من يستطيع أن يرى آمالنا التي تعزينا، إذ نترجى، لا الأشياء الوقتية التي تُرى، بل الأبدية التي لا تُرى (2 كو 4: 18).

الآمال التي قدمها له أصدقاؤه تنزل معه إلى القبر، لتُدفن معه ولا تعود. هم مائتون يقدمون ما هو فانٍ.

v     "ماذا إذن هو رجائي؟" [15]. أو أين هو رجاء الإنسان الذي فيه يتحقق هذا الطريق من الضعف؟ "أين سأرى خيراتي؟" عندما نرحل منه.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "الآن أين هو توقعي؟" [15]. ماذا يمكن أن يكون توقع البار سوى الله الذي يبرر البار، والذي نزل بإرادته إلى عقوبة بشرية، وببرَّه حرر أسرى الموت؟ فإنهم لن يتوقفوا عن توقعهم بقية التوقعات المملوءة رجاءً. إنهم يعرفون أن هذا آت، لكنهم يطلبون سرعة المجيء. لذلك لم يقل: "أين هو توقعي؟" بل أضاف كلمة "الآن"، مظهرًا أنه يود أن يتحقق ما سيأتي يومًا دون تأخير.

"ومن يتأمل في صبري؟" [15]... يشهد الحق: "إن أنبياء وملوكًا كثيرين اشتهوا أن يروا هذه الأمور التي ترونها ولم يروا" (لو 10: 24). وهكذا "من يتأمل في صبري؟" نفخات الرغبة الحارة صارت مكشوفة... ليقل: "من يتأمل في صبري؟" فإن ما يحسبه مدبر الأمر (الله) أنه مدة قصيرة يراه من يحب أنه مدة طويلة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     ينبغي علينا أن نضع في السماء ما نخسره الآن على الأرض. فالعدو يستطيع أن ينقب منازلنا، لكنه هل يقدر أن يكسر باب السماء؟! إنه يقتل الحارس هنا، لكن هل يستطيع أن يقتل الله حافظها؟!

v     لو أخبركم مهندس معماري أن منزلكم يسقط حالاً، أفلا تتحركون سريعًا قبل أن تنشغلوا بالنحيب عليه؟! هوذا مؤسس العالم يخبركم باقتراب دمار العالم، أفلا تصدقونه؟!... اسمعوا إلى صوت نبوته: "السماء والأرض تزولان" (مت35:24)... استمعوا إلى مشورته![827]

القديس أغسطينوس

تَهْبِطُ إِلَى مَغَالِيقِ الْهَاوِيَةِ،

إِذْ تَرْتَاحُ مَعًا فِي التُّرَابِ [16].

v     "أو هل سينزلون معي إلى الجحيم، أو سننزل معًا إلى التراب؟" [16]. إذن لماذا نقيم المباني؟

لماذا نرتبك بأغطية ثمينة للسرائر والملابس المختلفة؟ لماذا نضيف حقلاً إلى حقلٍ (إش 5: 8)؟ لماذا نطلب الغنى الذي لا يذهب معنا؟

ولماذا لا نصدق تدبير الديان، ولا نذعن له، القائل: "لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض، حيث يُفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون، بل اكنزوا لكم كنوزًا في السماء حيث لا يُفسد سوس ولا صدأ، حيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون" (مت 6: 19-20). فإن ملائكتنا تحرس كنوزنا، ولاسيما رب الملائكة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "ألا تظنون أنه على الأقل ستوجد راحة لي هناك؟"... هنا ما يفيدنا التأمل بخوفٍ شديدٍ كضمانٍ لنا للراحة الأبدية، فإنه حتى أيوب كان مرتعبًا من ذلك... "إن كان البار بالجهد يخلص، فالفاجر والخاطي أين يظهران؟" (1 بط 4: 18) فإن الطوباوي أيوب عرف أنه سينال راحة بعد ضربات الضيق، لكنه إذ يهز قلوبنا بالخوف، بدا كمن هو في شكٍ من جهة مكافأة الراحة الأبدية بقوله: "ألا تظنون؟"

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     يرى البعض أن منازلهم التي يقيمون فيها هي مملكتهم، وبالرغم من علمهم أن الموت محتم، وأنه يومًا ما سيجبرهم على تركها، ففي قلوبهم يشعرون أنهم يمكثون إلى الأبد. إنهم يفتخرون بحجم منازلهم، والمواد الممتازة التي صُنعت منها. يجدون متعة في زخرفة منازلهم بألوان زاهية، وفي انتقاء الأثاث الأكثر صلابة والأفضل لملأ الغرف. يتخيلون أنهم باقتناء منزل معمر... سيجدون فيه سلامهم، أي كلما تأكدوا أن حوائطه وأسطحه تظل متينة إلي أجيال كثيرة.

أما نحن فعلى النقيض، نعلم أننا مجرد ضيوف نعيش مؤقتًا على الأرض. ندرك أن المنازل التي نقطنها هي بمثابة فنادق على الطريق إلى الأبدية. إننا لا ننشد سلامًا أو أمنًا من الحوائط المادية من حولنا أو الأَسقف فوق رؤوسنا. بل بالحري نريد أن نحيط أنفسنا بحوائط النعمة الإلهية. ونتطلع إلى السماء عاليًا كسقفٍ لنا. أما الأثاث في حياتنا فيجب أن يكون أعمالاً صالحة، نعملها بروح الحب.

القديس يوحنا الذهبي الفم


 

من وحي أيوب 17

إني أترقب اللقاء معك

 

v     كلما ذكرت يوم رحيلي، أو يوم لقائي معك،

تنسحق نفسي في داخلي،

تئن من أجل كل ضعفٍ يحل بي.

هوذا الأشرار يسمنون،

إذ يظنون أنهم يعيشون هنا إلى الأبد.

أما أنا فيوم مجيئك الأخير منقوش في قلبي،

لا يفارق ذاكرتي.

بماذا أتبرر قدامك؟

 

v     في وسط حزني على ضعفي،

قلبي يتهلل في داخلي.

نعم، إني مشتاق إلى العودة إلى بيتي الأبدي!

عيناي تتطلعان إليك،

متى ألتقي بك وجهًا لوجهٍ؟

 

v     إلهي، هوذا حولي من يطلبون الحوار الجاف.

يفسدون توبتي، وتعلقي باللقاء معك.

لا، بل عدو الخير، الغريب عني، وعن كل جنس البشر،

لا عمل له إلا أن يسلبني التمتع بالتفكير فيك،

والاستعداد لشركة الأمجاد الأبدية.

إنه خصم عنيد،

لا يهدأ حتى ينزل بي معه إلى مسكنه الأبدي.

لست بهذا أبرر نفسي،

فأنت تعلم إني خاطي.

إني مجروح بالخطية،

لكني وجدتك طبيبًا شافيًا!

إني خاطي، وجدتك القدوس، تقدس كل كياني!

إني مدين، وأنت كفيلي وضامني.

دمك يمزق الصك المكتوب عليّ.

صليبك يحررني من أسري.

أنت وحدك تجَّرد الرئاسات والسلاطين،

بصليبك تشًّهر بهم جهارًا،

فأفلت من أيديهم، ولا أنحني لسلطانهم بعد.

أنطلق من رئيس هذا الدهر،

لأحتمي تحت جناحيك يا ملك الملوك ورب الأرباب.

ظن عدو الخير أنه بحكمة أسرني وأذلني.

لكن حكمته صارت خبثًا ودهاءً!

لقد نزع ربي عنه الحكمة الحقيقية،

إذ عزل نفسه عن حكمة الله.

صار الخبيث جاهلاً، وفقد إمكانياته.

أما أنا ففي جهلي أصرخ مستغيثًا.

اشتهي الاتحاد بك يا حكمة الله.

أقتنيك، فأصير بك بالحق حكيمًا،

وأتأهل للسكنى في السماء مسكن الحكماء!

 

v     ما يحزن نفسي أن عدو الخير يأسر الكثيرين.

كل نفسٍ تفقد نورك، أحسب إني في ظلمةٍ معها!

وكل نفسٍ تستهين بخلاصها، أحسب نفسي كمن يهلك معها!

كل نفسٍ يسبيها العدو، أحسب نفسي مسبيًا معها!

 

v     لماذا تئن نفسي عندما أرى الأشرار، المقاومين للحق، يزدهرون؟

مهما طال زمان حياتهم،

فسيعبرون سريعًا،

وكالعشب يجفون!

أولادك كالشجرة في فصل الشتاء،

يظهرون كأشجارٍ ميتةٍ بلا أوراقٍ ولا ثمارٍ،

لكن يأتي ربيع يومك،

ويذهب صقيع العالم،

وتتمجد أشجارك بثمارها العجيبة!

حقًا. سيزول العالم سريعًا،

ويظهر ما لأولادك من مجدٍ أبديٍ!

مهما اشتد صقيع العالم، ومهما تراكمت التجارب،

عربون السماء يملأني ببهجتك!

والشركة معك حتى في آلامك تملأني سلامًا!

 

v     هوذا أيامي تعبر سريعًا.

هب لي أن أقتني الحكمة والحق الإلهي.

لأجحد الحكمة البشرية المتعجرفة.

أتمتع بك يا كلي التواضع!

 

v     نفسي في يديّ وأنا سالك وسط المخاطر.

أترقب خروجي من العالم في أية لحظة بفرحٍ!

لا أكف عن أتمم بيدي عملك، لأني سفيرك.

حتى متى خرجت أُوجد معك، وأتمتع ببهائك!

 

v     أخيرًا ليكن كل رجائي فيك.

ليكن كنزي في سماواتك!

ليس من مكان آمن مثلها!

<<


 

اَلأَصْحَاحُ الثَّامِنُ عَشَرَ

صورة مُرَّة للدمار

جاء دور بلدد للمرة الثانية، وجاء حديثه الثاني كأليفاز أكثر حدةٍ وقسوةٍ. فإن كان أيوب قد اشتكى من تعاسته، وأن نهاره قد صار ليلاً وظلمة، ومن محاصرة الفخاخ له، وجد بلدد فرصته لتأكيد شر أيوب.

ربما أخطأ أيوب حين بلغ به الضيق الشديد إلى شهوة الموت ليكون له القبر أبًا والدود أمًا. بهذا كان أيوب يحطم نفسه، عوض هذا كان يلزم أن يؤمن بالله الذي يحرك الجبال [٤].

لم يضف بلدد شيئًا ذا قيمة إلى حديثه السابق. عاد يذكر أمثلة توضيحه لفكره بخصوص مصير الأشرار.  قدم بلدد صورة للشرير، قصد بها أنها تنطبق على أيوب، الذي كان في نظره متغطرسًا:

v     ليس لديه نور لكي يضيء بيته أو لتدفئته [٥-٦].

v     يتسم الشرير بالتردد، فيضل طريقه بسبب الظلمة، ويفقد مسلكه بسبب أخطائه [٧].

v     يجري كحيوان يُصطاد، فيسقط في فخ [8-١0].

v     يلاحقه الرعب أينما ذهب [11-13].

v     تفترسه الأمراض والموت. يُطرد من بيته المُريح، ويُسلم إلى ملك الموت [١٤].

v     يستولي آخرون على بيته، أو يهلك مثل سدوم وعمورة [١٥].

v     يُنتزع هو وأسرته من الأصل كما من الفروع، وبعنفٍ يعبر من نور هذا العالم إلى ظلمة الموت [١٦-١٩].

v     مصيره مُرعب في هذا العالم.

1. اتهام أيوب بالغطرسة            1-4.

2. نور الأشرار ينطفئ               5-6.

3. الأشرار يضلون طريق            7.

4. يسقط الأشرار في الفخاخ         8-10.

5. يسيطر الرعب على الأشرار      11-13.

6. يُطرد الأشرار من خيامهم         14-15.

7. نزع ذكر الأشرار                 16-17.

8. دمار تام للأشرار                 18-21.

1. اتهام أيوب بالغطرسة

فَأَجَابَ بِلْدَدُ الشُّوحِيُّ: [1].

إِلَى مَتَى تَضَعُونَ أَشْرَاكًا لِلْكَلاَمِ؟

تَعَقَّلُوا وَبَعْدُ نَتَكَلَّمُ [2].

يلقى بلدد بسهمٍ في قلب أيوب، إذ يتهمه بأنه يتحدث بكلامٍ فارغٍ بلا تعقل. يضم في هذا مع أيوب آخرين، ربما قصد الصديقين أليفاز وصوفر، أو بعض الحاضرين الذين ربما دافعوا عن أيوب بين آن وآخر.

لقد ملّ بلدد سماع الكلام، فإذ جاء دوره فرّغ كل ما في قلبه من ضيق بلا حنوٍ. للأسف غالبًا ما ظن بلدد أن الحكمة حكر على عقله دون غيره، فتسرع في هجومه بالكلام.

يوصينا الرسول أن يكون "كل إنسانٍ مسرعًا في الاستماع، مبطئًا في التكلم" (يع 1: 19).

بعد أن كان أيوب في رخائه يقول الكلمة النهائية القاطعة كرجلٍ حكيمٍ يحترم الكل آراءه، يُوجه إليه الآن هو ومن معه ألا يتكلموا إلا بعد أن يتعقلوا.

v     انظروا إلى أولئك الذين كانوا مشغولين بإدانته. تطلعوا إلى أولئك الذين يريدون أن يبكموا فمه. هذا ليس موقف أناسٍ يطلبون له التعزية، بل بالعكس من يثيرونه ويسخرون به... ألا ترون حسدهم؟ يحسبون الصمت عارًا، وقمة الغباوة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

جاء النص في كتابات البابا غريغوريوس (الكبير): "فأجاب بلدد الشوحي وقال: إلى أي مدى تطلق كلماتك وتنشرها؟ لتفهم أولاً، دعنا نتكلم" [1-2]. ويرى هذا الأب في أغلب تفسيره لسفر أيوب أن أيوب يرمز للكنيسة المقدسة، وأن أصدقاءه يرمزون للهراطقة المقاومين لها.

هنا يقدم بلدد - كممثلٍ للهراطقة - اتهامين ضد الكنيسة، الاتهام الأول أن آراءها غير أصيلة، والثاني أنها بلا فهم، إذ لا تدرك آراءهم وأفكارهم. في كل  العصور، إذ تتمسك الكنيسة بالإيمان الحي دون تسيب، يتهمها البعض بالعجرفة والكبرياء والجمود، وإذ ترفض الآراء المنحلة يتهمونها أنها ضيقة الأفق، عاجزة عن أن تكون معاصرة، إذ لا تفهم ما يدور حولها.

في تعليق القديس جيروم على كلمات الرسول بولس: "عاملين مشيئات الجسد والأفكار" (أف 3:2)، يميز بين خطية الجسد وخطية الفكر فيقول: [يوجد فارق بين خطية الجسد وخطية الذهن. خطية الجسد بلا احتشام وفيها خلاعة، وتعمل كأداة لتحقيق شهواته. أما إثم الذهن فيخص التعليم ضد الحق والانحدار الذي للهراطقة[828].]

v     يظن كل الهراطقة، أن الكنيسة المقدسة إذ تعرف بعض الأمور أنها مملوءة كبرياءً، بينما يحسبونها لا تفهم بعض الأمور التي يتوهمونها. هكذا كان بلدد الشوحي كمن يؤكد أن الطوباوي أيوب قد انكسر في كبرياءٍ، عندما أعلن أنه "ينشر الكلمات على نطاق واسع". لكن (بلدد نفسه) يحمل علامة على كبريائه، إذ انتفخ حاسبًا أن الطوباوي أيوب ينطق بأمور لا يفهمها.

البابا غريغوريوس (الكبير)

أيا كانت الاتهامات الموجهة ضد الكنيسة، فإنها لا تكف عن الجهاد المستمر حتى تبلغ بكل المؤمنين إلى وحدة الإيمان، هذه التي يحسبها الرسول بولس بلوغًا إلى الكمال: "إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى إنسانٍ كاملٍ، إلى قياس قامة ملء المسيح، كي لا نكون في ما بعد أطفالاً مضطربين، محمولين بكل ريح تعليم" (أف 12:4-14).

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارات قائلاً: [ ننضج حين نبلغ إلى وحدة الإيمان، أي حين يُوجد مشاركون في الإيمان الواحد، فإن هذه هي وحدة الإيمان حين نصير جميعًا واحدًا، حين نعرف كلنا ذات الميثاق[829].]

لِمَاذَا حُسِبْنَا كَالْبَهِيمَةِ،

وَتَنَجَّسْنَا فِي عُيُونِكُمْ؟ [3]

حقًا إن أيوب دعا أصدقاءه مخاتلين (أي 17: 2)، وصوَّرهم غير حكماء بلا رحمة، لكنه لم يدعُهم قط حيوانات أو بهائم كما يدعي بلدد هنا. لقد استاء بلدد من عتاب أيوب، وحسب ذلك إهانة بالغة فرد الإهانة بإهانة أمر وأقسى.

v     "لماذا نصمت أمامك كالبهائم؟" (LXX) لأن لك روح بهيمية، تطأطئ رأسك نحو الأرض. حتمًا أفكارك غير سليمة، ولا تناسب أناسًا صادقين، بل أولئك الذي قال عنهم داود: "الإنسان بكونه في كرامة لا يفهم، يُقارن بالقطيع غير العاقل، ويشبههم" (راجع مز 49: 12).

بالنسبة لبلدد إذ أدرك أنه غير قادر أن يجاوب أيوب، تحوّل إلى الشتائمِ، صار مُهددًا في لحظة خاطئة. لهذا السبب فإن كلمات أيوب التي وجهها إلى الخصم (إبليس) لا إلى الله حسبها بلدد أنها ضد الله، وبهذا لم يخجل من أن يسيء إلى البار.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     حيث أن كل الهراطقة يشكون أن الكنيسة المقدسة تحتقرهم في تقديرها لهم، لذلك أضاف: "هكذا حُسبنا كبهائم، وكفاسدين في عينيك" [3]. إنه لأمر طبيعي للذهن البشري أن يفترض أن الأمور التي يفعلها إنما ترتد إليه. فيعتقدون أنهم محتقرون، بكونهم اعتادوا أن يحتقروا طرق الصالحين... تبرهن الكنيسة ضد الهراطقة أن ما يفعلونه هو أمر غير معقول، فيظنون في أنفسهم أن الكنيسة تتطلع إليهم كبهائمٍ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يَا أَيُّهَا الْمُفْتَرِسُ نَفْسَهُ فِي غَيْظِهِ،

هَلْ لأَجْلِكَ تُخْلَى الأَرْضُ،

أَوْ يُزَحْزَحُ الصَّخْرُ مِنْ مَكَانِهِ؟ [4]

انفعل بلدد بالأكثر فحسب أيوب حيوانًا شرسًا: "يا أيها المفترس نفسه في غيظه". فإن كان أيوب مفترسًا، فقد افترس نفسه. ولعل بلدد أراد أن يرد على أيوب الذي وجه الاتهام إلى الله: "غضبه افترسني واضطهدني"، فيقول: "لا تلُم الله كأنه قد افترسك، إنما بوحشيتك افترست نفسك".

اتهم بلدد أيوب بالغطرسة كمن يستطيع أن يشرع لله: "هل لأجلك تخلى (تهجر) الأرض؟"، كمن يرغب في تغيير قوانين الطبيعة من أجله وحده. أو كأن العالم لا يقوم بدونه، فإذا ما هلك باد العالم معه، وأُخليت الأرض معه.

يرى البعض أن بلدد يوبخ أيوب هكذا: إما أن يعترف بأنه شرير مستوجب لما حلّ عليه، أو يفترض أن الله تخلى عن عنايته الإلهية وأنه هجر الأرض، وأن صخر الدهور قد تزحزح.

في سخرية يتحدث الهراطقة مع الكنيسة كما يتحدث هنا بلدد مع أيوب. كأنهم يقولون لها: "هل تظنين أنكِ فلك الخلاص وحدك، بدونك لن يتمتع إنسان بالخلاص الإلهي؟ ما تنادين به، هذا نوع من الجنون والكبرياء".

يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على هذا النص قائلاً:

[يحسب الهراطقة أن المشاعر القوية للتدبير الحسن أو للنعمة الروحية للكرازة المقدسة ليست صالحة كفضيلةٍ، بل هي جنون الغضب...

"هل لأجلك تُخلى الأرض؟" (أي 18: 4)... تعلن الكنيسة المقدسة الجامعة أن الله لا يمكن عبادته إلا من خلالها، مؤكدة أن كل الذين خارجها لن يخلصوا. والهراطقة من الجانب الآخر، إذ يثقون أنه يمكنهم أن يخلصوا حتى بدون الدخول في نطاقها يؤكدون أن العون الإلهي يبلغ إليهم في كل موضع...

"أو يُزحزح الصخر من مكانه؟" يدعو الهراطقة هؤلاء الأشخاص صخورًا، هؤلاء الذين في نظرهم، بسمو أفكارهم يقفون في الجنس البشرى مفتخرين بكونهم معلمين. ولكن تقدم الكنيسة المقدسة ذاتها لجمع شمل المبشرين المخطئين ليدخلوا معًا في حضن الإيمان السليم. ماذا يُحسب هذا سوى أنها "تحرك الصخرة من مكانه". وإذ تصير لهم نظره سليمة للأمور، يخضعون في تواضع في داخلها، هؤلاء الذين كانوا قبلاً يأخذون موقف العناد، متمسكين بمفاهيم الخاطئة؟...

هكذا حمل بلدد رمزًا للهراطقة الذين ارتفعوا على أساس أن حياتهم سعيدة، منتفخين على الضربات التي حلتِ بالطوباوي أيوب.]

لم يكن لراحاب أو أهل بيتها أن يتمتعوا بالخلاص لو خرجوا من البيت الذي علق على كوته الخيط القرمزي، إذ لا خلاص خارج الكنيسة المفدية بدم المسيح.

v     راحاب تمثل الكنيسة، والحبل القرمزي يرمز إلى دم المسيح، والذين في البيت هم فقط الذين خلصوا. من أراد أن يخلص فليأت إلى هذا البيت حيث دم المسيح علامة الفداء... ينبغي ألا يخدع أحد نفسه، فإنه لا يخلص أحد خارج البيت، أعني خارج الكنيسة[830].

 العلامة أوريجينوس

v     أتظنون أنكم قادرون أن تصمدوا وتحيوا إن انسحبتم لتقيموا لأنفسكم بيوتًا ومواضع مختلفة، وقد قيل لراحاب: "اجمعي إليك في البيت أباكِ وأمكِ واخوتك وسائر بيت أبيكِ، فيكون أن كل من يخرج من أبواب بيتك إلى خارج، فدمه على رأسه، ونحن نكون بريئين؟![831]

v     في هذا أعلن السرّ، أن الذين يريدون أن يحيوا ويهربوا من هلاك العالم يلزمهم أن يجتمعوا معًا في بيتٍ واحدٍ وحدهم، أي في الكنيسة، أما من يخرج من بين هؤلاء المجتمعين هناك معًا، أي إن كان أحد بالرغم من نواله نعمة في الكنيسة يتركها ويخرج خارجًا، فدمه على رأسه؛ هو مسئول عن هلاك نفسه، الأمر الذي أوضحه بولس موصيًا بتجنب الهرطوقي (رو 16: 17).[832]

v     من يبقى خارج الكنيسة فهو خارج معسكر المسيح[833].

v     لا يكون مسيحيًا من هو ليس داخل كنيسة المسيح[834].

v     إذ كيف يمكن أن يكون أحد مع المسيح إن كان لا يسلك داخل عروس المسيح، وإن لم يوجد في كنيسته؟![835]

v     من ليس له الكنيسة أمًا، لا يقدر أن يكون الله أباه![836]

القديس كبريانوس

2. نور الأشرار ينطفئ

نَعَمْ! نُورُ الأَشْرَارِ يَنْطَفِئُ،

وَلاَ يُضِيءُ لَهِيبُ نَارِهِ [5].

حديث بلدد هنا صادق، لكنه لا يتحقق هذا فورًا وبطريقة منظورة علنية.

بقوله "نعم" يشير بلدد إلى ما يعانيه أيوب من الحزن الشديد الذي يسقط تحته. يقول له: ما تقوله صدق، لأنه كان يجب أن تكون فيما أنت عليه كأمرٍ طبيعيٍ يليق بالإنسان الشرير. فلا تدهش إن كان ما لك من نور بسيط قد انطفأ تمامًا. لعله قصد بنور الأشرار ما كان له من خيرات وفرح إلى فترة وجيزة قبل حلول التجارب. نور الأشرار ليس نور شمس البرّ الأبدي، نور الرب الذي لن ينطفئ، إنما هو "نور ناره، والشرارة التي أوقدها" (إش 50: 11).

يتحدث أيوب عن أيام رخائه حينما كان سراج الرب يضيء على رأسه (أي 29: 3). ويقول المرتل داود: "أنت تضيء سراجي، الرب إلهي ينير ظلمتي" (مز 18: 28). ومن الجانب الآخر يعبر أيوب البار عن ألمه الشديد بقوله: "كم ينطفئ سراج الأشرار" (أي 21: 17). ويقول سليمان: "من سب أباه وأمه ينطفئ سراجه في حدقة الظلام" (أم 20: 20). "سراج الأثمة ينطفئ" (أم 24: 20). وقد أشار السيد المسيح إلي الحرمان من ملكوت الله أو ملكوت النور بالدخول في الظلمة الخارجية أو جهنم (مت 8: 12؛ 22: 13).

جاء في الأمثال: "نور الصديقين يُفَّرح، وسراج الأشرار ينطفئ" (أم 13: 9) (راجع إر 25: 10)[837].

v     "ألا ينطفئ نور الأشرار، ولا يضيء لهيب ناره؟" [5]. إن كان يقول هذا عن الحياة الحاضرة فهو مخطئ، إذ كثيرًا ما يُرى النور مزدهرًا في حياة الأشرار، بينما ظلمة الخزي والفقر تغلف حياة الأبرار... وإن كان يُقال هذا بخصوص الإنسان الشرير، لكنه لا يُوجه هذا ضد الإنسان القديس الذي تسقط عليه ضربات...

لكن "ينطفئ نور الأشرار". من حيث أن سعادة الحياة الحاضرة سرعان ما تنتهي مع الحياة ذاتها. لذلك فإنه يليق أن يُضاف: "ولا يضيء لهيب ناره". فإنه لكل إنسانٍ شرير "لهيب ناره"، الذي يشعله في قلبه من حرارة الشهوات الوقتية، مادام يحترق بشهوات متنوعة، ويذري أفكاره في لهيب أعظم بأوهام العالم المتعددة. ولكن إن كانت النار بلا لهيب، فإنها لا تضيء ببعث أي نور... فإنه حتى الصديقين لهم لهيب نارهم، لكنه لهيب ينير ببهاءٍ، حيث أن شهواتهم تشرق في الأعمال الصالحة. أما نور الأشرار فلا يشرق على الأقل كما يودون في الشر، ويلتزمون بالدخول إلى الظلمة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لا يستطيع عدو الخير إبليس - أن ينير، وإن ظهر منيرًا، يحمل نورًا مزيفًا. لأنه رئيس مملكة الظلمة، يظهر كملاك نورٍ ليخدع البشرية، ويدخل بها إلى مملكة الظلمة. هكذا الأشرار، المصرون على عصيانهم، لن يستطيعوا أن ينيروا، إذ يقدمون مما لهم ولأبيهم، أي الظلمة.

v     إذ نعرف المسيح أنه النور الحقيقي (يو 9:1)، فإنه غير مُدرك (1 تي 16:6) بالنسبة للباطل. إننا نتعلم هذا، أي أنه من الضروري لحياتنا أيضًا أن تستنير بأشعة النور الحقيقي. لكن الفضائل هي أشعة "شمس البٌر" (مل 20:3)، تنبعث لأجل استنارتنا، خلالها نخلع أعمال الظلمة (2 كو 2:4). إذ نفعل كل شيءٍ في النور، نصير نحن أنفسنا نورًا، يضيء على الآخرين (مت 15:5-16)، إذ هذا من سمة النور[838].

 القديس غريغوريوس النيسي

v     لا يصوب الشيطان سهامه في وقت النهار لئلا يُرى، إذ كل ما يُفعل في النور يعلنه النور[839].

v     ليس للهراطقة المسيح، الحق، على شفاههم، لأنه ليس في قلوبهم... يعنون شيئًا في قلوبهم، ويعدون بشيء آخر على ألسنتهم. ينطقون بالتقوى، ويخفون الشر. يتكلمون عن المسيح، ويخبئون ضد المسيح، لأنهم يعرفون أنهم لن ينجحوا في خداعهم إن أظهروا ضد المسيح. يقدمون النور فقط لكي يخفوا الظلمة، فبالنور يقودون إلى الظلمة[840].

القديس جيروم

النُّورُ يُظْلِمُ فِي خَيْمَتِهِ،

وَسِرَاجُهُ فَوْقَهُ يَنْطَفِئُ [6].

يقصد هنا خيمة النفس (2 كو 5: 1)، أي الجسد، يفسد تمامًا ويكون ظلامًا.

إن كانت الخيمة هي الجسد، فإن انتزاع السراج يشير إلى الموت، إذ "عند موت إنسانِ شرير يهلك رجاؤه" (أم 11: 7).

يظن الأشرار أن الحياة هي التمتع بالشهوات الجسدية والملذات واللهو، وأن الحرمان منها فقدان للحياة، أو يرونها نورهم، بدونها يكونون كقاطني القبور المُقبضة. ما يحسبونه نورًا يظلم، وما يظنونه سراجًا ينطفئ.

هذا هو نور الأشرار وسراجهم، أما نور المؤمنين الحقيقيين فهو كلمة الله، التي تبدد الظلمة، وتقيم من المؤمنين نورًا صادقًا في الرب.

v     السراج هو نور في إناء خزفي، لكن النور الذي في الإناء الخزفي هو المتعة التي في الجسد. هكذا السراج الذي فوقه ينطفئ، حيث أن المجازاة عن شره تحل فوق الشرير، وتصير اللذة الجسدية كلا شيء في القلب.

البابا غريغوريوس (الكبير)

3. الأشرار يضلون طريق

تَقْصُرُ خَطَوَاتُ قُوَّتِهِ،

وَتَصْرَعُهُ مَشُورَتُهُ [7].

إذ يكرس الشرير كل طاقاته لحساب الخيرات الزمنية، غير مبالٍ بالبركات الأبدية، تعبر أيامه كالظل، وتُحسب خطوات عمره قصيرة للغاية، ويخرج فارغ اليدين. وإذ يبذل كل الجهد في التفكير من أجل الزمنيات، تتحول خططه إلى عدوٍ له، تفقده الحياة الحقيقية الأبدية.

v     "وتصرعه مشورته" [7]. كل إنسانٍ شرير غاية مشورته هي الزمنيات، تاركًا عنه الأبديات، فيمارس الظلم ويسخر من البرّ. ولكن عندما يأتي ديان الأبرار والظالمين، يُصرع كل شخص شريرٍ بمشورته، فإن اختياره للأمور القادمة كانت بنية شريرة، لهذا يُطرح غارقًا في ظلمة الويل الأبدي.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     (محبة) هذا العالم زانية، تغوي بشهوة جمالها الذين يمسكون بها ليحبوها. الإنسان الذي تمتلكه محبة العالم ويسقط في شباكها، لا يقدر أن يُخلص نفسه من حضنها حتى تُسلب نفسه. عندما يسلب العالم الإنسان من كل شيء، ويلقي به من مسكنه في يوم موته، عندئذ فقط يفهم الإنسان أنه بالحق مخدوع ومُضلَلَ[841].

v     مادام الإنسان يقترب إلى هذا العالم في طريق حياته، تقيم محبة الأمور المادية جذورها فيه. يضطرب دومًا ويقلق عليها، ومن أجلها يحارب الآخرين، وتأسره صداقة أشخاص معينين... لنتذكر هذا يا أحبائي، ولنستخف بالأمور التي هنا قدر المستطاع، بهذا ننسحب بأفكارنا تدريجيًا نحو الأمور العتيدة إن لم نضبط أنفسنا شيئًا فشيئًا، لن تكون لنا قوة لزهد الأمور الجسدية حتى نتطلع إلى الله[842]

القديس مار اسحق السرياني

v     إن كانت هيئة العالم تزول (1 كو 31:7)، فبلا شك كل ما في العالم ينتهي. الكل سيعبر. في كل يوم يصير العالم أكثر شيخوخة[843]

 الأب أمبروسياستر

4. يسقط الأشرار في الفخاخ

لأَنَّ رِجْلَيْهِ تَدْفَعَانِهِ فِي الْفَخِّ،

فَيَمْشِي إِلَى شَبَكَةٍ [8].

تفشل مشروعات الشرير القوية وجهوده الجبارة، إذ تدفعه طرقه الخاطئة إلى الشر، لذلك لا يتمم مقاصده. كلما بذل جهدًا في مشورته، إذا به يتورط بالأكثر في الشباك، فيسرع إلى هلاكه.

v     "فإنه يضع قدمه في الشبكة، فيمشي في خيوطها" [8]. من يضع قدميه في شبكة لا يقدر أن يخرجها حينما يفكر في ذلك (إلا بطلب نعمة الله). من يسمح لنفسه أن ينحط إلى عادات الخطية لا يقدر أن يقوم منها عندما يشاء ذلك. ومن يمشي في خيوط الشبكة يعرقل خطواته في المشي. وحينما يحاول أن يحرر نفسه ليمشي، يجد نفسه مقيدًا ومربوطًا، فيعجز عن المشي. غالبًا ما يحدث أن إنسانًا تلهيه ملذات هذا العالم ليبلغ إلى أمجاد كرامته... لكنه يتعلم بنواله لها كيف أن ما يطلبه تافه. فإن رجع إلى نفسه يرى كيف انه سقط في شباك الخطية. ذات القوة التي تعرقله تمسك به ولا يقدر أن يفلت من الخطايا... عندئذ يرى في النور الحقيقي أية أربطة صعبة مُقيد بها. فإننا لا نعرف حتى أننا مقيدون بمفهومٍ سليمٍ ألا عندما نجاهد لنتحرر، فنحاول أن نرفع أقدامنا...

البابا غريغوريوس (الكبير)

وكما يؤكد كثير من آباء الكنيسة مثل القديس مقاريوس الكبير أن الخطية تحمل فسادها فيها، فالشرير المصمم على شره يهلك كثمرة طبيعية للشر محقق الفساد.

لا يحتاج الشرير إلى من يردعه ويعاقبه، إنما ما يفعله يقدم له المرارة والموت! يشرب من ذات الكأس التي ملأها لنفسه، اللهم إلا إذا ألقى بالكأس خلال تمتعه بالشركة مع مخلصه، وجهاده الجاد خلال الإرادة المقدسة في الرب.

v     إن بقيت فيما يخص التراب، فستتحول إليه في النهاية. يليق بك أن تتغير، يجب أن تتحول، يجب أن تصير سماويًا[844].

 العلامة أوريجينوس

v     صرنا جميعنا كتلة واحدة من الوحل، كتلة من الخطية. وإذ فقدنا مكافأتنا خلال الخطية فإنه في غيبة مراحم الله، لا نستحق كخطاةٍ إلا الهلاك الأبدي. أي إنسان إذًا من هذه الكتلة يظن أنه قادر أن يسأل الله، قائلاً: "لماذا خلقتني هكذا؟" إن أردت أن تعرف تلك الأمور، لا تكن وحلاً، بل كن ابنًا لله خلال رحمة ذاك إلى يعطي المؤمنين باسمه القوة ليصيروا أبناء الله[845].

v     حقًا بالخطية ننزلق إلي الموت. فإنه حيث يمنع الناموس، تكون الخطية أخطر مما لو لم يمنعها الناموس. على أي الأحوال حيث تُضاف النعمة يمكننا أن نتمم بدون صعوبة وبكامل إرادتنا ما يأمر به الناموس بشدة. إننا لسنا بعد عبيدًا للناموس بالخوف، وإنما أصدقاء وعبيد للبرّ بالحب[846].

 القديس أغسطينوس

من يأكل الخطية ويشربها يسقط في فخاخٍ، فتنحل إرادته وتضعف، ويجد نفسه عبدًا لها في مذلةٍ، لا يقدر الخلاص منها، بل يعطش إليها, لا نعجب من هذا، فإن من يستخدم المخدرات كلما استخدمها يصير بالأكثر أسيرًا في فخاخها، ويزداد بالأكثر تعلقه بها.

كثيرون يظنون أن ممارسة الخطية تقدم لهم خبرة مُرة، فيهربون منها خلال خبرتهم الشخصية المُرَّة. هذا المنطق غير سليم، فإن من يذوق الخطية، وهو يدرك هلاكها يشتهيها بالأكثر على حساب فرحه الداخلي وسلامة ومجده الأبدي. الخطية كالنار تلهب الإنسان وتحطم إرادته، فلا يقدر التحرر منها، ما لم تسنده نعمة الله الفائقة.

يُمْسِكُ الْفَخُّ بِعَقِبِهِ،

وَتَتَمَكَّنُ مِنْهُ الشَّرَكُ [9].

لا يمكن للشرير المصمم على شره وعدم الرجوع إلى الله أن ينجو من شرب كأس الشر المُرْ، وجني ثمره القاتل. هذا ما يدعوه أحيانًا الكتاب المقدس بالغضب الإلهي، أو تحقيق العدالة الإلهية. هذا ترجمة الاعتزاز بحرية الإرادة، فإذ يختار الإنسان بإرادته الشر، إنما يحفظ لنفسه ثمر الشر. "يعلم الرب أن يحفظ الأثمة إلى يوم الدين معاقبين" (2 بط 2: 9).

جاء النص في الترجمة السبعينية: "وتمسك به الفخاخ، ويقويّ الذين هم ظمأى إلى هلاكه" [9 LXX]"

v     "والظمأى يحترقون بقوة ضده[847]" [9]. إذ يصطاد عدونا القديم أحدًا حيًا في فخاخ الخطية، يعطش إلى موته. يمكن أيضًا فهم هذه العبارة بمعنى آخر. إذ يرى الذهن الشرير أنه قد سقط في خطية يطلب بفكر سطحي أن يهرب من فخاخ الخطية. لكنه إذ يخشى تهديدات الناس أو توبيخاتهم يختار أن يموت أبديًا عن أن يعاني من محن بسيطة إلى حين. هكذا يُسلم الذهن نفسه بالكامل لطرق الشر حيث يرى ذاته مقيدًا بالفعل... وييأس الخاطي من عودته. بهذا اليأس عينه يحترق بأكثر شراسة في شهوات هذا العالم، فترتفع حرارة الشهوة داخله، ويلتهب الذهن الساقط في شباك الخطايا السابقة نحو عصيان أمَّر. لذلك أُضيف "والظمأى يحترقون بقوة ضده"...

المُصاب بمرض الاستسقاء، كلما شرب ازداد بالأكثر ظمأه، وكل شخصٍ طماعٍ، يضاعف من عطشه كلما شرب (من المال).

البابا غريغوريوس (الكبير)

حَبْلٌ مَطْمُورٌ لَهُ فِي الأَرْضِ،

وَمِصْيَدَتُهُ فِي السَّبِيلِ [10].

لا يكف عدو الخير المضلل عن أن يحارب البشرية بكل وسائل الخداع، فيخفي حباله وفخاخه في الطرق التي يسلكها البشر. حربه خفية ومملوء خداعًا، لا ييأس من مقاومة الخدام والشعب، الشيوخ والأطفال والشباب، والنساء والرجال، البتوليين والمتزوجين، الأغنياء والفقراء، المرضى والأصحاء. يقدم لكل واحدٍ حربًا تناسبه. لكننا إذ نتطلع إلى السماوي واهب النصرة لا نخشى حيل إبليس وخداعاته.

v     "مطمورة في الأرض فخاخهم، وحبالهم كلها في السبيل" [10 LXX]. هذه حقيقة، فإن الشيطان يُخفي الشباك في الأرض بطريقة بها يستخدم الذين ينخدعون، أي الذين يعيشون حسب حكمة العالم (1 كو 2:6 ؛ 3: 9)، وحسب شهوات الناس (1 بط 4: 2؛ 2 بط 1: 4). يضع (الشيطان) الواشي الذين حوله على السبيل، أي بكل سبل البشر. فإنه يريد أن يصطادهم ويأسرهم بكل الطرق. يصطاد البار بالبرّ الذاتي، والخاطي بجشعه. يتغنى داود متنبأ: "بسطوا حبالهم شباكًا لقدمي، وضعوا عثرة لي بالقرب من السبيل" (مز 140: 5). حتى بلدد الذي نطق بما هو مستقيم في عباراته السابقة، صار يكذب في الكلمات التالية.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     يكون فخه مطمورًا في الأرض عندما تختفي الخطية تحت الاهتمامات الأرضية، لأن عدونا، في تنفيذه لخططه، يُظهر للذهن البشري فيه اشتياق نحو المكسب الأرضي، ويخفى فخ الخطية حتى يقيد نفسه تمامًا... عدو البشرية يلقي نظرة عامة على نزعات كل فردٍ ليرى أي الشرور يتحالف معها، ويضع العدو هذه الأمور أمام وجهه، حيث يرى الذهن منجذبًا إليها. لمن لهم مزاج رقيق ومرح غالبًا ما يقترح عليهم الانحلال، وأحيانًا المجد الباطل، أما من لهم مزاج عنيف فيقترح عليهم الكبرياء أو العنف. إنه يضع الفخ حيث يرى طريق الذهن إلى أين يتجه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لقد أنذرناكم مسبقًا أن تحترسوا لئلاَّ تخدعكم الأرواح الشريرة، وتصرِفكم عن قراءة وفهم ما نقوله. فإنها تجاهد حتى تمسك بكم كعبيدٍ وخدمٍ. أحيانًا تستخدم ظهورات في الأحلام وخداعات سحرية لتُخضع كل الذين يفشلون في ممارسة جهود مضادة قوية من أجل خلاص نفوسهم.

يحثنا الله الكلمة ويقوينا حتى نبتعد عن الشياطين، ونتبع الله الحيّ وحده بابنه.

نحن الذين اِنغمسنا لمدة في الزنا، الآن نقبل الطهارة وحدها.

استخدمنا قبلاً فنون السحر، والآن نكرس أنفسنا لله الحيّ الصالح.

كان همنا فوق كل شيء أن نكسب ثروات وممتلكات، والآن نأتي بما نملكه ليصير ملكًا عامًا ليأخذ منها كل محتاجٍ.

كرهنا ودمرنا بعضنا البعض بسبب اختلاف سلوكنا، إذ كنا نرفض العيش مع من هم من قبيلة أخرى، أما اليوم فمنذ مجيء المسيح نعيش معًا في أُلفة.

اليوم نصلي من أجل أعدائنا، ونحاول أن نحث الذين يبغضوننا باطلاً أن يذعنوا لمبادئ المسيح الصالحة ولوصاياه بغية أن يشاركونا ذات الرجاء المفرح لنوال مكافأة يقدمها الله ضابط الكل[848].

الشهيد يوستين

v     الشيطان دائمًا مجتهد حتى عندما يحل به الخطر أن يفقد غنيمته[849].

v     يستطيع الشيطان أن يحطم حتى تحت مظهر التقوى. فإنه يستطيع أن يُهلك ليس فقط بأن يقود إلى الزنا، بل وأيضًا بالعكس، وذلك بالحزن المُبالغ فيه الذي يرافق التوبة عن الزنا. هذا هو عمله اللائق أن يقتنينا بالخطية، أما أن يصطادنا في الشبكة في توبتنا، فهذا عار يتحقق بخبثٍ شديدٍ، فإن التوبة هي سلاحنا لا سلاحه[850].

القديس يوحنا ذهبي الفم

v     المشكلة ليست في التعرف على خطط إبليس، بل أن يسخر بها. بولس يعرف خطط الشياطين، لا لينشغل بها، وإنما لكي لا يسقط في حبائلها[851].

 القديس ديديموس الضرير

v     "ولا عجب، لأن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور" (2 كو 14:11)... هذه الخداعات هي ظهورات لذاك الروح الذي يطلب أن يُسقط النفوس البائسة في الشباك... ويحولها عن العبادة الحقيقية لله الحقيقي الذي وحده يمكن أن يطهر ويشفى[852].

v     أحيانًا يغير الشيطان نفسه إلى ملاك نور، لكي يمتحن أولئك الذين يحتاجون إلى الامتحان، أو ليخدع الذين يستحقون الخداع. مراحم الله العظيمة وحدها هي القادرة أن تنقذ الإنسان من الفهم الخاطئ للأرواح الشريرة، فيظنها أنها ملائكة صالحون، ومن الأصدقاء الكاذبين على أنهم حقيقيون، وتنقذه من متاعب كل الخسائر التي تحل بسبب الخداعات الشيطانية المميتة تمامًا، والتي لا يُعبر عنها[853].

 القديس أغسطينوس

5. يسيطر الرعب على الأشرار

تُرْهِبُهُ أَهْوَالٌ مِنْ حَوْلِهِ،

وَتَذْعَرُهُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ [11].

يتحدث هنا عن الخراب نفسه المحفوظ للأشرار في العالم الآخر، والذي يحل بهم بصورة ما في هذا العالم. أول هذا الدمار هو ما يحل بقلبه من أهوال تهز كل كيانه تبلغ عند رجليه اللتين لا تحملانه. هذه الأهوال الصادرة عن شعوره بالإثم هي عربون للأهوال التي سيعانيها بعد موته.

كل ما حوله يرعبه، حتى يُقال عنه "يهرب ولا طارد" (أم 28: 1)، لأن ما يطارده ليس ما حوله بل ما هو في داخله.

"لا سلام قال الرب للأشرار" (إش 48: 22).

"طريق السلام لم يعرفوه، وليس في مسالكهم عدل. جعلوا لأنفسهم سُبلاً معوجة، كل من يسير فيها لا يعرف سلامًا" (إش 59: 8).

"ويشفون كسر بنت شعبي على عثم قائلين: سلام سلام، ولا سلام" (إر 6: 14؛ 8: 11).

"انتظرنا السلام ولم يكن خير، وزمان الشفاء، وإذا رعب" (إر 8: 15).

"من أجل أنهم أضلوا شعبي قائلين: سلام وليس سلام، واحد منهم يبني حائطًا وها هم يملطونه بالطفال" (حز 13: 10).

"أي أنبياء إسرائيل الذين يتنبأون لأورشليم و يرون لها رؤى سلام ولا سلام يقول السيد الرب" (حز 13: 16).

v     والآن فإن أولئك الذين لا يحفظون العيد... هؤلاء مُقدِمون على أيام حزن لا سعادة، لأنه "لا سلام قال الرب للأشرار" (إش 22:48). وكما تقول الحكمة إن الفرح والسعادة منتزعان عن فمهم. هكذا تكون أفراح الأشرار[854].

v     لأنه ماذا يعني العيد سوى خدمة النفس؟! وما هي هذه الخدمة إلا الصلاة الدائمة لله والشكر المستمر؟! فغير الشاكرين، البعيدين عن هذا هم بالحق محرومون من الفرح النابع من هذا، لأن الفرح والبهجة منزوعان عن أفواههم، ولذلك فإن الكلمة (الإلهية) لا تسمح لهم أن يكونوا في سلام، إذ لا سلام للأشرار قال الرب (إش 22:48)، إنما يعملون في ألم وحزن[855].

القديس أثناسيوس الرسولي

v     "تجعله الأهوال خائفًا من كل جانب"، إذ يتخيل أن كل البشر تتجه هكذا ضده فيصارع هو مع الكل.

البابا غريغوريوس (الكبير)

تَكُونُ قُوَّتُهُ جَائِعَةً،

وَالْبَوَارُ مُهَيَّأٌ بِجَانِبِهِ [12].

لا يشعر الشرير بشبعٍ، فإن ما يظنه مصدر شبعه، سواء ثروته أو كرامته أو قوته الخ. يخزيه، ويدخل به إلى الشعور بالفراغ. بجانب هذه المجاعة الداخلية يحل بالشرير خراب يقترب إليه ليسيطر عليه. "صاروا للخراب بغتة" (مز 73: 19).

جاء النص في كتابات البابا غريغوريوس (الكبير) "لتُضرب قوته بالجوع، ولتغزُ المجاعة ضلوعه" [12]...

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الإنسان وهو يتكون من نفسٍ وجسدٍ، فإن النفس تمثل العنصر القوي، بينما الجسد يمثل العنصر الضعيف. فالشرير إذ يعطي القيادة للجسد وشهواته - مهما بدا قويًا - فهو ضعيف، يفقد قوته الداخلية، وشبعه الداخلي، ويعيش في ضعفٍ ومجاعة وفراغٍ. أما الإنسان الروحي، فإذ يعطي للقيادة النفس المقدسة بروح الله، يعيش بروح القوة والشبع الداخلي، لا يعوزه شيء.

v     كل إنسانٍ إذ يتكون من نفسٍ وجسدٍ، كما لو كان قد صُنع من قوةٍ وضعفٍ. فإنه بفضل ذاك العنصر الذي به خُلق كروحٍ عاقلةٍ، فإنه ليس بغير لياقة يُدعى قويًا، أما بخصوص العنصر الخاص بكيانه الجسماني، فهو ضعيف. وهكذا قوة الإنسان في نفسه المتعقلة القادرة على مقاومة اتجاهات الشر التي تجاهه. وهكذا يُقال أيضًا بواسطة الطوباوي أيوب: "لقد قوَّيته إلى حين، حتى يعبر إلى الأبد" (أي 14: 20)، حيث ينسحب الإنسان بالنفس العاقلة ليحيا أبديًا. وهكذا قوة هذا الإنسان الشرير تُضرب بالجوع حيث لا تقتات نفسه بأية وجبة طعامٍ داخليٍ تنعشه. يقول الله عن هذا الجوع بالنبي: "سأرسل مجاعة في الأرض، ليست مجاعة خبز، ولا عطش إلى ماء، بل مجاعة استماع كلمة الرب" (راجع عا 8: 11).

حسنًا أضيف: "تغزو مجاعة ضلوعه"... ضلوع كل أحدٍ هي حواس ذهنه التي تسبح حول أفكاره الخفية. لذلك تغزو المجاعة ضلوعه عندما يُنزع كل القوت الروحي، وتضعف حواس الذهن، ولا تقدر أن تتحكم في أفكارها ولا أن تحميها.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     قد يظن أحد أن شعب إسرائيل غني، إذ لهم التبني كأبناء، والعبادة الإلهية، والوعود والآباء. على أي الأحوال، لقد صاروا فقراء بسبب خطاياهم ضد الرب. "وأما طالبو الرب فلا يعوزهم شيء من الخير" (مز 10:34). لقد صاروا في عوزٍ إلى القوت بنوعٍ معين، ويعانون من الجوع. لأنهم إذ قتلوا خبز الحياة حلٌ عليهم الجوع للخبز... لقد احتاجوا وجاعوا[856].

 القديس باسيليوس الكبير

v     عندما كان يوسف في الثلاثين من عمره تقريبًا، تحرر من القيود، وفسٌَر حلم فرعون. لقد صار حاكمًا لمصر. وفي زمان الرخاء جمع القمح حتى يقوم بتوزيعه في زمن المجاعة. أعتقد أن عمر يوسف الثلاثين جاء مقدمًا كرمز لعمر المخلص الثلاثين. فإن يوسف الثاني هذا لم يجمع حنطة من ذات التي جمعها يوسف الأول في مصر. يجمع يسوع الحنطة ويقوم بتوزيعها عندما تحل المجاعة بمصر، "ليست مجاعة خبز، ولا عطش إلى ماء، بل مجاعة استمتع كلمة الرب" (عا 11:8)[857].

 العلامة أوريجينوس

يَأْكُلُ أَعْضَاءَ جَسَدِهِ.

يَأْكُلُ أَعْضَاءَهُ بِكْرُ الْمَوْتِ [13].

يقترب الموت إلى الشرير فيأكل أعضاء جسمه، أي يدخل به إلى الفساد. أما الأبرار فيُعد الموت لهم المجد الأبدي، حيث يشارك الجسم النفس أمجادها.

جاء النص في كتابات البابا غريغوريوس (الكبير) "ليتها تزيل جمال جلده، وليبدد الموت البكر ذراعيه". ما هو جمال جسده إلا المجد الزمني، فإنه يؤكل ويزول، لأنه جمال على جلد خارجي، ليس به موضع في الأعماق الداخلية. أما الصديقون فقد قيل عنهم: "مجد ابنة الملك من الداخل" (مز 13:45). وقيل في زكريا النبي: "وأكون مجدًا في وسطها" (زك 5:2).

هذا ولا يقف الأمر عند فناء المجد الزمني، وإنما يحل الموت بالنفس البشرية، حيث تعتزل الله مصدر حياتها وقيامتها. يقتل الموت الروحي ذراعي النفس، أي يجعلها عاجزة عن العمل!

v     "جمال جلده" هو المجد الوقتي الذي يشتهيه كأمرٍ خارجيٍ بالنسبة لنا، ويبقى كجمالٍ على الجلد...

وما هو الموت إلا الخطية التي تقتل النفس في حياتها الداخلية؟ لذلك مكتوب: "مطوّب ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى" (رؤ 20: 6). بهذه القيامة يتمتع الشخص فيما بعد بقيامة مفرحة في الجسد، هذا الذي وهو في هذه الحياة يقوم ثانية من موت نفسه...

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "مجد ابنة الملك من الداخل" (مز 13:45), إذ يتحرك إلى مستوى الذهن، يكتشف جمال النفس[858].

 القديس يوحنا ذهبي الفم

6. يُطرد الأشرار من خيامهم

يَنْقَطِعُ عَنْ خَيْمَتِهِ،

عَن اعْتِمَادِهِ،

وَيُسَاقُ إِلَى مَلِكِ الأَهْوَالِ [14].

الإنسان الذي يعيش في هذا العالم من أجل الجسد وشهواته، يفقد حتى هذا الجسد، أو هذه الخيمة، ويحل عليه الموت لا كعبورٍ مفرحٍ إلى السماء، وإنما "كملك الأهوال".

يؤخذ منه كل ما اعتمد عليه كسيدٍ له، ولا يبقى له شيء مما يعتمد عليه، حتى خيمته. كانت نفسه هي اعتماده، لكنها تُستأصل من خيمة الجسد، فلا يكون للجسد سند قط. هذا ما قيل للغني الغبي: "تُطلب نفسك منك" (لو 12: 20).

جاء النص في كتابات البابا غريغوريوس (الكبير) "لتُقتلع ثقته من خيمته، وليطأ الموت عليه كملكٍ". ويرى أن الموت هنا هو الشيطان الذي يسلم الشرير نفسه له ويخضع له كملكٍ، كما يشير إلى الخطية التي تذِّل الشرير وتستعبده.

v     يشير لقب "الموت" في هذا الموضع إلى (إبليس) عدو الجنس البشرى نفسه الذي جلب الموت. لقد انتشر بخادم معين من قبل (العدو)، هذا الذي قيل عنه ليوحنا: "واسمه الموت" (رؤ 6: 8). هكذا يطأ هذا الموت على الشرير كملكٍ، وذلك في يوم رحيله من هنا. فذاك الذي خدعه قبلاً بإغراءات رقيقة، يحمله في النهاية إلى العقوبة في سلاسلٍ بعنفٍ، ويحدره بقسوة، مقيدًا إياه بقوة، بأعمال شريرة.

وهنا أيضًا إذ يقتني الموت قلب الخاطى المفقود، يطأ عليه، في ذات الوقت الذي يضغط عليه بالشعور باللذة. وكأنه يضع عليه قدمي سلطانه الطاغي.

ولكن إن فهمنا بالموت ليس إبليس في صراحة بل الخطية، حيث ثمرتها هي الموت في يوم الدينونة، فبالحق مثل هذا الموت يطأ على الذهن كملكٍ، عندما يملك شخصًا دون مقاومة منه. فإن تجربة الخطية لا يمكن أن تكون بعيدة من إنسانٍ قائم في هذه الحياة. لكن مقاومة تجارب الخطية شيء، والاستعباد لطغيانها علينا شيء آخر. هكذا فإن الإنسان الشرير، إذ لا يتعلم مقاومة اغراءات الخطية، ولا يخشى الخضوع لسلطانها بحق، يُقال عنه: "الموت كملكٍ يطأ عليه". إنه مُلك هذا الموت الذي كان بولس يتحفظ منه ألا يسيطر على قلوب تلاميذه، عندما قال: "لا تملكن الخطية على جسدكم المائت" (رو 6: 12).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     الذين يعيشون في الملذات يهابون الموت، أما الحزانى فيترجونه لكي يرحلوا سريعًا.

الأغنياء يهابون الموت، والفقراء يشتهونه لكي يستريحوا من أتعابهم.

الأقوياء يرتعبون عندما يذكرونه، والمرضى يتطلعون إليه في رجاءٍ ليستريحوا من آلامهم[859].

الأب أفراهاط

v     من يحب الأرضيات وشهواتها لا يفكر في أن يكون مع المسيح بعد انتقاله، ولا يقدر أن يقول: "غريب أنا على الأرض"، إذ هو مهتم بما للأرض. أما من يقول "لا تخفِ عني وصاياك" فهو قديس... لذلك يطلب النبي من الله أن يكشف له عظائم وصاياه للحياة السماوية[860].

العلامة أوريجينوس

v     بالتأكيد يخاف من الموت، ذاك الذي لم يُولد من الماء والروح، حيث يُسلم إلى نيران جهنم.

يخاف من الموت، من لم يختبر صليب المسيح وآلامه.

يخاف من الموت، من ينتظر بعد الموت موتًا آخر.

يخاف من الموت، ذاك الذي تنتظره نيران الأبدية والعقاب غير المتناهي.

يخاف من الموت، من يجد نفعًا في تأجيل موته حتى تتأخر تنهداته وتأوهاته[861].

الشهيد كبريانوس

يَسْكُنُ فِي خَيْمَتِهِ مَنْ لَيْسَ لَهُ.

يُذَرُّ عَلَى مَرْبِضِهِ كِبْرِيتٌ [15].

خُلق الله الإنسان ليكون مستودع حبه وحنوه ونعمته الغنية وصلاحه، أما إذا أصر الإنسان على رفض الالتصاق بالله، فتحل اللعنة في خيمته، حيث يصير جسده كما نفسه مسكنًا لعدو الخير الذي يغتصب ما ليس ملكًا له. يتحول الإنسان إلى مربضٍ لإبليس يستقبل الكبريت والنار مثل سدوم وعمورة، عوض كونه هيكلاً مقدسًا لله.

يري القديس مقاريوس إن الإنسان الداخلي إما أن يكون أرضًا يسكنها الله كمقدسٍ له، أو يحتلها عدو الخير فيجعلها أرضه، وتصير شيطانية. وهو يقصد بالأرض "المسكن".

v     "لينتشر الكبريت على مسكنه" [15]. ما هو الكبريت إلا الوقود الذي يلهب النار، ويبعث منها رائحة نتنة جدًا. ماذا إذن نفهم من الكبريت سوى الخطية الجسدية، هذه التي وهي تملأ الذهن بالأفكار الشريرة، مثل نوع من الرائحة الفاسدة تلهب نارًا أبدية لها. وبينما ينتشر سحب رائحتها في النفس الضائعة تكون كمن تقدم وقودًا للهيب هلاكها. بهذا تُفهم رائحة الجسد الكريهة بأنها كبريت.

يسجل لنا تاريخ الكتاب المقدس نفسه ذلك، حيث يروي لنا أن الرب أمطر نارًا وكبريتًا على سدوم (تك 19: 14)... هكذا "لينتشر الكبريت على مسكنه".

الإنسان الشرير بالتهاون المفسد مع الجسد الذي يمارس سلطانًا في داخله، تشغله الأفكار الشريرة بغير انقطاع، وتمنعه عن إنتاج ثمر عملٍ صالحٍ. لذلك بحقٍ قيل: "لتجف جذوره من أسفل، وليفسد محصوله من أعلى" [16].

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     توجد أرض تسكنها الوحوش، وأرض في الهواء تتحرك فيها الطيور وتعيش. فإذا أرادت الطيور أن تقف وتسير علي الأرض يقتنصها الصيادون. وللأسماك أيضًا أرض، هي مياه البحر. المكان الذي يولد فيه أي كائن، سواء علي الأرض أو في الهواء ففيه يعيش، وفيه يقتات، ويجد لذته وراحته.

بنفس الطريقة توجد أرض للشيطان وبيت له، تعيش فيه قوات الظلمة وأرواح الشر. عليها تتحرك وتجد راحتها. كما توجد أرض نورانية هي أرض اللاهوت، حيث تصعد معسكرات الملائكة والأرواح المقدسة وتهبط عليها وتجد فيها راحتها.

لا يمكن لأعين الجسد أن تري الأرض المظلمة ولا أن تلمسها، هكذا أيضًا بالنسبة للأرض النورانية التي هي أرض اللاهوت... أما بالنسبة للروحانيين فتنكشف بعيون قلوبهم الأرض الشيطانية التي للظلمة وأرض اللاهوت[862].

القديس مقاريوس الكبير

v     ينبغي أن تعرفوا بأننا نصير أجسادًا لهم (الشياطين) حينما تقبل نفوسنا أفكارهم المظلمة الشريرة، وعندما يصيرون هم ظاهرين بواسطة جسدنا الذي نسكن فيه[863].

القديس أنبا أنطونيوس الكبير

v     لا تكن رفيقًا للمخاصمين، لئلا تسكن جوقة الشياطين في بيتك.

احذر من الحقود، لأنه شيطان متجسد[864].

الشيخ الروحاني (يوحنا الدّلياتي)

v     واضح أن الأرواح النجسة لا تقدر أن تجد لها طريقًا في أجساد من اغتصبتهم بأية وسيلة ما لم تملك أولاً علي عقولهم وأفكارهم، فتسلب منهم مخافة الله وتذَّكره والتأمل فيه، وبهذا تتجاسر فتتقدم إليهم كمن هم بلا حصانة إلهية، وتقيدهم بسهولة، وتجد لها موضعًا فيهم، كما لو كان لها حق الملكية عليهم[865].

الأب سيرينوس

يرى البعض أن بلدد سمع عن النار التي نزلت من السماء وأحرقت غنم أيوب وخدمه، فحسب أن أيوب بكل ممتلكاته قد بلغ في شره ما بلغته سدوم وعمورة، واستحق نيران غضب الله لتحرق ما لا يستحقه أيوب أو ما اغتصبه، إذ كان يسكن في بيتٍ ليس له.

v     (الإنسان التقي) لا يتغير جمال فضائله بموتٍ همجي. فالصحة التي تُجلب إليه بصلواته، لا تُنزع من خيمته (جسده)، مادام بالفعل يكون غنيًا في ممارسة الأعمال الصالحة، وإن ضاع غناه يبقى مشرقًا ببهاء البرّ خلال صبره...

"يتبدد سموه بالكبريت". هذا ما حدث بالحقيقة للخطاة في سدوم وعمورة، فإن ما حدث جزئيًا للأشرار (في سدوم وعمورة) يتوقع الأشرار الآخرون أن يحدث لهم في هذا العالم الحاضر أو العالم العتيد.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

7. نزع ذكر الأشرار

مِنْ تَحْتُ تَيْبَسُ أُصُولُهُ،

وَمِنْ فَوْقُ يُقْطَعُ فَرْعُهُ [16].

حين يفقد الإنسان بإصراره على الشر غنى نعمة الله الفائقة، يصير كمن تجرد من أصوله، أي من آبائه المباركين، فيكون كشجرة يبست جذورها لا حياة بعد فيها. وأيضًا يفقد نسله كشجرةٍ يبست فروعها، فلا يكون فيها ثمر. هذا ما سقط فيه أشرار كثيرون، مثل يربعام وبعشا وآخاب، ولم يبقَ واحد من نسلهم حيًا.

إن كانت قد يبست جذورنا، فقد قدم السيد المسيح نفسه أصلاً يفيض في داخلنا بحياته الإلهية، وتنتعش أغصاننا لتحمل ثمر روحه القدوس من محبة وفرح وسلام وطول أناة ولطف وصلاح وإيمان ووداعة وتعفف (غل 5: 22-23).

جاء النص في كتابات البابا غريغوريوس (الكبير) "لتجف جذوره من أسفل، وليفسد محصوله من أعلى".

v     ماذا نفهم بلقب "جذوره" المختفية عن البصر، التي تنبت فرعًا يُرى علانية، إلا الأفكار غير المنظورة في القلب، هذه التي تُنتج أعمالاً منظورة؟ وهكذا أيضًا بلقب "المحصول" يشير إلى تلك الممارسة المنظورة التي تنتج عن الجذر الخفي... الإنسان الشرير يضع أفكاره في الأمور السفلية، ويتجاهل طلب ملذات الاخضرار الأبدي، وما هو هذا إلا أنه يترك "جذوره تجف من أسفل"؟ "ليفسد محصوله من أعلى"، حيث أن صبره يُحسب كلا شيء في نظر السماء، حتى وإن حُسب صالحًا في عيني الإنسان. هكذا فإن الجذور من أسفل، والمحصول من أعلى، وذلك بأن نرسل أولاً الأفكار الصالحة هنا، حتى نتأهل يومًا ما لنوال ثمر أعمالنا الصالحة في مكافأة أبدية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

ذِكْرُهُ يَبِيدُ مِنَ الأَرْضِ،

وَلاَ اسْمَ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْبَرْ [17].

ليس ما يشغل ذهن إبليس مثل المجد الباطل، فبسببه تمرد على الله وسقط. وبسببه يحارب بني البشر ظانًا أنه يملك على قلوبهم وأفكارهم، ويدوم ملكه عليهم إلى الأبد.

يتشبه أولاده به، فيطلبون المجد الزمني، ويظنون أن العالم يخلد أسماءهم، مقدمين كل عملٍ بشري يثبت ذكراهم عبر التاريخ. لكن الشر يمحو اسمهم من سفر الحياة. وإذ يُحذف اسم الشرير من سفر الحياة في السماء تُدفن كرامته في التراب، ولا يحمل اسمه إلا الاحتقار والاستخفاف حتى على الأرض، "لا اسم له على وجه البَرْ". ينال هنا عربون الخزي الأبدي والفضيحة التي يواجهها في يوم الرب العظيم. "ذكر الصديق للبركة، واسم الأشرار ينخر" (أم 10: 7).

قيل عن الأشرار:

"العدو تم خرابه إلى الأبد، وهدمت مدنًا، باد ذكره نفسه" (مز 9: 6).

"لأنه مُطالب بالدماء ذكرهم، لم ينسَ صراخ المساكين" (مز 9: 12).

"وجه الرب ضد عاملي الشر، ليقطع من الأرض ذكرهم" (مز 34: 16).

"لتكن أمام الرب دائمًا، وليقرض من الأرض ذكرهم" (مز 109: 15).

"لأن الأحياء يعلمون أنهم سيموتون، أما الموتى فلا يعلمون شيئًا، وليس لهم أجر بعد، لأن ذكرهم نُسي" (جا 9: 5).

"سيسقطون من بعد سقوطًا مهينًا، ويكونون عارًا بين الأموات مدى الدهور، فإنه يحطمهم صامتين مطرقين برؤوسهم، ويقتلعهم من أسسهم، ويتم خرابهم، فيكونون في العذاب، وذكرهم يهلك" (الحكمة 4: 19).

"اقحل بعضها وأباد سكانها، وأزال من الأرض ذكرهم" (سيراخ 10: 20).

وقيل عن الأبرار:

"ذكره لا يزول، واسمه يحيا إلى جيل الأجيال" (سيراخ 39: 13).

"ليكن ذكرهم مباركًا، ولتزهر عظامهم من مواضعها" (سيراخ 46: 14).

"ونحميا يكون ذكره طول الأيام، فإنه أقام لنا السور المنهدم، ونصب الأبواب والمزاليج، ورم منازلنا" (سيراخ 49: 15).

v     "لتُنزع ذكراه عن الأرض ولا يوجد اسمه في أماكن عامة" (LXX). واضح أن هذا يخص الذين يلزم أن يقطنوا في هذه الظلمة، هؤلاء الذين عيَّنهم المسيح (ليكونوا في الظلمة الخارجية – مت 8: 12 ؛ 25: 30)، هؤلاء الذين يشتركون في العرس بثياب قذرة، فيقول الملك: اربطوا يديه وقدميه... واطرحوه في الظلمة الخارجية، حيث البكاء وصرير الأسنان فإن كثيرين يدعون وقليلين يختارون (راجع مت 22: 13-14)..

"واسمهم لا يُوجد"، لأن الأشرار يُطردون من أرض الأبرار، ويؤخذون ليكونوا مع الذين مُحيت أسماؤهم إلى الأبد (تث 32: 26). لهذا ترنم داود في موضع آخر على القيثارة: "محوت اسمهم إلى أبد الأبد" (مز 9: 6).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "ذكره يبيد من الأرض، ولا اسم له يتردد في الشوارع". يليق بنا ملاحظة أن بلدد الشوحي عبَّر عن نفسه بخصوص كل واحدٍ من الأشرار، بحيث توجه كلماته سريًا ضد رئيس كل الأشرار. فإن رئيس الأشرار هو الشيطان. يدخل بشخصه في آخر الأزمنة في إناء الهلاك هذا إلى يُدعى "ضد المسيح"، والذي يسعى أن ينشر اسمه في كل موضعٍ. كل شخص، حتى الآن، يشَّبه نفسه بضد المسيح عندما يجاهد أن ينشر ذكر اسمه الأرضي خلال مجد مديحه والتعالي بشهرة زمنية. لهذا ليت هذا الكلمات يفهمها كل شخصٍ شريرٍ، ولتشر أيضًا على وجه الخصوص إلى رئيس الأشرار نفسه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

8. دمار تام للأشرار

يُدْفَعُ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلْمَةِ،

وَمِنَ الْمَسْكُونَةِ يُطْرَدُ [18].

يُدفع الشرير مما يظنه نورًا في هذا العالم بسبب ما ناله من الراحة إلى ظلمة القبر، ومنها إلى الظلمة الخارجية، حيث "لا يعاينون النور إلى الأبد" (مز 49: 19)، ولا يكون لهم رجاء قط.

يُطرد الشرير من المسكونة، أي من ملذات العالم الذي كان يظن أنها مسكونة، فيخرج كما مع أبويه الأولين آدم وحواء من الجنة. هكذا يُطرد من حجال العريس السماوي حيث لا موضع له، ويبقى في الظلمة الخارجية أبديًا.

v     "محوت اسمهم إلى الدهر والأبد" (مز 9: 5). إنك تدَّمرهم تمامًا، تستأصلهم من أصولهم، وتمحوهم فتختفي ذكراهم أيضًا... "باد ذكرهم بتحطيم" وفى نص آخر "باد ذكرهم معهم". ماذا يعني بقوله: "بتحطيم"؟ إنه يتحدث عن تدميرٍ تامٍ، أو عن بشاعة الشرور. وهذه في الواقع علامة عناية الله، أنه لا يفعل هذا سرًا، حتى يُصلح من حال الناس خلال مصائب الآخرين. لذلك يشير إلى شهرة الدمار الذي يحل بهم[866].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "عينا الرب نحو الصديقين وأذناه إلى صراخهم" (مز 34: 15)... ربما تقول: لقد صرخت إليه، ولكني لازلت في محنة. فقط تمسك بطرقه، وعندما تكون في محنة يسمع لك.

هو طبيب، ويقدم لك نوعًا من التطهير. إنك تصرخ، لكنه يبقى يقطع ولا يرفع يده حتى يقطع حسب مسرته. فإن الطبيب الذي يسمع للشخص ويتوقف عن أن يجرح ويطهر إنما هو قاسي.

الأمهات تواصلن في استحمام أطفالهن من أجل صحتهم. أما يصرخ الأطفال بين أياديهن؟ هل هؤلاء قاسيات لأنهن لا يتوقفن ولا يبالين بدموع أطفالهن. ألسن مملوءات حنانًا؟... هكذا فان الله أيضًا مملوء حبًا، لكنه يبدو كمن لا يسمع. إذ لا يتوقف حتى يشفينا أبديًا.

ربما يقول الشرير، إنني أفعل الشر وأنا في أمان، لأن عيني الرب ليست نحوي، إنما الرب يصغي للأبرار، وليس لي، أفعل ما أريد وأنا في أمان. إذ يرى الرب أفكار البشر قيل: "وجه الرب ضد عاملي الشر، ليقطع من الأرض ذكرهم" (مز 34: 16)[867].

القديس أغسطينوس

v     "يدفعه من النور إلى الظلمة" [18]. يُدفع الإنسان من النور إلى الظلمة عندما يسقط تحت دينونة أبدية بسبب محبة نوال كرامة الحياة الحاضرة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

ظن بلدد وأصدقاؤه أن اسم أيوب سيُباد عن الأرض، لأنه شرير. هكذا أيضًا أراد اليهود إبادة اسم يسوع بصلبه، ليقوم عوضًا عنه اسم اللص باراباس. لكن باد اسمهم وبقي اسم يسوع ممجدًا، وسيتمجد إلى الأبد. وما وُجِّه ضد أيوب وضد السيد المسيح يبقى العالم يوجهه ضد الكنيسة لكي يُباد اسمها من الأرض، مقدمًا اتهامات مستمرة ضدها. لكن تبقى الكنيسة العروس المقدسة، تشهد حياتها لغنى نعمة الله الفائقة، وتتمتع بشركة المجد أبديًا.

لاَ نَسْلَ وَلاَ ذُرِّيَّةَ لَهُ بَيْنَ شَعْبِهِ،

وَلاَ بَاقٍ فِي مَنَازِلِهِ [19].

الإنسان الروحي شاهد حي لإنجيل المسيح، يقتني الكثيرين كنسلٍ له في الرب. فالرسول يوحنًا يدعو الذين يخدمهم "يا أولادي". ويتحدث الرسول بولس عن تلميذه أنسيموس قائلاً: "الذي ولدته في قيودي" (فل 10). أما الشرير فحتى وإن كان له أبناء كثيرون حسب الجسد، لكنه يكون بلا ابن ولا حفيد يتمتع بثروةٍ ما ويحمل اسمه وذكراه.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن هذا القول لا ينطبق على أيوب البار، إنما على إبليس الشرير، كما ينطبق على ضد المسيح الذي يظن أنه يملك على العالم كله.

ينطبق هذا القول على كل الأشرار، خاصة يهوذا الذي خان سيده من أجل محبته للفضة، فقد قيل عنه: "لأنه مكتوب في سفر المزامير لتصر داره خرابًا، ولا يكُن فيها ساكن، وليأخذ وظيفته آخر" (أع 1: 20).

"العدو تمَّ خرابه إلى الأبد" (مز 9: 6).

"لتصر دارهم خرابًا، وفي خيامهم لا يكن ساكن" (مز 69: 25).

v     "لا نسل ولا عقب له بين شعبه، ليس من بقية له في جوانبه" [19]. فإنه مكتوب أن الرب يسوع: "يبيده بنفخة فمه، ويبطله بظهور مجيئه" (2 تس 2: 8). وهكذا إذ ينتهي شره في نفس الوقت مع نهاية العالم "لا يكون له نسل وسط شعبه"، حيث يُدفع هو وشعبه معًا على ذات المستوى إلى العقوبة. كل الأشرار الذين سلكوا في الشر بناء على نصيحته الشريرة يُضربون ببهاء مجيء الرب بخرابٍ أبدي، مع رئيسهم هذا (الشيطان). لا يكون له نسل يبقى في العالم، حيث ينهي الديان العادل شرور هذا في وقتٍ واحدٍ مع نهاية العالم. الآن تُفهم هذه الكلمات على أنهما خاصة بضد المسيح حيث أضيف إليها: "يتعجب من أيامه المتأخرون، ويقشعر الأقدمون" [20].

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "لكن الغرباء يسكنون في موضعه" [19 LXX]. قد أُعدت بركات الدهر الآتي بالكلية للجميع، إن أرادوا السير في سبيل الله (مز 25: 10). قد أُعدت المواضع هناك للكل (يو 14: 2-3)، إن أرادوا أن يكونوا يقظين. لكن يمكنهم أن ينفتحوا لتدخل فيهم (الشياطين أو الخطايا) الذين لا يسلكون طريق الله. لهذا قال: "الغرباء أيضًا يعيشون في موضعه"، بمعنى أن الذين يسلكون طريق الله يعيشون بعيدًا عن الأشرار (الأرواح الشريرة).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

يَتَعَجَّبُ مِنْ يَوْمِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ،

وَيَقْشَعِرُّ الأَقْدَمُونَ [20].

إذ تحل بالشرير اللعنة ويسقط في تغيير مُر مفاجئ لم يكن يتوقعه أحد، ولم يسمع عنه السابقون له كما اللاحقون، في دهشة يصرخون: "يا رب ما أهيب أحكامك؟" (مز 66: 3).

عنصر المفاجأة لما سيحل بالأشرار خاصة في يوم الدينونة يدهش له الأبرار السابقون له، وأيضًا المعاصرون له. فإنه مهما وُصف التعب الذي يحلَ بهم لا يُمكن أن يعَّبر عما سيعانون منه. وبنفس الطريقة بالنسبة للأبرار حيث لا يمكن لذهن إنسانٍ أن يتخيل المجد المُعد لهم.

ولعله وهو يتحدث هنا عن الأشرار يتكلم عن أخطرهم وهو ضد المسيح الذي يظهر كملكٍ صاحب سلطانٍ، تخضع له شعوب كثيرة، ويسيطر على منافذ العالم، لكنه فجأة ينهار حيث يرسل الله عونًا لكنيسته، ويحل الدمار بضد المسيح.

v     "يتعجب من أيامه المتأخرون، ويقشعر الأقدمون" [20]. فإنه سينحل (الشيطان) ليقف ضد الأبرار بشرٍ هذا مقداره، حتى أن قلوب المختارين تُضرب برعبٍ ليس بقليل. مكتوب: "حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضًا" (مت 24: 24). قيل هذا بوضوح ليس لأن المختارين سيسقطون، وإنما لأنهم سيرتعبون بمخاطرٍ مرعبةٍ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "يئن المتأخرون في أعماقهم من أجله، وتمسك الدهشة بالأقدمين" [20]. يدعو بلدد الذين يتأهلون لنوال الأجرة في الساعة الحادية عشر (مت 20: 9)، خلال التوبة بالمتأخرين. بحق يتنهدون على الأشرار، متسائلين في أنفسهم لماذا لم يشتهِ هؤلاء أيضًا أن ينالوا الرخاء الروحي خلال التوبة النافعة.

"وتمسك الدهشة بالأقدمين"، هؤلاء الذين من البداية تمموا وصايا الله... بمعنى كيف أنه حتى في نهاية الزمن لم يذعن هؤلاء (الأشرار) لوصية الله.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

إِنَّمَا تِلْكَ مَسَاكِنُ فَاعِلِي الشَّرِّ،

وَهَذَا مَقَامُ مَنْ لاَ يَعْرِفُ اللهَ [21].

هذا ما يحل بمساكن الأشرار من خرابٍ ودمارٍ، وبؤسٍ وشقاءٍ. "الذين لا يعرفون الله تنتظرهم النقمة" (2 تس 1: 8). ما هو مسكن الأشرار الذين أصروا على عدم معرفتهم لله، سوى جهنم الأبدية.

يقول القديس هيبوليتس Hippolytus   في مقاله Against Plato, on the Cause of the Universe ، إن كان هذا العمل أصيلاً، ُتقاد النفوس بعد الموت بواسطة ملاك حارس إلى الجحيم، إلى موضعٍ متسعٍ ومظلمٍ، تبقى هناك حتى يوم القيامة، بعضها نفوس شريرة تستحق العقوبة المؤقتة على شرها[868]، كعربون للعقوبة الأبدية التي تنتظرهم. إنها تبقى بجوار بحيرة النار التي هي جهنم، ترى لهيبها، وتشتم دخانها، وتمتلئ رعبًا من أجل الدينونة القادمة[869]، أما الأبرار فيُقادون إلى مكان أكثر بهاء، وأكثر بهجة من العالم السفلي يدعى "حضن إبراهيم" حيث يتمتعون بالشركة مع الملائكة والبطاركة (الآباء)، ويفرحون برؤية المكافأة المقبلة[870].

لم يرد القديس يوحنا الذهبي الفم أن يتحدث عن موضع  جهنم سوى أنها "خارج هذا العالم"[871]. لكنه تحدث في شيء من التفصيل عن لعناتها. ففي إحدى عظاته يقول عنها:

[إنها بحر من النار، ليس بحرًا من ذات النوع بالأبعاد التي نعرفها هنا، بل أعظم وأعنف، بأمواج نارية، نيران غريبة مرعبة. توجد هناك هوة عظيمة مملوءة لهيبًا مرعبًا. يمكن للإنسان أن يرى النار تخرج منها من كل جانب مثل حيوان مفترس...

هناك ليس من يقدر أن يقاوم، ليس من يقدر أن يهرب.

هناك لا يُرى وجه المسيح الرقيق واهب السلام في أي موضع.

وكما أن الذين صدر عليهم الحكم بالعمل في المناجم هم أناس عنفاء، لا يرون بعد عائلاتهم، بل الذين يسخرونهم، هكذا يكون الأمر هناك، ولكن ليس بالأمر البسيط هكذا، بل ما هو أردأ بكثير. لأنه هنا يمكن أن يقدم الإنسان التماسًا للإمبراطور طالبًا الرحمة، وقد ُيعفي عن السجين، أما هناك فلن يحدث هذا. إنهم لن يخرجوا بل يبقوا، يحتملون عذابات لا يمكن التعبير عنها[872].]

مرة أخرى يقول إن النيران هناك لا تفني الإنسان، ولا تعطى نورًا، بل تحرق على الدوام[873]. إذ تتحول الأجساد المقامة الُمدانة إلى عدم الفساد لهذا تبقى تعانى العذابات أبديًا[874].

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن درجات العذابات في الجحيم مختلفة، تعتمد على مدى خطايا الإنسان[875]، لكن الكل يسقط تحتها أبديًا[876]. يقول أيضًا إن الله يعد جهنم، حتى لا ُيلقى أحدًا فيها[877].

v     مستحيل أن يكون عذابات جهنم غير موجودة[878].

v     هذه العذابات ليست لمجرد تحقيق العدل الإلهي، لكنها وضعت لحث البشرية على التوبة والامتناع عن الخطية[879].

v     إن كان الله يهتم ألاّ نخطئ وإن ندخل في متاعب كهذه لتصحيحنا، فواضح أنه يعاقب الخطاة ويكلل الأبرار[880].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     أتعجب كيف أن الإنسان يستهين بالنار في يوم الدينونة. يخافون من لهيب الفرن، ولا يبالون بنار جهنم، وكأنها لا شيء. لماذا هم هكذا عديمو الحس وغافلين عن الأمر؟ لماذا قلوبهم منحرفة إلى هذا الحد؟[881]

القديس أغسطينوس

v     "هل هذا أيضًا هو موضع الذين لا يعرفون الرب؟" [21 LXX]. من هم هؤلاء الذين لم يقبلوا هذا (الموضع)؟ وكيف؟ يعلن لنا الابن الوحيد هذا (الموضع) بوضوح: "اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدة لإبليس وملائكته، لأني جعت فلم تطعموني، عطشت فلم تسقوني" (مت 25: 41-42)... لكنكم لا تشكون أن بلدد استطاع أن يفهم ذلك أو ينطق به، لأن الناموس الطبيعي يُعلن حكم الله. كل البشر، حين يقبلون في حياتهم الناموس الطبيعي بطريقة سليمة يعرفون ما ينتظره الأبرار وما ينتظره الخطاة. وأيضًا الذين يعصون لا يمكنهم أن يعتذروا أمام الديان العظيم المهوب. لكن بلدد يستحق اللوم والاحتقار بالأكثر لأن مع معرفته ما هو للأشرار خلطهم بأيوب بطريقة خسيسة. إنه بهذا يشبه الذين يدعون الزناة عفيفين، والجشعين أبرارًا، والمرائين متواضعين...

أما بالنسبة لنا فلنميز الصالحين عن الطالحين، وإذ نمدح الأبرار نقدس كلماتنا ونطهر قلوبنا. وفى نفس الوقت لنكرس أجسادنا ونفوسنا وهياكل نفوسنا بغيرتنا مع تقديرنا للأبرار وتمجيدنا لله، الذي يُسر بكرامة خدامه. له المجد على دهر الدهور. آمين.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     صرير الأسنان (كما وصفه الرب في جهنم الأبدية) ليس صرير أسنان جسدية، وليس الدود أيضًا جسديًا. لم تكتب هذه الأمور إلا لأن الدود يظهر مع الحمى الشديدة (المرض)، وكذلك من لا يتوب ويطهر من خطاياه سوف يحترق في ناره ويأكله دوده (أعماله). ولهذا كتب إشعياء سيروا في نيرانكم، والشرار الذي أوقدتموه (إش 50: 11). إنها نيران كآبة الخطية ونتيجتها. إنها كدودٍ، لأن خطايا النفس تطعن العقل والقلب، وتأكل أحشاء الضمير[882].

القديس أمبروسيوس

v     "بالتأكيد، تلك هي مساكن الأشرار، وهذا مقام من لا يعرف الله" [21]. فقد قال قبلاً: "يدفعه من النور إلى الظلمة، ومن المسكونة يُطرد" [18]. ويلحق بمآسيه الآتي: "بالتأكيد، تلك هي مساكن الأشرار، وهذا مقام من لا يعرف الله". هذا الذي يفتخر الآن بأنه لا يعرف الله يُدفع إلى مسكنه، عندما يقحمه شره إلى الويلات، فيجد نفسه يومًا ما في ظلمة موضعه، بينما جعل من نفسه سعيدًا هنا في نور الأبرار المزيف، فكان يحتل مكان غيره. فإن الأشرار في كل ما يفعلونه بخداعٍ يجاهدون أن يقتنوا لأنفسهم لقب "الصديق"، كمن يحتلون مكان الغير. لكنهم عندئذ يُحضرون إلى موضعهم عندما يُعذبون بنارٍ أبديةٍ كثمرة إثمهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)


 

من وحي أيوب 18

أنت حياتي، وبدونك ليس لي حياة

 

v     إلهي، أنت هو النور الأزلي،

تضيء أعماقي، فتحولني إلى نورٍ للعالم،

 بدونك ينطفئ سراجي،

ويتحول بيتي إلى مقبرة.

وأفقد كل حرارة وحياة!

 

v     قُدْ نفسي، فأنت هو الطريق.

بدونك أتعثر في الظلمة، أسقط ولا أقوم.

بك انطلق إلى السماء،

أسير رحلة حياتي في أمان!

 

v     أنت هو الحق، فيك أنطلق إلى المعرفة الصادقة.

بدونك أصير كبهيمةٍ ضالةٍ.

أو كحيوانٍ بلا وعيٍ.

أسقط في فخاخ إبليس، وأصير أضحوكة له!

انشلني من فخاخ العدو،

فأكون كعصفورٍ ينطلق من فخٍ مكسورٍ،

يطير في كمال الحرية!

 

v     أنت هو الحياة.

بدونك يمتلكني الموت.

يفترسني، وليس منقذ!

أعيش كما في جحيم لا يُطاق.

تعالْ يا أيها الحياة،

ولتملأ أعماقي بسلامك!

 

v     أنت كنزي وغناي.

أقتنيك، فيصير كل شيء بين يدي.

لن أشعر بعوزٍ،

ولن تقدر تجربة ما أن تحطمني.

 

v     أنت أبي!

حسبتني ابنًا لك!

اقترب إليك، فأجدك في أعماقي،

لست ببعيدٍ عني.

من يقدر أن يفصلني عنك؟

أخيرًا هب لي أن أقتنيك يا أيها القدوس،

فيهرب الشر مني،

ولا يجد العدو له موضعًا فيّ.

بل اختبر عربون سماواتك!

 

v     إلهي أنت الكل لي!

أنت نوري مبدد الظلمة.

أنت قائدي القوي.

أنت الحق الذي لا يُقاوم!

أنت سرّ خلاصي.

أنت كنزي الذي لا يُسرق، وغناي الذي لا يُنزع مني.

أنت أبي السماوي، تضمني في أحضانك!

<<

 


 

اَلأَصْحَاحُ التَّاسِعُ عَشَرَ

هل الله عدوِّي؟

فإنه هو رجائي الوحيد!

ترك أيوب بلدد ولم يقاطعه، وإذ تحدث في شيء من التأكيد عن الخراب الزمني والهلاك الأبدي الذي يستحقه أيوب الشرير، رد عليه أيوب في هذا الأصحاح بكل قوة.

يعتبر هذا الأصحاح نقطة تحول مهمة في نظر أيوب البار إلى ما هو فيه من متاعب وتجارب، خاصة مقاومة أصدقائه له:

أولاً: كإنسانٍ مهما بلغ برَّه كانت نظرته قاصرة، يعاني من الضعف بسبب شدة التجربة. كان ككثيرين في وسط بوتقة التجارب في صراعٍ يتساءل: هل تحول الله إلى عدوٍ حتى سمح للشيطان أن يجربه بما يبدو أنه فوق الطاقة. وإن كان كذلك، فكيف فقد أصدقاؤه إنسانيتهم، وتجاهلوا معاملاته معهم، ونسبوا إليه ما لم يروه فيه.

هذه مشاعر بشرية عاشها البار أيوب، كما يعيشها القديسون في وسط آلامهم، ولو إلى حين.

حقًا، لقد أحاطت به الضيقات من كل جانبٍ، وتحولت التعزية إلى تعـذيب (1-7). يعبر أيوب في هذا الأصحاح عن عدم صبره على كلام بلدد، وأن الذين جاءوا ليعزوه أضافوا تعبًا على تعبه بسبب انتقاداتهم الشديدة له وقسوتهم عليه، فقد عذبوا نفسه، وسحقوه بالكلام، وأخزوه، وأطلقوا عليه صفات شريرة، ووجهوا إليه اتهامات لا يعرف عنها شيئا. تظاهروا كأنهم لا يعرفوه من قبل؛ لم يعاملوه بالدالة التي كانوا يعاملونه بها لما كان في رخائه.

تساءل أيوب إن كان الله اختاره لكي يظهره كخاطئ في أعين العالم. فقد سمح له إلهه بالنكبات (8-12). ليس فقط أصحابه، وإنما حتى زوجته وأقرباؤه يتعاملون معه كطريد جرده الله من مجده، وعامله كعدوٍ، بل وأبعد عنه أصدقاءه، وجعل أقرباءه وإماءه يحتقرونه، بل والصبيان رذلوه. لم يجد من يعطف عليه في نكبته [١٣-١٩]. جسمه فني، لقد تدمر عمليًا [٢٠].

ثانيًا: في ضعفه البشري أيضًا شعر بالحاجة إلى حنوٍ ممن هم حوله وسط التجربة، فظن أنه كان يمكن لأصدقائه أن يقدموا له الحنو الذي حرمه الله منه [٢١-٢٢].

ثالثًا: امتاز أيوب البار أنه مع معاناته من ضعفه البشري إلا أنه بالإيمان الحي ارتفع إلى واقعٍ حقيقيٍ آخر، وهو أن حب الله له فائق، وعنايته به عجيبة. لهذا يتساءل: هل بالحق الله هو عدوِّي؟ فإنه هو رجائي الوحيد! [٢٣-٢٧]. يعود يسمو إلى علو الإيمان، فيقول في ثقة الإيمان الكاملة: "أما أنا فقد علمت إن وليي حي، وعلى الأرض يقوم". فهو يعزي نفسه بالإيمان والرجاء في سعادة العالم الآخر. ونحن نعتقد أن أيوب كان تحت تأثير الروح القدس الذي رفعه فوق نفسه، وأنار بصيرته، ووضع في فمه كلامًا بطريقةٍ مذهلةٍ. ونلاحظ أننا لا نجد في أحاديث أيوب بعد هذا أي تذمر أو  شكوى من الله، كما فعل قبل ذلك، لأن ذلك الرجاء هدأ روحه.

رابعًا: إذ ارتفع أيوب البار بقلبه وفكره إلى إدراك محبة الله، وامتلأ قلبه بالرجاء. كما نطق بعبارات خاصة بأحواله، تحمل نبوات رائعة عن السيد المسيح الذي احتل مركز الإنسان المتألم، والذي تعثر فيه إشعياء في البداية حيث قال: "لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه. مُحتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن، وكمُستر عنه وجوهنا، مُحتقر فلم نعتد به" (إش 53: 2-3). لكن عاد إشعياء فتمتع بسرّ صليبه، وسَّجل لنا "تسابيح العبد المتألم، أغنية كل نفسٍ تتلاقى مع سرّ الصليب، وتتعرف على مخلصها غافر خطايانا، وواهبها البرّ الحقيقي وشركة الأمجاد الأبدية.

جاءت أغلب عبارات أيوب في هذا الأصحاح نبوات تحققت في شخص السيد المسيح المتألم كرأس الكنيسة، وأيضًا في الكنيسة كجسد المسيح المُتألم:

أ. تعذيبه بكلمات أصدقائه [1-4]؛ هكذا لم يتوقف قادة اليهود عن أن يتقدموا ليجربوا السيد المسيح، ويستخدموا الكلمات اللاذعة والاتهامات الباطلة، عوض الكرازة به كأصدقاءٍ له، يعرفونه خلال الرموز والنبوات التي بين أيديهم.

ب. استكبار اليهود على المسيا المخلص، مع عدم قدرتهم على إثبات اتهاماتهم عليه [5].

ج. ما حل به من آلام، كمن سقط في شبكة الله، إنما تحقيقًا لإرادة الآب، وقد وضع هو نفسه بإرادته [6].

د. صار طريقه كما لو كان ظلامًا، لذلك حلت الظلمة على العالم وقت الصلب.

هـ. زال تاج أيوب [9]، وأخفى السيد المسيح مجده ليحمل تاج العار، أو إكليل الشوك عنا.

و. انهدم أيوب تمامًا [10]، وأسلم السيد المسيح روحه على الصليب,

ز. حُسب أيوب في أعين أصدقائه عدوًا لله [11]، وحمل مسيحنا خطايا العالم على كتفيه لكي يرفع الغضب الإلهي والعداوة عنا.

ح. تحول أقرباء أيوب إلى غرباء عنه [13]، وجاء السيد المسيح إلى خاصته، وخاصته لم تقبله.

ط. لم تحتمل زوجة أيوب رائحته [17]، وصار السيد المسيح رائحة موت لموت للأمة اليهودية التي جحدته (2 كو 2: 16).

ي. يطلب أيوب من أصدقائه أن يتراءفوا عليه [21]، ويصرخ السيد المسيح على الصليب: "أنا عطشان" (يو 19: 28)، مشتاقًا أن يشرب من مياه الحب للراجعين عن شرورهم وجحدهم. إنه يريد أن الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون (1 تي 2: 4). يطلب أيوب أن يفهم أصدقاؤه سرّ آلامه، وأن تُسجل قصته، وتُنحت على صخر لتتعلم منها الأجيال [23-24]. ويرسل السيد المسيح روحه القدوس الذي ينقش سرّ حبه العملي على القلوب الحجرية، فتحمل صخرة الإيمان، وتتحول إلى ملكوت إلهي سماوي مفرح.

ك. يوجه أيوب أنظار أصدقائه إلى القيامة التي يهبه الله الحي إياها [25]، ويوجه السيد المسيح البشرية المحبوبة إليه جدًا إلى قيامته ليتمتعوا بقوتها، ويقوموا به من الموت إلى الحياة الأبدية.

ل. يختم حديثه هنا بتحذير أصدقائه لئلا يرفضوا الحق، ويتمسكوا بالكلام الباطل [28]، حتى لا يقتلهم السيف [29]. ويحذر السيد المسيح غير المؤمنين لئلا يُحرموا من الأبدية المفرحة ويُلقوا مع إبليس في جهنم!

يختم أيوب كلامه بتهديد أصحابه بأن ظهور الله الذي ينتظره برجاء سيسبب خوفًا لهم إذا استمروا يصرون على أن خطيته هي سبب آلامه. يريد أيوب أن تُنقش كلماته وتُسجل، فحتمًا سيأتي اليوم الذي يقف فيه الله شاهدًا له لصالحه. لكن هل كان يتوقع تحقيق هذا قبل موته أم بعده؟

1. تحول التعزية إلى تعذيب                    1-7.

2. إلهه سمح بالنكبات               8-12.

3. تحول الأقرباء إلى غرباء         13-19.

4. فقدان من يحنو عليه              20-22.

5. الأبدية هي رجاؤنا                23-27.

6. تحذيره لأصدقائه                  28-29.

1. تحول التعزية إلى تعذيب

فأَجَابَ أَيُّوبُ وَقَال: َ[1]

حَتَّى مَتَى تُعَذِّبُونَ نَفْسِي،

وَتَسْحَقُونَنِي بِالْكَلاَمِ [2].

كل ما حلّ بأيوب من آلام جسدية ونكبات، ليست فيها آلام نفسية كتلك التي حلت بنفسه من أصدقائه، فالتجارب دفعته لتقديم ذبيحة تسبيح وشكر لله، أما كلمات أصدقائه فسحقته. كأنه يصرخ مع المرتل: "اشفني يا رب، لأن عظامي قد رجفت" (مز 6: 2).

يرى الأب هيسيخيوس الأورشليمي في كلمات أيوب البار هنا عتابًا موجهًا ضد أصدقائه الذين كادوا أن يحطموا رجاءه، الأمر الذي لم يستطع إبليس أن يفعله به. فإن أقصى ما يفعله عدو الخير هو أن يصب عليه التجارب من آلام جسمانية تبلغ نهايتها بالموت. وهو في هذا كله لا يبالي بالآلام، ولا يخشى الموت، إذ يرى في معركته مع إبليس أنه ينال كمًا من الأكاليل كلما تزايدت التجارب. أما أصدقاؤه فقد صوّبوا سهامهم، لا ضد جسمه الذي ينحل يومًا ما، بل ضد نفسه لتحطيم رجائه، وهذا أخطر. وكأن ما يفعله الأصدقاء الأشرار أشر وأخطر مما يصوبه ضده عدو الخير.

كثيرًا ما يحدثنا الكتاب المقدس عن خطورة الكلمات العنيفة المحطمة للنفس، كما يحذرنا من الكلمات الناعمة التي تخفي قلبًا قتالاً مخادعًا. فاللسان السليط سهم قاتل، ضرباته أخطر من القتل بالسيف، أو الضرب بالسياط؛ ويوضع اللسان الكذاب مع العيون المتعالية المتشامخة والأيدي السافكة للدماء.

"كثيرون سقطوا بحد السيف، لكنهم ليسوا كالساقطين بحد اللسان" (سيراخ 28: 22).

"لسانهم سهم قتال، يتكلم بالغش بفمه، يكلم صاحبه بسلامٍ، وفي قلبه يضع له كمينًا" (إر 9: 8).

"ضربة السوط تُبقي رَضَّا، وضربة اللسان تحطم العظام" (سيراخ 28: 21).

"عيون متعالية، لسان كاذب، أيدٍ سافكة دما بريئا" (أم 6: 17).

"السليط اللسان بعيد السمعة، لكن العاقل يعلم متى يسقط" (سيراخ 21: 8).

"فمه مملوء لعنة وغشًا وظلمًا، تحت لسانه مشقة وإثم" (مز 10: 7).

"يقطع الرب جميع الشفاه الملقة، واللسان المتكلم بالعظائم" (مز 12: 3).

"نفسي بين الأشبال، اضطجع بين المتقدين بني آدم، أسنانهم أسنة وسهام، ولسانهم سيف ماض" (مز 57: 4).

"من يجعل حارسًا لفمي، وخاتمًا وثيقًا على شفتي، لئلا أسقط بسببهما، ويهلكني لساني" (سيراخ 22: 33).

v     الوصية الأولى: "صُنْ لسانك عن الشر، وشفتيك عن التكلم بالغش" (مز 34: 13؛ 1بط 3: 10). لأن الخطية التي يسببها اللسان فعّالة للغاية ومتعددة الجوانب، لها دورها في السخط والشهرة والرياء والإدانة والغش. أتريد أن أعدد الأسماء الكثيرة التي لخطايا اللسان؟ فإنه عن اللسان تصدر النميمة، والسخرية والحماقة البالغة، والاتهامات الباطلة، والمرارة والقسم والشهادة الباطلة. اللسان هو مخترع كل هذه الشرور وأكثر[883].

القديس باسيليوس الكبير

v     لا يروض الحصان نفسه، ولا أيضًا الإنسان يقدر أن يفعل هذا. الحاجة مُلحة للإنسان أن يروض الحصان، وبنفس الطريقة إلى الله كي يروض الإنسان[884].

القديس أغسطينوس

v     يقتل السيف الجسم، ويقتل اللسان النفس. لا يعرف اللسان الاعتدال، فإما أن يكون عظيم الصلاح أو عظيم الشر. إنه عظيم الصلاح عندما يعرف أن المسيح هو الله، وعظيم الشر عندما يجحد ذلك. ليته لا يخدع أحد نفسه، ظانًا أنه لم يخطئ قط، فإنني أخطئ، وذلك بلساني[885].

v     كلما أخطأ اللسان، صار بالأكثر بائسًا![886]

القديس جيروم

v     البرهان العملي على الذهن السليم والفكر الكامل ألا يوجد خطأ على ألسنتنا، وأن نحفظ أفواهنا مغلقة عند الضرورة. إنه من الأفضل أن يقودنا الحديث اللائق، القادر أن يعرف كمال كل مديح ويعبِّر عنه. فإن أكثر المواهب نفعًا أن تكون قادرًا على النطق بالحكمة عند التحدث عن الحياة الصالحة. الكلام الرديء يلزم أن يكون غريبًا عن القديسين[887].

القديس كيرلس الكبير

v     احفظ طرف لسانك، فإنه مثل فرسٍ ملوكي. إن وُضع لجامًا في فمه، وعلَّمته السير بكياسة، يخضع لذلك ويكتفي. أما أن تركته يجري بلا ضابط، يصير مركبة للشيطان وملائكته[888].

v     اللسان سيف ماضٍ. ليتنا لا نجرح به أحدًا، بل بالحري نقطع به "الغرغرينا" التي فينا[889].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     عندما يكون الجسم مرهقًا، لا أشعر باحتياج ضروري، أحسب آلامي كلا شيء، ولا أبالي بجسمي عندما يُستنفذ هذا الطين ويعبر. لا تعذبوا نفسي، ولا تربكوا روحي، فإذ تحمل نفسي نغمًا (روحيًا) أُصيب به عَدُوِي. أنا غالب في المعركة، لا أخشى الآلام. أما أنتم فتسحقونني بكلماتكم، وتنزعون عني الرجاء في نوال الأكاليل، وتجعلوني أرتد بخطواتي كمن لم يركض حسنًا.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     لتفهم كلمات الرجل القديس كمن ينطق بها عن شخصه تارة، وتارة أخرى بلسان الرأس (المسيح)، وتارة كرمزٍ للكنيسة الجامعة.

الآن فإن نفس البار في حزنٍ عميقٍ عندما يقذفه الأشخاص بعبارات ضده دون أن يتعلموا أن يمارسوا الحياة الصالحة، وبالكلمات ينسبون البرّ إلى ذواتهم مع أنهم عمليًا هو أعداء له...

ينطق أيوب بخصوص شخصه، ليتكلم معترفًا بلسان الكنيسة الجامعة: "لكنني بالحق أنا جاهل، وجهلي يرافقني (معي)" [ 4 Vulgate]. كأنه يقول عن الهراطقة: "كل معرفتكم ليست معكم، بل هي ضدكم، مادامت ترفعكم في كبرياء غبي. أما جهلي أنا فهو معي، فإنه يعمل لحسابي، حيث لا أتجاسر وأبحث فيما يخص الله بكبرياء قلبٍ. احفظ نفسي في الحق بروح التواضع...

البابا غريغوريوس (الكبير)

إن كانت جراحات أيوب البار مرة للغاية بسبب كلمات أصدقائه القاسية أكثر من أية مرارة أخرى، يليق بنا نحن كمؤمنين نحرص على سلامة اخوتنا وخلاصهم وفرحهم في الرب. ألا ننطق بكلمات جارحة، بل تكون لنا الكلمات الطيبة التي تشفي جراحاتهم وتطَّيب خاطرهم في الرب. يحثنا الكتاب المقدس لا على التحفظ من اللسان السليط فحسب، وإنما أن يهبنا الله لسانًا لطيفًا يسندنا ويسند اخوتنا بعذوبته الشافية.

v     قال الرسول هذا (يع 3: 8)، لا لكي نتساهل مع هذا الشر الذي للسان، بل كي نطلب النعمة الإلهية لتروض ألسنتنا[890].

القديس أغسطينوس

v     النبع هو قلب الإنسان، ومجرى الماء الذي يفيض هو حديثه، والفتحة التي يخرج منها هي فمه. الماء الحلو هو التعليم السليم، والماء المر هو ما يضاد ذلك[891].

الأب هيلاري أسقف آرل

v     إنه أمر عظيم أن تكون قادرًا على ضبط اللسان، لأن الفشل في ذلك هو أعظم الشرور[892].

القديس كيرلس الكبير

"الكلام الحسن شهد عسل، حلو للنفس، وشفاء للعظام" (أم 16: 24).

"الذي لا يشي بلسانه، ولا يصنع شرًا بصاحبه، ولا يحمل تعييرًا على قريبه" (مز 15: 3).

"فاض قلبي بكلام صالح، متكلم أنا بإنشائي للملك، لساني قلم كاتب ماهر" (مز 45: 1).

"هدوء اللسان شجرة حياة، واعوجاجه سحق في الروح" (أم 15: 4).

"الموت والحياة في يد اللسان، وأحباؤه يأكلون ثمره" (أم 18: 21).

"ببطء الغضب يقنع الرئيس، واللسان اللين يكسر العظم" (أم 25: 15).

"لا تكن جافيًا في لسانك، ولا كسلاً متوانيًا في أعمالك" (سيراخ 4: 34).

"الفم العذب يكثر الأصدقاء، واللسان اللطيف يكثر المؤانسات" (سيراخ 6: 5).

"وإن كان في لسانها رحمة ووداعة، فليس رجلها كسائر بني البشر" (سيراخ 36: 25).

"المزمار والعود يطيبان اللحن، لكن اللسان العذب فوق كليهما" (سيراخ 40: 21).

هَذِهِ عَشَرَ مَرَّاتٍ أَخْزَيْتُمُونِي.

لَمْ تَخْجَلُوا مِنْ أَنْ تُعَنِّفُونِي [3].

أخزوه بما نسبوه إليه من صفاتٍ شريرةٍ وما اتهموه به مرة ومرات بلا ترددٍ. كانت كلماتهم كسيفٍ قاتلٍ وكحجارةٍ ثقيلةٍ سحقت نفسه. لم يخجلوا من أن يحتقروه، إذ جعلوا أنفسهم غرباء عنه، وكانوا يتظاهرون كمن لا يعرفونه (أي 2: 12). لم يتعاملوا معه بذات الدالة التي كانت لهم في رخائه. لذا يقول الحكيم: "الصديق يحب في كل وقتٍ" (أم 17: 17).

لقد تحدثوا خمس مرات، وكان كل منهم يضاعف توبيخه فأحصى أيوب ما فعلوه به، قائلاً: "عشر مرات أخزيتموني". هذا ورقم 10 يشير إلى الكمال الزمني لذلك جاءت الوصايا في الناموس عشرة، إشارة إلى التزام المؤمن بالوصية طوال زمن عمره. وهنا كأنه لم يترك الأصدقاء لحظة من لحظات جلوسهم معه إلا وحملت روح النقد اللاذع والتوبيخ لكي يخزوه.

v     "فقط لتعرفوا أن الرب يعاملني هكذا" [3 LXX]. يقول على الأقل ليت كرامة ذاك الذي يؤدبني تجعلكم تغيروا نظرتكم نحوي. فإنه لا يليق بكم أن تطأوا على الناس الذين يؤدبهم الله، بل أن تتنهدوا وتحزنوا على مثل هؤلاء، خاصة وأنه لا يليق أن يفرح أحد بموت آخر، فإن هذا التصرف لا يُترك بدون عقاب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

وَهَبْنِي ضَلَلْتُ حَقًّا.

عَلَيَّ تَسْتَقِرُّ ضَلاَلَتِي! [4]

"وهبني ضللت حقًا"، بمعنى افترضوا أن اتهاماتكم صدق، وأنني بالحق ضللت، سواء كان ذلك عن جهلٍ أو خطأٍ، فكل إنسانٍ معرض لهذا، فإن هذا يمس حياتي، لأن ضلالتي – إن كنت أخطئ عن عمد وخبث وخداع  - تستقر عليّ لا عليكم، فلماذا كل هذا الهجوم القاتل؟

ربما يعني إن كنت بالحق مخطئًا وشريرًا، وأنا أتألم بسبب شري، وحلت كل هذه النكبات عليّ، اتركوني في مرارتي، لماذا تضيفون على آلامي آلامًا؟

v     "إنكم تنتصبون ضدي[893] كأنه يقول لهم: "كان يليق بكم، بمناسبة ضربي (بالتجارب) أن تنتصبوا ضد أنفسكم. هذا هو التدبير الحسن للانتصاب في جانب الصلاح، أن نقف أولاً ضد أنفسنا، وبعد ذلك ضد الأشرار. ننتصب ضد أنفسنا عندما نتطلع إلى أعمالنا الشريرة، ونضرب أنفسنا بعقوبة الندامة القاسية، ولا نترك أنفسنا قط في خطايانا، ولا ننحاز بأي فكر أحمق نحو أنفسنا.

يلزمنا أولاً أن نقتفي في صرامة أثر شرورنا في داخلنا. عندئذ يكون من العدل أن ننتصب لمقاومة الشر في الآخرين لأجل نفعهم، والشر الذي نعاقبه فينا نطبقه أيضًا في الغير...

هذا النوع من الانتصاب لا يعرف عنه الأشرار شيئًا، إذ يتركون أنفسهم ويهاجمون الصالحين... لذلك بحقٍ قيل لأصدقاء الطوباوي أيوب الذين كانوا متكبرين عليه وهو تحت العقوبة: "تنتصبون ضدي". بمعنى آخر قيل لهم: "تتركون أنفسكم التي تستحق اللوم، وتنتهرونني بعبارات قاسية". فمن لا يحكم على نفسه أولاً، يجهل الحكم على الغير باستقامة... هكذا قيل للذين كانوا يتصرفون بخداع عندما جاءوا بزانية لتسقط تحت الحكم: "من كان منكم بلا خطية، فليرمها أولاً بحجرٍ" (يو 8: 7). فقد جاءوا يعاقبون خطايا الغير، وتركوا خطاياهم خلفهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     أم كيف تقول لأخيك دعني أُخرِج القَذَى من عينك، وها الخشبة في عينك؟ يا مرائي أَخرِج أولاً الخشبة من عينك، وحينئذٍ تبصر جيّدًا أن تُخرِج القَذَى من عين أخيك.

          أزل عنك الكراهية حتى تستطيع إصلاح من تحبه. حسنًا يقول الرب "يا مرائي" لأن الإنسان المحب، وحده الذي له أن يشتكي من خطايا الآخرين، أما الشرير، فمتى اشتكى على الآخرين يكون مرائيًا، إذ يظهر نفسه بصورة غير التي هو عليها... فهناك صنف من المتصنعين يشتكون من خطايا الآخرين كالكراهية والضغينة بقصد الظهور بمظهر أصحاب المشورة... لنحذر لئلا نسقط في هذا، كذلك إذا اضطررت إلى الكشف عن أخطاء الآخرين أو انتهارهم، فلننظر إلى أنفسنا إن كنا نرتكب نفس الخطايا، أو سبق لنا ارتكابها. فإن كنا لم نرتكبها لنعلم أننا بشر معرضون للخطية. أما إن كنا قد ارتكبنا الخطية من قبل وقد تحررنا منها، فلنذكر ضعفنا على الدوام. لذلك وجب علينا أن نكنّ لمن نكشف أخطاءهم المحبة لا الكراهية... ولنحذر لئلا ننشغل بخطاياهم... فلا نلوم الخاطئ ولا ننتهره، بل نحزن بشدة على حالتنا هذه، غير طالبين منه أن يطيعنا، بل أن يجاهد معنا[894].

v     علينا ألا نستخدم التوبيخ إلا نادرًا. وإذا اضطررنا إلى استخدامه يجب علينا أن نسعى بشغفٍ إلى خدمة الله لا أنفسنا. ليكون لنا هدف واحد، فلا نفعل شيئًا بقلب مزدوج. لنُخرج من أعيننا خشبة الحسد أو الحقد أو التصنع، حتى نتمكن من الإبصار فنخرج القذى من عيني أخينا. للنظر إلى القذى بعيني الحمامة، اللتين لعروس المسيح (نش 1:4)، التي اختارها الله لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن، أي نقية لا غش فيها (أف 27:5)[895].

القديس أغسطينوس

v     يجب على المسيحيين أن يجتهدوا... أن لا يدينوا أحدًا حتى ولا زانية من الزانيات، ولا الأثمة المشهورين بخطاياهم، ولا قليلي النظام، بل يراعوا كل جنس البشر بسذاجة النية وعين النقاوة، لكي يصبح الإنسان من طبيعته وأساسه لا يستخف بأحدٍ ولا يدين أو يكره أحدًا، حتى ولا يميز بين الناس. فإن رأيت رجلاً أعور فلا تحتقره في قلبك بل أعطه من الاهتمام حقه الذي كنت تعطيه له لو كان بلا عيب... لأن نقاوة القلب الصحيحة هي أنك إن رأيت الخطاة أو الضعفاء ترثي لحالهم، وتظهر لهم الرحمة. فإن هذا هو ما يناسب قديسي الرب أن يجلسوا في المحرس (حب ٢: ١؛ إش ٢١: ٨)، ويعاينوا ضلال العالم وخداعه ويخاطبوا الله بالإنسان الباطن.

القديس مقاريوس الكبير

v     لا تسيء إلى إنسانٍ، الذي هو صوره الله، بسبب الشر الذي فيه، فإن الشر أمر عارض، هو محنة ومرض وتضليل شيطاني، أما كيانه، كصورة الله، فهو باقٍ[896].

الأب يوحنا كرونستادت

إِنْ كُنْتُمْ بِالْحَقِّ تَسْتَكْبِرُونَ عَلَيَّ،

فَثَبِّتُوا عَلَيَّ عَارِي [5].

شعر أيوب أنهم لم يأخذوا منه موقفًا غير إنساني فحسب، فتحولوا عن صداقته، وإنما بالحق استكبروا عليه، وحسبوا أنفسهم أسمى منه، وتعاظموا عليه لإذلاله. بدلاً من أن ينزعوا عنهم عارهم، ثبتوا عاره كدليلٍ على عدم نزاهته وإخلاصه وكماله. أخذوا من عاره حجه لتثبيت شره.

رأى الفريسي المتكبر في المرأة الزانية نجاسة لا تُطاق، وشرًا لا يُحتمل، حتى استكثر عليها أن تتجاسر وتدخل بيته. وكأنه يود لو طرد ربنا يسوع حتى لا يدخل معه أمثال هذه. أما ربنا يسوع فرأى في قلبها المنكسر ودموع عينيها حبًا كثيرًا، فغفر لها خطاياها الكثيرة.

ورأت الجماهير في زكا رئيس العشارين إنسانًا خائنًا عابدًا للمال لا يستحق أن يعيش بينهم، أما السيد المسيح فرأى فيه شوقه للخلاص والتحرر من المادة، فيستحق دخول رب المجد لا إلى بيته فحسب، بل وداخل قلبه.

إن نظرة ربنا يسوع القدوس المحب للنفس المعترفة بسوادها، هي: "أنت جميلة يا حبيبتي. أنت جميلة" (نش ١: ١٥). أما أخواتها فينظرن سوادها، لذلك وبختهن قائلة: "لا تنظرن إليّ لكوني سوداء، لأن الشمس قد لوحتني" (نش ١: ٦).

يرى الأب هيسيخيوس الأورشليمي أن الطوباوي أيوب الذي شهد الله عن بّرِه لا يمكن أن يكون قد ضلّ، ذاك الذي نال حكمة من العلا لا ينطق بما هو غريب عن الحق؛ ليس فيه أفكار باطلة. ومع هذا فإنه حتى وإن كان قد ضل، فما كان يليق لأصدقائه أن يتشامخوا عليه وهو في المذلة.

كأنه يقول لهم: "لماذا تتعاملون بعجرفة مع إنسان في المذلة؟ لماذا تهاجمون شخصًا منهارًا إلى أسفل؟ لماذا تؤذون شخصًا كان يجب أن تعطفوا عليه، وتصلوا من أجله؟ ولنفرض أنكم تتشامخون علىّ، فلماذا تتشامخون على الله؟ فإن عنايته الفائقة حالة علي".

يقول القديس كبريانوس: [إنه لكبرياء وتشامخ أن يتجاسر أحد يظن أنه قادر أن يفعل ما لم يهبه الله حتى للرسل، فيحسب أنه يستطيع تمييز الزوان عن الحنطة... ومن يفكر أنه يختار الأواني الذهبيّة والفضيّة ويحتقر الأواني الخشبيّة والخزفيّة ويطردها، مع أن الأواني الخشبية لا تُحرَق إلاَّ يوم الرب بالنار الإلهيّة المحرِقة، والأواني الخزفية لا يسحقها إلاَّ ذاك الذي أُعطي له قضيب من حديد[897].]

v     ينصحنا الرب ألا نحكم على أحد بتهورٍ أو بظلمٍ، لأنه يرغب في أن نصنع كل شيء بقلبٍ بسيطٍ متجهٍ دائمًا نحو الله. هذا وإذ يكون استعداد من يحكم على الآخرين هو البحث عن خطايا الغير لتوبيخهم وإدانتهم، لا لإصلاحهم وتهذيبهم في محبة... كل هذا بسبب كبريائهم أو حسدهم، لذلك أضاف رب المجد:: "ولماذا تنظر القَذَى الذي في عين أخيك. وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟"

          فلو سقط أخوك في خطية الغضب، تسقط أنت في خطية الكراهية (بإدانتك له). وهناك فرق شاسع بين الغضب والكراهية، كما هو بين القذى والخشبة. لأن الكراهية هي غضب مزمن، فبطول الزمن اشتد القذى (الغضب) حتى صار يُدعى بحقٍ خشبة (الكراهية). فإنك إن غضبت على إنسان، فلابد أنك ترغب في رجوعه إلى الحق، أما إذا كرهته فلا يمكن لك أن تشتاق إلى رجوعه[898].

القديس أغسطينوس

فَاعْلَمُوا إِذًا أَنَّ اللهَ قَدْ عَوَّجَنِي،

وَلَفَّ عَلَيَّ أُحْبُولَتَهُ [6].

لعله أراد القول بأن ما حلّ به هو بسماحٍ من الله، فتهدمت حياته، وسقط في شبكةٍ، كصيدٍ في شبكة صيادٍ، وليس من مهربٍ. أتركوا الله يحكم عليّ...

يرى البعض هنا إشارة إلي ما اعتاد الفارسيون والرومان والغوصيون أن يفعلوه في معاركهم. ففي بعض المعارك الرومانية كان أحد الجنود يمسك بسيفه ودرعه بينما بجواره آخر يمسك برمح وشبكة. فالأخير يبذل كل الجهد لكي يلقي بالشبكة على رأس خصمه، فإن نجح في هذا يسحبه في الحال بالشبكة الملتفة حول رقبته والتي بها شرك يجره على الأرض ويضربه بالرمح الذي في يده. فمتى ألقيت الشبكة على رأسه وصار في داخلها، يصير لا حول له ولا قوة، مصيره في يد الغالب[899].

هَا إِنِّي أَصْرُخُ ظُلْمًا، فَلاَ أُسْتَجَابُ.

أَدْعُو، وَلَيْسَ حُكْمٌ [7].

شعر أيوب كأن الله قد أخذ موقفًا مضادًا منه، وأن ما حلّ به ليس له ما يفسره به. يشعر أنه تحت الظلم، وها هو يدعو الله، والله لا يستجيب. كأنه يقول لهم: لماذا تربكون نفسي وتسحقونها؟ أتركوني أصرخ إلى إلهي، وألح عليه، فيفسر لي علة ما حلّ بي.

v     "ها أنا أصرخ ظلمًا، فلا أُستجاب" [7]. هذا يخص ذاك الذي قال للخادم (القائد) الذي لطمه: "إن كنت قد تكلمت رديًا فأشهد على الردي، وإن حسنًا فلماذا تضربني؟" (يو 27: 40). واضح أن الحكم لم يكن مستقيمًا ولا عادلاً، فمع كثرة عدد القضاة لم ينطق أحد حسب الحق.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

ولعل صرخات أيوب هنا كانت رمزًا لصرخة السيد المسيح وسط آلامه على الصليب: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟" (مز 22: 1؛ مت 27: 46؛ مر 15: 34)

v     في ناسوتيته التي في غاية الرقة، وخلال شكل العبد الذي له، نتعلم ما نستخف به هنا في هذه الحياة، وما نترجاه في الأبدية. في آلامه ذاتها التي ظن فيها أعداؤه المتكبرون أنهم منتصرون، أخذ كلمات ضعفنا، حيث صُلبت معه طبيعتنا الخاطئة (رو 6: 6)، لكي ما يحطم جسم الخطية، قائلاً: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟"... وهذا ما بدأ به المزمور الذي رُنم به منذ زمنٍ بعيدٍ، كنبوةٍ عن آلامه، وإعلان عن النعمة التي بها يقيم مؤمنيه ويحررهم[900].

القديس أغسطينوس

v     إذ أخذ (الكلمة الإلهي المتجسد) نفسًا بشرية، أخذ أيضًا المشاعر التي للنفس. كإله لم يكن في ألمٍ، لكنه كإنسانٍ كان قادرًا على التألم. لقد مات ليس كإلهٍ، بل كإنسانٍ. إنه بصوت بشري صرخ: "إلهي، إلهي لماذا تركتني؟" كإنسانٍ تكلم على الصليب، حاملاً معه رعبنا. فإنه في وسط المخاطر نتجاوب كبشرٍ حاسبين أننا متروكون. لذلك كإنسانٍ تألم وبكى وصُلب[901].

القديس أمبروسيوس

v     لقد تُرك، لأن ناسوته كان لابد أن يعبر خلال الموت. كان يجب أن يُنظر بعين الاعتبار وبدقة أنه قد أسلم الروح بصرخةٍ عظيمةٍ بعد أن شرب من الإسفنجة المملوءة خلاً والمُقدمة له على قصبة (مت 27: 46)... حقيقة أنه قد قُدم له ليشرب من إسفنجة على قصبة تعني أنه أخذ من أجساد الأمميين الخطايا التي حطمت الأبدية، وحوَّل خطايانا إليه، لكي يوَّحدنا بخلوده[902].

القديس هيلاري أسقف بوايتيه

2. إلهه سمح بالنكبات

قَدْ حَوَّطَ طَرِيقِي، فَلاَ أَعْبُرُ،

وَعَلَى سُبُلِي جَعَلَ ظَلاَمًا [8].

بدأ يعلق على ما سمح به الله له من مرارة، لعلهم يترفقون به ويتركونه. يصور الله كمن يعترض طريقه، فلا يسمح له بالعبور للنجاة حتى ولو بالموت، وكمن جعل سبيله ظلامًا، فلا يعرف إلى أين يذهب. يعاتب الله ويسأله عن السرّ الذي وراء هذه الأحداث.

لعل أيوب يتوقع وسط كل قسوة قلوبهم وتعسفهم بكلمات قاتلة أن يجد ولو القليل من الحنو، فأراد أن يثيرهم لكي يكفوا عما يفعلونه به ويرقون لحاله.

v     "قد حوَّط حولي، فلا أقدر بأية وسيلة أن أهرب". هذا من أجل وجود كتيبة جنود لبيلاطس وجمهور اليهود. "حوَّطوا" الرب متعقبين إياه كأمر بيلاطس (مت 27: 26-27). بصق البعض في وجهه (مت 27: 30)، وآخرون لكموه (يو 19: 3)، وآخرون ضربوه. على أي الأحوال لم يهرب من وسط الشعب الذي حوَّطه...

"قد جعل ظلمة أمام وجهي". كانت هناك ظلمة من الساعة السادسة حتى التاسعة. قد أزال نور النهار، حتى لا ترى الخليقة وجه الخالق المكشوف.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     لكن الجنود الذين تجمهروا حوله كانوا يسخرون به. صار أضحوكة لهم. "ينظرون إلىّ وينغضون رؤوسهم". كانت تظهر ملوكيته حتى في سخريتهم له، حيث كانوا يركعون له.

وقبل الصلب ألبسه الجنود ثوبًا من الأرجوان وتاجًا على رأسه. لماذا ألبسوه تاجًا ولو كان من الأشواك؟ لأن كل ملك يظهر مُلكه بواسطة جنوده. فيسوع كملكٍ تُوج رمزيًا خلال الجنود. لهذا يقول الكتاب في نشيد الأناشيد: "أخرجن يا بنات أورشليم، وأنظرن الملك سليمان بالتاج الذي توجته به أمه". وقد كان التاج سريًا، إذ هو غافر الخطايا ومزيل اللعنة.

تلقى آدم هذا الحكم: "ملعونة الأرض بسببك. شوكًا وحسكًا تنبت لك". لهذا السبب كان يليق بيسوع أن يقبل الشوك حتى يزيل هذا الحكم. ولهذا السبب دُفن يسوع في الأرض حتى تقبل الأرض التي لعنت البركة عوض اللعنة[903].

القديس كيرلس الأورشليمي

v     عرَّاه الصالبون من لباسه كالجزازين، أما هو فصمت بشبه النعجة قدام الجزاز!

ترك لباسه حين فرح، حتى يلبس الذين خرجوا من الفردوس عرايا!

يُلبسهم ثيابه ويبقى هو في هزءٍ! لأنه عرف أنها تصلح لآدم المفضوح!

عروا ثيابه، وألبسوه ثوبًا قرمزيًا لون الدم، حتى يتزين به العريس المقتول!

v     أعطوه أن يمسك القصبة كالديان، فاضطر من أجل هؤلاء أن يكتب كتاب طلاق ابنة العبرانيين، لأنها أبغضته!

أعطته القصبة ليكتب طلاقها، لأنها نظرته يحب القداسة كثيرًا مثل أبيه.

v     حجبوا عينيه واستهزأوا به، ولكموه، وقالوا له: تنبأ لنا من الذي ضربك!

لطموا بالقصبة الرأس المرتفع، فارتعبت الملائكة!

بهذه الأمور الفاسدة الشريرة كافأوه بجنون!...

صاروا في جنونٍ ليحجبوا وجه شمس البرّ لئلا يُشرق، فينظر العالم فسادهم.

حجبت العروس الجاهلة العريس لئلا ينظر فجورها وفسادها.

حجبوا الطبيب لئلا يضمد جراحاتهم ويشفيهم!

أنظر في المسيح، كم أحتمل من الآثمة؟!

ذاك الجاهل كيف تجاسر وتفل في وجهه!

القديس يعقوب السروجي

أَزَالَ عَنِّي كَرَامَتِي،

وَنَزَعَ تَاجَ رَأْسِي [9].

كأن الله قد نزع عنه ثروته وكرامته القديمة، وكل فرصة لعمل الخير، وسلطانه وتاجه الملوكي، فصار بلا قوة.

بلا شك نطق أيوب بهذه الكلمات في مرارة قلب، تحت تأثير قسوة التجربة، لا في كبرياءٍ وتشامخٍ على أحكام الله، وإنما في مرارة وحزن. لهذا وإن كانت الكلمات تبدو فيها جسارة، لكن الله تطلع إلى روحه الوديع. وكما يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [من يتوقف عن برِّه بسبب الحزن ليس ببارٍ، لكن الطوباوي أيوب، بسبب روحه الوديع لم يخطئ حتى بنطقه كلماتٍ قاسية. فإننا إن قلنا إنه أخطأ بهذا القول، نجعل الشيطان قد حقق هدفه عندما قال: "مسْ عظمه ولحمه، فإنه في وجهك يجدف عليك" (2: 5).]

v     "أزال عني كرامتي" [9]. إذ صارت الحاجة إلى تحقيق كلمة إشعياء النبي: "لا صورة له ولا جمال فننظر إليه. ولا منظر فنشتهيه، أقل مما لبني البشر" (راجع إش 53: 2-3).

"ونزع التاج عن رأسي"، لكي يُعدوا له تاجًا جديدًا مصنوعًا من الشوك (مت 27: 29).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     يقول: "جردني من مجدي"، لأن مجد كل إنسانٍ هو برَّه. الآن كما أن الثوب يحمي من البرد، هكذا البرّ يحمى من الموت. بهذا فإنه ليس من غير اللائق أن يُشبه البرّ بالثوب، إذ قيل بالنبي: "كهنتك يلبسون البرّ" (مز 132: 9).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     ضفروا إكليل الشوك ووضعوه له. وهذا يليق به، إذ جاء ليقتلع الأشواك من الأرض!

حمل لعنة الأرض بالإكليل الذي وضعوه على رأسه، وحمل ثقل العالم كله كالجبار!

الخطايا والذنوب والأوجاع والآلام والضربات ضُفرت بالإكليل، ووُضعت على رأسه ليحملها!

وانحلت بالأشواك لعنة آدم!

صار لعنة، حتى يتبارك به الوارثون الراجعون.

بإكليله خلع زرع الحية الملعون!

بإكليل شوكه ولعنة الأرض التي قتلت الأجيال... أزال لعنة آدم وعرقه!

بإكليل الشوك هدم تاج الشيطان الذي أراد أن يكون إلهًا على الخليقة!

بإكليل شوكه ضفر إكليلاً لابنة الأمم، العروس التي خطبها من بين الأصنام وكتبها باسمه!

v     ضرب المخلص العظيم بالمقارع، وبالحكم الصادر من الحاكم خرج ليصلب!

أتى إلى خاصته، وخاصته لم تقبله، بل أخرجوه بالهزء من عندهم!

خرج ليموت مع الأثمة بغير زلةٍ، حينئذ ندم يهوذا - السراج الذي انطفأ من بين أصحابه - وخزي من الفعل الشرير الذي صنعه.

الذي أسلمه رد الفضة للذين أمسكوه حيث ازدرى بنفسه، واعترف أنه أسلمه بالشر... وأيضًا الصالبون هربوا كالغير قريبين وقالوا: ما علينا، أنت تعرف.

الدم الزكي طرح الرعب على مهرقيه، وبدأوا يرتعبون ويرتعشون منه قبل أن يهرقوه!

القديس يعقوب السروجي

هَدَمَنِي مِنْ كُلِّ جِهَة،ٍ فَذَهَبْتُ،

وَقَلَعَ مِثْلَ شَجَرَةٍ رَجَائِي [10].

لم يتركه في طريق مغلق فحسب، ولا كعبدٍ ذليلٍ، وإنما هدم كل كيانه من كل جانب. وكأنه شجرة قد اُقتلعت. صار منهدمًا من كل جانب، وقد سمع إبليس هذه الشكوى، هذا الذي قال عنه إن الله سيّج حوله وحول بيته وكل ما له من كل ناحية (أي 1: 10).

v     "هدمني من كل جهة، فذهبت" [10]. وذلك عندما تشتت التلاميذ الذين كانوا قبلاً بجانبه (مر 14: 50). أما عن نفسه فقد سلم نفسه للذين قبضوا عليه، لقد ذهب!

وقطع مثل شجرةٍ رجائي"، لم يقل إنه اقتلعها من جذورها، إنما قطعها، فإن الشجرة عندما تعاني في منطقة ما فوق الجذور يصدر عن الجذر أشجار أخرى بعد قطعها.

ما أن صُلب المسيح، حتى قُطع الرجاء الذي كان لدى الكثيرين فيه بالرغم من أنه سبق فتحدث مع تلاميذه عن قيامته (مت 16: 21). إذ اضطربوا لآلامه، يئسوا من جهة المخلص.

هذا ما حدث بدقةٍ عندما قال كليوباس: "ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل" (لو 24: 21). هذا وبخه المخلص بحزمٍ إذ بلغ إلى هذه الدرجة من اليأس، عندما قال المسيح: "أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء" (لو 24: 25). وإذ أظهر أنه لم تكن توجد حاجة لفقد الرجاء فيه، أضاف: "أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده؟" (لو 24: 26).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

كاد اليأس أن يسيطر على أيوب حين أحاطت به التجارب من كل جنب، فصار كشجرةٍ قُطعت، لكن بقي جذرها حيًا فتعود وتُظهر سيقانًا صغيرة، تكبر وتنمو. أما من جهة السيد المسيح، فقد هاج الكل عليه، وُحكم عليه بالموت، وكاد يفقد المحيطون به الرجاء فيما كانوا يتوقعونه منه كمخلصٍ لإسرائيل.

الآن إذ تحيط الضيقات بالكنيسة، ويسقط بعض الضعفاء، يظن البعض أنها تفشل في رسالتها. لكن الله الذي يسمح لها بالمتاعب حتى تبدو كشجرةٍ مقطوعةٍ، هو سند لها، يعمل بروحه القدوس فيها، فتكسب بالضعف الكثيرين، تبقى في العالم أشبه بالخميرة التي تبدو أنها قد ماتت وسط العجين، لكنها تخمر العجين كله! لذا لاق بنا ألا نفقد الرجاء، إنما دومًا نفرح بالذين ينضمون إليها للتمتع بالخلاص الأبدي، خلال كلمة الله الحية.

v     تنهدم الكنيسة من كل جانب حيث تنحل في الأعضاء الضعيفة، حينما يهلك أولئك الذين يظهرون أنهم أقوياء. ويُنزع التاج عن الرأس بمعنى أن المكافآت الأبدية تُهمل لدى الذين يحتلون مركز الرأس. لذلك بحق يضيف بخصوص سقوط الضعفاء: "وقلع مثل شجرة رجائي".

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     الخميرة كمية قليلة، لكنها تمسك بالعجين، وتنتشر فيه كله، وتنقل إليه بسرعة كل خواصها. وكلمة الله تعمل فينا بطريقة مشابهة، لأنه حينما نقبلها في داخلنا، تجعلنا مقدسين وبلا لومٍ[904].

القديس كيرلس الكبير

وَأَضْرَمَ عَلَيَّ غَضَبَهُ،

وَحَسِبَنِي كَأَعْدَائِهِ [11].

صار غضب الله على أيوب كنارٍ قد أُضرمت، فالتهبت وأحرقته. وكأنه يصرخ مع المرتل: "ارفع عني ضربك، من مهاجمة يدك، أنا قد فنيت" (مز 39: 10).

هذا ما رُمز إليه حين ضرب موسى الصخرة بالعصا. "ها أنا أقف أمامك هناك على الصخرة في حوريب، فتضرب الصخرة، فيخرج منها ماء ليشرب الشعب، ففعل موسى هكذا أمام عيون شيوخ إسرائيل" (خر 17: 6). قيل: "ورفع موسى يده وضرب الصخرة بعصاه مرتين فخرج ماء غزير، فشربت الجماعة ومواشيها" (عد 20: 11). لذا يقول المرتل: "شق الصخرة، فانفجرت المياه، جرت في اليابسة نهرًا" (مز 105: 41). ا"لمحول الصخرة إلى غدران مياه الصوان إلي ينابيع مياه" (مز 114: 8).

هذا ما رآه إشعياء النبي في السيد المسيح على الصليب، فقال: "لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها، ونحن حسبناه مصابًا مضروبًا من الله ومذلولاً، وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحبره شُـفينا" (إش 53: 4-5).

v     "وأضرم عليّ غضبه"، بإدانة آدم. جاء (آدم) الجديد (1 كو 15: 45) ليفي الدين (كو 2: 14) عن آدم القديم. لهذا أضاف أيوب: "وحسبني كعدوٍٍ". واضح أنه قد طلب مني الدين الذي على العاصي.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     لكي تتأكد أنه هو بنفسه الذي رآه موسى، اسمع شهادة بولس القائل: "لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح" (1 كو 4:10)[905].

القديس كيرلس الأورشليمي

v     بالنسبة لأولئك كانت المياه تنفجر من الصخرة، أما بالنسبة لكم فالدم يفيض من المسيح. كانت المياه كافية إلى ساعة بالنسبة لهم، أما اليوم فيرويكم للأبدية[906].

القديس أمبروسيوس

v     احسب كلمة الخالق وأشبهه بالصخرة التي سارت مع شعب إسرائيل في البرية. إنها لم تكن من مستودع للماء حوى داخله ما فاض عليهم بمجاري مجيدة. لم يكن في الصخرة ماء، لكن محيطات نبعت منها. هكذا فِعل الكلمة الذي شكَّل المخلوقات من لا شيء[907].

القديس إفرآم السرياني

v     مرة أخرى ارتفعت السحابة وقادتهم إلى مكان آخر (خر 17: 1-7). ولكن هذا المكان كان صحراء جرداء برمال محرقة، وليس به قطرة ماء. وهنا مرة أخرى أجهد العطش الشعب. ولكن عندما ضرب موسى صخرة بارزة بعصاه أخرجت ماء عذبًا وصالحًا للشرب بغزارة أكبر مما كان يحتاجه كل هذا الجمع العظيم[908].

v     ليس من الصعب التوفيق بين التسلسل التاريخي والتأمل الروحي. إن الإنسان الذي ترك المصريين موتى وراءه في الماء، وتنقى بالخشبة، وتلذذ بينابيع التلاميذ، وارتاح في ظل أشجار النخيل هو بالفعل قادر على استقبال الله. فالصخرة، كما يقول الرسول، هي يسوع المسيح. وهذه الصخرة صلبة ومقاومة لغير المؤمنين، ولكن إذا استخدم الإنسان عصا الإيمان فإن الصخرة تتحول إلى ماء للظمآن، وتتدفق على من يقبلون السيد المسيح، لأنه يقول" (أنا وأبي) إليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً" (يو 14: 23)[909].

القديس غريغوريوس النيسي

v     لقد ضُربت الصخرة بالعصا مرتين لكي تفيض ماءً، لأن للصليب عارضتين. إذن كل هذه الأمور صُنعت كرمزٍ، وقد أُعلنت لنا[910].

القديس أغسطينوس

مَعًا جَاءَتْ غُزَاتُهُ،

وَأَعَدُّوا عَلَيَّ طَرِيقَهُمْ،

وَحَلُّوا حَوْلَ خَيْمَتِي [12].

كان هجوم الغزاة عليه بسماح الله، فدعاهم "غزاة الله" أو "غزاته". عبروا إليه دون عائق، وحلوا حول خيمته دون مقاومة. حاصروه كجيشٍ يحرم المدينة من المئونة حتى تهلك جوعًا وعطشًا!

v     غالبًا ما يحدث أن الأرواح الشريرة تبث أمورًا كثيرة في قلوب المتألمين، ومع الضربات التي تحل عليهم من الخارج، يبثون أفكارًا شريرة في قلوبهم، مستدعين غضب الله. لذلك بحق يضاف: "يأتي اللصوص معًا، ويجعلون أنفسهم طريقًا خلالي" (أي 19: 12). لصوصه هم الأرواح الشريرة الذين ينشغلون في صيد موت الناس. هؤلاء يجعلون أنفسهم طريقًا في قلوب الحزانى عندما يعانون من الخارج بسبب المخاطر، لا يكفون عن أن يسكبوا الأفكار الشريرة أيضًا. عن هؤلاء قيل: "حلّوا حول خيمتي" (أي 19: 12)... وذلك عندما يحوطون العقل من كل جانب بالتجارب...

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

 

v     إنه لأمر غريب، لماذا يتحدث عن اللصوص (الغزاة) مضيفًا أنهم له، موضحًا أن هؤلاء الغزاة منسوبون إليه. في هذه المنطقة يجب أن نميز بين سلطان الأرواح الشريرة وإرادتهم، فإن هذا يبين لماذا يدعوهم "لصوص الله". فإن الأرواح الشريرة تلهث راكضة على الدوام لكي تسيء إلينا، ولكن ليس لهم سلطان على إساءتنا ما لم ينالوا سماحًا من الإرادة العلوية. فمن ذواتهم يشتاقون إلى أذيتنا ظلمًا، لكن بالله القدير لا يستطيعون أن يؤذوا أحدًا إلا خلال العدل.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     خطط إبليس لا أن يسحبنا من البركات التي لدينا، إنما يحاول أن يسحبنا إلى جرف صخري أكثر اندفاعًا. لكن الله في محبته لم يفشل في الاهتمام بالبشرية.

لقد أظهر لإبليس كيف أنه غبي في محاولاته. لقد أظهر للإنسان عظم العناية التي يظهرها الله له، فإنه بالموت وهب الإنسان الحياة الأبدية. لقد سحب إبليس الإنسان من الفردوس، وقاده الله إلى السماء. فإن النفع أكثر بكثير من الخسارة[911].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     تُوجه تجارب الشيطان بالأكثر ضد الذين تقدسوا، لأنه يشتاق بالأكثر أن ينال نصرة على الأبرار[912].

القديس هيلاري أسقف بواتييه

3. تحول الأقرباء إلى غرباء

قَدْ أَبْعَدَ عَنِّي اخْوَتِي،

وَمَعَارِفِي زَاغُوا عَنِّي [13].

لم يأتِ ربنا يسوع المسيح إلى هذا العالم ليرفض اليهود، خاصته، لكن من خلال عدم إيمانهم فتح أبواب الإيمان أمام الأمم.

v     "اخوتي ابتعدوا عني، تعرفوا على الغرباء أكثر مني" (أي 19: 13 LXX). تشهد نعمة الإنجيل عن هذا... إذ يقول يوحنا عن الرب: "لأن إخوته أيضًا لم يكونوا يؤمنون به" (يو 7: 5)، عندما قالوا له: "انتقل من هنا، وأذهب إلى اليهودية، لكي يرى تلاميذك أيضًا أعمالك التي تعمل" (يو 7: 3-4). قالوا هذا لأنهم لم يعرفوا قوته، "وتعرفوا على الغرباء أكثر منه". هذا ما رآه اليهود بوضوح.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     تأمل قول يوحنا: "إلى خاصته جاء"، ليس لأجل حاجة المسيح، لأنه مستحيل أن تكون الذات الإلهية محتاجة، لكنه جاء من أجل الإحسان إلى خاصته.

وقد جعل يوحنا ملامة هؤلاء اليهود أشد لذعًا عندما قال: "وخاصته لم تقبله". مع أن المسيح هو الذي جاء إليهم لمنفعتهم إلا أنهم رفضوه، ولم يفعلوا به هذا الفعل فقط، لكنهم أخرجوه إلى خارج كرمه وقتلوه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     سأظهر ذلك بأكثر سهولة عندما نقدم شهادة يوحنا القائل: "جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله (يو 1: 11)، فقد ابتعد اخوته عنه، وصار معارفه غرباء عنه. هؤلاء هم العبرانيون الذين معهم الناموس، وتعلموا النبوة، ومع ذلك إذ صار حاضرًا لم يعرفوه قط.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لم يأتِ بهدف تحقيق عدم إيمان اليهود. ولكنه بسابق علمه بما كان مزمعًا أن يحدث سبق فاستخدم جحود اليهود وأخبرنا بما سوف يحدث، وهو دعوة الأمم إلى الإيمان.

كان التدبير الإلهي رائعًا... فقد استخدم خطية اليهود، ليدعُو الأمم إلى ملكوت الله بواسطة المسيح رغم كونهم غرباء عن عهود الموعد (أف 12:2)[913].

العلامة أوريجينوس

أَقَارِبِي قَدْ خَذَلُونِي،

وَالَّذِينَ عَرَفُونِي نَسُونِي [14].

سمح الله ألا يبادله أقاربه ومعارفه الحب، بل زالت عنهم روح القرابة والأخوة والصداقة واللطف والحنو. أعطوه القفا لا الوجه، نسوه كأن لا وجود له في حياتهم، ولم يبالوا بكل علاقة دم أو صداقة قديمة. خذلوه، إذ فقد كل رجاءٍ فيهم. لم يتأثروا بكل ما حلّ عليه من نكبات.

v     ليس فقط لم يوجد من يلطف من آلامه، بل كثيرون أحبطوه من كل جانب بالتوبيخات الساخرة. فإن سمة المحن ليست هكذا حتى أن الذين يوبخوننا عليها يثيرون نفوسنا ويهيجونها. ها أنتم ترون مرارة حزنه وقوله: "حتى أنتم سقطتم عليّ" (5:19 LXX). ودعاهم "قساة"، قائلاً: أقربائي قد خذلوني، وخدمي تقاولوا عليّ، دعوت أبناء خليلاتي فابتعدوا عني (راجع 14:19، 17)... البعض يسخر، وآخرون يوبخون، والبعض يستخفون، ليس فقط الأعداء بل وحتى الأصدقاء. ليس فقط الأصدقاء، بل وحتى الخدم، ليس فقط يسخرون ويوبخون وإنما يشمئزون أيضاً منه. وذلك ليس لمدة يومين أو ثلاثة أيام أو عشرة أيام بل إلى عدة شهور... فلم يجد راحة حتى بالليل، فكانت أهوال الليل أكثر رعبًا من محن النهار. عانى ما هو أمر في نومه، اسمع ماذا يقول: "لماذا تريعني بالأحلام، وترهبني بالرؤى؟" (14:7). أي رجل من حديد أو قلب من الصلب يمكنه أن يحتمل مثل هذه المآسي؟[914]

القديس يوحنا الذهبي الفم

نُزَلاَءُ بَيْتِي وَإِمَائِي يَحْسِبُونَنِي أَجْنَبِيًّا.

صِرْتُ فِي أَعْيُنِهِمْ غَرِيبًا [15].

حتى الذين جاء بهم كنزلاءٍ وإماء في بيته حسبوه أجنبيًا عنه. لم يمد واحد منهم يده لخدمته في وسط مرضه الشديد. إذا دعا أحد عبيده وسأله شيئًا يتركه دون أن يجيب عليه بكلمةٍ، مع أنه كان سيدًا رحيمًا عليهم ولم يرفض حقهم في دعواهم عليه (أي 31: 13).

v     "نزلاء بيتي وإمائي يحسبونني أجنبيًا" [15]. هذا عن الرب المتجسد الذين سبقوا فأخبروا عنه منذ زمنٍ طويلٍ بكلمات الناموس، رفضوا أن يعرفوه ويكرموه...

"صرت في أعينهم غريبًا" [15]. فإن فادينا، إذ لم يتعرف عليه المجمع صار كمن هو غريب في بيته.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "ليس نبي مقبولاً في وطنه" (لو 4: 24). إذ كانت عناثوت وطن إرميا (إر 11: 21) لم تُحسن استقباله. وأيضًا إشعياء وبقيَّة الأنبياء، رفضهم وطنهم أي أهل الختان... أما نحن الذين لا ننتسب للعهد بل كنَّا غرباء عن الوعد، فقد استقبلنا موسى والأنبياء الذين يعلنون عن المسيح، استقبلناهم من كل قلوبنا أكثر من اليهود الذين رفضوا المسيح، ولم يقبلوا الشهادة له[915].

العلامة أوريجينوس

عَبْدِي دَعَوْتُ، فَلَمْ يُجِبْ.

بِفَمِي تَضَرَّعْتُ إِلَيْهِ [16].

وهو السيد يتضرع إلى العبد ويتوسل إليه، والعبد لا يبالي، ولا يلفته اهتمامًا.

v     "عبدي دعوت فلم يُجب" [16]. واضح أن (المسيح) كان يتحدث عن يهوذا.

v     "بفمي تضرعت إليه، توسلت إلى زوجتي" [17]. يتحدث (المسيح) عن أورشليم، فقد خطبها له لكي تخدم الناموس. فقد تضرع عدة مرات من أجلها ليخلصها. لقد توسل مرات عديدة إليها كي تتغير، حتى قال: "يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك... ولم تريدوا" (مت 23: 37).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     من هم الشعب اليهودي إلا "عبد" لم يطع الرب بحبه الابن... الله يدعونا عندما يحضرنا بمواهبه، ونحن نجيب الدعوة عندما نخدمه باستحقاق حسب المنافع التي ننالها.

"بفمي تضرعت إليه" [16]. كأنه يقول بأكثر وضوح: أنا هو نفسي، الذي قبلت تجسدي أعطيت وصايا لممارستها، وذلك بفم الأنبياء، جئت إليه متجسدًا، متضرعًا إليه بفمي. هكذا عندما أخبر متى (البشير) عن الوصايا التي سلمها (الرب) على الجبل قال: "وفتح فاه وعلمهم" (مت 5: 2). كأنه يقول بوضوح: عندئذٍ فتح فمه، هذا الذي فتح قبلاً أفواه الأنبياء.

كذلك قيل عنه بواسطة العروس المشتاقة إلى حنوه: "ليقبلني بقبلات فمه" (نش 1: 2)، خلال كل الوصايا التي تتعلمها بالكرازة. كأن الكنيسة المقدسة تتقبل قبلات فمه الكثيرة. الآن حسنا قيل: "تضرعت"، حيث ظهر في الجسد، وهو ينطق بوصايا الحياة في تواضعٍ، وكأنه يبحث عن خادمه المملوء كبرياء لعله يأتي...

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     يا معشر اليهود، عندما تأتون إلى أورشليم وتجدون إنها خربت، وتحولت إلى تراب ورماد، لا تبكوا كالأطفال (1 كو 4). لا تحزنوا، بل أنشدوا لكم مدينة في السماء بدلاً من تلك التي تبحثون عنها هنا على الأرض. ارتفعوا بأبصاركم، فستجدون في الأعالي أورشليم الحرة التي هي أمنا جميعًا (غل 4: 26).

لا تحزنوا على غياب الهيكل هنا، ولا تيأسوا لافتقاركم إلى كاهنٍ. ففي السماء تجدون مذبحًا وكهنة الخيرات العتيدة، على رتبة ملكي صادق، في موكبهم أمام الله (عب 5: 10). فقد شاءت محبة الرب ورحمته أن ينزع عنكم الإرث الأرضي، حتى يتسنى لكم أن تطلبوا السماوي[916].

العلامة أوريجينوس

نَكْهَتِي مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ امْرَأَتِي،

وَمُنْتِنَةٌ عِنْدَ أَبْنَاءِ أَحْشَائِي [17].

أما عن زوجته فلم تعد تطيق الاقتراب إليه، أو تحتمل رائحة قروحه. مع معاملته لها بالحب الزوجي، استخفت به واحتقرته.

v     "توسلت إلى أبناء سراريّ" [17 LXX]. بنفس الطريقة كما نفهم العبد هو مجمع اليهود، وهكذا أيضًا السراري. كما تحدثنا عن الزملاء (أي 19: 15) بكونهم الكتبة والفريسيين من أجل الكتاب المقدس، هكذا أيضًا هنا "الأبناء". إنه عن هذا (المجمع المقام للمسيح) والشعب اليهودي يصرخ بالنبي إشعياء: "ربيت بنين ونشأتهم، أما هم فعصوا عليّ " (إش 1: 2). كثيرًا ما دعوتهم نائحًا، ومؤنبًا بغضبٍ، ومعزيًا، ومُصلحًا.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "زوجتي ترتعب عند تنفسي" [17]. ما هذه الزوجة التي للرب سوى مجمع اليهود الخاضع له بعهد الناموس في مفهوم جسداني؟ الآن فإن التنفس يصدر عن الجسم، والناس غير المؤمنين يفهمون تجسد الرب بطريقة جسدانية، فيحسبونه إنسانًا مجردًا.

 

v     "توسلت إلى أبناء رحمي" [17]. الله الذي لا يُحد بشكلٍ جسديٍ، يُدعى بطريقة كهذه، مستخدمًا الأعضاء لإبراز قوته... هنا الرحم (الأحشاء) الذي يحبل ينجب هذه الحياة. الآن بماذا نفهم "الرحم" سوى مشورته؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     حمل زكريا النبي قيثارة الروح، وأسرع قدامه بالتراتيل النبوية، بابتهاج شد أوتاره وحرّك صوته، وقال: "ابتهجي جدًا يا ابنة صهيون"... افرحي واصرخي بالمجد المرتفع، لأنه يأتي إليكِ كما أخبرتك بالنبوة.

لكن العروس الحقيرة (جماعة اليهود الذين رفضوا أن يكونوا عروسًا له)... لم تفرح كما دعيت، بل انسحقت وحزنت لمجيء العريس. ولأجل هذا لم تفرح بقبوله.

سبى قلبها العجل (الذهبي) حبيبها، ومعه تتفاوض، ولا تريد أن تسمع للنبي القائل لها: "ابتهجي جدًا".

لم تخرج لتحمل الأغصان مع الأطفال!...

يقرع الأنبياء أبوابها المرتفعة ويوقظونها، وهي نائمة بمحبتها لكثرة أصحابها!

يمجد الأطفال الملك (السماوي) الآتي ويباركونه، وتهتم العجوز بتنظيف أصنامها (حبهم للذات وكبرياء قلوبهم).

حزنت بمجيء وريث الآب. عرفت أنه يفضحها، فأبغضته، ولم ترتضِ أن يمجده الأطفال!

الحسد أبكم فمها، فبكمت صامتة عن التمجيد، واهتمت أن تُبكم الذين يمجدون!

لم يكفها أنها لا تريد أن تمجد، بل اجتهدت أن تسكت الممجدين أيضًا!

هؤلاء مجدوه، أما هي فغضبت من أصواتهم.

صرخ إشعياء استيقظي، استيقظي، والبسي العصمة.

صرخ زكريا: ابتهجي وافرحي بالملك الآتي.

صرخ الأطفال: مبارك الآتي باسم الرب.

إنها لم تنصت لا للأنبياء ولا للأطفال، إنما حزنت من أصواتهم وغضبت.

أيها اليهود مبغضو النور، كيف تسكتون عن التمجيد الممتلئ من السماء والأرض.

القديس يعقوب السروجي

اَلأَوْلاَدُ أَيْضًا قَدْ رَذَلُونِي.

إِذَا قُمْتُ، يَتَكَلَّمُونَ عَلَيَّ [18].

لعله يقصد هنا أبناء خدمه الذين وُلدوا في بيته وحسبهم كأولادٍ له هزأوا به، وتكلموا عليه شرًا. حين كان له سلطان عليهم قدم لهم كل الحبٍ، وحين فقد سلطانه أهانوه وسخروا به.

v     "إذ رحلت عنهم تكلموا عليّ" [18]. كأن الرب قد اقترب من قلوب البشر عندما صنع عجائب لهم. وكأنه قد رحل عنهم عندما لم يظهر لهم علامات. لكنهم تكلموا على الرب كمن رحل عندما رفضوا الخضوع بالإيمان له... علاوة على هذا أضاف أن معلمي الناموس والفريسيين "والذين أحبهم جدًا انقلبوا عليه". فبتأهبهم لعدم الإيمان انقلبوا عن الإيمان بالحق... بل وأيضًا اضطهدوه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

كَرِهَنِي كُلُّ رِجَالِي،

وَالَّذِينَ أَحْبَبْتُهُمُ انْقَلَبُوا عَلَيَّ [19].

لم يعد بعد أحد ممن هم حوله يقدم له شيئًا سوى الكراهية، فقد انقلبت كل الموازين.

4. فقدان من يحنو عليه

عَظْمِي قَدْ لَصِقَ بِجِلْدِي وَلَحْمِي،

وَنَجَوْتُ بِجِلْدِ أَسْنَانِي [20].

بعد أن شكا لما سمح به الله له حيث ضيَّق عليه الطريق وحاصره ليكون بلا منفذٍ، وأضرم نيران غضبه عليه. أثار الغرباء (الغزاة) عليه ووهبهم قوة ضده. وأخذ كل أقاربه وأصدقائه وأهل بيته وخدمه وعبيده موقف الكراهية، الآن يشكو من جسمه، فقد كاد أن ينحل. ذهبت عنه نضارته وجماله وقوته، ولم تعد فيه صحة، حتى لصق عظمه بجلده، فصار هيكلاً عظميًا. كاد أن ينحل حتى جلده، فلم يبقَ له سوى جلد أسنانه.

v     "جسدي فسد تحت جلدي، وأمسكت عظامي بالأسنان" [20]. يُفهم من هذه الكلمات أنه يتحدث عن سرّ الرب، فإن كل البشرية يليق دعوتهم "جلدًا"، خاصة الكنائس واجتماعاتها. ففيها ومن أجلها لم يفسد جسد الرب، لأن جسده لن يرى فسادًا (مز 16: 10). ولكن من جهة حقيقة نزوله من السماوات من أجل الألم، شارك بطريقة ما في طعام الأتقياء. فإن أيوب لا يتكلم عن انحلال يخص الفساد، إنما يتحدث عن دور القوت (الروحي)، فقد صار المسيح طعامًا يُقدم ويُدرك بأسناننا. فما كان يمكننا أن نتناول جسد الرب لو لم يرد أن يقترب إلينا وأن نتذوق جسده.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

تَرَاءَفُوا! تَرَاءَفُوا أَنْتُمْ عَلَيَّ يَا أَصْحَابِي،

لأَنَّ يَدَ اللهِ قَدْ مَسَّتْنِي [21].

بعد تقديم الوصف السابق المؤلم لحاله طلب من أصدقائه أن يتراءفوا عليه. لقد وقع تحت غضب الله، وهذه أقسى كل النكبات، فليتراءفوا عليه، ويظهروا له الحب العملي بالصلاة والتوسل إلى الله من أجله عوض اضطهادهم له.

v     كم كان أيوب نبيلاً عندما كان في محنة، إذ قال: "تراءفوا، تراءفوا أنتم علىٌ يا أصحابي" (21:19) إنها ليست صرخة كما من بؤس، بل بالحري من شخص يعاتب. فعندما وبخه أصدقاؤه ظلمًا أجابهم: تراءفوا يا أصحابي"، أي كان يليق بكم أن تظهروا حنوًا، لكنكم هاجمتم وسحقتم إنسانًا كان يلزم أن تعطفوا عليه في آلامه من أجل الصداقة[917].

 القديس أمبروسيوس

v     لاحظوا إنه يدعوهم "أصحاب"، هؤلاء الذين يهينونه، لأنه بالنسبة للأذهان التقية ما هو ضدهم يحسبونه لنفعهم. فإن أي إنسان شرير إما أنه يتغير بعذوبة الصالحين، فيرجع عن شره ويصير بهذا صديقًا، أو يتمسك بشره ويصير بغير إرادته صديقًا...

لقد ضُرب أيوب من الشيطان، ومع هذا لم ينسب الضرب للشيطان بل دعاه "يد الله قد مستني"، وذلك كما قال الشيطان نفسه: "ولكن أبسط الآن يدك ومسَّ عظمه ولحمه، فإنه في وجهك يجدف عليك" (2: 5). فإن الإنسان القديس قد عرف أن ما قد فعله الشيطان نفسه من جهته بإرادته الشريرة، إنما نال بذلك سلطانًا لا من نفسه، بل من الرب.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لا يمكن أن تكون الصداقة قوية مالم تأتلف بصديقك، وتلتصق به بتلك المحبة التي يسكبها الروح القدس المُعطى لنا.

v     يلزمنا أن نوافق الكل لنربح الكل، مقتدين بالرسول القائل عن نفسه: "صرت للكل كل شيء، لأخلص على كلٍ حال قومًا" (1 كو 9: 22). كن مع الحزين حزينًا، لأنه لا يوجد شيء يعزي الإنسان الحزين، مثل أن يرى أحدًا يحزن معه على شدته، ومع الفرح فرحًا، ومع الضعيف ضعيفًا. إلا أن هذه المرافقة تكون ضرورية لمساعدة القريب، وتخليصه من شره، لا مشاركته في شره.

انظر كيف ينحني الإنسان ليقيم بيده من كان ساقطًا، فإنه لا يسقط معه ليقيمه، بل يقف مثبتًا قدميه على الأرض لئلا يسقط بسبب الساقط، ثم يمد يده إليه قليلاً، وبمقدار ما يحتاج إلى معونة، وبذلك ينهضه من سقطته.

لتكن هذه الحال صورة مناسبة لنا، فعلينا أن ننحني قليلاً، ونرافقهم يسيرًا في أحوالهم، لنخلصهم من سقطاتهم، ونربحهم لله. إلا أن هذا يلزمنا أن نثبت قلوبنا لئلا يجذبونا وراءهم.

القديس أغسطينوس

لِمَاذَا تُطَارِدُونَنِي كَمَا اللهُ،

وَلاَ تَشْبَعُونَ مِنْ لَحْمِي؟ [22]

إن كان الله يطارده فلعلةٍ لا يعرفها أحد، أما يكفي هذا، لماذا يطاردونه هم أيضًا. الله له السلطان المطلق عليه، وحكمته تفوق كل فكرٍ بشريٍ، فلماذا يمارسون هم أيضًا الضيق عليه؟

إن كانوا قد فرحوا بنكباته، فليكتفوا بلحمه الذي أوشك على الانحلال التام، لماذا يجرحون روحه ويحطمون نفسيته؟

v     لم يقل إن الله اضطهده بطريقة تعارض تقواه. فإنه يوجد مضطهد صالح، كما يقول الرب عن نفسه بشفتي النبي: "الذي يغتاب صاحبه سرًا أنا اضطهده" (مز 101: 5). وعندما يعاني القديس من الضربة يدرك أنه يعاني من اضطهادٍ مقابل الشر الذي ارتكبه داخليًا...

كأنه يقول: لماذا تضطهدونني على ضعفاتي، كما لو كنتم أنتم أنفسكم على مثال الله بلا ضعفٍ؟...

حسنًا أضاف: "وتشبعون من لحمي". فإن الذهن الذي يجوع إلى معاقبة القريب حتمًا يطلب أن يشبع من لحم الغير. علاوة على هذا من الضروري أن يُعرف أن الذين يقتاتون على الافتراء على حياة الغير هم بالتأكيد "يشبعون من لحم" الغير. هكذا يقول سليمان: "لا تكن بين شريبي الخمر، بين المتلفين أجسـادهم" (أم 23: 20). فإن من يحضر جسدًا ليأكله هو بلغة حديث الانحطاط، أن تخبر بما هو رديء في سمات الاخوة، وعقوبته هو: "لأن السكير والمسرف يفتقران، والنوم يكسو الخرق" (أم 23: 21). الذين يسكرون يسلمون لكؤوس، أما المسرفون فهم الذين ينطقون بالافتراءات، مساهمين بالكلمات، كمن يساهم في تقديم مئونة لكي تؤكل... وكما كتب: "كل واشٍ يُقتلع"، أما الخامل (النائم) فيغطي إنسانًا بخرقٍ، فيجده موته موضع سخرية، فارغًا من كل الأعمال الصالحة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

إذ تحدث الأب دوروثيؤس عن "عدم إدانة قريبنا[918]" أفاض في الحديث عن التزامنا بعدم اغتصاب حق الله في الدينونة، إذ هو وحده يعرف كل نفسٍ وقوتها وميولها، ومواهب الإنسان وتكوينه البيولوچي وطاقاته والظروف المحيطة به. وبناء على هذا كله فهو الذي يدين أو يبرر. حقًا قد نعرف إنسانًا أخطأ خطية معينة وربما واضحة لا تحتاج إلى بحث، لكن هل يمكن أن نحكم على الإنسان ككلٍ من أجل خطية أو خطايا ارتكبها في وقتٍ ما، ونحن لا نعرف أعماقه أو ظروفه؟!

v     الله وحده يدين، له أن يبرر وله أن يدين، هو يعرف حال كل واحدٍ منا وإمكانياته وانحرافاتنا ومواهبنا وأحوالنا واستعداداتنا، فله وحده أن يدين حسب معرفته الفريدة. إنه يدين أعمال الأسقف بطريقةٍ، وأعمال رئيسٍ بطريقة أخرى، يحكم على أب دير أو تلميذ له بطريقة مغايرة، الشخص القديم (الذي له خبراته ومعرفته) غير طالب الرهبنة، والمريض غير ذي الصحة السليمة. من يقدر أن يفهم كل هذه الأحكام سوى خالق كل شيءٍ والعارف بكل الأمور؟

الأب دوروثيؤس

v     انظروا يا إخوتي أن عمل الخدام في عرس ابن الملك (مت ٢٢) لم يكن سوى جذب الصالحين والأشرار إلى الوليمة، ولم يقل الرب عنهم أنهم دانوا المدعوين وميّزوا بين الصالحين والأشرار، ولا قال عنهم إنهم وجدوا من ليس عليه لباس العرس، بل الملك نفسه هو الذي رآه، سيد البيت وحده هو الذي اكتشفه وأخرجه.

القديس أغسطينوس

v     الحكم على الآخرين يعتبر سلبًا للحق الإلهي بوقاحة، أمّا الانتهار (بغير حب) فيهدم نفس الإنسان[919].

القدّيس يوحنا الدرجي

5. الأبدية هي رجاؤنا

لَيْتَ كَلِمَاتِي الآنَ تُكْتَب.

يَا لَيْتَهَا رُسِمَتْ فِي سِفْرٍ [23].

تكشف العبارات التالية عن روعة حياة أيوب ورجائه وأفكاره ومفاهيمه، بل وتعطينا أن نعيد النظر في تفسير كل ما سبق، لأنه حتى أحاديثه التي كانت تبدو كما لو حملت عتابًا شديد اللهجة، وقد انتقده كثير من المفسرين بكونه قد تعدى حدوده، لكنها صدرت عن قلبٍ يشتهي أن يرى الله.

لا نجد في كل كلمات الحوار الواردة في هذا السفر بين أيوب وأصدقائه ما هو أبلغ مما بين أيدينا الآن. يحدثنا في روعة عن السيد المسيح وعن السماء كوطنٍ أفضل. يتحدث عن إيمانه بالله الولي الحي، وعن قيامة الأموات وحياة الدهر الأتي.

في العبارات السابقة نشتم رائحة اليأس وقطع الرجاء، أما هنا فيرفعه روح الله، وينير بصيرته، ويهبه كلمات محيية.

يرى البعض أنه منذ هذه اللحظات لا نسمع بعد تذمرًا أو شكوى من الله، أو من عنايته الإلهية كما سبق. لهذا يرون أن روح الله القدوس العالم بإخلاص قلبه وصدق نيته وإيمانه قد رفعه ومزق أمامه الحجاب ليتعرف على سرّ الخلاص وحب الله الفائق، فتغيرت نغمة حديثه تمامًا، واستراحت نفسه فيه وسط آلامه.

قبلاً كان أمينًا وصادقًا لكنه ركز نظره وقلبه وفكره على أصدقائه، فسقط في نوعٍ من الإحباط، وانشغل بالدفاع عن نفسه ضد الاتهامات الموجه إليه من أصدقائه. أما الآن فرفعه الروح كما إلى السماء، ودخل به كما إلى عرش النعمة فرأى المسيا المخلص قادمًا، واستراحت نفسه فيه.

بدأ بمقدمة ممتعة تكشف عن سلامه الفائق السماوي، الذي يشتهي أن كل مؤمنٍ يتمتع به. لهذا يقول: "ليت كلماتي الآن تُكتب! يا ليتها رُسمت في سفرٍ!" كأنه يقول: ليت الكل ينسى كل ما سبق فقلته، لقد صدرت مني كلمات هي ثمر حكمتي البشرية وضعفي الإنساني، أما الآن فروح الله يقودني. ليت الكل يسمعون صوته معي، ويشتركون معي فيما أتمتع به. أحاول أن أكتبها بحروفٍ، لكنها تعجز الكلمات عن التعبير. سأرسمها في سفرٍ لعل لغة الرسم تكون أقدر من لغة الحروف!

v     أية نبوة أوضح من هذه؟ ليس من أحدٍ منذ أيام المسيح تحدث بصراحة عن القيامة كما فعل (أيوب) قبل المسيح. لقد اشتاق أن تبقى كلماته إلى الأبد، لا يمحوها الزمن، ينقشها على صحيفة من رصاص، وينحتها على الصخرة (أي 19: 23). إنه يترجى القيامة. لا، بل رأى المسيح فاديه حيًا، يقوم من الأرض. لم يكن الرب قد مات، وقد رأى مصارع الكنيسة فاديه قائمًا من القبر. عند قوله: "وأنا سألبس مرة أخرى جلدي، وأرى الله في جسدي"، لست أظن أنه يتكلم كمن يحب جسده، إذ قد فسد وانحل قدام عينيه، وإنما في يقين قيامته مرة أخرى، وخلال تعزيات المستقبل أنار حاضره البائس[920].

القديس جيروم

وَنُقِرَتْ إِلَى الأَبَدِ فِي الصَّخْرِ بِقَلَمِ حَدِيدٍ، وَبِرَصَاصٍ [24].

يود أن يوجه الكلمات إلى كل الأجيال القادمة، بل وتبقى دستورًا للبشرية إلى الأبد. يشتهي أن تُحفر على حجرٍ بقلمٍ من حديدٍ ثم يُصب في الحفر رصاص فلا يبليها الزمن، ولا تفلت من عيني إنسانٍ. لتكن نصبًا تذكاريًا منقوشًا يشهد لعمل الله في المؤمن عبر الأجيال.

كانت السجلات تحفظ بثلاث طرق:

1. بكتابتها في كتاب من القماش أو الجلد أو أوراق الشجر كالبردي papyrus. من الكلمة الأخيرة جاءت كلمة ورقة paper بالإنجليزية. أحيانا كان يستخدم لحاء الشجر الداخلي (القشرة) للكتابة. التعبير اللاتيني Liber استخدم عن الكتاب، ومنها جاءت كلمة "مكتبة Library

2. لوحات رصاصية، وهي قديمة للغاية. في عام 1699 اشترى Montfaucon في روما كتابًا قديمًا جدًا مصنوع من الرصاص. مجموعة من اللوحات الرصاصية مثبتة بمسامير ومفصلات رصاصية. يحوى الكتاب أشكال غنوصية مصرية مع نقوش يونانية وEtruscan.

في معبد بمدينة Cnidus وُجد نصب تذكاري للجحيم يرجع إلى القرن الرابع ق.م، تظهر عليه النساء وهن يودعن ألواحًا رقيقة من الرصاص كُتب عليها أسماء الأشخاص الذين يكرهونهم مع أعمالهم الشريرة. كما نُقش على الألواح الرصاصية اللعنات التي تحل على الذين أساءوا إليهن. أُكتشف كثير من هذه الألواح عام 1858 أثناء الحفريات التي تمت في خرائب الهيكل، وهي مودعة الآن في المتحف البريطاني.

يشير أيوب البار هنا إلي لوحات رصاصية أو أوراق (شجر) عليها نقوش. ربما يلمح هنا إلي عادة حفر الحروف على حجر وصب رصاص منصهر في الحفر.

3. أنصاب تذكارية حجرية: نُقشت الشريعة على لوحين حجريين بإصبع الله (خر 31: 18). مجموعة أخرى من حجرين كُتبا بواسطة موسى بأمر إلهي (خر 34: 4، 8). أيضَا كتب يشـوع نسخة توراة موسى أمام بني إسرائيل على حجارة (يش 8: 32).

لقد أراد أيوب أن تُنقش مشاعره على حجارة لكي تنتفع بها الأجيال القادمة[921].

أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ،

وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ [25].

"لقد علمت أن وليّ (فادي) حيّ". لقد آمن بالفادي القادم، وأنه يكون هو حياته. "والآخر على الأرض يقوم (في اليوم الأخير)". إنه يترقب مجيء المسيا كلمة الله المتجسد القادم في ملء الزمان متجسدًا ليسلك بيننا على أرضنا.

يرى البعض أنه يتكلم هنا عن مجيئه الأخير، حيث يأتي على السحاب، ويلتقي بنا نحن البشر كأرضيين، ويدخل بنا إلى شركة أمجاده.

كلمة "وليّ" بحسب ما وردت في الناموس (لا 25: 25) هو ذاك الذي له الحق أن يفك (يفدي) ما باعه أو رهنه أخوه. لقد بيع ميراثنا السماوي بسبب الخطية، وجاء من يرده لنا، حيث يفكه بدمه الثمن. مسيحنا هو الولي الحي القادر وحده أن يفي عنا الدين، ويزيل الرهن، ويرد لنا الميراث الأبدي.

سيأتي على السحاب، لكن كما على الأرض، حيث يأمر الأموات، فيقومون من قبورهم، ويدخل بهم إلى عدم الموت وعدم الفساد.

v     "فقد علمت أنه أبدي ذاك الذي يخلصني على الأرض، سيقيم جلدي الذي يحتمل كل تلك الأمور" [25].  هذا هو السبب أن أيوب قال: "كلماتي تُكتب للأجيال القادمة"، لأنه بعد الآلام سيتعلمون القيامة... واضح أن الجسم الذي يقبل الآلام يقوم.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "أنا أعرف أنه أبدي، ذاك الذي يخلصني على الأرض" [25]. هذا يعني أن ذلك الذي يقودني على الأرض هو الله. وماذا يعني هذا؟ إن كان الله خالدًا، فلماذا تريدون أن تُكتب هذه الكلمات، وأن تبقى ذكرياتها أبديًا بطريقة خالدة؟ لاحظوا حال نفوس من هم في ضيق. إنهم يطلبون ليس فقط شهود عيان لها، بل والذين سيأتون مؤخرًا أن يصيروا شهودًا على مصائبهم، بطريقة يقتنون بها عطفًا من كل جانب. إنه كحال ذاك الغني المذكور في الإنجيل (لو 16: 19)، الذي اعتقد أنه أراد من الذين على الأرض أن يعرفوا ضيقته وحاله الذي صار عليه. هؤلاء الذين كانوا في تلك الأيام في رخاءٍ.

v     "وأنا سأقوم في اليوم الأخير من الأرض" [25]. هذا لأن القيامة التي أعلنها في شخصه، سيحضرها يومًا ما فينا أيضًا... قدم عربونها لنا حتى تتبع الأعضاء مجد رأسها (المسيح). فادينا اجتاز الموت، فلا نخاف نحن من الموت. لقد أظهر القيامة، حتى يكون لنا رجاء ثابت أننا قادرون على القيامة أيضًا[922].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     هذا الرجل بالحقيقة امتنع عن كل عملٍ شريرٍ، إذ لم يسمح للخطية التي فيه أن تسيطر عليه، وعندما يثور فيه فكر غير لائق لا يسمح له أن يصعد إلى الرأس، وبالتالي لا يسمح بممارسته بالفعل. فإن وجود الخطية شيء، ورفض الطاعة لشهواتها شيء آخر[923].

 القديس أغسطينوس

وَبَعْدَ أَنْ يُفْنَى جِلْدِي هَذَا،

وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اللهَ [26].

وثق أيوب من فناء جسمه في القبر، وتحدث عنه في غير اكتراثٍ، "وبعد أن يفنى جلدي هنا". فبدون هذا الجسم يرى الله. كأنه يقول لهم: لقد ركزتم أنظاركم على جسمي بكل بلاياه، فأنا أعلم أنه حتمًا يصير طعامًا للدود، حتى جلدي يكون مصيره هكذا كلحمي، لكن ما يبهج نفسي أنني أرى الله.

يرى القديس أغسطينوس أن كلمة "الجلد" تشير إلى قبولنا للموت[924]. ففناء جلدنا يشير إلى تخلصنا من حالة الإماتة الداخلية والفساد الداخلي، لنقبل قيامة النفس وعدم فسادها. بهذا ننعم برؤية الله الأبدي كلي القداسة. بمعنى آخر نخلع بروح الله القدوس أعمال إنساننا الخارجي حتى يفنى، ونلبس أعمال الإنسان الجديد الذي على صورة خالقه، فيتجلى مسيحنا أمام بصيرتنا الداخلية.

الَّذِي أَرَاهُ أَنَا لِنَفْسِي،

وَعَيْنَايَ تَنْظُرَانِ وَلَيْسَ آخَرُ،

إِلَى ذَلِكَ تَتُوقُ كُلْيَتَايَ فِي جَوْفِي [27].

بروح النبوة شاهد مجيء السيد المسيح، كلمة الله المتجسد، حيث يمكن رؤيته بعيني الجسد. هو هو بعينه من جهة لاهوته لا يُرى بالجسد، بل تتوق إليه أعماق النفس.

"الذي أراه أنا لنفسي"، أي أراه فأفرح به، لأنه سرّ سعادة نفسي.

أراه كما هو (1 يو 2: 2) وليس آخر. سنرى في اليوم الأخير المسيا هو هو الأمس واليوم وإلى الأبد. هو الذي تئن نفسي في داخلي في حنين إليه.

v     كل عقل يرتفع ويتشكل في الصلاة حسب نقاوته. فإن كان مهتمًا بالأمور المادية الأرضية يحمل هذه النظرة أمامه، وتبقى هذه النظرة قدام عينيْ نفسه الداخليتين في رؤيته للرب يسوع، سواء عندما جاء في تواضعه في الجسد، أو عند مجيئه في عظمته. أمثال هؤلاء لا يقدرون أن يروا الرب يسوع آتيًا في ملكوته، إذ هم مُمسكون بنوع من الضعف اليهودي (أي النظرة المادية)، ولا يستطيعون القول مع الرسول: "وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرفهُ بعدُ" (2 كو 16:5).

أما الذين يرتفعون فوق الأعمال والأفكار الأرضية السفلية، ويصعدون على جبل الوحدة (العزلة) المرتفع، متحرّرين من الاضطراب بكل المتاعب والأفكار الأرضية، في أمان من تدخل الخطايا، ممجّدين بإيمانٍ قويٍ، هؤلاء يمكنهم أن يتطلعوا بعيون نقية إلى لاهوته، وفي أعالي الفضيلة يكتشفون مجده وصورة سموه...

يُعلن يسوع للموجودين في المدن والقرى والمزارع، أي الذين لهم أعمال يقومون بها، لكن ليس بالبهاء الذي يظهر به لمن يصعدون معه على جبل الفضائل السابق ذكره... ففي الوحدة (العزلة) ظهر الله لموسى وتحدث مع إيليا[925].

الأب اسحق

v     أحرص على طهارة جسمك وسلامة قلبك، فإنك إن تحققت من نوالهما تبصر الله ربك.

مار إفرام السرياني

6. تحذيره لأصدقائه

فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ: لِمَاذَا نُطَارِدُهُ؟

وَالْكَلاَمُ الأَصْلِيُّ يُوجَدُ عِنْدِي [28].

خَافُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ مِنَ السَّيْفِ،

لأَنَّ الْغَيْظَ مِنْ آثَامِ السَّيْفِ.

لِكَيْ تَعْلَمُوا مَا هُوَ الْقَضَاءُ [29].

يخبرهم أيوب بما يجب أن يقولوه: "لماذا نطارده؟" لماذا نحزنه ونغيظه بانتقادنا لتدبيره، فإن أصل الكلام هو عندي.

إذ يكشف عن بهجته برؤية فاديه الذي تشتهيه نفسه، يحذرهم أن يخافوا من يوم مجيئه لئلا يُدانوا بسبب إدانتهم لاخوتهم (مت 7: 1؛ يع 2: 1).

v     "فإنكم تقولون: ماذا نقول أمامه، وهكذا نجد أصل الكلمة فيه" (أي 19: 28 LXX).  واضح أنه تحت تأثير عمل روح النبوة يقول أيوب هذا عن الفريسيين والكتبة وغيرهم من أصحاب السلطة في الشعب اليهودي. فإنهم ينظرون إلى أن يجدوا شيئًا يقولونه ضده (مت 26: 29). بمعنى أرادوا أن يجدوا ذريعة لانتقاده ولومه سواء من جهة كلماته أو تصرفاته. ولكن ماذا يقول لهم؟ "هل تحذرون من الخداع؟ فإنني إذ اكشف ما هو مخفي، وأعلن الأسرار، فإنكم ليس فقط بسبب كلماتكم، بل وبسبب أفكاركم تستحقون تأديبات كثيرة، حتى لا تسألوا عن هذا فيما بعد.

"لأن الغضب سيحل على الأثمة، وعندئذ سيعرفون أين هو كيانهم" (أي 19: 29). من هو أثيم مثل الشعب اليهودي الذي صلب واضع الناموس مع أناس كاسري الناموس، وقتلوه بين لصوص (مت 27: 38)، ذاك الذي كرز بالزهد في الغنى؟ لكن الغضب حلّ عليهم، حيث احترقت المدينة بالنار، وتهدم الهيكل، وانطفأ كبرياؤهم...

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

 


 

من وحي أيوب 19

من يقدر أن يسندني غيرك!

 

v     أؤمن أنك ضابط الكل،

لن يحدث أمر بدون إرادتك، أو بدون سماحٍ منك.

 

v     في وسط ضيقتي،

أرى حتى أهل بيتي يتحولون إلى أعداء.

أصرخ إليك من أعماقي:

هل صرت عدوًا لي، حتى تسلمني لمثل هذا الضيق؟

ما أصعب أن أرى من لي قد صاروا ضدي!

 

v     في وسط تجربتي، كنت أترقب حنوًا من أحبائي!

أُغلقت أبواب قلوبهم،

لأجد أبواب سماواتك مفتوحة أمامي.

وسط مرارة التجربة أجد عذوبة في التمتع برعايتك.

 

v     إن كانت ألسنة الأصدقاء قد صارت لاذعة للغاية،

فقد تحولت ألسنة خاصتك إلى سيف قتال.

صوَّبوا اتهاماتهم كرماحٍ ضدك!

إن وقفوا ضدي، أذكر كيف وقفت خاصتك ضدك، يا مخلص العالم كله!

إن تشامخوا عليّ أنا التراب والرماد،

فقد تشامخ التراب عليك، يا خالق السماء والأرض!

أن التفت الشباك عليّ، ووُضعت فخاخ في طريقي،

فقد تآمرت القيادات مع الشعب عليك!

 

v     كثيرًا ما أعاني من الشعور بالعزلة،

لكنني أراك وأنت واحد مع أبيك تصرخ باسمي:

إلهي، إلهي: لماذا تركتني؟

عوض المجد الذي بإرادتك تخليت عنه لأجلي،

ألبسوك إكليل العار، واستخفوا بك.

إن اشتهوا قتلي، أراك على الصليب معلقًا، وفى القبر مدفونًا،

تحملني فيك يا بكر الراقدين،

فأعبر بك إلى حضن أبيك.

 

v     أخيرًا أسبحك وأمجدك،

يا من حولت تجربتي المرة إلى عذوبة التأمل فيك!

مع كل ضيقة تحملني بجناحي الروح،

لأراك، فتتهلل نفسي!

لك المجد يا من تحول بوتقة التجارب إلى جبل تابور الجديد.

أراك متجليًا، لا يشغلك إلا الحديث عن الصليب،

حتى أصعد به إليك!

<<


 

اَلأَصْحَاحُ الْعِشْرُونَ

صورة بشعة للشرير

بدأ صوفر حديثه بمهاجمة أيوب بعنفٍ، وأوضح أنه توجد حقيقة راسخة منذ وُجد الإنسان على الأرض، وهي أن خطايا الأشرار تهلكهم، وأن الشرور التي يمارسها أيوب بالذات تؤدي إلى هلاكٍ مضاعفٍ.

يريد أن يقول إن أيوب لبس في خيمته ثوب الرياء، متظاهرًا بالتقوى والإحسان بسخاءٍ، بينما مارس شرورًا بشعة، بسببها لا تسمع له السماء، وتكره الأرض رجلاً شريرًا مثله، أي أن السماء والأرض تشهدان عليه. لهذا سيحل على بيته الخراب التام.

يعكس حديث صوفر اعتقادًا إسرائيليًا شائعًا أن نجاح الشرير قصير الأمد، وأن هلاكه يقيني،  لكن لم يشتمل حديث صوفر قط على أي تنويه إلى أن الأشرار قد يتوبون ويرجعون ويستعيدون رضا الله. ما يريد أن يؤكده هو أن أيوب شرير بدليل تعاسته التي من مظاهرها أن جسده معتل، وثروته ضاعت، وأبناءه هلكوا، وسمعته ساءت.

كان المتوقع أن يكشف حديث أيوب الأخير لأصدقائه عن إخلاصه في إيمانه، وسموه حتى على الألم. لكنهم لم يبالوا بشيءٍ، بل استمرت اتهاماتهم له؛ هذا ما وضح من أخذ صوفر دوره للدخول في حوارٍ جديدٍ كالصديقين الآخرين.

يرى الأب هيسيخيوس الأورشليمي أن صوفر ومن معه اهتموا بالمناقشات اللاهوتية في جدال فارغ دون روح وبلا تقوى. يقول:

 [عندما تُحرث الأرض تُنتج زهورًا وفواكه، وأما التأمل في الشريعة فينتج فضائل. هذا هو السبب الذي لأجله يُطلب ممارسة الشريعة بغيرة (مز 119: 40، 47، 48)، لا بتغليفها بكلمات، بل بالعمل بها، ليس بمناقشة لغة الكلمات الإلهية بطريقة غير مجدية بل بالتصديق عليها بسلوكنا، وإقرارها في أعمالنا. فكما أن المعرفة تجعل القراءة مجيدة، هكذا العمل يهب المعرفة بهاءً.

فما هي فائدة كرمٍ لم تُغرس فيه كروم، ولا قُلمت، ولا دُبر أمر العناقيد؟

أليس باطلاً يخرج فارس إلى مكان طلق فسيح وهو لم يدَّرب بعد خيله؟...

على أي الأحوال لم يسلك أيوب هكذا، وإنما من البداية سلحَّ نفسه بالفضائل، ودرَّبها على المعركة خلال التقوى. قدر ما وجد نفسه في غنى ورخاء كان يقدم كل يومٍ عند قيامه ذبائح (أي 1: 5). قبلما كان النور المنظور (الشمس) يشرق، كان يحيي النور غير المنظور. إذ يقفز من سريره، يجري نحو واهب النوم والتسبحة على شفتيه (مـز 127: 2)، يبدأ أنشطة اليوم بالاقتراب من خالق النهار...

كم من المرات أغلق أيوب فم أليفاز الذي أراد أن يستعرض البلاغة!...

كم من مرة أبطل تشامخ بلدد وازنًا كلماته، هذا الجندي الحقيقي للبرّ! بل لاحظوا أن صوفر أيضًا نشر غلبته في مقدمة أحاديثه! ليتنا نتفحص بإدراك كلماته.]

1. مقدمة عنيفة                      1-3.

2. نجاح الأشرار مؤقت              4-9.

3. تعاسة الأشرار                    10-29.

1. مقدمة عنيفة

فَأَجَابَ صُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ: [1]

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ هَوَاجِسِي تُجِيبُنِي،

وَلِهَذَا هَيَجَانِي فِيَّ [2].

يبدو أن صوفر قد استاء جدًا مما قاله أيوب، وظن أنه يبرر نفسه بالرغم من تأكده من شره.

تضايق صوفر أن أيوب يتحدث عن رجائه في السماء والخلاص كما لو كان رجلاً بارًا وصالحًا. لهذا هاجمه بعنفٍ قائلاً إن أفكاره تدفعه دفعًا إلى عدم السكوت على ما قال، بل يلتزم أن يجيب عليه.

اعترف صوفر بأن الهواجس ملأت أفكاره، والهياج سيطر عليه. ولعله هنا يعَّبر عما في داخله وفى داخل صاحبيه من ثورةٍ داخليةٍ وغضبٍ. هذا الغضب الذي يسد الآذان عن الاستماع بالحق، والعيون عن رؤية الحق مهما كان واضحًا، فلم يروا في أيوب سوى كتلة من الشرور الخفية غطاها بالرياء والعطاء الباطل والحنو الكاذب. هذا ما دفع صوفر إلى النقد اللاذع والتوبيخ القاسي، والتهديد المُرْ لما سيحل بأيوب من الشرور.

v     الغضب يجعل الألسنة مطلقة العنان، والأحاديث بلا ضابط. العنف الجسماني وتصرفات الاستهزاء، والسب والاتهامات والضرب وغير ذلك من الأعمال الشريرة غير المحصية تولد من الغضب والسخط[926].

القديس باسيليوس الكبير

v     الذهن المريض لا يضبط أحكامه، لذلك يظن أن كل ما يقترحه عليه الغضب حق[927].

البابا غريغوريوس (الكبير)

تَعْيِيرَ تَوْبِيخِي أَسْمَعُ.

وَرُوحٌ مِنْ فَهْمِي يُجِيبُنِي [3].

"تعبير توبيخي اسمع"، يترجمها البعض: "لقد سمعتك تصد توبيخي".

حسبوا كلمات أيوب إهانة، وأنه غير مستحق أن يتحدثوا معه، أو يقدموا له مشورة. ولعلهم كانوا قد وضعوا في قلوبهم أن يتوقفوا عن الحوار، لأنه لا يجدي مع إنسانٍ شريرٍ كهذا. لكن صوفر استفزه قلبه جدًا فاضطر أن يتكلم.

2. نجاح الأشرار مؤقت

أَمَا عَلِمْتَ هَذَا مِنَ الْقَدِيمِ،

مُنْذُ وُضِعَ الإِنْسَانُ عَلَى الأَرْضِ: [4]

لجأ صوفر إلى معرفة أيوب نفسه قبل حلول التجارب عليه، حاسبًا أنها تطابق ما يقولونه له، بينما الآن يعترض عليه ويرفضه. إنه مبدأ ثابت كان يردده أيوب نفسه قبلاً، وقد جاءت خبرات الأجيال تؤكده منذ القديم. هذه الحقيقة المنقوشة في فكر كل إنسانٍ منذ بدء الخليقة: إن شر الأشرار يهلكهم.

v     "أما علمت هذه الأمور من القديم، منذ وُضع الإنسان على الأرض؟" بقوله بهذه الكيفية سبّ صوفر أيوب، حاسبًا إياه جاهلاً بهذه الحقيقة (أو يتجاهلها)، مع أن أيوب أعلنها على وجه الخصوص في عبارته التالية.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     واضح أنه إذ انتفخ صوفر بمعرفته شوَّه العبارات التي نطق بها ضد الأشرار، إذ كان هدفه توبيخ أيوب الطوباوي. لأنه رأى فيه أنه سلك أولاً الطرق المستقيمة وبعد ذلك عانى من العقوبة، وبهذا حسب أن كل ما سبق فرآه إنما مارسه أيوب من قبيل الرياء، إذ لا يعتقد أنه يمكن لعبدٍ بارٍ أن يسقط في ضيقٍ بواسطة الله العادل.

البابا غريغوريوس (الكبير)

ماذا تسلمنا منذ سقوط أبوينا الأولين آدم وحواء، سوى أننا في حاجة إلى عمل الله، لكي يهدم كل شرَ فينا، ويبني كل ما يليق ببرَّه. فلا نعجب إن كانت دعوة الله لرجاله أن يقلعوا ويهلكوا، وينقضوا الشعوب الشريرة والممالك الفاسدة التي تشير إلى الشر، لكي يبنوا ويغرسوا ما هو لله كما قيل لإرميا النبي عند دعوته للخدمة (إر 1: 10). لابد من هدم الشر لقيام البرّ، فإن أصر الأشرار على تمسكهم بالشر، يبيدون مع الشر.

ليس لنا اختيار إلا بين أمرين لا ثالث لهما، إما أن تكون أعماقنا جنة إلهية تحمل ثمر الروح القدس الذي يفرح قلب الله أو ملهى لعدو الخير كي يربض فيه ويقيم. إما أن تكون قلوبنا هيكلا يسكنه الروح القدس، أو مسرحا يمارس فيه عدو الخير شروره!

v     "لتقلع وتهدم" (إر 1: 10). يوجد بناء من الشيطان ويوجد بناء من الله. البناء الذي"علي الرمل" هو من الشيطان، لأنه غير مؤسس علي شيء صلب ثابت، أما البناء الذي "علي الصخر" فهو من الله. أنظر ماذا يُقال للمؤمنين: "أنتم فلاحة الله، بناء الله" (1 كو 3: 9).

إذًا يوجه كلام الله "علي الشعوب وعلي الممالك ليقلع ويهدم، ليهلك وينقض". إذا قلعنا ولم نقم بإهلاك الشيء المقلوع، فإن هذا الشيء يبقى؛ وإذا هدمنا ولكن بدون أن نُزيل حجارة الأساس، فإن ما تهدم يظل باقيًا. فمن مظاهر صلاح الله وحبه أنه بعدما يقلع يهلك، وبعدما يهدم يبيد ما قد هُدم.

أما فيما يختص بالأشياء المقتلعة والمهلكة، فاقرأ بعناية كيف يتم إهلاكها: "احرقوا القش بنار لا تُطفأ، واجمعوا الزوان حرقًا والقوها في النار". هذه هي طريقة الإبادة والإهلاك بعد القلع؛ أتريد أن ترى أيضًا الهلاك الذي يحدث للأبنية الفاسدة بعد هدمها؟ فإن ذلك البيت الذي  كان يهدم بسبب البَرص يتحول إلي تراب، ثم يُؤخذ هذا التراب ويُلقي خارج المدينة (لا 14: 41)، حتى لا يبقي حجر واحد، كما في العبارة: "سوف أبيدهم كما وَحل الشوارع" أو(سوف أساويهم بالأرض).

يجب ألا تبقي الأشياء الفاسدة مطلقًا؛ إنما يتم إهلاكها لتجنب استخدام بقاياها في بناء أبنية جديدة يعملها الشيطان، كما أنه يتم اقتلاع الأشياء الفاسدة حتى لا يجد الشيطان فيها بذورًا أخرى يزرعها من جديد، لذلك يتم إهلاكها حتى لا تُوجد فرصة للشيطان لكي يزرع الزوان مع الحنطة...

لذا فإن أول شيء هو أن نستأصل ونقلع كل ما هو شرير من نفوسنا؛ فإن الله لا يستطيع أن يبني حيث توجد مبانٍ فاسدة وشريرة. "لأنه أية شركة للحق مع الباطل؟ أية شركة للنور مع الظلمة؟" يجب أن يُقتلع الشر من أساسه. يجب أن يُهدم بناء الشرير تمامًا من نفوسنا، حتى تقوم كلمات الله بعمل البناء والغرس فينا.

لأنه لا يمكنني أن أفهم تلك العبارة بطريقة أخرى: "ها قد جعلت كلامي في فمك" لماذا؟ "لتقلع وتهدم وتهلك". نعم إنها كلمات تقلع شعوبًا. كلمات لهدم ممالك، ولكن ليست الممالك المادية التي في هذا العالم، وإنما يجب عليك أن تفهم بطريقة سامية المقصود بالكلمات التي تقلع والكلمات التي تهدم.

وعند ذلك تُمنح قوة من الله كما هو مكتوب: "الرب يعطي كلمة للمبشرين بعظم قوة"، قوة تقلع ما تصادفه من عدم الإيمان (الرياء) أو الرذيلة. قوة تهلك وتهدم إذا ما تواجدت أوثان مُقامة في داخل القلب، حتى إذا ما هُدم الوثن يُقام مكانه هيكل للرب، في هذا الهيكل يتراءى مجد الله ويظهر، ولا يعود ينبت زوان، وإنما فردوس لله في هيكل الله، في المسيح يسوع، الذي له المجد الدائم إلي أبد الآباد. آمين[928].

العلامة أوريجينوس

شتان ما بين غرس عدو الخير وغرس الرب، وبناء إبليس وبناء الروح القدس. عدو الخير يزرع عشبًا، يظهر سريعًا ويجف سريعًا، ويكون نصيبه النار. وغرس الرب هادئ، يغرس صليبه، شجرة الحياة فينا، يغرسها على مجاري مياه الروح القدس، تثمر ويكون ثمرها أبديًا.

نجاح الأشرار سريع ومؤقت، أما الأبرار فنجاحهم خفي، إذ تحوط بهم التجارب لكي تتلألأ أكاليلهم بالأكثر، ويصيروا كواكب منيرة ترافق شمس البرّ في السماء عينها.

إَنَّ هُتَافَ الأَشْرَارِ مِنْ قَرِيبٍ،

وَفَرَحَ الْفَاجِرِ إِلَى لَحْظَةٍ! [5]

هتاف الأشرار لن يدوم. يهللون لكن إلى لحظات، فيتحول هتافهم إلى نوحٍ وعويلٍ. قد ينجح الأشرار ويشعرون بالطمأنينة وتراهم ظافرين فرحين، مفتخرين بثروتهم وسلطانهم وعظمتهم ونجاحهم، لكن هذا كله إلى حين، سرعان ما يزول في هذا العالم.

هذا المبدأ سليم، لكن لله أحكامه وتدابيره تختلف مع كل شخصٍ حسبما يكون لبنيانه. هذا ومن جانب آخر لم يكن صوفر نقي الفكر، ولا دافع عن مبدأ لاهوتي معين، إنما غالبًا كل ما كان يعنيه تأكيد شر أيوب.

v     "مرح الأشرار هو علامة السقوط، وفرح الفاجر هو دمار!" [5 LXX]. يتحدث صوفر في هذه العبارة بوقاحة، إذ يسب أيوب بشدة، ويفتري عليه كما فعل صديقاه الآخران. لقد شوَّه سمعته للسبب التالي: إنه من البدء، منذ وجود الجنس البشري وُجد فرح ومرح لسقوط الأشرار، ودمار للفاجرين، من بينهم أيوب كما رأى صوفر.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

ليس فقط يفقد الأشرار فرحهم العالمي الزائل، وإنما حتى الأرض تحزن وتنوح (إر 12: 4)، بل والطبيعة تئن بسببهم، وأيضًا السماء بملائكتها تحزن عليهم. هذا هو فعل الشر الذي يحرم الإنسان من الفرح الحقيقي، وبسببه يئن الكثيرون عليه.

v     "حتى متى تنوح الأرض، وييبس عشب كل الحقل، من شر الساكنين فيها؟" (إر 12: 4) يتحدث النبي هنا كما لو كانت الأرض كائنًا حيًا، حيث يقول إنها تنوح من شر الذين يمشون فوقها.

الأرض بالنسبة لكل واحدٍ منا تكون إما نائحة بسبب شرنا، وإما متهللة بسبب فضائلنا. وما يُقال بالنسبة للأرض يُقال بلا شك بالنسبة لكل الأشياء. فبالمثل يمكنني أن أقول: إن الملاك المسئول عن الماء[929] (كمثالٍ) يتهلل أو ينوح؛ فيجب علينا أن نعرف أنه حتى يتم تنظيم وإدارة الكون كله، يوجد ملاك مسئول عن الأرض، وآخر مسئول عن الماء، وآخر عن الهواء وآخر عن النار. ارتفع بعقلك لتتأمل النظام السائد عند الحيوانات والنباتات والكواكب السمائية؛ فإنه يوجد ملاك مسئول حتى عن الشمس، وآخر مسئول عن القمر، وآخرون عن النجوم[930].

كل هؤلاء الملائكة الذين يرافقوننا طوال حياتنا على الأرض، إما أنهم يفرحون لنا أو ينوحون علينا عندما نخطئ.

يقول إرميا إن الأرض تنوح بسبب الساكنين فيها: ويقصد بكلمة "أرض" أي الملاك الساكن فيها، فإنه أيضًا قيل: "أما الخشب المصنوع صنمًا فملعون هو وصانعه" (حك 14: 8)، ليس أن اللعنة تقع على الشيء الجامد نفسه، وإنما يقصد بكلمة "صنم" أي الشيطان الساكن فيه، والذي يتخذ من "الصنم" اسمًا له. وبنفس الطريقة أستطيع أن أقول إن "الأرض" يقصد بها الملاك المسئول عن الأرض، و"الماء" الملاك المسئول عن الماء، والذي كُتب عنه: "أبصَرَتَك المياه يا الله أبصرتك المياه ففزعت. ارتعدت أيضًا اللجج. سكبت الغيوم مياهًا أعطت السحب صوتًا. أيضًا سهامك طارت" (مز 77: 17-18)[931].

v     يجب عليك أيها الخاطئ أن تذوق هذه المرارة الشديدة الآن التي يوقعها الله بك، حتى ترتد عن طريقك فتخلص[932].

العلامة أوريجينوس

وَلَوْ بَلَغَ السَّمَاوَاتِ طُولُهُ،

وَمَسَّ رَأْسُهُ السَّحَابَ [6]

افترض صوفر أن نجاح الشرير قد بلغ من العلو ما لم يتصوره إنسان، يرتفع حتى إلى السماء. وإن نما حتى بدا كأن رأسه تمس السحاب، هكذا يكون ارتفاعه وتشامخه فلا يفكر أحد أن يقترب إليه بشرٍ أو يتخذ معه موقف مقاومة.

v     إن ارتكبت خطية، فإن خصمك هو كلمة الله... إنها عدو إرادتك إلى أن تصير الكلمة هي أمان خلاصك. يا له من عدو مخلص ومعين![933]

القديس أغسطينوس

كَجُلَّتِهِ إِلَى الأَبَدِ يَبِيدُ.

الَّذِينَ رَأُوهُ يَقُولُونَ: أَيْنَ هُوَ؟ [7]

هذا الذي يبلغ كل هذه العظمة يبيد مثل جلته (برازه أو روثه). الذين كانوا في دهشة من عظمته التي لا يُمكن وصفها يتطلعون إليه، وإذا به غير موجود، لقد هلك تمامًا! كل ما تبقى رائحته التي لا تُطاق ولا تُحتمل.

v     قيل عن كبرياء المرائي أنه يصعده إلى السماء، حيث فكره المتشامخ يبدو كمن يقوده إلى الحياة السماوية. وكأن رأسه قد بلغ إلى السحاب، عندما يُظن أن العضو القائد، عقله المفكر، مساوٍ لاستحقاقات القديسين الذين سبقوه. لكنه "يبيد أخيرًا مثل المزبلة"، لأنه عند موته، حيث يُقاد إلى العذابات. إذ يكون مملوءً من روث العادات الشريرة يسقط تحت أقدام الأرواح الشريرة. فإن مباهج الحياة الحاضرة التي يظنها الأشرار صلاحًا عظيمًا يتطلع إليها الأبرار كروثٍ. لذلك مكتوب: "الإنسان الكسلان يُرجم بروث الثيران" (ابن سيراخ 22: 2). فمن لا يتبع الله يصير خاملاً في حب الحياة الأبدية...

"الذين رأوه يقولون: أين هو؟" [7]. هذا يحدث عادة حين تُكشف حياة المرائي بواسطة كل البشر في النهاية، لتكون موضع دينونة أبدية...

الذين رأوه يعمل في أيامهم سيقولون عنه عند موته: أين هو؟ فإنه لم يعد يُرى هنا، حيث كان منطلقًا في وسع، ولا هو بموجود في الراحة الأبدية حيث كان متوقعًا...

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لاحظوا هؤلاء الناس المتكبرين المستهترين، لاحظوا الثور وهو يُعد للذبح، يُترك ليجول في حرية، يدمر ما يريد، حتى يوم ذبحه... يشير الكتاب المقدس إليه في موضع آخر كذبيحةٍ وإنه يُترك لحرية شريرة (أم 7: 22)[934].

v     هؤلاء ينتعشون في سعادة هذا العالم، ويهلكون في قوة الله. ليس فيما هم ينتعشون يهلكون بذات الأمر؛ لأنهم ينتعشون إلى حين ويهلكون أبديًا. ينتعشون في خيرات غير حقيقية، ويهلكون في عذابات حقيقية[935].

القديس أغسطينوس

كَالْحُلْمِ يَطِيرُ فَلاَ يُوجَدُ،

وَيُطْرَدُ كَطَيْفِ اللَّيْلِ [8].

يعبر بكل ما بلغه من عظمة وغنى وكرامة، فإذا به كحلمٍ يبحث عنه الإنسان عند يقظته فلا يجد أثرًا له، يصير أشبه بطيفٍ عبر، ولا وجود له!

v     هكذا يا اخوتي هي حياتنا، نحن الذين نعيش حياة زمنية. هكذا هي اللعبة التي نمارسها  على الأرض. جئنا إلى الوجود من العدم، وبعد وجودنا ننحل. إننا أحلام لا جوهر لها، رؤى غير مُدركة، كطائرٍ عابرٍ يطير، وكسفينةٍ لا تترك أثرًا على البحر (الحكمة 5: 10-11)، نحن ذرة تراب، بخار، ندى الصباح، زهرة تنمو في لحظةٍ وفي لحظةٍ تذبل. أيام الإنسان مثل عشبٍ وزهرة حقل هكذا ينتعش (مز 15:103).

حسنًا داود المُلهم بالروح ناقش ضعفنا، وقال: "لأعرف قصر أيامي"، وعرف أيام الإنسان أنها في طول الشبر (39: 4-5)[936].

القديس غريغوريوس النزينزي

v     إنه يشبه حلمًا أو رؤية ليلٍ. يسب صوفر أيوب بذات الوقاحة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     ما هي حياة المرائي سوى رؤية خيال (أحلام يقظة) يظهر في مظهر خارجي ولا يقتني شيئًا بالحق؟ لذلك بعدل شُبه بالحلم، حيث أن كل مديح أو مجد يكون كما لو قد تركه.

غالبًا في "طيف الليل" يندهش بعض الفقراء إذ يصيرون أغنياء، يرون الكرامات تنهال عليهم، يرون أكوامًا من الغنى، وجموعًا من الحاضرين، ثيابًا غاية في الجمال، وفيضًا من الطعام يُقدم لهم... لكن فجأة إذ يستيقظون يجدون بطلان كل البهجة التي كانوا يشعرون بها، ويحزنون أنهم استيقظوا، حيث تنتزعهم الحاجة الحقيقية ليستيقظوا. هكذا بالنسبة لأذهان المرائين ما يفعلونه شيء، وما يظهرون به أمام الناس شيء آخر... وبينما يُمدحون من الناس في مبالغة يظنون أن ما يبتهجون به يجعلهم مشهورين لدى الخلائق زملائهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     يعلمنا الرب أن الذي يسلم نفسه إلى الأعمال المعيبة يتعرى من ثوبٍ ليس مصنوعًا من الصوف، بل من الفضيلة الحية، لأن ثوب الفضيلة أبدي لا زمني[937].

القديس أمبروسيوس

عَيْنٌ أَبْصَرَتْهُ لاَ تَعُودُ تَرَاهُ،

وَمَكَانُهُ لَنْ يَرَاهُ بَعْدُ [9].

الذين رأوه كشخصيةٍ بارزة جدًا، ناجحة وغنية وصاحبة سلطان، لم يعودوا بعد ينظرونه. يبحثون عنه حيث كان، فإذا بالموضع خالٍ منه تمامًا.

v     بالرغم من أن صوفر يقول هذا بخصوص كل الأشرار دون الإشارة إلى أحدٍ، إلا أنه من الواضح أنه يشير بكل كلماته إلى أيوب. لأن "عين" أصدقائه الآخرين ومعارفه تركته في استخفاف، وإن كانت (عيونهم) قد سبقت ورأت كل ما كان في البداية، حتى عندما يستعيدون النظر إليه.

"ومكانه" يعني هؤلاء الذين كانوا في الأصل معه في "مكانه"، ومن وطنه، لا يعودون يتعرفون عليه. إذ يرون مدى أحزانه الممتدة ويُصعقون.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     ما هو "مكان" المرائي سوى قلب المتملقين له؟ فإنه يستريح في الموضع الذي يجد فيه من يحبونه... ولكن مادام حيًا لا يكف عن أن يعلم أتباعه ذات الأمور التي يمارسها، وخلال جسارة طريقه الخاطئ يلد آخرين أيضًا على شاكلة الخداع الباطل الذي له.

البابا غريغوريوس (الكبير)

تنزع الشرور الإنسان من موضع راحته، فيكون كمن لا وجود له. هذا ما حدث مع قورح وجماعته الذين في شرورهم تجاسروا على الوصية الإلهية، وأرادوا اغتصاب الكهنوت عنوة، فابتلعتهم الأرض وصاروا كمن لا وجود لهم (عد 16: 32).

v     (عن قورح وداثان وإبيرام) لقد فصلوا أنفُسهم عن الجماعة المقدسة. لقد ابتلعتهم الأرض وهم أحياء، كرمز منظور للعقوبة غير المنظورة[938].

القديس أغسطينوس

3. تعاسة الأشرار

بَنُوهُ يَتَرَضُّونَ الْفُقَرَاءَ،

وَيَدَاهُ تَرُدَّانِ ثَرْوَتَهُ [10].

يقدم لنا هنا أمثلة للشرور التي يرتكبها المرائي سرًا في هذا العالم، وما تجلبه عليه من قصاص:

أولاً: شهوة الجسد          [11-14].

ثانيًا: محبة العالم           [15-16].

ثالثًا: محبة المجد الباطل    [17-18].

رابعًا: ظلمه للمساكين      [19].

خامسًا: النهم               [20-21].

v     "ليت السفليين يدمرون بنيه [10 LXX]". ربما يشير صوفر بهذه الكيفية إلى الشياطين، فهم "سفليون" بالنسبة للبشر، بسبب سقوطهم من العلا. فإن هؤلاء هم الذين حطموا القصر الذي مات فيه أبناء أيوب ودمروه (1: 19).

"ويداه تشعلان نيران الأسى" حينما كان أيوب يحك قروحه بشقفة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "بنوه يترضون بالفقر". مكتوب: "لا تدخل الحكمة في نفسٍ حاقدةٍ" (حك 1: 4). ويعلن المرتل: "الأغنياء احتاجوا وجاعوا" (مز 34: 10). وهكذا بنو المرائي "ينهارون بالعوز" (أي 20: 10)، لأن الذين يولدون في الرياء في سطحية، إذ لا ينالون جوهر الحق، يصيرون كلا شيء، يعانون من فقر القلب.

"ويداه تردان حزنه". ماذا يعني باليدين سوى الأعمال؟ هكذا فإن يديه تردان حزنه، لأنه يحصد دينونة أبدية عادلة من حياته الشريرة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     إن قال أحد إنه لا يريد ملكوت الله، إنما يطلب راحة أبدية، يخدع نفسه. فإنه يوجد موضعان لا ثالث لهما. إن لم يتأهل أحد ليملك مع المسيح، فبالتأكيد يهلك مع إبليس[939].

قيصريوس أسقف آرل

أولاً: شهوة الجسد          [11-14].

عِظَامُهُ مَلآنَةٌ قُوَّةً،

وَمَعَهُ فِي التُّرَابِ تَضْطَجِعُ [11].

يسقط في الشهوات الشبابية التي تملأ عظامه، وتمسك به ولا تفارقه إلى يوم موته.

v     (برى صوفر أن) الفساد الذي ينبعث من أيوب يفسد عظامه بانحلال جسده، فيتلف جمال "شبيبة" أيوب. تنام عظامه معه في التراب، إذ يصير أيوب ترابًا من القيح وروث المزبلة حيث كان مُلقى هناك.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     ما هي "شبيبة" المرائي إلا بدء شر شبابه عندما تاق واشتهى احتضان هوى المجد... فما بدأه بشرٍ يزيده يوميًا ويتقوى خلال العادة الشريرة... لذلك كُتب في الأمثال: "رَبِ الولد في طريقه، فمتى شاخ أيضًا لا يحيد عنه" (أم 22: 6). هذه العظام عينها ترقد معه في التراب، لأن الممارسات الشريرة تستمر معه حتى تسحبه إلى تراب الموت.  

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     الجسم في ذاته ليس عائقًا، إنما بالحري بسبب شرنا لا نستطيع أن نرث ملكوت الله[940].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إِنْ حَلاَ فِي فَمِهِ الشَّرُّ،

وَأَخْفَاهُ تَحْتَ لِسَانِهِ [12].

يستعذب الشهوات، فيصير الشر عذبًا في فمه، ويخفيه تحت لسانه حتى لا تفارقه اللذة، كأشهى ما يجده.

v     "إن حلا في فمه الشر... لكن لا يقدر أن يسنده" [12]. في هذه العبارة يحذر أيوب. إنه يقصد أن أيوب يستعذب شره بكلماته، بمعنى آخر يغطي عليه ويخفيه بأسلوبه، بالكلمات التي يعبر بها عن نفسه... بهذا لا يقدر أن يسند نفسه. بسبب الشرور التي حلت به يظهر كشريرٍ؛ وهو يؤنبه، إذ يود أن يخفي تصرفاته من الخارج، ولم يراعِ أنه يستحيل إخفائها.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "عندما يصير الشر حلوًا في فمه، يخفيه تحت لسانه" [12]. الشر حلو في فم المرائي، حيث يستعذب الشر في فكره. لأن فم القلب هو الفكر، حيث كُتب: "الشفاه الغاشة تنطق شرًا في قلب مخادع" (مز 12: 2). الآن، الشر الحلو في فم المرائي مخفي تحت اللسان، حيث أن عنف التصرفات الشريرة يكمن مخفيًا في الذهن، مختفيًا تحت ثوب الذهن الناعم...

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     تؤذي الخطايا النفس بخطورة أعظم من أذية الدود للجسم. ومع هذا فنحن لا ندرك فسادها، ولا نشعر بإلحاح ضرورة التطهر منها. وذلك كالسكران الذي يعجز عن أن يعرف كيف أن مذاق الخمر مشمئز، أما المتعقل فيمكنه تمييز ذلك بسهولة. هكذا بالنسبة للخطايا، فمن يعيش في وقارٍ يميز بسهولة الوحل والفساد، وأما من يعيش في الشرٍ فيكون كالمخمور بالمسكر، فلا يتحقق من أنه مريض. هذا هو أشر ما في الخطية أنها لا تسمح للساقطين فيها أن يدركوا حالة المرض الخطير التي هم فيها، وإنما يكونون كمن يرقدون في وحلٍ ويظنون أنهم يتمتعون بالأطياب. فليس لديهم أدنى رغبة للتحرر. وإذ يعمل فيهم الدود يفتخرون كمن لديهم حجارة كريمة. لهذا لا يريدون قتل (الخطية)، بل أن ينعشوها ويضاعفوها حتى تعبر بهم إلى الدود الذي في الحياة العتيدة[941].

القديس يوحنا الذهبي الفم

أَشْفَقَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ،

بَلْ حَبَسَهُ وَسَطَ حَنَكِهِ [13].

إذا ما أمسكت به اللذة يخفيها فيه كمن يحبسها تحت لسانه. يكون كالزانية التي قيل عنها: "وأكثرت زناها بذكرها أيام صباها التي فيها زنت" (حز 23: 19).

إخفاء اللذة وإبقاؤها تحت اللسان يدل على جهده الذي يبذله في إخفاء شهوته المحبوبة لديه جدًا.

لكن ذاك الذي يعرف ما في القلب والفكر يعرف أيضًا ما يخفيه الشرير من لذة يخفيها تحت لسانه.

v     "يشفق عليه ولا يتركه، بل يحبسه في حنجرته[942]" [13]. يشفق على الشر الذي يتلذذ به. إذ لا يمارس الندامة، يصطاده في داخله. لذلك أُضيف أيضًا: "ولا يتركه"، فإنه لو كان لديه فكرة عن تركه لما كان يشفق عليه، بل يتعقبه بإحكام. الآن "يحتفظ به في حنجرته"، إذ يحتجزه في الفكر، فلن ينطق به قط في حديثه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

فَخُبْزُهُ فِي أَمْعَائِهِ يَتَحَوَّلُ!

مَرَارَةُ أَصْلاَلٍ فِي بَطْنِهِ [14].

إذ تصير الشهوة طعامه اليومي الذي يملأ أمعاءه، تتحول إلى سمٍ قاتلٍ في أعماقه. بينما يظن في اللذة سرّ حياته وسعادته، بدونها ليست له حياة، إذا بها ترديه قتيلاً بسمها الذي أخفاه فيه.

v     فخبزه في بطنه يتحول إلى مرارة أصلال فيه" [14]. يدعو صوفر سم الشر "مرارة الصل"، فإنه إذ تنتشر مرارة الصل في الأحشاء لا يمكن تفاديها بعد، إذ تقتل من تنتشر في أحشائه. هذا أمر واضح ومعروف للكل. هكذا سم الشر يعمل في كل الذين يكتمونه.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     يوجد نوعان من الطعام، واحد يخدم الخلاص، والآخر يناسب الهالكين... يليق بنا ألا نسيء استخدام عطايا الآب... لنستخدمها في تجردٍ، ونحفظها تحت سيطرتنا. بالتأكيد أُمرنا أن نكون سادة وأرباب للطعام وليس عبيدًا له[943].

القديس إكليمنضس السكندري

v     الخبز في البطن مثل الشبع بالملذات الأرضية في الذهن. لهذا فليشبع المرائي الآن إلى التمام بالمديح الذي لا يقدر على مقاومته! ليمرح بالكرامات!

"خبزه في بطنه يتحول إلى مرارة أصلالٍ" [14]، لأن الملء بالمُتع الوقتية يتحول في يوم الدينونة النهائي إلى مرارة، فما يعبر هنا كمديح للعظمة ينكشف أنه "مرارة أصلال"، أي زهو أرواح شريرة... الفرح بالمتعة الوقتية حلو عندما يُذاق هنا بمضغ الأسنان، لكنه يتحول إلى مرارة في البطن عندما يعبر الفرح، ويُبتلع إلى دمار الشخص.

البابا غريغوريوس (الكبير)

ثانيًا: محبة العالم           [15-16].

قَدْ بَلَعَ ثَرْوَةً فَيَتَقَيَّأُهَا.

اللهُ يَطْرُدُهَا مِنْ بَطْنِهِ [15].

في محبته للعالم يجمع الثروات ويخزنها كمن يبتلع طعامًا بنهمٍ شديدٍ لأنه جائع. ليس فيه من كفاية أو شبع إنما قيل: "للعلوفة بنتان: هات هات؛ ثلاثة لا تشبع؛ أربعة لا تقول كفا" (أم 30: 15). يكون كمن يملأ معدته، لكنه يتقيأ على الدوام كل ما أكله، فيبقى جائعًا على الدوام.

v     "الثروة المجموعة ظلمًا يتقيأها"... فإنه من المستحيل أن تُصلح بدون أذية... مكافأة الأشرار محفوظة للحياة العتيدة (كو 3: 25). لهذا فإن التي تُجمع ظلمًا سيتقيأها بصرخات عظيمة بهلاكٍ عظيمٍ للنفس حينما يُطلب الغنى الذي جُمع ظلمًا للدينونة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     يشتهى المرائي أن يعرف إعلانات الله، لكنه لا يمارسها. يود أن ينطق بالحكمة، لكنه لا يحيا حكيمًا. لهذا إذ لا يمارس ما يعرف أنه يجب عمله، يفقد حتى ما يعرفه. حيث لا يربط الممارسة النقية بمعرفته، مستهينًا بنقاوة الممارسة الحقيقية، فيفقد المعرفة ذاتها. لهذا فإن غنى الناموس المقدس الذي "ابتلعه" بالقراءة، يتقيأه بنسيانه، ويطرده الله من بطنه. في هذا إذ لا يهتم أن يحفظ الممارسة العملية، فإنه بحكمٍ عادلٍ يُقتلع الله من ذاكرته، حتى أنه يحجم عن حفظ وصايا الله في لسانه، مادام لا يحفظها في حياته. هكذا قيل بالنبي: "وللشرير قال الله: ما لك تحدث بفرائضي، وتحمل عهدي على فمك" (مز 50: 16).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     يُذرى الأشرار بمرارة (كزوانٍ خفيفٍ)، أما الأبرار فيخلصون كحنطةٍ ثقيلةٍ. لذلك لاحظوا ما يقوله الرب لبطرس: "هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة، ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك" (لو 22: 31). الذين يُذرون مثل زوانٍ يهلكون، أمـا الذي لا يهلك فهو مثل البذرة التي تسقط وتنمو وتزيد وتأتي بثمرٍ كثيرٍ (لو 8: 8)... يُشبه الشر بالعصافة التي تحترق سريعًا وتصير ترابًا[944].

القديس أمبروسيوس

سِمَّ الأَصْلاَلِ يَرْضَعُ.

يَقْتُلُهُ لِسَانُ الأَفْعَى [16].

إذ يغرف المرائي من محبة العالم يرضع من سم الحيات التي لا تنفع فيها الرقية، والذي لا يوجد شيء أكثر منه فتكًا وقتلاً. هذا ما يجمعه مُحب العالم لنفسه. يضم في أعماقه أفعى الخطية التي تقتله بلسانها.

v     "لسان الأفعى أيضًا يقتله" [16]. هذا الذي منذ البداية أخضـع آدم وحواء (تك 3: 4-5)، والآن لا يكف عن أن يستعبد الخطاة، إذ يعلمهم أن يجدوا لذة في الأعمال الشريرة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "سم الأصلال يرضع، يقتله لسان الأفعى" [16]... فإنه في البداية يتسلل (الروح الدنس) إليهم بلطفِ، لكنه بعد ذلك يسحبهم بعنف. هكذا "سم الأصلال يرضع" حيث يُقدم في البداية اقتراحًا خفيًا يصدر في القلب، لكن "يقتله لسان الأفعى" حيث يقتل النفس الأسيرة بعد ذلك بسم التجربة العنيفة,

البابا غريغوريوس (الكبير)

ثالثًا: محبة المجد الباطل    [17-18].

لاَ يَرَى الْجَدَاوِلَ أَنْهَارَ سَوَاقِيَ عَسَلٍ وَلَبَنٍ [17].

v     لا يرون المكسب من القطيع الذي يرعى، ولا ينالون لبنًا وزبدة، في الدهر الآتي. إذ لا يقدرون أن يتمتعوا بلذةٍ في الأمور التي يفتخرون بها هنا. لتعليم هؤلاء تناسبهم كلمات الرب: "يا غبي، هذه الليلة تُطلب نفسك. فهذه التي أعددتها لمن تكون؟" (لو 12: 20).

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "لا يرى جداول نهر العسل والزبدة الجارف[945]" [17]. يقول الرب في الإنجيل: "من آمن بي، كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهار ماء حي" (يو 7: 37). ويكمل الإنجيلي: "قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه". هكذا فإن "مجاري النهر" هي مواهب الروح القدس. الحب هو مجرى النهر، والإيمان مجرى النهر، والرجاء مجرى النهر. ولكن ليس من مراءٍ يحب الله أو قريبه، عندما يجعل مجد العالم غايته، لذا فإنه لا يرى مجارى النهر، حيث لا يرتوي بفيض الحب.

الابن الوحيد للآب العلي، وهو الله الذي فوق الكل صار إنسانًا وسط الكل، إذ زودنا بعذوبة طبيعته الإلهية وسرّ تجسده، أشبعنا بالعسل والزبدة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

تقدم الشرور عسلاً ولبنًا أو زبدة، تخفي سمًا مهلكًا. أما مسيحنا الغافر للخطايا، فقدم لنا عسل السلام العذب، سلامنا الداخلي مع أنفسنا كما مع الله وملائكته وقديسيه. الخلاص من الخطية بعمل الفداء يردنا لا إلى جنة عدن مع آدم وحواء، ولا إلى كنعان التي تفيض لبنًا وعسلاً، وإنما إلى المصالحة الفائقة مع السماء.

v  من يطلب السلام يطلب المسيح، لأنه هو سلامنا (كو 1: 20)، الذي يجعل الاثنين واحدًا (أف 2: 14)، صانعًا السلام بدم صليبه سواء على الأرض أو في السماء[946].

القديس باسيليوس الكبير

v     انشقت الأرض عن السماء، وصار الملائكة أعداءً للبشر، إذ رأوا الرب يُهان منهم...

ما فعله المسيح على الصليب هو أن يُصعد إلى السماء الطبيعة البشرية (الخاطئة) والتي كانت في عبودية الشرير. هكذا في الواقع أحضر العدو المكروه للملائكة. ليس فقط جعل ما على الأرض في سلام، بل أحضر لهم ذاك الذي كان عدوهم. بهذا صار السلام عميقًا جدًا. ظهرت الملائكة من جديدٍ على الأرض، لأن البشرية من جانبها ظهرت في السماء[947].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يَرُدُّ تَعَبَهُ وَلاَ يَبْلَعُهُ،

وَبِمَكْسَبِ تِجَارَتِهِ لاَ يَفْرَحُ [18].

إنه يتوقع أن يغرف من العالم كما من جداول وسواقٍ تخرج عسلاً ولبنًا، فلا يكف عن العمل ليلاً ونهارًا لكي يخزن من ثروات العالم. لكنه سرعان ما يكتشف أنه فقير، لا يملك ما ترجاه، فلا يتسلل إليه الفرح، إذ لا يجد سعادة في كل ما اقتناه.

من يجمع مالاً ظلمًا يرد ما جمعه بإرادته أو بغير إرادته، فلا يبقى معه شيء، بل يصير معدمًا.

v     "يتعب باطلاً وبغير منفعة، ذاك الذي يتعلق بالثروة التي سوف لا يذوقها" [18 LXX]. ما هي فائدة فخامة قصر يقطر ذهبًا إن كان الشرير نفسه يدفن ستة أقدام تحت (الأرض)؟ ما هي فائدة كثرة أثواب الفرح وتنوع الملابس لشخص تجرده الهوام؟

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

سيكتشف الشرير أنه خرج من العالم عريانًا، لأنه لا يلبس المسيح نفسه برّنا. وينفضح عريه يوم الدينونة، وينطلق مع عدو الخير الذي عرىّ نفسه وملائكته وتابعيه من بني البشر. لقد فقد الكل ما يستتر به بفرح!

v     لقد سُلب منه (يوسف) ثوبه (تك 39: 12)، لكنه لم يكن عاريًا، لأنه كان لا يزال متغطيًا بثوب الطهارة.

ليس أحد عاريًا إلا الإنسان الذي ينكشف ذنبه.

في الأزمنة الأولى لدينا هذه الحقيقة أن آدم إذ عصا وصية الله وصار مدينًا بخطية خطيرة، صار عريانًا؛ لهذا السبب قال: "سمعت صوتك في الجنة فخشيت، لأني عريان فاختبأت" (تك 3: 10). يؤكد آدم أنه عريان لأنه فقد زينة الحماية الإلهية. واختفى لأنه لم يكن لديه ثوب الإيمان الذي ألقاه جانبًا بعصيانه.

إنكم ترون حقيقة هامة: آدم كان عريانًا مع أنه لم يفقد رداءه، ويوسف نُزعت عنه ثيابه التي تركها في يد الزانية، ولم يكن عريانًا[948].

الأب قيصريوس أسقف آرل

رابعًا: ظلمة للمساكين      [19].

لأَنَّهُ رَضَّضَ الْمَسَاكِينَ وَتَرَكَهُمْ،

وَاغْتَصَبَ بَيْتًا، وَلَمْ يَبْنِهِ [19].

في محبته للعالم يسلك بروح القسوة والظلم، فيسحق المساكين ويتركهم، وينهب البيوت ويغتصبها لنفسه، كما اغتصب آخاب كرم نابوت اليزرعلي، فاغتصب لنفسه الموت والعار.

إذ يسيطر الطمع على الإنسان، ليس فقط لا يعطي مما لديه للمحتاجين، بل يسلب ما هو للغير فيكسر بيوت الفقراء ويجردها؛ لا يخجل من أن يحطمها بالعنف.

من يتصدّق بأموال ظلم بها اخوته، لا يحمل في صدقته حبًا روحيًا، ولا حتى بشريًا، إذ يعطي إنسانًا ويظلم آخر.

v     إذا قدّمت للإله جزءً ممّا اقتنيته ظلمًا واغتصابًا، فلن يقبل الإله عطيّتك...

فلترحم من ظلمته، صانعًا معه رحمة ومحبّة، عاملاً بالصلاح، وبذلك تقدّم رحمة وحقًا. فالله لا يشاركنا جشعنا، ولا يشاطر اللصوص والسالبين، ففي استطاعته أن يطعم الفقراء الذين عهد لنا بهم، لكنه يطلب ثمار البرّ ومحبّة الناس.

 البابا أثناسيوس الرسولي

v     إذا اختطفت أموالاً وأعطيتها للغير... فما هو عذرك؟

أتريد أن تعلم مقدار ما تصنعه من الشرّ؟ اسمع ما يقوله سليمان إن الذي يقرّب ذبيحة من أموال الفقراء كمن يقتل أمام الأب ابنه!

 القدّيس يوحنا الذهبي الفم

خامسًا: النهم               [20-21].

لأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ فِي بَطْنِهِ قَنَاعَة،ً

لاَ يَنْجُو بِمُشْتَهَاهُ [20].

في كل جهاده الذي لا ينقطع لا تعرف أعماقه (بطنه) هدوء البال (قناعة)، إنما يحاصره القلق ويسيطر عليه. قد ينال الكثير، لكنه هو نفسه لا ينجو.

v     يلزمنا أن نضبط البطن، ونحفظها تحت توجيه السماء. فإن الله في النهاية سيحطم كل ما هو للبطن كما يقول الرسول[949].

القديس إكليمنضس السكندري

لَيْسَتْ مِنْ أَكْلِهِ بَقِيَّةٌ،

لأَجْلِ ذَلِكَ لاَ يَدُومُ خَيْرُهُ [21].

ما ناله يهرب منه، كمن يأكل لكن لا يشبعه الطعام لأنه يتقيأه...

v     لأن الشرير يأكل دون أن يشكر (رو 14: 6)، يتذوق دون أن يبارك، وليس للفقير موضع على مائدته (لو 16: 21). "ليست لديه مئونة" [21]. إذ ليس للشرير بقية يضيف داود نفسه: "بقية الأشرار تهلك تمامًا".

"خيره لا يدوم"، لماذا؟ لأن خيراته بلا أصل، وهى تنتج ثمارًا شريرة.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "لا تدوم خيراته"... لأنه وهو يجري وراء كل شيء ولا يخشى الديان، وإذ يخرج من هذه الحياة يذهب عاريًا إلى الديان.

البابا غريغوريوس (الكبير)

مَعَ مِلْءِ رَغْدِهِ يَتَضَايَقُ.

تَأْتِي عَلَيْهِ يَدُ كُلِّ شَقِيٍّ [22].

بعد أن وصف صوفر الارتباكات التي تحل بالظالم القاسي، يبين هلاكه التام. فمع نوال ما كان يشتهيه بطريقٍ أو آخر، تتحول أيدي الأشقياء إلى سبله. ما فعل يُفعل به. كما كانت يده على الغير ظالمة، تمتد أيادي الأشرار عليه.

v     "عند ملء كفايته يتضايق[950]" [22]. أولاً يركض لاهثًا ليكدس الأشياء التي يجمعها بالطمع، وإذ يجمع الكثير جدًا، كما في بطن الطمع "عند ملء كفايته يتضايق"، إذ يمتلئ بالقلق كيف يحفظ ما قد ناله، فيصير ملؤه موضوع ضيقه. فإذ أنتج حقل أحد الأغنياء محصولاً ضخمًا، وليس لديه موضع للتخزين قال: "ماذا أعمل، لأن ليس لي موضع أجمع فيه أثماري. وقال: أعمل هذا. "أهدم مخازني وأبني أعظم" (لو 12: 17-18). إذن هذا الذي تضايق بفيض الخيرات قال: "ماذا أعمل؟". كان في همٍ، كما لو أن كثرة الطعام قد ضغطت عليه.

v     "يحترق بالحرارة، ويسقط عليه كل ويلٍ" [22]. بعد اقتنائه عطايا من الثروة، يحقق مشتهاه، ويحضره إزعاج آخر. يحل به الخوف والقلق ليحفظ في أمان ما قد كلفه من متاعبٍ لا حد لها لكي يقتنيه. من كل جانب يرتعب من المتآمرين، ويخشى لئلا يحل به ما فعله هو بالغير. يخشى لئلا يتعرض لعنفٍ من شخصٍ أقوى منه. عندما ينظر فقيرًا يتطلع إليه كلصٍ. يخشى الأشياء ذاتها التي ذخرها، لئلا بسبب ضعف طبيعته الموروثة تضيع بالإهمال. في كل هذه الأمور فإنه بسبب الخوف ذاته من العقوبة يعاني البائس بشدةٍ من الخوف مما قد يعانيه.

لكن إنه لأمان عجيب للقلب الذي لا يطلب ما هو ليس لنا، بل يقنع بما يناله يومًا فيومًا.

الأب غريغوريوس (الكبير)

v     "عندما يحسب نفسه شبعانًا، يسقط في القلق" [22 LXX]. هذا يعني أن الثمرة تتعفن عند نضوجها. لكن كما قلنا مرارًا كثيرة إن ما قاله أصدقاء أيوب ليس ليحطوا من الأشرار والأثمة، بل بالحري ليزعزعوا صبر أيوب.

ولما كان المصارع يحتمل الأحزان التي حلت عليه بنفسٍ عظيمة، واثقًا في المنافع التي يجلبها الصبر، هدده (صوفر) بأن المستقبل سيكون أشر من الماضي.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     حقًا أن حياة الإنسان لا تقوم علي ممتلكاته خلال ما لديه من فيض، إنما يُحسب مطّوبًا وذا رجاء مجيد من كان غنيًا بالله[951].

القدِّيس كيرلس السكندري

v     حينما نربح فلسًا نمتلئ فرحًا، وحينما نخسر نصف فلس نغرق في الحزن[952].

القدِّيس جيروم

يَكُونُ عِنْدَمَا يَمْلأ بَطْنَهُ،

أَنَّ اللهَ يُرْسِلُ عَلَيْهِ حُمُوَّ غَضَبِهِ،

وَيُمْطِرُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ طَعَامِهِ [23].

ليس من أمرٍ يبعث حمو غضب الله على الإنسان مثل ظلمه لأخيه. بينما يظن أنه يملأ بطنه بظلمه لأخيه، إذا بحمو الغضب الإلهي يمطر عليه نارًا وكبريتًا. "يمطر على الأشرار نارًا وكبريتًا" (مز 11: 6).

يباغته وهو في لحظات تمتعه بالولائم، عند تناوله طعامه. ولعل صوفر يشير هنا إلى موت أبناء وبنات أيوب أثناء إقامة وليمة.

يشير هنا أيضًا إلى ما حدث في أيام الطوفان، وإلى الخراب الذي حلّ بسدوم وعمورة، إذ يقول السيد المسيح: "كانوا يأكلون ويشربون، ويُزَوِجون ويتزوجون إلى اليوم الذي فيه دخل نوح الفلك وجاء الطوفان وأهلك الجميع. كذلك أيضًا كما كان في أيام لوط، كانوا يأكلون ويشربون، ويشترون ويبيعون، ويغرسون ويبنون. ولكن اليوم الذي فيه خرج لوط من سدوم أمطر نارًا وكبريتًا من السماء، فأهلك الجميع" (لو 17: 27-29).

v     "لتملئ بطنه، فيلقي الله غضبه عليه، ويمطر حربه عليه[953]" [23]... "مطر حرب الله" هو ضرب القلوب المتشامخة عليه، وجرح النفس البغيضة بسهام حكمه... بينما كان يليق (بالطماع) أن يذّكر نفسه كيف قد طمع فيما ليس له، وبأكثر شرٍ وضع في نفسه أن يجمع الأمور التي اشتهاها. وفي وقتٍ آخر سيحزن أنه سيفارق الأشياء التي جمعها.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يَفِرُّ مِنْ سِلاَحِ حَدِيدٍ.

تَخْرِقُهُ قَوْسُ نُحَاسٍ [24].

سوف يكون هلاكهم محتمًا دون أية إمكانية للنجاة منه. "يفر من سلاح حديدٍ". الهروب يشير إلى الإثم، حيث لا يفكر الشرير في الاعتراف بخطاياه في تواضعٍ أمام الله ليصطلح معه، بل كل ما يفكر فيه هو النجاة من الانتقام الذي يتعقبه، ولكن بدون جدوى. فإنه إن نجا من السيف "تخرقه قوس نحاس"، أو قوس من الصلب. كأن الله يستخدم السيف للذين يظنون أنهم يحاربونه بقوتهم، والقوس للذين يظنون أنهم قادرون على الهروب منه بمكرهم. فمن يظن أنه قادر أن ينجو من قصاصٍ يجد قصاصًا آخر يلاحقه.

v     "هذا يعني أنه سيغمره (الله) بالآلام... ولكن ما هي هذه الآلام؟ لننتبه. "ليفر بأية وسيلة من قوة السيف، وليجرحه القوس النحاسي. ويطعنه السهم في جسمه، لتكن الكواكب ضد مسكنه، ولتحل المخاوف عليه" [24-25 LXX]. لم يسقط أيوب تحت هذه الضربات، فقد منع الله الواشي (الشيطان) من قتله، لذلك لم يقدر الحديد ولا النحاس ولا أي رمح أن يقترب إليه من جنود الشيطان المرتزقة. قدرما جلبوا عليه...  لم تلتهب نار عليه، أي النار التي مصدرها ليس الأرض. لأنه ليس للشيطان سلطان أن يحرك رعب السماوات عليه.

هدد صوفر أيوب بهذه الأمور، إذ أراد أن يرعب المصارع بالخوف من كل جانب. أما من جهة أيوب، فلم يقل كيف أو من أين تأتي هذه الأمور عليه، إذ كان واثقًا في برّه.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

v     "سيهرب من الأسلحة الحديدية، ويندفع نحو القوس النحاسي[954]" [24]. يلزمنا أن نعرف أن الطمع أحيانا يتسلل إلى الناس عن طريق الكبرياء، وأحيانًا عن طريق الخوف. لذلك فإن البعض يهدفون نحو الظهور بسلطانٍ أعظم، ويلتهبون نحو نوال ما هو للغير. أيضًا يوجد أناس يخشون لئلا يصيروا في عوزٍ إلى ضروريات الحياة، فيسلمون أذهانهم للطمع ليطلبوا ما هو للغير، متخيلين أن ما لديهم لا يكفيهم. الآن، تعبير "الحديد" يتناسب مع كل "الضروريات". فهو يزعج حياة المعوزين بجراحات الحزن. هو تعبير عن الحاجة إلى الضروريات التي تقود إلى حياة مؤلمة... "يدخل الحديد إلى نفسه" (مز 105: 18). إذن ما هي الأسلحة الحديدية سوى ضروريات الحياة الحاضرة التي تضغط على حياة المحتاجين بقسوة؟ الحديد يتلف بالصدأ، أما النحاس فيتلف به بأكثر صعوبة. لهذا فالحديد يشير إلى الضروريات الحاضرة المؤقتة، وأما النحاس فإلى المصير الأبدي.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     أتريد أن تبني مدينتك حسنًا؟ "القليل مع مخافة الرب خير من كنز عظيم بدون مخافة" (راجع أم 15: 16). غنى الإنسان يلزم أن يعمل على خلاص نفسه لا هلاكها. الغنى يكون للخلاص إن استخدمه أحد حسنًا، وهكذا يكون فخًا إن لم يعرف أحد كيف يستخدمه (أم 13: 8). لأنه ما نفع مال إنسان لا يسنده في رحلته؟[955]

القديس أمبروسيوس

جَذَبَهُ فَخَرَجَ مِنْ بَطْنِهِ،

وَالْبَارِقُ مِنْ مَرَارَتِهِ مَرَقَ.

عَلَيْهِ رُعُوبٌ [25].

يكون الهلاك كاملاً عندما يخترقه القوس يخرج من مرارته، فتحل به أهوال ورعب عنيف جدًا، وتكون آلام موته مؤلمة للغاية. هكذا يحل الموت بالشرير منقضًا عليه فيذيقه المرارة.

v     "المرعبون يأتون ويحلون عليه" [25]. من هم الذين يدعون هنا بالمرعبين سوى الأرواح الشريرة الذين يجب أن تخشاهم الأذهان التقية وتتجنبهم؟ يُعتقد أن هذه الأرواح الشريرة عينها تلتصق كل بمفردها برذائلٍ معينة. عندما يترك هذا الإنسان الشرير مجموعة من الأخطاء إلى لحظة ويبدأ يرتكب مجموعة أخرى، فبالتأكيد "المرعبون يأتون ويحلون عليه، حتى إذ تترك نفس الشرير مجموعة من العادات الشريرة تأسرها مجموعة أخرى. فكثيرًا ما ترون إنسانًا شريرًا له سلطان أرضي تثيره أهواء صاخبة، ويتمم كل ما يقترحه عليه غضبه. وإذ يهدأ غضبه تثير الشهوة نفسه. وإذ تتوقف الشهوة إلى حين حالاً يحتل قلبه الاعتداد بالذات على أساس أنه عنيف، ولكي يظهر للغير أنه مُخيف يهدف نحو إبراز نفسه كموضوع رعبٍ... هكذا بحق يُقال لذاك الذي تتلقف رذيلة ذهنه محل رذيلة أخرى: "المرعبون يأتون ويحلون عليه".

البابا غريغوريوس (الكبير)

كُلُّ ظُلْمَةٍ مُخْتَبَأَةٌ لِذَخَائِرِهِ.

تَأْكُلُهُ نَارٌ لَمْ تُنْفَخْ.

تَرْعَى الْبَقِيَّةَ فِي خَيْمَتِهِ [26].

الظلمة التي يلتحف بها الشرير مختبئة، وهي ظلمة دامسة لا يخترقها شعاع نور واحد. ظلمة داخلية تجتاز إليه إلى حيث يظن أنه في أمان، مختبئ في مكان لا يقدر أحد أن يبلغ إليه. ولعله يقصد بالمخبأ ضميره، إذ يعاني الشرير من الظلمة التي تحل في أعماقه، ليجد نفسه في ظلام وحيرةٍ، ليس من يقدر أن يخلصه منهما سوى رجوعه بالتوبة إلى النور الحقيقي واهب السلام.

تشتعل في داخله نار مُهلكة لم تنفخ، أي لا يُسمع لها صوت. يرى الكل دمار الشرير واحتراقه دون أن يقدر أن يعرف السبب. وذلك كما رأى يونان اليقطينة قد يبست، ولكنه لم يرَ الدودة التي سببت لها الذبول (يونان 4: 7).

وبقوله "نار لا تُنفخ" يشير إلى أن نار الخطية المهلكة وقودها سريع الاحتراق جدًا لا تحتاج إلى نفخ. "كل المستكبرين وكل فاعلي الشر يكونون قشًا، ويحرقهم اليوم الآتي" (مل 4: 1).

"ترعى البقية في خيمته": شره يتسلل إلى خيمته، أو إلى أسرته، فيكون سببًا لهلاك الكثيرين من أهل بيته.

v     "كل ظلمة مختبئة في أماكنه السرية" [26]... يقال: إن كل "ظلمة مختبئة في أماكنه السرية"، وذلك لأنه لا يستعرض كل شروره التي فيه، لكنه ينبغي أن يحل بها جميعًا على زملائه في الخليقة.

"تأكله نار لم تُشعل"، هذه الكلمات القليلة تعلن عن نار جهنم بطريقة غاية في الدهشة. فالنار المادية لكي تصير نارًا تحتاج إلى وقود مادي. ولكي تستمر، يلزم أن تُمَّون بالخشب الذي يكوَّم فوقها كما نعلم. لا وجود لها ما لم تُشعل، ولا تستمر ما لم  تُخدم بالوقود. على عكس هذا، فإن نار جهنم بينما هي نار تُهلك أبناء الهلاك الذين يلقون فيها جسديًا، لا تُشعل بجهود بشرية، ولا تستمر بإلقاء خشب فيها. ولكنها إذ توجد مرة، تبقى غير قابلة للانطفاء، ولا تحتاج إلى إشعالها، ولا تنقص حرارتها... عدالة القدير إذ سبق فعرفت الأحداث المقبلة، فمن بداية العالم خلقت نار جهنم التي كان يجب أن تبدأ لمعاقبة الأشرار ولن تتوقف حرارتها ولا تحتاج إلى وقود...

قيل بالمرتل: "تجعلهم مثل تنور نار في زمان غضبك. الرب بسخطه يبتلعهم، وتأكلهم النار" (مز 21: 9). هكذا يُظهر الكتاب المقدس أن المفقودين يحترقون داخليًا وخارجيًا. إنه يشهد أنهم يؤكلون بالنار، وفى نفس الوقت يصيرون فرنًا ناريًا، فبالنار يتعذبون في الجسد، وبالحزن يحترقون في الروح.

"إذ يُترك في خيمته، تصير معه في المحنة"، فإذ وضع كل بهجة في الحياة الجسدية "يسكن في خيمة الجسد".

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لماذا لم يدخل (الشيطان) في الطوباويين بطرس ويعقوب ويوحنا أو أحد بقية الرسل؟

 لماذا دخل في يهوذا الإسخريوطي؟

ماذا وجد فيه الشيطان؟

لم يستطع الشيطان أن يقترب من أحد الذين أشرنا إليهم لأن قلوبهم كانت مستقيمة، ومحبتهم للمسيح ثابتة. كان في الخائن مكان للشيطان. المرض الخبيث، الطمع، الذي قال عنه الطوباوي بولس إنه أصل كل الشرور (1 تي 6: 10)، قد سيطر عليه. الشيطان ماكر في عمل الشر. عندما ينال ملكية في نفس إنسان، لا يحاربه برذيلة عامة. بل بالحري يبحث للشخص الذي سيطر عليه عن وسيلة بها يجعله فريسة له[956].

القديس كيرلس الكبير

v  جاء لإبراهيم ثلاثة رجال (تك 18: 1-2) في حرَّ النهار؛ وأما في حالة سدوم فجاء ملاكان في المساء (تك 19: 1). الأمور الصالحة تشَّبه بالنور، والشريرة بالمساء، حتى يشرق شمس البرَّ عليهم (مل 4: 2). فإن عقاب الأشرار هو ليل وظلمة، أما الأبرار فسيضيئون كالنور (أم 4: 18؛ مت 13: 34)[957].

الأب ثيؤدور أسقف المصيصة

v     قال للآخرين: "اذهبوا عني يا ملاعين" (مت 25: 41). لم يقل إنهم يُلعنون بواسطة الآب، لأن الآب لم يلقِ باللعنة عليهم، إنما أعمالهم التي تفعل ذلك. لم يقل أن النار الأبدية معدة لأجلهم وحدهم، بل "لإبليس وملائكته". فإنه بخصوص الملكوت حقيقة عندما قال: "تعالوا رثوا الملكوت"، أضاف لقد أعددته لكم منذ تأسيس العالم (مت 25: 34). أما عن النار لم يقل هذا، بل "المُعدة لإبليس". أنا أعددت لكم الملكوت، أما النار فلم أعدها لكم بل لإبليس وملائكته، لكن أنتم تلقون أنفسكم فيها. أنتم نسبتم إياها لكم[958].

القديس يوحنا الذهبي الفم

السَّمَاوَاتُ تُعْلِنُ إِثْمَهُ،

وَالأَرْضُ تَنْهَضُ عَلَيْهِ [27].

إله السماء الذي يرى الخفيات يعلن عن شرور الأشرار المُصرين على شرهم، وتكتشف الأرض آثامهم وتنتقم منهم. "الأرض تكشف دماءها" (إش 26: 21). فالسماء لا تطيق الإثم، والأرض تنهض ضده، ولا يجد الأشرار لهم موضعًا هنا أو هناك، إنما يستقرون في جهنم.

v     "السماوات تعلن إثمه، والأرض تنهض عليه" [27]. ماذا نفهم بالسماوات سوى الأبرار، والأرض سوى الخطاة؟ هكذا في الصلاة الربانية يُصلى: "لتكن إرادتك على الأرض كما في السماء"، لتعني أن إرادة خالقنا كما تتحقق في الأبرار، ليتها تتحقق في كل الخطاة أيضًا. علاوة على هذا قيل عن الأبرار: "السماوات تعلن مجد الله" (مز 19: 1). وللإنسان عندما أخطأ، أُعلن الحكم: "أنت تراب وإلى تراب تعود". وهكذا عندما يُسحب الإنسان الشرير إلى الدينونة الرهيبة، يُقال: "السماوات تعلن إثمه، والأرض تنهض عليه"، فإن الإنسان الذي لم يشفق هنا على الصالحين أو الأشرار، عند استجوابه الرهيب تشهد عليه حياة الأبرار والخطاة...

لكن يمكن أيضًا أن تشير "الأرض" ليس إلى الحياة الخاطئة المُستنكرة، وإنما إلى أولئك الذين ينهمكون في الأمور الأرضية، وخلال الصدقة وبالدموع ينالون الحياة الأبدية. عن هؤلاء يقول المرتل عندما أُعلن عن الرب أنه قادم للدينونة: "يدعو السماوات من فوق، والأرض على مداينة شعبه" (مز 50: 4). فإنه يدعو السماوات من فوق، حين يترك أولئك كل ما لديهم ويتمسكون بالنزعة نحو الحياة السماوية، يُدعون ليجلسوا معه في الحكم، ويأتوا معه كقضاة...

ليس من أمر ارتكبه الشرير يكون مخفيًا عن بصيرة زمن الدينونة، وإن كان بالحق كثير من الأعمال مخفية الآن عن الخلائق رفقائه خلال الخداع يظهر في يوم الدينونة في النور.

البابا غريغوريوس (الكبير)

إن كانت السماوات تعلن عن إثم الشرير، والأرض تفضحه وتقاومه، لذا يليق بالكنيسة أن تطلب من المؤمنين الهروب من الأشرار المصممين على الشر، وليس عن الخطاة الذين في حاجة إلى من يشهد لإنجيل المغفرة أمامهم.

يبرز القديس كبريانوس ليس فقط ما يحل بالأشرار المقاومين للحق من عقوبات إلهية مشددة، وإنما يطالب أولاد الله باعتزالهم حتى لا يحل غضب الله عليهم. [نجد هذا واضحًا في سفر العدد، عندما ادعى قورح وداثان وإبيرام الحق في تقديم ذبائح مقاومة لهرون الكاهن. فإن الرب يعلم خلال موسى أن الشعب ملتزم باعتزالهم لئلا يرتبطوا بذات إثم المذنبين، ويلوثوا أنفسهم بذات جريمتهم. "فكلم الجماعة قائلاً: اعتزلوا عن خيام هؤلاء القوم البُغاة، ولا تمسوا شيئًا مما لهم لئلا تهلكوا بجميع خطاياهم" (عد 16: 26)[959].]

v     افعلوا ما استطعتم لاستبعاد الشخص الشرير، فإنه ما أن يخرج حتى يسكن المسيح فيكم[960].

العلامة أوريجينوس

v     أنت تحتقر الذهب، آخر يحبه.

أنت تزدري بالثروة، هو يجري وراءها بشغفٍ.

أنت تحب السكون والضعف والحياة السرية الخاصة، أما هو فيجد لذة في الحديث في الساحات العامة بوقاحةٍ كما في الشوارع والمحلات العامة...

لا تكن معه تحت سقفٍ واحدٍ. لا تعتمد على عفتك القديمة. فأنت لست أكثر قداسة من داود ولا أكثر حكمة من سليمان... إن كنت في عملك الكهنوتي تلتزم بزيارة أرملة أو عذراء لا تدخل البيت وحدك. لا تجعل رفقاءك يستخفون بك... لا تجلس بمفردك مع امرأة بطريقة سرية دون شاهد معك. إن كانت تريد أن تكشف عن أمر خاص وسري، لديها مربية أو مدبرة بيت أو عذراء أو بتول أو زوجة. لا يمكن أن تكون بلا أصدقاء سواك حتى تفيض عليك بأسرارها الخاصة[961].

القديس جيروم

تَزُولُ غَلَّةُ بَيْتِهِ  تُهْرَاقُ فِي يَوْمِ غَضَبِهِ [28].

ذريته التي هي غلة بيته تُستأصل، حيث يحل بهم الموت في غير أوانه، أو يضطرون إلى الهروب من بلادهم فيتشتتون ويُستأصلون.

كما تتدفق الثروة على الشرير بسرعة خلال الظلم والخداع، تتبدد أيضًا بذات السرعة عندما يحل الغضب الإلهي عليه.

v     عندما يُعلن غضب الديان، يُسلم (الشرير) إلى نيران الغضب، يُنزع من رؤية (الديان). لأن ذاك الذي في الحياة لم يرد أن يرتفع بفكره إلى العلويات، إذ تحدره خطاياه إلى أسفل، سيسقط من أمام وجه الديان في أعماق العقوبة. أما الآن فإن الديان يرى ويحتمل الخاطي في خطاياه، لأنه يوم اللين، وليس يوم الغضب، لأنه ينتظر مترقبًا هداية كل أحدٍ. الآن يوم اللين، وإذ يبقى المرائي جامدًا دون تحرك، ممارسًا شرورًا كثيرة غير مؤدب بجلدات، فسيُطرد في يوم الغضب ، حيث يُحمل إلى عقوبة النقمة؛ يُقطع من وجه الديان الأبدي.

البابا غريغوريوس (الكبير)

هَذَا نَصِيبُ الإِنْسَانِ الشِّرِّيرِ مِنْ عِنْدِ اللهِ،

وَمِيرَاثُ أَمْرِهِ مِنَ الْقَدِيرِ [29].

ما يجمعه الشرير لنفسه ليس الثروة التي اقتناها إلى حين، بل الغضب الذي يحل عليه. هذا هو نصيبه الدائم، وميراثه الأبدي في نار جهنم.

هذا هو خطاب صوفر، وقد حمل شيئًا من الحق، لكنه كان مخطئًا إذ ظن أن هذا كله يلزم أن يحل على كل شريرٍ وهو في هذا العالم. وأن كل من تحل به ضيقة في هذه الحياة يكون ذلك إشارة إلى شر الساقط تحتها.

قدم صوفر تفسيرًا سليمًا لعمل الشر في حياة الشرير، لكنه أخطأ في تطبيق هذه العقيدة، كما لم يقدم الفكر خالصًا، إنما يشوبه الميل الشرير نحو أيوب ومحاولة تأكيد أنه مراءٍ.

حقًا الشر مرهب والخطية خاطئة جدًا، لكن ليس لنا أن نحكم وندين الغير حسب نظرتنا البشرية.

v     لو أنه حين كان في هذه الحياة اهتم أن يعمل باستقامة، لكان نصيبه الشركة مع الرب في ملكوت السماوات. لكنه إذ اختار أن يخضع للشهوات الشريرة فإن نصيبه من الرب أن يوجد في عذابٍ، إذ لم يطلب أن ينال شركة في نعمة هذا الرب...

الآن لا يشتهي القديسون أن ينالوا نصيبًا من الرب، بل ينالوا الرب نفسه نصيبًا لهم. لهذا يصلى النبي قائلاً: "نصيبي الله إلى الدهر" (مز 73: 26).

أما الشرير فإذ لم يسعَ ليكون الرب نفسه نصيبه، يجد النار نصيبه لا الرب. وإذ يُنزع من وجه الله، لأنه لم يطلب أن يجد فرحًا فيه، يُعذب وهو غير جدير بالله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     أولئك الذين يرضون بالإثم لا يكون لهم نصيب بين الخالدين[962].

القديس أنطونيوس الكبير

v     لنرَ بعد ذلك ماذا يوصينا الله أن نفعل، فهو يقول: "أعطوا الرب إلهكم مجدًا قبل أن يجعل ظلامًا، وقبلما تعثر أرجلكم علي الجبال العتمة، فتنظرون نورًا" (إر 13: 15). فهو يريد أن من يعطي الرب مجدًا، يعطيه مجدًا في وجود النور، لأن مجد الرب لا يمكن أن يُعلن حينما يأتي الظلام. فمتي إذًا يأتي الظلام، ومتي لا يأتي؟ "اعملوا مادام النور فيكم". فإن النور في الواقع هو موجود فيك، طالما تحمل في داخلك السيد المسيح الذي قال عن نفسه: "أنا هو نور العالم". وطالما هذا النور موجود فيك أعطِ إذًا مجدًا للرب؛ ولكن اعلم إن الظلام يمكن أن يأتي، فلا يجب أن تنتظر وقوع هذا الظلام، بل أعطِ مجدًا للرب قبل مجيئه.

v     ربما يمكننا أن نفهم بوضوح هذا الموضوع إذا استعنا بكلام السيد المسيح: "اعملوا مادام نهار. يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل"؛ فهو يقصد بالنهار وقتنا الحاضر، وبالظلام والليل، انتهاء العالم وفنائه بسبب عقاب الأشرار. ويقول عاموس النبي: "ويل للذين يشتهون يوم الرب. لماذا لكم يوم الرب. هو ظلام لا نور" (عا 5: 18). فإذا عرفت كم سيكون الحزن والشقاء عند هلاك العالم، سيصيب الحزن تقريبًا معظم الجنس البشري الذين يُعَاقَبون علي خطاياهم، وعندئذ ستعرف أن الجو سيصبح معتمًا ومظلمًا بحيث لا يستطيع أحد أن يمجد الله، لأنه حتى الأبرار أوصاهم الله قائلاً: "اذهب يا شعبي. ادخل إلي بيتك، واغلق عليك بابك، اختبئ قليلاً أو كثيرًا حتى ينتهي حمو غضبي"[963].

v     كما أن ما أعده الله للذين يحبونه، يفوق العقل، كذلك أيضًا ما أعده من عذابات للأشرار، يفوق العقل[964].

v     كل واحدٍ منا يجلب على نفسه عقوبة عن خطية، حجم العقوبة حسب نوع المعصية وطبيعتها... محصل الديون قادم ليتمم عمله، وأنا أقاومه. إنني أعرف أنه إذا كنت غير مدينًا بالمرة، ليس له سلطان عليَّ. إن كان عليَّ دين فسيرسلني محصل الديون إلى السجن[965].

العلامة أوريجينوس


 

من وحي أيوب 20

صوتك يقطع لهيب شروري!

 

v     نفسي تئن في داخلي:

من يقدر أن يطفئ لهيب شروري، ومن يسكب مياه برّك في داخلي صوتك الحلو!

 

v     منذ سقوط آدم تعلمنا أنه لابد من اقتلاع شجرة الشر، لكي تُغرس فينا شجرة برِّك.

ليُقتلع هيكل إبليس برجاساته،  لكي تقيم بروحك القدوس فينا هيكلك المقدس.

لتقطع وتهلك وتنقض ما هو ليس لك فيّ،  وتغرس وتنشئ ما هو لك،

فأصير جنتك المقدسة، وهيكلك المقدس.

 

v     لتهدم يا رب كل بناءٍ غريبٍ أبرص، ولتُنقض حجارته، وتُطرح خارجًا.

لا يبقى في داخلي حجر دنس، لأني مدينتك المقدسة.

لتنزع من قلبي كل شوكٍ و تغرس فيّ جنتك، فأصير كرمك المحبوب إليك جدًا.

أقدم لك مما لك، من ثمر روحك القدوس.

لكي ما تدعو أصحابك السمائيين، قائلاً:

"كلوا أيها الأصحاب، اشربوا واسكروا أيها الأحباء" (نش 5: 1).

تعال أيها الرب يسوع، ولتسكن في أعماقي حيث جنتك المفرحة، وهيكل قدسك!

 

v     أنا أعلم أن عدو الخير يقدم مباهج وملذات،  لكنها مملوءة سمًا.

أفراح رئيس هذا العالم لن تدوم!

الآلام التي نتقبلها بشكرٍ من يديك، أعذب من كل ملذات العالم!

 

v     خطاياي تحطمني! تارة في كبرياء لا أبالي بما أفعله،

وأخرى في إحباطٍ، فيملك اليأس على كل كياني.

أنا أعلم أن خطاياي خلقت عداوة مع كلمتك ووصيتك.

لكن كلمتك في عذوبة حبها تؤدب، لا لتهلكني، بل لتردني إليك، فأتمتع بخلاصك!

 

v     شروري حطمت كل صلاحٍ فيّ، فاحت رائحتها الدنسة في داخلي!

أعيش كما في حلمٍ، كل ما تقدمه لي شروري من ملذات يزول،

استيقظ لأجد نفسي قد جمعت ريحًا، وتمسكت بظلٍ وخيالٍ!

شروري تنزع عني سلامي، لأنه لا سلام لي إلا في أحضانك الإلهية.

شروري أفسدت  نفسي، أكثر مما يفعله الدود بجسدي.

 

v     لماذا اكتنز شروري ككنزٍ ثمينٍ، لماذا أخفيها كمن يشفق عليها؟

وهي علة هلاكي الأبدي؟

تبث سمومها في أحشائي، وتكنز لي مرارة أبدية!

 

v     صارت لي شروري طعامًا قاتلاً، عوض التمتع بالمن السماوي،

جسدك ودمك واهبين الحياة الأبدية.

شروري نزعت عني عذوبة الحياة الحقيقية.

لأرجع إليك يا غافر الخطايا، فأتمتع بك، فأنت هو الحياة.

تردني، لا إلى جنة عدن ولا إلى أرض الوعد، لكن إلى الأحضان الإلهية.

فأشبع من عذوبة حبك. وأتهلل بالوحدة مع السمائيين!

 

v     أنت هو الحب كله. تشتهي خلاص الكل، لكن شروري هي التي تدينني!

أنت أعظم من كل شرٍ.

أنت تهبني برَّك، فأعيش معك. أحيا لك ومعك.

ألتقي بك على السحاب، وأتمتع بالمجد الذي أعددته لي منذ تأسيس العالم.

<<


 

اَلأَصْحَاحُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ

رخاء الأشرار في هذا العالم

الآن وقد قدم كل من أصدقاء أيوب الثلاثة حججهم ضده، كل في دوره، يجيب أيوب على الخطاب الثاني لصوفر. وفى رده لم يعد يحمل ذات الانفعال القديم، إنما عالج في موضوعية حال الأشرار في هذا العالم: هل هم دائمًا في حالة بؤسٍ وشقاء؟ وهل التجارب علامة قاطعة على شر من يسقط تحتها؟

توسل أيوب إلى أصحابه أن يصغوا إلى كلامه ولا يقاطعوه، وأن يعتبروا هذا الإصغاء تعزيتهم له. بالمقابل سوف يصغي إليهم ولن يقاطعهم عندما يأتي دورهم في الكلام.

بعد ذلك يعلن لهم أن شكواه ليست مقدمة إلى إنسانٍ، وإنما إلى الله ليكون هو القاضي بينه وبين أصحابه.

في صراحةٍ يشعر أيوب بصعوبة عندما يبحث عن سرّ نجاح الأشرار. إنهم يبيتون في رخاء ونعيم، بيوتهم آمنة، ومواشيهم وقطعانهم تزداد، وأولادهم يرون أيامًا سعيدةً، ويموتون بهدوءٍ دون أن يتألموا من مرضٍ مثل أيوب. يرفضون الله، ومع ذلك ينجحون، بل ويأتي نجاحهم من الله. مع هذا يرفض أيوب مبادئ الأشرار ويقول: "لتُبعد عني مشورة الأشرار" [16].

أخيرًا يقوم أيوب بهدم أساس انتقاداتهم العنيفة له، إذ يبين إن هلاك الأشرار محفوظ للعالم الآخر، وأنهم كثيرًا ما ينجون حتى نهاية هذا العالم [27-34].

1. حديث رقيق لأصدقائه             1-5.

2. رخاء الأشرار                     6-13.

3. إساءة الأشرار للخيرات                    14-16.

4. طول أناة الله عليهم               17-21.

5. الأشرار والعناية الإلهية                    22-26.

6. الأشرار والهلاك الأبدي                    27-34.

1. حديث رقيق لأصدقائه

فَقَالَ أَيُّوبُ: [1]

 اِسْمَعُوا قَوْلِي سَمْعًا،

وَلْيَكُنْ هَذَا تَعْزِيَتَكُمْ [2].

يتوسل أيوب إلى أصحابه أن يسمعوا له بروح المحبة، وأن يضعوا في ذهنهم أن يدركوا مقاصده عوض الحكم عليه بتسرعٍ. يتكلم الآن بلغة الصداقة والهدوء، معتبرًا أن تعزيتهم له في وسط آلامه هي إنصاتهم له بروح طيبة. ولعله يقصد أيضًا أنهم إذ يستمعون له هكذا يستريح هو فيتعزون، وبتعزيته يتعزون هم ويستريحون. وكأن إنصاتهم هذا له منفعة مزدوجة له ولهم.

حقًا الإنصات إلى كلمات المتألمين فيه نفع للطرفين. فمن جانب يشعر المتألم بحنو اخوته ومشاركتهم له، ولو بمجرد الإنصات. ومن جانب آخر إذ يستريح المتألم يتعزَّى إخوته لراحته ولو إلى درجات معينة.

ويرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الكنيسة المتألمة – في شخص أيوب - تدعو الهراطقة وأهل العالم أن يسمعوا لأقوالها، فإنها قادرة بمسيحها المصلوب أن تقدم لهم خلال الآلام بشكرٍ تعزيات إلهية فائقة. يوجه القديس بولس أنظار المتألمين إلى صليب رب المجد يسوع، لا ليمتلئوا بالتعزية فحسب، وإنما يصيرون مصدر تعزية للآخرين. يقول: "الذي يعزينا في كل ضيقتنا، حتى نستطيع أن نعزي الذين هم في كل ضيقة بالتعزية التي  نتعزَّى بها من الله" (2 كو 1: 4)، وأيضًا: "كما أنتم شركاء في الآلام، هكذا في التعزية أيضًا" (2 كو 1: 7).

تتمثل الكنيسة المتألمة بمسيحنا المصلوب، إذ قد تألم مجرَبًا يقدر أن يعين المُجرَّبين (عب 2: 18). ونحن إذ نثبت فيه نتمتع بشركة آلامه، فنُصلب معه، لنصير به مصدر تعزيات لا تتوقف.

v     يفرح بولس في آلامه، إذ يرى الثمار العجيبة التي تجلبها الآلام في الشعب مثل مسيحيي كورنثوس[966].

القديس يوحنا الذهبي الفم

اِحْتَمِلُونِي وَأَنَا أَتَكَلَّمُ،

وَبَعْدَ كَلاَمِي اسْتَهْزِئُوا! [3]

سألهم ألا يقاطعوه في كلامه وأن يحتملوا حديثه، عندئذ إن أرادوا فليسخروا به كما يريدون. يقول هذا أملاً في أن إنصاتهم بنية صادقة يجعلهم يقبلون كلماته، ويقتنعون بحججه، فيغيرون لهجتهم.

لم يكن يشغل ذهن أيوب سخرية أصدقائه به، لكن ما يشغله أن يسمعوا له، ويحتملوا كلماته لأجل خلاصهم وبنيانهم وتعزيتهم. هكذا لا يشغل الكنيسة كرامتها الزمنية، ولا تبرير نفسها، وإنما ما يشغلها هو خلاص كل نفسٍ، حتى بالنسبة لمقاوميها ومضطهديها. فإن المحبة لا تطلب ما لنفسها، بل ما هو للغير.

v     واضح أنه عندما ينصح أحد آخر وفي نفس الوقت يتألم أكثر من الذي يوبخه، يفعل هذا لا ليسبب حزنًا للغير، بل يقدم محبة عميقة له. بينما من ينتهر آخر بغير هذا الشعور فإنه في الواقع يطأ بقدميه على مشاعر أخيه[967].

الأب أمبروسياستر

v     هنا (2 كو 1:4) يُظهر بولس أنه يتألم ليس بأقل من أولئك الذين أخطأوا، بل أكثر منهم. إنه يصعب عليه جدًا أن يحتمل آلام خطأ أهل كورنثوس الذي لحق به[968].

القديس يوحنا الذهبي الفم

سمة الكنيسة كعريسها هي الحب الصادق العملي، حيث تشتهي إن أمكن أن يتمتع العالم كله بشركة المجد الأبدي.

لا تستطيع سخرية الناس أن تحطم المؤمن أو تؤذي الساخرين أنفسهم، ومع هذا فبروح التواضع يتكلم أيوب، سائلاً إياهم أن يحتملوه، لكي يكسبهم لله، فيرجعوا عن أذية أنفسهم.

لقد احتمل المرتل سخرية المتكبرين، هذه التي لم تستطع أن تهزّ أعماقه فيحيد عن شريعة الله، إذ يقول: "المتكبرون استهزأوا بي إلى الغاية، عن شريعتك لم أمل" (مز 119: 51). تصرخ الحكمة قائلة: "إلى متى أيها الجهال تحبون الجهل؟ والمستهزئون يسرون بالاستهزاء؟ والحمقى يبغضون العلم؟" (أم 1: 22). فضمَّت الجهلاء مع المستهزئين والحمقى في فئة واحدة، إذ جميعهم يقتنون لأنفسهم الدمار. هذا ويؤكد الحكيم: "إن كنت حكيمًا فأنت حكيم لنفسك، وإن استهزأت فأنت وحدك تتحمل" (أم 9: 12).

والعجيب أنه في وسط ثورتهم عليه يتكلم بروح الوداعة والتواضع، متوسلاً إليهم أن يحتملوا كلماته، فمن جانبه سيقبل كل سخرية تُوجه إليه، لكن لأجل نفع الطرفين يسألهم التزام الهدوء.

v     كأنه يقول: "احسبوني شريرًا. لكنني لم أنتفع شيئًا من هذه الملاحظات، وأنا أعلم أنكم تسخرون بي. على أي الأحوال، لا استسلم". يقول: "لماذا؟ هل يسخر بي إنسان؟" هذا معناه أنه لا يقدر إنسان أن ينتهرني، فإنني لست أصارع مع إنسانٍ!

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن توسل أيوب أمام أصحابه باحتمال كلماته إنما لأنه وهو يتكلم ينطق بما هو لنفعه كما لنفعهم لكنّهم إن أرادوا. إنه لا يتكلم من كرسي المعلم، لكن من وسط المزبلة، لعله يجد نفعًا له وهو يتكلم بروحٍ هادئة في جو من الهدوء!

v     عندما ينطق الصالحون يلاحظون أمرين في حديثهم: أن يكون الحديث لنفعهم هم ولسامعيهم أو لنفعهم وحدهم إن لم يكن ممكنًا أن يكون لنفع السامعين. عندما تُسمع الأمور الصالحة التي ينطقون بها بهدفٍ صالحٍ، ينتفعون بها هم وسامعوهم، ولكن إن سخر بهم سامعوهم ينتفعون هم بها لأنهم تجنبوا خطية الصمت (على الخطأ)... وهكذا إن كان أصدقاؤه يرغبون في التعليم فليسمعوا، وإن كانوا مستعدين للسخرية فليحتملوا ما يُقال، فإن التعليم المقدم في تواضعٍ لذهنٍ متكبرٍ له وزنه الخطير والشاق.

v     يقول: "أسالكم"، مظهرًا كيف يتكلم بتواضٍع، إذ يتوسل إلى أشخاصٍ يبتلعهم الكبرياء ضده، وذلك لكي يردهم إلى التفكير في تعليم الحق المُنقذ. القديسون الذين في حظيرة الكنيسة الجامعة مستعدون ليس فقط لتعليم ما هو حق، بل وأن يحتملوا ما يُمارس ضدهم ولا يخشون السخرية بهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     التواضع يجذب نعمة الله إلى النفس... وهذه تعتقها من هذين الألمين الخطيرين (الغضب على الغير أو غضب الغير علينا)، لأنه أي شيء أخطر من أن تغضب من أخيك أو تُغضبه؟! ولكن ماذا أقول: هل التواضع يحرر النفس من هذين الألمين فقط؟ لا بل ويحررها من كل ألمٍ (شهوة) وكل تجربةٍ.

عندما رأي القديس أنطونيوس شباك الشيطان منصوبة، تنهد وسأل الله قائلاً: "من يقدر أن يهرب منها؟" فأجابه الله: "المتواضع يهرب منها... بل ولا تقدر أن تقترب إليه".

 أرأيت قوة هذه الفضيلة؟! حقًا إنه لا يوجد أعظم من التواضع، لأنه لا يوجد شيء يقدر أن يغلبه. فإن حلّت بعض الأحزان بإنسانٍ متواضعٍ، للحال يلوم نفسه على أنه يستحقها، ولا يلوم غيره أو يوبخه. وهكذا فإنه يحتمل كل ما قد يحدق به بهدوءٍ كاملٍ، دون أن يضطرب أو يحزن. بهذا لا يغضب من أحدٍ ولا يُغضب أحدًا.

الأب دوروثيؤس

إن كان أيوب لم يشغله أن يسخروا منه، قائلاً: "وبعد كلامي استهزئوا"، فإن الرسول بولس رأى سيده قد قبل السخرية والاستهزاء بفرحٍ من أجل خلاص العالم (لو 23: 35؛ عب 13: 13). كما يقول عن موسى النبي: "بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يُدعى ابن ابنة فرعون... حاسبًا عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر" (عب 11: 24، 26). ويتحدث عن الرسل: "كأننا محكوم علينا بالموت، لأننا صرنا منظرًا للعالم، للملائكة والناس" (1 كو 4: 9). "يُفترى علينا فنعظ، صرنا كأقذار العالم ووسخ كل شيءٍ إلى الآن" (1 كو 4: 13).

v     يأمرنا المسيح أن نحتمل الإهانات بوداعة، لكي ننمو في الفضيلة، ونجعل المقاومين في خزي (مت 5: 10-12). هذا الأمر يتحقق لا بتوبيخنا لهم، بل بالصمت[969].

v     يقول بولس إن النقطة الرئيسية ليس أنه هو وزملاءه الرسل يتألمون، فإن هذا أمر عام بالنسبة للكل. لكن ما هو مزيد في الرسل أنهم يتألمون بلا يأسٍ ولا غضبٍ، بل على العكس هم مملوءون فرحًا، بهذا يؤكدون أن الشرور التي تحل بهم تتحول للخير[970].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     الذين يحبون المسيح ليسوا جهالاً كما يظنهم العالم (1 كو 4: 10)[971].

الأب أمبروسباستر

أَمَّا أَنَا فَهَلْ شَكْوَايَ مِنْ إِنْسَانٍ.

وَإِنْ كَانَتْ، فَلِمَاذَا لاَ تَضِيقُ رُوحِي؟ [4]

يؤكد لهم أنه لا يقدم شكواه إلى إنسانٍ، لأن هذا غير مُجْدٍ. إنما يقدم شكواه لله، وإليه يستأنف الحكم. هو القاضي والديان، فاحص القلوب والكُلى، أمامه يقف كل بشرٍ على قدم المساواة، ينصت إلى الجميع، ويهتم بالكل.

يؤكد لهم لو أن شكواه مقدمة لإنسانٍ لانزعجت روحه في داخله، لأن الإنسان قد لا يبالي بأخيه، ولا يدرك ما في قلبه ونيته، فيصدر حكمًا غير عادلٍ. أما الله فطويل الأناة يسمع للإنسان، ويعامله بحنوٍ. فإلى الله يرفع المؤمن شكواه لا للنقمة من مقاوميه، وإنما لكي يرضي الله لا الناس. يقول داود النبي: "لتكن أقوال فمي وفكر قلبي مرضية أمامك يا رب، صخرتي ووليي" (مز 19: 14). ويقول الرسول بولس: أفأستعطف الآن الناس أم الله، أم أطلب أن أرضي الناس، فلو كنت بعد ارضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح" (غل 1: 10).

v     "أفأستعطف الآن الناس أم الله؟... فلو كنت بعد أُرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح" (غل 1: 10)... ليتنا لا نظن أن الرسول يعلمنا خلال الاقتداء به الاستخفاف بأحكام الآخرين... لكن إن حدث أنه يمكننا إرضاء الآخرين والله، فلنرضي الآخرين... لكن بقوله: "الآن" أدرجت بصفة خاصة هنا ليُظهر أن الناس يرضون أو لا يرضون حسب الظروف (وليس حسب الحق)[972].

القديس جيروم

v     عندما يرضي أحد الآخرين من أجل الحق، فإنه الذي يُرضى هو الحق لا الذي أعلنه[973].

القديس أغسطينوس

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن في عتابه لأصدقائه بأن الحوار معهم أحزن قلبه، فضاقت روحه، اعتراف ضمني بضعفه البشري. فمن يركز عينيه على الله لا يمكن للحزن أن يتسلل إلى قلبه، ولا الضيق إلى روحه. فالله مصدر الفرح يرفع القلب إلى ما فوق الأحزان أيَّا كان مصدرها، ويهب الروح اتساعًا.

v     من يطلب أن يسر الله لا يكون لاستياء الإنسان منه أي أساس لحزنه. فإن كان في إرضاء الإنسان لا يرضي الله، أو يظن أنه لا يرضي كلاً من الله والإنسان معًا، فإن الحزن لا يحل عليه، لأنه قد أكد أنه غريب عن سمو الحكمة. الآن فإن الطوباوي أيوب يعترف أنه لم يرضِ الله في وسط ضرباته، ولهذا عاد بعقله إلى الحزن.

البابا غريغوريوس (الكبير)

تَفَرَّسُوا فِيَّ وَتَعَجَّبُوا،

وَضَعُوا الْيَدَ عَلَى الْفَمِ [5].

كلما كان أيوب يفكر في قضيته يقف في ذهولٍ ورعدةٍ. كلما تذكر الأحداث المتوالية بسرعة غير طبيعية، والضربات التي حلَّت به من كل جانب تنتابه رعدة. إنه حائر، غير قادر على تفسير ما حلّ به.

v     تأملوا فيما أفعله، وتعجبوا مما أعانيه من الضربات. بعد ذلك يقول: "وضعوا أصبعكم على فمكم". وكأنه يقول بصراحة: إذ تعلمون الأمور الصالحة التي أمارسها، وتنظرون الآلام التي أسقط تحتها، تحفَّظوا من أن تخطئوا بالكلمات، بسبب ضرباتي، لكن لتخشوا من جراحاتكم... يليق الحذر بالأصابع. لذلك قيل بالمرتل: "مبارك الرب إلهي الذي يعلم يديّ القتال، وأصابعي الحرب" (مز 144: 1). يشير بالأيدي إلى العمل وبالأصابع إلى التعقل.

البابا غريغوريوس (الكبير)

تطالب الكنيسة أهل العالم أن يتفرَّسوا فيها، فلا يحكموا عليها بتسرُّعٍ، بل يلزمهم أن يفكروا في روية وتعقُّلٍ. يرون وراء ضيق الكنيسة الشديد والاضطهادات المنصبًّة عليها سلام الله الفائق الذي يملأ كيانها، وخطة الله العجيبة من نحوها، وعمل الله خلال آلامها لتحقيق رسالتها وشهادتها لإنجيله المفرح. تطالب الكنيسة الذين في الخارج أن يضعوا أياديهم على أفواههم في تعجبٍ أمام الحقيقة المُدهشة: عمل الله الفائق في كنيسته المتألمة.

v     يقول بولس: إذ أُسر بهذه الجراحات "أحمل في جسدي سمات المسيح" (راجع غل 6: 17). لقد خضع بطيب خاطرٍ لضعفاته في كل هذه المتاعب، حيث تكمل قوة المسيح في الفضيلة (راجع 2 كو 4: 10؛ 12: 9)[974].

القديس غريغوريوس النيسي

v     جميلة هي قيود بولس![975]

v     لقد تألم من أجل أعدائه. هذه هي التقدمة ذات الرائحة الزكية، الذبيحة المقبولة. وأنتم إن تألمتم من أجل أعدائكم كتقدمة زكية تصيرون ذبيحة مقبولة، حتى إن متُّم. هذا ما يعنيه بقوله تمثلوا بالله (أف 5: 1)[976].

القديس يوحنا الذهبي الفم

أفاض الآباء في الحديث عن عمل احتمال الآلام والإهانات والسخرية بفرحٍ، ليس فقط في حياة المتألم، وإنما أيضًا في حياة الساخرين أنفسهم. وقد طبَّق القديس يوحنا الذهبي الفم ذلك على علاقة الرجل بزوجته متى كانت تسبب له آلامًا، إذ يقول: [حتى إن التزم الأمر أن تقدم حياتك لأجلها فلا ترفض ذلك. وإن التزم الأمر أن تحل بك متاعب لا حصر لها من أجلها، وتعاني كل أنواع الآلام والمتاعب، لا ترفض. فإنك وإن احتملت كل هذا لاتزال لم تفعل ما صنعه المسيح لأجل الكنيسة... وإن رأيتها تتطلع إليك باستخفافٍ، دائمة الشكوى مع احتقارها لك فإنك تستطيع أن تكسبها بحبك العظيم وحنوَّك عليها[977].]

2. رخاء الأشرار

عندما أتذكر ارتاع،

وأخذ جسدي رعدة [6].

لِمَاذَا تَحْيَا الأَشْرَارُ وَيَشِيخُون؟

نَعَمْ وَيَتَجَبَّرُونَ قُوَّةً [7].

أفاض الأصدقاء الثلاثة في الحديث عما يحل بالأشرار من نكبات وبؤس، أما أيوب فيدهش وينتاب جسده رعدة لما يراه أحيانًا من تمتع الأشرار بالخيرات حتى بلوغهم الشيخوخة، ولما ينالونه من قوة وسلطة وهم في تجبرٍ وقسوةٍ على الغير.

لا ينكر أيوب حدوث هذا مع الأشرار أحيانًا. إنهم يحيون وهم سالمون (1 صم 25: 6)، بل وتمتد حياتهم حتى الشيخوخة، ويصير لهم أبناء وأحفاد، ويجمعون ثروات ضخمة، فنسمع في سفر إشعياء "الخاطئ يُلعن ابن مئة سنة" (إش 65: 20). ليس فقط قد تمتد أعمارهم إلى الشيخوخة، وإنما "يتجبرون قوة"، أي يرتفعون إلى مناصب السلطة والرئاسة.

يسيء بعض الأشرار فهم طول أناة الله عليهم، ويحذرنا الكتاب المقدس من ذلك: "لا تقل قد أخطأت فأي سوء أصابني؟ فإن الرب طويل الأناة" (سيراخ 5: 4). "أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة" (رو  2 :  4).

v     إن كنا لا نسقط تحت تأديب ولازلنا مستمرين في سلوكنا ذاته، فلنستخدم كلمة الرسول التي تسحرنا: "إن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة، ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب" (رو 2: 4-5)[978].

v     "غير عالمٍ أنَّ لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة، ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب" (رو 2: 4-5). إن قلبك قد تقسَّى مثل قلب فرعون، لأن عقوبتك قد تأجلت، ولم تُضرب في الحال! أُرسلت الضربات العشرة على فرعون ليس كما من الله الغضوب، وإنما كما من أبٍ يحذر، وقد طال يوم الحنو عليه حتى رجع عن توبته (بعد كل ضربة). لكن حلّ به القصاص عندما اقتفى أثر الشعب في البرية، وفي حماسه دخل أيضًا البحر نفسه وراءهم. فكان هذا الطريق الذي به يتعلم الدرس أنه كان يلزم أن يهاب الله الذي تطيعه حتى عناصر الطبيعة[979].

القديس جيروم

يستخدم القديس جيروم هذه العبارة (رو 2: 4) في الرد على أتباع بيلاجيوس ليؤكد تقديس الله واهتمامه بحرية الإرادة الإنسانية، فمع سبق معرفة الله عن الشرير الذي يستهين بطول أناته ولطفه، لكنّه يقدم له الحنو العظيم والرحمة في طول أناة يعطيه الفرصة للتوبة، فإذ يستهين الشرير بذلك لا يكون السبب هو معرفة الله السابقة لاستهانته، وإنما إصرار الشرير على شره[980].

يطالبنا القديس أمبروسيوس ألاَّ نحكم على البشر حسب الخيرات المقدمة لهم من قبل مراحم الله الذي بالحق يعتني بالكل؛ لأن هذا لا يعني أن الله لا يبالي بتصرفاتهم، أو أنه يجهل ما يفعلونه سرًا، أو لا يدرك ما في ضمائرهم، لكن ما يؤكد أنه مع فيض الخيرات التي توهب للأشرار إلاَّ أنهم بائسون لا يعرفون السعادة[981].

نَسْلُهُمْ قَائِمٌ أَمَامَهُمْ مَعَهُمْ،

وَذُرِّيَّتُهُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [8].

يشير أيوب إلى بعض الخطاة الذين يتمتعون برؤية نسلهم المتكاثر.

كثيرًا ما ينشغل المؤمنون وأيضًا حتى غير المؤمنين بالتساؤل: لماذا يسمح الله للأشرار بالصحة وطول العمر والغنى، وأيضًا التمتع بالسلطة والمراكز القيادية. هذا مع تمتعهم برؤية نسلهم يشاركونهم كل هذه البركات الزمنية. فإن الإنسان بسبب قصر حياته يظن أن عدالة الله يلزم أن تتحقق في هذا العالم، ويصعب عليه أن ينتظر يوم الرب العظيم ليرى تحقيق العدالة الإلهية. هذا وأنه يصعب للفكر البشري أن يتقبل طول أناة الله الفائقة، الذي ينتظر رجوع الأشرار عن شرورهم والعودة إلى الأحضان الإلهية.

v     يقدم أيوب إعلانه هذا لأصدقائه: "إن كنت أعاني من هذا الطريق بسبب خطاياي، فلماذا يحيا الأشرار؟ إنهم يشيخون في غنى أيضًا، نسلهم حسب مسرتهم، ذريتهم أمام أعينهم، بيوتهم في رخاءٍ، ليس فيهم خوف، لا تسقط عليهم عصا الله"[982].

القديس أمبروسيوس

بُيُوتُهُمْ آمِنَةٌ مِنَ الْخَوْفِ،

وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ عَصَا اللهِ [9].

إن كان صوفر قد أشار إلى مخاوف الخطاة المستمرة وانزعاجهم الدائم، إلاَّ أن أيوب يشير إلى بعض الخطاة الذين يحظون ببيوتٍ آمنة من المخاطر والمخاوف، والذين لا يمد الله عصاه عليهم.

إذ تنشغل قلوب الأشرار بالبيوت المصنوعة من الطين والحجارة، وما تضمه من أثاثات، وما يُحفظ فيها من كنوزٍ، يعطيهم الرب سؤل قلوبهم، فيهبهم السلام الزمني المؤقت، ولا يقترب أحد إلى ممتلكاتهم وكنوزهم. أما الأبرار فإن ما يشغلهم البيت السماوي والمساكن العلوية، فيعطيهم الرب أيضًا سؤل قلوبهم. الأولون ينالون بفيضٍ من البركات الزمنية والأمان الوقتي، بينما الآخرون ينالون ميراثًا أبديًا لا يفسد ولا يفنى، ومجدًا سماويًا خالدًا. إنهم يتهللون، إذ يسمعون الصوت الإلهي: "أنا أمضي لأُعد لكم مكانًا، وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا آتي وآخذكم إليَّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا معي" (يو 14: 2-3). لهذا يقول المرتل: "يعطيـك (الرب) سؤل قلبك" (مز 37: 4). "شهوة قلبه أعطيته، وملتمس شفتيه لم تمنعه سلاه" (مز 21: 2).

ثَوْرُهُمْ يُلْقِحُ وَلاَ يُخْطِئُ،

بَقَرَتُهُمْ تُنْتِجُ وَلاَ تُسْقِطُ [10].

بعض الخطاة أغنياء ومقتنياتهم في تزايد، حتى ثيرانهم تنجح في تلقيح البقر لكي تحبل وتلد بكثرة، وحيواناتهم تتكاثر ولا تموت سريعًا بأمراضٍ مفاجئةٍ.

شهوة قلب الشرير أن تلد حيواناته الكثير، ولا يكون بينها سقط واحد. أما أولاد الله فشهوة قلوبهم أن يتمتعوا بأبناء كثيرين في الرب، ولا يكون بينهم أحد هالكًا. إنهم يترقبون يوم الرب ليترنموا: "هأنذا والأولاد الذين أعطانيهم الرب" (إش 8: 18).

أولاد الله ليس بينهم عقيم، بل الكل متائم، أي يلد كثيرين. ففي خطاب الرسول بطرس يوم العنصرة اِنضم إلى الكنيسة حوالي ثلاثة آلاف قبلوا الإيمان، وقدموا توبة، وتمتعوا بالميلاد الجديد بالمعمودية. ففي يوم واحد صار لبطرس الرسول آلاف من الأبناء ولدهم بإنجيل المسيح. وماذا نقول عن الرسول بولس الذي يكاد كل يوم أن يضم كثيرين إلى حظيرة الإيمان خلال كرازته بالقلب الناري الملتهب. إنه لا يكف عن أن يلد حتى وسط القيود، فيقول عن العبد الهارب اللص أنسيموس: "ولدته في قيودي" (فل 10).

إن كانت الحيوانات في الكتاب المقدس غالبًا ما تشير إلي الجسد، فإن ما يشغل أهل العالم هو الأمور الجسدية لا الروحية.

ينشغل الشرير بولادة الحيوانات، وينشغل المؤمن الحقيقي بميلاد البشر الروحي ليصيروا أبناء الله القدوس، حتى وإن كانت التكلفة هي القيود والسجن أو الموت.

v     كان أنسيموس يستحق كرامة عظيمة، إذ وُلد في صراعات بولس نفسها، في محنة من أجل المسيح[983].

v     لاحظوا التهاب قلب بولس. لقد كرز بالإنجيل وهو مقيد وتحت الجلد. آه، يا لطوباوية القيود، كيف تعمل بجهدٍ عظيمٍ في تلك الليلة، وكيف ولدت أبناء! حقًا يقول عنهم: "قد ولدْتُهم في قيودي".

لاحظوا كيف يتمجد بولس! قد صار له أبناء خلال هذا الطريق يُحسبون في شهرة عظيمة.

يا لمجد هذه القيود التي لا يُعبر عنها، إذ تهب بهاءً ليس فقط للذين ولدهم، بل وللذين وُلدوا بواسطته في هذه الظروف[984].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يُسْرِحُونَ مِثْلَ الْغَنَمِ رُضَّعَهُمْ،

وَأَطْفَالُهُمْ تَرْقُصُ [11].

يَحْمِلُونَ الدُّفَّ وَالْعُودَ،

وَيُطْرِبُونَ بِصَوْتِ الْمِزْمَارِ [12].

يحيون هم وأبناؤهم، يزداد عدد الأطفال الصغار حتى يسيروا بين جيرانهم كالغنم بلا عدد، ويقضي الأطفال أوقاتهم في رقصٍ ومرحٍ. يعزف الكبار على آلات الموسيقى ويرقص الصغار. لا ينشغل الآباء بسلوك أولادهم في طريق الرب كما أوصى إبراهيم أبناءه (تك 18: 19)، ولا يحثونهم على العبادة لله، بل كل ما يشغلهم هو اللهو والطرب والتمتع بالملذات الزمنية.

كثيرًا ما حذر القديس يوحنا الذهبي الفم الوالدين من الإهمال في تربية أبنائهما، مظهرًا مدى خطورة هذه الخطية التي يحسبها أحد الخطايا الخطيرة للغاية، فلم يتردد عن أن يدعوها قتلاً للأطفال.

v     لا يأتي فساد الأطفال من فراغ، بل من الجنون الذي يلحق بالآباء نحو الاهتمامات الأرضية. الاهتمام بالأرضيات وحدها، واعتبار كل شيء غيرها ليس بذي قيمة، يدفعهم لاإراديًا نحو إهمال نفوس أطفالهم. أقول، إن هؤلاء الآباء (ولا يظن أحد أن هذه الكلمات تتولد فيّ عن غضب)، أشر من قتلة الأبناء. الأول يفصل الجسم من النفس، أما الآخر فيطرح كليهما معًا في نيران جهنم. الموت أمر محتم حسب النظام الطبيعي، أما المصير الثاني فيُمكن للآباء تجنبه لو لم يؤدِ إهمال الآباء إليه. الموت الجسماني يمكن أن ينتهي في لحظة بالقيامة حينما تحل، لكن لا توجد مكافأة تنتظر النفس المفقودة. إنها لا تنعم بالقيامة، بل تعاني آلامًا أبدية. هذا يعني أنه ليس بغير عدلٍ ندعو هؤلاء الآباء أشر من قتلة الأبناء. إنه ليس بالأمر القاسي أن تسن سيفًا وتمسك به باليد اليمنى لتغرسه في قلب طفلٍ مثلما أن تحطم النفس وتذلها، فإنه ليس من شيءٍ يعادل النفس[985].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يظن الأشرار أنهم ينعمون بالحياة من أجل كثرة أبنائهم، دون مبالاة بسلوكهم وحياتهم الداخلية وتمتعهم بالمجد الأبدي. أما الأبرار فيشعرون أنهم مع أسرهم مُحاطون بالقديسين كسحابةٍ خفيفة سماوية، لهم شركة مع الآباء والأنبياء والرسل والشهداء وكل المؤمنين سواء الذين رحلوا أو المعاصرين لهم، بل ولهم شركة مع الطغمات السمائية. حياتهم وليمةٍ سماويةٍ لا تنقطع، وعيدٍ مفرحٍ على مستوى فائق! تتحول قلوبهم وأفكارهم إلى أوتارٍ لقيثارات روحية، يعزف عليها روح الله القدوس، فتتهلل السماء، ويفرح السمائيون بأناشيد الفرح الروحي.

يَقْضُونَ أَيَّامَهُمْ بِالْخَيْرِ.

فِي لَحْظَةٍ يَهْبِطُونَ إِلَى الْهَاوِيَةِ [13].

مع هذا كله فهم ناجحون، يقضون أيامهم في رغد الحياة؛ ليس للفقر موضع عندهم.

أما عن ثمرة شرورهم ففي لحظة يهبطون إلى الهاوية، دون إنذار. لعله يقصد أنهم أحيانًا في موتهم لا يعانون من أمراض مستعصية وآلام، وإنما في لحظة يموتون ويهبطون إلي القبر. وكما يقول المرتل: "بعد قليل لا يكون الشرير، تطلع في مكانه فلا يكون" (مز 37: 10). كما يقول الحكيم: "كعبور الزوبعةٍ، فلا يكون الشرير، أما الصديق فأساس مؤبد" (أم  10 :  25).

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الحديث هنا لا يعني بالضرورة سقوط الأشرار في لحظات، وانهيارهم، وفقدانهم للخيرات الزمنية، إنما قد يعني أن ما يتمتعون به في هذا العالم مهما طالت حياتهم إنما يتمتعون كما إلى لحظة، حيث يعبر العمر كله في لحظة، فيجدوا أنفسهم أمام الديان، وقد أعدوا لأنفسهم طريق الهاوية أو جهنم الأبدية.

v     نعم، أيها الطوباوي، لقد أسهبت في وصف مباهجهم. كيف تعلن الآن أنهم في لحظة يهبطون إلى الهاوية، إلاَّ لأن كل هذا الزمن الطويل لحياتهم الحاضرة يُعرف أنه ليس إلا لحظة عندما تبلغ إلى النهاية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

3. إساءة الأشرار للخيرات

فَيَقُولُونَ لله: ابْعُدْ عَنَّا.

وَبِمَعْرِفَةِ طُرُقِكَ لاَ نُسَرُّ [14].

يسيء الأشرار استخدام كل ما وُهب لهم من غنى أو سلطة أو نجاح، ويبلغ بهم الأمر إلى تحدي الله نفسه ورفض الوصية. يفزعون من حضرة الله. "يقولون لله: أبعد عنا". لا يريدون أن يزعجوا أنفسهم بأنهم تحت عينيه، ولا يودون أن يصدهم الخوف منه عن تفكيرهم. يشعرون بأنهم ليسوا في حاجة إليه، ويرفضون معرفته التي لا يجدون فيها أية مسرة، إذ معرفته توبخهم على تمردهم  وكما يقول السيد المسيح "وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم، وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة. لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور، ولا يأتي إلى النور لئلا توبخ أعماله" (يو 3: 19-20). وفى يوم الرب يهبهم الرب سؤل قلوبهم، إذ يقول لهم: "أبعدوا عني... لأني لا أعرفكم" (مت 25: 41). فمن لا يحتمل رؤية الله بالإيمان هنا في هذا العالم، لن يقدر أن يحتمل رؤيته في يوم الدين. "يقولون للجبال أسقطي علينا، وللآكام غطينا من وجه الجالس على العرش" (هو 10: 8؛ لو  23: 30). "ينظرون إليّ الذي طعنوه وينوحون عليه" (زك 12: 10).

يتهلل كل كيان المؤمن الحقيقي برؤية ذاك الذي اشتـهى أن يلتقي معه وجهًا لوجه (1 كو 13: 12)، أما الشرير فلا يحتمل البقاء أمام الله، بل تُخرجه أعماله إلى الظلمة الخارجية.

لا يُسر الأشرار بمعرفة طرق الله، ولا يُسر الله بطرق الأشرار. فإن الظلمة لا تطيق النور، والنور لا يُسر بالظلمة. وكما يقول الرسول بولس: "لأنه أية خلطة للبرَ والإثم؟ وأية شركة للنور مع الظلمة؟" (2 كو 6: 14)

v     "فيقولون لله: أبعد عنا!" لا يجسر حتى الأغبياء أن يقولوا هذا بالكلام، ومع هذا فإن كل الأشرار يقولون لله بسلوكهم لا بكلماتهم: "أبعد عنا". فإن الذين يمارسون أعمالاً يمنعها الله القدير ماذا يفعلون سوى أنهم يغلقون أنفسهم ضد القدير؟ كما أن التفكير في وصاياه هو دخول لله في الإنسان، هكذا مقاومة وصاياه هي إبعاد الله عن السكنى في القلب...

"فإننا لا نُسر بمعرفة طرقك"، الأمر هكذا: إنهم لا يبالون أن يطلبوا معرفته.

يقول الحق: "وأما ذلك العبد الذي يعلم إرادة سيده، ولا يستعد، ولا يفعل إرادته، فيُضرب كثيرًا، ولكن الذي لا يعلم ويفعل ما يستحق ضربات يُضرب قليلاً" (لو12: 46-47). يختار البعض ألا يعرفوا ما ينبغي أن يفعلوه، ويحسبون أنهم يُضربون أقل إن كانوا يجهلون ما ينبغي أن يفعلوه.

لكن أن لا يعلم شيء، وأن يختار الإنسان ألا يعلم شيء آخر. فإن البعض يريدون أن يعلموا لكنهم غير قادرين، هؤلاء لا يعلمون. أما الذي يُبعد أذنه عن صوت الحق حتى لا يعْلَم، فمثل هذا ليس في جهلٍ بل هو مستخف.

الآن "طريق" الله هو السلام، طريق الله هو التواضع، طريق الله هو طول الأناة. لكن الأشرار لا يبالون بهذا كله، ويقولون: "لا نُسر بمعرفة طرقك". أنهم يتشامخون في كبرياء في هذه الحياة. أنهم مُبتلعون بالكرامات حتى يقتنوها، فإنهم يطمعون فيها. إنهم يتجاهلون طرق الله في أفكار قلوبهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     الجالس في الظلمة في الليل لا يجري وراء نور الشمس مادام لا يراها. ولكن حين يحل الفجر ويبدأ بهاء الشمس يشرق عليه للحال يتبع نورها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "فإننا ننظر الآن في مرآة، في لغزٍ، لكن حينئذ وجهًا لوجهٍ (1 كو 13: 12). هذا ما يراه فعلاً الملائكة الذين يُدعون ملائكتنا. إنّهم ملائكتنا بمعنى أنه ما أن نخلص من قوة الظلمة، حتى ننال عربون الروح وننتقل إلى ملكوت المسيح، فنبدأ ننتسب للملائكة[986].

القديس أغسطينوس

مَنْ هُوَ الْقَدِيرُ حَتَّى نَعْبُدَهُ،

وَمَاذَا نَنْتَفِعُ إِنِ الْتَمَسْنَاهُ! [15].

في جسارة غير لائقة يحتجون عليه قائلين: "من هو القدير حتى نعبده؟ وماذا ننتفع إن التمسناه؟" يتشبهون بفرعون القائل: "من هو الرب حتى أسمع لقوله؟" (خر 5: 2) يرون في الله شخصية مجهولة ينسب البعض له القدرة مع أنه في نظرهم لا ينفع في شيء، لذا لا يريدون أن يكون له شأن بهم، ولا هم لهم شان به.

يتطلعون إلى العبادة كواجبٍ سقيم الحملِ، أو كنوعٍ من العبودية الشاقة، إذ يتساءلون: "حتى نعبده؟" ينظرون أنهم سادة أقوياء مقتدرون لا يقبلون الخنوع لله: "لماذا قال شعبي قد شردنا (نحن أسياد)، لا نجيء إليك بعد" (إر 2: 31).

يقولون: "عبادة الله باطلة، وما المنفعة من أننا حفظنا شعائره..." (مل 3: 13-14)، فلا حاجة للالتجاء إلى الله، فإن الصلاة في نظرهم لا نفع لها، بل هي مضيعة للوقت والطاقة.

قد يدرك الأشرار بفكرهم قدرة الله، ويعرفون إمكانية عمله في حياة البشر، لكن خلال تمتعهم بالملذات الجسدية وانشغالهم بمباهج العالم يسكِّنون ضمائرهم بالادعاء أن الله يتجاهل البشرية، ولا يدرك حقيقة احتياجاتهم، فيظهر كمن هو في ضعفٍ وعجز عن مساندتهم. هذا ومن جانب آخر فإن الوقت بالنسبة لهم ثمين لجمع ثروات ونوال كرامات زمنية موضوع حبهم. كل عبادة لله – في نظرهم – هي مضيعة للوقت. هذا ويتذمرون لأن الله كثيرًا ما يؤجل استجابة طلباتهم حتى يهبهم ما هو حسب فكره الإلهي أن يقتنوه هو، خالق كل العطايا والخيرات.

v     إذ يتوجه ذهن الإنسان ببؤس نحو الخارج، ينغمس في ملذات الأمور الجسدية، فلا يعود إلى أعماقه، ولا يقدر أن يفكر في ذاك الغير منظور... هكذا مكتوب: "قال الجاهل في قلبه، ليس إله" (مز 14: 1؛ 53: 1)...

كثيرًا ما يحدث أن يجعل الناس هدفهم أن يخدموا بالأكثر زملاءهم المخلوقين الذين يرونهم بالبصر الجسدي عن أن يخدموا الله الذي لا يرونه. فإنهم في كل ما يفعلونه، يمتدون إلى حيث تبلغ عيونهم، وإذ لا يستطيعون أن يبلغوا إلى الله بعيونهم، إما يستخفون بتقديم الولاء له، أو إذا ما بدأوا في ذلك يمتلئون قلقًا...

ولكن عندما ينسحب من أمامهم ما هو منظور... فإن أعين الجسد بالحق تكون مفتوحة لكنهم لا يقدرون أن يروا أو يدركوا... يذهب عنهم الإحساس بالصبر، لأن الساكن فيهم قد تركهم، وبقي بيت الجسد فارغًا. الروح غير المنظورة التي اعتادت أن ترى خلال نوافذ الجسد قد رحلت.

لهذا فإن الأمور غير المنظورة أفضل من المنظورة. يليق بكل الجسديين أن يبلغوا إلى قرارٍ من أجل أنفسهم، وبسلم التأمل يصعدون إلى الله. إنه هو الله في كونه يبقى غير منظورٍ، ويستمر السامي حيث لا يمكن إدراكه. لكن يوجد البعض الذين لا يشكون في أن الله موجود، وأنه لا يمكن إدراكه، لكنهم يطلبون منه ولا يطلبونه هو، إنما يطلبون عطاياه الخارجية.

"وماذا ننتفع إن صلينا إليه". أثناء الصلاة إن لم يكن الله نفسه هو موضوع طلبتنا، يضطرب الذهن للحال في الصلاة... يشتاق الله أن يكون هو نفسه المحبوب أكثر من الأمور التي خلقها، وأن تُطلب الأمور الأبدية لا الأمور الوقتية. كما هو مكتوب: "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه، وهذه كلها تُزاد لكم" (مت 6: 33).

البابا غريغوريوس (الكبير)

هُوَذَا لَيْسَ فِي يَدِهِمْ خَيْرُهُمْ.

لِتَبْعُدْ عَنِّي مَشُورَةُ الأَشْرَارِ [16].

لن يقبلوا الإيمان بأن ما في أيديهم هو هبة الله لهم، إنما يظنون أنها من صنع أيديهم، وثمرة تعبهم وذكائهم وتخطيطاتهم. بهذا يغلقون قلوبهم على إخوتهم المحتاجين، حاسبين أن العطاء لهم هو سلب لممتلكاتهم، وتبديد لما جاهدوا فيه. يتمسكون بما لديهم حتى لا يضيعون الخيرات من أيديهم.

v     يتخيل الإنسان الغني عادة أنه لا يرتكب أية خطية مادام لا يسلب الفقير ماديًا. لكن تكمن خطية الغني في عدم مشاركته ثروته مع الفقير. احتفاظ الغني بكل ثروته يعني في الواقع ارتكاب نوعٍ من السرقة. والسبب الحقيقي هو أن كل الغنى من الله، فهو ملك الجميع بالتساوي... والدليل على ذلك يحيط بنا في كل مكان.

اُنظر إلى الفاكهة النضرة التي تنتجها الأشجار والأدغال.

اُنظر إلى التربة الخصبة التي تعطي كل عام حصادًا وفيرًا هكذا.

اُنظر إلى العنب الحلو على العناقيد الذي يمنحنا الخمر لنشربه...

ربما يدَّعي الأغنياء أنهم يمتلكون الكثير من الأراضي حيث تنمو الثمار والحبوب، لكن الله هو الذي يجعل البذرة تنبت وتنضج. فواجب الأغنياء أن يشاركوا كل حصاد أرضهم مع كل من يعمل فيها، ومع كل من له احتياج[987].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

يقدمون هذه الروح لنسلهم وأصدقائهم فيسلكون في ذات الاتجاه، أما أيوب فيعلن: "لتبعد عني مشورة الأشرار".

4. طول أناة الله عليهم

كَمْ مرة يَنْطَفِئُ سِرَاجُ الأَشْرَارِ،

وَيَأْتِي عَلَيْهِمْ بَوَارُهُمْ،

أَوْ يَقْسِمُ لَهُمْ أَوْجَاعًا فِي غَضَبِهِ [17].

إذ تحدث أيوب بإفاضة عن نجاح الأشرار في هذا العالم يعود فيسأل: "كم مرة ينطفئ سراج الأشرار؟" أما ترونه مرارًا كثيرة يشتعل حتى يتم احتراق شريط الاشتعال، وبعد ذلك ينطفئ تلقائيًا؟

كم مرة ترون أنه "يأتي عليهم بوارهم أو يقسم الله لهم أوجاعًا في غضبه؟ ألا ترون أنه كثيرًا ما استمرت أفراحهم ورفاهيتهم حتى النهاية؟

v     يموت البار وهو في قوة بساطته، وفي كامل سيادته على إرادته، له نفس ممتلئة كما من مروجٍ. أما الخاطي وإن كان في رغد العيش، تفوح منه العطور الذكية يختم حياته في مرارة نفسه، ويجتاز يومه الأخير دون أن يأخذ شيئًا من الخيرات التي تنعم بها يومًا ما، لا يحمل شيئًا سوى أجرة شره[988].

v     يجيب القديس أيوب: لا تظنوا أنكم سعداء وأنتم منغمسون في الملذات، لأن ضربات الله لم تحل عليكم في هذه الحياة. "سراج الأشرار ينطفئ". إنه يعطي ضوءً إلى زمنٍ، لكنه لا يحمل نورًا أبديًا. وبالرغم من أن العالم يحابي مثل هؤلاء الناس لأنهم يمارسون إرادة الله صاحب السلطان على العالم (يو 14: 30)، لكن عادة ما تحل لحظة التحول في الأحداث، حيث تأتي الأحزان من قبل غضب السماء وسخطها، حيث يُغربَلْ الأشرار "كالتبن قدام الريح". يُغربل الظالمون كالقشٍ، والأبرار كحنطةٍ. التفتوا إلى الرب القائل لبطرس: "هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة، ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك" (لو 22: 31: 32)[989].

القديس أمبروسيوس

يعتز المؤمن بكلمة الله بكونها السراج الذي ينير له الطريق، حيث يعبر خلالها إلى حضن الآب ليتمتع بالأمجاد على مستوى أبدي. أما الشرير فيرى في الغنى أو السلطة أو التمتع بالملذات الجسدية سراجه الذي يدفع به لا إلى مملكة النور، بل سراجًا يضلله ويدخل به إلى مملكة الظلمة. وكما يقول الرسول بولس إنه حتى الشيطان يظهر كملاكٍ منيرٍ، ليخدع المؤمنين، لعله يأسرهم تحت سلطانه، فيصيروا أبناء ظلمة.

لكن خداعات عدو الخير لن تثبت أمام رجال الإيمان بل تتبدد، كما ينطفئ السراج!

v     غالبًا ما يظن الشرير أن الموارد الأرضية بالنسبة له مثل سراج عظيم بالنسبة للنور، لكن إذ يحل به الدمار يفقد الغنى الذي أحبه أكثر من نفسه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

أَوْ يَكُونُونَ كَالتِّبْنِ قُدَّامَ الرِّيحِ،

وَكَالْعُصَافَةِ الَّتِي تَسْرِقُهَا الزَّوْبَعَةُ [18].

يرى أيوب أنه لا يعني حديثه عن نجاح الأشرار أنهم بالحق ناجحون، فهم كالتبن قدام الريح، وكالعُصافة التي تسرقها الزوبعة. أنهم تافهون يفقدون كل قيمة، مهيأون للدمار، فيتعرضون له في عز مجدهم وسطوتهم.

v     حين يُرى الشرير في قوة، وحين يكون كمن ليس له من ضابطٍ أو مُقاومٍ لأعماله العنيفة، يحسبه الضعفاء كالصابورة (ثقل يستخدم لموازنة السفينة أو المنطاد). وأنه متأصل في هذا العالم. ولكن إذ يأتي الحكم الحازم من قبل الديان، "يكون الأشرار كالتبن قدام الريح"... "وكالرماد الذي تنثره الزوبعة". حياة الإنسان الشرير في عيني القدير مثل الرماد، هذا الذي قد يبدو أخضر إلى لحظة، لكنه يُرى كمن قد تبدد بالحكم الإلهي، يُترك جانبًا للاحتراق الأبدي. هذا الرماد تبدده الزوبعة. في هذا "يأتي إلهنا ولا يصمت. نار قدامه تأكل، وحوله عاصف جدًا" (مز 50: 3).

البابا غريغوريوس (الكبير)

الريح الذي لا غنى للأشجار عنه لكي تتعمق جذورها وتكثر ثمارها، هو بعينه الذي يبدد التبن وينثر العصافة، فلا يكون لها موضع استقرار. فما يبني المؤمن يحطم الشرير.

إن كانت الريح تشير إلى الروح القدس، فإن الروح القدس الذي به يتحقق ميلاد المؤمنين كأبناء لله في مياه المعمودية، وبه يتجددون حتى يصيروا بالحق أيقونة المسيح، هو نفس الروح القدس الناري الذي لن تقدر أشواك الخطية أن تقف أمامه، بل تحترق!

اَللهُ يَخْزِنُ إِثْمَهُ لِبَنِيهِ.

لِيُجَازِهِ نَفْسَهُ فَيَعْلَمَ [19].

أحيانا يترك الله الأشرار ينجحون، لكنهم يورثون الفشل لنسلهم. فيرث البنون مع الثروة التي نشأت عن الظلم والإثم اللعنة والدمار.

ربما يتساءل البعض: وما ذنب الأبناء ليرثوا عن آبائهم الشرور المحزنة؟

أولاً: الله ليس بظالمٍ، فلا يعاقب الأبناء من أجل شرور آبائهم. فإن النفس التي تخطئ هي تموت. إنما أراد الله توبة الآباء ليخزِنوا لأبنائهم البرّ الإلهي. فلا ننكر ما لحياة الآباء من أثر على أولادهم، لكن بعض الأشرار كان أولادهم قديسين، فصارت أكاليل أبنائهم عظيمة، لأنهم لم يكملوا مكيال آبائهم في الشر، بل قبلوا الله أبًا لهم، يسلكون بروحه القدوس. وأيضًا وُجد أبناء أشرار عن آباء قديسين، فصارت قداسة حياة آبائهم علة دينونة بالأكثر.

ثانيًا: يهدد الله الأشرار بما سيحل بأبنائهم بسبب شرورهم، لأن غالبًا ما لا يبالي الإنسان بما سيحل به قدر ما يحزن بشدة على ما يحل بأبنائه. وكأن هذا التهديد غايته توبة الآباء خشية هلاك أبنائهم.

v     نحن نعرف أنه مكتوب: "مفتقد إثم الآباء في الأبناء، وفى أبناء الأبناء في الجيل الثالث والرابع" (خر 34: 7). وأيضًا مكتوب: "ما لكم أنتم تضربون هذا المثل على أرض إسرائيل، قائلين: الآباء أكلوا الحصرم، وأسنان الأبناء ضرست. حي أنا يقول السيد الرب: لا يكون لكم من بعد أن تضربوا هذا المثل في إسرائيل. ها كل النفوس هي لي. نفس الأب كنفس الابن كلاهما لي. النفس التي تخطئ تموت" (حز 18: 2-4). هكذا في هاتين العبارتين بالرغم من الاختلاف في المعنى، لكن ذهن المستمع يجب أن يتعلم البحث بعناية فائقة طريق التمييز. لقد ورثنا الخطية الجدية عن والدينا، فإن لم نُحل منها بنعمة العماد، نحمل معنا خطايا آبائنا أنفسهم، متطلعين على أننا لا نزال واحدًا معهم...

على أي الأحوال هذا يمكنه فهمه بطريقٍ آخر أيضًا، أن من يتمثل بطريق الشر اذي لأبيه الشرير، يرتبط بخطاياه أيضًا. وأما من لا يتبع شر والده، فإنه لن يتحمل ثقل عصيانه. بهذا فإن الابن الشرير من الأب الشرير لا يلتزم بخطاياه فحسب التي أضافها بل أيضًا بخطايا أبيه، إذ مارس أعمال أبيه الشريرة، هذه التي يعلم أن الله غاضب عليها. إذ لم يخشَ أن يضيف إليها شروره هو... لهذا بحق قيل: "حتى الجيل الثالث والرابع". فإنه يمكن حتى الجيل الثالث والرابع أن يشهد الأبناء لحياة الآباء ويتمثلون بها، فتمتد النقمة حتى إلى الذين يشهدون على ما يتمثلون به لضررهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

لِتَنْظُرْ عَيْنَاهُ هَلاَكَه،

وَمِنْ حُمَةِ الْقَدِيرِ يَشْرَبْ [20].

لقد أغلق الشرير عينيه عمدًا كي لا يرى نعمة الله ولم تنفتح بصيرته على مراحم الله، فملأ كأسه بتمرده وعصيانه.

كثيرًا ما يغمض الشرير عينيه عما سيحل به أو بنسله بسبب شروره، لكنه حتمًا سيفتح عينيه في يوم الرب ليرى هلاكه الأبدي حال عليه. إنه سيشرب من غضب القدير. هذا هو نصيب كأسه الذي ملأه في أيام غربته في العالم.

v     لو كان الإنسان أثناء وجوده في هذه الحياة يرغب في فتح عينيه على خطيته لما كان فيما بعد "يشرب من غضب القدير". أما من يحول عينيه هنا عن رؤية إثمه فلا يقدر أن يتجنب حكم الدينونة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يدعونا الله بكل وسيلة أن نتمتع باستنارة الروح القدس، فتنفتح أعيننا لنرى الشرور التي أفسدت كياننا، في الوقت الذي فيه ننعم برؤية عمل الله الفائق لغفران خطايانا والتمتع بالاتحاد معه.

إن نظرنا هلاكنا ونحن بعد في هذا العالم نهرب إلى الله نفسه الذي وحده قادر أن يحفظنا من الغضب الأبدي. أما من لا يريد أن يدرك حقيقة شروره فيملأ كأسه بالغضب الإلهي ليشرب منه في يوم الرب العظيم.

فَمَا هِيَ مَسَرَّتُهُ فِي بَيْتِهِ بَعْدَهُ،

وَقَدْ تَعَيَّنَ عَدَدُ شُهُورِهِ؟ [21]

إن كان أيوب قد أفاض في الحديث عن رخاء بعض الأشرار ونجاحهم، لكنه يوضح ماذا يكون هذا النجاح حتى وإن امتد كل أيام حياة الشرير التي هي ليست ألا عدة شهور، فيفتح عينيه فجأة وإذا به يسقط تحت الغضب الإلهي.

في مثل الغني ولعازر أظهر لنا السيد المسيح كيف انزعج على أهل بيته وهو في الهاوية عندما أدرك أن كل الخيرات التي تمتع بها في أيام حياته على الأرض تعجز عن أن تبل لسانه. وتضاعف حزنه وهو يدرك أن أخوته الخمس سيتبعانه (لو 16: 25-28).

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الشرير حتى في العالم العتيد لا ينسى بيته، فقد أخبرنا السيد نفسه عن الغنى الذي رفع عينيه وهو في الهاوية يطلب من أجل إخوته الخمسة (لو 16: 28). لكن لم تعد هذه الطلبة تنفع أهل بيته بعد، إذ ضاعت الفرصة منه.

عملنا كحاملي الرب يسوع – ينبوع الفرح – في داخلنا، أن نفرح ونتهلل ونكون علة مسرة بيوتنا. فإن كنا نفرح هنا بمسيحنا الساكن فينا تفرح السماء بنا، ويفرح كثيرون، فنكون كأعضاء في أسرة شبه سماوية سمتها الفرح الحقيقي. عندئذ حتى بخروجنا من العالم لا نكف عن أن نطلب لأجل مسرة بيوتنا. هذا ما نلمسه عمليًا حيث نرى قديسين يطلبون في الفردوس من أجل فرح العالم كله برجوعه إلى الله، وتمتعه بالفرح الإلهي.

5. الأشرار والعناية الإلهية

أَاللهُ يُعَلَّمُ مَعْرِفَةً،

وَهُوَ يَقْضِي عَلَى الْعَالِينَ؟ [22]

ليس من إنسان يقدر أن يدرك معرفة الله ديان السماء والأرض، الذي يدين الملائكة الساقطين والبشر في يوم الدين. أحكامه أبعد ما تكون عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء. هو وحده الذي يحكم إن كان شرير ما ينجح هنا حتى ولو امتد نجاحه كل أيام حياته أو يفشل. بحكمته الإلهية يدبر ما لا يستطيع إنسان أن يدركه. إذ نعجز عن إدراك معرفة الله وحكمته وخطته ليس لنا أن نحكم على إنسانٍ ما أنه بار أو شرير من خلال ما يحل به من متاعب أو ما يتمتع به من بركات زمنية. عوض الحكم على إخوتنا نحبهم ونصلي من أجلهم لبنيانهم الروحي ونموهم، وأيضًا لأجل توبتهم، حتى يهبنا الله معهم التوبة الصادقة والنمو الروحي الحقيقي.

v     أحكام الله القدير علينا غاية في السرية وليست بظالمة. لكن إذ رفعنا أعين أذهاننا إلى العلويات نرى بأعيننا (الداخلية) أنه ليس لدينا ما نشكو به بخصوص العدالة. فإن الله القدير يميز استحقاقات الملائكة، أقام بعضًا منهم ليسكنوا في نورٍ أبدي بدون سقوطِ، والآخرون سقطوا بإرادتهم من الثبات في علوهم، وانحدروا إلى سخط الدينونة الأبدية... إنه يفعل أمورًا عجيبة فوق مستوانا، وواضح بالتأكيد أنه يدبر كل الأمور الخاصة بنا بمعرفة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

هَذَا يَمُوتُ فِي عَيْنِ كَمَالِهِ.

كُلُّهُ مُطْمَئِنٌّ وَسَاكِنٌ [23].

الله وحده الذي يحدد إن كان الإنسان يموت في سلامٍ زمنيٍ ومجدٍ باطلٍ بالرغم من إصراره على خطاياه، وآخر يموت في آلام مُرة وتعاسة وشقاء، مع أن كليهما يلتقيان معًا في الظلمة الخارجية.

قد يموت شرير وهو في عين كماله أو في ملء قوته، لم تضعف قوته بسبب مرضٍ أو شيخوخةٍ، "كله مطمئن وساكن". بكليته هو في راحةٍ وسلامٍ، لا يخشى الموت لأنه لا يفكر فيه ولا ينتظره.

لقد جاء كلمة الله متجسدًا، وحلّ بيننا ليهبنا سلامه الحقيقي وعربون المجد الذي أعده لنا منذ تأسيس العالم. هذا السلام وهذا المجد هما وحدهما يُشبعان النفس. أما سلام العالم المزيف ومجده الباطل فيخدعان الإنسان، لكن إلى لحظة ويزولان.

هنا يليق بنا أن نطلب استنارة الروح القدس حتى نميز نوع السلام الذي نحن فيه، إذ توجد أنواع كثيرة من السلام.

أ. السلام الذي يخدع الأشرار، حيث يشربون الإثم كالماء، وفي استهتار يقولون: ليس إله، ولا دينونة ولا أبدية. "فلنأكل ونشرب فإننا غدًا نموت" (1 كو 15: 32).

ب. السلام الذي ينبع عن صداقات ومشاركة للآخرين، كمشاركتنا لأحبائنا في مناسباتهم المفرحة والمحزنة، لكن لا يشغلنا خلاص نفوسهم ونفوسنا. هذا السلام مؤقت. عن هذا السلام يقول السيد المسيح: "سلامًا أترك لكم" (يو 14: 27). وكأنه يقول: سلامكم هذا لا أنزعه عنكم، بل أتركه لكم لكي ما يتقدس بسلامي الذي أهبكم إياه.

ج. السلام الإلهي الذي وعدنا به السيد المسيح: "سلامي أنا أعطيكم" (يو 14: 27). هذا السلام، الذي هو عطية إلهية، نتمتع به خلال شركتنا معه، وحلوله في وسطنا، ومرافقتنا الدائمة خلال رحلة حياتنا. "ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر" (مت 28: 20).

أَحْوَاضُهُ مَلآنَةٌ لَبَنًا،

وَمُخُّ عِظَامِهِ طَرِيٌّ [24].

يترجمها البعض "ثدياه ملآنان لبنًا، وعظامه طرية بالمخ". وجاءت في ترجمة اليسوعيين "السمنة تكسو جبينه، وتسقي مخ عظامه". بمعنى أنه في صحة جيدة، قوي البنية، لا يبالي بشيءٍ سوى أن يحيا سنوات طويلة في فرحٍ وسرورٍ. آماله عريضة في هذه الحياة حتى يفاجئه الموت بغتة! لعلهم يتحدون الموت في داخلهم، كأنه ليس من نصيبهم.

يتطلع أصدقاء أيوب إليه كإنسانٍ فقد كل ما يملكه من غنى وكرامة، ويحسبون هذا مؤشرًا أكيدًا عن شره، يظنون أنه في عوز داخلي شديد وفراغ لن يمتلئ. أما هو فيرى أشرارًا كثيرين أغنياء وأصحاب سلطة وكرامة زمنية، يحسبون صدورهم (الثدي) مملوءة لبنًا، أي أشبه بالأم التي بين يديها رضيع تقدم له من لبنها، وأن عظامهم مملوءة حيوية لن يتطرق إليها الجفاف. هذه المشاعر التي تسيطر على مثل هؤلاء الأشرار تصدر عن الغنى المؤقت والكرامة الباطلة، لكن إلى لحظة، حيث يأتي الديان، ويكتشفون أنهم كانوا في حلمٍ وقد تبدد.

شتان ما بين اللبن الصادر عن الغنى المؤقت والعظام التي تبدو مملوءة قوة وحيوية بسبب الكرامة الزمنية، وبين اللبن غير الغاش الذي يقدمه الله لأولاده، حيث يرضعون النفوس بكلمة الله الواهبة الحياة، وبالعظام القوية التي تقدمها نعمة الله، فيكون المؤمن أشبه بالصخرة الثابتة التي لن تزعزعها رياح هذا العالم!

v     "أحشاؤه ملآنة سمنة، وعظامه مرطَّبة بالمخ" [24]. فكما أن السمنة تنشأ عن كثرة الطعام، هكذا الكبرياء عن فيض الخيرات، هذه التي تجعل الذهن يسمن بكثرة الغنى، بينما روحه بعجرفةٍ...

يوجد أناس ليس لهم غنى في هذا العالم، لكنهم يشتهونه، ويطلبون أن يُمجدوا، بالرغم من عجزهم عن نوال ما يشتهونه في هذا العالم. بينما ليس لديهم مادة (غنى) ولا كرامة لمساندتهم، لكن بشهواتهم الشريرة يعلن ضميرهم عن جُرمهم في عيني الديان... لاحظوا أنه لذات السبب كيف يفرح الغني بقلبٍ متعجرف. لذلك قيل بحق: "كلاهما يضطجعان في التراب، والدود يغطيهما" [26].

أما الطوباوي أيوب فلم يتكبر حين كان لديه الغنى، ولا اشتهاه بقلقٍ عندما أُخذ منه، كما لم يهلك بسبب الخسائر الخارجية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

وَذَلِكَ يَمُوتُ بِنَفْسٍ مُرَّةٍ،

وَلَمْ يَذُقْ خَيْرًا [25].

يموت آخر بعد الآم مريرة وحالة تعسة، فيلتقي مع من قضى لحظة عبوره في هذا العالم في غنى وأمجاد زمنية. لا يستطيع الغنى ولا المجد، كما ولا الألم أن ينقذ الأشرار في ذلك اليوم، ماداموا لم يرجعوا إلى الرب.

إن كان الله قد سمح لبعض الأشرار بالبركات الزمنية حتى آخر نسمة لهم في هذا العالم، إنما لكي يقدموا ذبيحة شكر لواهب العطايا، ويرجعوا إليه، ويتمتعوا بالشركة معه. وإن كان يسمح لآخرين بالآلام، إنما لكي لا تلتصق نفوسهم بمحبة الزمنيات وتشتاق إلى العبور إلى الله، ويتمتعوا بالمجد الذي أعده لمحبيه. لكن للأسف كثيرون لا ينتفعون بالعطايا ولا يتعلمون بالآلام!

أما بالنسبة لأولاد الله فإن البركات الزمنية تسندهم في تقديم ذبائح شكرٍ لا تنقطع، والآلام تزكيهم في قبولهم إياها كشركة آلام مع مخلصهم.

 

كِلاَهُمَا يَضْطَجِعَانِ مَعًا فِي التُّرَابِ،

وَالدُّودُ يَغْشَاهُمَا [26].

في القبر يلتقي الأصحاء مع المرضى، والأغنياء مع الفقراء، فإن مات شرير في قصر وآخر في كوخٍ يلتقيان معًا مع جماعة الموتى، ويكون نصيبهما هو ثمر شرهما، الدود الذي لا يموت والنار التي لا تُطفأ.

v     مرح الأشرار يعبر إلى الويل، ويعبر ويل النفس البارة من الحزن إلى الفرح. هكذا لا يليق بالغنى أن يرفع النفس ولا بالفقر أن يربكها. لم يتقبل الطوباوي أيوب وسط الأضرار المادية أفكارًا مؤذية، أما الذين احتقروه وهو تحت ضربة العصا فقد انتهرهم قائلاً: "هوذا قد علمت أفكاركم..." [27].

v     كيف يمكن للخسائر الخارجية أن تؤذى ذاك الذي لم يفقد ذاك (الإله) الذي أحبه في داخله؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

6. الأشرار والهلاك الأبدي

هُوَذَا قَدْ عَلِمْتُ أَفْكَارَكُمْ،

وَالنِّيَّاتِ الَّتِي بِهَا تَظْلِمُونَنِي [27].

يعود مرة أخرى فيعاتب أيوب أصدقاءه قائلاً لهم إنه يعلم بأنهم متمسكون بآرائهم، خاصة أن الأشرار حتمًا تلاحقهم النكبات. يقول أيوب لأصدقائه: لقد علمت أنكم لا تتفقون معي، وعلمت نيتكم من جهتي، فإنكم تتحاملون عليّ، فكيف يمكنني أن أقنعكم وأنتم مغرضون؟ أدرك أيوب من خلال كلماتهم ما في قلوبهم، وشعر أن الحوار معهم غير مجدٍ.

v     "هوذا قد علمت أفكاركم، والنيات التي بها تظلمونني" [27]. وكما هو مكتوب: "لأن مَنْ مِنْ الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه" (1 كو 2: 11)... لكن روح الإنسان يكون غير معروفٍ للغير إن لم يظهر بالكلمات أو الأعمال. مكتوب: "من ثمارهم تعرفونهم" (مت 7: 20). بما يحدث في الخارج يُنظر إلى ما هو مخفي في الداخل. هكذا أيضًا بحق قيل بسليمان: "كما في الماء تتلألأ وجوه الناظرين، كذلك قلوب البشر واضحة للحكماء" (أم 27: 19)...

البابا غريغوريوس (الكبير)

لأَنَّكُمْ تَقُولُونَ: أَيْنَ بَيْتُ الْعَاتِي؟

وَأَيْنَ خَيْمَةُ مَسَاكِنِ الأَشْرَارِ؟ [28]

كأنه يقول لهم: أنا أعلم أنكم ستجاوبونني قائلين: أين هو بيت المغتصب؟ أين خيمة الأشرار؟ وتقصدونني بالمغتصب كما تقصدون أبنائي بالأشرار. تحكمون عليّ بأني عاتي، وأولادي أشرار.

إن نزعنا نية أصدقاء أيوب الشريرة، ومحاولتهم المستميتة لتشويه شخصيته، فإن ما يقولونه ينطبق فعلاً عن الطغاة العتاة المغتصبين. فإنهم وإن عاشوا كل أيامهم في غنى وكرامة وسلطان، يموتون ويعودون إلى ترابهم. عندئذ بحقٍ يُقال: "أين بيت العاتي؟" الذي يظن أن العالم كله هو بيته المستقر، يسيطر عليه ويحكمه كصاحب بيت يعيش فيه إلى الأبد، ليس من يقدر أن يطرده منه، ولا من يهدم البيت. لقد مات طغاة عبر الأجيال كانوا يحسبون أنفسهم آلهة، لكنهم صاروا ترابًا، وانهدمت ممالكهم تمامًا. في جهالة عاشوا في العالم كما في خيامٍٍ غير ثابتة، وها هي الخيام قد زالت، وزال سلطانهم معها.

v     يُقال عن الأشرار بعد موتهم: "أين خيمة مساكن الأشرار؟" إن أمعنا النظر في هذا، هل تقدرون أن تنكروا بأنه توجد مجازاة من قِبَل العدل الإلهي؟ الأول (البار) تغمر السعادة قلبه، والثاني البؤس. الأول بشهادة نفسه برئ من الذنب، والثاني مجرم. ذاك الإنسان سعيد في رحيله من العالم، والثاني حزين عليه. من يقدر أن ينطق بالبراءة على من هو ليس ببريء في عيني ضميره؟ يقول: "أين غطاء خيمته، تذكاره لن يوجد" (راجع أي 28:21). حياة المجرم حلم. لا، حتى الراحة ذاتها التي للأشرار وهم يعيشون هنا هي وهم، إنهم الآن في الجحيم، إذا ينحدرون إلى جهنم وهم أحياء[990].

 القديس أمبروسيوس

v     الضعفاء يشتهون النجاح في غنى العالم، ويخشون الضربات كما لو كانت شرورًا غاية في الخطورة، يتعثرون بعقاب أولئك الذين يرونهم مضروبين.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"أفلم تسألوا عابري السبيل، ولم تفطنوا لدلائلهم؟" [29]

انه ليوم البوار يمسك الشرير، ليوم السخط يقادون.

يعلم أيوب أن الحوار غير مجدٍ مع أناس لا يحملون نية صادقة ومخلصة، لهذا يطالبهم أن يسألوا أي إنسانٍ محايدٍ. اسألوا عابري الطريق، حسبما يكون هؤلاء.

لم يقل اسألوا القديسين كما قال أليفاز (أي 5: 1)، فإن الأمر لا يحتاج حتى إلى خبرات القديسين، بل يعرفه كل إنسانٍ غير متحيزٍ، فإن كل البشرية تتفق مع أيوب في أن الخطاة ليس بالضرورة يلقون جزاءهم هنا، بل قد يرجأ إلى يوم الرب العظيم. "إذا زها الأشرار فلكي يُبادوا إلى الدهر" (مز 92: 7).

ولعله يقصد بدعوته أن يسألوا أي عابرٍ للطريق، أن يبحثوا عن أي شخصٍ يدرك حقيقة هذه الحياة الزمنية كطريقٍ عابرٍ، فإن مثل هذا الإنسان حتمًا ينطق بالحق وبحكمة وفي إخلاص. إدراك الإنسان لحقيقة حياته أنها عبور كما على قنطرة تهبه نظرة واقعية للحياة الزمنية والحياة العتيدة الأبدية، فيكون حكمه في الأمور متزنًا وصادقًا!

v     يدعوه "عابر سبيل" ذاك الذي يحمل في ذهنه أن الحياة الحاضرة بالنسبة له هي طريق وليست وطنًا. إنه يحسب أمرًا دنيئًا بالنسبة له أن يثبت قلبه في محبة الحال الحاضر العابر، مشتاقًا ألا يستمر منشغلاً بمشاهدة الأمور الوقتية، بل أن يبلغ بقلبه إلى العالم الأبدي...

إذ كان موسى يطلب مجد التأمل السماوي قال: "أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم" (خر 3: 3). فإنه ما لم يسحب أثار قدميه من محبة العالم لا يمكنه أن يفهم الأمور العلوية.

إذ توسل إرميا من أجل حزن قلبه ليكون موضع اعتبار قال: "يا جميع عابري الطريق، تطلعوا وانظروا إن كان حزن مثل حزني" (مز 1: 12). فإن أولئك الذين لا يعبرون خلال الحياة الحاضرة كما لو كانت طريقًا، بل يظنونها وطنهم، ليس لهم خبرة ليروا بعيني الذهن حزن قلب المختارين. هؤلاء يتطلع إليهم النبي لعلهم ينظرون حزنه؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

مَنْ يُعْلِنُ طَرِيقَهُ لِوَجْهِهِ،

وَمَنْ يُجَازِيهِ عَلَى مَا عَمِلَ؟ [31]

يحمل الشرير نوعًا من الجسارة والجبروت، فلا يجد من يقف أمامه ويواجهه بشره، ولا من يعاقبه على أفعاله. فهو يخطئ ويغتصب وهو مطمئن. ليس من يوبخه ولا من يرعبه. يقول الحكيم: "راحة الجهال تبيدهم" (أم 1: 22)، إذ يحسبون أنفسهم فوق القانون، ليس من يقدر أن يواجههم بشرهم، ولا من يدفعهم نحو التوبة والرجوع إلى الله الحق.

لاحظ البابا غريغوريوس (الكبير) أن أيوب تحول حديثه عن الأشرار من صيغة الجمع إلى صيغة المفرد. فيرى في الجمع (الأشرار) إشارة إلى البشر الذين صاروا أشبه بأعضاء كثيرة لجسد إبليس، وفي صيغة المفرد (الشرير) إشارة إلى إبليس بكونه رأس الأشرار. كما أن المؤمنين هم أعضاء جسد المسيح الرأس القدوس، هكذا الأشرار هم أعضاء جسد إبليس الرأس الشرير!

v     "من يستنكر طريقه لوجهه؟ ومن يجازيه على عمله؟" [31]... بينما كان أيوب يتحدث عن كل الأشرار فجأة حول كلماته إلى رئيس كل الأشرار. فقد رأى في نهاية العالم الشيطان يدخل في إنسان، هذا الذي يدعوه الكتاب المقدس "ضد المسيح"، الذي يرتفع متشامخًا، يسنده بسلطان كهذا بأن يرفعه بآيات وعجائب مظهرًا قداسة (غاشة)، ولا يمكن اتهامه بواسطة إنسان. بسلطان الرعب يوَّحد علامات القداسة المظهرية. يقول: "من يستنكر طريقه لوجهه؟" بمعنى مَنْ مِن البشرية يجسر وينتهره؟... لكن إيليا وأخنوخ وحدهما يحضران للحال لتوبيخه. فيوبخ كل المختارين طريقه في وجهه، مظهرين استخفافًا؛ وبينما هو متشامخ في الفكر يقاومون شره. وإذ هم يفعلون هذا بالنعمة الإلهية وليس بقوتهم الذاتية، بحق يُقال الآن: "من يستنكر طريقه لوجهه؟" من يفعل هذا سوى الله الذي بعونه ينال المختارون سلطانًا ليقفوا أمامه؟ لأن الرب وحده له أن يفعل ذلك بقوته. بحق قيل عنه: "الذي الرب سيبيده بنفخة فمه، ويبطله بظهور مجيئه" (2 تس 2: 8)...

"من يجازيه على عمله؟" بحق من سوى الرب، الذي وحده سيجازي ذلك الإنسان الهالك على ما يفعله بدينونة أبدية؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

هُوَ إِلَى الْقُبُورِ يُقَادُ،

وَعَلَى الْمَدْفَنِ يُسْهَرُ [32].

يعلم الشرير أنه سيموت حتمًا كسائر البشر، لكنه يُعد لنفسه العظمة حتى في موته، فيقيم نصبًا تذكاريًا على القبر الذي يعده لنفسه، ويهيئ لنفسه موكبًا جنائزيًا فخمًا.

بينما يهتم كثير من الأشرار بالكرامة الزمنية حتى بعد عبورهم من هذا العالم، يهتمون بأجسادهم بعد موتها أو المقبرة أو إقامة تذكار لهم، إذا بالأبرار لا يشغلهم شيء سوى اللقاء مع العريس السماوي. يشتهون الانطلاق ليكونوا مع المسيح، هذا أفضل لهم من كل عملٍ مهما كان ذا قيمة.

v     "هو إلى القبور يُقاد، وعلى كومة الأجسام الميتة يسهر" [32]... توجد في العالم ندرة للصالحين وجمهور من الأشرار. لهذا بحق قيل: "كومة الأجسام الميتة" حيث تشير إلى جمهور الأشرار. "لأنه واسع الباب، ورحب الطريق الذي يؤدي على الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه" (مت 7: 13). هكذا يسهر الشيطان على كومة الأجسام الميتة، بممارسته خداعات شره في قلوب أبناء الهلاك.

البابا غريغوريوس (الكبير)

حُلْوٌ لَهُ طِينُ الْوَادِي.

يَزْحَفُ كُلُّ إِنْسَانٍ وَرَاءَهُ،

وَقُدَّامَهُ مَا لاَ عَدَدَ لَهُ [33].

إذ يشير إلى ضد المسيح بكونه ممثلٍ لإبليس الشرير، هذا الذي يقيم نفسه إلهًا في هيكل الرب، يراه أيوب أنه ليس إلا بالإنسان المائت الذي يصير ترابًا ورمادًا.

بقوله "حلو له طين الوادي". يرى أيوب أن موته ورجوعه إلى التراب أفضل له من حياته، لأنه يغتصب المجد الإلهي، ويحسب نفسه خالدًا، ويتزعم حركة تمر واضطهاد لكنيسة السيد المسيح.

لعله يشير هنا إلى إعداد الشرير كل شيء خاص بتحنيط جسمه وسكب الأطياب على جثمانه مع أنه ليس له إلا طين الوادي المدفون فيه. لا يتعظ من الموت، ولا يذكر أنه ليس بالشخص الوحيد الذي يواجه الموت، إنما يسبقه أعداد لا حصر لها، ويأتي بعده كل إنسان، الجميع يموتون دون استثناء.

v     "يجتذب كل إنسانٍ وراءه، وقدامه ما لا عدد له" [33]. في هذا الموضع كلمة "إنسان" تعني من يتذوق الأمور البشرية... عدونا القديم إذ يدخل في إنسان الهلاك، يسحب كل الجسدانيين الذين يجدهم تحت نير سلطانه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

فَكَيْفَ تُعَزُّونَنِي بَاطِلاً،

وَأَجْوِبَتُكُمْ بَقِيَتْ خِيَانَةً؟ [34].

يختم أيوب حديثه بالرجوع إلى استخدام صيغة الجمع، أي إلى الحديث مع الأشرار. فما يحل بالشرير من هلاك ودمار لن يعفيهم من الدينونة.

إن كان الأشرار يدَّعون الرغبة في تعزية المتألمين، فتعزيتهم باطلة.

يرفض أيوب حوارهم وبراهينهم لأنها تصدر عن قلوب غير مخلصة، بل تحمل روح الخيانة للصداقة، ولأن مزاعمهم باطلة، إذ يركزون على توبته لكي يتمتع بالرجوع إلى حالة الرخاء التي كان عليها قبل حلول النكبات.

لا مجال للتعزية متى صدرت من قلوبٍ لا تحمل حبًا!

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن حوار هؤلاء الأصدقاء تسبب له آلامًا، وعوض تضميد جراحاته تزداد الجراحات. فمن جانت يتألم البار لعدم أمانتهم وإخلاصهم، ليس من أجل الاتهامات في ذاتها، ولكن من أجل عدم إخلاصهم، وخيانة الصداقة التي قامت بينه وبينهم.

تتألم نفسه وتتمرر، لأنه محب للحق، ويشتهي خلاص الكل، فيجد رائحة الخطية التي للموت تفوح من أعماقهم. تئن نفسه على هلاكهم أكثر من مرارته على توجيه الاتهامات ضده!

v     "فكيف تعزونني باطلاً، وأجوبتكم تظهر أنها ضد الحق" [34]. لم يستطع أصدقاء أيوب أن يعزوه، هؤلاء الذين في حوارهم يقاومون الحق. عندما دعوه مرائيًا أو شريرًا ارتكبوا جريمة خطية الكذب، وبالتأكيد أضافوا متاعب للبار، وجراحاته. فإن أذهان القديسين الخاضعة للحق تتألم بسبب خطايا خداع الآخرين. قدر ما يدركون بقوة أن جريمة البطلان خطيرة، يكرهونها ليست فقط إن ارتكبوها هم بل وأيضًا إن ارتكبها الآخرون.

البابا غريغوريوس (الكبير)


 

من وحي أيوب 21

ترتعد نفسي لهلاك الأشرار!

 

v     كثيرون ينشغلون بالتساؤل: لماذا ينجح الله طريق الأشرار؟

أما أنا فما يشغلني هو أبديتهم!

نعم، قد ينجح الأشرار ويزدهرون،

قد يتمتعون بمناصب قوة!

يظنون أنهم في آمان،

وأنهم فوق كل قانون!

كل ما هو حولهم يهبهم طمأنينة وسلامًا.

 

v     نفسي تحزن لا لنجاحهم،

وإنما لأنهم يهينون طول أناة الله وإمهاله.

يحسبون العبادة إضاعة لوقتهم وطاقاتهم.

حياتهم ليست في يد القدير.

لكنني أرى سراجهم ينطفئ فجأة.

 

v     يئن قلبي إذ يراهم كالتبن قدام الريح،

وكعصافة في وسط زوبعة!

تعبر أيامهم كلحظة عابرة،

تنهار خيامهم تمامًا.

 

v     تُرى كيف يقفون أمام كرسي الدينونة؟

مساكين هؤلاء الذين فقدوا المجد!

يطلبون من الجبال أن تسقط عليهم،

ومن الآكام أن تغطيهم!

مع إرميا النبي أصرخ:

جدران قلبي توجعني!

ذاب كالشمع في داخلي.

شروري تعطيني لذة وقتية، يصحبها دمار لكل كياني.

<<

 

 

 


 

اَلأَصْحَاحُ الثَّانِي وَالْعِشْرُون

 

يمكن تلخيص الدورة الثانية هكذا:

الصديق

فكرته

أصحاح

إجابة أيوب

أصحاح

أليفاز

الله طاهر، يبيد الأشرار.

15

لكنني أنا بريء.

16-17

بلدد

الله يحكم باستقامة ويبيد الأشرار.

18

إن كان يحكم باستقامة، فإنه سيبررني.

19

صوفر

رخاء الأشرار قصير الأجل.

20

بعض الأشرار يزدهرون إلى النهاية في هذا العالم.

21

بدء الدورة الثالثة للحوار

منهج طريق التوبة

في هذا الأصحاح يهاجم أليفاز أيوب للمرة الثالثة، ويتبعه بلدد بينما ينسحب صوفر من الميدان.

في عدم إخلاص كان أصدقاء أيوب يعطون تفسيرًا ملتويًا لكلمات أيوب. الآن إذ أوضح لهم أن الأشرار ليس بالضرورة يفشلون في هذا العالم، بل كثيرًا ما ينجحون، ويزدادون قوة وسلطانًا، حتى يحل بهم الهلاك في العالم الآتي، حرفوا كلماته، وحسبوه يهين خطة الله وعنايته، واتهموه أنه مشتكٍ من تصرفات الله.

في الدورة الثالثة استطاع أليفاز وحده بخبرته الدينية العميقة أن يتكلم بنفس الإطالة السابقة. في حديثيه السابقين يُعتبر هجومه على أيوب معتدلاً نسبيًا، أما هنا فيتحدث عن خطايا معينة.

حرّف أليفاز صرخات أيوب نحو الله ليدافع عن نفسه. ادعى أن أيوب يظن أن الله غير المنظور، عاجز عن أن يظهر ذاته، أو لا يريد ذلك. قارن أليفاز أيوب بالأشرار في أيام الطوفان [١٥-١٦]. وأخيرًا طالب أيوب بالتوبة.

يتقدم أليفاز ليحاول تفسير سبب آلام أيوب وهو أن صلاح أيوب لم يكن لكي يكتسب رضا الله، وإنما يظن أنه يتفضل عليه.

الله كامل في ذاته، لا يحتاج إلى برّ الإنسان أو خطيته. ليس من منفعة لله أن يظهر أيوب خاطئًا لو كان أيوب بريئًا. بهذا فإن سرّ آلام أيوب ليس في الله بل في أيوب نفسه [٢-٥].

أكد أليفاز أن آلام أيوب لأجل خطاياه. ففي رأيه لم يتردد أيوب في مضايقة المدين والمسكين والضعيف والجائع وقد تجاهل الأرامل واليتامى، ولأجل تلك الأعمال القاسية حلت به النكبات. ولكي يثبت له أن الأشرار يهلكون وضع له مثالين شهيرين عن الهلاك النهائي الجماعي لأشرار كثيرين، وهما إغراق العالم بالطوفان، وحرق مدينة سدوم، وإن تلك النهاية تؤدي إلى راحة الأبرار وسرورهم. لذلك أرسل الله المصائب عليه [10-11].

يحثه بعد ذلك على التعقل وطلب المصالحة مع الله، فتأتي أوقات الفرج وتعود إليه السعادة [21-30]. يرى البعض أنه في جدية يبذل كل ما في وسعه لريح نفس أيوب، وما يقوله عن الله هو صحيح وتُعد كلماته تحسنًا في طريقته، وقد حلت محل قسوته السابقة، وقد بسط أليفاز أمام أيوب حالة الأشرار التعسة، لعله يخاف ويتوب، ومن الناحية الأخرى أوضح له السعادة التي يجب أن يتأكد منها الذين يتوبون، وذلك لكي يعزيه ويشجعه على التوبة. وهي طريقة جيدة ومشورة صالحة، وقد شجع أليفاز أيوب على التمسك بالقداسة والتعزية فيحصل على الآتي:

أ- اتساع ثروته، ومنحه بركات زمنية وفيرة، كما يتولى القدير الدفاع عنه.

ب- نجاح نفسه، فيصبح غنيًا بالبركات الروحية التي هي أفضل البركات، حينئذ يتلذذ بالقدير.

ج- شركة دائمة مع الله، فيتمتع بوفرة من الفرح والرجاء حتى في أيام المصائب.

منهج طريق التوبة

أخيرًا يقدم لنا أليفاز صورة حية لمنهج طريق التوبة، بجانبيه السلبي والإيجابي، وكأنه يعلن: "حد عن الشر، وأصنع الخير" (مز 34: 14). فإن أغمضنا أعيننا عن نيته في أن يختلق اتهامات لأيوب البار، فقد أوضح ضرورة التعرف على الخطايا والآثام والاعتراف بها، مع الرجوع إلى الله والتمتع بالشركة معه. لقد قدم صورة جميلة ورائعة عن بركات التوبة.

1. اتهام أيوب أنه ينتقد تصرفات الله           1-4.

2. اتهامه بأنه شرير خطير           5.

3. اتهامه بالوحشية                  6.

4. اتهامه بمقاومة صنع الخير       7.

5. اتهامه بمحاباة الوجوه            8.

6. يهين الأرامل ويسحق الأيتام      9.

7. يقيم لنفسه فخاخًا                  10-11.

8. اتهامه بالإلحاد العملي            12-14.

9. مقارنة حال أيوب بالعالم القديم   15-20.

10. التوبة تعرَّف على الله            21.

11. التوبة تمتع شخصي بالكلمة     22.

12. التوبة رجوع إلى القدير         23.

13. التوبة طريق الغنى               24-25.

14. بالتوبة يُرفع الوجه لله           26.

15. التوبة تفتح أبواب السماء       27-28.

16. بالتوبة نتمجد           29.

17. بالتوبة نشفع في إخوتنا         30.

1. اتهامه أنه ينتقد تصرفات الله

فَأَجَابَ أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ: [1]

هَلْ يَنْفَعُ الإِنْسَانُ اللهَ؟

بَلْ يَنْفَعُ نَفْسَهُ الْفَطِنُ! [2]

قبلاً كان الأصدقاء الثلاثة يتهمون أيوب بالرياء، إذ لم يجدوا خطية يمكن أن يمسكوا بها ضده، لقد أصروا أنه حتمًا كان مرائيًا، يفعل الشر خفية. أما علامة ريائه فهي أن ما حلّ به من نكبات متلاحقة علامة غضب الله عليه. الآن يضع أليفاز سلسلة من الاتهامات أولها حاول أن يستخرجها من كلمات أيوب أثناء الحوار بتأويلها حسب وجهة نظرهم. أول هذه الاتهامات هي أن أيوب يشكو من تصرفات الله وينتقدها، وكأنه يحكم على الله بالظلم.

حسب أليفاز شكوى أيوب من كثرة نكباته بأنه يتهم الله بالظلم. هذا إتهام باطل، فإن أيوب كان أبعد ما يكون من أن يفكر هكذا.

إن استبعدنا نية أليفاز في اتهام أيوب فإن حديثه يحمل جانبًا صادقًا، وهو أن الله ليس محتاجًا إلى صلاح الإنسان، ولا منفعة له في ذلك، وإنما المنفعة تنصب على الإنسان الذي هو موضوع حب الله واهتمامه ورعايته. فالفطنة أو الحكمة هي لبنيان الإنسان وأن مصدر الحكمة هو الله.

"أما الحكمة فنافعة للإنجاح" (جا 10: 10). "التقوى نافعة لكل شيء" (1 تي 4: 8). "إن كنت حكيمًا، فأنت حكيم لنفسك" (أم 9: 12).

v  "هل يُقارن إنسان بالله، حتى وإن كانت له معرفة كاملة؟[991]" [2] الذين يبلغون إلى الحضيض في وضع إتهامات معينة، إذ يناقضون كلمات الحق، غالبًا ما يكررون ما هو معروف، لئلا بإمساكهم لسانهم يبدو أنهم مهزومون. هكذا أليفاز إذ ضغطت عليه أقوال الطوباوي أيوب نطق بأمور معروفة لكل أحدٍ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v  يضرب الإنسان الشرير نفسه أولاً، بل ولا يضرب إلا نفسه، إذ قيل: "هو وحده يتحمل" (راجع أم 9: 12). نفسه دائمًا مملوءة غمًا، وأفكاره دائمًا معقدة، سواء بالنسبة لما يسمعه أو ما يقوله، يمارس كل شيءٍ وهو يشتكي، مُقدمًا اتهامات[992].

القديس يوحنا الذهبي الفم

هَلْ مِنْ مَسَرَّةٍ لِلْقَدِيرِ إِذَا تَبَرَّرْتَ،

أَوْ مِنْ فَائِدَةٍ إِذَا قَوَّمْتَ طُرُقَكَ؟ [3]

الإنسان في ضعفه ومحدوديته يعجز عن أن يقدم أي نفع لله الكلي الكمال الذي لا يزداد في شيءٍ ما. هل يمكن للشمعة أن تفيد الشمس في شيء؟ وهل من نقطة ماء في كوب أن تؤثر على المحيط؟

إن صارت طرقنا كاملة تمامًا فهل يمكنها أن تنفع الله. وأية مسرة لذاك القدير إن صرنا أبرارًا. فهو مصدر السلام والتطويب والبهجة. إن حدثنا بلغتنا البشرية أنه يُسر بنا، إنما يكشف هذا عن حبه لنا، وشوقه إلى خلاصنا ومجدنا، دون أن ينتفع من برَّنا وتقديسنا في شيء خاص به.

v  "هل من نفع لله إذا تبررت؟ أو من فائدة إذا قدَّمت طرقك؟[993]" [3] في هذا كله نحن نفعل حسنًا، نعمل لصالحنا لا لصالح الله. لذلك قيل بالمرتل: "يا نفسي قولي للرب: أنت إلهي، لست في حاجة إلى خيراتي" (مز 16: 2). فهو بالحق ربنا، إذ هو أيضًا بالتأكيد الله غير المحتاج إلى أحدٍ يخدمه، بل يرد الخير الذي يتقبله، حتى أن الخيرات التي تُقدم لا تفيده هو بل الذين تقبلوها أولاً وترتد ثانية إليهم. يقول الرب عند مجيئه للدينونة: "بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم" (مت 25: 40). يقول هذا بحنوٍ فائقٍ وتعاطفٍ مع أعضائه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v  لو لم يكن يحبنا فلماذا خلقنا؟ هل هو في احتياج إلينا؟ هل نحن نمده بشيءٍ؟ بأية خدمةٍ؟ هل يحتاج إلى شيءٍ نقدمه إليه؟ اسمع ما يقوله النبي: "قلت للرب أنت ربي، خيري لا شيء غيرك" (مز 16: 2)[994].

v  لا يحتاج إلى خدماتنا كما يحتاج السادة إلى خدمهم، بل ترجع أعمالنا ذاتها إلينا لنفعنا نحن. بالنسبة لهم ينتفع السادة بخدمة الخادم، أما بالنسبة لخدمتنا كخدمٍ فلا ينتفع بها السيد، بل يتمتع الخادم بالمنفعة كقول المرتل: "خيري لا شيء غيرك" (مز 16: 2). قل لي: ما هو نفع الله إن كنت بارًا، أو ماذا يصيبه إن كنت ظالمًا؟ أليست طبيعته غير قابله للفساد، ولن يمسها أذى، أسمى من كل ألم؟[995]

القديس يوحنا ذهبي الفم

هَلْ عَلَى تَقْوَاكَ يُوَبِّخُكَ،

أَوْ يَدْخُلُ مَعَكَ فِي الْمُحَاكَمَةِ؟ [4]

عندما يوبخنا الله لكي نصير أتقياء، لا يفعل هذا عن ضرر قد أصابه، لكنه كأبٍ يود أن ندخل في شركة معه، فنصير أيقونة حية له، وذلك لمجدنا نحن. إنه يوبخ لأجلنا. إنه لا يدخل في محاكمة كمن أصابه ضررٌ، وإنما لكي يعطينا فرصة الحوار، فنشعر بحبه المتنازل ورعايته لخلاصنا.

v  "هل خوفًا منك يوبخك؟ أو يدخل معك في المحاكمة؟[996]" [4] من يفكر هكذا إلا إذا كان فاقدًا لحواسه، كأن الرب ينتهرنا عن خوفٍ أو يصدر حكمًا علينا عن رعبٍ؟ ولكن الذين لا يعرفون كيف يزنون كلماتهم ينزلقون بلا شك في حديثٍ باطلٍ... هكذا أليفاز الذي نطق بكلمات باطلة، نطق بكلمات فجأة فاسدة وبعنفٍ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

2. اتهام أيوب بأنه شرير خطير

أَلَيْسَ شَرُّكَ عَظِيمًا،

وَآثَامُكَ لاَ نِهَايَةَ لَهَا! [5]

كان الأصدقاء الثلاثة بين الحين والآخر يلمحون باتهامهم لأيوب، أما الآن فقد شعر أليفاز أنه ليس وقت للتلميح بل لمواجهة صريحة. إنه يوجه أيوب إلى ضميره ليحكم على نفسه كإنسانٍ شره عظيم، وآثامه لا نهاية لها.

يصوِّر لنا أليفاز نظرته إلى أيوب ليس أنه مرائي يخفي شروره ويتستر على آثامه فحسب، وإنما يراه شريرًا، شره عظيم، وآثامه بلا نهاية. وكأنه يقول له: لا تسعفني اللغة لأصور ما أنت عليه من شرٍ، صورتك بشعة للغاية!

v  "أليس شرك عظيمًا، وآثامك لا نهاية لها؟" [5] لاحظوا كيف يخرج من قلبٍ ميتٍ كلمات باطلة، ومن كلمات باطلة إلى بشاعة في الكذب، فالتهب قلبه لينطق لسانه بشتائمٍ. هذا هو الانحطاط بتزايد الخطية، حين لا يُضبط اللسان لا يتوقف، بل ينحدر على الدوام إلى ما هو أشر.

البابا غريغوريوس (الكبير)

3. اتهامه بالوحشية

أَنَّكَ ارْتَهَنْتَ أَخَاكَ بِلاَ سَبَب،

وَسَلَبْتَ ثِيَابَ الْعُرَاةِ [6].

يصوِّر لنا أليفاز أيوب في صورة وحشية. يراه إنسانًا لا يعرف الرحمة، وليس فيه أية لمسة إنسانية. لا يرتهن أشياء من أخيه كضمانٍ لتسديد ما يقدمه له من قرض، بل يرتهن أخاه نفسه، ويتحفظ عليه كرهينةٍ ذليلةٍ، وكعبدٍ يفقد حريته.

في مبالغة خطيرة مؤلمة يصوِّر أليفاز أيوب أنه يسلب العاري، الذي بلا ثياب، ثيابه! بمعنى أنه عوض أن يقدم ثيابًا للعراة كي يستر عليهم ويستدفئوا، أو حتى يتجاهل عريهم وما يعانونه من فقرٍ مدقعٍ وما يتحملونه من بردٍ، يعرف كيف يسلب ثيابًا ممن ليس لديهم ثياب!

اتهم أيوب بأنه أخذ بعض الأشخاص رهينة، وأودعهم في السجن، واستعبدهم، لأنه لم يكن لديهم ما يوفون به من دينٍ. وأنه جردهم من ملابسهم وتركهم عراة، الأمر الذي ينهاه الناموس الطبيعي وأيضًا الموسوى (خر 22: 26؛ تث 24: 13).

لكي يبرز أيوب في أكثر وحشية يتهمه أنه لم يستعبد غريبًا (فقط)، وهذا فيه وحشية، وإنما استعبد أيضًا أخاه الذي هو عضو في أسرته أو من بني جنسه.

لم يذكر أليفاز أسماء أشخاص ارتكب معهم أيوب هذا العنف، ولو أن هذا حق لما وصفه الله نفسه أنه مستقيم.

v  "لأنك ارتهنت أخاك بلا سبب، وسلبت ثياب العراة" [6]. في الكتاب المقدس تستخدم كلمة "pledge" (رهن أو عربون) لتشير إلى مواهب الروح القدس، وأحيانًا إلى الاعتراف بالخطية. تستخدم كموهبة الروح القدس عندما يقول بولس: "وأعطى عربون الروح القدس في قلوبنا" (2 كو 1: 22). فإننا ننال العربون ليكون لدينا تأكيد الوعد الذي قُدم لنا. تُدعى عطية الروح القدس عربونًا حيث تتقوى نفوسنا بتأكيد الرجاء الداخلي.

مرة أخرى يقصد بكلمة "عربون" الاعتراف عن خطية، كما هو مكتوب في الناموس: "إن صار أخوك مدينًا لك في شيء وأخذت منه رهينة فإلى غروب الشمس تردها له" (راجع خر 22: 26). فإن أخانا يكون مدينًا لنا عندما يخطئ ضد زميله المخلوق في أمرٍ ضدنا. فإننا ندعو الخطايا "ديونًا" (مت 18: 32). وفي الصلاة الربانية نصلي كل يوم: "اغفر لنا ما علينا، كما نغفر نحن لمن لنا عليهم" (مت 6: 12).

v  "وسلبت ثياب العراة" [6]... من يكون عاريًا لا يمكن تجريده من شيء، لكننا نتساءل: لماذا يُشار إليهم كعراة ثم بعد ذلك يُجردون. من الضروري أن تعرف أن كل واحدٍ تمتع بنقاوة الفكر، فإنه بهذا ليس له ثوب التعامل الخادع (بوجهين) فهو عارٍ. ويوجد البعض بين الهراطقة من لهم نقاوة القلب بالحق، ولا يزالون يتمسكون بعقائدٍ فاسدة في تعليمهم. هؤلاء عراة بنقاوتهم ويرتدون كما بتعليم الناس.

البابا غريغوريوس (الكبير)

4. اتهامه بمقاومة صنع الخير

مَاءً لَمْ تَسْقِ الْعَطْشَانَ،

وَعَنِ الْجَوْعَانِ مَنَعْتَ خُبْزًا [7].

بعد أن صوَّره كإنسانٍ وحشيٍ يستعبد أخاه، ويبذل كل الجهد ليسلب من العاري ثوبًا ليس لديه، الآن يقدمه كإنسانٍ بلا إحساس، لا يقدم ماءً لعطشانٍ، مع أن الماء مِلك عام لكل البشرية، وإن رأى إنسانًا يقدم خبزًا لجائع يمنعه من عمل الرحمة. فلا يعمل خيرًا، ولا يترك غيره يمارس الخير.

وصفه كإنسانٍ لم يحسن قط إلى المساكين حتى الذين بلغوا إلى الجوع والعطش، فلم يقدم كأس ماء لعطشان، الأمر الذي لا يكلفه شيئًا.

v  "لم تعطِ ماءً للمضطربين، وأمسكت خبزًا عن الجائعين[997]" [7]. فإن الهراطقة أنفسهم يفكرون أن يعطوا ماءً للمضطربين، عندما يقدمون كأس أخطائهم لأشخاصٍ يعانون تحت أثقالهم الأرضية.

هؤلاء يعتبرون أنفسهم أنهم لم يمسكوا خبزًا عن الجائعين. عندما يُسألون، يجيبون في كبرياءٍ وجسارة حتى عن الأمور غير المنظورة وغير المدركة. يقدمون أنفسهم كمن هم متعلمون فوق كل بشرٍ، حتى عندما يتجرأون ببؤسٍ أن يتكلموا عن أمورٍ غير معروفة.

أما الكنيسة المقدسة، فعندما ترى أحدًا جائعًا نحو شيء ما ليس لصالحه، إما أنها ترده بتحفظ إن كانت هذه الأمور بالفعل معروفة لديها، أو ظهرت كأنها غير معروفة فتعترف بذلك في تواضعٍ. إنها تسترد الإحساس بتواضعٍ بتدبيرٍ حسنٍ عندما توصي كل واحدٍ منهم خلال كرازتها: "ألا يرتئي فوق ما ينبغي أن يرتئي، بل أن يفكر بتعقلٍ" (رو 11: 20)... هكذا إذ نرى الكنيسة المقدسة تمنع العقول الضعيفة أن تتعمق في الحقائق. قيل للطوباوي أيوب: "أمسكت خبزًا عن الجائعين".

البابا غريغوريوس (الكبير)

5. اتهامه بمحاباة الوجوه

أَمَّا صَاحِبُ الْقُوَّةِ فَلَهُ الأَرْضُ،

وَالْمُتَرَفِّعُ الْوَجْهِ سَاكِنٌ فِيهَا [8].

بعد تشويه صورة أيوب وإبرازه كشريرٍ خطيرٍ، آثامه بلا حدود، وحشي الطبع، يستعبد أخاه، لا يفعل خيرًا، ويمنع الآخرين عن ممارسته، يتهمه بأنه يحابي الوجوه، فإذا ارتكب غني أو عظيم ظلمًا لا يسأله عن جريمته.

v  "إن تحفظ هذه الأمور دون تفضيل أحدٍ على آخر، ولا تعمل شيئًا بمحاباة" (راجع 1 تي 5: 21). لتعمل في غير محاباة بالعدل بين الذين تحت المحاكمة، وتحكم أنت عليهم، فلا ينشغل فكرك بأحدٍ مسبقًا، ولا تنحاز إلى أحدٍ مقدمًا[998].

القديس يوحنا ذهبي الفم

v  قيل هذا بخصوص المحبة التي يليق بالإنسان أن يقدمها لقريبه. لننشغل بهذه الأمور دون أن نرتكب معصية، ولا نعمل شيئًا بمحاباة أو لخزي الآخرين، بل لنحب الفقراء كخدام الله، وعلى الأخص نفتقدهم[999].

القديس إكليمنضس الروماني

v  "حيث الغيرة والتحزب هناك التشويش وكل أمر رديء. وأما الحكمة التي من فوق فهي أولاً طاهرة، ثم مسالمة، مترفقة، مذعنة، مملوءة رحمة وأعمالاً صالحة بلا محاباة" (راجع يع 3: 16-17). أي تطويب لا يناله الإنسان الذي يصلي طالبًا هذه الحكمة وينالها من الرب؟[1000]

القديس أغسطينوس

6. يهين الأرامل ويسحق الأيتام       

الأَرَامِلَ أَرْسَلْتَ خَالِيَاتٍ،

وَذِرَاعُ الْيَتَامَى انْسَحَقَتْ [9].

اتهمه بأنه كان يصرف الأرامل المسكينات فارغات من باب بيته، وعوض مساعدة اليتامى سحق أذرعهم، فصاروا عاجزين عن مساعدة أنفسهم.

لهذا الاتهام خطورته، إذ يُحسب أنه موجه ضد الله نفسه. ففي العهد القديم يُحسب الله قاضيًا للأرامل وأبًا للأيتام. ولعله حتى قبل الناموس كان المؤمنون بالله يدركون هذا، إما خلال الناموس الطبيعي أو بالتقليد المُسلم عبر العصور. فمن يستخف بالأرملة يضع نفسه في موقفٍ حرجٍ مع قاضي الأرامل والمدافع عنهن، ومن يسحق أذرع اليتامى يكون كمن وجه الضربات ضد أبيهم السماوي، الذي يعتز بأنه أب اليتامى.

يحمل هذا الاتهام رمزًا لما يفعله الهراطقة الذين يمتنعون عن الزواج بكونه نجاسة، وعن تناول أطعمة خلقها الله كاللحوم بكونها دنسة (1 تي 4: 5)، كما نادى بعض الغنوصيين. فإنهم يريدون أن يحطموا قدسية الزواج، وأن يدنسوا خليقة الله الصالحة. فتتحول النفوس إلى أرامل فقدن عريسهن السماوي، ربنا يسوع، ونزعوا عنها تهليل العرس وفرح الروح والشركة مع المخلص. ومن جانب آخر يريدون أن يحرموا النفوس من الطعام السماوي، وخبز الملائكة، لكي تصير كأيتام أذرعتهم مكسورة ومحطمة، عاجزة عن ممارسة الأعمال الروحية.

جاء مسيحنا ليردنا من حالة الترمُّل، وينزع عنا يُتمنا، إذ صار لنا العريس الروحي والأب السماوي. وأما عدو الخير فيعمل خلال الأشرار ليردنا إلى الترمُّل واليُتم!

7. يقيم لنفسه فخاخًا

لأَجْلِ ذَلِكَ حَوَالَيْكَ فِخَاخٌ،

وَيُرِيعُكَ رُعْبٌ بَغْتَةً [10].

هذا اتهام جديد، وهو أنه كان يليق بأيوب ألا يشكو مما حلّ به، كأنه ثمرة ظلم الله له، لأن كل النكبات التي حلت به هي من الشباك التي نصبها أيوب لنفسه بظلمه للغير وتجاهله المساكين والأرامل والأيتام. كل متاعبه هي ثمرة أفعاله التي افترض أليفاز أنه قد مارسها.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن هذا الاتهام يوجهه الهراطقة ضد الكنيسة عبر كل العصور. إنهم يدَّعون أنهم يعرفون الحق، وينعمون به، ويسخرون بالمؤمنين الحقيقيين الذين يمارسون التوبة اليومية، بأنهم يرعبون أنفسهم، ويضعون لأنفسهم الفخاخ المُهلكة.

v  "لذلك الفخاخ حولك، الخوف المفاجئ يبغتك" [10]... عندما يتطلع الهراطقة إلى الشعب المؤمن كمن ينحدرون بخطايا عدم الإيمان، يتهمونهم بأن الفخاخ حولهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

أَوْ ظُلْمَةٌ فَلاَ تَرَى،

وَفَيْضُ الْمِيَاهِ يُغَطِّيكَ [11].

ينسب أليفاز العمى لأيوب، فإنه كان قبل حلول التجارب في ظلمة، إذ وضع الشباك حوله لنفسه بشره، وها هو يسقط فيها، ولا يقدر على الخلاص منها. إن التجارب تتدفق عليه كشلالات تغمره وليس من منقذٍ له منها.

v  "وأنتم تفكرون أنكم لم تروا ظلامًا، وأنكم لم تنحدروا بقوة المياه المندفعة" [11]... يدعو أليفاز التجارب والأحزان مياهًا مندفعة، حيث تندفع كمجموعة واحدة وراء الأخرى كما بمياه ترتفع بأمواج تلوها أمواج.

البابا غريغوريوس (الكبير)

8. اتهامه بالإلحاد العملي

هُوَذَا اللهُ فِي عُلُوِّ السَّمَاوَاتِ.

وَانْظُرْ رَأْسَ الْكَوَاكِبِ مَا أَعْلاَهُ [12].

يعدد أليفاز اتهامات باطلة ضد أيوب وهو بريء منها. وقد جاء هذا الاتهام الجديد أنه وإن كان يدَّعي التدين، ويقدم ذبائح عن أولاده، إلا أنه يمارس الالحاد العملي.

يقول أليفاز حقًا إن أيوب يؤمن بأن الله هو في علو السماوات، أعلى من كل الكواكب، لكنه ملحد عمليًا، كيف؟ وإن كان الله موجود إلا أنه لا يبالي بالبشر، ولا ينشغل بخطاياهم أو برهم، فالحياة البشرية لا تشغل ذهن الله، بهذا استباح أيوب صنع شرورٍ كثيرةٍ وعظيمةٍ بلا نهاية، إذ ليس فيه خوف الله.

كيف اكتشف أليفاز إلحاد أيوب البار؟

إن كان ليس لدى أليفاز أسماء معينة مارس أيوب معها الظلم والجحود، لكنه حسب نفسه أنه كرجلٍ فهيمٍ ومدركٍ لأسرار الأمور أنه ليس من خطية يعاقب الله عليها بهذه الصورة إلا خطية الظلم والقسوة وعدم الرحمة.

ربما في رأي أليفاز أن أيوب أخطأ لأنه وإن مارس بعض التصرفات الظاهرة ليؤكد لمن هم حوله أنه رجل الله، المؤمن القائد، لكن أعماله تكشف ما يخفيه في فكره، وهو أنه يعتقد بأن الله ليس في أعالي السماوات، وأنه ليس شيء ما مخفيًا عنه. لو علم أيوب ذلك لما نسب لله ظلمًا، ولثبَّت خوف الله في قلبه، ولم يقل إن عين الله لا ترى العالم (حز 8: 12)، ولالتزم بالعمل باستقامة ورحمة.

فَقُلْتَ: كَيْفَ يَعْلَمُ اللهُ؟

هَلْ مِنْ وَرَاءِ الضَّبَابِ يَقْضِي؟ [13]

لعل أليفاز يرى أن أيوب يدرك أن الله في أعالي السماوات، ولكن عوض تقديم المهابة اللائقة به استخف به، لأنه في الأعالي لا يستطيع أن يرى من وراء الضباب، ولا يشغل نفسه بما يدور بين البشر على الأرض.

يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على هذه العبارة موضحًا الحقائق التالية:

أ. حقًا الله كائن في السماوات، وكأنه محتجب عن البشرية من وراء الضباب الذي لا يعطي للعيون البشرية أن تعاينه.

ب. هو بكامله حاضر شخصيًا مع كل أحدٍ، وبكامله حاضر مع الجماعة. فحضوره بالكامل مع الأشخاص لا ينفي حضوره بالكامل مع الجميع.

ج. سماوات الله في الأعالي، ومع هذا فبعنايته الإلهية مهتم بكل إنسانٍ على الأرض.

د. يبدو الله كمن يفارق الذين يخطئون، ليس لأنه غير حاضر في موضعٍ ما، إذ ليس من موضعٍ ليس فيه الله، لكنه يفارق الأشرار المصرِّين على شرورهم، بمعنى تفارقهم نعمته، فلا يجدون عونًا إلهيًا يسندهم، لأنه لا يعمل بدون رضانا. فهو غائب من جهة تقديم العون للرافضين عمله فيهم، لكنه حاضر بالنسبة لهم بإدانتهم، خاصة في يوم الرب العظيم.

هـ. الله حاضر بكامله في العلويات، وبكامله على الأرض في السفليات. حضوره على الأرض لا يعني مفارقته للعلويات.

و. الله مخفي بالنسبة للبشر حيث لا يستطيعون رؤيته بالأعين الجسمية، لكنه منظور خلال أعماله الإلهية الفائقة. لا يُدرك بالبصر العادي، لكنه يُلمس خلال أعماله وأحكامه.

ز. الله الذي لا يُدرك بالحواس الجسمانية يتنازل لكي يدركه البشر بإشراقاته في أذهاننا، لكن مع كل ما نتمتع به نُحسب كمن هم عاجزون عن إدراكه كما هو.

v  "هل تحسبون الله في أعالي السماء، أعلى من علو الكواكب؟ وأنتم تقولون: كيف يعرف الله؟[1001]" [12-13] كثيرون جدًا أغبياء هكذا حتى إنهم لا يقدرون أن يخشوا شيئًا سوى ما يرونه بطريقة ملموسة. فهم لا يخشون الله، لأنهم لا يقدرون أن يروه...

إنه بالحق، كلي القدرة على الدوام... هو حاضر بالنسبة لكل واحدٍ شخصيًا، حاضر بطريقة ما لكل أحدٍ حتى إن حضوره لا يكون ناقصًا للكل معًا.

فإنه وإن كان يترك الأشخاص عندما يخطئون، لكنه هو حاضر بالنسبة لذات الأشخاص بالنسبة للدينونة، وإن كان يُرى كأنه غير حاضر بالنسبة لمساندتهم.

هكذا هو يُحيط ما هو من الخارج ويملأ ما هو بالداخل... يدير العلويات فوق دون أن يهمل الأعماق أسفل. حاضر بطريقة ما في الأجزاء السفلية دون أن يفارق العلويات.

إنه مخفي بطريقة ما بالنسبة لمظهره لكنه يبقى معروفًا خلال أعماله، وهو معروف في عمله، ومع ذلك يبقى غير ممكن إدراكه بحسابات من يعرفه. إنه هكذا بطريقة ما حاضر، لكنه يبقى غير ممكن رؤيته. بطريقة ما يستحيل رؤيته غير أن أحكامه تبقى شاهدة على حضوره. يُخضع نفسه لكي يُدرك بواسطتنا، ويبقى شعاع إدراكه لذاته ملبدًا بالغيوم. مرة أخرى إذ نُمسك بظلام الجهل يبقى مشرقًا في ذهننا بأشعة بهائه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v  "لكلماتي أصغِ يا رب" (مز 5: 1). إذ تدعو (الكنيسة) الرب، الذي هو معينها، تعبر هذا العالم الشرير وتبلغ إليه. "تفهم صراخي" (مز 5: 1)؛ يظهر المرتل حسنًا أن هذا الصراخ هو من الداخل من حجال القلب، دون نطق جسماني، يبلغ إلى الله، لأن الصوت الجسماني يُسمع، وأما الروحي فيُفهم. فإن هذا هو سماع الله، لا بأذنٍ جسمية، وإنما بكونه حاضر في كل مكان بعظمته[1002].

القديس أغسطينوس

السَّحَابُ سِتْرٌ لَهُ فَلاَ يُرَى،

وَعَلَى دَائِرَةِ السَّمَاوَاتِ يَتَمَشَّى [14].

لعل أليفاز ينسب باطلاً لأيوب أنه يتطلع إلى الله بكونه قد ستر نفسه بالسحاب الكثيف فلا يُرى من البشر، وأنه يتمشى على دائرة السماوات كمن هو مشغول بمجده، ولا يبالي بالخليقة الأرضية.

كأن أليفاز يطالب أيوب أن يتراجع عن شروره التي كان يمارسها خفية، ظانًا أن المحيطين به لا يرونها ولا يدركونها، بل والله نفسه لا ينشغل بها، لذا حلت به التجارب لكي يراجع أيوب نفسه، ويعترف بخطاياه العظيمة، وآثامه التي بلا نهاية. يليق بأيوب – في عيني أليفاز – أن يدرك أنه صار في فضيحة، لا من أجل النكبات في ذاتها، وإنما من أجل ما هو ورائها من فضيحة على الأرض كما في السماوات.

9. مقارنة حال أيوب بالعالم القديم

هَلْ تَحْفَظُ طَرِيقَ الْقِدَمِ الَّذِي دَاسَهُ رِجَالُ الإِثْمِ [15].

بعد أن ظن أليفاز أنه بحكمته وخبرته كشف عن عيني أيوب ليرى خطاياه وآثامه، الآن يقدم له تحذيرات لئلا يكون مصيره مصير رجال الإثم القدامى مثل أولئك الذين غمرهم الطوفان في أيام نوح. إنه يتهم أيوب بأنه يسلك ذات طريقهم، وستنتهي حياته كما انتهت حياتهم.

الطريق الذي يسلكه أيوب – في رأي أليفاز - ليس طريقًا حديثًا، إنما هو طريق قديم متسع ومطروق، نهايته الهلاك.

إن كان أليفاز يدعو أيوب أن يخرج من الطريق الذي يسلكه، هذا الذي سبق فسلكه كثيرون منذ القدم وهلكوا، فإن رب المجد على خلاف أليفاز لم ينهج الطريق السلبي، إنما قدم نفسه الطريق الإلهي الذي يهب الخطاة المغفرة بالتوبة، ويحملهم إلى أبواب السماء المفتوحة لهم، والتي تترقبهم.

هنا يليق بنا أن نضع مقابلة بين أليفاز المُدمر للآخرين وبين السيد المسيح واهب الرجاء لكل العالم. ففي كبرياءٍ وتشامخٍ ادَّعى أليفاز أنه رجل حكيم وصاحب فهم يقود أيوب للتعرف على خطاياه التي أخفاها عن الناس وعن الله، والتي حاول أن يتجاهلها فحلّ به سيل من النكبات، وطوفان من الضيقات لن تتوقف حتى يهلك تمامًا. أما السيد المسيح فهو حكمة الله الأزلي، جاء في تواضعٍ ليمسك بأيدي الأشرار دون أن يجرح مشاعرهم، يحملهم فيه ويدخل بهم إلى الأحضان الإلهية، يسند الضعفاء ويهبهم روحه القدوس واهب الحب والفرح والسلام والصلاح والتعفف.

حاول أليفاز أن يدمر نفسية أيوب باتهاماتٍ باطلةٍ. أما رب المجد يسوع فحمل الاتهامات الموجهة ضد البشر، واهبًا إياهم الشركة معه في الطبيعة الإلهية ليرفع من نفسيتهم، ويهبهم صحة الجسد والنفس والروح على مستوى أبدي، حيث يتمجد الإنسان بكليته في يوم الرب العظيم.

v  هل تعطي علامة للطريق القديم الذي يطأه الأشرار؟[1003]" [15] لما كان طريق فادينا هو التواضع، فإن طريق العالم هو الكبرياء. وهكذا فإن الأشرار يطأون طريق العالم، حيث بواسطة شهوات العالم يسيرون في الاعتداد بالذات.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v  إن كنا نحن أيضًا أيها الإخوة الأحباء في المسيح، إن كنا نلبسه، إن كان هو طريق خلاصنا، نحن الذي نتبع المسيح في خطوات الخلاص، فلنسلك متمثلين به كما يعلمنا الرسول يوحنا: "من قال إنه ثابت فيه، ينبغي أنه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو أيضًا" (1 يو 2: 6)[1004].

الشهيد كبريانوس

v     إنه البيت الذي نذهب إليه؛ إنه الطريق الذي به نذهب. ليتنا نذهب به إليه؛ فلا نضل الطريق[1005].

القديس أغسطينوس

v  تمسك مقدمًا بما شهدوا به عن أنفسهم، قائلاً: "كما قبلتم المسيح يسوع الرب، اسلكوا فيه" (كو 2: 6)... فإنه هو الطريق الذي يقود إلى الآب، لا تسلكوا في الملائكة، فإن هذا الطريق لا يبلغ إلى هناك[1006].

القديس يوحنا الذهبي الفم

الَّذِينَ قُبِضَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْوَقْتِ؟

الْغَمْرُ انْصَبَّ عَلَى أَسَاسِهِمِ [16].

لقد باغت الطوفان الأشرار فجأة وهم غير مستعدين، ظانين أنهم يعيشون سنوات طويلة، فغرقوا وهلكوا كما لما كان قبل الأوان. لقد عجًّل الطوفان بحياتهم فجأة. لقد وضعوا الأرض أساسًا لهم، وبنوا عليها آمالهم، وظنوا أنهم في أمان كما على أساس صخري، لكن الغمر أنصب على أساسهم هذا. "الطوفان الذي جلبه الله على عالم الفجار" (2 بط 2: 5).

ربما يتساءل البعض: أليس عمر الإنسان معروفًا مسبقًا عند الله، فكيف يُقال إن الأشرار يُقبض عليهم قبل الأوان؟

هل يموتون قبل الموعد المعيَّن لهم؟ وهل تطول أيام حياة الأبرار عما عيَّنه الله لهم؟

أولاً: يرى البابا غريغوريوس (الكبير)، أن كل إنسان له عمر لائق به يناسبه أو يستحقه. لكن الله أيضًا يعلم مسبقًا أن هذا الشرير من الأفضل أن يموت مبكرًا لكي لا يعثر الصديقين، أو يتركه لعمرٍ أطول لأجل إعطائه فرصة لعله يتوب.

فما يُقال عن أن عمر الإنسان يقصر أو يطول لا يعني أن الله يغيِّر رأيه فيما سبق أن عرف، لكن الإنسان ينال عمرًا أطول أو يُقصر عمره لحكمة إلهية، سواء بالنسبة للشخص نفسه أو من هو حوله، وهو يعلم مسبقًا أيضًا ما يليق، هل يضيف أو يُنقص من عمر شخص ما حسبما يلزم أن يكون عليه حسب الطبيعة أو حسب استحقاقه.

ثانيًا: يرى العلامة أوريجينوس أن مقاييس العمر تختلف عند البشر عنها عند الله. فكما يقول المرتل يوم واحد عند الرب كألف سنة، وألف سنة كيومٍ واحدٍ. ففي يوم الرب العظيم نُفاجأ بأطفالٍ صغار يُحسبون كأشخاصٍ عاشوا سنوات كثيرة، وشيوخ نراهم كأطفالٍ صغار.

لتوضيح ذلك إن قارنَّا الجنين يوحنا المعمدان حين ارتكض مبتهجًا في بطن أمه القديسة اليصابات، نجده حسب المقياس البشري لم يكن قد وُلد بعد، ولا تُحسب مدة بقائه في الرحم من عمره، بينما في نظر الله وحسب مقاييسه يحسب كإنسانٍ ناضجٍ، سنه أكثر مما لرئيس الكهنة، والكهنة، والكتبة، والفريسيين الخ. في ذلك الحين، لأنهم يُحسبون كموتى لم يشهدوا للسيد المسيح بالرغم من معرفتهم للنبوات عقليًا.

قد يموت أبرار وهم أطفال ويحسبون كمن عاشوا آلاف السنين في عينيّ الرب، وقد تطول أيام طغاة أشرار وتحسب أيامهم كلا شيء. "تخرج روحهم فيعودون إلى ترابهم".

عندما نسمع عن وصية الرب: "أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض"، لا نندهش إن مات ابن أو ابنة في سن مبكرة بالرغم من إكرامهما للوالدين، فإن هذا الابن (أو الابنة) يُحسب كمن طال عمره على الأرض، لأن يومًا واحدًا من عمره يُحسب عند الرب كألف سنةٍ. هذا هو التفسير الروحي الرمزي الذي تبنَّاه العلامة أوريجينوس في مواضعٍ كثيرة حين تحدث عن عمر الإنسان على الأرض.

بحسب هذا التفسير يُقبض على الأشرار قبل الأوان، لأن حياتهم بلا ثمر، لم ينتفعوا بفرص التوبة للتمتع بالشركة مع الله واهب الحياة. فبموتهم يحسبون كموتى فقدوا الحياة، ولم يحرصوا عى التمتع بها.

v  "الذين يؤخذون قبل الوقت، حيث يفيض الطوفان على أساسهم"... كل إنسان يؤخذ من هذه الحياة في وقت سبق معرفته قبل الزمن بسلطان إلهي. لكن يلزم معرفة أن الله القدير، في خلقته لنا وتدبير أمورنا، يعين حدود (حياتنا) حسب استحقاق كل أحدٍ. فقد يلزم الشرير أن يعيش وقتًا قصيرًا، لئلا يسيء إلى كثيرين يسلكون باستقامة، وقد يلزم أن يبقى الإنسان الصالح مدة أطول في الحياة، حتى يكون معينًا في أعمال صالحة لكثيرين.

مرة أخرى فإن الشرير يلزم أن يبقى مدة أطول في الحياة حتى يضيف أعمالاً شريرة إلى أعماله. وهكذا البار قد يمارس حياة صادقة تتطهر بامتحانه، أو يلزم سحب الإنسان الصالح بأكثر سرعة، لئلا إن عاش أكثر، قد يُفسد براءته.

لكن ليوضع في الاعتبار إن رأفات الله هي التي تهب الخطاة فرصة للتوبة. على أي الأحوال قد تُوهب لهم أزمنة ولا يرجعون ليحملوا ثمار الندامة بل يخدمون الشر، وبرحمة الله ينالون الأزمنة لعلهم يتخلون عن تصرفاتهم.

بالرغم من أن الله القدير يعرف مسبقًا وقت موت كل أحدٍ، متى تنتهي حياته، لا يقدر أحد أن يموت قبل أوانه، بل في الوقت المعين لموته، فإنه إن كان قد أُضيف إلى حياة حزقيا خمسة عشر عامًا (2 مل 20، إش 38)، فإن زمن حياته بالحقيقة زاد عن النهاية التي كان يستحقها، وقد سبق فعرف الله وقته في هذه اللحظة والتي فيما بعد يسحبه من الحياة الحاضرة.

هذا الأمر هكذا: ماذا يعني "يُقطع الأشرار قبل أوانهم" سوى أن كل أولئك الذين يحبون الحياة الحاضرة يعدون أنفسهم لفترات أطول من تلك الحياة؟ وعندما يسحبهم الموت من الحياة الحاضرة، فإن الفترات الطويلة لحياتهم التي اعتادوا أن يتخيلوها تكون قد سُحبت منهم، إنها تُقطع إربًا. بحق قيل عن هؤلاء: "أساسهم قد أفاض بطوفان"...

وُصف قايين إنه أول من أسس مدينة على الأرض (تك 4: 17)، وهو بهذا أكد بوضوح أنه غريب، حيث كان غريبًا عن الثبات في العالم الأبدي، فأنشأ أساسًا على الأرض. بكونه غريبًا عن الأمور العلوية وضع استقراره في أساسٍ لأمور سفلية، ووضع استقرار قلبه في اللذة الأرضية.

كما بانهيار الزمن اليومي حالة الموت في الحياة الحاضرة ذاتها تجري نحو النهاية، وتحطم تكريس أبناء الهلاك بإزالة هؤلاء الأشخاص عينهم، بحق قيل عن الأشرار: "أساسهم قد أفاض بطوفانٍ"، بمعنى ذات التغير يلقي فيهم استقرار إنشاءات الأشرار.

البابا غريغوريوس (الكبير)

الْقَائِلِينَ لله: ابْعُدْ عَنَّا.

وَمَاذَا يَفْعَلُ الْقَدِيرُ لَهُمْ [17].

خطية هؤلاء الأشرار أنهم يطلبون من الله: "أبعد عنا"، إذ يريدون أن يعيشوا بلا إله، حتى لا تثور ضمائرهم، ولا يفقدون بلادتهم. لقد تجاهلوه قائلين: "الرب لا يُحسن ولا يُسئ" (صف 1: 12).

لقد سمعوا عنه أنه القدير، ولكن في نظرهم أي سلطان له عليهم؟

كما سبق فقلنا إن الإلحاد نوعان: إما إنكار وجود الله، أو مع معرفتهم بوجوده يظنون أنه لا يشعر بهم، بعيد عنهم في سماواته، أو يطلبون منه أن يبعد عنهم، إذ يحسبونه عاجزًا عن أن يهبهم السعادة التي يطلبونها، أو يحقق لهم ما يشتهونه.

وَهُوَ قَدْ مَلأ بُيُوتَهُمْ خَيْرًا.

لِتَبْعُدْ عَنِّي مَشُورَةُ الأَشْرَارِ [18].

مما يزيد من دينونة الأشرار أنهم كانوا يتمتعون بخيراتٍ هي من عند القدير، وقد أساءوا استخدامها. فالذين غرقوا في الطوفان "كانوا يأكلون ويشربون ويزوجون ويتزوجون ويبيعون ويشترون" (لو 17: 27). لم يكن لهم مبرر ليسألوا "ماذا يفعل القدير لهم"، لأنهم كانوا يعيشون في خيراته الجزيلة، فلم يكن لهم ما يدعوهم أن يطلبوا صانع الخيرات أن يبتعد عنهم. كانت بيوتهم مملوءة بالخيرات، لكن قلوبهم كانت فارغة من النعمة الإلهية، لهذا هلكوا.

هنا يتفق أليفاز مع أيوب في الرغبة: "لتبعد عني مشورة الأشرار" (أي 21: 16).

v  "لكنه يملأ بيوت الأشرار بالخيرات" [18]. يملأ الرب بيوت الأشرار بالخيرات حتى بالنسبة للجاحدين، فإنه لا يمنع عطاياه، حتى يستحوا من رأفة خالقهم ويرجعوا إلى الصلاح، أو يحتقروا العودة، فيكون ذلك علة لعقابهم بأكثر شدة، إذ يردون صلاح الله الفائق بالشر، فتحل بهم ويلات قاسية فيما بعد...

"ليت حكمهم يكون بعيدًا عني". هذا أيضًا عبَّر عنه الطوباوي أيوب، إذ يقول: "لتبتعد مشورتهم عني" (21: 6).

البابا غريغوريوس (الكبير)

الأَبْرَارُ يَنْظُرُونَ وَيَفْرَحُونَ،

وَالْبَرِيءُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ قَائِلِينَ: [19]

الأبرار لا يحسبون هكذا إن كانوا يُسرُّون بموت الأشرار ويسخرون بهم، إنما يئنُّون ويصلون من أجلهم. لكنهم في يوم الدينونة حيث أُعطيت الفرص للأشرار وقد أصرُّوا على شرهم مع إعطائهم ظهورهم لواهب الحياة، وتفضيلهم البنوة لإبليس عوض البنوة لله، فإذ يحل بهم الدمار الذي من عمل إرادتهم الشريرة الحرة وسلوكهم، يُسر الأبرار إذ لا يعود للشر موضع بعد فيهم، بل يعيشون في أورشليم العليا المقدسة مع الله القدوس.

لا يشمت الأبرار في الأشرار عند هلاكهم، فإنهم يحملون إرادة أبيهم أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون، لكنهم يفرحون بإبادة سلطان الشر والظلم حتى لا يتعثر الضعفاء، كما يُسرون بمجد الله الذي لا يقبل الفساد.

يجد الأبرار الفرصة للكشف عن بطلان الشر وضعفه وعدم ديمومته، وسخافة حكمة الأشرار ومكرهم وخبثهم. يُسر الأبرار بانهيار إبليس ومملكته، وبدمار الخطية لا الخاطي. فإن البار لا يعرف إلا الحب حتى بالنسبة للخطاة.

v  "يرى الأبرار ذلك فيبتهجون، ويضحك الأبرياء عليهم ساخرين" [19]. إذ يرى الأبرار الأشرار يخطئون هنا، لا يسرون بخطأ أناس يهلكون أنفسهم. فإنهم إن كانوا يسرون بالخطأ لا يُحسبون بعد أبرارًا... لقد فقد الفريسي برَّه لأنه سُرّ، حاسبًا نفسه أسمى من العشار، قائلاً: "أشكرك إنني لست مثل باقي الناس الخاطفين، الظالمين، الزناة، مثل هذا العشار".

مرة أخرى إن قلنا البار يمكن أن ينتصر بفرحٍ كامل على موت الأشرار أي نوع هو هذا الفرح من أجل الانتقام من الأشرار في هذا العالم، الذي فيه حياة البار غير أكيدة؟

لنميز بين الأزمنة التي للرعب والتي للمجد. فالأبرار يرون الأشرار الآن ويصيرون في هزالٍ من أجل شرورهم. وعندما يرونهم يُضربون، لا يثقون في حياتهم هم أيضًا... الآن يرى الأبرار أبناء الهلاك ويئنون، وفي الدينونة النهائية يرونهم ويضحكون ساخرين.

البابا غريغوريوس (الكبير)

أَلَمْ يُبَدْ مُقَاوِمُونَا،

وَبَقِيَّتُهُمْ قَدْ أَكَلَتْهَا النَّارُ؟ [20]

ربما يشير هنا إلي لوط الذي كان يعذب نفسه البارة بفجور الأشرار، فمع فقدانه كل ما يملكه، كان يشتهي خلاص أهل سدوم وعمورة كما يفرح لدمار الفساد والفجور (2 بط 2: 7-8).

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن المقاومين للأبرار والمعادين للحق الإلهي سيُلقون في نار جهنم التي لا تنطفئ، تحرق النفوس مع الأجساد. فكما اشترك الجسد مع النفس في مقاومة الله، وتعاونا معًا في ممارسة أعمال إبليس والخضوع له، لاق بهما أن يُشاركا إبليس مصيره، النار الأبدية.

v  وإن كان الأشرار يرحلون من هنا من جسدهم الميت، لكنهم يتقبلونه مرة أخرى في القيامة، حتى إنهم بذات الجسد يحترقون، ذات الجسد الذي فعلوا به الخطية. فإذ كانت خطيتهم في الفكر والجسد هكذا ستكون العقوبة في الروح والجسد على السواء.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يتهلل المؤمن البار حين يرى المقاومين للحق الإلهي، أي الأفكار الشريرة التي تود أن تتسلل إلى الداخل، وتسيطر على الإنسان الداخلي. مثل هذه الأفكار الشريرة تحترق بنار الروح القدس، كما تحترق الأشواك بالنار. هكذا يحترق كل ما هو غريب عن الطبيعة الطاهرة التي خلقها الله فينا، لكي يلهب نار الحب الإلهي.

يتهلل المؤمن بعمل الروح القدس الناري فيه الذي يدمر ويبني!

10. التوبة تعرَّف على الله

تَعَرَّفْ بِهِ وَاسْلَمْ.

بِذَلِكَ يَأْتِيكَ خَيْرٌ [21].

يصعب الحكم على موقف أليفاز هذا، فإنه وإن ظلم أيوب بتوجيه اتهامات مُرة ضده، وحاول تأكيدها بالرغم من عجزه عن إيجاد دلائل عملية على اتهاماته، لكنه هنا يفتح أمامه باب الرجاء.

يكشف أليفاز عن بركات الرجوع بالتوبة إلى الله. فإن استبعدنا نية أليفاز في تأكيد شر أيوب، فإن كلماته هنا مصدر قوي للرجاء في الرجوع إلى القدير، ليجد في القدير نفسه خيره وبره وكنزه وكل شبعٍ له.

يقدم أليفاز مشورة صالحة: "اقترب إلى الله، وتعرف عليه، وكن في سلام معه!" ليس من علاج سوى الاقتراب من الله والاتحاد معه والدخول معه في سلام داخلي.

v  ليس هناك من يحزننا مثل ذلك الساقط في الخطية، الذي يتذكر خطاياه ليتلذذ بالأمور الجسدية الأرضية، بدلاً من أن ينشغل ذهنه بسبل معرفة الله الجميلة!

فآدم أخفى نفسه عندما عرف بحضور الله، راغبًا في الاختباء عندما دعاه الله بذلك الأمر الذي جرح به نفسه (عدم ملاقاة الرب)، قائلاً له: "آدم أين أنت؟" (تك 3: 9). بمعنى "أين تخفي نفسك؟ لماذا تختبئ؟ لماذا تهرب من الله الذي كنت تتوق إلى رؤيته؟![1007]

القدِّيس أمبروسيوس

"واسلم": أي لتكن في سلام مع الله، أو مع نفسك حيث تستريح فيه، فإن الشر مصدر للقلق الداخلي.

ما هو "الخير" الذي يتطلع إليه أليفاز كثمرةٍ للدخول في سلام مع الله. إن قصد البركات السماوية تكون مشورته صادقة وبنَّاءة، أما إن كانت عيناه مركَّزتان على الخيرات الزمنية التي فقدها أيوب، فلا يكون قد أصاب في مشورته!

v     "لنا سلام مع الله" (رو1:5)، من خلال ربنا يسوع المسيح الذي صالحنا مع الله خلال ذبيحة دمه...

جاء المسيح لكي يُهْلِك الأعداء، ويصنع السلام، ويصالحنا مع الله الذي فَصَلْنَا عنه حاجز الشر الذي أقمناه بخطايانا.

العلامة أوريجينوس

11. التوبة تمتع شخصي بالكلمة

اقْبَلِ الشَّرِيعَةَ مِنْ فَمِهِ،

وَضَعْ كَلاَمَهُ فِي قَلْبِكَ [22].

من يدخل في سلام مع الله يستعذب الوصية الإلهية الصادرة كما من فمه الإلهي إلى قلبه مباشرة، ففي عذوبة ومسرة يصرخ الإنسان: "يا رب ماذا تريد أن أفعل؟" (أع 9: 6).

حين نسمع الوصية من فم خادم الله أو نقرأها في الكتاب المقدس أو من فم صديق أو من كتاب، نشعر بحق بالعلاقة الشخصية مع الله، كأنه يحدثنا مباشرة. نسمع صوته الإلهي في داخلنا، وتتجاوب أعماقنا مع محبته، فإنه ليس من موضع لائق بالكلمة الإلهية مثل القلب، لأنه خزانة الحب وهيكل الروح القدس.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن ما نطق به أليفاز، وإن كان يمثل مشورة صادقة، لكن الخطأ فيما قاله أنه ظن في نفسه أنه بار، أبر من أيوب الشرير – كما كان يظن – فأخذ موقف المعلم والحكيم والقائد المتكبر. إنه يمثل الهراطقة الذين في كل العصور يستخفُّون بكنيسة الله ويتهمونها بالجهالة مع الشر، ويريدون أن يقدموا لها تعاليم بكونهم معلمين أبرارًا وأصحاب فهم ومعرفة وحاملين للبرّ!

v  توجد خطية أن يُعلم الإنسان شخصًا أفضل منه، الجريمة التي كثيرًا ما يرتكبها الهراطقة فيعلمون، وهم لديهم مفاهيم خاطئة... هذا أيضًا ينطبق على مثل هؤلاء الأشخاص، إذ يضيف: "أسألك أن تقبل الشريعة من فمه"، إذ يتوهمون أن ما يفكرون فيه من أذهانهم يصدر عن فم الله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

12. التوبة رجوع إلى القدير

إِنْ رَجَعْتَ إِلَى الْقَدِيرِ تُبْنَى.

إِنْ أَبْعَدْتَ ظُلْمًا مِنْ خَيْمَتِكَ [23].

يقدم أليفاز مفهومًا صحيحًا إيجابيًا وفعَّالاً للتوبة. فالتوبة ليست رجوعًا عن الخطية فحسب، فهذا الجانب السلبي لا يشبع النفس، أما جانبها الإيجابي فهو أنها رجوع إلى القدير، هذا يشبع الأعماق ويبنيها. فالقدير وحده يستطيع بروحه القدوس أن يجدد القلب على الدوام بغير انقطاع، حتى يتشكل، ليصير بالحق أيقونة الله.

إذ يقترب الإنسان من النور الإلهي لا يسمح للظلمة – خاصة الظلم - أن تتسلل إليه، لأنه ليست شركة بين النور والظلمة. لذا يقول أليفاز: "إن أبعدت الإثم من خيمتك". هنا يشير إلى خيمة الأسرة أو العائلة ككلٍ، كما تشير الخيمة إلى الجسد الذي تسكنه النفس كخيمة.

يرى البابا غريغوريوس ( الكبير) أن أليفاز قد تعرف على بعض الحقائق الصادقة من صديقه أيوب, لكن كانت له انحرافات عن الخط المستقيم أو عن الحق. هكذا نجد في الهراطقة بعض المفاهيم الصادقة التي تعلموها من كنيسة المسيح , لكنهم مزجوا ما هو حق إنجيلي بما هو باطل من عندهم.

v  إذ كان أليفاز صديقًا لشخصٍ طوباوي، يدرك بعض الأمور بالحق، ولكن في بعض النقاط ترك الخط المستقيم وصار شبيهًا بالهراطقة. لهذا لم يتحقق أن أيوب قد ضُرب بالتجارب بسبب سمات حسنة. ظن أن هذا الرجل الذي يراه مضروبًا قد أخطأ، لذا وعده أنه إن رجع إلى الله القدير يُنزع الإثم من خيمته.

البابا غريغوريوس (الكبير)

13. التوبة طريق الغنى

وَأَلْقَيْتَ التِّبْرَ عَلَى التُّرَابِ،

وَذَهَبَ أُوفِيرَ بَيْنَ حَصَا الأَوْدِيَةِ [24].

يرى أليفاز أنه إذ يلتصق الإنسان بالله مصدر الخيرات يصير الإنسان غنيًا جدًا، فيصير التبر بالنسبة له في الكثرة كالتراب، أو يذخر الذهب عنده كالتراب، وتكون له فضة كثيرة.

توهم أليفاز أن أيوب قد جمع ثروته بالظلم لذلك فقدها، أما إن التصق بالله، فيهبه خيرات وثروات لن يفقدها. ولعله لم يشر هنا إلى ثروة حيوانية وأرضٍ، بل إلى ذهبٍ وفضةٍ، لأن ما ناله قبلاً هو ثروة الفلاحين والرعاة، أما ما سيناله بالتصاقه بالرب فهو ثروة الملوك من تبر وفضة.

مع كثرة التبر والذهب الأوفير، فإنه لا يضع هذه الكنوز في مخازن تحت حراسة مشددة، لأنه لا يخشى من فقدانها، ولا يضعها في حضنه، لأنها لا تشغل قلبه، بل يراها كالتراب والحصي لا تشغل فكره وقلبه.

يمكن تفسير ذلك روحيًا بأن من يرجع إلى الله يُلقى بالتبر على التراب, لأنه يقتني الله، فيحسب كل شيءٍٍ نفاية من أجله, كما يُلقى بالذهب الخالص بين حصا الأودية، إذ لا يصير الذهب في عينيه ذا قيمة, بل أشبه بحجارة صغيرة وحصا يملأ الأودية لا ثمن له.

يَكُونُ الْقَدِيرُ تِبْرَكَ،

وَفِضَّةَ أَتْعَابٍ لَكَ [25].

 إذ يلقى الأبرار تبر هذا العالم في التراب وذهبه الأوفير في الأودية بين الحصا, يجدون الله تبرهم وذهبهم السماوي. يصير هو كنزهم الذي لن يسرق منهم.

كثيرًا ما تشير الفضة في الكتاب المقدس إلى كلمة الله , لهذا يليق بالمؤمنين أن يقتنوا هذه الفضة الروحية, التي تهبهم غنى روحيا فائقا، وقوة ضد عدو الخير القادم , وفرحا داخليا وتهليلاً، فيشارك السمائيين تسابيحهم. بالكلمة الإلهية يصير المؤمن غنيًا وجنديًا صالحًا للسيد المسيح ومرتلاً مملوء فرحًا.

وكما يتلذذ أهل العالم بثروتهم لكن إلى حين، يُسر الأبرار بالله كنزهم الحقيقي وثروتهم وكرامتهم وقوتهم إلى الأبد. "الرب قوتي وتسبحتي" (خـر 15: 2؛ مز 118: 4؛ إش 12: 2).

 من يقتنِ الفضة في قلبه، يتضرع بكلمة الله، ويتحصن ضد قوات الظلمة، أما إذا خضع للشر ولقوات الظلمة واستسلم لها، فلا يدرك أسرار الله التي تعلنها الكلمة الإلهية.

v  أي أعداء آخرين نخضع لهم أكثر من الأرواح الشريرة، الذين يحاصروننا في أفكارنا، فيقتحمون مدينة أذهاننا ويسيطرون عليها، ويأسروننا تحت نير سلطانهم؟

يشهد المرتل أن اسم "الفضة" يشير إلى الوحي الإلهي، إذ يقول: "كلام الرب كلام نقي، كالفضة المصفاة في أتون النار" (مز 12: 6).

غالبًا لا تتمتع نفوسنا بالوحي الإلهي عندما نخضع بطريقة خطيرة لخداعات الأرواح الشريرة، حيث يرشون على أذهاننا تراب الأفكار الأرضية فتظلم عيوننا الداخلية، ولا تتمتع بنور الرؤية الداخلية. هذا ما عاناه المرتل حين قال: "ابعدوا عني أيها الأشرار، فأبحث في وصايا إلهي" (مز 119: 15)، معلمًا إيانا بوضوح أنه لم يستطع أن يبحث في وصايا الله عندما كان يعاني في الذهن من فخاخ الأرواح الشريرة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

في مثل الابن الراجع إلى أبيه كشف السيد المسيح عن الغِنَى الذي نتمتع به خلال التوبة، حيث ننعم بأعظم مركز ألاّ وهو التبني لله الذي به لا يبخل عن أن يُقدم لنا الحلة الأولى وخاتم البنوة والحذاء لنسير في طريق الحق في آمان فنشهد لأبوة الله الحانية.

v     يأتيك بالحلة والخاتم والحذاء.

الحلة هي ثوب الحكمة التي بها غطى الرسل عري أجسادهم، وبها يكتسي كل إنسان. أخذوا الحلة لكي يستروا ضعفات أجسادهم بقوَّة الحكمة الروحيَّة، وقد قيل عن الحكمة: "غسل بالخمر لباسه" (تك 49: 11). الحلة هي الكساء الروحي وثوب العرس.

الخاتم ليس إلا صك الإيمان الصادق وختم الحق.

الحذاء يشير إلى الكرازة بالإنجيل[1008].

القدِّيس أمبروسيوس

v  الحلة الأولى هي الكرامة التي فقدها آدم، وأما العبيد الذين قدَّموها فهم الكارزون بالمصالحة... الخاتم الذي في اليد هو عربون الروح القدس بسبب شركة النعمة، إذ يُشار إلى الروح حسنًا بالإصبع...

الحذاء في القدَّمين هو الاستعداد للبشارة بالإنجيل كي لا نمس الأرضيات[1009].

القدِّيس أغسطينوس

14. بالتوبة يُرفع الوجه لله

لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تَتَلَذَّذُ بِالْقَدِيرِ،

وَتَرْفَعُ إِلَى اللهِ وَجْهَكَ [26].

يتمتع الإنسان البار بدالةٍ لدى الله "ترفع إلى الله وجهك"، فلا يرتاع ولا ينكسر قلبه، بل في بهجة قلب وثقة يظهر أمام الله، ويتحدث معه، ويطلب حياة الشركة معه.

 يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن أليفاز نطق بالحق إن كان هذا الحديث موجهًا إلى إنسان شرير عاجز عن أن يرفع وجهه الداخلي نحو الله. لكنه أخطأ، لأنه قدم ما هو حق بغير حكمةٍ، قدمه ليوجه اتهامًا لأيوب البار.

يعرفنا البشر بالتطلع إلى وجوهنا، فيميزوننا بعضنا عن بعض. فمن لا يرفع وجهه أمام الناس ويظهر أمامهم لا يعرفه الناس. هكذا إذ يرجع الإنسان بالتوبة إلي الله يجد لذته في الله القدير، ويرفع وجهه الداخلي إلى الله، فيصير معروفًا لديه، وليس غريبًا عنه، لهذا في كل قداسٍ إلهيٍ، يصرخ الكاهن: "ارفعوا قلوبكم"، أو "أين هي قلوبكم؟" وبقوة الروح يجيب الشعب: "هي عند الرب". وكأنهم يعلنون أن وجوههم الداخلية مرتفعة إلى الرب الذي يُسر بها، ويهيبها الاتحاد معه.

v  رفع الوجه لله هو رفع القلب باحثًا في الأعظم علوًا. فكما أنه بالوجه الجسدي نُعرف ونُميز لدى الإنسان، هكذا بالشكل الداخلي نعرف لدى الله. ولكن حينما نُثقل بإثم الخطية وننحدر إلى الأرض، نخشى أن نرفع وجه قلبنا لله حيث لا تثبت بأية ثقة في الأعمال الصالحة. يمتليء الذهن من الخوف نحو التطلع إلى العلويات، لأن الضمير نفسه يتهمه. ولكن بدموع الندامة تُغسل الخطية، ويُنتحب الإنسان الأمور التي ارتُكبت حتى لا يعود يرتكب ما ينتحب عليه، فننعم بثقة في الذهن، ويرتفع وجه قلبنا للتأمل في مباهج المكافأة.

يُحسب أليفاز إنه نطق بالحق، لو أنه كان ينصح شخصًا ضعيفًا، ولكن إذ يتطلع إلى إنسانٍ بارٍ بانحطاط بسبب ضرباته، ما هذا سوى أنه يسكب كلمات المعرفة بغير معرفة؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

15. التوبة تفتح أبواب السماء

تُصَلِّي لَهُ فَيَسْتَمِعُ لَكَ،

وَنُذُورُكَ تُوفِيهَا [27].

 إذ يدعو أليفاز أيوب للتوبة عن شروره والرجوع إلى الله يؤكد له أنه خلال توبته يصلي إلى الله فيستجيب له.

هذا كلام حق فالتوبة تفتح أبواب السماء، وتهبنا دالة لدى الله، ويميل الله بأذنه ليسمعنا، ويشتَّم صلواتنا رائحة بخور طيبة تصعد أمامه.

يدخل التائب في حوار حب مع الله، فيجد نفسه أمام عرش النعمة، ويقدم نذوره كرد فعل لاستجابة الله لصلواته. يقدم نذور الشكر والتسبيح.

ما هدف إليه أليفاز بهذه الكلمات التي لا يشوبها شيء سوى نية أليفاز الشريرة، هو أن يتهم أيوب أنه ليس برجل الله. صلواته التي يقدمها لله كل أيام حياته لم تكن مقبولة، لأنها صادرة عن قلبٍ غير تائبٍ ونفس لا ترجع إلى الله، وأن نذوره لن يوفيها حتى وإن قدم ذبائح عن أولاده هذا مقدارها، وأعطى تقدمات بلا حصر، لأن قلبه غير طاهر.

ما حملته كلماته من حق الهى يناسب كل نفس لترجع الله استخدمه أليفاز كسيف يضرب به نفسية أيوب البار ليحطمه، ويدخل به الى جحيم اليأس.

v  بالنسبة للذين يحسبون وصايا الرب كلا شيء، يقدمون صلوات ولا يسمع الرب لهم قط. لذلك مكتوب: "من يصم أذنه عن سماع الناموس، فصلاته تكون رجسة" (أم 28: 9). مادام أليفاز يعتقد أن الطوباوي أيوب لم يُسمع له، فإنه يصمم أنه قد مارس خطأ ما.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v  التوبة نار تلتهم كل ضعف بشري، تنزع التهاون والكسل وثقل الجسد، وتعطي للنفس جناحًا تطير به نحو السماء، وتظهر لها خلال هذه القمّة المرتفعة بطلان هذه الحياة الحاضرة.

من لا يرتفع إلى مركز المراقبة لا يستطيع أن يلتقط صورة صادقة للأرض ومحتوياتها. فإن أمورًا كثيرة تظلم مجال الرؤية وتصم الأذنين وتلعثم اللسان. لهذا يليق بالإنسان أن ينتزع نفسه من هذا الصخب، ويبتعد عن الدخان، ويدخل إلى الوحدة ليجد السلام العميق والهدوء والسكون مع الاستنارة.

عندما تركز الأعين على حب الله، ولا تعود تسمع الأذن إلا كلماته وكأنها سيمفونية روحية عذبة، تصبح النفس أسيرة (الله) تشعر بتقزز من الطعام والنوم.

حقًا أن ضجة العالم والاهتمامات المادية تنزلق على النفس، لكنها لا تدخل إليها، وبارتفاع النفس هكذا لا تعود تبالي بفرقعات العواصف الأرضية.

وكما أن سكان الجبال لا يعودون يسمعون أصوات المدينة ولا يرون ما يدور فيها، إنما يحسبون هذه كلها أشبه بضجيج مبهم، هكذا الذين تركوا العالم بإرادتهم وانطلقوا يطيرون في مرتفعات الفلسفة (الحكمة) لا يعودون يدركون شيئًا عن أحوال العالم، لأن كل حواسهم متجهة نحو السماء.

إذن لنبحث لا عن وحدة البرية فحسب، إنما عن وحدة الرغبة الداخلية. لنختبئ فوق أعلى قمة النفس حيث لا يسكن فيها شيء أرضي.

إن قوة التوبة كمثل هواء يطرد الغبار ويكتسح الشهوات أسرع من الدخان.

القديس يوحنا ذهبي الفم

وَتَجْزِمُ أَمْرًا فَيُثَبَّتُ لَكَ،

وَعَلَى طُرُقِكَ يُضِيءُ نُورٌ [28].

يجد الإنسان التائب راحة داخلية في إدارة كل شئونه الخارجية "وتجزم أمرًا فيثبت لك". وكما قيل عن الصديق، السالك في ناموس الرب: " كل مايصنعه ينجح فيه".

"على طرقك يضيء نور"، أي سوف يرشدك الله. فإن من يرجع الى الرب بالتوبة يجد كلمة الله سراجًا يضيء له الطريق، حيث تدخل به الكلمة إلى ملكوت النور.

16. بالتوبة نتمجد

إِذَا وُضِعُوا تَقُولُ: رَفْعٌ.

وَيُخَلِّصُ الْمُنْخَفِضَ الْعَيْنَيْنِ [29].

جاء في ترجمة اليسوعيين: "ومن تواضع تقول له: ارتفع" عندما يحاول اليأس أن يتسلل إلى قلوب التائبين وأفكارهم. ويكاد أن يبتلعهم يجدون نعمة الله في داخلهم تشددهم، لكي يتمتعوا بالحياة السامية الناجحة "يركبون على مرتفعات الأرض" (إش 58: 14). فالتوبة الصادقة تهب تواضعًا صادقًا، حيث تهب الإنسان عودة إلى الله الذي يرفع المتواضعين.

للأسف ما يعنيه أليفاز هنا ليس تقديم مشورة لكل إنسانٍ ليتمتع بالتواضع الحقيقي، إنما ليؤكد أن ما بلغ إليه أيوب من انهيار تام حتى صار موضعه على المزبلة، إنما ثمرة كبريائه وعجرفته حتى أمام الله، فأعد نفسه للدمار.

v  "فإن من يُذل سيتمجد، والذي يخفض عينيه يخلص" [29]. هذه العبارة لا تناقض فم الحق، الذي قال: "لأن كل من يرفع نفسه يتضع، ومن يضع نفسه يرتفع" (لو 14: 11). وهكذا قيل بسليمان: "قبل الكسر يتكبر قلب الإنسان، وقبل الكـرامة التواضع" (أم 28: 12).

بلياقة قيل: "الذي يخفض عينيه يخلص"، وذلك لأن الكبرياء يُكتشف خلال خدمة الأعضاء فإن أول إعلان عنه عادة يظهر في العينين. مكتوب: "الأعين المرتفعة تضعها" (مز 18: 27)... هكذا فإن "خفض العينين" لا يعني أن الإنسان ينظر إلى أسفل، وإنما أن يحسب نفسه أقل وتحت كل ما هو منظور.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v  إنه يليق بالأكثر أن يخبر (المريض طبيبه) معترفًا بالأخطاء التي سقط فيها عن أن يحفظ جراحاته خفية، وأن يتعصب متبجحًا، مشهرًا بجراحات الغير. ليس بالأمر العجيب أن يذهب العشار وقد شُفي إذ لم يخجل من أن يظهر موضع ألمه[1010].

 القديس أغسطينوس

v     أين تكون حين تقترب إليك الشياطين؟ فإن التواضع يهدمهم من درجتهم.

إذ ينظرونك متواضعًا يهربون منك.

 التواضع هو بيت اللاهوت، وحيث يوجد يسكن الله فيه.

أنظر في من أحلّ إلا في الوديع المتواضع الخائف من كلامي؟

لتتواضع نفسك، فيأتي الملك ويحلّ فيك، ولا تغلبك جميع قوة العدو.

لأن بيت الملك لا يسرقه اللصوص، لأن جنوده حافظون أبوابه باحتراس.

إن كنت متواضعًا يحل فيك بتلك المملكة، ولا يسرقك اللصوص.

إن تواضعت تقتلع شجرة الشر، وتغرس عوضًا عنها شجرة ربنا المباركة.

إن اشتعل فيك حب لاهوته يجعلك أصم وجميع الشرور (التي تحل بك) تكون كالصالحات.

تتطلع إلي الإهانة والاستهزاء وجميع الشتائم المرة كأنها صالحات وليست شرورًا...

القديس مار يعقوب السروجي

17. بالتوبة نشفع في إخوتنا

يُنَجِّي غَيْرَ الْبَرِيءِ،

وَيُنْجَى بِطَهَارَةِ يَدَيْكَ [30].

ختم أليفاز حديثه بتوجيه توبيخ قاس لأيوب. فإن كان أيوب قد اعتاد أن يقدم ذبائح عن أولاده لعلهم يكونوا قد أخطأوا ولو بالفكر ضد الله (أي 1: 5)، حاسبًا نفسه وأهل بيته أبرّ من غيرهم، فإن الله لم يسمع له، ولم ينجه هو ولا أنقذ أولاده، وهذه علامة شره. فالإنسان الراجع إلى الله يطلب حتى عن غيره البرىْ فينجيه، وذلك من أجل طهارة يدي البار الرافع يديه للصلاة. وكأنه يستخف بأيوب قائلا له: لو أن يديك طاهرتين لقُبلت صلواتك وذبائحك عن نفسك وعائلتك، لكن لأنهما شريرتان جلبتا شرًا للكل!

حقًا لا يتمتع الإنسان التقي بعمل الله فيه وحده، وإنما إذ باتساع قلبه يصلي عن الآخرين يستجيب الله له، كما فعل الرسول بولس وهو في السفينة (أع 27: 24).

لم يكن أليفاز يدرك أن ما يقوله يتحقق فعلاً حيث يصلي أيوب عنه وعن زميليه (أي 42: 8).

لعل أليفاز يتنبأ عن السيد المسيح الشفيع الكفاري دون أن يدري. من هو هذا الطاهر اليدين سوى السيد المسيح الذي بلا خطية وحده؟

إنه يبسط يديه على الصليب، طالبا: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟" قام بقدرته، واهبا البشرية غير البريئة إمكانية الخلاص والغلبة على الموت، والنجاة!

حقا مسيحنا وحده بدمه ينجى الانسان غير البريء وذلك بقوة دمه المسفوك على الصليب.

 


 

من وحي أيوب 22

لأرجع إليك بالتوبة،

فأدخل إلى أحضانك الإلهية

 

v     هب لي الحكمة التي من عندك،

فإني محتاج إليها لبنياني.

بدونها لن تستريح نفسي،

بل أعيش في قلقٍ ومرارة.

بدونها تحطم الشرور نفسي.

تهبني لذة مملوءة سمًا.

وتقدم لي بهجة مؤقتة تدفع بي إلى الموت الأبدي!

 

v     أنت هو الحكمة ذاتها.

لست في عوزٍ إلى شيءٍ.

أنا محتاج إلى حكمتك لكي أتبرر.

محتاج إلى خلاصك لكي أحيّا أبديًا.

بك أتبرر، وتمتلئ نفسي بالخيرات.

أيها القدوس، لستَ محتاجًا إلى صلاحي وبرِّي.

إنما في حبك تقبل أن أقدم لك مما هو لك.

فأسمع صوتك العجيب.

ما فعلتموه بأحد إخوتي الأصاغر فبي فعلتم.

 

v     أخبرني: هل تنتفع بتوبتي وصلاحي؟

أنت كلي الكمال، لست في حاجة إليّ.

لكنك أحببتني، تريدني أيقونة لك!

إنك لا تبغض ما صنعته يداك!

شروري لن تؤذيك،

وبريِّ لن يضيف إليك شيئًا!

 

v     إن وبختني على شروري،

إنما لأجل خلاصي ومجدي!

في تواضعك تنزل إليّ لتحاورني!

تدخل معي كما في محاكمة،

لا لتهلكني، بل لكي أرجع إليك فأحيا.

 

v     أعترف لك أن آثامي قد طمت فوق رأسي.

هب لي أن أكتشف فضيحتي،

فآتي إليك يا سائر النفوس بحبك.

 

v     إني لا أخشى اتهامات الغير لي،

لكن ما يشغلني نظرتك إليّ!

لست أريد أن أتبرر أمام الناس،

وإنما أن أكتسي بك، يا أيها البرّ الحقيقي!

 

v     إلهي، إني أؤمن أنك ساكن السماء!

لكنك وأنت وراء الضباب لا يراك بنو البشر.

أنت بكليتك حاضر أيضًا على الأرض.

أنت محب السمائيين والأرضيين!

بسبب شروري صرت كأني محروم من حضرتك.

لكنك أنت حال في كل مكان!

بإرادتي أرفض حضورك فيّ،

أي عمل نعمتك الغنية في حياتي.

 

v     هب لي التوبة، فأرجع إليك.

تعمل نعمتك في أعماقي، فتتجلى في داخلي!

أراك، فيتهلل قلبي بك، يا فرحي وبهجة قلبي!

لا يقدر ضباب ما أن يفصلني عنك،

ولا تقدر خطية ما أن تطمس عيني فلا أراك!

أنت فيّ، بك أصير سماءً،

بك أصير هيكلاً لروحك القدوس.

أنت في أعالي السماوات،

تقيم من أرضي سماءً مقدسة ومكرسة لك!

 

v     أنت القدير والعجيب في حبك!

بقدرتك تتم خلاصي،

وبحبك تعدني لأتمتع بشركة مجدك.

بقدرتك الفائقة تسكن فيّ،

تشبعني بحضورك الفائق!

بقدرتك خلقتني من التراب على صورتك ومثالك.

وبحبك نزلت إليّ تعيد خلقتي.

جئت إليّ، وقدمت لي ذاتك طريقًا!

لم يعد الطريق إلى السماء مستحيلاً!

أثبت فيك فارتفع إلى سماواتك!

تحملني فيك، فلا أضل الطريق.

تخفيني فيك كما في فلك نوح فلا يهلكني الطوفان.

 

v     أعترف لك أن خطاياي أفسدت حياتي.

صار عمري كلا شيء حتى في عيني.

لأقتنيك فتعوضني السنوات التي أكلها الجراد.

تحسب كل يومٍ في حياتي كألف سنة.

 

v     في شري كنت أود الهروب منك!

كنت أدرك أنك موجود،

لكن في غباوة كنت أقول في أعماقي: ليس إله!

أخشى من القرب منك، لئلا يعذبني ضميري!

أخاف الالتصاق بك، لئلا أُحرم من لذة الخطية.

كنت أنعم بخيراتك، وفي غباوة أسيء استخدامها.

وهبتني الكثير، أما قلبي فكان فارغًا!

 

v     الآن هبني التوبة الصادقة بالرجوع إليك.

هب لي ألاّ أتذكر الشر الملُبس الموت،

لئلا ينشغل فكري بلذة الخطية عوض الشبع بك!

 

v     هب لي ألاّ أختفي مع آدم، وأهرب منك،

بل ألتقي بك، وأعترف لك بخطاياي!

فلا سلام لي بدون رؤيتك.

 

v     هب لي أن أرجع إليك،

فينفتح قلبي لكلمتك.

أحتضنها وأتلذذ بها، فهي حياتي!

أستعذب وصيتك، فهي صادرة عن فمك!

 

v     أرجع إليك أيها القدير،

فتهبني روح القوة والعمل الدائم بلا توقف.

ألتصق بك، فأعتني بك.

يصير القبر بالنسبة لي في الكثرة كترابٍ،

والذهب الأوفير أشبه بحصا الأودية.

أنت هو غناي وثروتي الحقيقية السماوية!

ليس للتبر والذهب الأوفير قيمة في عيني!

 

v     لست أطلب شيئًا عند رجوعي إليك.

لكنك في حبك العجيب تقدم له حلة الحكمة، لتستر عليّ.

تُقدم لي خاتم البنوة، فأدخل إلى عرشك بلا عائق.

تهبني حذاء لأسير في طريق الحياة، شاهدًا للحق الإلهي.

 

v     أرجع إليك في انكسار قلب،

لكنك سرعان ما تقدم لي عذوبة فائقة.

ترفع وجهي إليك كابنٍ له دالة لدى أبيه!

 

v     برجوعي إليك تنصت إلى صلاتي،

وتشتم ذبائح تسبيحي رائحة سرور.

فتطير نفسي إليك كما بجناحي حمامة!

فيصير العالم في عيني كلا شيء!

ليس من يشبعني سواك!

وليس من نور يهديني سوى سراجك.

أتصاغر جدًا في عيني نفسي،

لكنك بحبك تحملني على ذراعيك،

وتدخل بي إلى أمجادك.

لكن لست أدخل وحدي!

كل البشرية لها موضع في قلبي!

ترى هل يمكن أن يخلص الجميع؟

<<


 

اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ

صمت الله!

في هذا الأصحاح يرد أيوب على أليفاز. هنا لا يشير أيوب إلى بقية الأصدقاء، ربما رأى أنه لا فائدة من الحوار معهما، وربما لأنه سرّ بمشورة أليفاز حتى وإن كان سيئ النية.

التقط قول أليفاز بخصوص الله غير المنظور (٢٢: ١٢-١٤). لكنه على خلاف ما ظن أليفاز، فإن أيوب لا يريد الاختفاء من الله للتلذذ بخطاياه بدون عقوبة، إنما يعلن أيوب شوقه أن يلتقي معه، ويلتمس أن يبرئه [٣-٥]. ولما كان الله عادلاً فحتمًا يبرئه [٦-٧؛ ٩: ٣٣-٣٥].

لم يكن أيوب متمردًا على الله، لكن اشتد به الحزن حتى صار يتوق إلى مواجهة الله. يقف أيوب في حيرة، إذ أن الله يرفض الإعلان عن نفسه له [٨-٩]. لقد حجب نفسه عنه، ربما لكي لا يعطي الفرصة لأيوب أن يلتمس العدالة، فيرفع عنه التجربة.

1. رفع شكواه إلى الله               1-5.

2. تأكده من مراحم الله              6.

3. تأكده من النصرة بالصليب        7.

4. عدم إدراكه لسرّ الله              8-9.

5. يقينه أن الله ينقيه بنارٍ            10-13.

6. شعوره بالضيق                   14-17.

1. رفع شكواه إلى الله

فَقَالَ أَيُّوبُ: [1]

الْيَوْمَ أَيْضًا شَكْوَايَ تَمَرُّدٌ،

ضَرْبَتِي أَثْقَلُ مِنْ تَنَهُّدِي [2].

يقول أيوب إن شكواه مُرةْ. لقد حسبها أصدقاؤه تمردًا على الله، لكن أيوب يعطي تبريرًا لشكواه وهو أنه مهما تنهد، فلن تستطيع تنهدات قلبه أن تعبِّر عن مدى ثقل نكباته. جراحات جسده ونفسه شديدة للغاية، وهي تبرر شكواه.

v     يجب أن تُشفى آلام الإنسان المُبتلى بتعزية أصدقائه، لكن لأن تعزيتهم حملت خداعًا، صارت آلام الرجل المضروب أقسى مما كان عليه. لم يخفِ أليفاز نيته من جهة من يعده بأمورٍ أفضل إن تاب؛ فكان ذلك أشبه بعلاج مسموم، فازداد الجرح.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "الصديق الأمين دواء الحياة" (ابن سيراخ 6: 16).

لا يوجد علاج مؤثر في شفاء الأوجاع مثل الصديق الصادق الذي يعزيك في ضيقاتك، ويدبرك في مشاكلك، ويفرح بنجاحك، ويحزن في بلاياك. من وجد صديقًا هكذا فقد وجد ذخيرة. فالصديق الأمين لا شبيه له، فوزن الذهب والفضة لا يعادل صلاح أمانته (انظر ابن سيراخ 6: 14، 15).

v     ليس شيء يثبت الحب بقوة مثل المشاركة في الفرح والألم. ليس لأنك بعيد عن المتاعب تنعزل عن مشاركة الآخرين أيضًا. فعندما يتعب قريبك أحسب الضيق خاصًا بك. شاركه دموعه لكي تسند روحه المنسحقة، وشاركه فرحه ليصير الفرح فيه عميقًا متأصلاً.

ثبتّ المحبة، إذ بهذا تخدم نفسك أكثر من خدمتك له. فبدموعك تصير أنت رحومًا، وبمشاعر البهجة تنقي نفسك من الحسد والغم... إن كنت لا تستطيع أن تنزع عنه الشرور شاركه بدموعك، فتزيل عنه نصف الشر؛ وإن كنت لا تستطيع أن تزيد خيراته فشاركه فرحه فتضيف إليه أمرًا عظيمًا[1011].

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ضربتي أثقل من تنهدي" وجاءت في البابا غريغوريوس (الكبير): "يد ضربتي أثقل من تنهدي". هنا يقصد الضربة التي أصابته بأيدي أصدقائه المقاومين له، فإنها أعنف مما حلّ عليه من تجارب دفعته إلى التنهد. وكأن أصدقاءه عوض تعزيتهم له لتهدئة تنهداته، ألهبوا الجراحات، إذ جاءت أياديهم أكثر عنفًا مما حلّ به. يقول ابن سيراخ: "رب صاحب يتنعم مع صديقه في السراء، وعند الضراء يضحي له عدوًا" (سيراخ 37: 4).

مَنْ يُعْطِينِي أَنْ أَجِدَهُ،

فَآتِيَ إِلَى كُرْسِيِّهِ! [3]

كان أيوب واثقًا من عدالة الله، ويشتهي أن يقف أمام عرشه ليشكو له، فإنه حتمًا سيُنصفه، ولا يحطمه كما فعل به أصدقاؤه. وكما يقول داود النبي: "قد ضاق بي الأمر جدًا، فلنسقط في يـد الرب، لأن مراحمه كثيرة، ولا أسقط في يد إنسانٍ" (2 صم 24: 14).

لعل أيوب شعر أن الخطية عزلته عن الله، وضعفاته أفسدت علاقته بالله، فأراد أن يسترد هذه العلاقة، ويتمتع بحبه لله. لهذا يصرخ: "من يعطيني أن أجده؟" وكما تقول النفس البشرية: "أرأيتم من تحبه نفسي؟" (نش 3: 3) من يهبني أن أجده؟ من يفتح لي الطريق إليه.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن أيوب كان يشتهي الوقوف أمام الله وخدامه من الطغمات السماوية، حيث يتذوق الحب والرحمة، عوض ما يعانيه من البشر بني جنسه. لذلك يقول: "فَآتِيَ إِلَى كُرْسِيِّهِ!"

v     ما هو "كرسي" الله سوى الأرواح الملائكية، الذين يشهد لهم الكتاب المقدس أنهم يدعون "العروش"؟ فمن يرغب أن يأتي إلى كرسي الله إلا الذي يشتاق أن يكون بين الأرواح الملائكية... فيرتفع ليسكن في المجد بالتأمل في الأبدية... فإنه إذ يرى بعيني الإيمان خالق كل الأشياء يحكم الأرواح الملائكية، عندئذٍ يأتي إلى كرسيه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

إذ يتمتع المؤمن بالشركة مع السمائيين يشعر أن علاقته بهم لا تقل عن علاقته بإخوته في البشرية، إن لم تزد حنوًا ورحمة وحبًا. يفرحون لخلاصه، وينشدون باسم البشرية تسابيح الخلاص، كأن الخلاص خاص بهم.

v     اليوم يتمجد ملك المجد على الأرض كقول النبي، ويجعلنا نحن القاطنين على الأرض شركاء في العيد السماوي، ليُظهر أنه ربٌ لكليهما (للسمائيين والأرضيين). كما يُسبح له بتسابيح مشتركة من كليهما.

لذلك تغنَّت الطغمات السماوية، معلنة الخلاص على الأرض: "قدوس، قدوس، قدوس، رب الصباؤوت، مجده يملأ كل الأرض".

والذين في الأسفل إذ يشتركون في تسابيح السماء المبهجة في تناغم معهم، صارخين: "أوصنا في الأعالي، أوصنا لابن داود"[1012].

الأب ميثوديوس

أُحْسِنُ الدَّعْوَى أَمَامَهُ،

وَأَمْلأ فَمِي حُجَجًا [4].

يشتهي أيوب أن يعرض قضيته على الله، فإنه حتمًا سيعطيه الفرصة للدفاع عن نفسه. إذ يمثل أيوب الكنيسة المضطهدة، فإنه وإن كان العالم يضايقها لكنها تستطيع في المسيح يسوع أن تقف أمام العرش بدالة وثقة، إذ تحمل برَّه الإلهي كما يقول الرسول.

يترجم البابا غريغوريوس (الكبير) هذه الآية:" أُحسن الدعوى أمام الله، واملأ فمي بالتوبيخات". فإن المؤمن يستحسن الوقوف أمام الله ورفع دعواه، حيث تكتشف النفس ذاتها، وتتعرف عليها بدقة أعظم فترتعب.

شتان ما بين هجوم الإنسان على المؤمن ليحطمه، وبين كشف روح الله للإنسان ليفضحه أمام نفسه، ويبكته ويهبه توبة صادقة كطريقٍ للتمتع بملكوت الله. صار لنا "ثقة بالدخول إلى الأقداس" (عب 10: 19)، ونقف أمام عرش النعمة الإلهية.

في الحديث المفتوح مع الله يشتكي الإنسان نفسه، فيتبرر في عيني الله. يقول الرب نفسه: "ذكرني فنتحاكم معًا، حدث لكي تتبرر" (إش 43: 26). وقد جاء النص في الترجمة السبعينية: "أعلن أولاً معاصيك، فتتبرر" (إش 43: 26 LXX).

v     يفتح لنا الله طرقًا كثيرة لتحقيق هذا. فإنه يقول: "أعلن أولاً معاصيك، فتتبرر" (إش 43: 26 LXX). يقول أيضًا: قلت، أخبر بإثمي لك، وأنت تنزع إثم قلبي" (راجع مز 32: 5). فإن الاتهام الدائم لأنفسنا أو تذكر الخطايا يساهِم ليس بقليل في التقليل من جرمها[1013].

v     يوجد طريق آخر يهبنا هذا الدواء، وهو أن ندين أنفسنا على أخطائنا، لأنه: "أعلن أولاً معاصيك، فتتبرر" (إش 43: 26 LXX). فمن كان في ضيقات ويشكر تنحل خطاياه، وأيضًا بالصدقة التي أعظم من كل شيء[1014].

القديس يوحنا ذهبي الفم

فَأَعْرِفُ الأَقْوَالَ الَّتِي بِهَا يُجِيبُنِي،

وَأَفْهَمُ مَا يَقُولُهُ لِي [5].

أساء أصدقاء أيوب فهم تساؤلاته عن علة سقوطه تحت تجارب مرة متوالية. حسبوها شكوى ضد الله، بل وإلحادًا عمليًا. وحسبوا تساؤلاته عن نجاح الأشرار هجومًا على العدالة الالهية. لكن أيوب كان واثقًا أنه إن دخل في محاكمة مع الله فحتمًا ستكون إجابات الله على تساؤلاته مريحة تمامًا وغير مثيرة. لذا كان يشتاق إلى الحوار معه، وأن يخضع لأحكامه خضوعًا كاملاً. الحوار مع الله أسهل وأعذب منه مع الناس.

ولعل أيوب يقول لأصدقائه: إنني لا أبالي كثيرًا برأيكم فيَّ، إنما أود الحوار مع الله، فإن ما يشغلني ماذا يقول الله عني، وبماذا يجيب تساؤلاتي. وكما يقول الرسول بولس: "وأما أنا فأقل شيء عندي أن يُحكم فيَّ منكم أو من يوم بشرٍ، بل لست أحكم في نفسي أيضًا... ولكن الذي يحكم فيَّ هو الرب" (1 كو 4: 3-4).

v     لا يقصد بولس هنا (1 كو 4:4) أنه بلا لوم، وإنما يود أن يسد أفواه الذين يلومونه بغير تعقُّل. الله هو دياننا، فهو وحده يعرف بالتأكيد ما يدور في قلوبنا[1015].

القديس يوحنا ذهبي الفم

2. تأكده من مراحم الله

أَبِكَثْرَةِ قُوَّةٍ يُخَاصِمُنِي؟ كَلاَّ!

وَلَكِنَّهُ كَانَ يَنْتَبِهُ إِلَيَّ [6].

حقًا من يقدر أن يدخل في خصومة مع الله، إذ مكتوب: "ضعف الله أقوى من الناس" (1 كو 1: 25)؟ ومع هذا فإن الحوار معه أفضل من الحوار مع بنى البشر، لأنه يهتم بالمشتكي، ويصغي إليه كأبٍ مترفقٍ بابنه. وإن كان حازمًا، لكنه مع الحزم يعلن عن أبوته الحانية للابن المجروح بالتجارب والضيقات.

آمن أيوب أن الله القدير لن يرهبه، حتى في محاكمته ومحاورته لن يستعرض كمال جلاله وعظمته، بل يتنازل ويظهر له قدر ما يحتمل، حتى يمكنه الحوار معه. لن يكون عنيفًا معه، فإنه ليس كبني البشر. إنه طويل الأناة، وينصت لمن يصرخ إليه، ويشدده ويشجعه. يهبه القوة، ويدخل معه في صراعٍ لا ليهزمه بل ليهبه النصرة، وكما قيل عن أبينا يعقوب: "بقوته جاهد مع الله. جاهد مع الملاك وغلب، بكى واسترحمه، وجده في بيت إيل، وهناك تكلم معنا" (هو 12 :3-4).

حقًا إن من ذاق العِشرة الحقيقية مع الله لا يكف عن اللقاء معه، إذ يدرك حنوه وطول أناته وتنازله من أجل محبوبه الإنسان، قائلاً مع أيوب البار: "أبكثرة قوة يخاصمني؟ كلا! ولكنه كان ينتبه إليَّ" (أي 23: 6).

v     لقد ظنوا أن حملي الخفيف ثقيل جدًا، لكنني انحنيت إليهم، تاركًا ملكوت السماوات، لكي آكل معهم، متخذًا الشكل البشري. بل بالأحرى أعطيتهم جسدي طعامًا: كنت لهم طعامًا وشريكًا معهم في المائدة[1016].

القديس جيروم

3. تأكده من النصرة بالصليب

هُنَالِكَ كَانَ يُحَاجُّهُ الْمُسْتَقِيمُ،

وَكُنْتُ أَنْجُو إِلَى الأَبَدِ مِنْ قَاضِيَّ [7].

آمن أيوب أن الحكم الإلهي يصدر باستقامة، وأنه سينقذه على مستوى أبدي. بالالتجاء إليه، ننجو من الدينونة الأبدية. وكما يقول القديس أغسطينوس أننا نهرب من العدالة الإلهية بالالتجاء إلى الله نفسه.

يترجم البابا غريغوريوس (الكبير) هذه الآية هكذا: "ليصنع عدالة ضدي، فتأتي محاكمتي إلى نصرة". ويرى في هذه الصرخة الكنيسة تطلب من الله الكلمة أن يحقق العدالة بالصليب، ينزل إليها ويفتديها، عندئذ إذ تدخل في المحاكمة تتمتع بنصرة على مستوى أبدي. إنها تطلب مجيء الكلمة ليوبخها، فبتجسده وتوبيخه لها، تنفتح أمامها أبواب النعمة الإلهية، وتتبرر أمام العرش الإلهي.

v     "ليصنع عدالة ضدي، فتأتي محاكمتي إلى نصرة[1017]"... لكي يوبخ طرقي فليُرسل الابن المتجسد... فلو أن ابن الله الوحيد بقي غير منظور في قوة لاهوته (أي لم يتجسد) ولم يأخذ شيئًا من ضعفنا (بشريتنا)، كيف كان يمكن للبشر الضعفاء أن يجدوا الوسيلة لنوال النعمة الإلهية؟ فإن ثقل عظمته - إن وُضعت في الاعتبار - تكون في الواقع لمقاومتنا وليست لمعونتنا. لكن القوي، الذي فوق الكل، جاء كضعيفٍ بيننا، فبمعادلته لنا بأخذه ضعفنا، يرفعنا إلى قوته. فإنه لم يكن ممكنًا لنا أن ندرك سمو طبيعته الإلهية، نحن أنفسنا غير ملائمين لذلك، لكنه انحنى إلى أسفل إلى الإنسان خلال ناسوته، وصار لنا نحن أن نكون كمن يصعد إلى ذاك الذي نزل. لقد قام فرُفعنا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     اهرب إلى الله نفسه، إن أردت أن تهرب منه.

اهرب بالاعتراف لا بالاختباء.

قل له: "أنت ملجأ لي".

هكذا دع الحب الذي وحده يهب حياة أن ينمو في داخلك[1018].

v     مفرح هو وجه الرب، ما أن يُرى لا يجد الإنسان بهجته في شيء آخر[1019].

القديس أغسطينوس

4. عدم إدراكه لسرّ الله

هَأَنَذَا أَذْهَبُ شَرْقًا، فَلَيْسَ هُوَ هُنَاكَ،

وَغَرْبًا، فَلاَ أَشْعُرُ بِه [8].ِ

شِمَالاً حَيْثُ عَمَلُهُ، فَلاَ أَنْظُرُهُ.

يَتَعَطَّفُ الْجَنُوبَ، فَلاَ أَرَاهُ [9].

عبَّر أيوب عن التيه الذي كان فيه، إذ كان كمن يبحث عن الله، فلم يجده في الشرق، ولا شعر به في الغرب. لقد سبق أن أمره أليفاز أن يتعرف على الله (أي 22: 12)، فيجيبه أيوب أن هذه هي شهوة قلبه، فإنه يود الظهور أمامه.

كان أيوب بلا شك يؤمن بأن الله حاضر في كل موضع، لكنه هنا يشكو من عجزه عن تركيز أفكاره في الله وفي حكمته وسط ملاحقتهم له بالمناقشات غير المجدية والمثيرة. فمع إيمانه بوجود الله كأن شيئًا أشبه بغشاوة يغطي بصيرته الداخلية، فيعجز عن التعرف على أسباب متاعبه التي سمح بها الله. لا يعرف خطية معينة ارتكبها لكي يتوب عنها. لم يدرك ما هو هدف الله من السماح له بهذه النكبات. وأخيرًا لا يعرف ما هي نهاية هذه النكبات، هل سينجيه الله منها؟ متى؟ وكيف يتحقق هذا؟

يقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) أكثر من تفسير للشرق والغرب والشمال (أو اليسار) والجنوب (أو اليمين) في هذه العبارة.

التفسير الأول: الله كائن في كل مكان، وهو لا يتجزأ، يملأ الكل، يرى الإنسان ويعرف كل ما في أعماقه، لكن الإنسان لا يراه ولا يقدر أن يميزه بالحواس. مهوب مع أنه غير منظور.

التفسير الثاني: إن تطلعنا إلى الشرق، أي إن فكرنا في عظمته، حيث يشرق هو من الشرق، لا نستطيع إدراك طبيعته بفكرنا المائت. وإن تطلعنا إلى الغرب، أي إن تراجعت بصيرة القلب بسبب فيض بهائه، لا يمكن فهمه. وإن سلكنا نحو اليسار حيث السقوط في الخطايا لا ندركه. وإن سلكنا نحو اليمين حيث الضربات اليمينية من الكبرياء والرياء والبرّ الذاتي لا نراه.

v     "هأنذا أذهب شرقًا، فلا يظهر، وإن ذهبت غربًا لا أفهمه. إن ذهبت شمالاً، ماذا أفعل؟ إني لا أدركه، وإن اتجهت يمينًا (جنوبًا) فلا أراه" [8-9]. خالق كل الأشياء لا يتجزأ، وهو في كل مكان... فإن الروح غير المدرك يحوي كل شيءٍ فيه، هذا الذي في نفس الوقت يملأ ويحوي...

كأنه يقول بوضوحٍ: إني لا أستطيع أن أنظر هذا الذي يراني، ذاك الذي ينظرني بكل دقةٍ، ليس لي قدرة على التطلع إليه... خالقنا الذي هو كامل بكليته في كل موضعٍ ويميز كل شيءٍ، لا يٌمكن أن يُميَّز (بالحواس)، وهو بالأكثر مهوب، إذ يبقى غير منظورٍ، وأن مصير تصرفاتنا معلق، وزمانها غير معروف.

يمكن أيضًا فهم هذه الكلمات بمعنى آخر: فإننا نذهب شرقًا عندما نرفع أذهاننا بالتفكير في عظمته، لكنه "لا يظهر"، حيث لا يمكن أن يُرى في طبيعته بفكرٍ قابل للموت. "إن ذهبت غربًا، لا افهمه"، نذهب غربًا عندما تتراجع عين القلب المرتفعة في الله بسبب فيض النور...

الذهاب يسارًا (شمالاً) هو خضوع الإنسان لملذات خطاياه. واضح بالتأكيد أن الشخص الذي لا يزال يرضي خطاياه، وينطرح نحو اليسار لا يقدر ان يدرك الله...

يذهب الشخص نحو اليمين (الجنوب)، ذاك الذي يرتفع على إنجازات فاضلة.

لكن الله لا يُمكن أن يُرى بواسطة ذاك الذي يُسر بتمتعه بأعماله الصالحة في أنانية، إذ يُحدر عين القلب بغرور الكبرياء. لذلك حسنًا يُقال في كل موضع: "لا تحد يمينًا ولا يسارًا" (راجع تث 11:17)...

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لا تقدر أن ترى الله، لكن من حقك أن تراه بحبك لقريبك. وبتطلعك إلى مصدر ذاك الحب ترى الله قدر ما تستطيع[1020].

القديس أغسطينوس

5. يقينه أن الله ينقيه بنار

لأَنَّهُ يَعْرِفُ طَرِيقِي.

إِذَا جَرَّبَنِي أَخْرُجُ كَالذَّهَبِ [10].

إذ اعترف أيوب بكمال الله الفائق، المالىء الكل، والعارف كل شيءٍ. يرى حتى الأعماق، ولا يراه الإنسان. أينما ذهب الإنسان إن كان شرقًا أو غربًا، شمالاً أو جنوبًا لا يقدر أن يرى الله، ولا أن يدرك أسراره الإلهية، وخطته نحو كل إنسانٍ، لكنه يعلم أمرًا واحدًا، أنه في عيني الله يحسب ذهبًا ثمينًا يحتاج إلى التنقية بنار التجارب ليزداد نقاوة وبهاء. فمع ما أصاب أيوب من شعورٍ بالحيرة الشديدة وعدم إدراكه ما وراء الأحداث في ذهن الله، إلا أنه يعلم أن الله يعرف طريقه، وأنه سيخرجه من التجربة نقيًا كالذهب المصفى بالنار؛ وأن تجربته هي لامتحان إيمانه أو تزكيته (1 بط 1: 7).

v     "وسيمتحني كالذهب الذي يعبر النار". الذهب في الفرن يتقدم في بهاء طبيعته، بينما يفقد الزغل. هكذا كما أن الذهب يعبر بالنار هكذا تُمتحن نفوس الأبرار... بنار التجربة مرة فأخرى تُزال عنها عيوبها، وتزداد فضائلها.

ليس في كبرياء يشبه القديس نفسه بالذهب الذي يمتحن بالتجارب... إذ يفكر في نفسه أنه قد تنقى بألم التجربة، حتى وإن لم يكن قد وُجد فيه ما يتنقى منه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     عندما يريد الله أن ينصر الإنسان ويعَّظمه، يسلمه أولاً إلى الشر (التجارب) ليُختبر ويُفحص ثم يظهر جماله للعالم بالحسنات التي يعملها الله معه.

لما أراد الله أن ينصر يوسف ويجعله سيدًا على مصر...، ماذا كانت بداية عمله ليفضي إلى نهاية صالحة؟ أولاً قبض عليه إخوته، وأهانوه، واستهزأوا به، ونزعوا ثيابه، وأبقوه في الجب، وقطعوا رجاءه، وباعوه للتجار، وصار عبدًا يخدم الأرباب، وأستعبد ابن الأحرار الحسن الذي لم يقترف سوءً.

من كان يرى هذا العمل السيئ لم يكن بوسعه أن يظن أن كل هذه الشرور كانت تُرتكب لصالح يوسف. أما الله الذي كان يعلم ماذا يريد أن يصنع له، فلم يشفق عليه عندما كان يرزأ تحت وطأة كل هذه الشرور، لكنه تركه يسقط في الجب، ويُباع للتجار، وُيزج به في السجن ظلمًا. بعد هذه كلها أشرق جماله كالشمس، وظهر حقه كالذهب، وزالت شروره كالدخان، واعتلى قمة المركبة كالملك، وقام في العظمة التي من أجلها وضعه الله بحيث يتواضع فيرتفع[1021].

القديس مار يعقوب السروجي

v     كما يُلقي ممحص الذهب بقطعة الذهب في الفرن لتحتمل النار إلى حين، حتى يراها قد تنقت، هكذا يسمح الله بامتحان الأنفس البشرية بالضيقات حتى تتنقى وتحصل على نفعٍ عظيمٍ...

فليتنا لا نضطرب ولا نيأس عندما تحل بنا التجارب. لأنه كما أن ممحص الذهب يعلم الزمن الذي ينبغي أن يُترك فيه الذهب في الفرن، فيُخرجه في الوقت المعين ولا يتركه بعد في النار حتى لا يفسد ولا يحترق، كم بالأكثر يعلم الله ذلك. فعندما يرانا قد تنقينا بالأكثر، يعتقنا من تجاربنا حتى لا ننطرح ونُطرد بسبب تزايد شرورنا.

عندما يحل بنا أمر ما لم نكن نتوقعه لا نتذمر ولا تخور قلوبنا، بل نقبله من الله الذي يعرف هذه الأمور بدقةٍ، حتى يمتحن قلوبنا بالنار كيفما يُسر، إذ يُفعل هذا بقصد فائدة المجربين. لذلك يوصينا الحكيم قائلاً بأن نخضع لله في كل الأمور، لأنه يعرف تمامًا متى يخرجنا من فرن الشر. (حكمة يشوع 1:1-2)

يليق بنا أن نخضع له على الدوام، ونشكره باستمرار، محتملين كل شيءٍ برضا، سواء عندما يمنحنا بركات أو يقدم لنا تأديبات. لأن هذه الأخيرة هي نوع من أنواع البركات.

فالطبيب ليس فقط يسمح لنا بالاستحمام (في الحمامات)... أو الذهاب إلى الحدائق المبهجة، بل وأيضًا عندما يستخدم المشرط والسكين هو طبيب!

والأب ليس فقط عندما يلاطف ابنه، بل وعندما يؤدبه ويعاقبه... هو أب!

وإذ نعلم أن الله أكثر حنوًا من كل الأطباء، فليس لنا أن نستقصي عن معاملاته، ولا أن نطلب منه حسابًا عنها، بل ما يحسن في عينيه يفعله. فلا نميز إن كان يعتقنا من التجربة أو يؤدبنا، لأنه بكلا الطريقين يود ردنا إلى الصحة، ويجعلنا شركاء معه، وهو يعلم احتياجاتنا المختلفة، وما يناسب كل واحدٍ منا، وكيف، وبأية طريقةٍ يلزمنا أن نخلص...

لنتبعه حيثما يأمرنا، ولا نفكر كثيرًا إن كان يأمرنا أن نسلك طريقًا سهلاً وممهدًا أو طريقًا صعبًا وعرًا[1022].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

v     كما يُختبر الذهب بالنار فيصير نافعًا، هكذا أنتم يا من تعيشون في العالم تُختبرون بها. هكذا أنتم الذين في النار تعبُرون اللهب وتتطَّهرون. وكما يُطرح الزغل عن الذهب، هكذا أنتم ستطرحون كل حزنٍ وتجربةٍ، وتصيرون أطهارًا ونافعين لبناء البرج[1023].

  هرماس

بِخَطَوَاتِهِ اسْتَمْسَكَتْ رِجْلِي.

حَفِظْتُ طَرِيقَهُ وَلَمْ أَحِدْ [11].

مع اعتراف أيوب أنه يحتاج إلى إزالة الزغل منه، يعود فيعلن أنه قد وضع في قلبه أن يسلك حسب مقاصد الله وخططه، يلتزم بأن يسلك في الطريق الإلهي خطوة فخطوة. إنه لا يريد أن يحيد عن الطريق يمينًا أو يسارًا.

من جانب يرفض أيوب ما يدعيه أصدقاؤه أن هذه التجارب ثمرة شروره وريائه ومقاومته الخفية لله، وإنما هي بوتقة لتنقية أعماقه فيخرج ذهبًا مصفي بالنار، ومن الجانب الآخر يعلن أنه يسلك في طريق الرب، يحفظ وصايا الرب ولا يحيد عنها.

v     "تلتزم قدمي بخطواته"، فإن أعمال الله التي نراها هي نوع من آثار خطواته. بهذه الأعمال يُحكم الصالحون والطالحون، الأبرار والأشرار يُوضعون في طبقاتهم... يأمرنا الحق أن نقتدي بآثار خطوات أبيه، إذ قال: صلوا لأجل الذين يضطهدونكم ويتهمونكم باطلاً، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات (مت 44:5-45)... يقول بطرس عن خطواته هذه: "من أجل المسيح الذي تألم عنا، تاركًا لنا مثالاً لكي نقتفي إثر خطواته" (1 بط 21:2)...

"حفظت طريقه، ولم أحد"، من يمارس الأمر الذي يصمم عليه ذهنه يحفظ الطريق ولا يحيد عنه. فإن من "يحفظ" ما يصمم عليه لا يحيد عنه في سلوكه العملي. هذا ما يشغل الأبرار أنهم ملتزمون أن يمتحنوا تصرفاتهم بطرق الحق يومًا فيومًا، ويحسبونها قانونًا لأنفسهم، يلزمهم ألا يحيدوا عن دربهم المستقيم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     علمكم المسيح أن تتألموا، وقد فعل هذا بأن تألم هو نفسه. لا تكفي الكلمات ما لم يُضف إليها المثال العملي. يا له من تعليم ثمين قدمه لنا أيها الإخوة والأخوات! لقد عُلق على الصليب، وكان اليهود ثائرين... كان معلقًا هناك، وفي نفس الوقت كان يشفيهم[1024].

القديس أغسطينوس

مِنْ وَصِيَّةِ شَفَتَيْهِ لَمْ أَبْرَحْ.

أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَتِي ذَخَرْتُ كَلاَمَ فَمِهِ [12].

يعلن أيوب أنه لم يتراجع إلى الوراء عن الوصية الإلهية الصادرة عن الفم الإلهي، بل يتقدم إلى الأمام بمقتضاها، ويسعى دومًا نحو الغرض.

لقد تمسك بالوصية حاسبًا إياها أفضل من طعامه الضروري، إذ لا يقدر أن يعيش بدونها، فهي طعام نفسه وشرابها.

يتطلع أيوب إلى الوصية الإلهية بكونها صادرة عن شفتي الله، وأنها كلام فمه، فهي ليست أوامر يلتزم بها لكي توجه سلوكه فحسب، لكنها عطية عذبة وثمينة تصدر من فم ذاك المحب! لهذا لا تمثل ثقلاً يود أن يهرب منه، إنما في عذوبة لا يبرح عنها، وفي شوق يدخرها في أعماقه. وكما يقول المرتل: "بطريق شهاداتك فرحت كما على كل الغنى. بوصاياك ألهج وألاحظ سبلك. بفرائضك أتلذذ لا أنسى كلامك... شريعة فمك خير لي من ألوف ذهب وفضة... كم أحببت شريعتك اليوم كله هي لهجي. سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي. ورثت شهاداتك إلى الدهر لأنها هي بهجة قلبي. يغني لساني بأقوالك، لأن كل وصاياك عدل" (مز 119: 14-16، 72، 97، 105، 111، 172)

v     إن كان أيوب قد وضع لنفسه فريضة وهي أن يسلك كما يليق به كإنسانٍ، لكن ما هو أثمن من هذه الفريضة الوصية الالهية، بكونها كنزه الذى يقتنيه ويحرص عليه، ويحفظه في قلبه. "أخفي كلمات فمه في حضن قلبي". فإننا نخفي الكلمات في حضن قلوبنا عندما نسمع وصاياه، لا بطريقٍ عابرٍ، بل نتممها عمليًا. مكتوب عن الأم العذراء نفسها: "كانت مريم تحفظ كل هذه الأمور متفكرة بها في قلبها" (لو 19:2).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     حقًا إن من يحصل على غنى مادي يفرح بسبب هذا الغنى، ليس عندما يكون لديه جزء من الغنى، وإنما يحصل على "كل الغنى"، كل الأصول الثابتة والمتداولة، أي العقارات والنقود. هكذا أيضًا من يرغب في الغنى الروحي يفرح ويبتهج عندما ينال غنى كاملاً، وذلك بفضل تقدمه في شهادات الرب وممارسته للفضائل. كأنه يقول: لتكن شهاداتك هي التي تغنيني عن كل شيء، لتكن هي فرحي وغناي.

العلامة أوريجينوس

v     الذين مواطنتهم هي في السماء (في 3: 19-20)، ماداموا قاطنين هنا مشغولين (بالسماويات) فهم بالحق غرباء. ليصلُّوا حتى لا تُخفى عنهم وصايا الله، التي بها يتحررون أثناء رحلتهم المؤقتة، وذلك بحبهم لله الذي يقطنون معه أبديًا؛ وبمحبتهم للقريب لكي ما يذهب هو أيضًا إلى حيث سيكونون (أي في السماء)[1025].

القديس أغسطينوس

أَمَّا هُوَ فَوَحْدَهُ، فَمَنْ يَرُدُّهُ؟

وَنَفْسُهُ تَشْتَهِي فَيَفْعَلُ [13].

مع شعور أيوب بضعفه البشرى وفي نفس الوقت لا يقدر أن يتجاهل أمانته وجديته في حفظ وصايا الرب، وتقديره الفائق لها، كان يود أن يدخل في حوار مع الله ليتعرف على مقاصده الإلهية وراء ما حل به.

لكن أيوب يدرك حدوده أنه مخلوق ضعيف لا يعاتب لكى يغير خطة الله، ولا يتوقع أنه يقاوم الله. يعلم أن الله هو القدير الحكيم الآب، ما يريده هو للخير، وقادر على أن يفعله. وكأن أيوب يود في حواره أن يفتح الله بصيرته بالأكثر ليسبح في محبته الله الفائقة حتى وإن كانت الضيقات تلاحقه من كل جانب. بهذا الحوار ينتفع أيوب فيزداد إيمانه وحبه ويسمو فوق الكلام.

الله هو الحق المطلق، مشورته غير متغيرة، لا يشترك معه أحد في المشورة، ليس من يغير إرادته ومقاصده. حقًا بالتوبة يعفو، لكنه مقاصده لا تتغير "معلومة عند الرب منذ الأزل جميع أعماله".

إنه قدير، ما يشتهيه يحققه. ليس كالبشر الذين يشتهون أمورًا كثيرة لا يفعلونها، أو لا يقدرون أن يفعلوها، أو لا يجسرون على ذلك، إذ هو كلي القدرة. "كل ما شاء الرب صنع" (مز 135: 6).

v     "إن كان يُحاكم، فمن هو هذا الذي يعارضه؟ فإنه يريد الشيء ويتممه". تُحفظ المعرفة في حدود الطبيعة بكل طرقها، أما الإيمان فيجعل رحلتها فوق الطبيعة... الإنسان الذي يتبع الإيمان يصير للحال حرًا وحاكمًا لنفسه، وكابنٍ يُخضع كل طبائع الخليقة وكأنه إله، فإنه بالإيمان يتحقق السلطان على شبه الله ليقيم خليقة جديدة. إنه يقول: "أنت تفعل ما تريد، وكل الأشياء حاضرة أمامك". وفي مرات كثيرة يمكن للإيمان أن يحضر كل شيءٍ من العدم[1026].

 القديس مار افرام السرياني

يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على تعبير "هو وحده"، كأنه لا يوجد كائن ما غيره، قائلاً إنه يليق التمييز بين الخالق القائم بذاته، غير المتغير، وبين المخلوقات التي وًجدت من العدم، ولا تقدر أن تقوم بذاتها.

v     "لكنه هو نفسه وحده، ولا يستطيع إنسان ما أن يغير فكره"... إذ توجد كثرة من الأشياء في دائرة الطبيعة، فلماذا يُقال بصوت الطوباوي: "إنه هو وحده"؟ يوجد فارق بين ما يوجد، وما هو موجود أصلاً، بين ما يخضع للتغير والوجود والمستقل عن التغير. فإن كل هذه الأشياء موجودة، لكنها لا تقوم بذاتها، فلو لم تقم بيد من يحكمها ما كان يمكن لها أن توجد قط. فإن كل الأشياء تقوم في ذاك الذي خلقها، وهم ليسوا مدينين بحياتهم لأنفسهم، ولا أولئك الذين يتحركون ولا يحيون قد صارت لهم الحركة حسب نزواتهم. إنما (الله) هو الذي يحرك كل الأشياء، هذا الذي يحيي البعض، واهبًا لهم الحياة، بينما الكائنات الأخرى التي بلا حياة يقوم هو بحفظها، مودعًا إياها بطريقة عجيبة ككائنات أقل وأدنى.

خُلقت كل الأشياء من العدم، وينتهي وجودها إلى العدم، ما لم يمسك بها خالق الأشياء بيد تدبيره. إذن كل الأشياء المخلوقة لا تقدر بذاتها أن تقوم، ولا أن تتحرك، وإنما ينبغي أن تخضع لجابلها، بهذا فقط تتحرك...

على أي الأحوال، فانه حتى وإن وجدت مقاومة ضدنا من الخارج (أي ضيقات) يليق بنا أن ندرك أن الله يعمل فينا من الداخل...

إذن في كل الأحوال يُنظر إلى الله كمن هو وحده، هذا القائم من البدء، والقائل لموسى: "أنا هو الذي هو، هكذا تقول لبني إسرائيل، ذاك الذي هو كائن يرسلني إليكم" (خر 14:3). هكذا عندما نُعاقب بالأمور التي نراها، يلزمنا أن نخاف ذاك الذي لا نراه...

بخصوص عدم إمكانية تغيره، أضاف بطريقة مباشرة لائقة: "لا يقدر إنسان أن يغٌير فكره"، فإنه إذ هو بالطبيعة غير قابلٍ للتغير، فهو غير قابل للتغير في الإرادة. "لا يقدر أحد أن يغٌير فكره"، حيث ليس لإنسانٍ ما سلطان لمقاومة أحكامه الخفية... هكذا مكتوب: "يصدر قانونًا لا يتغير". وأيضًا: "السماء والأرض تزولان، وأما كلامي فلا يزول" (مر 31:13). أيضًا: "لأن أفكاري ليست كأفكاركم، ولا طرقكم كطرقي" (إش 8:55)...

فإنه حتى تلك الأمور التي تبدو أنها تُصنع ضد إرادته ومخالفة لها، فلنتطلع إلى أن ما لم يأمر به يُسمح به أحيانًا أن يتم لكي تخدم ما أمر به وتحققه بأكثر تأكيد. فإن إرادة الملاك المقاوم شريرة، لكن الله يأمر بطريقة عجيبة حتى يستخدم الله ذات حيله المخادعة لصالح الأبرار الذي يتطهرون خلال جهادهم. لهذا فإن كل ما ترغبه نفسه (الله) يفعله"، مستخدمًا ذات المصدر الذي قد يبدو مقاومًا لإرادته ليحقق به إرادته...

البابا غريغوريوس (الكبير)

6. شعوره بالضيق

لأَنَّهُ يُتَمِّمُ الْمَفْرُوضَ عَلَيَّ،

وَكَثِيرٌ مِثْلُ هَذِهِ عِنْدَهُ [14].

يتطلع أيوب إلى الله الواحد الوحيد القدير الموجود بذاته كمصدر لحياته والمحرك لكل الأمور بعنايته الفائقة، لهذا يرى أن كل ما يحدث هو لنفعه وصلاحه.

لكنه بالرغم من هذا اليقين لن تنزع عنه طبيعته البشرية التي تخشى ما يحل عليه من نكبات وآلام. ولعل هذه الخشية أو المخافة ليست رعبًا مما سيحل به، وإنما مخافة الرب المقدسة. فإنه يقف في خشية أمام عظمة الله الفائقة وجلاله. إنه يسر بالحضرة الإلهية لكن ليس في تهاونٍ أو استهتارٍ، إنما في إجلال وتكريم لله.

v     لكنك حسنًا تضع تساؤلاً وسط هذه الكلمات فتقول: "يا أيها الطوباوي أيوب، لماذا لا تزال ترتعب من الأحزان وسط مثل هذه الضربات؟ لقد حدقت بك الأحزان بالفعل، لقد انزعجت فعلاً بواسطة الكوارث غير المحصية... لكن لاحظ كيف يجيب القديس على تسـاؤلنا مضيفًا: "لأنه حين يحقق إرادته فيٌ، توجد أمور أخـرى كثيرة معه" [14]... مع رؤيته القوة غير المدركة من جهة السلطان، هذه القوة القائمة فيه، يشعر البار أنه ليس في أمان من جهة الضربة التي تحل عليه، فيزداد بالأكثر خوفه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْتَاعُ قُدَّامَهُ.

أَتَأَمَّلُ فَأَرْتَعِبُ مِنْهُ [15].

سبق فأعلن أيوب أنه لا يرتعب أمام الله، لأن له دالة عليه. أما هنا فيذكر أنه يتأمل في عناية الله وأعماله فتنتابه مخافة، وهي مخافة التكريم والاعتزاز بالرب مثل مخافة الابن نحو أبيه.

لعل ما يرعبه صراعه الداخلي، ففي ضيقه من اتهامات أصدقائه له يستحسن الحوار مع الله والمحاكمة أمامه، وكأنه يقول مع داود النبي: "فلنسقط في يد الرب، لأن مراحمه كثيرة، ولا أسقط في يد إنسانٍ" (2 صم 24: 14). وفي نفس الوقت يعلم أيوب أنه غير أهلٍ للحوار مع الله، والدخول في محاكمة معه.

v     "لهذا أنا اضطرب لحضرته، حين أحسب إني خائف منه[1027]" [15]. إنه بحق يضطرب لحضور الرب، ذاك الذي يضع نصب عينيه رعب جلاله، ويرتبك تمامًا بواسطة مهابة برٌه، وهو ينظر أنه غير أهلٍ أن يجيب إن حوكم بحزمٍ...

أما بخصوص الطوباوي أيوب، فنحن نعرف أنه تكرس لتقديم ذبائح متنوعة لله، وسلٌم نفسه لأعمال العطاء السخي، وتقديم احتياجات الفقراء، وكان متواضعًا حتى أمام الخاضعين له، لطيفًا مع مقاوميه، ومع هذا لحقت به مثل هذه الكوارث غير المحصية... فماذا نقول نحن الخليقة البائسة؟ ماذا نقول نحن الخطاة إن كان الذي فعل كل هذا خاف هكذا؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     ليس شيء يعلو على مخافة الله لأنها تسود على كل شيء، وبخوف الله يحيد كل واحدٍ عن كل الشرور، فلنقتن لنا هذا الخوف ولنحِدْ عن كل ما لا يريده الله، ونجرِّب كل ما يرضيه ونحفظه ولا نفعل شيئًا يحُزنه، ونعلم أن كلَّ ما نفعله ينظر هو إليه ولا تخفى عليه خافيةً.

القديس مقاريوس الكبير

لأَنَّ اللهَ قَدْ أَضْعَفَ قَلْبِي،

وَالْقَدِيرَ رَوَّعَنِي [16].

مع ما لأيوب البار من دالة حتى للدخول في محاكمة مع الله، لكنه يلتزم بالمخافة المقدسة، إذ يدرك عظمة الله وجلاله. الحب المقدس يطرد مخافة العبيد خارجا، لكنه يجلب مخافة الرب حتى يلتحف بها الأبرار أمام القدوس. لا نعجب مما لأيوب من جسارة وجرأة ودالة لدى الله، وفي نفس الوقت يضعف قلبه ويرتعب أمام القدير. هذا هو منهج أولاد الله يشتهون مع الرسول بولس أن ينطلقوا ويكونوا مع المسيح ويصرخون طالبين: "نعم تعال أيها الرب يسوعوفي نفس الوقت يذكرون يوم الدينونة ويبكون على خطاياهم.

v     "فإن الله جعل قلبي واهنًا، والقدير أرعبني". يُقال إن قلب البار بالعطية الإلهية يصير واهنًا حيث تتخلله مخافة الدينونة القادمة من العلي. فما هو واهن يُمكن بسهولةٍ اختراقه، وما هو قاسٍ لا يمكن اختراقه. لذلك يقول سليمان: "سعيد هو الإنسان الذي يخاف على الدوام، أما من يقسي قلبه فيسقط في انزعاج" (أم 14:28)...

قلوب الصالحين ليست في أمانٍ بل مضطربة، حيث يفكرون في الثقل العظيم للحساب القادم، ويطلبون أن يتمتعوا بالراحة هنا. إنهم يقطعون اطمئنانهم بالتفكير في الحزم الداخلي. غير أن مثل هؤلاء الأشخاص، وسط ذات تأديبات الخوف، غالبًا ما يتذكرون العطايا، وبهذا يتهللون وسط المخاوف، ويعيدون النظر إلى الهبات التي نالوها حتى يدعموا رجاءهم ويهبط الخوف.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     إن وضعتَ في ذهنك دينونة الرب للأرض كلها (مز 7:1.9) كقول الكتاب المقدس، فإن كل حادث يعلِّمك معرفة الله.

القديس مرقس الناسك

v     تذكر على الدوام ساعة خروجك، ولا تنسى الدينونة الأبدية، فلا توجد في نفسك خطية.

v     كيف نرضى الله؟ توجد خمسة أعمال تساعد على جلب عطية الله:

الأول: الصلاة النقية.

الثاني: التسبيح بالمزامير.

الثالث: قراءة الأسفار المقدسة.

الرابع: تذكر الإنسان خطاياه والموت والدينونة المخيفة.

الخامس: عمل اليدين.

القديس مار أوغريس البنطي

لأَنِّي لَمْ أُقْطَعْ قَبْلَ الظَّلاَمِ،

وَمِنْ وَجْهِي لَمْ يُغَطِّ الدُّجَى [17].

مرة أخرى وإن كان المؤمن يضعف قلبه ويمتلئ قلبه بالمهابة، يعلم أنه في غنى نعمة الله لا يهلك، ولا تقدر الظلمة أن تغطي وجهه مادام قد وضع يده في يد الله. بالإيمان يرى المؤمن أبواب السماء مفتوحة أمامه، وفي يقظة يخشى وهو قائم لئلا يسقط كما قال الرسول بولس (1 كو 10: 12).

v     "لكنني لا أهلك من أجل الظلمة التي تهددني، ولن تغطي الظلمة وجهي"... فإن الضربات التي تحل على الصالحين إما تزيل الشرور التي مارسوها، أو تجعلهم يتجنبون الضربات المقبلة التي قد تحل. أما الطوباوي أيوب فإنه إذ سقط تحت العصا، لم يتطهر من خطايا ارتكبها ولا حصنته مما يهدده. إنما ضاعفت من صلاحه بالأكثر وهو تحت الضربة، فيقول بيقين: "فإنني لا أهلك من الظلمة التي تهددني، ولن تغطي الظلمة وجهي".

البابا غريغوريوس (الكبير)

 


 

من وحي أيوب 23

صمتك وسط آلامي أعذب من تعزيات البشر!

 

v     في وسط مرارة نفسي شكوت،

آلامي أثقل من كل أنينٍ أو تنهد.ٍ

يحسبني من يراني متذمرًا عليك.

إني أثق فيك، وفي حبك وبِّرك.

أريد أن ألتقي بك،

فأنت وحدك فاحص قلبي

لماذا تصمت يا محب البشرية؟

لتحاكمي، ولكن حسب رحمتك!

أريد الحوار معك،

فإني أعلم أن بصليبك أنجو إلى الأبد.

 

v     لماذا تصمت يا أيها العجيب في حبك؟

أريد أن أهرب من العدل الإلهي،

بالالتجاء إلى حبك.

أعترف إليك بخطاياي،

فليس من يترفق بضعفي مثلك؟

 

v     إن تطلعت إلى المشارق أرى عظمتك.

فأصمت أمام بهائك.

وإن تطلعت إلى المغارب حيث أتراجع أمامك،

يجمد فهمي تمامًا!

إن سلكت في اليسار حيث الخطايا،

لا أقدر أن أدركك.

وإن سلكت في اليمن حيث ضربات البرّ الذاتي،

أحرم نفسي من رؤياك .

أخبرني، كيف أراك وأتحدث معك،

فأنت هو ملجأي الوحيد.

v     أنت في كل مكان، أنت في أعماقي،

ولغباوتي لم أعرف كيف ألتقي بك!

أنت تراني، وتفحص أعماقي،

وبسبب عماي لا أراك، ولا أدرك أسرارك!

خطتك من نحوي فائقة.

 

v     تريدني ذهبًا مُصفىٍ بالنار، بلا زغلٍ،

تسمح لي بالتجارب،

وتعمل فيّ بلا توقف، حتى وإن صمتْ.

وسط صرخاتي المرة، ترى نفسي تتنقى كما بنارٍ.

تراني قادمًا إليك في أمجادٍ هي من عمل نعمتك فيّ!

في صمتك تبدو كمن لا يبالي بصرخاتي المرة،

لكنك الفخاري الحكيم تعلم متى تخرجني من فرن التجارب.

تتطلع إليّ، أنا الطين،

وتراني قد تحولت إلى إناءٍ للكرامة!

لن تتركني في النار حتى أحترق،

ولن تخرجني قبل الأوان لئلا أفسد!

 

v     أراك الطبيب السماوي في صمتك تمسك بالمشرط.

لتضرب به جسمي، وتنزع عنه القروح.

أراك الأب الذي وإن صمت فعيناه على ابنه المحبوب.

الآن لأسلك حسب مقاصدك غير المدركة.

بشكرٍ أتقبل خطتك من نحوي، مهما بدت مُرة.

لأحفظ طريقك بنعمتك.

فقد وعدتني أن أكون ابنًا للآب السماوي!

 

v     في وسط لجة محبتك أدرك أنك القدير وحده.

من يقدر أن يفهم أعماق حكمتك؟

لتعمل فيّ، حتى وإن تمررت نفسي،

فكل ما تعمله هو لبنياني الأكيد.

إني الجبلة الضعيفة تخضع لجابلها القدير.

حتى إن تضايقت إلى حين،

فإن جلالك العجيب يسبي كل كياني.

 

v     سمِّرت خوفك في داخلي،

فهو حصني وملجأي من محاربات العدو.

فيه احتمي، وبه أسلك كما يليق بابنٍ لك!

به أمتلئ رجاءً، لكن بروح الخشوع والتقوى!

به أذكر يوم مجيئك، فاصرخ:

قلبي مستعد يا الله، قلبي مستعد!

تعال أيها الرب يسوع،

فأنت هو الديان،

وأنت هو المعزي والشفيع عني.

<<

 


 

اَلأَصْحَاحُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ

ألا من محكمة لتقديم التماس!

يتساءل أيوب: لماذا لا يقيم الله أيامًا خاصة بالقضاء، لكي ينظر في حال الأيتام والأرامل والمساكين والمظلومين، فإن القضاة البشريين يسقطون أحيانًا في أخذ رشوة من الأغنياء الظالمين [٢-٤]؟

1. عدم مبالاة الأشرار بالديان                    1.

2. عملهم السلب والاغتصاب                      2.

3. استغلال المساكين                                3.

4. يرعبون الودعاء                                  4.

5. يظنون أنهم فوق القانون                   510.

6. يريدون الشر والرب يريد الخير             11.

7. يظنون أن الله لا ينتبه!                    12-13.

8. حلول الظلمة على الأشرار                14-17.

9. رعب الأشرار                             18-20.

10. لا تستقر عصاهم على الصديقين          21.

1. عدم مبالاة الأشرار بالديان

لِمَاذَا إِذْ لَمْ تَخْتَبِئِ الأَزْمِنَةُ مِنَ الْقَدِيرِ،

لاَ يَرَى عَارِفُوهُ يَوْمَهُ؟ [1]

إذ يتطلع أيوب إلى يوم الدينونة يمتلئ بالمهابة أو مخافة الرب، حيث يلتقي بذاك الذي فوق الزمان (23:15 17). يدهش أيوب من الأشرار أنهم وهم خاضعون للزمن، يعيشون إلى حين ثم يرحلون، لا يخشون الله الذي يحتضن كل الأزمنة، ولا يفلت منه زمان. يرى أيوب أن كل إنسانٍ يظهر في زمنٍ معينٍ ثم يختفي بموته، ولا يعلم يوم مجيء الرب لمحاكمته، فكان يليق به ألا يمارس الظلم ضد أخيه لعله بهذا يحول الاتهام الموجه ضده إلى أصدقائه الذين لا يخشون الله، ولا يبالون بصديقهم أيوب، بل يمارسون القسوة ضده.

الأزمنة ليست مختفية عن القدير، فالأزمنة الماضية لا تختفي من دينونته (جا 3: 15)، والأزمنة الحاضرة لا تختفي عن تدبير عنايته (مت 10:29)، والأزمنة المقبلة لا تختفي عن علمه السابق (أع 15: 18)[1028]. لذا يليق بالأشرار ألا يظنوا أنهم يفلتون من العدل الإلهي، إذ الماضي كما الحاضر والمستقبل أمام حضرة الله ليس لهم أن يقولوا: " الرب لا يرانا، الرب قد ترك الأرض" (مز 8: 12؛ 9: 9). ليس للأشرار أن يقولوا بأن أشرارًا عاشوا في الماضي وعاشوا كل حياتهم في يسر ورخاء ونجاح، فإنهم وإن ماتوا سيقومون ليدانوا أمام الديان الذي لا يُخفى عنه شيء. لقد أخفي الرب يوم مجيئه عن البشر، حتى يكف الكل عن شرورهم لئلا يفاجئهم بغتة. يدعى يوم الدينونة العام يوم الرب (مز 37: 13)، وهو آتٍ حتمًا، لكننا لا نعرفه.

v     "الأزمنة ليست مخفية عن القدير" [1]... نحن نختفي في داخل أقسام الزمن، إذ نحن كائنات مخلوقة. أما الله، خالق كل الأشياء، فيحتضن أزمنتنا... وبخصوص الأبدية لنا مثل هذه الأفكار، فإننا لسنا بعد نعرف موعد الأبدية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

إذ لا نعرف يوم مجيء الرب للدينونة، بينما كل الأزمنة مكشوفة لديه، كان تدريب ترقب مجيء الرب بجدية مع مراجعة الإنسان نفسه يوميًا بروح الرجاء في المسيح مخلص الخطاة وعمل الروح القدس أمرًا حيويًا في الكنيسة الأولى، خاصة في المجتمعات الرهبانية.

v     يجب على كل واحدٍٍ أن يستخلص من نفسه كل يوم قصة أعماله في الليل والنهار، وإن كان قد أخطأ فليكُفّ عن الخطية، وإن لم يكن قد أخطأ وجب ألاّ يفتخر، بل يتمسّك بالصالح دون إهمال، وأن لا يدين إخوته أو يُبرِّر نفسه "حتى يأتي الرب الذي يكشف الخفيات" (1 كو 4: 5؛ رو 2: 16) كما يقول المغبوط بولس الرسول. لأننا كثيرًا ما فعلنا بغير قصدٍ الأشياء التي لا نعرفها، ولكنّ الرب يرى كل شيء؛ لذلك إذ نسلِّم الدينونة له فلنعطف بعضنا على بعض، لنحمل أثقال بعضنا بعضًا (غل 6: 2)، ولكن لنمتحن أنفسنا ونسرع لملء ما نقص فينا.

v     يا ابني، لا تُبكِّت أحدًا بسرعة لأن هذه سقطة لك. بل أذكر خروجك من هذا الجسد في كل وقت، ولا تنسَ الدينونة الأبدية، فإنك إن فعلت هكذا فلن تعود تخطئ. لأن آباءنا الروحانيين قالوا: إن الوحدة هي الدرس (أي الهذيذ) في ذكر الموت والهروب من كل أمور الجسد.

القديس أنبا أنطونيوس الكبير

2. عملهم السلب والاغتصاب

يَنْقُلُونَ التُّخُومَ.

يَغْتَصِبُونَ قَطِيعًا وَيَرْعَوْنَهُ [2].

يتطلع أيوب إلى من هم حوله، فيراهم غير مبالين بالديان العادل، ينقلون التخوم، أي يقومون باغتصاب حقول الآخرين وأرضهم، فيضعون حدود أرضهم (تخومهم) في أرض الغير، ويسلبون غنمهم ويقومون برعايتها كأنها من حقهم.

يبدأ هنا بأول أنواع الشرور وأخطرها، تلك التي لا يطيقها القدوس، وهي ممارسة الظلم.

ليس ما يحزن قلب الله مثل أن يحتل الظلم موضع الحب والحق. فقد خلق الإنسان ليكون أيقونة للحب، لكن "رؤي تحت الشمس... موضع الحق هنالك الظلم" (جا 3: 16). ليس من يبالي بدموع المظلومين، أما ظالموهم فمتغطرسون (جا 4: 1).

كان هذا الإجراء محرمًا (تث 19: 14)، ومن يخالف الناموس يستحق اللعنة (تث 27: 17). أما عن اغتصاب القطيع، فقد حكم داود النبي على من ذبح نعجة الفقير بأنه مستحق للقتل (2 صم 12: 4 ) ولم يكن يدرك أنه يحكم على نفسه حيث اغتصب امرأة أوريا الحثي.

v     "يا رب لماذا يهرب الأشرار من ساعتهم، يتعدون الحدود، يحملون القطيع مع الراعي؟" مرة أخرى يوجد شك فيسأل: لماذا ينجح الأشرار؟... فكما أننا لا نعرف لماذا يسقط إنسان تحت مثل هذه الآلام ظلمًا، بينما يُسقطها آخر عليه، فإنه طبيعيًا أن هذه المظالم تسبب اضطرابًا وتؤثر على طرف كما على الطرف الآخر (الظالم والمظلوم).

"إنهم يرحلون مثل حميرٍ في حقلٍ" [6]، بمعنى إنهم احتقروا العالم كله، إذ يستخفون بكل أحدٍ، ظانين ليس من أحد يظلمهم، ولا من يسيء إليهم.

"لكنه لم يفتقدهم (الله) بعد". سيفعل ذلك مؤخرًا، لكنه سيدقق في عيوبهم ولن يتركها تعبر!

 القديس يوحنا الذهبي الفم

يقول الجامعة (سيلمان الحكيم): "وأيضًا رأيت تحت الشمس موضع الحق هناك الظلم، وموضع العدل هناك الجور. فقلت في قلبي: الله يدين الصديق والشرير، لأن لكل أمرٍ ولكل عملٍ وقتًا هناك" (جا 3: 16-17). فإن الله الصالح قد صنع كل شيءٍ حسنًا أو جميلاً في وقته، وأن ما حلَّ بالعالم من فساد ليس هو عن طبيعة العالم ذاته، وإنما خلال ظلم الإنسان وجوره لأخيه الإنسان. وأنه أية شهادة عن بطلان العالم مثل احتلال الظلم موضع الحق، والجور موضع العدل؟ ينتشر الفساد في عمق ساحات العدل! لكن الجامعة يؤمن بقضاء الله العادل. فساد العالم لا يعني أن الأمور تسير بطريقة اعتباطية بلا ضابط، إنما ينتظر الله الوقت المناسب ليدين الصدِّيق والشرير. "لأن لكل أمرٍ ولكل عملٍ وقتًا هناك". بمعنى آخر إن كان الإنسان بفساده أساء إلى العالم إذ لم يضع كل شيءٍ في زمانه المناسب وفي نصابه، فاحتل الظلم موضع العدل... فإن الله يتدخل ليُصلح الموقف، لكن أيضًا في حينه.

لعل من أخطر الرذائل التي يهاجمها الكتاب المقدس بعهديه هو ظلم الإنسان لأخيه.

ينتظر الله في طول أناته رجوعنا إليه لنمارس حبه وبرَّه، لكن إذ يُصر الأشرار على ممارسة العنف والظلم. ففي يوم الدينونة يبدو كأن الله لا يشير إلى تفاصيل شرورهم، بل يدعو كل شرورهم ظلمًا، وكأنه لا يوجد ما يحُزن قلب الله مثل ظلم الإنسان لأخيه الإنسان. إنه يخاطب الأشرار، قائلاً: "لا أعرفكم من أين انتم، تباعدوا عني يا جميع فاعلي الظلم" (لو 13: 27). "حتى متى يا رب أدعو وأنت لا تسمع، اصرخ إليك من الظلم، وأنت لا تخلص" (حب 1: 2).

يحذرنا الكتاب المقدس من ممارسة الإنسان الظلم ضد أخيه، مؤكدًا خطورة الظلم:

أ. ليس من ملجأ للهروب من الظلم سوى الالتجاء إلى الله نفسه.

"أنقذني يا رب من أهل الشر، من رجل الظلم احفظني" (مز 140: 1).

"احفظني يا رب من يدي الشرير، من رجل الظلم أنقذني، الذين تفكروا في تعثير خطواتي" (مز 140: 4).

ب. ما يمارسه الإنسان من ظلم إلا يخزنه لنفسه، فيرتد الظلم إليه لهلاكه؛ يشرب من ذات الكأس التي ملأها لأخيه.

"رجل لسان لا يثبت في الأرض، رجل الظلم يصيده الشر إلى هلاكه" (مز 140: 11).

ج. الظلم يفقد الإنسان الحكمة والتعقل لتسيطر عليه الحماقة، ويحرم الإنسان في الدخول في عهد مع الله الكلي العدل. فليس من شركة بين الظلم والعدل.

"لأن الظلم يحمق الحكيم، والعطية تفسد القلب" (جا 7: 7).

لذلك هكذا يقول قدوس إسرائيل: لأنكم رفضتم هذا القول، وتوكلتم على الظلم والاعوجاج، واستندتم عليهما" (إش 30: 12).

"لأني أنا الرب محب العدل، مبغض المختلس بالظلم، واجعل أجرتهم أمينة، واقطع لهم عهدًا أبديًا" (إش 61: 8).

د. الظلم يفسد روح الرعاية، ويفقد القادة والرؤساء عملهم الرعوي.

"هكذا قال السيد الرب: يكفيكم يا رؤساء إسرائيل، أزيلوا الجور والاغتصاب، واجروا الحق والعدل، ارفعوا الظلم عن شعبي" (حز 45: 9)

هـ. كل ظلمٍ يدخل كما إلى مخازن قصور من يظنون أنهم عظماء، وفوق القانون، وهناك يستقر، لن يخرج بدون التوبة والرجوع إليك.

"فإنهم لا يعرفون أن يصنعوا الاستقامة، يقول الرب، أولئك الذين يخزنون الظلم والاغتصاب في قصورهم" (عا 3: 10).

"أنتم الذين تبعدون يوم البلية، وتقربون مقعد الظلم" (عا 6: 3).

"وليتغط بمسوح الناس والبهائم، ويصرخوا إلى الله بشدة، ويرجعوا كل واحدٍ عن طريقه الرديئة، وعن الظلم الذي في أيديهم" (يون 3: 8).

و. الظلم يفسد القلب، مدينة الله أورشليم والهيكل الداخلي.

"الذين يبنون صهيون بالدماء، وأورشليم بالظلم" (مي 3: 10).

"لأنه يكره الطلاق، قال الرب إله إسرائيل، وأن يغطي أحد الظلم بثوبه، قال رب الجنود، فاحذروا لروحكم لئلا تغدروا" (ملا 2: 16).

يضع المرتل كلمة "الظلم" كأنها تعادل "إبليس" نفسه، فيضع الظلم مقابل الله موضوع اتكالنا ورجائنا، فيحذرنا: "لا تتكلوا على الظلم"، وكأن أمامنا أحد اختيارين: الله أو الظلم.

v     "لا تتكلوا على الظلم" (مز 62: 10). فإن رجائي هو في الله... لقد وثبت ووضعت رجائي في الله، فهل يمكن أن يوجد بأي حال من الأحوال ظلم في الله؟[1029]

القديس أغسطينوس

ز. الظلم محصلته هباءً، لا قيمة له.

"لا تتكلوا على الظلم، ولا تصيروا باطلاً في الخطف، إن زاد الغنى فلا تضعوا عليه قلبًا" (مز 62: 10).

لم يعد الله مؤمنيه بأن ينزع عنهم الظلم والاضطهادات، لكنه يسمح بذلك لمجدهم ومجده هو فيهم كمخلصٍ يحولّ الشرور للخير.

يقول المرتل: "من الظلم والخطف يفدي أنفسهم، ويكرم دمهم في عينيه" (مز 72: 14). أو كما جاء في بعض الترجمات: "يصير اسمه مكرمًا في حضرتهم".

v     إن كان المسيحيون يبدون محتقرين في هذا العالم، فإن اسمهم مكرم في حضرة الله. لا يعود يذكر الأسماء التي ارتبطوا بها قبلاً (والأتعاب) خلال الخزعبلات الأممية (الوثنية)، ولا يشير إلى أسمائهم التي لحقت بهم خلال تصرفاتهم الشريرة قبل أن يصيروا مسيحيين. فقد صار لهم اسم مسيحيين في حضرة الله، الاسم الذي يبدو محتقرًا لدى الأعداء[1030].

القديس أغسطينوس

في تعليق القديس أغسطينوس على المزمور 140 حيث يصلي المرتل أن يحفظه من رجل الظلم يرى انه يقدم لنا مثلاً حيًا للصلاة ضد الظالمين بقوله: "من رجل الظلم أنقذني... أخفى ليّ المستكبرون فخًا وحبالاً، مدوا شبكة بجانب الطريق، وضعوا ليّ إشراكا" (مز 140: 4-5). فإن الصلاة ليست ضد الظالم نفسه، إنما ضد الشر والظلم حتى ينزع الله الشباك المنصوبة ضدنا.

v     يصلي كثيرون في عدم مهارة ضد الأشرار... يليق بك أن تصلي ضد مثل هذه الشباك لئلا تفقد ميراثك السماوي، لئلا تفقد المسيح الذي لك شركة ميراث معه، فقد عُين لك أن تحيا معه إلى الأبد، هذا الذي جعلك وارثًا. فقد صرت وارثًا لا بواسطة من تخلفه بعد موته (الوالد الجسداني)، بل بواسطة ذاك الذي يعيش معه إلى الأبد[1031].

القديس أغسطينوس

فالظلم الحقيقي في ذهن القديس أغسطينوس ليس من يسبب لك خسائر مادية أو زمنية كأن يسلب ميراثك أو ممتلكاتك، لكنه هو وضع إشراك للنفس كي تحرم من الشركة مع السيد المسيح في الميراث الأبدي.

إذ يضع الظالم الشباك لاصطياد الأبرار يسقطون هم في ذات فخاخهم ليدمروا أبديتهم. وكما يقول المرتل: "رجل الظلم يصيده الشر إلى هلاكه" (مز 140: 11).

v     تأتي الشرور، لكن الشرير لا يثبت، لذلك يقول: "تصطاده لهلاكه". فإن كثيرًا من الصالحين والأبرار قد أصابتهم شرور، لكن بالشرور وُجدوا (ولم يهلكوا), فعندما طاردت الشرور الصالحين – أي شهداؤنا- وأمسكت بهم، اصطادتهم ولكن ليس للهلاك. فقد ُضغط على أجسامهم، لكن الروح كُللت. نُزعت الروح عن الجسم، لكن ليس من شيءٍ يصيب الجسم الذي يختفي لأجل المستقبل.

ليُحرق الجسم ويُجلد، ويُشوه، فهل نُزع عن خالقه لأنه سُلم في يد مضطهديه؟ أليس الذي خلقه من العدم سيعيده بصورة أفضل مما كان عليه؟[1032]

القديس أغسطينوس

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) في أصدقاء أيوب الذين يرمزون إلى الهراطقة أنهم على الدوام يستخدمون كل وسيلة سواء بالإغراء أو الخداع أن يوسعوا تخومهم، ويسلبوا النفوس، بإزالة العلامات التي وضعها الآباء، أي المفاهيم الإنجيلية الكنسية الآبائية، فيجتذبون البعض وينحرفون بهم عن الحقل الإلهي. إنهم يأخذون قطيع المسيح الوديع، ويحسبونه قطيعهم، ومن حقهم رعاية هذا القطيع خارج كنيسة المسيح.

v     "آخرون يزيلون علامات الحدود، ويغتصبون القطعان عنفًا ويطعمونها" [2] من هم الذين يشير إليهم تحت لقب "الآخرين" إلا الهراطقة، إذ هم غرباء عن حضن الكنيسة المقدسة؟ فإنهم ينزعون علامات الحدود لكي يتخطوا دساتير الآباء بسيرهم بانحرافٍ. بخصوص هذه الدساتير مكتوب: "لا تنزع علامات الحدود القديمة التي وضعها آباؤك" (أم 28:22).

البابا غريغوريوس (الكبير)

3. استغلال المساكين

يَسْتَاقُونَ حِمَارَ الْيَتَامَى،

وَيَرْتَهِنُونَ ثَوْرَ الأرملة [3].

يضرب مثلاً آخر للظلم وهو أن يغتصب إنسان حمارًا ليتيم مسكين ينتفع منه ماديًا، ولا يقدر المسكين أن ينازع المغتصب. أو من يرهن ثور أرملة تستخدمه في حقلها الصغير لسببٍ أو آخر، كأن يكون استيفاءً لدينٍ صغيرٍ أو متأخر إيجارٍ. لا يكف الأشرار عن سلب ما هو ليس لهم، فيطمعون في استخدام حمار اليتامى ويرهنون ثور الأرملة.

يعتبر الله الظلم الساقط على يتيمٍ أو أرملةٍ موجهًا إليه شخصيًا، إذ هو "أبو اليتامى، وقاضى الأرامل" ( مز 68: 5 )، "الصانع حق اليتيم والأرملة والمحب الغريب ليعطيه طعامًا ولباسًا" (تث 10: 18). "الرب يحفظ الغرباء يعضد اليتيم والأرملة، أما طريق الأشرار فيعوجه" (مز 146: 9). "لا يهمل اليتيم المتضرع إليه ولا الأرملة إذا سكبت شكواها" (سيراخ 35: 17). لقد وضع الله وصايا كثيرة بخصوص الاهتمام باليتيم والأرملة، نذكر منها الآتي:

"لا تعوج حكم الغريب واليتيم ولا تسترهن ثوب الأرملة" (تث 24: 17).

"إذا حصدت حصيدك في حقلك ونسيت حزمة في الحقل فلا ترجع لتأخذها. للغريب واليتيم والأرملة تكون لكي يباركك الرب إلهك في كل عمل يديك" (تث 24: 19).

"وإذا خبطت زيتونك فلا تراجع الأغصان وراءك. للغريب واليتيم والأرملة يكون" (تث 24: 20).

"إذا قطفت كرمك فلا تعلله وراءك. للغريب واليتيم والأرملة يكون" (تث 24: 21).

"متى فرغت من تعشير كل عشور محصولك في السنة الثالثة سنة العشور وأعطيت اللاوي والغريب واليتيم والأرملة فأكلوا في أبوابك وشبعوا" (تث 26: 12).

"ملعون من يعوج حق الغريب واليتيم والأرملة ويقول جميع الشعب: آمين" (تث 27: 19).

"هكذا قال الرب: اجروا حقًا وعدلاً، وأنقذوا المغصوب من يد الظالم، والغريب واليتيم والأرملة لا تضطهدوا، ولا تظلموا، ولا تسفكوا دمًا زكيًا في هذا الموضع" (ار 22: 3).

"ولا تظلموا الأرملة ولا اليتيم ولا الغريب ولا الفقير ولا يفكر احد منكم شرًا على أخيه في قلبكم" (زك 7: 10).

"واقترب إليكم للحكم وأكون شاهدًا سريعًا على السحرة وعلى الفاسقين وعلى الحالفين زورا وعلى السالبين أجرة الأجير الأرملة واليتيم ومن يصد الغريب ولا يخشاني قال رب الجنود" (ملا 3: 5).

v     اهرب أيضًا يا أسقف ممّن يضيّق على الأرملة، وممن يتقوّى على اليتيم، ومن يقسو أيضًا على عبيده بضربٍ أو قحطٍ أو مملكة سوءٍ، قرابينهم مبغوضة لا تقبلها[1033].

الدسقوليّة

v     ينبغي أن يكون القسوس عطوفين ورحماء على الجميع، فيردون الذين ضلوا، ويزورون المرضى، ولا يهملون الأرملة واليتيم والفقير، بل دائمًا يكونون "معتنين بأمورٍ حسنة قدام الرب والناس" (راجع رو ١٢: ١٧؛ ٢ كو٨: ٢١)، ممتنعين عن كل غضبٍ، ومحاباة الناس، أو إصدار حكم ٍظالمٍ، هاربين من كل محبّة للمال، غير متعجلين في الحكم ضدّ أحد، غير قاسين في الحكم، عالمين إنّنا جميعًا مدينون بالخطيّة[1034].

بوليكاريوس أسقف سميرنا

v     ستتلألأ خدمتك بأكثر بهاءٍ إن قاومت الضيق الذي يحل على الأرملة والفقير بواسطة إنسانٍ ذي سلطان، وذلك بمعونة الكنيسة، مظهرًا أن وصية الرب لها ثقل أعظم عندك من مجاملة الأغنياء[1035].

القديس أمبروسيوس

لعل من أهم صور الظلم التي أهتم آباء الكنيسة الأولى تحذير الشعب منها هو الربا، واستغلال الأغنياء إخوانهم الفقراء، فيقرضوهم بربا يسبب لهم متاعب لا حصر لها. وقد سبق لنا الحديث عن الربا في كتابنا "الفكر الاجتماعي عند آباء الكنيسة".  

يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم صورة مُرة لاستغلال الأغنياء الأسر الفقيرة فيقرضونهم بربا فاحش يحطم هذه الأسر.

v     عندما تفتقر أسرة ما، تصير مدفوعة للاستدانة من أجل البقاء. لكن إن طالب الدائن بفوائد على الدين، حينئذ تسقط هذه الأسرة بالأكثر في عمق الحفرة. فتلتزم ليس فقط برد الدين بل أيضًا الفائدة التي تتراكم عليه. ربما يدعي الدائن حتى أمام نفسه أنه يتصرف بكياسة، لكن فعليًا يتصرف بخبثٍ شديدٍ وراء مظهر العطاء متعمدًا الأذى لغيره.

إنه يتاجر على حساب مصائب الآخرين، ويستفيد من نكبتهم.

يطلب الفوز بالماديات في قالب عمل الرحمة، وهكذا يحول العطاء إلى سرقة. يبدو أنه يرسي بالعائلة الفقيرة على ميناء الأمان، لكنه في الحقيقة يدفع السفينة نحو الصخور. ربما يتساءل الدائن: لماذا يجب عليّ أن اقرض الآخرين مالاً وهو مفيد لي، ولا أطلب مكافأة لذلك؟ والإجابة إنك سوف تنال مكافأة، في مقابل الذهب الذي أقرضته على الأرض، ستأخذ ذهبًا في السماء بنسبة أكبر كثيرًا في الفائدة فوق ما تستطيع أن تتصور.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إن أخذنا بالتفسير الرمزي، فان حمار اليتيم الذين يستخدمه الهراطقة الأشرار يشير إلى سلب النفوس البسيطة من أحضان الكنيسة واستغلالها، حيث يلزمونها بثقل خطأ إيمانهم ومعتقداتهم. أما دعوته لليتيم فلأنه لم يدرك بنوته لله أبيه والكنيسة أمه، فيكون يتيم الأب والأم، فلا ينعم بسلام الله وفرح الكنيسة أمه. أما رهن ثور الأرملة فيشير إلى النفس التي لا تدرك الكنيسة كعرسٍ مفرحٍ، فتسلك في حزنٍ شديدٍ كأرملةٍ. مثل هذه النفوس يغتصبها الهراطقة بإغراءات مؤقتة بينما يسلبونها حتى ثورها الوحيد، فتصير في عوز واحتياج داخليًا!

v     "إنهم يقصون حمار اليتيم، ويأخذون ثور الأرملة رهينة" [3]... يُستخدم الحمار ليحمل أثقال الناس. إذن يشبه نوعًا من الحمير من بين المختارين، خاضعًا بنفسه ليحمل أمورًا أرضية، يحمل الأثقال لنفع البشر. غالبًا عندما يغوي الهراطقة شخصًا مثل هذا ويسحبونه من حضن الكنيسة، يكون كمن أقصى حمار اليتيم، إذ يلزمونه بقبوله خطأ إيمانهم. إنهم يسحبونه من ميله للصلاح.

ماذا يُفهم بـ "الأرملة" سوى الكنيسة المقدسة، التي تُحرم، في وقتٍ ما، من رؤية عريسها المذبوح؟ الآن ثور هذه الأرملة هو كل كارز بمفرده. بحق يضيف هنا "رهينة"، فإنه إذ تُسحب الرهينة، يبقى بالحق شيء ما في أيدينا والآخر يُبحث عنه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

4. يرعبون الودعاء

يَصُدُّونَ الْفُقَرَاءَ عَنِ الطَّرِيق.

مَسَاكِينُ الأَرْضِ يَخْتَبِئُونَ جَمِيعًا [4].

لا يقف ظلم الأشرار عند سلب ممتلكات الآخرين من أراضٍ وحقولٍ وقطعانٍ، واستغلال القليل الذي لدى المحتاجين والمعوزين، وإنما يظنون أن العالم خُلق من أجلهم، ليس من حق الفقير أن يحيا، فيبذلون كل الجهد لنزعه عن الأرض، حتى يضطر المساكين من الهروب والاختفاء من وجوههم.

يجد الظالمون مسرتهم عندما يسدون طرق النجاة أمام المساكين، ويهددونهم بأنهم يقتصون منهم كمتشردين، وإذ يتوارى المساكين ليفلتوا من أيديهم يسخرون بهم.

v     "إنهم ينزعون المحتاجين من الطريق، ويضغطون معًا على ودعاء الأرض" [4]. غالبًا ما يُشار إلى التواضع بتعبير "الاحتياج" (الفقر)، وكثيرون جدًا ممن يظهرون ودعاء ومتواضعين إن لم يتمسكوا بالتمييز يسقطون بإقتدائهم بآخرين.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يميل الله نفسه أذنيه ليسمع تنهدات البسطاء والودعاء الذين لا يهتم بهم أحد. يقول المرتل: "تأوه الودعاء قد سمعت يا رب، تثبت قلوبهم، تميل أذنك لحق اليتيم والمنسحق، لكي لا يعود أيضًا يرعبهم إنسان من الأرض" (مز 10: 17-18).

v     "عيناه تراقبان الفقير" (مز 10: 8)، فإنه يضطهد على وجه الخصوص الأبرار، الذي يقال عنهم: "طوبى للمساكين بالروح فإن لهم ملكوت السماوات"، يكمن في المختفى كأسدٍ في عرينه" (مز 10: 9). يقصد بالأسد الذي في جبٍ إنسانًا عنيفًا عمله الخداع... إنه يجتذبه إليه بالعنف بكل عذابٍ يمكن أن يُسقطه عليه... "تأوه الودعاء قد سمعت يا رب" (مز 10: 17)، هذا التأوه الصادر وهم يحترقون، إذ وهم في ضيقات هذا العالم ومتاعبه يشتهون حلول يوم الرب... "لحق اليتيم والمنسحق لكي لا يعود يرعبهم أحد" (مز 10: 18)، وليس من أجل الذي تشكلوا حسب العالم ولا من أجل المتكبرين[1036].

القديس أغسطينوس

5. يظنون أنهم فوق القانون

هَا هُمْ كَالْفَرَاءِ فِي الْقَفْرِ يَخْرُجُونَ إِلَى عَمَلِهِمْ،

يُبَكِّرُونَ لِلطَّعَامِ.

الْبَادِيَةُ لَهُمْ خُبْزٌ ولأَوْلاَدِهِمْ [5].

يشبه أيوب الأشرار بالحمير الوحشية التي تنطلق في البرية بلا قانون يحكمها. تبكر في الصباح لتأكل ونتطلع إلى البادية لتقدم الطعام لصغارها. هكذا يحسب الأشرار أنفسهم أنهم فوق القانون، وأن لا عمل لهم سوى الأكل والشرب والملذات وتقديم كل لذة لأولادهم.

"في القفر": يود الأشرار أن تتحول الأرض كلها إلى قفار حيث لا مجال لقوانين تحكم المجتمع، وبالتالي يمكن ممارسة الظلم على نطاق أوسع. القفار هي أنسب مكان لأناسٍ متوحشين كهؤلاء، غير انه لا يوجد قفر ما يخفي الإنسان عن الله أو يجعله في غير متناول يده.

" يخرجون إلى عملهم"، الذي هو السرقة، فقد امتهنوا السلب وممارسة الظلم كعملٍ دائمٍ لهم، يحصلون على مكاسب عظيمة. في نظرهم يمارسون هذه المهنة بنشاط وهمة إذ "يبكرون للطعام بفريسةٍ". يخرجون كما إلى عملهم، كما أن الإنسان يخرج إلى عمله (مز104: 23) ويبكر الصديقون إلى الرب فيمجدونه، يخرج الأشرار إلى ممارسة الظلم كعملٍ يلتزمون به. هكذا يبكر الأشرار إلى ممارسة عملهم. يقضون الليل في التخطيط للشر، وإذ يشرق الصباح يسرعون إلى التنفيذ العملي بما في قلوبهم. وكما قيل عن افرايم:" مثل الكنعانى في يده موازين الغش، يحب أن يظلم. فقال افرايم إني صرت غنيًا، وجدت لنفسي ثروة" (هو 12: 7-8).

"البادية لهم خبز ولأولادهم" فإنهم يعولون أنفسهم كما أولادهم من السلب الذي يمارسونه في طرق البادية، عوض الإعالة بطرق شريفة.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الهراطقة يسلكون هكذا، إذ يعيشون في برية قاحلة، حيث يتركون الكنيسة بيت الله وكرمه المقدس. إنهم متسيبون، ما يشغلهم هو الملذات والخيرات الزمنية، لا يريدون ضابطا أو الخضوع لتدبير معين كالصوم والصلاة والمطانيات الخ، وان حلّ بهم تأديب إلهي لا يبالون، بهذا يعيشون في برية قاحلة بلا ثمر للروح. يشبهون إسماعيل الذي قيل عنه: إنه إنسان وحشي، يده على كل واحد ويد كل واحد عليه (تك 16:12).

v     "آخرون كحمير متوحشة (كالأخدري) في البرية يذهبون إلى عملهم" [5]. فإن الأخدري هو حمار وحشي. هنا بحق يُشبه الهراطقة بالحمير الوحشية، إذ هم متسيبون في ملذاتهم، وهم غرباء عن قيود الإيمان والتعقل. لذلك مكتوب: "الحمار الوحشي يُستخدم للبرية، يستنشق الريح في شهوته" (إر 24:2). يكون الشخص حمارًا وحشيًا يُستخدم للبرية، ذاك الذي وهو لا يُفلح أرض قلبه بسمو التأديب فيسكن حيث لا يوجد ثمر... هذا ليس من عمل الله، بل من عملهم هم أنهم لا يتبعون التعاليم السليمة، بل يتبعون شهواتهم. إذ مكتوب: "من يسلك طريقًا كاملاً يخدمني" (مز 6:101).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     إنني أعرف أن مما أقوله موجع، لكن كم هو يحتوي على فائدة عظيمة، لو كان الرجل الغني قد وجد من يسدي له مثل هذه النصيحة بدلاً من تملقه وقول ما يود سماعه وجره للانزلاق في حياه الإسراف، ما كان ليسقط في تلك الهاوية. وما كان ليقع تحت هذا العذاب الغير محتمل، نادمًا بعد فوات الأوان، طالبًا المواساة لكن كان الجميع يعملون من أجل إمتاعه مُسلِّمين إياه إلى جحيم النار.

إنني أتمنى أن نعظ ونتحدث دائمًا وباستمرار في هذا الموضوع، إذ يقول الكتاب المقدس: "في جميع أعمالك اذكر أواخرك فلن تخطأ إلى الأبد" (سي 7: 40) ، وكذلك يقول: "هَيّئْ عملك لرحيلك وأعدَُّ كل شيءٍ للطريق" (راجع أم 27:24)[1037].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     مهما كان الأشرار في اخضرار، فإنهم سيهلكون، فقد حُفظوا للنار... هؤلاء ينتعشون في سعادة العالم، ويهلكون في قوة الله. ليس بذات الطريقة التي بها ينتعشون يهلكون، فإنهم ينتعشون إلى حين، ويهلكون أبديًا. ينتعشون فيما هو ليس صالحًا بالحقيقة، ويهلكون بعذابات حقيقية[1038].

القديس أغسطينوس

كان المرتل يتطلع إلى الأشرار وهم يعيشون في سلام في هذا العالم وفي رخاء، كمن هم في سعادة فيحسدهم ويغيّر منهم، لذلك اعترف قائلاً: "أما أنا فكادت تزل قدماي، لولا قليل لزلقت خطواتي، لأني غرت من المتكبرين (الخطاة)، إذ رأيت سلامة الأشرار، لأنه ليست في موتهم شدائد، وجسمهم سمين. ليسوا في تعب الناس، ومع البشر لا يصابون، لذلك تقلدوا الكبرياء، لبسوا كثوبٍ ظلمهم" (مز 73: 2-6).

v     لاحظت الخطاة ورأيتهم في سلام. أي سلام؟ سلام زمني مؤقت، أرضي، وساقط، ومع هذا فهذا (السلام) أطلبه من الله. رأيت الذين لا يخدمون الله لهم ما اشتهيته أنا لكي أخدم الله، فزلقت قدماي، وزلقت خطواتي. لكن لماذا للأشرار هذا؟... ليس لهم أن يتفادوا موتهم، وعقوبتهم دائمة... الآن علمت لماذا لهم سلام ويزدهرون على الأرض. فإن الموت بالتأكيد ينتظرهم أبديًا، فانهم لا يتفادون هذه الأمور ولن يقدروا على الخلاص منها... فإن عقوبتهم لا تكون وقتية بل ثابتة وأبدية[1039].

القديس أغسطينوس

6. يريدون الشر والرب يريد الخير

فِي الْحَقْلِ يَحْصُدُونَ عَلَفَهُمْ،

وَيُعَلِّلُونَ كَرْمَ الشِّرِّيرِ [6].

إذ يشعرون أنهم فوق القانون، يحصدون حقول غيرهم ويقدمون ثمارها علفًا لحيواناتهم. وكأنهم يحسبون حيواناتهم أفضل من أصحاب الحقول، فلا يبالون بجوع أصحاب الحقول المغتصبة، وإن كانت الثمار لا تقدم لبشرٍ بل للحيوانات.

يرى البابا غريغوريوس ( الكبير ) أن الحقل هنا والكرمة يشيران إلى الكتاب المقدس. فالهراطقة يقتطفون عبارات منه ويحرفون معانيها لحساب أهوائهم الخاصة.

v     "يحصدون حقلاً ليس ملكهم، ويجمعون بالعنف كرمة من يضغطون عليه[1040]" [6]. يُشار بالحقل إلى نطاق الكتاب المقدس المتسع، يحصده الهراطقة بكونه ليس ملكًا لهم، إذ يقطفون منه عبارات لتحمل معانٍ بعيدة تمامًا عما تعنيها. هذا ما يوصف أيضًا بلقب "كرمة"، هذه التي تقدم عناقيد الفضائل خلال عبارات الحق. إنهم كمن يضغطون على مالك الكرمة - واضع الكتاب المقدس – بالعنف، إذ يحرفون بالعنف معاني كلمات الكتاب المقدس. وكما قال (الرب): "لكنكم جعلتموني أخدم خطاياكم، أتعبتموني بمعاصيكم" (إش 24:43). وهم يحصدون خمر تلك الكرمة، إذ يحصدون معًا عناقيد عبارات منه بعد أن ينحرفوا بها إلى مفاهيمهم الخاصة.

يُمكن أيضًا أن يُفهم بالحقل أو الكرمة الكنيسة الجامعة هذه التي يحصدها الكارزون الفاسدون، ويضغطون على خالقها في أعضائه، "يجمعون معًا الخمر"، بأن يسيطروا على أشخاص يبدو أنهم أبرار.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يعتقد أوريجينوس أن الهراطقة يتقبلون أولا وديعة الإيمان, ثم يحيدون عنها فيما بعد. [يبدأ الهراطقة بالإيمان, ثم يحيدون فيما بعد عن طريق الإيمان, وعن حقيقة تعليم الكنيسة[1041].] في كبريائهم, يبحث الهراطقة في الكتاب الإلهي, لا لاكتشاف الحقيقة, بل لتأكيد مذاهبهم الخاصة. فيقول Henri de Lubac في كتابه عن أوريجينوس:

[لابد للمرء أن يتقبل الإيمان بالله, بالروح الذي تعلمنا به الكنيسة. وأن لا يتصرف مثل الهراطقة الذين يبحثون في الكتاب لمجرد العثور على ما يؤكد مذاهبهم الخاصة. ترتفع بهم كبرياؤهم إلى "أعلى من أرز لبنان". سفسطتهم مليئة بالغش. لا فائدة من ادعائهم بأن لهم تقليد ينحدر إليهم من الرسل, فهم أساتذة في الخطأ.

 ففي حين لا يشرد المسيحي المخلص أبدًا عن التقليد العظيم, فلتأكيد أكاذيبهم يرغبون في جعلنا نعبد "مسيحًا " قد اخترعوه في "قفر"، بينما مسيحنا الحقيقي يكشف عن ذاته "داخل البيت". هم يشوّهون تلك الأوعية الذهبية والفضية, التي هي النصوص المقدسة, ليصوغوها بما يتمشى مع أهوائهم. إنهم لصوص وزناة, يضعون أيديهم على الكلمات الإلهية بقصدٍ واحدٍ, وهو أن يشوهوها بتأويلاتهم المنحرفة. هم مزيفون, إذ قد صكّوا مذاهبهم خارج الكنيسة. معلمين كذبة وأنبياء كذبة, يغزلون من بنات أفكارهم ما يقترحونه. إنهم الكذابون الذين تحدث عنهم حزقيال, الذين بتحايلهم المخادع, يطلون أصنامهم - التي هي عقائدهم الجوفاء - بالحلاوة لمن يستمع إليهم, لجعل انحرافهم أكثر تأكيدًا. جميعهم يدعون أن يسوع هو معلمهم ويعانقونه. ولكن قبلتهم هي قبلة يهوذا[1042].]

يَبِيتُونَ عُرَاةً بِلاَ لِبْسٍ،

وَلَيْسَ لَهُمْ كِسْوَةٌ فِي الْبَرْدِ [7].

مرة أخرى إذ لا يخضعون لقانون يسلبون الآخرين ثيابهم ويطردونهم، فيبيت هؤلاء دون أغطية لتحميهم من البرد القارس.

هكذا يبذل الهراطقة كل الجهد لينزعوا عن المؤمنين ثيابهم، أي الشركة الحقيقية مع السيد المسيح، الذي يقول عنه الرسول بولس: "قد لبستم المسيح" (غل 3: 27) "ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه" (كو 3: 10). أيضًا يقول:

"و تلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر و قداسة الحق" (أف 4: 24).

"البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس" (أف 6: 11).

"فالبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات ولطفا وتواضعا ووداعة وطول أناة" (كو 3: 12).

"وعلى جميع هذه البسوا المحبة التي هي رباط الكمال" (كو 3: 14).

v     "يطردون أناسًا عراة، ويأخذون ثيابهم، هؤلاء الذين ليس لهم أغطية في البرد[1043]" [7]. كما تغطي الثياب الجسم، هكذا تفعل الأعمال الصالحة مع النفس. لذلك قيل: "طوبى لمن يحرس ثيابه ويحفظها، لئلا يسير عاريًا، ويرون عاره" (رؤ15:16). عندما يحطم الهراطقة الأعمال الصالحة من ذهن أحدٍ، ينزعون بكل وضوح ثيابه. حسنًا قيل: "ليس لهم أغطية في البرد"، لأن الغطاء له صلة بالبرِّ، والبرد بالخطية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "إذا لنعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق" (1 كو 8:5).

وإذ نخلع الإنسان العتيق وأعماله، نلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله (أف 22:4، 24)، ونلهج في ناموس الله نهارًا وليلاً، بعقل متواضع وضمير نقي.

لنطرح عنا كل رياء وغش، مبتعدين عن كل رياء ومكر.

ليتنا نتعهد بحب الله ومحبة القريب، لنصبح خليقة جديدة، متناولين خمرًا جديدًا...

إذًا لنحفظ العيد كما ينبغي[1044].

v     نحتاج أن نلبس الرب يسوع لكي نستطيع أن نحتفل بالعيد معه. الآن نحن نلبسه عندما نحب الفضيلة، ونعادي الشر... حين نحب البرّ لا الظلم، ونكرم القناعة ويكون لنا قوة الفكر، ولا ننسى الفقير، بل نفتح أبوابنا لكل البشر، ولا ننسى تواضع الفكر ونكره الكبرياء[1045].

البابا الأنبا أثناسيوس الرسولي

v     إن كان ثوب نفسك هو "الطمع"، البس آخر غيره وتعال اخلع ثوبك القديم ولا ترتدِه.

أرجوك أن تخلع الزنا والنجاسة، وتلبس ثوب النقاوة المتألق.

إنني أوصيك بهذا قبل أن يدخل العريس يسوع ويتطلع إلى ثوبك.

إنني اترك لك زمانًا طويلاً للتوبة. إنها فرصة كافية لكي تخلع وتغسل وتلبس وتدخل![1046]

القديس كيرلس الأورشليمي

يَبْتَلُّونَ مِنْ مَطَرِ الْجِبَالِ،

وَلِعَدَمِ الْمَلْجَأ يَعْتَنِقُونَ الصَّخْرَ [8].

إذ يعمل الأشرار على سلب المؤمنين إيمانهم بالسيد المسيح، ليحرموهم من الثياب الإلهية والغطاء السماوي، يصير هؤلاء المساكين عراة يعانون من أمطار الجبال حيث لا ملجأ لهم يستترون فيه من المطر، ويبحثون عن حجارة يحتضنونها أو صخرة ما لعلها تسترهم من المطر.

v     "مبللون بأمطار الجبال، ويحتضنون الحجارة لعوزهم إلى ثوبٍ" [8]. أمطار الجبال هي كلمات المتعلمين. عن هذه الجبال عينها قيل بصوت الكنيسة المقدسة: "رفعت عيني إلى التلال" (مز 1:121). هؤلاء الأشخاص يُبللون بأمطار الجبال، هؤلاء الذين يمتلئون إلى النهاية بمجاري الآباء القديسين. وأما الثوب الذي نأخذه كغطاء فهو السلوك الصالح، يتغطى به الإنسان لكي ما يتغطى دنس فساده في عيني الله القدير. هكذا مكتوب: "طوبى للذين غُفرت آثامهم، وسُترت خطاياهم" (مز 1:32) من هم هؤلاء الذين نفهمهم بلقب "الحجارة" إلا الأقوياء الذين في داخل حدود الكنيسة المقدسة، هؤلاء الذين أٌعلن لهم بواسطة الراعي: "كونوا أنتم أيضًا كحجارة حية مبنيين بيتًا روحيًا (1 بط 2: 5). هكذا هؤلاء الذين على أساس سلوكهم العملي ليس فيهم أي تواكل، فيطيرون إلى حماية الشهداء القديسين، ويمارسون الدموع والتوسلات عند رفاتهم المقدسة لينالوا بشفاعتهم مغفرة. ماذا إذن يُفعل هؤلاء بمثل هذا التذلل سوى أن يحتضنوا الحجارة، إذ ينقصهم غطاء الممارسة العملية الصالحة؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

يَخْطُفُونَ الْيَتِيمَ عَنِ الثُّدِيِّ،

وَمِنَ الْمَسَاكِينِ يَرْتَهِنُونَ [9].

في عنفهم يخطف الأشرار اليتيم وهو يرضع من ثديي أمه، ويبحثون عن المساكين ليستخدموهم رهائن. لا يشفقون على الطفل الرضيع أنه يُحرم من أمه، ولا على الأم أن تُحرم من رضيعها أيضًا. يختارون وقتا حرجًا حيث يسلبون الرضيع أثناء رضاعته، ولا يبالون بصرخات وجوعه!

لقد قتل فرعون أطفال العبرانيين وهكذا فعل هيرودس بغية قتل الطفل الملك، هذان خطفا الأطفال والرضع عن صدور أمهاتهم بالسيف.

يرى البعض أن الظالمين بعد أن يقتلوا الآباء يخطفون الرضع ليحرموهم من أمهاتهم. ويرى آخرون أنهم يخطفون الرضع كعبيدٍ، كما حدث في أيام نحميا ( نح 5:5).

v     "يستخدمون العنف في افتراسهم اليتامى، ويفسدون قطيع المساكين العام" [9]... يستخدم الهراطقة العنف في افتراسهم اليتامى، إذ يهجمون بعنف على عقول المؤمنين الضعيفة بالكلمات والأعمال.

أما "قطيع المساكين العام"، فهم الجموع غير المتعلمة، التي لو نالت غنى المعرفة الحقيقية لما نُزع عنها غطاء إيمانها. فالمعلمون الأصليون يشبهون نوعًا من الشرفاء (سيناتور) في داخل حدود الكنيسة المقدسة، يضاعفون المعرفة في القلب، ويزيدون من الغنى الحقيقي الذي فيهم، أما الهراطقة فيفسدون قطيع المساكين العام، حيث يسحبون غطاء الإيمان من غير المتعلمين، فيجعلونهم عرايا خلال كرازتهم المسمومة، بينما لا يقدرون أن يفعلوا هكذا مع المتعلمين.

البابا غريغوريوس (الكبير)

عُرَاةً يَذْهَبُونَ بِلاَ لِبْسٍ،

وَجَائِعِينَ يَحْمِلُونَ حُزَمًا [10].

v     "يأخذون سـنابل الحنطة من العـرايا، ومن الذين يسيرون بلا غطاء، ومن الجائعين" [10]. يقول "عرايا" ثم يكرر الذين يسيرون "بلا غطاء"، إذ يوجد فارق بين أن يكون الشخص عاريًا وأن يسير عاريًا. فكل شخصٍ لا يفعل ما هو صالح ولا ما هو شرير يكون عريانًا وتافهًا. أما من يصنع شرًا فهو "يسير عريانًا"، فإذ ليس له غطاء الممارسة الحسنة يسير في طريق الشر.

لكن البعض يعرفون شر بؤسهم، فيسرعون لكي يشبعوا بخبز البرّ، ويجوعوا ليقبلوا أقوال الكتاب المقدس. هؤلاء عندما يتغيرون في الفكر تصير عبارات الآباء لإصلاح أذهانهم كما لو كانت تحمل سنابل حنطة من محصولٍ جيدٍ. وهكذا ينزع الهراطقة سنابل الحنطة من العرايا، ومن الذين يسيرون بلا غطاء، ومن الجائعين.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يَعْصُرُونَ الزَّيْتَ دَاخِلَ أَسْوَارِهِمْ.

يَدُوسُونَ الْمَعَاصِرَ وَيَعْطَشُونَ [11].

لا يكف الأشرار عن أن يطأوا بأقدامهم على أولاد الله لكي يذلوهم ويحطموهم. لكنهم لا يدرون انهم وهم يدوسونهم بأرجلهم يتحول المؤمنون إلى طيب، والى خمر روحي مفرح.

ماذا يعنى بقوله: "داخل أسوارهم"؟ يود الأشرار أن يذلوا المؤمنين فيطأوا عليهم داخل أسوار المدينة أي يقتحمون مواضعهم، ويهينونهم في بيوتهم. لكن الله يحول المدينة إلى معصرة مقدسة ليشارك المؤمنون مسيحهم المصلوب، القائل: "اجتزت المعصرة وحدي" (إش 63: 3). يدوس الأشرار المعصرة فتفيض المعصرة بخمر يفرح قلب الله ويعتز به السمائيون، أما الأشرار فيخرجون من المعصرة في حالة عطش، لا ينالون شيئًا من عنفهم سوى الفراغ.

v     "يستريحون في منتصف النهار وسط أكوام (أجران) الظمئ إلى معصرة الخمر المُداس" [11]. كل الذين يضطهدون الكنيسة المقدسة، ماذا يفعلون، سوى أنهم يدوسون المعصرة؟ هذا يُسمح به خلال التدبير الإلهي لكي ما تفيض عناقيد النفس بالخمر الروحي بكونها تتجرد من الجسد الفاسد، فتجري في المواضع السماوية كما في إناءٍ. فبينما يدوس الأشرار على الأبرار، يكونون كمن يضعون عناقيد العنب تحت أقدامهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لا يصير العنقود خمرًا، ولا حبة الزيتون زيتًا، ما لم يمر فوقهما حجر المعصرة.

v     لا ترجع النفس إلي الله إلا إذا انتزعت من العالم، ولا ينزعها بحق إلا التعب والألم.

القديس أغسطينوس

7. يظنون أن الله لا ينتبه!

مِنَ الْوَجَعِ أُنَاسٌ يَئِنُّون،

وَنَفْسُ الْجَرْحَى تَسْتَغِيثُ،

وَاللهُ لاَ يَنْتَبِهُ إِلَى الظُّلْمِ [12].

حتمًا يسمع الله أنات المتألمين واستغاثة الجرحى، لكنه إذ يحول شر الأشرار لخير المتألمين يبدو كمن لا ينتبه إلى الظلم. هذه هي مشاعرنا حين يتسلط الظلم ويجرح المؤمنين، فنحسب كأن الله مشغول عن كنيسته، ولا يهتم بجراحاتها وبالظلم الساقط عليها! ولعل أيوب يعنى هنا أنه بينما يئن المتألمون ويستغيث الجرحى إذا بالأشرار يسخرون بهم، ويتمادون في شرورهم، متطلعين إلى الله انه في سماواته لا يبالي بالظلم الذي يسقط على البشر، أيا كان هؤلاء!

جاء في ترجمة اليسوعيين: "وفي المدن أناس ينتحبون"، فلا يقف الظلم عند القرى بل يمتد أيضًا إلى المدن.

"الله لا ينتبه إلى الظلم"، أي لا يدينهم سريعًا، يل يتمهل عليهم لعلهم يتوبون راجعين إليه. يطيل أناته عليهم، وقد يتركهم طوال حياتهم على الأرض، ولا يفضح حماقتهم هنا، إلى أن تُطلب نفوسهم فيحسبون أغبياء وحمقى. وكما قيل للغنى قبيل طلب نفسه: "يا غبي، هذه الليلة تطلب نفسك منك" (لو 12: 20). وكما قيل عن الغني الذي يجمع مالاً من الظلم:" محصل الغنى بغير حق، في نصف أيامه يتركه، وفي أخرته يكون أحمق " (ار17: 11).

v     "إنهم يسببون للناس أن يتأوهوا من المدن[1047]" [12]. تُدعى المدن هكذا من الناس الذين يعيشون معًا، وهكذا فإن كنائس الإيمان الحقيقي ليست بطريقة غير لائقة يُعبر عنها بالمدن... فإن هذا الانسجام  بين الشعب الذي يحيا معًا، أقامه الرب في الأناجيل حتى حين ميٌز بين الأماكن، عندما أراد أن يشبع الشعب بخمسة أرغفة. لقد أمرهم أن يجلسوا خمسين خمسين أو مئة مئة في ترتيب متناسق. حتى يمكن لجموع المؤمنين أن يأخذوا طعامهم في أماكن منفصلة ولكن بإتحاد معًا... أما الهراطقة فغالبًا ما يحطمون الحياة المتحدة وانسجام الصالحين بالتصاقهم بأصحاب السلطة من أشرار هذا العالم، لهذا بحق قيل في هذا الموضع "يسببون للناس أن يتأوهوا من المدن".

"نفس الجريح تصرخ"... لأن نفس البار تُجرح عندما يهتز إيمان الضعيف... لكن الله لا يسمح له أن يعبر (الشرير) دون معاقبة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

أُولَئِكَ يَكُونُونَ بَيْنَ الْمُتَمَرِّدِينَ عَلَى النُّورِ.

لاَ يَعْرِفُونَ طُرُقَهُ،

وَلاَ يَلْبَثُونَ فِي سُبُلِهِ [13].

إذ يظن الأشرار أن الله لا يبالى بمؤمنيه، ولا يتحرك أمام الظلم الساقط عليهم، يتمردون على الله، النور الحقيقي. وإذا بهم يفقدون البصيرة ويُصابون بالعمى، فلا يعرفون طرق الله، ولا يسلكون في سبله.

يرى البعض أن أولئك الذين يخطئون ضد نور الوصية الإلهية مع اعترافهم بأنهم يعرفون الله النور الحقيقي إلا أنهم متمردون على هذه المعرفة التي نالوها، إذ لا يريدون السلوك بموجبها.

ويفسر البعض[1048] هذه العبارة حرفيا. فبالرغم من أن لهم نور النهار إلا أنهم يختارون الليل اللائق بشرورهم، لهذا تدعى الشرور "أعمال الظلمة" (أف 5: 11)، "لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور، لئلا توبخ أعماله، وأما من يعمل الحق فيقبل إلى النور لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولة " (يو 3: 20- 21).

v     فإن هؤلاء الذين أولاً تمردوا وهم عارفون،صاروا بعد ذلك عميان، ولم يعودوا يعرفون، كما هو مكتوب: "لأنهم عندما عرفوا الله لم يمجدوه كإله، ولا كانوا شاكرين" (رو 21:1، 28). أُضيف عن هؤلاء بعد قليل: "أعطاهم الله ذهنًا مرفوضًا، ليفعلوا ما لا يليق". فلأنهم لم يريدوا أن يمجدوا ذاك الذي عرفوه أُعطوا إحساسًا بالرفض، وتُركوا لهذا المصير، أنهم لا يعودوا بعد يعرفون أن يقدروا الشرور التي فعلوها... الآن فإن أولئك الذين لا يبالون أن يفعلوا الأعمال الصالحة الواضحة لا يعودون ينالون الفهم لما هو أنقى.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     هكذا، إذ نظر الرب يسوع أحمال الخاطي الثقيلة بكى. لأنه لم يسمح للكنيسة وحدها فقط أن تبكي، بل نراه هو أيضًا يتحنن على حبيبه، ويقول للميت "هلم خارجًا" (يو 11: 43). بمعنى يا من كنت مطروحًا في ظلمة الضمير وأسر خطاياك وسجن إجرامك هلم خارجًا. أظهر خطاياك فتتبرر، لأن "الفم يعترف به للخلاص" (رو10: 10)...

لتهب لي يا رب أن تأتي إلى قبري، فتسكب الدموع عليّ، حيث جفت عيناي ولم تعودا قادرتين على سكب دموعٍ كهذه من أجل معاصي. إن بكيت يا رب عليّ (كما على لعازر) فسأُنقذ... أنت تدعوني من قبر جسدي هذا، قائلاً: "هلم خارجًا"، حتى لا يعود تفكيري ينحصر في حدود جسدي هذا الضيق، بل يخرج نحو المسيح ويحيا في النور، فلا أعود أفكر في أعمال الظلمة بل في أعمال النور[1049].

القديس أمبروسيوس

8. حلول الظلمة على الأشرار

مَعَ النُّورِ يَقُومُ الْقَاتِلُ.

يَقْتُلُ الْمِسْكِينَ وَالْفَقِيرَ،

وَفِي اللَّيْلِ يَكُونُ كَاللِّصِّ [14].

يقدم لنا أيوب ثلاثة أنواع من الأشرار الهاربين من النور: القاتل الذي وإن قتل في النهار يهرب من النور كاللص المختفي وسط الظلام.

والزاني الذي يترقب مجيء المساء ليمارس شره حاسبًا أن الظلمة تخفي شره عن أعين الناس، والذي ينقب البيوت، إذ يغلق على نفسه في النهار ويرى أن الليل يسهل عليه الهجوم على البيوت والهروب.

إذ يتمرد الشرير ويتحدى الله، فيقوم على المؤمنين ليقتلهم يكون كالقاتل الذي في جسارة يقتل علانية وسط النهار، مدركًا أنه ليس من يقدر أن يقف أمامه ويصده. يقتل المسكين والفقير، غير مبالٍ بأب الفقراء. إذ يفعل ذلك متحديًا الله النور الحقيقي، تحل به ظلمة أعماله الشريرة، فيكون كاللص الذي يعمل في ظلمة الليل. دُعي لصًا يعمل في الليل بعد أن كان قاتلاً جسورًا يقتل في وسط نور النهار. لأنه بعد أن يمارس الإنسان شروره بعنف بلا خوف حتى من الله، إذ بالخطية تسلبه قوته وشجاعته فيصير هزيلاً، ويخاف حتى من ظله، فيكون كلصٍ يخشى لئلا يمسكه أحد.

v     "وفي الليل كاللصٍ" [14]. فإنه في ليل تجاربه، بالرغم من أنه بلا قوة يُظهر يد القسوة. يشير على من يراهم أصحاب سلطة بمشورات شريرة، ويذهب هنا وهناك ويبحث بكل ما يستطيع أن يمارس الأضرار بالصالحين. بحق دُعي "كاللصٍ" لأنه في كل مشوراته الشريرة يخشى لئلا يمسك به أحد.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     عدونا حاذق يا عزيزي، ومحتال ذاك الذي يقاتلنا. يُعد نفسه للهجوم على الشجعان الظافرين، ليجعلهم ضعفاء. أما الواهون الذين له فلا يحاربهم، إذ هم مسبيون مُسلمون إليه.

من له جناحان يطير بهما عنه، فلا تبلغ إليه السهام التي يقذفها نحوه؟ يراه الروحيون يحارب، ولا يتسلط سلاحه على أجسادهم. لا يخافه كل أبناء النور، لأن الظلمة تهرب من أمام النور. أبناء الصالح لا يخشون الشرير، لأنه أعطاهم أن يطأوا عليه بأقدامهم (تك 3: 15)[1050].

القديس أفراهاط

وَعَيْنُ الزَّانِي تُلاَحِظُ الْعِشَاءَ.

يَقُولُ: لاَ تُرَاقِبُنِي عَيْنٌ.

فَيَجْعَلُ سِتْرًا عَلَى وَجْهِهِ [15].

بعد أن شبه الشرير بالقاتل الذي يقتل في النهار، عاد فشبهه باللص الذي يخشى النور ويتسلل بالليل لئلا يمسك به أحد. الآن يشبهه بالزاني الذي يترقب مجيء الليل وحلول الظلام ليمارس شهواته بعيدًا عن مراقبة أي عين.

يمارس الزاني شره بالليل، حتى لا تراقبه عين، مخبئا وجهه لئلا يكتشفه زوج من يزنى معها فينتقم منه، إذ أن "الغيرة هي حمية الرجل، فلا يشفق في يوم الانتقام" (أم 6: 34- 35).

إنه يبذل كل الجهد ليخطط للزنا، حتى لا يراه أحد، لذلك يوصينا الرسول بولس: "البسوا الرب يسوع المسيح ولا تصنعوا تدبيرا للجسد "(رو 13: 14).

يرى البابا غريغوريوس ( الكبير) أن الزاني يمارس العلاقة الجسدية بغش، فلا يطلب لنفسه أطفالاً، بل إشباعًا لشهواته الباطلة هكذا الهراطقة يغشون كلمة الله، فلا يطلبون نسلاً روحيًا، أولاد الله، بل إبراز بلاغتهم ومعرفتهم فيحسبون بالحق زناة!

v     "عين الزاني أيضًا تترقب انحدار النور قائلاً: لا تراني عين" [15]. لا يوجد شيء يعوقه. ليُفهم ذلك فيما بعد، متطلعين إلى أن الذي يريد أن يرتكب الزنا يطلب الظلام.

لكن إذ قيلت هذه العبارة ضد الهراطقة فمن اللائق أن يفهم هذا الأمر بمعنى سرٌي. يقول بولس: "فإننا لسنا كالكثيرين يغشون (يزينون adulterate) كلمة الله، (2 كو 17:2). فالزاني لا يطلب لنفسه نسلاً، بل يطلب اللذة في الجماع الجسدي، وهكذا كل إنسانٍ شريرٍ، ومن يُستعبد للمجد الباطل بحقٍ، يُقال إنه يزيف كلمة الله. لأنه لا يطلب أن يلد أولادًا لله بواسطة كلمة الإعلان المقدسة، بل يطلب إظهار معرفته. فمن ينجذب إلى الكلام خلال شهوة المجد يحتمل آلامه من أجل المظهر أكثر من إنجاب أطفالٍ.

بحقٍ أضاف هنا: "لا تراني عين"، لأن الزنا الذي يُرتكب في الداخل يصعب بحق جدًا أن تخترق إليه عين إنسانٍ. هذا ترتكبه (المرأة) المتجاسرة وهي مطمئنة جدًا فلا تخشى أن يراها بشرٍ بطريقة تجعله يحمر خجلاً.

علاوة على هذا، يلزم معرفة أنه كما أن من يرتكب الزنا يربط نفسه بجسد امرأة رجلٍ آخر بطريقة غير شرعية، هكذا كل الهراطقة، إذ يدفعون بنفس مؤمن إلى خطأهم، يكونون كمن يدفعون بزوجة آخر إلى هذا الطريق. النفس التي تزوجت روحيًا بالله واتحدت معه كما في حجال عرس الحب، عندما تُقاد إلى فساد التعاليم بإثارة الأشرار، تكون مثل زوجة آخر قد تدنست بالمفسد.

حسنًا قيل: "وينكر وجهه بقناعٍ". إذ يخفي الزاني وجهه لكي لا يُعرف. الآن كل إنسانٍ يحيا بالشر، سواء بالتفكير أو العمل، يُلبس وجهه قناعًا، لأنه إذ ينحدر إلى هذا بواسطة فساد التعليم أو فساد السلوك، لكي يتجنب أن يُعرف في الدينونة بواسطة الله القدير. لذلك سيقول الرب لمثل هؤلاء الأشخاص في النهاية: "إني لا أُعرفكم" اذهبوا عني يا فاعلي الشر" (مت 23:7). وما هو "وجه" القلب البشري سوى تشبهه على مثال الله؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لا تزعجنا أفكار هؤلاء الناس كثيرًا إذا ما تطلعنا إلى تصرفاتهم. إنهم يرفضون (الله) قاضيًا عليهم، هذا الذي لا يخدعه شيء. إنهم لا يقبلون أنه عالم بالخفيات، إذا يخشون أن تنكشف أمورهم الخفية بالنور. لكن إذ يعرف الرب أعمالهم يسلمهم للظلمة، قيل: "في الليل يكون كاللص، وعين الزاني تترقب الظلمة، يقول: لا تراقبني عين، فيجعل سترًا على وجهه[1051]" (أي 14:24- 15). فكل من يتجنب النور يحب الظلمة، طالبًا أن يختبئ، وإن كان لا يختفي عن الله الذي يعرف ليس فقط ما يجرى من الأمور بل ما هو في الفكر، ما في أعماق البشر وما في أذهانهم. جاء في ابن سيراخ: "من يراني؟ الظلمة حولي، والحيطان تسترني، ولا أحد يراني، فماذا أخشي؟ "(ابن سيراخ 18:23) فمع كونه راقدًا على فراشه يفكر هكذا، يُقبض عليه وهو غير متوقع (ابن سيراخ 21:23). قيل: "سيكون عارًا عليه، إذ لم يعرف مخافة الرب"[1052].

 القديس أمبروسيوس

v     الكبرياء يلد ارتدادًا، فالنفس تسير في الظلمة، وإذ تسيء استخدام حرية إرادتها تسقط في خطايا أخرى، تفسد كيانها مع الزناة، ذاك الذي خلق كرفيق للملائكة يصير حافظًا للخنزير[1053].

v     أيتها العروس أنه يعلم بنجاسة قلبكِ ودنس أفكاركِ، لهذا وهبكِ أن يصلب إنسانكِ العتيق معه فلا تعيشي بعد تحت سلطان الظلمة، بل في حرية أولاد الله[1054].

القديس أغسطينوس

يَنْقُبُونَ الْبُيُوتَ فِي الظَّلاَمِ.

فِي النَّهَارِ يُغْلِقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.

لاَ يَعْرِفُونَ النُّورَ [16].

بالليل يسهل الهجوم على البيوت، لذلك يطالبنا السيد المسيح بالسهر. "لو عرف رب البيت في أية ساعة يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته لينقب" (لو 12: 39).

ما هي البيوت التي ينقبها الأشرار إلا إنسانهم الداخلي، فإنهم وسط ظلمة الإرادة الشريرة يفسدون أذهانهم وقلوبهم وضمائرهم وأعماقهم ليحتل الشر مركز القيادة فيهم.

v     "في الظلام يحفرون ببيوتهم، هذه التي عيَّنوها لأنفسهم في النهار، إنهم لا يعرفون النور[1055]". بماذا يشير هنا بلقب "بيوت" إلا الضمائر التي نسكن فيها عندما نمارس شيئًا ما أو نشغل أنفسنا؟ لذلك يُقال لمن يُشفى: "ارجع إلى بيتك وأخبر بكم صنع معك الله من عجائب" (لو 39:8). بمعنى من الآن، تحفظ من عادة الخطية الشريرة، وارجع إلى ضميرك، واستخدم صوت الكرازة... هكذا "في الظلام يحفرون ببيوتهم"، إذ يسعون في أن يفسدوا أذهان الصالحين... الإنسان الشرير الذي يخشى من الإصلاح يصير في ظلمة الحزن.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لا يستطيع أحد أن ينير نفسه، فالنور كله يصدر من السماء، من "روح الحق الذي من عند الآب ينبثق" (يو15: 26). به نرى الابن الكلمة كما نرى الآب، بل به نرى حقيقة أنفسنا، إذ ينير بصيرتنا فنكشف ضعفنا ونشعر بحاجتنا إلى الخلاص. به يضيء لنا "إنارة إنجيل مجد المسيح... لأن الله الذي قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح" (2كو 4: 4-6).

v     كما هو مكتوب: "بنورك نعاين النور"، أي باستنارة الروح القدس "النور الحقيقي الذي يضيء لكل إنسان آت إلى العالم... فيظهر مجد الابن الوحيد، ويهب معرفة الله للعابدين الحقيقيِّين.

v     منه قد صدر ذلك القول الذي من شفتيه العذبتين المخلصتين قائلاً: "لا يحتاج الأصحَّاء إلى طبيب بل المرضى... لم آتِ لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة " (مت 9: 12-13). فأي عذر لكِ؟ أي عذر لأي إنسان ما دام الرب قال هذا؟ إنه يريد أن ينقِّيكِ من ضعفكِ ويُريكِ النور بعد الظلمة.

v     نظروا إليه واستناروا ووجوههم لم تخجل. طوبى لمن يحمل هذا النور الذي يكشف الخطايا دون أن يخجل من ضمير قد لوثته الأعمال الشريرة... في يوم الدينونة. عندما يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب (1كو4: 5) فالخطاة أيضًا سيقومون للخزي والعار.. ينظرون في نفوسهم قبح الخطية وآثارها وهي أكثر فظاعة من ظلمة النار الأبدية، ويخجل الأشرار للأبد، إذ تُرسم أمام عيونهم آثار الخطية وقد تركت علامتها في جسدهم... مثل حفر لا يزول يتذكرونها على الدوام في داخل نفوسهم.

 القدِّيس باسيليوس الكبير

لأَنَّهُ سَوَاءٌ عَلَيْهِمُ الصَّبَاحُ وَظِلُّ الْمَوْتِ.

لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَهْوَالَ ظِلِّ الْمَوْتِ [17].

جاءت الترجمة اليسوعية "لأن الصباح عليهم وظل الموت شيء واحد".

إشراق الشمس مع بدء النهار يرحب به الصديقون الذين يطلبون نور شمس البرّ، ويرحبون بعمل السيد المسيح في حياتهم. أما الأشرار فيزعجهم الصباح، ويلعنون الشمس لأنها تفضحهم، ليس فقط أمام الغير وإنما حتى أمام أعماقهم، فيعلمون أهوال ظل الموت، ويشعرون بالخزي. يرتبكون ويرتعبون ويحل بهم الخوف من الناس لا من الله، بل ويسيطر الفزع عليهم.

يود الأشرار ألا يحل الصباح، بل تبقى حياتهم ليلاً لا ينقطع، لأنها تتناغم مع ظلمة ضمائرهم. أما الصديقون فيتهللون بالصباح حتى يتمتعوا بنور شمس البرّ فيهم، وتصير حياتهم نورًا لا ينقطع تتناغم في أعماقهم الداخلية. يقول الرسول: "وأما أنتم أيها الإخوة فلستم في ظلمة حتى يدرككم ذلك اليوم كلص. جميعكم أبناء نور وأبناء نهار، لسنا من ليل ولا ظلمة" (1 تس 5: 5-6).

v     "إن ظهر الصباح فجأة يظنون أنه ظل الموت" [17]. فإن "الصباح" هو ذهن الإنسان البار الذي يزيل ظلمة خطاياه، فتتبدد بنور الأبدية. قيل بطريقة مشابهة عن الكنيسة المقدسة: "من هذه الطالعة كالصباح؟" (نش 10:6). بذات القياس كل شخصٍ بارٍ يشرق بنور البرّ هو في الوقت الحاضر يُبنى إلى أعالٍ مع كرامات. هكذا بنفس القياس يأتي ظلام الموت أمام عيون الأشرار، حتى أن الذين يتذكرون أنهم مارسوا أفعالاً شريرة يخشون لئلا يُصلح حالهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "مات الغني أيضًا ودفن" (لو 16: 22)... لا تمر ببساطه على هذه العبارة... يا حبيبي. فإن الموائد المطعمة بالفضة والأرائك والسجاجيد والملابس الفاخرة وغيرها من مختلف أنواع الرياش والزيوت المعطرة والأطياب والكميات الكبيرة من الخمور المعتقة وكميات الطعام الكبيرة وأدوات المائدة الفاخرة والمتملقين والحراس والخدم وكل مظاهر التفاخر والتباهي، تخبو وتذوي... كل الأشياء تراب ورماد، ألحان حزينة وحداد، لأنه لا أحد يستطيع تقديم العون بعد فوات الأوان، أو أن يسترجع النفس التي رحلت. عندئذ تختبر قوة الذهب والثراء الفاحش، فمن بين زحام الموجودين فإنه قد أخذ عاريًا وحيدًا ولم يستطع أن يأخذ معه أي شيءٍ من فيض غناه، لكنه أُخذ بدون رفيقٍ أو معينٍ، ولم يستطع أحد من هؤلاء الذين كانوا يخدمونه أن ينقذه من العقاب والمجازاة، لكنه رحل بعيدًا عن حاشيته، فقد أُخذ بعيدًا بمفرده ليتحمل العذاب الذي لا يطاق، "كل جسدٍ عشب وكل جمالهِ كزهر الحقل. يبس العشب ذبل الزهر لأن نفخة الرب هبَّت عليه. حقَّا الشعب عشب. يبس العشب ذبل الزهر وأما كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد" (إش6:40-8).

حقًا أتى الموت وأخمد كل هذه الرفاهية واقتاده كأسير منكسر الرأس، يئن خزيًا لا يستطيع الكلام، يرتعد خائفًا وكأنما تمتعه بكل هذا الترف كان حلمًا[1056].

القديس يوحنا الذهبي الفم

9. رعب الأشرار

خَفِيفٌ هُوَ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.

مَلْعُونٌ نَصِيبُهُمْ فِي الأَرْضِ.

لاَ يَتَوَجَّهُ إِلَى طَرِيقِ الْكُرُومِ [18].

بعد أن عرض الأشرار الذين يمارسون القتل والزنا والسرقة كأبناء ظلمة، يطلبون الليل ويخشون الصباح، ينتقل بنا أيوب إلى امتداد عملهم لا على الأرض كلها وإنما حتى في البحار. وكأن الأرض تصغر في أعينهم فينطلقوا إلى البحار.

 يرى البعض أن لصوص البحار يستخدمون سفنًا خفيفة على وجه المياه حتى يتمكنوا من الانطلاق بسرعة من قناة إلى أخرى، ومن الهجوم على سفينةٍ ليلحقوا بغيرها، فيسلبوا وينهبوا، أما العمل في الأرض خاصة فلاحة الأرض وغرس الكروم فمهنة مهينة لا تجلب منافع مثل السلب والنهب.

يمكننا أيضًا القول بأن أيوب يتطلع إلى الأشرار من قتله وزناة وناقبي بيوت أنهم يبدون كعتاة مرعبين، لكن في الواقع في ضعفٍ شديدٍ كمن يسلكون على وجه المياه كسفنٍ خفيفةٍ وسط رياح عاصفة وأمواجٍ عنيفةٍ. تلعنهم الأرض فلا يجدون لهم مأوى حتى تحت الكروم، فيهربون نحو البحار لعلهم يختفون، لكن العواصف تدمرهم. أما الصديقون فيكونون بركة على الأرض يسلكون في طريق الكروم، أي طريق الخمر الروحي الذي يملأ النفوس فرحًا وتهليلاً.

v     "إنه خفيف على وجه المياه" [18]... ذهن الشرير "أخف من سطح الماء"، حتى أن أية نفخة لتجربة ما تلمسه تجتذبه دون أي تأخير ومقاومة. فإن كنا نتصور القلب غير الثابت لأي إنسانٍ شرير، ماذا نكتشف فيه سوى سطح ماء في مواجهة ريح؟ ففي وقت ما تجتذبه أية نفخة غضب، وفي وقت آخر نسمة كبرياء، ونسمة شهوة وحسد وبطلان؛ كل هذه النفخات تدفعه وتحركه. هكذا إنه خفيف على سطح الماء، تسحبه كل ريح للخطأ أمامها حين يحل الخطأ....

"ليُلعن نصيبهم على الأرض، وليته لا يسير في طريق الكروم" [18]. من يفعل ما هو مستقيم في الحياة الحاضرة ويواجه مصائب، يُرى بالحقيقة أنه يتمخض في ضيقه، إنه كامل، ولكن من أجل الميراث الأبدي. أما من يفعل ما هو شر...، ولا يمسك نفسه عن الأعمال الشريرة من أجل فيض البركات (الزمنية) التي ينالها، فيُرى أنه بالحق في ترفٍ، لكنه مربوط برباط اللعنة الأبدية. لذلك يُقال هنا بحقٍ: "ليُلعن نصيبهم على الأرض"...

"طريق الكروم" هو استقامة الكنائس. لنفهم أن المبتدع أو أي إنسان جسداني يترك استقامة الكنائس أو طريق الكروم، عندما لا يتمسك بالإيمان المستقيم أو التدبير المستقيم للحي البار... لهذا فإن "السير في طريق الكروم" هو التمسك بآباء الكنيسة المقدسة مثل عناقيد كرمة معلقة حيث يسكر بكلماتهم في حب الأبدية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

الْقَحْطُ وَالْقَيْظُ يَذْهَبَانِ بِمِيَاهِ الثَّلْجِ،

كَذَا الْهَاوِيَةُ بِالَّذِينَ أَخْطَأُوا [19].

إذ يحاول الأشرار الهروب من لعنة الأرض لهم بالانطلاق إلى البحار يحاصرهم الهلاك هناك. فيكونون أشبه بقطع ثلج تذوب أمام القيظ والحر الشديد. إنهم يعانون من القحط الروحي، وينحدرون نحو الهاوية.

تَنْسَاهُ الرَّحِمُ يَسْتَحْلِيهِ الدُّودُ.

لاَ يُذْكَرُ بَعْدُ، وَيَنْكَسِرُ الأَثِيمُ كَشَجَرَةٍ [20].

" تنساه الرحم": يظن الشرير أن الكل يخشاه وأن الكل يذكره، لكن سرعان ما تنساه أمه التي ولدته.

حقًا لا تنسى الكنيسة كل البشرية، بل تئن من أجل كل نفسٍ تهلك. إنها تصرخ مع عريسها السماوي: "هل تنسى المرأة رضيعها، فلا ترحم ابن بطنها؟ حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساكِ" (إش 49: 15). ولكن من يصر على شره وعقوقه، لا تلزمه الكنيسة بالخلاص، وإنما بعزلة لنفسه من المسيح واهب الخلاص يسمع الصوت الإلهي: "إني لم أعرفكم قط، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (مت 7: 23) وتقول له الكنيسة إنها قد نسته، لا تعود تذكره!

" ويستحليه الدود" بمعنى أن الله لا يحكم عليه بالموت بتعليقه على الأسوار لتأكله طيور السماء أو بإلقائه لوحوش مفترسة، إنما يترك الشرير يموت ويدفن في القبر ويستعذبه الدود! إنه يموت كسائر البشر، يرقد في هدوء إلى أن يقف أمام الديان فيحكم عليه شره، ويكون مصيره مع إبليس وملائكته.

كانوا في القديم يعتقدون بأن الدود يوجد في الجلد وفي كل أجزاء الجسم، وأنه هو الذي يهلك الجسم.اقتبس روبرت Roberts في كتابه Oriental Illustrations عن عمل طبي هندي قديم أنه يوجد في أجزاء الجسم المختلفة 18 نوعًا من الدود. اعتاد المرضي في الهند أن يقولوا: "آه جسمي صار عشًا للدود، يتسلل في كل هيكلي". "هوذا الدود يأكل جسمي بلا توقف[1057]".

"لا يذكر لعبد، وينكسر الأثيم كشجرة "، بموته لا يعود له ذكرى، بل ينساه البشر، حاسبًا إياه كشجرةٍ انكسرت! بل وينساه الله إن صح التعبير - ليقول له في يوم الدينونة إنه لا يعرفه (لو 13: 27). لا يعود يذكره الله، أي لا يهبه مراحمه ونعمته، فيكون كمن هو منسي من الله.

v     ليته لا يكون له ذكرى، ليسحق مثل جذع غير مثمرٍ" [20]. من يبقى حتى نهاية حياته خاضعًا لعادات شريرة لا يُعود تكون له ذكرى لدى خالقه، أي ذكرى الأمور الهامة في الأعالي لمثل هذا الإنسان (الشرير) التي يمكن أن تجعله يرتد عن شره. إذ يدرك أنه مستحق أن يُمحى تمامًا من ذكرى خالقه.

لكن لنضع في الذهن أن الله لا يمكن أن يُقال عنه إنه "يتذكر" بطريقة دقيقة، فإن ذاك الذي لن يقدر أن ينسى، بأية كيفية، يمكنه أن يتذكر؟ إنما هذا هو طريقنا نحن أن نتذكر من نحتضنهم، وأن ننسى من نجعل أنفسنا بعيدين عنهم، فإنه يُقال عن الله أنه يذكر عندما يقدم هبات، وذلك باستخدام اللغة البشرية، وأنه ينسى عندما يهجر من هو في جريمة...

هكذا مكتـوب: "عينا الرب في كل موضعٍ، تنظران الأشرار والصالحين" (أم 3:15). ويقول المرتل: "وجه الرب على الذين يفعلون الشر، ويقطع ذكراهم من الأرض" (مز16:34). لهذا فهو يتطلع إلى الشخص الذي يعاقبه، لكنه يحسب أنه لا يعرف قبلاً هؤلاء الأشخاص. فسيقول للبعض في النهاية: "إني لست أعرفكم من أين أنتم. اذهبوا عني يا كل فاعلي الشر" (لو 27:13). هكذا يرى وينسى حياة الأشرار بطريقة عجيبة، بكونه يصدر حكمًا قاسيًا، وينسى ذكرى الرحمة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     قل لي واخبرني، إذا رأيت زعيم عصابة يجول الطرقات، ويكمن في مفارق الطرق للمارة، يسرق المزارع ويخفي الذهب والفضة في المغارات والشقوق، ويختزن المسروقات في مخابئ، ويقتني الكثير من الملابس والعبيد من السلب والسرقة، أخبرني هل تعتبر هذا الشخص سعيدًا بسبب ثروته وغناه، أو تعتبره تعيسًا بسبب القصاص الذي ينتظره؟ صحيح لم يُقبض عليه بعد، ولم يُسلم إلى القاضي، ولم يُلقَ في السجن، وليس عليه اتهام، وحقيقة أمره لم تُعرف ولم تنتشر بعد، ولكنه يأكل ويشرب بإسراف ويفرط في المتع الكثيرة، وبالرغم من ذلك فإننا لا نعتبره سعيدًا بسبب ما لديه من ممتلكات حالية واضحة، وإنما نعتبره بائسًا بسبب ما ينتظره من عذابٍ آتٍ.

يجب عليكم أن تفكروا بنفس الأسلوب عن هؤلاء الأغنياء الجشعين، فإنهم نوع من اللصوص، يكمنون في الطرقات، ويسرقون المارة، ويخفون خيراتهم في منازلهم كما في المغارات والشقوق. لهذا نحن لا نعتبرهم سعداء لما لديهم، ولكنهم تعساء لما ينتظرهم. وبسبب المحاكمة الرهيبة والحكم الإلهي الذي لا يرحم والظلمة الخارجية التي تنتظرهم.

صحيح غالبًا ما يهرب اللصوص من أيدي الناس، ومع من ذلك ومع معرفتنا بهذا نصلي من أجل أنفسنا ومن أجل أعدائنا لنتجنب تلك الحياة بغناها البغيض.

ولكن مع الله لا نستطيع قول ذلك، فسوف لا يهرب أحد من حكمه، وإنما كل الذين يعيشون بالسرقة والاحتيال سيجلبون على أنفسهم عقابًا أبديًا لا نهاية له، مثل هذا الغني (في مثل لعازر والغني).

يا أحبائي إذا استعدنا كل هذه الأفكار في أذهاننا لا نعود نعتبر السعيد هو الغني ولكن الصالح، ولا نعتبر أن البائس هو الفقير بل الشرير. "لا تأخذ بعين الاعتبار ما هو حاضر، بل ما هو آتٍ"[1058].

القديس يوحنا الذهبي الفم

10. لا تستقر عصاهم على الصديقين

يُسِيءُ إِلَى الْعَاقِرِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ،

وَلاَ يُحْسِنُ إِلَى الأرملة [21].

يعجز الشر عن أن يسيء إلى الأم الولود، وإنما يسيء إلى العاقر التي لم تلد وكما يعجز ألا يحسن إلى العروس المتهللة بعريسها لكن لا يحسن إلى الأرملة.

من هي العاقر هنا؟ ومن هي الأرملة ؟

النفس التي لا تتمتع بعمل نعمة الله، فلا تقدر أن تشهد لإنجيل المسيح، ويكون لها أبناء للرب تحسب عاقرًا. قيل عن الكنيسة إنه ليس فيها عقيم، بل الكل متئم (نش 4: 2؛ 6: 6). مثل هذه النفوس المثمرة بالروح القدس لن يقدر شرير ما أن يمسها، بل تتحول مقاومته وهجماته عليها إلى نصرات مستمرة، وتتمتع بأكاليل المجد.

ما يمارسه الشرير ضد العروس المتحدة بعريسها السماوي لا يًحسب إلا إحسانًا لها، إذ يزداد بالأكثر بهاؤها، وتنعم بشركة الصلب مع عريسها، أما التي تترمل بتركها عريسها كمن مات ولا وجود له في قلبها وفكرها، فإن الشرير لا يحسن إليها، بل يدمرها بشره.

يقدم أيضًا البابا غريغوريوس (الكبير) التفسير الرمزي التالي لهذه العبارة.

v     "إنه يطعم العاقر، والتي لا تحمل، ولا يفعل صلاحًا للأرملة[1059]" [21]. من هي هذه التي يُشار إليها بالعاقر، إلا الجسد الذي يطلب الزمنيات وحدها، إذ يعجز عن أن يلد أفكارًا صالحة؟ ومن التي تُحسب أرملة إلا النفس؟ فقد أراد الخالق أن يوٌحدها معه، جاء الزواج في حجال الرحم الجسدي، وكما يشهد المرتل قائلاً: "مثل العريس الخارج من حجاله" (مز 5:19).

بحق تُدعى أرملة حيث خضع بعلها للموت من أجلها، والآن يعيش في موضع آخر في السماء، مخفيًا عن عينيها. لهذا فإن الإنسان الشرير يقوت العاقر، ويحتقر عمل الخير للأرملة، لأنه لا يبالي بالنفس وبحياتها، بينما يطيع شهوات الجسد.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يُمْسِكُ الأَعِزَّاءَ بِقُوَّتِهِ.

يَقُومُ فَلاَ يَأْمَنُ أَحَدٌ بِحَيَاتِهِ [22].

يرى أيوب أن الشرير في كبريائه واعتزازه بنفسه يُزعج حتى العظماء على الأرض، ويعجز أقوى الأقوياء عن أن يقفوا أمامه. وعندما يثور، ففي هياجه يبطش بكل من هم حوله، لا يأمن احد بحياته، وفي نفس الوقت لا يأمن هو نفسه بحياته، لأن "يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه" (تك 16: 12) [1060].

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الشرير هو الإنسان المبتدع الذي في كبرياء قلبه يظن أنه أبرع من الكل، محتقرًا الآخرين. إنه ينتفخ بعلمه ومعرفته، مع أن معرفته غير صادقة، لأن كل ما يشغله هو مجده الذاتي وكرامته. لهذا كما يقول الرسول بولس: "اختار الله ضعفاء العالم ليخزى بهم الأقوياء" (1 كو 1: 27).

v     يقول يوحنا: "من يقول إنه يعرف الله ولا يحفظ وصاياه فهو كاذب" (1 يو 4:2). وهكذا يقول بولس: "يظنون أنهم يعرفون الله، لكنهم بالأعمال ينكرونه" (تي 6:1). وهكذا يقول يعقوب: "إيمان بدون أعمال ميت" (يع 20:2، 26).

البابا غريغوريوس (الكبير)

يُعْطِيهِ طُمَأْنِينَةً فَيَتَوَكَّلُ،

وَلَكِنْ عَيْنَيه عَلَى طُرُقِهِمْ [23].

مع ما يسببه الشرير من متاعب حتى للأعزاء يحطم نفسه، يمد يده على الغير، وهم يمدون أياديهم عليه. مع هذا يطيل الله أناته عليه، فيسمح له مع غطرسته أن ينجح في هذا العالم، ويعيش في رخاءٍ وراحةٍ وقتيةٍ، بل وتنتهي حياته بسلام، كما حدث مع إسماعيل المتسم بالعنف، فقد عاش ومات أمام جميع إخوته (تك 16: 12؛ 25: 18). هنا يقول أيوب: "يعطيه طمأنينة فيتوكل" (23). يبدو كمن هو تحت حماية خاصة من العناية الإلهية، حتى يدهش الإنسان كيف يعيش الشرير في العالم ناجحًا، وكيف ينجو حتى من الأخطار الكثيرة التي يسببها لنفسه.

إذ يطيل الله أناته على الشرير، يستغل هذا الموقف، فيظن أنه لن يمسه ضرر، فيتواكل. "لأن القضاء على أعمالهم الرديئة لا يجري سريعًا" (جا 8: 11). يظنون أن الله لا يبالي بشرورهم، ولن يدعوهم للدينونة. نجاحه وسلامته الزمنية تجعله متواكلاً.

يظن الشرير انه محبوب لدى الله، أفضل من جميع الذين على الأرض، وأنه موضوع رعايته الإلهية بسبب برِّه الذاتي.

تخطئ عينا الشرير النظر، إذ ترى أن حياته الشريرة هي طريق الحق، فيزداد كبرياءً وتشامخًا، وإذ بعيني الرب على طريق الشرير، مشتاقًا أن يتخلى الشرير عن كبرياء قلبه، ويسلك طريق الصليب في تواضعٍ.

v     يقول بولس: "أما تعلم أن طول أناة الله إنما تقتادك إلى التوبة؟ ولكن بسبب قساوة قلبك غير التائب تذخر غضبًا لنفسك في يـوم الغضب، وإعلان حـكم الله العادل" (رو 4:2-5)...

"لأن عينيه على طرقه"، إذ يهتم الخاطي بطرقه، ويعتمد على ذهنه وحده، تتطلع عيناه إلى الأمور النافعة له مؤقتًا فقط. أظهر (السيد المسيح) الحق لأعين الذين تبعوا هذه الطرق، إذ طلب من قلوب تلاميذه المنتفخة أن تطلب المجد الحقيقي... قائلاً: "أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا؟"... وهكذا قُدمت كأس الآلام أمام أعينهم كأمرٍ يقتدون به، حتى يجدوا أولاً طريق التواضع، إن كانوا يطلبون مباهج العظمة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يَتَرَفَّعُونَ قَلِيلاً ثُمَّ لاَ يَكُونُونَ،

وَيُحَطُّون.

كَالْكُلِّ يُجْمَعُونَ،

وَكَرَأْسِ السُّنْبُلَةِ يُقْطَعُونَ [24].

يبدو الأشرار كأنهم محبوبون من السماء، ويظنون أنهم رُفعوا في كرامة، ليس من خطرٍ يلحق بهم، وإذا بهم ينهارون فيكونون كمن هم غير موجودين. ينحط كبرياؤهم ويوضع في التراب، ويحل بهم الموت كجميع البشر، يُقطعون كسنبلةٍ، فتزول كل كرامة باطلة.

v     "يتمجدون إلى حين، لكنهم لا يستمرون" [24]. مجد الأشرار، وإن استمر إلى عدة سنوات، تحسبه أذهان الضعفاء أنه يستمر طويلاً وأنه مستقر. ولكن إذ يزول في نهاية مفاجئة، يبرهن بطريقة واضحة أنه يستمر لمدةٍ قصيرةٍ... للمجد  (الزمني) حد يجعل منه مجدًا زائلاً وتافهًا.

تمجيد الإنسان لذاته يعجز عن الاستمرارية، لأنه ينفصل عن الأساس المتين للجوهر الأبدي، ويسقط تحت دمار، لأنه بتمجيد الذات يسقط في ذاته، يقول المرتل: "تطرحهم عندما يرتفعون" (مز 18:73)، إذ يسقطون في الداخل... يقول مرة أخرى: "إنه إلى لحظات، فلا يكون الشرير بعد" (مز 10:37). لهذا يقول يعقوب: "ما هي حياتكم؟ إنها بخار يظهر قليلاً" (يع 14:4). لذلك إذ يعبِّر النبي على قصر مدة المجد الجسدي يقول: "كل جسدٍ هو عشب، وكل جماله كزهر القش" (إش 6:40)...

"مثل نهاية سنابل الحنطة يُسحقون". بالتأكيد تشامخ المتكبرين يتحطم تحت ضغط الغربلة النهائية، بينما حياة المختارين تتمجد.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     سأل أخٌ أنبا بامو: ”لماذا تعوِّقني الشياطين عن عمل الخير للقريب“؟ فقال له: ”لا تقل هكذا وإلاّ فأنت تكذِّب الله. فأحرى بك أن تقول: إنني أرفض بالكلية أن أصنع الرحمة، لأنّ الله سبق قبل اعتراضك هذا أن قال: "ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو" (لو 10: 19)، فلماذا إذن لا تسحق أنت أيضًا الأرواح النجسة؟"

بستان الرهبان

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَا فَمَنْ يُكَذِّبُنِي،

وَيَجْعَلُ كَلاَمِي لاَ شَيْئًا؟ [25].

يختم أيوب حديثه بتحدٍ جريءٍ لكل من هم حوله، ليكذبوا ما قاله إن استطاعوا.

v     الإنسان البار حتى وإن نطق بشيءٍ ما خطأ، فإنه أبعد ما يكون عن أن يدينه الأشرار السالكون في حياة شريرة... فإن هؤلاء الأشخاص الذين لا يزالون يعيشون على مبادئ مخادعة يفقدون الجرأة أن يوبخوا الخداع.

البابا غريغوريوس (الكبير)


 

من وحي أيوب 24

أسقط في يدّ الله ولا أسقط في يد إنسان!

 

v     السقوط في يد القدير أفضل من السقوط في يد الإنسان.

الإنسان مع ضعفه وعجزه وعدم إدراكه للأزمنة،

يقسو على أخيه الإنسان.

والله مع قدرته ومعرفته لأسرار القلب وإدراكه للأزمنة،

مملوء حنوًا نحو ضعفنا!

أسقط في يديك، يا أيها الديان العجيب،

ولا أسقط في يد إنسانٍ، يشاركني ضعفي وعجزي!

 

v     لست أدين إخوتي على قسوتهم عليّ،

فأنا بدوري أقسو على زميلي في البشرية.

أنا معه تحت الحكم عينه،

في غباوتي أُسقط خطاياي عليه عوض الترفق به.

 

v     أنت الديان تترفق بي، لتسند ضعفي.

وأخي، شريكي في الضعف، يسلبني إنسانيتي،

يقتحم حياتي، لا يسلب مما لي، بل يسلب كياني!

 

v     أنت لا تتحمل دموعي، يا أيها القدوس،

وأخي يرى دموعي، فينسب لي الخداع وعدم الاستقامة.

يجول حولي بلا ضابط،

لا ليُصلح، بل ليظلم ويحطم أعماقي.

        

v     خلقت العالم ليكون أيقونة السماء،

لكن دخل الفساد إلينا، فصار العالم الجميل قانونه الظلم.

حلّ الجور في حياتنا البشرية، عوض العدل الممزوج حبًا.

تحولت ساحات العدل إلى مراكز للفساد.

وفي طول أناتك تنتظر رجوعًا إلى الحق الإلهي.

 

v     لست أخاف من ظلم الإنسان لي،

لكني أخشى ظلمي لأخي الإنسان.

فإنه يلجأ إليك وتصرخ أعماقه إليك ضدي،

ما أفعله لأخي يرتد إليّ بكيلٍ ملبدٍ مهزوزٍ.

أنزع عني العنف والقسوة والظلم،

حتى أستطيع الدخول معك في عهد أبدي.

هب لي الحنو مع من أقودهم،

فاحمل روح الرعاية الحانية.

 

v     أعماقي تصرخ، فكل ما فعلته بإخوتي كامن فيها،

من ينفذني من شروري سواك؟

انزعه من مخازن قلبي، وليحل برّك فيّ.

انزعه من أعماقي، فتصير هيكلاً مقدسًا لك.

أزله عني، فمحصلته خداعًا وهباءً لا قيمة له.

أزله، فإني لا أحتمل غضبك، يا أيها البار، مبغض الظلم!

 

v     إلهي، نعمتك تنزع عيني وعن اخوتي روح الظلم.

بدون نعمتك يفقد الإنسان الحنو الداخلي.

يبرر لنفسه سلب الأيتام والأرامل.

يصير كوحشٍ، يفترس الفقراء والمساكين.

يحسب العالم كله ملكًا له ولنسله.

يسلب وينهب بلا رادعٍ.

لا يبالي بآلام إخوته، ولا يعطي بالاً لدموعهم.

يخطف اليتيم من ثدي أمه،

ويأسر المسكين، ويحسبه عبدًا له.

يظن أنه ليس من قانون يردعه،

ولا من إلهٍ يدينه!

يعشق الظلمة، ليقتل ويسرق ويزني،

حاسبًا أنه ليس من يرى، ولا من يحاسب.

 

v     مسكين هو هذا الظالم.

يطيل الله أناته عليه لعله يرجع ويتوب.

تسقط عليه اللعنة،

يصير في مجاعةٍ داخليةٍ وقحطٍ.

تتهيأ له الهاوية لتبتلعه.

يحسبه الدود وليمة شهية.

يزول ذكره من العالم وينكسر كشجرةٍ من جذورها.

في وسط غناه وكبريائه يسقط.

 

v     احفظني يا رب فيك، فلا أمارس الظلم،

ولا أخشى ظلم الناس لي، فأنت هو ملجأي الوحيد.

<<

 

 


 

اَلأَصْحَاحُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ

آخر هجوم ضد أيوب

من يقدر أن يعاتب الله؟

يبدو أن بلدد ورفقاءه وقفوا عاجزين عن الرد على أيوب في حديثه أنه يوجد أشرار ناجحون، وأن الله قد يطيل أناته عليهم أحيانًا حتى آخر نسمة في حياتهم، وإن كان هذا لا يعني أنهم يهربون من ثمر شرهم، إذ يسقطون في دينونة أبدية ماداموا لم يرجعوا إلى الله بالتوبة.

لهذا إذ جاء دور بلدد للحديث، لم يجد ما يتحدث عنه، فتجاهل القضية الرئيسية، وعجز عن الرد على حديث أيوب الوارد في الأصحاح السابق. قدم بلدد آخر هجوم ضد أيوب في اقتضابٍٍ شديدٍ، مرددًا ما سبق أن قيل، إذ ليس من جديد يمكن أن ينطق به.

ويمكننا تبرير توقف الأصدقاء الثلاثة عن الجدال العنيف للأسباب التالية أو بعضها:

أولاً: شعروا أن أيوب قد أفحمهم بحديثه عن أشرارٍ لا يعانون من متاعبٍٍ كالأبرار، بل وينجحون أكثر منهم. لم يطلبوا منه أمثلة عملية، لأنه وهو يتكلم معهم أدركوا أمثلة واقعية معاصرة لهم.

ثانيًا: حسبوا أن ما قالوه فيه الكفاية، فلا داعي لتكرار المناقشات دون جدوى.

ثالثًا: أدركوا أن ما قالوه لأيوب يتفق مع ما يقوله هو، وليسوا على خلاف معه في الفكر، خاصة وأن أيوب أكد لهم هلاك الأشرار الأبدي حتى وإن نجحوا في العالم من أجل طول أناة الله عليهم.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن بلدد الشوحي يوبخ أيوب، لأن الأخير طلب محاكمته أمام الله، فقد عوقب دون أن يخطئ. لذلك يقول بلدد إن كل الخليقة تقف في رهبةٍ وخوفٍ أمام الله، وليس من يقدر أن يتبرر أمامه، أو يهرب من يده. كأن طِلبة أيوب باطلة وغير لائقة.

يمتدح أليفاز رعاية الله القديرة، هذا الذي يدير السماء، ويبعث رسله على الأرض كنورٍ يضيئون [٢-٣]، لكن يبقى السمائيون أقل من الله، فكم بالأكثر يكون الإنسان.

1. الله صاحب السلطان وواهب السلام في السماء      1-3.

2. كَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ؟                        4

3. الكواكب ليست طاهرة في عينيه                     5-6.

1. الله صاحب السلطان وواهب السلام في السماء

فَأَجَابَ بِلْدَدُ الشُّوحِيُّ: [1]

السُّلْطَانُ وَالْهَيْبَةُ عِنْدَهُ.

ما نطق به بلدد حقيقة لائقة بالله وبنا، وهي أنه يليق بنا أن نتصاغر جدًا أمام الله السامي المهوب، وأن البعد شاسع بينه وبيننا، وإنما أخطأ بلدد في تطبيق ذلك على أيوب، إذ لم يحمل له روح الحب.

الله كخالق السماء والأرض، خالق الكل، وواهب الحياة، له الحق المطلق في وضع النواميس وتدبير الكون بسلطانٍ مطلقٍ. وكما قال نبوخذنصر عندما رجع إلى عقله وبارك العلي: "سلطانه سلطان أبدى، وملكوته إلى دور فدور، وحسبت جميع سكان الأرض كلا شيءٍ، وهو يفعل كما يشاء في جند السماء وسكان الأرض، ولا يوجد من يمنع يده، أو يقول له ماذا تفعل" (دا 4: 34- 35).

مع الدالة العظيمة التي كانت لدى رجال الله نحوه كانوا يعترفون أنه الإله العظيم الجبار المهوب والمخوف.

"يحمدون اسمك العظيم والمهوب قدوس هو" (مز 99: 3).

"وصليت إلى الرب الهي واعترفت وقلت: أيها الرب الإله العظيم المهوب حافظ العهد والرحمة لمحبيه وحافظي وصاياه" (دا 9: 4).

"وقلت: أيها الرب إله السماء الإله العظيم المخوف الحافظ العهد والرحمة لمحبيه وحافظي وصاياه" (نح 1: 5).

"والآن يا إلهنا الإله العظيم الجبار المخوف حافظ العهد والرحمة لا تصغر لديك كل المشقات التي إصابتنا نحن وملوكنا ورؤساءنا وكهنتنا وأنبياءنا وآباءنا وكل شعبك من أيام ملوك أشور إلى هذا اليوم" (نح 9: 32).

إذ يعلق القديس أغسطينوس على المزمور 99 الذي يتحدث عن الله الجالس على الكاروبيم، المهوب الذي ترتعد أمامه الشعوب وتتزلزل الأرض، يراه جالسًا على النفس البشرية متربعًا كما على عرشه المقدس.

v     الشاروبيم هو كرسي الله، كما يُظهر لنا الكتاب المقدس، عرش سامٍ سماوي لا نراه، لكن كلمة الله يعرفه؛ يعرفه بكونه كرسيه... الله لا يجلس كما يجلس الإنسان. لكنك إن أردت أن يجلس الله فيك، فإنك إن صرت صالحًا تصير كرسيًا لله... نفس البار كرسي الحكمة. فإن العرش في لغتنا يُسمى كرسيًا... لأن الله يسمو فوق كل معرفة يُقال عنه إنه يجلس على كمال المعرفة. ليكن فيك كمال المعرفة، فتصير عرش الله... وإذ يكون لك كمال المعرفة وتكون لك المحبة تصير عرش الله، وتصبح سماءً. فإن السماء التي نتطلع إليها بأعيننا هذه ليست ثمينة جدًا لدى الله. النفوس المقدسة هي سماء الله، عقول الملائكة، وكل عقول خدامه هي سماء الله[1061].

القديس أغسطينوس

هُوَ صَانِعُ السَّلاَمِ فِي أَعَالِيهِ [2].

إن كان البشر في عنادهم أو شرهم يقاومون الله، إنما يقاومون أنفسهم، إذ يفقدون سلام الله الفائق، أما السمائيون فيتمتعون بسلامه في الأعالي، إذ يحبونه ويخضعون له، ويطيعونه طاعة كاملة. يحملون الحب الإلهي ويتمثلون بتواضعه، فلا يتشامخون على بعضهم البعض، ولا يحسدون ولا يتنازعون ولا يتذمرون. إنها عطية الله الفائقة لهم كمحبين له أن يعيشوا في سلامٍ عجيبٍ.

أما بالنسبة لسكان الأرض، فيحتاجون إلى الطاعة لله، فيتمتعون بعمله كواهب السلام، وكما يقول المرتل: "يهدي العاصفة فتسكن، وتسكت أمواجها" (مز 107: 29؛ 65: 7).

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الله كخالق كل الأشياء يملك عليهم وله سلطان، يرعب قلوب الخليقة القابلة للموت. على الأرض ينقص الخليقة السلام، بل يحلَ بهم الارتباك والقلق، أما في الأعالي، أو في العالم السماوي، فيوٌحد الله المختارين مع طغمات الملائكة، ويكون الكل في سلامٍٍ.

بالرب نتحول من ترابٍ أرضي إلى سماوات، ونُحسب أعاليه، حيث يسكن فينا، ويقيم سلامنا فينا. وكما يقول الرسول: "لأنه هو سلامنا، الذي جعل الاثنين واحدًا ونقض حائط السياج المتوسط" (أف 2: 14).

v     مادام المسيح ابن الله هو السلام، فقد جاء ليجمع معًا من له، ويعزلهم عن الأشرار[1062].

القديس أغسطينوس

v     "سلامًا أترك لكم" (يو 14: 27). يقول: "ماذا يؤذيكم من متاعب العالم مادمتم في سلامٍ معي؟ فإن هذا السلام ليس من ذات نوع ذاك (الذي من العالم). ذاك سلام خارجي، كثيرًا ما يكون مؤذيًا وبلا نفع، لا ميزة له لدى من يقتنوه. أما أنا فأعطيهم سلامًا من نوعٍ به تكونون في سلام كل مع الآخر، ويجعلكم أكثر قوة[1063]".

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "مبارك الآتي باسم الرب"، الملك ضد الطاغية، جاء لا بإظهار أنه كلي القدرة والحكمة، وإنما بما حُسب كجهالة الصليب الذي به أنقذ من له من المسبيين بواسطة الحية الحكيمة بالشر.

مبارك الآتي باسم الرب: الحق ضد الكذاب، المخلص ضد المهلك، رئيس السلام ضد مثير الحروب. محب البشر ضد مبغض البشرية.

مبارك الآتي باسم الرب، الرب القادم ليرحم الخليقة صُنع يديه.

مبارك الآتي باسم الرب، الرب القادم ليخلص الإنسان الذي ضل في الخطأ، لينزع عنه الخطأ، ويهب نورًا لمن هم في الظلمة، ويبطل خداع الأوثان، ويحل محله معرفة الله واهبة الخلاص، حتى يقدس العالم. ينزع الرجاسات والشقاء التي لعبادة الآلهة الباطلة[1064].

الأب ميثوديوس

ينسب الله الأعالي لنفسه فالسماوات هي للرب (مز 115: 16)، ويدعوها بلدد "أعاليه".

حين يتقدس الشعب ينسب الرب الشعب وأعياده له، فيدعى "شعب الله"، "سبوتي" الخ، وحين يتمرد يدعوه "الشعب"، "أعيادكم"، "سبوتكم" الخ.

هَلْ مِنْ عَدَدٍ لِجُنُودِهِ،

وَعَلَى مَنْ لاَ يُشْرِقُ نُورُهُ؟ [3]

ما يحل في أعالي الرب أو سماواته من سلام، ليس لأن عدد السمائيين قليل فيمكن الوصول إلى اتفاقٍ وانسجامٍ بينهم، لأنه "هل من عدد لجنوده؟" إنما سرّ سلامهم في الرب أنه يشرق بنوره على جميعهم. إن كان نور الشمس يبلغ إلى الأرض كلها، فإن نور الله يسطع على كل السمائيين "وعلى من لا يشرق بنوره؟"

هكذا الذي يشرق بنوره على كل السمائيين يشرق شمسه على الأشرار والصالحين (مت 5: 45)، لعل الكل يطلب نور نعمته الفائقة فيستنيروا، ويحملوا برَّه وسلامه! إنه لا يخفي نوره عن أحدٍ، ولا يبخل بمعرفته على خليقته، لكنه لا يُلزم أحدًا بقبول نعمته.

يدعونا السيد المسيح أن نكون أبناء الله، إذ يقول: لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين (مت 5: 45). إنه يريد أن يكون الكل أبناء النور. "لأن الله الذي قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح (2 كو 4: 6).

v     "لأنكم كنتم قبلاً ظلمة، وأما الآن فنور في الرب" (أف 5: 8). لم يقل "بفضيلتكم"، وإنما بنعمة الله العاملة فيكم. بمعنى أنكم كنتم تستحقون العقوبات، والآن لم تعودوا بعد هكذا. لذا فلتسلكوا كأبناء النور... في كل صلاحٍ[1065].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     الذين وُلدوا ثانية كانوا أبناء ليلٍ وصاروا أبناء نهار؛ كانوا ظلمة وصاروا نورًا. الآن يسوع يعهد بنفسه إليهم، وهم يأتون إليه ليس ليلاً مثل نيقوديموس (يو 3: 2)، ولا يبحثون عنه في الظلام بل في النهار[1066].

القديس أغسطينوس

v     بالروح القدس تتحقق عودتنا إلى الفردوس، صعودنا إلى ملكوت السماوات، عودتنا إلى التبني كأبناء، حريتنا فندعو الله أبانا، شركتنا في نعمة المسيح، دعوتنا أبناء النور، شركتنا في المجد الأبدي، وفي اختصار بلوغنا إلى حال كمال البركة[1067].

القديس باسيليوس الكبير

2. كَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ؟

 فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ،

وَكَيْفَ يَزْكُو مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ؟ [4]

مهما سما برّ الإنسان وقداسته، لا يقارن بسمو برّ الله وقداسته (مز 89:6). وإذا ما دخل الإنسان في محاكمة مع الله، يتبرر الله ويُدان الإنسان، وكما يقول المرتل: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدامك حي" (مز 143: 2). ليس من خطأ في أحكام الله، ولا من يقدر أن يعترض عليها أو يستأنفها.

v     "هل يمكن لإنسانٍ أن يتبرر متى قورن بالله؟ أو هل يمكن أن يُوجد مولود امرأة طاهر؟[1068]" [4] هذه العبارة سبق أن نطق بها الطوباوي أيوب... حيث أن كل إنسانٍ هو بار خلال الاستنارة بالله، لا بالمقارنة مع الله. فإن برّ الإنسان متى قورن بالخالق لا يُحسب برًا، فإنه حتى إن تمسٌك الإنسان بحاله في الخلقة، لا تقدر الخليقة أن تتساوى مع الخالق.

على أي الأحوال، صار هذا المخلوق يحمل أحمالاً ثقيلة، ولعجزه تراكمت عليه الخطية، هذه التي جلبتها الحية فيه بالخداع، وبرهنت المرأة عن ضعفها بما فيه الكفاية. الآن إذ يُولد الإنسان عن طريق امرأة خاضعة للخطية، ورث ضعف الخطية الأولى بالتناسل، ليس لأن فرع الجنس البشري قد فسد في الأصل، ولم ينل الحيوية الخاصة بخلقته، لذلك بحق يُقال الآن: "هل يمكن للإنسانٍ أن يتبرر، وهو مولود امرأة؟"

كأنه يقول بوضوح: ليته لا يفكر إنسان بكبرياءٍ ضد خالقه، ليتأمل من أين جاء إلى هذا الموضع، ويفهم ما هو عليه.

لكن لتلاحظوا أنه يوجد أولئك الذين نالوا عونًا بعطية الروح ضد وهن جسدهم، فبنوا أنفسهم، وأشرقوا في الفضائل. نعم! يشرقون في آياتٍ عجيبةٍ مدهشةٍ. ومع ذلك لا يوجد إنسان ما يعبر الحياة بدون خطية، مادام يحمل الجسد الفاسد.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     من هم الذين يرغبون في الدخول في محاكمة معه إلاّ الذين يجهلون برّ الله، ويريدون أن يقيموا برَّهم الذاتي؟... "لن يتبرر أمامك كل حيّ". "كل حي" هنا، يحيا في الجسد، يحيا متوقعًا الموت. يولد كإنسانٍ، نال حياته من إنسانِ، جاء من آدم... يمكنه أن يتبرر أمام نفسه، لكن ليس أمامك. كيف يتبرر أمام نفسه؟ بأن يُسر نفسه ولا يرضيك. لا تدخل في المحاكمة معي أيها الرب إلهي. مهما بدا ليّ أنني مستقيم، فإنك إذ تقدم مستوى من مخازنك أقيس به نفسي فأجدها معوجة[1069].

v     "إنك تتبرر في أقوالك، وتغلب إذا حوكمت" (مز 51: 4). أنت تغلب كل البشر، كل القضاة؛ فمن يظن في نفسه أنه بار أمامك فهو غير بار. أنت وحدك تحكم بعدلٍ، وبغير عدلٍ تُحاكم... أنت تغلب كل البشر، لأنك أنت فوق كل البشر، وهم خلقوا بواسطتك[1070].

القديس أغسطينوس

3. الكواكب ليست طاهرة في عينيه

هُوَذَا نَفْسُ الْقَمَرِ لاَ يُضِيءُ،

وَالْكَوَاكِبُ غَيْرُ نَقِيَّةٍ فِي عَيْنَيْهِ [5].

بالرغم من جمال القمر وكل الكواكب، لكنها في حقيقتها أحجار لا تحمل نورًا ولا جمالاً في ذاتها، لو لم تنعكس أشعة الشمس عليها. هكذا الكنيسة، أي القمر، والمؤمنون أيضًا، أي الكواكب، لا جمال لهم إلا بإشراق شمس البرّ عليهم ليبدد كل أثرٍ للظلمة، ويعكس بهاءه عليهم. قيل عن المؤمنين الحقيقيين والكارزين: "والفاهمون يضيئون كضياء الجلد والذين ردوا كثيرين إلى البرّ كالكواكب إلى أبد الدهور" (دا 12: 3).

خارج نعمة الله يصير القمر مظلمًا عاجزًا عن الإضاءة، وتُحسب الكواكب غير طاهرة. وكما يقول إشعياء النبي: "ويخجل القمر وتخزى الشمس، لأن رب الجنود قد ملك في جبل صهيون وفي أورشليم " (إش 24:23).

يرى العلامة أوريجينوس[1071] أن القمر والكواكب هنا تشير إلى كائنات عاقلة يُصدر لها الرب وصايا (إش 12:45) قابلة للتقدم كما للسقوط.

v     ماذا يعني بالقمر سوى الكنيسة كلها معًا، وماذا يعني بالكواكب إلا نفوس الكثيرين الذين يعيشون بالاستقامة؟ وسط ممارسات الناس الأشرار هم بارزون بالفضائل النادرة، كما لو كانت تنير وسط ظلمة الليل. هكذا يقول بولس أيضًا لتلاميذه: "تضيئون بينهم مثل أنوارٍ في العالم" (في 15:2). ويقصد بلقب "الكواكب" المختارين، يخبرنا مرة أخرى بولس ذلك بقوله: "فإن نجمًا يمتاز عن نجمٍ في المجد" (1 كو 41:15). هكذا "لا يضيء القمر، والكواكب ليست طاهرة في عينيه". ليست الكنيسة المقدسة بقوتها تضيء في عجائب كثيرة هكذا، ما لم تسقط عليها أمطار النعمة المحٌصنة، ولا أذهان الكثيرين الذين يعيشون باستقامة طاهرة من دنس الممارسات الخاطئة لو أنهم دينوا خارج الحنو (الإلهي). ففي عيني الديان الحازم كل فرد دنس خلال ميله للفساد، ما لم تنزع نعمة (الله) الإنسان من هذا السقوط يومًًا فيومًًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     لتنصت آذانكم من الآن إلى الصوت المجيد الذي ستتغنى به الملائكة بسبب خلاصكم قائلة: "طوبى للذي غفر إثمه وسُترت خطيته"[1072]. وذلك عندما تدخلون ككواكب الكنيسة المتألقة جسدًا ومتلألئة نفسًا.

عظيم هو العماد الذي يوهب لكم، فإنه عتق الأسرى، غفران المعاصي، موت الخطية، ميلاد جديد للنفس، ثوب النور، ختم مقدس لا ينفك، مركبة للسماوات، بهجة الفردوس، ترحيب في الملكوت، عطية التبنّي! لكن احذروا، فإنه توجد حيَّة في الخارج تترقب المارين. احترسوا لئلا تلدغكم بلدغات عدم الإيمان.

إنها إذ ترى كثيرين يتقبلون الخلاص تلتمس أن تبتلعه منهم (1 بط 5: 8)[1073].

القديس كيرلس الأورشليمي

v     لا يوجد قط من هو بلا خطية. "الكواكب ذاتها غير طاهرة بعينيه"، وكل خليقة ترتعب عند مجيء الرب... يوجد تفسير آخر وهو أن "كل" لا تشير إلى الجميع بل إلى أولئك الذين هم موضوع الجدال. وذلك كما يقول قائل: "كل المواطنين صرخوا"، لا يعني بهذا أنه لم يوجد أحد قط صامت، وإنما قيل هذا عن الغالبية التي تطغي على الأقلية[1074].

القديس جيروم

v     ليس إنسان بلا خطية سواء كانت حياته يومًا واحدًا أو عاش سنوات طويلة. فإن كانت الكواكب نفسها ليست بطاهرة في عيني الله، كم بالأكثر الدودة والفساد هذا الذي صار عليه من خضعوا لخطية عصيان آدم؟[1075]

القديس أغسطينوس

v     أليس بصالح ذاك الذي رفع الأرض إلى سماء حتى أن الكواكب المتلألئة المصاحبة له تعكس مجده في السماء كما في مرآة، هكذا طغمات الرسل والشهداء والكهنة يشرقون مثل كواكب مجيدة، وتهب نورًا للعالم؟[1076]

القديس أمبروسيوس

فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الإِنْسَانُ الرِّمَّة،ُ

 وَابْنُ آدَمَ الدُّودُ [6].

إن رجع الإنسان إلى أصله قبل الخلقة، واعتزل الله خالقه يسير ترابًا ورمادًا، رمة ودودًا! والعجيب أن الكلمة الإلهي في تجسده تواضع جدًا، فقال على لسان النبي: "أنا دودة لا إنسانٍ" (مز 22: 6).

v     كل البشر مولودون من جسد، ماذا هم سوى دود؟ من هذا الدود يصنع الله ملائكة. إن كان الرب نفسه يقول: "أما أنا فدودة لا إنسان" (مز 6:22)، من يتردد في النطق بما ورد في أيوب: "كم بالأحرى الإنسان رمة، وابن آدم الدود" [6]. قال أولاًً "الإنسان رمة"، وبعد ذلك "ابن الإنسان دودة"، لأن الدودة تخرج من الرمة... أنظروا ماذا أراد أن يصير من أجلكم هذا الذي "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله" (يو 1:1)[1077].

 القديس أغسطينوس

v     "كم بالأكثر الإنسان هو فساد، وابن الإنسان دودة؟" [6] كأنه يقول بوضوح: إن كان هؤلاء الأشخاص أنفسهم لا يقدرون أن يتجنبوا العدوى، الذين وسط ظلمة الحياة الحاضرة يضيئون ببهاء اقتناء الفضائل، فكم يكون شـر المربوطين بالحياة حسب الجسد؟ إن كان هؤلاء الأشخاص لا يقدرون أن يتحرروا من الخطية، هؤلاء الذين بالفعل يسلكون في طريق الشهوات السماوية، فماذا بالنسبة للذين لا يزالون ساقطين تحت أثقال العادات الشريرة، والذين هم متروكون لملذات أجسادهم، لا يزالون يحملون نير الفساد؟ لهذا يقول بطرس: "إذا كان البار بالجهد يخلص، فالشرير والخاطئ أين يظهران؟" (1 بط 18:4) يقول إشعياء: "على أرض شعبي يطلع شوك وحسك، فكم بالأكثر في كل بيوت الفرح في المدينة المبتهجة" (إش 13:32)... المدينة الفرحة هي ذهن الشرير الذي لا يبالي بالعقوبات القادمة، وذلك من أجل مسرة الجسد، وإذ يخرج الذهن عن كيانه يلهو في مرحٍٍ كاذبٍٍ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يلاحظ البابا غريغوريوس أن الإنسان الأول يُدعى فسادًًا، إذ حلٌ به الموت بالخطية ففسد. وأما ابن الإنسان فيدعى دودة، حيث يلد الفساد دودًا في جسم الميت.

 


 

من وحي أيوب 25

لتشرق بنور بٌَرك عليٌِ

 

v     تشرق بنور حبك على كل الخليقة.

بك تستنير الطغمات السمائية،

وبدونك تبدو السماء غير طاهرة.

بك يعيش السمائيون في سلام،

وبدونك لا سلام حتى في السماء،

 

v     كيف أتبرر أمامك،

وقد حلٌ الفساد بأعماقي؟

من ينزع عني الفساد غيرك؟

لتعمل نعمتك فيٌ يا كل الصلاح!

<<

 


 

اَلأَصْحَاحُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ

أيوب يؤكد علي عظمة الله وحكمته

إذ امتدح بلدد قدرة الله وسلطانه كواهب السلام في سماواته، وعجز الإنسان عن أن يتبرر أمامه، لم يناقضه أيوب. إنما أبرز بأكثر قوة قدرة الله وعظمته، ليؤكد ما سبق أن قاله: "ما تعرفونه عرفته أنا أيضًا" (أي 13: 2). كأن أيوب يرد على بلدد قائلاً بأن ما قاله يعرفه هو أيضًا، وأنه قد انحرف عن الموضوع الذي يتناقشون فيه بخصوص البحث عن حكمة الله الذي يسمح بالضيقات المُرة للصالحين، بينما يسمح أحيانًا بالنجاح للأشرار. أما ما قاله بلدد ورفيقاه فلا حاجة لأيوب أن يسمعه، إذ يقدر أن يضيف أدلة أقوى مما قدمه هؤلاء.

يعلن أيوب لبلدد أنه قادر أن يصف جلال الله بكلمات أسمى من كلماته، فيذكر أدلة رائعة كثيرة عن حكمة الله وقدرته في خلقه العالم وحفظه:

1. يعلق الأرض على لا شيء.

2. رسم حدًا على وجه الماء حتى لا ترجع لتغطي الأرض، ويحفظ المياه التي فوق الجلد فلا تنسكب على الأرض.

3. المخلوقات الجبارة ذات الحجم الضخم الساكنة في الماء كالحوت ترتعد من خوفه.

4. بالعواصف والأنواء يزعزع الجبال.

5. بسط السماوات كشقةٍ.

6. يخفي مجده عن العالم الذي لا يحتمل ضياءه.

7. زينات السماء المتلألئة من صنع يديه.

وفي كلماته النهائية لأصحابه يعود فيؤكد براءته. إن قمة صرخة الرجاء عند أيوب هي التي أطلقها في نهاية الدورة الثانية: أنا أعرف جيدًا أنه المخلص الحي، وإن له الكلمة الأخيرة على هذه الأرض، وأنه سيعاين الرب، سيراه بعينيه لا بعيني غيره.

يتساءل أيوب إن كان الله يدير السماء بعناية قديرة، فلماذا يتوقف هناك؟ الله يهتم حتى بالبحار المنخفضة عن الأرض، وأيضًا بالهاوية حيث ينحدر الناس بعد موتهم. إنه حال في كل موضعٍ في العالم.

1. خروج بلدد عن الموضوع                  1-4.

2. سلطان الله على أعماق البحار                5.

3. سلطان الله على الهاوية                      6.

4. سلطان الله على الطبيعة                    7-12.

5. الله سرّ إبداع السماء                        13.

6. يا لغنى عظمة الله!                          14.

1. خروج بلدد عن الموضوع

فَقَالَ أَيُّوبُ: [1]

كَيْفَ أَعَنْتَ مَنْ لاَ قُوَّةَ لَهُ،

وَخَلَّصْتَ ذِرَاعًا لاَ عِزَّ لَهَا؟ [2]

يوجه أيوب حديثه لبلدد في أسلوب بليغ ورائع مع تواضعٍ وانسحاقٍ، فيحسب أيوب نفسه "لا قوة له"، وذراعه "لا عز لها"، وفي تهكم يقول لبلدد: يا لك من معين من لا قوة له، ومشدد للأذرع التي لا عز لها! فمع اعترافه بضعفه الشديد، يوبخ بلدد الذي يظن في نفسه أنه حكيم ومرشد ومعين، وإذا به محطم لنفسية من لا قوة له ولمن لا عز لذراعه.

هنا يفضح أيوب بلدد موضحًا أنه كرفيقيه تكلم بكلمات بليغة وحقائق إيمانية صادقة، لكن ما قدمه هو كلام بلا حب، وحوار بلا عمل؛ فما قدمه لا يعين من لا قوة له، ولا يسند ذراعا لا عز لها.

v     (يقول أيوب) لكنني لست بعد ألومك من أجل دفاعك عن دور الله. فإنه يلزم هذا. على أي الأحوال يلزمك ألا تدينني، وإن كان يجب بالحق إن أمكن الدفاع عن نعمة الله دون إخضاع أيوب لاتهامات كثيرة هكذا.

 القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أنه كان يليق ببلدد (ورفيقيه) أن يعملوا مع الله لمساندة النفوس المنكسرة بروح التواضع لا التشامخ؛ فإن الله يطلب من خدامه أن يعملوا معه (1 كو 3: 9) وأن يحملوا روح التواضع، فينسبوا الثمر لله العامل فيهم (1 كو 3: 7).

v     أجاب أيوب وقال: لمن أنت تعين؟ هل لكائنٍ بلا قوةٍ؟ أو هل تسند ذراع من هو ليس بقويٍ؟ هنا نحتاج أن نعرف أننا نساعد حتى الله، الذي هو بالتأكيد ليس "بلا قوة"، عندما نعمل في تواضعٍ. قال بولس: "نحن عاملان (مساعدان) لله" (1 كو 9:3). فإن كنا نساهم بصوت النصح لأشخاصٍ تعم عليهم نعمة داخلية، نجتاز بهم خلال الروح القدس... إننا نحثهم نحو الكمال فقط عندما يكون الله في القلب معينًا. هنا أيضًا يقول: "ليس الغارس شيئًا ولا الساقي، بل الله هو الذي ينمي" (1 كو 7:3). فإن من يزرع أو يسقي إنما يساعد، ولكن تكون الخدمة باطلة إن لم يعطِ الله النمو في القلب.

أما الذين لهم أفكار متشامخة من نحو قوة عقلهم، فلن يكونوا معينين لله بتواضعٍ، إذ يحسبون أنفسهم أنهم نافعون لله، ويجعلون من أنفسهم غرباء عن الثمر المفيد.

v     عندما يحاول الرعاة إصلاح الرعية المنحرفة يجب عليهم أن يتحلوا بالتواضع حتى لا ينحرفوا في استخدام سلطتهم وأن يشعروا أنهم مساوون للاخوة الذين يصلحونهم. وعلينا نحن الرعاة أن نتدرب في صمتٍ وتأملٍ، وأن نفضل الأشخاص الذين يتم إصلاح أخطائهم عن أنفسنا، لأن خطاياهم قد تصححت عن طريقنا بتدريبات شاقة، أما خطايانا نحن الرعاة فلم يوبخنا عليها أحد حتى ولو بالكلمة. من أجل هذا ندان نحن الرعاة أمام الرب بقدر ما نُعتق من العقاب أمام الناس. وبالأكثر تتحرر الرعية من الدينونة الإلهية، لأنها تدان على أخطائها هنا في هذا العالم[1078].

v     لتتأكد الرعية أن الرعاة متواضعون داخليًا أمام أنفسهم. وهكذا يجب على الرعية أن تدرك ما ينبغي أن تخافه من السلطة، وما ينبغي أن تقلده في محيط التواضع[1079].

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     واضح أنه عندما ينصح أحد آخر وفي نفس الوقت يتألم أكثر من الذي يوبخه، يفعل هذا لا ليسبب حزنًا للغير، بل ليقدم له محبة عميقة. بينما من ينتهر آخر بغير هذا الشعور فإنه في الواقع يطأ بقدميه على مشاعر أخيه[1080].

الأب أمبروسباستر

v     لا تدع رتبة الكهنوت تجعلك في خيلاء، بل بالحري تجعلك متواضعًا، فإن الانحلال والخزي يُولدان من التشامخ. كلما اقتربت من الرتب العليا للنظام الكهنوتي المقدس يليق بك بالأكثر أن تتواضع، متذكرًا بخوف مثال أولاد هرون (لا 10). معرفة الحياة المقدسة هي معرفة وداعة وتواضع. التواضع هو إقتداء بالمسيح. التعالي والتجاسر والوقاحة هو إقتداء بالشيطان. كن متمثلاً بالمسيح، لا بضد المسيح، بالله وليس بالمقاوم لله، بالسيد لا بالعبد الشارد، بالرحوم لا بالذي بلا رحمة، بالمحب للبشرية لا بعدوها، بشريكك في حجال العرس لا بساكن الظلمة. لا تكن تواقًا لاستغلال السلطة على الجماعة، حتى لا تضع على عنقك أثقال خطايا الآخرين[1081].

القديس باسيليوس الكبير

كَيْفَ أَشَرْتَ عَلَى مَنْ لاَ حِكْمَةَ لَهُ،

وَأَظْهَرْتَ الْفَهْمَ بِكَثْرَةٍ؟ [3]

يوبخ أيوب بلدد لأنه قدم فلسفات نظرية كمن يحدث طفلاً لا حكمة له، ويستعرض فهمه ومعرفته بكثرة كلام بلا عمل. قدم ما هو حق، ولكنه لم يراعِ الظروف، فجاء الحق في غير محله وفي غير أوانه.

v     "لمن تقدم مشورة؟ ربما لمن ليس له حكمة؟" [3] أن تقدم مشورة لإنسانٍ جاهلٍ، فهذا عمل محبة، وأما أن تقدمها لحكيمٍ فهذا تباهٍ. أما أن تقدمها للحكمة ذاته، فهذا انحراف للفكر.

v     ينبغي على راعي النفوس أن يميز بحكمةٍ وعنايةٍ ما بين الفضائل والرذائل، لئلا يتمكن البخل من قلبه، وهو يبالغ في الظهور بمظهر المدبر، أو يفخر بكرمه كما لو كان فضيلة وهو في الحقيقة مبذر ومتلف. أو يتغاضى عما يجب أن ينتقده بشدة، فيجلب على رعيته العقاب الأبدي، أو يعاقب الأخطاء بدون رحمة، فيخطئ بذلك خطأ أكبر، أو عندما يفسد ما كان يمكن أن يفعله بوقارٍ واستقامةٍ بتوقعاته المتعجلة والطائشة. كذلك فإن تأجيل عمل ما صالح قد يحوله إلى عملٍ شريرٍ[1082].

البابا غريغوريوس (الكبير)

لِمَنْ أَعْلَنْتَ أَقْوَالاً،

وَنَسَمَةُ مَنْ خَرَجَتْ مِنْكَ؟ [4]

يقول له: "لقد أعلنت أقوالاً" في غير محلها، إذ كان يليق بك تقديم تعزيات الله للمجربين، لا أن ترعبهم بالأهوال المرعبة. "ونسمة من خرجت منك؟" بمعنى بأي روح تنتعش لتقدم مثل هذه الأحاديث لتحطم النفس المجروحة؟ كان يليق بك أن تطلب الحكمة والتعقل من ذاك الذي وهبك الحياة والنفس.

 كان يليق ببلدد أن يقول مع إشعياء النبي: "أعطاني السيد الرب لسان المتعلمين لأعرف أن أغيث المعيى بكلمة" (إش 50:4).

v     "لمن تريد أن تعٌلمه؟ أليس ذاك الذي أوجد طريق النَفَسِْ؟ بالنَفَسِْ نحن نعيش، وبالتعقل نحن حكماء. إنما يجب أولاً أن نعيش، وبعد ذلك نصطبغ بالحكمة، لأنه لكي يكون لنا قوة أن نكون حكماء يلزمنا أولاً أن نقتني ذاك الذي وهبنا الحياة، هو نفسه بلا شك يهبنا التعقل أيضًا.

v     العلاج في غير الوقت المناسب يجعل الجروح أكثر إيلامًا. وإذا كانت الأدوية غير مناسبة فمن المؤكد أنها لا تصلح لغرض الشفاء[1083].

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     قدم (الرسول بولس) ثلاث سمات للكرازة بالكلمة: غيرة متقدة مغامرة، ونفس مستعدة لاحتمال أية مخاطر مُحتمل حدوثها، ومعرفة وحكمة مرتبطان معًا. فإن حبه للمغامرة (في كرازته)، وحياته التي بلا لوم ما كانت تنفعه في شيءٍ لو لم يتقبل قوة الروح. تطلع إليه إذ تظهر فيه هو أولاً، أو بالأحرى اسمع كلماته: "لئلا تُلام خدمتنا"[1084].

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. سلطان الله على أعماق البحار

اَلأَخيلةُ تَرْتَعِدُ مِنْ تَحْتِ الْمِيَاهِ وَسُكَّانِهَا [5].

يقصد بالأخيلة المخلوقات الضخمة الجبارة كالحيتان وسمك القرش، فإنها وهى تعيش في المياه تخشى الله وكان عناية الله تمتد إلى ما في مياه البحار والمحيطات من مخلوقات جبارة شرسة تبدو كمن لا سلطان له عليها. وكما جاء في إرميا النبي: "أإياي لا تخشون يقول الرب، أولا ترتعدون من وجهي أنا الذي وضعت الرمل تخوما للبحر، فريضة أبدية لا يتعداها، فتتلاطم ولا تستطيع، وتعج أمواجه ولا تتجاوزها" (إر 5: 22).

يرى البعض أن الأخيلة أو العمالقة هنا يقصد بهم الذين كانوا في أيام نوح يستخفون به ويظنون أنه لن يصبهم شر ما، وإذا بهم يصيرون كسكان تحت مياه الطوفان الذي حلّ بهم فصاروا في رعدةٍ لكن بعد فوات الأوان!

v     "هوذا العمالقة يئنون تحت الماء[1085]" [5]. إن كان يُقصد بـ "العمالقة" أصحاب السلطة في هذا العالم، فإن المياه تشير إلى الجموع كما يشهد يوحنا بقوله: "المياه التي تراها هي الشعب" (رؤ 15:17).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     ألاَّ ترون هذا البحر بأمواجه الكثيرة ورياحه العنيفة، ومع هذا فإن هذا البحر المتسع العظيم الثائر هكذا تحجزه رمال ضعيفة! لاحظوا أيضًا حكمة الله فقد سمح له ألاَّ يستريح، ولا يهدأ، لئلا تظنوا أن نظامه الصالح هو بتدبير طبيعي، ومع هذا فهو يلتزم بحدوده. يرفع صوته عاليًا باضطرابه وهديره وأمواجه المذهلة في علوها. لكنها إذ تبلغ الشواطئ تحجزها الرمال وتكسرها، فتعود بذاتها إلى الوراء، لكي تعلمكم بهذه الأمور كلها أن ما يحدث ليس هو من عمل الطبيعة المجردة أن يبقى البحر عند حدوده، بل هذا من عمل ذاك الذي بسلطانه يصده! لهذا السبب جعل الحاجز ضعيفًا، فلم يطوق الشواطئ بأخشاب وحجارة وجبال، لئلا تعزو نظام العناصر إلى مثل هذه الأمور. لذلك فإن الله نفسه درَّبَ اليهود بذات هذه الظروف، قائلاً: "إياي لا تخشون يقول الرب... أنا الذي وضعت الرمل تخومًا للبحر فريضة أبدية لا يتعداها" (إر 5: 22)[1086].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     حبة الرمل، وهي أضعف شيء، تصد عنف المحيط[1087].

القديس باسيليوس الكبير

3. سلطان الله على الهاوية

الْهَاوِيَةُ عُرْيَانَةٌ قُدَّامَهُ،

وَالْهَلاَكُ لَيْسَ لَهُ غِطَاءٌ [6].

يبرز أيوب سلطان الله الفائق أنه ضابط الكل، له سلطان على الحيوانات الضخمة الشرسة وسط البحار، بل وحتى على إبليس وملائكته اللذين يسكنون الجحيم، فإنهم عاجزون عن عمل شيء بدون إذنه أو سماحٍ منه.

فالهاوية بعيدة عن أنظارنا، والهلاك الذي يحل بالشياطين والأشرار لم نره بعد، لكن كل شيءٍ مكشوف أمام عيني الله، يكشفه لمن يريد مثل ملائكته القديسين. قيل عمن يسجد للوحش وصورته ويقبل سمته على جبهته أو على يده: "فهو أيضًا سيشرب من خمر غضب الله المصبوب صرفًا في كأس غضبه، ويعذب بنارٍ وكبريتٍ أمام الملائكة القديسين وأمام الخروف " (رؤ 14: 10).

يرى البعض أن أيوب يتحدث عن الأشرار الذين صاروا أبناء إبليس، ويسكنون معه في الهاوية، هؤلاء حسبوا أن الله لا يراهم، لكنهم مكشوفون أمام عيني الله. يقول الرسول: "ليس خليقة غير ظاهرة قدامه، بل كل شيء عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي معه أمرنا" (عب 4: 13).

v     "الجحيم عريان أمامه، والهلاك ليس له غطاء[1088]" [6] يقول بولس ما يشبه ذلك: "كل الأشياء عريانة ومكشوفة لعينيه" (عب 13:4). يقصد بالجحيم والهلاك الشيطان وكل المرتبطين بدينونته.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     هل يمكن لله ألا يعرف أمورًا كهذه، بينما ليس من أمرٍ يهرب من اهتمامه؟ "الجحيم عريان أمام نظره، وليس من غطاء للأشرار أنفسهم"، إذ لا يستطيعون أن يختفوا[1089].

 القديس أمبروسيوس

v     (كلمة الله يدين) أفكار القلب ونياته، وليس خليقة غير ظاهرة قدامه (عب 4: 12-13). بهذه الكلمات يرعبهم... إنه يدين القلب الداخلي، إذ يعبر إليه، يعاقب ويبحث عنه. يقول: ولماذا أتكلم عن البشر؟ فإنكم حتى إن تحدثتم عن الملائكة، وعن رؤساء الملائكة، والشاروبيم والسيرافيم، أو أي مخلوقٍ كان، فالكل مكشوف أمام تلك العين، الكل واضح ومُعلن، لا يقدر أن يهرب منه شيء ما[1090].

v     "كل شيء عريان ومكشوف" (عب 4: 13)، لذاك الذي يديننا، ونلتزم نحن بتقديم حسابٍ لا عن الكلمات فحسب، بل وعن الأفكار، فإن هذا الديان يميز سريعًا أفكار القلب ونياته[1091].

v     سيشرق الأبرار كالشمس، بل وأكثر من الشمس في ذلك الحين؛ أما الأشرار فيعانون كل الأمور المؤلمة إلى أقصى درجة. هناك ليس من حاجة إلى تسجيلات وبراهين وشهود، فإن الذي يدين هو كل شيء الشاهد والبرهان والقاضي، إذ يعرف كل شيء بدقة: "كل شيء عريان ومكشوف أمام عينيه"[1092].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "كل شيء عريان ومكشوف لعيني ذاك الذي معه أمرنا" (عب 4: 13). يقصد بهذا أنه آخر غير هؤلاء جميعًا (ليس مخلوقًا). لذا فهو الذين يدين، وكل واحد من هؤلاء يلتزم بتقديم الحساب أمامه[1093].

البابا أثناسيوس الرسولي

4. سلطان الله على الطبيعة

يَمُدُّ الشَّمَالَ عَلَى الْخَلاَءِ،

وَيُعَلِّقُ الأَرْضَ عَلَى لاَ شَيْءٍ [7].

يشبه الكتاب المقدس الله الخالق كمن يبسط السماء والأرض، ويبقى في رعايته بخليقته يبسط كليهما إلى أن تنتهي الأزمنة فيطويها. يقول المرتل: "بسط السماوات كشقةٍ". وكما جاء في سفر الرؤيا: "السماء انفلقت كدرجٍ ملتفٍ" (رؤ 6: 14). أما عن اختياره "الشمال" فلأن أيوب يعيش في نصف الكرة الشمالي، فيرى الله يبسط الأرض كما على الخلاء، أي كما لو كانت فارغة أو كلا شيْ متى قورنت بالعالم الآخر. يقول المرتل: "الشمال والجنوب أنت خلقتهم" ( مز 89: 12).

ويرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الشمال يشير إلى الشيطان، حيث مملكته فارغة من نعمة الله. حتى مملكة إبليس ليست مخفية على الله.

v     أعطى الرب الأرض استقرارًا، وستبقى على هذا الحال مادام الله يريد لها هذا[1094].

ثيؤدورت أسقف قورش

v     من لا يليق به أن يدهش ويتحير من هذه الأمور، معلنًا بيقين أن هذه ليست من صنع الطبيعة، بل من عمل العناية الإلهية التي تفوق الطبيعة. إذ يقول أحدهم: "الذي يعلق الأرض على لا شيء" (7:26). وآخر: "في يديه أركان الأرض" (مز 4:95)[1095].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v     "يبسط الشمال على موضع فارغ" [7]. يُستخدم "الشمال" في الكتاب المقدس ليشير إلى الشيطان... إذ يملك (الشيطان) على من كانت قلوبهم غير ممتلئة بنعمة محبة الله. لكن يمكن لله القدير إنه يملأ حتى أواني الشيطان الفارغة من كل فضيلة بعطية نعمته، ويودع المخافة الإلهية في هؤلاء الأشخاص الذين لا يراهم مؤسسين بأي سلوك في البٌر. لذلك أضاف بحق: "يعلق الأرض على لا شيء". فإنه ماذا يقصد بالأرض إلا الكنيسة المقدسة؟ إنها تتقبل كلمات الكرازة، وتأتي بثمر الأعمال الصالحة. قال عنها موسى: "لتسمع الأرض كلمات شفتي، وليُنظر إلى حديثي مثل المطر" (تث 1:2-2). وما هو "اللاشيء" سوى شعوب الأمم المتعددة، والتي يقول عنها النبي: "كل الأمم أمامه كلا شيء، ويُحسبون أمامه أقل من العدم" (راجع إش 17:40).

البابا غريغوريوس (الكبير)

"يعلق الأرض على لا شيء" فقد خلق الأرض وأقامها بغير أعمدة. ليس من شيء يمكن لإنسانٍ أن يعلقه على لا شيء، أما الله فثبت الأرض كلها على لا شيء. وكما يقول الرسول: "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب 1: 3). هذا الذي أقام الكرة الأرضية وثبتها، ليمشي عليها الإنسان ويعيش، ألا يقدر بكلمة قدرته أن يدبر كل حياة الإنسان؟

v     أقمت السماء لي سقفًا، وثبَّتَّ ليَ الأرض لأمشي عليها.

من أجلي ألجمت البحر، من أجلي أظهرت طبيعة الحيوان، أخضعت كل شيء تحت قدميّ. لم تدعني معوزًًا شيئًا من أعمال كرامتك.

قداس القديس غريغوريوس اللاهوتي

يَصُرُّ الْمِيَاهَ فِي سُحُبِهِ،

فَلاَ يَتَمَزَّقُ الْغَيْمُ تَحْتَهَا [8].

يحفظ الله المياه التي قيل عنها أنها "فوق الجلد" (تك 1: 7)، فلا تنسكب بفيضان مرة واحدة ليغرق العالم كما حدث في أيام نوح. إنها محفوظة (مصرورة) بحكمة إلهية. يسقطها كأمطارٍ بتدبير الهي محكم، وبقدر معين مع ثقل هذه المياه التي صارت سحابًا لا تمزق الغيوم تحتها لتسقط دفعة واحدة، وذلك من أجل نفع سكان الأرض من بشر وحيوانات وزرع.

يقف القديس يوحنا الذهبي الفم في دهشة أمام عناية الله الفائقة إذ يسمح للماء (في السحب) أن يكون محمولاً إلى فوق الهواء، ويختم الله عليه بالهواء فيجرى إلى أماكن كثيرة ليروي الأرض[1096].

v     من الذي "يصر المياه في السحب"؟ هذه أعجوبة أنه يضع شيئًا بطبيعته يفيض أن يبقي على السحاب يثبته بكلمته. لكنه يفيض بجزءٍ منه على وجه الأرض، ينضح به في الوقت المناسب. إنه لا يطلق العنان لكل رصيد المياه، إنما يكتفي بالتطهير الذي تم في أيام نوح. يبقي الله صادقاً في عهده[1097].

القديس غريغوريوس النزينزي

يقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) تفسيرًا رمزيًا، فيرى في المياه رمزًا للمعرفة، وفي السحاب الكثيف للجماعة، فإن الله هو الذي يهب الكارزين المعرفة السماوية.

إن كان بلدد ورفيقاه يدعيان الحكمة والمعرفة، فيليق بهم أن يكونوا كالسحاب الخفيف الذي يطير في السماء، ويرتفع عن التراب والأرضيات، فيتمتعوا بالحكمة السماوية والمعرفة الإلهية.

الله في عنايته الفائقة يهبنا بنعمته أن نصير سحابًا، أو مركبه إلهية، كما قال إشعياء النبي: "هوذا الرب راكب على سحابةٍ سريعةٍ (بهية)، وقادم إلى مصر" (إش 19: 1). بحلوله فينا يملأنا بمعرفته وحكمته وحبه، ويطير بنا كما إلى مصر، أي إلى قلب كل إنسانٍ لنقدم لهم الساكن فينا، الله الحب الحقيقي!

v     "يوثق المياه في سحابه الكثيف، حتى لا تنفجر إلى أسفل[1098]" [8]. بماذا يشير بالمياه في هذا الموضع سوى المعرفة، والسحاب سوى الكارزين؟ فالماء في الكتاب المقدس يُستخدم أحيانًا ليشير إلى المعرفة كما يعلمنا سليمان شاهدًا بذلك. يقول: "كلمات فم الإنسان كمياهٍ عميقة، وينابيع الحكمة كجدول ماء يتدفق" (أم 4:18). ويشهد داود النبي بأن المياه تشير إلى المعرفة، قائلاً بأن المياه القاتمة في سحاب السماء، وبالأسرار الخفية، إذ كانوا يحملون فيهم أسرارًا بلا حدود، معانيها غامضة في أعين ناظريها.

وماذا يشير اسم "السحاب" في هذه العبارة سوى إلى الكارزين القديسين، أي الرسل، الذين أُرسلوا في كل اتجاهٍ في بقاع العالم، يعرفون كيف يمطرون بالكلمات، ويبرقون بالمعجزات؟ عن هؤلاء تطلع إشعياء منذ زمنٍ طويل وقال: "من هم هؤلاء الذين يطيرون كالسحاب؟" (إش 8:60).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "أضاءت بروقه المسكونة" (مز 97: 4). هذا فرح عظيم... بروقه تضيء في كل العالم: أعداؤه يجلسون على نارٍ ويحترقون... كيف تضيء البروق؟ بأن يؤمن العالم. من أين تأتي البروق؟ من السحاب. وما هو سحاب الله؟ الكارزون بالحق... أرسل ربنا يسوع المسيح رسله ككارزين مثل السحاب. نُظروا كبشرٍ فاحتُقروا، وظهروا كسحابٍ[1099].

القديس أغسطينوس

v     الفضيلة أمر منير ومبهج، والذين يعيشون في طريقها يطيرون كالسحاب كقول إشعياء: "وكالحمام مع صغاره" (إش 60: 8). وأما الخطية فكشيءٍ ثقيل جالس كقول نبي آخر: "ثقل الرصاص" (زك 5: 8)[1100].

القديس غريغوريوس النيسي

يرى القديس باسيليوس الكبير أن كل البشر مثل السحاب دائمو الحركة، يتحركون حسبما توجههم الرياح. فمن يحركه ريح الرب ينطلق نحو السماء، ومن يترك نفسه لرياح العالم والشهوات يتحرك نحو الجحيم لدماره.

v     الناس كالسحاب، يتحركون هنا وهناك في السماء حسب تغير الرياح[1101].

القديس باسيليوس الكبير

يَحْجِبُ وَجْهَ كُرْسِيِّه،ِ

بَاسِطًا عَلَيْهِ سَحَابَهُ [9].

من محبة الله لنا ورعايته العجيبة أنه يحجب وجه عرشه، فلا نراه كما هو، لأنه كما قال: "لأن الإنسان لا يراني ويعيش" (خر 33: 20). يبسط عليه السحاب والضباب فيبدو كما في قتامٍ، إذ تعجز أعيننا عن معاينته، فنعيش بالإيمان لا بالعيان، حتى نلتقي معه وجهًا لوجهٍ في يوم الرب العظيم قدرما نحتمل.

v     وجه عرشه يُحجب، يعني أننا لا ندرك مجد ملكوته في هذه الحياة. فمع عظمته في الداخل، ينشر سحابه، لأن مجد الملكوت السماوي لا يُرى كما هو. فإن "الجسد الفاسد يحط من النفس، والخيمة الأرضية تثقل الذهن الذي يفكر في أمورٍ كثيرة" (حك 15:9). هكذا ينتشر علينا الضباب فلا نرى مجده، إذ نظلم بسحاب جهلنا. بحقٍ يقول المرتل: "الظلام تحت قدميه، وهو يركب الشاروبيم ويطير. يطير فوق أجنحة الريح، ويجعل الظلمة موضعه السرٌي" (راجع مز 9:18-11)...

لكن إن حسبنا عرشه هو القوات الملائكية، إذ يتربع على هذه القوات عينها كما على عرشٍٍ ملوكيٍ،  يرد وجه عرشه عنا، فإنه مادام لنا الجسد المائت لا ندرك عجب خدمة الملائكة وكيفيتها.

"ويبسط سحابة عليها"، إذ يرفع قلبنا ليبحث؛ ويعبر القلب بطريقة خفية، حتى أنه مع بحثه اللانهائي يرتد. هكذا مكتوب: "ينطق العمق بصوته من أجل علو تصوره" (حب 10:3).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     "طأطأ السماوات ونزل، والضباب كان تحت رجليه" (مز 18: 9). تواضع العادل، الذي انحنى إلى أسفل من أجل ضعف البشر.

"والضباب تحت رجليه". الذين أعمت شرورهم عيونهم؛ فلا يقدر هؤلاء الأشرار الذين لا يبالون إلا بالأرضيات أن يعرفوه، لأن الأرض تسقط تحت رجليه مرتبطة بموطئ القدمين.

القديس أغسطينوس

v     كل عقل حسب مقدار قامته يستنير بكمية محدودة من النور.

مار اسحق السرياني

v     وجه الله هو رسم جوهره (عب 3:1). من يشتهي وجه الله بكل قلبه، فيستطيع أن يتأمله بقلبٍ نقيٍ، ويثبت نظره عليه، يُرحم كقول الرب. مثل هذا الإنسان يستطيع أن ينطق بالكلمات التي أمامنا.

يا لعظمة ذاك الذي يرى وجه الله. ليعلمك الرب يسوع عظمته، إذ يقول: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت8:5)[1102].

القديس ديديموس الضرير

رَسَمَ حَدًّا عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ،

عِنْدَ اتِّصَالِ النُّورِ بِالظُّلْمَةِ [10].

يتطلع أيوب إلى البحار الضخمة فيرى الأنهار تنصب فيها ومع هذا لا تزيد مياهه فيطغى على الأرض، إنما تقف الرمال وهى حبات صغيرة كحاجزٍ تصده. هكذا وهب الله البحار أن تحترم الأرض فلا تطغى بمياهها على الأرض.

إن كانت مياه البحار تعرف حدودها فلا تتجاوزها، يليق بالشعوب والأمم (المياه الكثيرة) أن تحترم الغير، فلا تطغى أمة على أمةٍ، ولا إنسان على إنسانٍ.

v     بخصوص البحر، فإن كنت لا أدهش من عظمته، يلزمني أن أدهش من نبله: ما الذي يحده؟ كيف يرتفع ويهدأ حتى النهاية كمن يحترم جاره "الأرض"؟ كيف يتقبل فيه كل الأنهار، ويبقى كما هو بالرغم من فيض كيانه الضخم إن صح التعبير؟... كيف يكون حدٌَه بعنصر مثل الرمل وحده؟... "رسم حدًا على وجه المياه بوصيته" (أي 10:26 LXX)[1103].

 القديس غريغوريوس النزينزي

v     "يضع حدودًا للمياه حتى ينتهي النور والظلام" [10]. كما قلنا قبلاً يُشار في الكتاب المقدس إلى الشعوب بالمياه. يضع الرب حدودًا للمياه، إذ يعالج المعرفة البشرية، فلا تبلغ بالكمال إلى معرفة البهاء الداخلي حتى يعبر تعاقب الفصول المتغيرة.

إن كنا نفهم بالنور الأبرار، وبالظلمة الخطاة، يقول بولس: "أنتم الذين كنتم قبلاً ظلمة والآن نور" (أف 8:5)، فليس ما يمنع أن نفهم بأن المعرفة الكاملة للأبدية لا تُوهب لأحدٍ حتى تنتهي مسيرة الأبرار ومسيرة الأشرار.

البابا غريغوريوس (الكبير)

أَعْمِدَةُ السَّمَاوَاتِ تَرْتَعِدُ،

وَتَرْتَاعُ مِنْ زَجْرِهِ [11].

v     ما هي أعمدة السماء سوى الملائكة القديسين، كارزي الكنيسة الأساسيين، الذين يقوم عليهم كل العالم السماوي الذي للصرح الروحي المرتفع بلا توقف، كما يقول الكتاب المقدس في موضع آخر: "من يغلب أجعله عمودًا في هيكل إلهي" (رؤ 13:3). فمن يتأسس بثباتٍ بهدفٍ سليمٍ في الذهن في عمل الله إنما يقوم كعمودٍ في إنشاء الصرح الروحي. إذ يُوضع في هذا الهيكل الذي هو الكنيسة، يصير للنفع والزينة معًا. لكن أيوب يدعو أعمدة السماء هؤلاء الذين يدعوهم الرسول أعمدة الكنيسة، إذ يقول: "بطرس ويعقوب ويوحنا، المعتبرون أعمدة، أعطوني يمين الشركة" (غل 9:2).

ليس من غير اللائق أن نفسر "أعمدة السماء" بكونها الكنائس ذاتها. فبكونها كثيرة في العدد لكنها تقيم كنيسة كاثوليكية (جامعة) واحدة تنتشر على كل وجه الأرض. هكذا أيضًا يكتب الرسول يوحنا إلى السبع كنائس، قاصدًا الكنيسة الواحدة الجامعة مزودة بالروح الذي له نعمة في سبعة جوانب...

الآن قوات العالم السماوي ذاتها التي تراه بلا انقطاع، وهو موضوع تأملهم، صاروا في رعبٍ. لكنه ليس رعب الويل، إذ ليس هو رعب الخوف، بل رعب الدهشة. فإنه إذ جلب رعبًا عظيمًا كهذا خلال عمله العجيب، يروي لنا الآن تدبير خلاصنا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

بِقُوَّتِهِ يُزْعِجُ الْبَحْرَ،

وَبِفَهْمِهِ يَسْحَقُ رَهَبَ [12].

يرى بعض الدارسين الذين يحسبون أيوب أنه كان يعيش في أيام موسى النبي أو بعده يتحدث هنا عن عمل الله مع شعبه، حيث بقوته شق بحر سوف، وبفهمه سحق مصر، إذ كثيرًا ما استخدمت كلمة "رهب" لتعبر عن مصر (مز 87: 4 ؛ إش 51: 9).

v     "بقدرته تجمعت البحار معًا فجأة، وحكمته هزت المتكبر[1104]" [12]. بماذا يشير البحر سوى العالم الحاضر، الذي فيه تطلب قلوب البشر الأمور الأرضية، وتنتفخ بموجات الأفكار المتباينة؟ فإنها إذ تُثار بعجرفة الكبرياء ومعارضة الواحد الآخر في عبور الأمواج يحطمون أنفسهم معًا في مواجهة التيارات. ولكن "بقدرته تجمعت البحار معًا"، فإنه إذ تجسد الرب آمنت قلوب البشر العالميين المتعارضة وصارت في اتفاقٍ...

من هو الذي يُدعى هنا بالمتكبر إلا ذاك القائل: "أصعد إلى أعالي السحاب، أصير مثل العلي" (إش 14: 14)؟ قال عنه صوت الله: "الذي جعل نفسه لا يخشى أحدًا، وأقام نفسه ملكًا على كل أبناء الكبرياء". يتفق داود النبي مع هذه العبارة قائلاً: "أذللت المتكبر كمن هو مجروح" (راجع مز 10:89).

البابا غريغوريوس (الكبير)

5. الله سرّ إبداع السماء

بِنَفْخَتِهِ السَّمَاوَاتُ مُشْرِقَة،ٌ

وَيَدَاهُ أَبْدَأَتَا الْحَيَّةَ الْهَارِبَةَ [13].

جاء في ترجمة اليسوعيين "بروحه زين السماوات". فبروحه القدوس أقام السماوات وزينها بالكواكب ليلاً وبالشمس نهارًا.

يرى بعض آباء الكنيسة أن الإنسان دون الحيوانات يتطلع إلى فوق وليس إلى تحت، وقد زين روح الله القدوس السماوات، لكي يسحب بصر الإنسان إلى الأعالي ولا ينشغل بالأرضيات. لقد أقام له السماوات المنظورة غاية في الإبداع، لكي بالإيمان يتطلع إلى السماوات غير المنظورة، مترقبا سكناه الأبدي.

جاءت العبارة في بعض الترجمات "الحية الملتوية"، فإن كان الله هو خالق السماوات وواهبها هذه الزينة الرائعة، فهو أيضًا خالق الحيوانات حتى الحية التي صارت ملتوية. يرى البعض أنه يقصد هنا الحوت أو التمساح، وآخرون يرون انه يقصد "لوياثان الحية الهاربة" (إش 27: 1). فهو المبدع والصالح في عطاياه، لكنه يهب حرية الإرادة للخليقة العاقلة، فصار إبليس بإرادته الشريرة وعصيانه الحية القديمة الملتوية.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن الله الآب سحب بيده (حكمة الله المتجسد) الحية الملتوية من سلطانها، فقد نزع عنها بالصليب سلطانها، وشهر بها (كو 2: 15). هكذا بالروح القدس تطير نفوسنا كما إلى السماوات المعدة لنا بكل بهائها، وبصليب رب المجد ندوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو. يهبنا الحياة السماوية، كما يهبنا النصرة على إبليس وكل فواته.

v     "بتوليد يده جلب الحية الملتوية" [13]. من الذي يُوصف بالحية (والتنين المعاند) إلا عدونا القديم، المراوغ والملتوي، الذي تكلم بفم حية ليخدع الإنسان؟ قيل عنه بالنبي: "لوياثان، الحية الملتوية" (إش 1:27). لقد سُمح له أن يتكلم بفم حية، حتى يتعلم الإنسان بهذا من هو هذا الساكن فيها...

بيد الرب سُحبت الحية الملتوية من جحرها، حتى بالنعمة الإلهية الشافية يُطرد منا عدونا القديم الذي ملك علينا. الحق المتجسد يقول: "الآن رئيس هذا العالم يُطرد" (يو 31:12). الآن لم يعد يمتلك القديسين ممسكًا بهم، لكنه يضطهدهم بالتجارب.لأنه لا يملك فيهم داخليًا، بل يحارب ضدهم خارجيًا... لقد فقد سلطانه في الداخل، فيقيم حروبًا من الخارج.

البابا غريغوريوس (الكبير)

6. يا لغنى عظمة الله

هَا هَذِهِ أَطْرَافُ طُرُقِهِ،

وَمَا أَخْفَضَ الْكَلاَمَ الَّذِي نَسْمَعُهُ مِنْهُ!

وَأَمَّا رَعْدُ جَبَرُوتِهِ فَمَنْ يَفْهَمُ؟ [14]

يختم أيوب حديثه هنا معترفًا بحب لله للإنسان حيث يكشف "أطراف طرقه" أو نصيبًا من حكمته وقدرته وخطته قدر ما يستطيع الإنسان أن يحتمل أو يدرك. لكن مهما نلنا من معرفة لأسرار الله تُحسب قليل القليل مما يريد أن يعلنه لنا. إننا نسمع همسًا خفيفا من كلامه. "ما أخفض الكلام الذي نسمعه منه!" إننا لا نزال "نعلم بعض العلم، ونتنبأ بعض التنبوء" (1 كو 12: 9). إننا نتغنى مع الرسول بولس قائلين: "ما أبعد أحكامه عن الفحص، وطرقه عن الاستقصاء" (رو 11: 33). يستحيل علينا ونحن بعد في هذا العالم أن نبلغ إلى أعماق معرفة الله وحكمته، فإننا نراه كما في مرآة، في لغز، حتى نلتقي به وجهًا لوجه في الحياة العتيدة (1 كو 13: 13). هكذا القليل الذي نناله يُحسب كرعدٍ عظيمٍ ومهوبٍ للغاية، "وأما رعد جبروته، فمن يفهم؟"

يرى القديس أمبروسيوس أن الله إذ يتكلم يرعد، لأن الإنسان في عجزه عن إدراك أسرار الله يقف في دهشة أمام الحديث الإلهي كمن أمام رعدٍ لا يُدرك سره.

v     إنه لائق جدًا أن يؤسس (المسيح) رعود بمجيئه، أعني قوة الأسفار المقدسة السماوية وصوتها وذلك كنوعٍ من الرعد. بمعني أن أذهاننا تُصاب بدهشة، فتعلم أننا نخشى المنطوقات السماوية ونهابها جدًا.

أخيرًا ففي الإنجيل دُُعي إخوة الرب "ابني الرعد"، وعندما نطق صوت الآب قائلاً للابن: "مجدت، وأمجد أيضًا" (يو 12: 28)، قال اليهود: "قد حدث رعد". فمع عجزهم عن نوال نعمة الحق إلا أنهم اعترفوا لاإراديًا، ونطقوا بغير معرفة بسرٍّ الشهادة العظمي للآب عن الابن. في سفر أيوب أيضًا يقول الكتاب: "من يعرف متى يصنع قوة رعده" (أي 26: 14 LXX )[1105].

القديس أمبروسيوس

v     يراه البشر قدرما يموتون عن هذه العالم، وقدرما يعيشون له لا يرونه. وبالرغم من أن هذا النور يبدأ يظهر بوضوح، ليس فقط بأكثر إمكانية لرؤيته بل وبأكثر بهجة، إلا أنه يُرى كما في مرآة غامقة (لغز). فنقول أننا نراه لأننا نسلك بالإيمان لا بالعيان، بينما نحن نجول في هذا العالم كغرباء حتى وإن كانت محادثتنا في السماء (1 كو 12:13؛ 2 كو 7:5). في هذه المرحلة يغسل الإنسان عيني عواطفه ليرى أنه لم يضع قريبه أمامه... لأنه بالحق لم يحبه بعد كنفسه[1106].

v     هذه الرؤية محفوظة كمكافأة لإيماننا، يقول عنها الرسول يوحنا: "إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو" (1 يو 2:3). نفهم "وجه" الله "إعلانه"، ليس جزءً من الجسد مشابهًا للذي في أجسادنا وندعوه بهذا الاسم[1107].

القديس أغسطينوس

v     "هوذا هذه الأمور يُنطق بها عن طرقه جزئيًا، وإذ نحن بالكاد نسمع قطرة صغيرة من كلماته، من يقدر أن يتطلع إلى رعد عظمته؟[1108]" [14] ماذا يعني هنا بتحديد طرقه إلا طرق الرب للعمل؟ هكذا أيضًا يقول الرب بالنبي: "الآن طرقي ليست كطرقكم" (إش 8:55). لهذا إذ يخبر عن مجيء الرب يصف طرق الله جزئيًا. وسيلته في العمل التي بها خلقنا تختلف عن تلك التي بها خلصنا. هكذا أخبرنا عن تلك الأمور الخاصة بطريق الرب للعمل، (كاشفًا) عنها بمقارنتها بالدينونة الأخيرة. يقول: "هوذا هذه الأمور يُنطق بها عن طرقه جزئيًا" هذه أيضًا دعاها "قطرة صغيرة من كلماته"، فإننا بالتأمل فيه ونحن في هذه الحياة نتعرف على علوه ورهبته...

"من يقدر أن يتطلع إلى رعد عظمته؟" [14] إنه كمن يعبِّر عن نفسه بكلمات صريحة: إن كنا بالكاد نحتمل عجائب تواضعه، فبأية جسارة نواجه مجيء (أو ظهور) جلاله المرتفع والمهوب؟ رعد مجيئه هذا يصفه المرتل أيضًا، قائلاً: "إلهنا يأتي في قوة، إلهنا لا يصمت، نار تلتهم أمامه، وعاصف قدير حوله" (مز 3:50).

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     نعرف أنفسنا خلال الانعكاس كما في مرآة. إننا قدر ما نستطيع نتأمل العلة الخالق خلال العنصر الإلهي فينا[1109].

القديس إكليمنضس السكندري

 

من وحي أيوب 26

أعمالك تشهد عن عظمتك ومحبتك!

 

v     أعمالك يا أيها القدير محب البشر تشهد لك.

لم تُقِمْ هذا العالم المبدع لتستعرض قدرتك،

لكن لتحتضن كل إنسانٍ بأعمال محبتك.

هب ليّ كابن لك ألا انشغل باللاهوتيات في جفاف.

لكن أطلب الشركة معك، فيتسع قلبي بالحب لكل البشر!

هب ليّ ألاّ انتقد أحدًا،

بل تئن أعماقي على ضعفيّ، وتترفق بضعفات اخوتي.

لألتصق بك فأحب كل إنسانٍ!

 

v     لأعمل بك ومع نعمتك، فأحمل روح التواضع.

أعمل، بل تعمل أنت فيّ،

فلا أعرف الخمول أو عدم المبالاة،

ولا أعرف التشامخ والكبرياء والبرّ الذاتي.

لأصرخ مع رسولك العجيب بولس:

"الخطاة الذين أولهم أنا".

 

v     هب ليّ الحكمة النازلة من فوق،

فلا استعرض أحاديث فلسفية جافة،

ولا أقدم مشورة في غير أوانها،

ولا استخف بمن أتحدث معه!

هب ليّ روح التمييز، فأسلك كما يليق.

أحمل روح الرجاء إلى كل نفسٍ مجَّربة.

أقدم تعزياتك لكل قلبٍ مجروحٍ.

أعرف كيف أكون حازمًا مع حب صادق،

ومحبٍ مع عدم تهاون.

هب ليّ ما وهبته لرسولك بولس:

غيرة متقدة، ونفسًا تحتمل الآلام، مع حكمة ومعرفة!

 

v     من أجلي خلقت هذه المحيطات،

ومع جبروتها وجبروت المخلوقات التي فيها،

حبات الرمل تصدها عن غزو الأرض التي أسكنها.

وضعت للبحار حدودها برمال صغيرة وضعيفة!

 

v     أنت ضابط الكل!

لك سلطان على الحيوانات الشرسة وسط البحار،

لك سلطان على إبليس والهاوية.

كل شيءٍ عريان أمامك،

فلماذا أخاف وأنت راعيَّ المحب؟

ما أخشاه هو إهمالي وعدم اكتراثي برعايتك!

 

v     من أجلي خلقت الكرة الأرضية وثبَّتها،

هذه التي تبدو كأنها معلقة على لا شيء،

لكنها محفوظة برعايتك الإلهية.

بحكمة تحتفظ المياه كسحابٍ متحرك،

فيصير مطرًا لخيرنا.

 

v     هب ليّ أن أصير كسحابٍ خفيفٍ متحركٍ بالحب،

تمطر أعماقي بأمطار حكمتك فترويّ الكثيرين.

 

v     محبتك سمحت بالضباب حولك.

لئلا نراك ونحن في الجسد الترابي فنموت.

لكن وعدتنا أننا نراك وجهًا لوجه.

متى يتحقق هذا اللقاء العجيب؟

 

v     تعرف البحار التي تصب فيها الأنهار مياهها حدودها،

فتحترم جارتها أي اليابس.

هب للشعوب والأمم أن يحترم الكل جيرانه،

ويعرف حدوده!

 

v     لتقم من خدامك أعمدة للفرح السماوي الروحي.

فيشهدون لأعمالك العجيبة المهوبة.

يكرزون بالخلاص الذي لك.

عبرت بشعبك البحر الأحمر،

وسحقت فرعون وجيشه!

لتعبر بنا إلى ملكوتك،

ولتحطم رؤوس التنين في مياه المعمودية!

 

v     مددت يدك على الصليب،

وحطمت الحية القاتلة، عدونا القديم!

طردتها من قلوبنا لترد مسكنك يا أيها القدوس.

 

v     أشرق بنورك فيّ،

فالهج في أعمال حبك الفائق.

لترعد في داخلي، فأتمتع بأسرارك!

<<

 


 

اَلأَصْحَاحُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ

أيوب يؤكد براءته

بعد أن رد أيوب في الأصحاح السابق على بلدد، مؤكدًا له أنه لم يقدم شيئًا ذا نفع له، وأن بلدد ترك الموضوع الرئيسي ليتحدث عن عظمة الله وعدم إمكانية تبرير الإنسان أمامه، فجاء أيوب بدلائل أقوى وفي بلاغة أعظم، يبدو أن أصدقاء أيوب الثلاثة تعبوا من الكلام، فتركوا له المجال ليتكلم كيفما شاء. لقد ألقوا أسلحتهم جانبًا، وكفوا عن الكلام، كمن خرجوا من المعركة، إما لأنهم اقتنعوا أن أيوب على صواب، أو يئسوا من تقديم دلائل على أنه شرير.

كنا نتوقع أن يبدأ صوفر دوره في المباحثة الثالثة، لكنه صمت، فانطلق أيوب يتحدث. يكرر أيوب تأكيد براءته (1:27-6)، وينكر ثانية التهم التي وجهها أصحابه ضده سواء بالتلميح أو صراحة، وهو يقسم بالله الذي نزع حقه، ثم يتكلم أيوب عن نهـاية الشرير (7:27-23).

والآن وبدون إنذارٍ يظهر أيوب كمؤمنٍ غيورٍ بنفس اعتقاد أصحابه إن الشر هو سبب النكبة! وأن المرائي سوف يتبين أخيرًا إنه قد خُدع، لأن الله سوف يسلب نفسه، ولن يكون له رجاء عندئذ، وصلاته لن تستجاب، وسوف يحل به الضيق بالتأكيد، وبالنسبة للأشرار فقد اتفق مع أصحابه أن الله سوف يحاسبهم، ولكنه اختلف معهم بأن القصاص لا يحل عليهم سريعًا، بل تتأخر بعض الوقت، ولكن الدمار سوف يلاحقهم هم وأولادهم.

1.البرهنة على نزاهته                        1-2.

2.فزعه من اتهامه بالرياء                    7-10.

3.معاقبة الأشرار بالرغم من نجاحهم         11-23.

1. البرهنة على نزاهته

وَعَادَ أَيُّوبُ يَنْطِقُ بِمَثَلِهِ فَقَالَ: [1]

حَيٌّ هُوَ اللهُ الَّذِي نَزَعَ حَقِّي،

وَالْقَدِيرُ الَّذِي أَمَرَّ نَفْسِي [2]

يرى البعض أن كلمة "بمَثَلِه" هي التي استخدمت كعنوان لسفر أمثال سليمان، لأنه مملوء بالتعاليم. الآن يتكلم أيوب كما بأمثالٍ، بسلطانٍ، كمن انتصر على خصومه. يتكلم كمن ينهي الحوار مقدمًا القسم: "حي هو الله"، لأن "نهاية كل مشاجرة هي القسم" (عب 6: 16). يقسم أيوب ليثبت كماله واستقامته، ويعلن براءته من الاتهامات الموجهة ضده.

يقسم بالله الحي، بكونه القاضي الوحيد صاحب السلطان المطلق، والعارف بأعماق القلب والأفكار الداخلية، فحكمه صادق وحق.

"الذي نزع حقي"، أي رفض أن ينصفه في المناقشة، ويظهر براءته ويدافع عنه، وقد سبق أن وبخه أليهو على هذا (أي 24: 5) ؛ لأن الله عادل في كل طرقه، ولا يمكن أن ينزع حق إنسانٍ ما.

"والقدير الذي أمر نفسي"؛ بلا شك كان أيوب يدرك أن الله القدير هو أيضًا المحب الحنون والحكيم. فمع قدرته فيه أبوة مترفقة وبحكمةٍ يختار الوقت اللائق لتبرئة مؤمنيه وتقديم تعزيات لهم، لكن في لحظات ضعفه نطق بهذا. يصدر هذا الاتهام عن الإنسان بسبب عدم قدرته على انتظار الوقت المناسب لدفاع الله عنه ومساندته. ليس هو الذي يمرر نفوسنا، لكن عدم صبرنا وعجزنا عن إدراك حب الله وحكمته يسبب لنا هذه المرارة.

إن كان عدو الخير لا يكف عن أن يطلب أن يجرب البشر بظلمٍ وفي غير مبالاةٍ، إذ بإرادته الشريرة يود هلاكهم، فإن الله بإرادته الصالحة يسمح للبشر أن يُجربوا في اهتمام من جانبه نحوهم لتزكيتهم أو تبريرهم أو لتنقيتهم ونموهم الروحي وتمتعهم بالمجد. لهذا وإن كان الشيطان يبذل كل الجهد ليجرب المؤمن، فالمؤمن الواثق من رعاية الله له يحسب أنه يُجرب بسماح إلهي لبنيانه.

v     "حي هو الله الذي ينزع حكمي، والقدير الذي يحضر نفسي إلى المر" [2]. بهذه الكلمات عينها يخبرنا أيوب عن ظروفه، ويقدم لنا صورة للكنيسة وهي تحت الضيق، إذ تحيط بها جسارة عدم المؤمنين وتتقاذفها مرارة المضطهدين. تُجرب الكنيسة من خصومها بطريقين: تُضطهد إما بالكلام أو بالسيوف. الآن تهدف الكنيسة المقدسة بجهادها العظيم نحو اقتناء الحكمة والصبر. تمارس الحكمة عندما تُجرب بالكلام، وتمارس الصبر عندما تُجرب بالسيوف.

على أي الأحوال يتحدث الآن عن ذاك الاضطهاد الذي يُثار لا بالسيوف، بل بالعبارات الباطلة. نحن نعرف أن البعض في مواجهته لأمرٍ غير لائقٍ ينكرون وجود الله، والبعض يؤمنون بوجود الله، لكنهم يحسبونه أنه لا يهتم بشئون البشر.

عن الأولين قال داود: "قال الجاهل في قلبه: لا إله" (مز 1:14). وأما عن الأخيرين فيقول: "كيف يعرف الله؟ هل من معرفةٍ لدى العلي؟" وأيضًا: "يقولون الرب لا يرى، ولا يبالي إله يعقوب" (مز 7:94).

هكذا فإن هذا الشخص الذي حمل رمز الكنيسة المقدسة، إذ كان في وسط مرارة حزنه أجاب على الفريقين. فكما أن الحياة لها وجود، والموت ليس له وجود، يجاهر بأن الله موجود يقول: "حي هو الله"، وهكذا يخبر أيضًا أن الله مهتم بشئون القابلين للموت، فيضيف: "الذي ينزع حكمي، ويحضر نفسي للمرّ". فإنه يشهد بأن ما يعاني منه من شرورٍ لم يحدث مصادفة، وإنما بالله الذي يأمر بكل الأشياء، ولا ينسب أيوب قوة مرارته إلى مجربه بل إلى خالقه...

إرادة الشيطان شريرة، لكن إذ يسمح الله بها، فإن قوته عادلة. فمن جهته (الشيطان) يطلب أن يجرب البشر ظلمًا بغير اكتراثٍ، أما المطلوبون أن يُجربوا، فإنهم إذ يُطلبوا هكذا لا يسمح لهم الله أن يجربوا إلا بعدلٍ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     ينبغي علينا أن نعرف أن البشر جميعًا يجرّبون لأسباب ثلاثة:

 (أ) غالبًا لأجل اختبارهم (تزكيتهم).

(ب) وأحيانًا لأجل إصلاحهم.

(ج) وفى بعض الحالات بسبب خطاياهم.

1- فمن أجل اختبارهم، كما نقرأ عن الطوباويين إبراهيم وأيوب وكثير من القديسين الذين تحملوا تجارب بلا حصر.

2- ومن أجل الإصلاح، وذلك عندما يؤدب أبراره من أجل خطاياهم البسيطة (اللاإرادية) والهفوات، ولكي ما يسمو بهم إلى حالٍ أعظم من النقاء، منقيًا إياهم من الأفكار الدنسة، وذلك كالقول: "كثيرة هي بلايا الصديق" (مز19:34)، "يا ابني لا تحتقر تأديب الرب ولا تَخُرْ إذا وبَّخك. لأن الذي يحبُّهُ الربُّ يُؤَدّبهُ ويجلد كل ابنٍ يقبلهُ فأيُّ ابنٍ لا يؤَدبهُ أبوهُ؟ ولكن إن كنتم بلا تأْديبٍ قد صار الجميع شركاءَ فيهِ فأنتم نغول (أي أولاد زنا) لا بنون" (عب 5:12-8). وفى سفر الرؤيا: "إني كلُّ من أحبهُ أوبّخهُ وأؤَدّبهُ" (رؤ19:3). ويصلي داود من أجل عطية التطهير هذه قائلاً: "جرّبني يا ربُّ وامتحنّي. صفِّ كليتيَّ وقلبي" (مز2:26). وإذ يعلم النبي قيمة هذه التجارب يقول: "أدِّبنْي يا رب ولكن بالحق لا بغضبك" (إر24:10)، وأيضًا "أحمدك يا رب لأنه إذ غضبت عليّ ارتد غضبك فتعزيني" (إش1:12).

3- كعقابٍ من أجل الخطية، وذلك كما هدّد الله بأن يُرسل أوبئة على بني إسرائيل بسبب لشرهم "أرسل فيهم أنياب الوحوش مع حُمَة زواحف الأرض" (تث24:32). وأيضًا في المزامير: "كثيرة هي نكبات الشرير" (مز10:32)، وفى الإنجيل جاء: "ها أنت قد بَرِئْت. فلا تخطئْ أيضًا لئَلاَّ يكون لك أَشَرُّ" (يو14:5).

4- بالحقيقة أيضًا نجد سببًا رابعًا ذكره الكتاب المقدس، وهو أن الأتعاب تُجلب علينا ببساطة من أجل إظهار مجد الله وأعماله، وذلك كقول الإنجيل: "لا هذا أخطأَ ولا أبواهُ، لكن لتظهر أعمال الله فيهِ" (يو3:9). وأيضًا: "هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله بهِ" (يو4:11).

5- وهناك أنواع أخرى للنقمات التي يُبتلي بها الذين  تجاوزوا رباطات الشر في حياتهم (وبالغوا فيه)، إذ نقرأ عن داثان وأبيرام وقورح الذين عوقبوا، وعن الذين يقول عنهم الرسول: "أسلمهم إلى أهواءِ الهوان إلى ذهنٍ مرفوضٍ" (رو 26:1، 28). وهذه تعتبر أمرّ كل العقابات، لأنهم صاروا غير مستأهلين لأن يشفوا بالافتقاد الإلهي واهب الحياة، إذ "هم قد فقدوا الحسَّ أسلموا نفوسهم للدعارة ليعملوا كل نجاسةٍ في الطمع" (أف19:4). وبسبب قسوة قلوبهم والتمادي في عاداتهم وفعلهم للشر قد صار لهم عقاب في هذا العالم من غير تطهيرٍ. وتعيّرهم الكلمة المقدسة التي نطق بها النبي قائلاً: "قلبتُ بعضكم كما قلب الله سدوم وعمورة فصرتم كشعلةٍ مُنتَشَلة من الحريق فلم ترجعوا إليَّ يقول الرب" (عا 11:4). ويقول ارميا: "أثكل وأبيد شعبي. ولم يرجعوا عن طرقهم" (إر 7:15). وأيضًا "ضربتهم فلم يتوجعوا. أفنيتهم وأبوا قبول التأديب. صلَّبوا وجوههم أكثر من الصخر. أبوا الرجوع" (إر3:5). فيرى النبي أن كل أدوية هذه الحياة لم تُوجدِ نفعًا لشفائهم، معلنًا أنه قد يئس من حياتهم، قائلاً: "احترق المِنفاخ من النار، فني الرصاص. باطلاً صاغ الصائغ والأشرار لا يُفرَزون. فضةً مرفوضةً يُدعَون. لأن الرب قد رفضهم" (إر 29:6، 30).

ينوح الله عليهم لأنه قدّم لهم التطهير بالنار فلم ينتفعوا، متصلبين في خطاياهم. فيبكيهم في شخص أورشليم التي تغلفت بالصدأ إذ يقول: "ضعها فارغةً على الجمر ليحمي نحاسها ويُحرَق، فيذوب قذرها فيها، ويفنى زنجارها. بمشقَّاتٍ تعبت، ولم تخرج منها كثرة زنجارها. في النار زنجارها. في نجاستكِ رذيلة لأني طهَّرتكِ فلم تطهري، ولن تطهري بعدُ من نجاستكِ" (حز11:24 13).

إنه يشبه الطبيب الحاذق الذي استخدم كل وسائل الشفاء ولم يعد بعد هناك علاج يمكن أن يُستخدم... لذلك يقول الله: "وأُحِلَّ غضبي بكِ فتنصرف غيرتي عنكِ فأسكن ولا أغضب بعدُ" (حز 42:16)[1110].

الأب ثيؤدور

v     عندما يريد الله أن ينصر الإنسان ويعَّظمه، يسلمه أولاً إلى الشر (التجارب) ليُختبر ويُفحص، ثم يظهر جماله للعالم بالحسنات التي يعملها الله معه.

لما أراد الله أن ينصر يوسف ويجعله سيدًا على مصر كما ترى قداستك، ماذا كانت بداية عمله ليفضي إلى نهاية صالحة؟ أولاً قبض عليه إخوته، وأهانوه، واستهزأوا به، ونزعوا ثيابه، وأبقوه في الجب، وقطعوا رجاءه، وباعوه للتجار، وصار عبدًا يخدم الأرباب، وأستعبد ابن الأحرار الحسن الذي لم يقترف سوءً.

من كان يرى هذا العمل السيئ لم يكن بوسعه أن يظن أن كل هذه الشرور كانت تُرتكب لصالح يوسف. أما الله الذي كان يعلم ماذا يريد أن يصنع له، فلم يشفق عليه عندما كان يرزأ تحت وطأة كل هذه الشرور، لكنه تركه يسقط في الجب، ويُباع للتجار، وُيزج به في السجن ظلمًا. بعد هذه كلها أشرق جماله كالشمس، وظهر حقه كالذهب، وزالت شروره كالدخان، واعتلى قمة المركبة كالملك، وقام في العظمة التي من أجلها وضعه الله بحيث يتواضع فيرتفع[1111].

القديس مار يعقوب السروجي

إِنَّهُ مَادَامَتْ نَسَمَتِي فِيَّ،

وَنَفْخَةُ اللهِ فِي أَنْفِي [3]

يعلن أيوب باسم كل مؤمنٍ جادٍ في حياته الروحية العزيمة الصادقة على الحياة المقدسة ورفض كل خطية. مادامت هناك نسمة حياة لن ننطق بكلمة غير لائقة. كان أيوب يدرك أن حياته نسمات سريعة، أو هي لحظات، فيلزمه أن يبقى أمينًا حتى النسمة الأخيرة.

من جانب آخر يدرك أيوب أن نسمات حياته هي عطية من الله الذي نفخ في آدم أبيه نسمة حياة، فالله هو الذي يعطى الجميع حياة ونفسًا وكل شيءٍ (17: 25)، لذا يليق بنا أن نمجده في كل شيء مادامت فينا نسمة حياة.

يعلق القديس أمبروسيوس على تعبير أيوب "نفخة الله في أنفي"، قائلاً بأنه لا يقصد الأنف الجسماني، لكن أنف الإنسان الداخلي الذي يتنسم رائحة الحياة الأبدية[1112].

v     بالتأكيد لا يعني هنا بروحه (نسمة الله) النسمة الحية والنسمة الجسدانية العابرة، بل يعني أنف الإنسان الداخلي الذي فيه يشتَّم العبير الزكي للحياة الأبدية، وندى نعمة المسحة السماوية كحاسة من نوعٍ مضاعفٍ[1113].

 القديس أمبروسيوس

روح الله القدوس الذي يجدد إنساننا الداخلي يسحب كل كياننا لنتمتع بالله السماوي، فنتهلل برائحته الإلهية السماوية. يتنسم الله في أولاده المحبوبين لديه رائحة رضا ومسرة (تك 8: 21) كما حدث بعد الطوفان حين قدم نوح ذبيحة لله، ويناجي السيد المسيح عروسه "رائحة أنفك كالتفاح" (نش 7: 8)؛ وهكذا نحن أيضًا نتنسم في مسيحنا رائحة الحياة الأبدية.

v     لا يمكن لروح الله أن يسكن في أي شخص يسلك حسب الجسديات[1114].

الأب أمبروسياتير

لَنْ تَتَكَلَّمَ شَفَتَايَ إِثْمًا،

وَلاَ يَلْفِظَ لِسَانِي بِغِشٍّ [4].

للبابا غريغوريوس (الكبير) تعليق عجيب على هذه العبارة إذ يقول بأن أيوب لم يقل: "لن أفكر في الإثم"، بل "لن تتكلم شفتاى إثمًا لأن النطق بالإثم أهون من الفكر، فكثيرًا ما تفلت كلمات من أفواهنا بغير إرادتنا، لكن بالنسبة لأفكارنا فإنها غالبًا ما تكون موضوع انشغال شرير وأثيم. لقد عزم أيوب ألا تتفوه شفتاه بكلمة أثيمةٍ، ولا يلفظ لسانه بكذبٍ، فهو ينطق بالحق، حتى ولو كان فيه إدانة لنفسه. لا يتستر على خطيةٍ ما في حياته بكلمة خداعٍ؛ بمعنى آخر ليس للرياء موضع في حياته وفي كلماته.

v     يوجد فارق شاسع بين تعبير "يتكلم" وتعبير "يتأمل أو يفكر". أحيانًا التفكير الباطل يكون أشر من النطق به. فإنه غالبًا إذ يتكلم الشخص يحدث الخطأ عفوًا، أما التفكير فيحمل شرًا مبيتًا!

البابا غريغوريوس (الكبير)

حَاشَا لِي أَنْ أُبَرِّرَكُمْ!

حَتَّى أُسْلِمَ الرُّوحَ لاَ أَعْزِلُ كَمَالِي عَنِّي [5].

في صراحة أيضًا لم يكن أيوب مستعدًا أن يداهن أصدقاءه بكلمة غشٍ لكي يكسبهم على حساب نقاوة قلبه، فهو لا ينطق بغير ما يحمله في داخله. وكما يقول الرسول بولس: "لأننا نثق أن لنا ضميرًا صالحًا، راغبين أن نتصرف حسنًا في كل شيء" (عب 13: 18). لقد هاجم حزقيال النبي الأنبياء الكذبة، لأنهم من أجل المكسب المادي أو الاجتماعي كانوا يداهنون الأشرار، قائلين: "سلام، وليس سلام " (حز 13: 10)، أو كما يقول إشعياء النبي عنهم إنهم كلمونا بالناعمات (إش 30: 10).

v     لم يكن ممكنًا لأيوب أن يداهن أصحابه، ويبرر أخطاءهم، فقد وضع موته نصب عينيه، ولا يود أن يرحل من هذا العالم فاقدًا براءته، مهما كان الثمن.

إنه يفقد براءته إن حسب الأشرار صالحين، كما يشهد سليمان القائل: "من يبرر الشرير ويدين البار، كلاهما مكرهة عند الرب" (أم 15:17). إذ يوجد أشخاص يمجدون الأعمال الشريرة للناس، يمجدون ما كان يجب أن يوبخوه. هكذا قيل بالنبي: "ويل للذين يخيطون وسائد تحت "كوع" اليد، "ويصنعون وسائد تحت رأس كل قامةٍٍ" (راجع حز 18:13) فإن الوسادة توضع هناك لكي نستريح بأكثر سهولة. فمن يتملق أشخاصًا يمارسون خطأ ويضعون وسائد تحت رأس أو كوع شخصٍ راقدٍ!

البابا غريغوريوس (الكبير)

لقد فضل أيوب أن يموت متمسكًا بكماله عن أن يداهن الأشرار، إذ "ويل للقائلين للشر خيرًا وللخير شرًا، الجاعلين الظلام نورًا والنور ظلامًا، الجاعلين المر حلوًا والحلو مرًا" (إش 5: 20).

تَمَسَّكْتُ بِبِرِّي، وَلاَ أَرْخِيهِ.

قَلْبِي لاَ يُعَيِّرُ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِي [6].

يؤكد لهم أيوب أن انتقاداتهم المرة له لن تهز أعماقه، فهو عالم بما في قلبه من حب الله، وعزيمة قوية على ممارسة الصلاح، وأن فرحه الداخلي بهذه الحياة لن يستطيع أحد أن ينزعه منه. إن كانوا يعيرونه ظلمًا، فإنه لن يسمح لقلبه أن يعيره. ما يشغله ليس انتقادات الناس له، بل نقاوة قلبه. عندما أخطا داود النبي ضربه قلبه، "فقال داود للرب: لقد أخطأت جدًا في ما فعلت، والآن يا رب أزل إثم عبدك، لأني انحمقت جدًا" (2 صم 24: 10). فما يشكو علينا هو قلبنا الذي يعمل فيه روح الله القدوس مبكتًا إيانا على خطية.

v     "لا أترك برِّي الذي بدأت أتمسك به" [6]. فإنه إن قام أحد بمدح أشخاصٍ يرتكبون الخطية يترك برّه الذي بدأ به....

"فإنه لا يوبخني قلبي في كل حياتي" [6]. كأنه يعبِّر عن نفسه بكلمات واضحة: "ضع في حسبانك أنه يلزمني ألا أنسحب في إثمٍ، كما أنني أخشى أن أرتكب خطية في شئوني... ربما يسأل أحد: على أي أساس يعلن أنه لا يوبخه قلبه، مع أنه اتهم نفسه قبلاً أنه قد أخطأ، قائلاً: "إني مخطئ، ماذا أفعل معك يا حافظ البشر؟" (أي 20:7). أو يؤكد: "إن كنت أبرر نفسي، ففمي يدينني" (أي 20:9). يلزم أن نعرف أنه توجد خطايا يمكن للأبرار أن يتجنبوها، وتوجد بعض خطايا لا يمكن حتى للأبرار أن يتجنبوها. أي قلب لإنسانٍ مرتبط بالجسد الفاسد لا ينزلق في فكرٍ يميل نحو الشر، حتى وإن كان لا يندفع في حفرة الموافقة عليه؟ ومع هذا فإن التفكير بهذا الفكر الخاطئ هو ارتكاب خطية. لكن إن وُجدت مقاومة للفكر، فإن النفس تتحرر من الارتباك. وهكذا فإن ذهب البار، وإن كان متحررًا من الممارسة الشريرة إلا أنه أحيانًا يسقط في فكرٍ شريرٍ...

البابا غريغوريوس (الكبير)

v     بالرغم من أن خدام الله وأصدقاءه يتجنبون الخطايا التي للموت، ويمارسون أعمالاً صالحة كثيرة إلا أننا لا نعتقد أنهم بلا خطايا تافهة، فإن الله لا يكذب حيث يقول: "ليس طفل حياته يوم واحد على الأرض بلا خطية"(أي 4:14-5 LXX).. أضف إلى هذا الطوباوي يوحنا الإنجيلي الذي بلا شك ليس بأقل من يعقوب في استحقاقه، يعلن: "إن قلنا أننا بلا خطية، نضل أنفسنا والحق ليس فينا" (1 يو  8:1). علاوة على هذا، نقرأ في موضع آخر: "الصديق يسقط سبع مرات ويقوم" (أم 16:24)[1115].

الأب قيصريوس أسقف آرل

2. فزعه من اتهامه بالرياء

لِيَكُنْ عَدُوِّي كَالشِّرِّيرِ،

وَمُعَانِدِي كَفَاعِلِ الشَّرِّ [7].