مراثي اللات والعزّى

ومناة الثالثة الأخرى

حقوق الطبع والنشر والتوزيع محفوظة للمؤلف

ا                   لطبعة الأولى: 2001

مدخل تعريفي:

»مراثي اللات والعزّى... ومناة الثالثة الأخرى«، عمل »غير تقليدي« في شكله ومضمونه: كُتب على مدى أربع سنوات من أفكار سامة كانت تهرب إلى الرأس في أوقات غير سهلة. ثم أُضيف إليها مقدمتان لكتابي »الهاجريون« و»يوم انحدر الجمل من السقيفة«، وجدنا أنها أكثر انسجاماً مع »المراثي« من غيرها. وآثرنا ألا نعدّل أو نغيّر شيئاً – كل فكرة تصبح ملك اللحظة، واللحظة هي جزء من أبدية؛ حتى وإن تكرّرت بضع أفكار بين صفحة وأخرى.

نبيل فياض

هناك أوثان في هذا العالم

أكثر من الحقائق     نيتشه

1

لا أحد يجرؤ على طرق باب الإله الأعظم عبر شفاعة لات أو عزّى. لا أحد يستطيع إغضاب أناه العليا، إلهه، عبر تملّق غرور أوثان صغيرة يعتقد الجميع خطأً - للأسف - أنّها انتهت. فتلك الأحجار بالذات، التي اعتُقد ذات  ليلة أنّ روح القداسة قد نُزعت عنها: تلك الأحجار بالذات، التي هي بقايا لات وعزّى، عادوا ليبنوا منها أوثاناً أكثر قداسة من أي لات وعزّى - وأوثق سيطرة. كان المرء يعبد لات وعزّى، يصنع لهما أصناماً من مواد متنوعة، متعددة الأصول: لكن قداسة لاته وعزّاه لم تحل بينه وبين تلذّذه بطعمهما حين كانا يُصنعان من التمر - خلو المخيّلة من الصنم أسهل

كثيراً من خلو المعدة من الطعام. أوثاننا الحاليّة أصعب من أن تهضم، أقسى من أن تمضغ، أقزز من أن توضع في الفم، وأقدس من أن تمس.

 واعزاه!!! ولاتاه!!! 

2

كم يبدو تحطيم الأوثان صعباً!! ونحن لا نفكّر أصلاً بفعل أي شيء في سبيل تحطيمها: لا يهمّنا ذلك، لا من قريب ولا من بعيد؛ لأن كتاباتنا تصبّ جذريّاً في جدول الذاتيّة المتدفّق من نبع الفرديّة الأنانيّة. نحن لا نفكّر إلاّ بسحق أوثاننا الذاتيّة وتبديد مكوناتها حتى لاتُشكّل منها أوثان جديدة. نحن لا نهتم بالآخر كثيراً: سواء إن كان هذا الآخر يوافقنا آراءنا أو يخالفنا فيها‍‍‍‍. نحن لا نهتم إلاّ بأنفسنا أوّلاً وأخيراً. والباقون؟ لا ريب أنّنا سنفرح بخجل حين نجد الآخر وقد أمسك بفأس أو مطرقة وراح يحطّم أصنامه الخاصّة. سنفرح باعتدال ‍. لكننا لن نحزن أبداً إذا ما رأينا الأوثان منتشرة في كلّ مكان - كما هي عليه الحال الآن . ففهمنا لحريّة الآخر التي لا حدّ لها سوى العدوان على حرّيتي الخاصة يتضمّن عدم رفضنا لحريّة هذا الآخر  في عبادة أوثانه الخاصّة، شريطة أن لا يفرض عبادته علينا.

لم نتبع أحداً ولم نوثن كائناً أو مفهوماً. وحين يرفض أحدهم أن يكون تابعاً أو وثنياً، فهذا لا يعني أنّه يتبعنا أو يوثّننا: إنّه فقط يشاركنا رأياً - ونحن غير مغرمين بذلك كثيراً.

»دعوا الموتى يدفنون موتاهم«.

3

ما أصعب تحطيم الأوثان ‍‍؟

ما أصعب أن يمسك المرء بمطرقة ويهشّم أوثانه حتى السحق ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.

ليس الوثن شيئاً متخارجاً عن الذات؛ فرغم وجوده ظاهرياً خارج الأنا، إلاّ أنّه متجذّر  في كلّ خلاياها بحكم الواقع. »وثن الأنا هو جزء من الأنا«. وحين تقوم الأنا بتكسير أوثانها، فهي إنّما تكسر أناها - تطحنها، تمزّقها، ترمي بأشلائها في كل الأمكنة. وحدها الأنا العظيمة، الأنا الفائقة، الأنا التي تنظر إلى كل ما هو خارجها باحتقار وتقيؤ، يمكنها لملمة شمل أناها ومداواة جروحها والعودة إلى القمّة بأشمخ دائماً بعد ان تحطّم أوثانها وتبدد أشلاءها.

لا تطلبوا من الأنا الضعيفة أن تحطّم أوثانها.- وثنها مصدر حافزها لأن تكون: مصدر وجودها. إنها طفيلي يعيش على هامش الوثن. وحين تقولون لها: »حطّمي أوثانك« ؛ فأنتم ببساطة تقولون لها: »حطّمي أناك؛ انتهي؛ انتحري !«.

أهون على الضعيف أن ينحر ذاته بذاته من أن يطلق رصاصة حريّة على رأس وثنه.

4

الحريّة هي أقرب ما تكون إلى  كرة زجاجيّة معقّمة داخلياً محيطة برجل فاقد للمناعة بالكامل في جو موبوء بالكامل أيضاً. أجواؤنا موبؤة، والحريّة تحمي أجسادنا الضعيفة، فاقدة المناعة، من كل أنواع الجراثيم والفيروسات الفكريّة. وكي أحمي ذاتي وأحمي الآخر، يجب أن لا أصطدم بهذا الآخر بحيث أحطّم غلافي الزجاجي وغلافه هو على حدٍّ سواء.

إذن! نحن نكتب أفكاراً ونرميها في الدروب: ويمكن لمن يشاء التقاط ما يشاء من هذا الطبق الفكري المتنوّع.. لا يهمّنا ماذا سيختار، ولا يهمنّا من سيختار. الأمر لا يخصّنا بشىء: الفكرة عندما تتخارج عنّا لاتعود لنا.

»الحريّة في الاختيار تعني اختيار الحريّة، فالحريّة لا تختار إلاّ ذاتها«!!!

5

الدين!!!

الدين، بتجلّياته اللامحدودة واللامعدودة، هو الوثن الأكبر للقرن العشرين - والقرون التي بعده؟ ربما!! وتحت أظافر هذا »الدين«، قُتل الملايين، ذبح مئات الألوف، خُنق، عُذّب، اضطُهد... لكن أحداً لم يستشهد: فالشهادة لا تكتب بالدماء!!!

- الدم أسوأ شاهد على الحقيقة -

6

كان أول ما فعله محمّد، نبيّ الإسلام، حين دخل مكّة، هو أنّه كسّر كلّ الأصنام المتزاحمة حول الكعبة، واستبقى وثناً واحداً: الله!

كان المكّيون الحضاريّون - وهم حضاريّون بالفعل، لأنّهم لم يبدأوا باضطهاد محمّد إلاّ بعد أن فتح نار شتائمه على آلهتهم، ومن ذا الذي لا يُثار حين يُشتم إلهه، وثنه، قطعة جسده المتخارجة عنه؟- يؤمنون بالتعدّديّة؛ ويعبّرون عن هذا الإيمان عبر قبولهم بحريّة المرء في اختيار شكل تعبيره عن الألوهة. »لا يمكن، كحدٍّ أدنى، مصادرة حق المرء في التعبير عن ميول غير ملموسة، وربما لا أساس لها: الماوراء«.

لقد أطاح محمّد بالأصنام كلّها: وكانت أصناماً حضاريّة، تقبل بالآخر دون تحفّظ؛ وأبقى على الوثن الذي استحوذ على ذاته: وثن غير حضاري بأيّة حال - فهو لا يقبل أبداً بأي وجود لغيره.

لقد حطّم محمّد كلّ الأوثان الأخرى!!!

والاتاه!! والاتاه!! والاتاه!!        

7

لماذا اختار محمّد الله، ورفعه إلى سويّة الخالق الأوحد، علّة العلل، ورمى بالآلهة الأخرى في صفيحة الزبالة؟ أطاح بها في هاوية الصنميّة والتهكّم؟ هذا ما لا نستطيع الإجابة عليه، و لايهمّنا ذلك بأيّة حال

8

الإله الواحد أم الآلهة المتعدّدة؟ ربما كان اليهود أوّل المسوّقين لمفهوم »الإله الواحد« - لكن هذا لا يعني أنّهم كانوا يؤمنون دائماً بالإله الواحد. فشواهد كثيرة من التراث اليهودي التوراتي وما-بعد التوراتي تشير في اتجاه إيمانهم بوجود آلهة عديدة للأقوام غير اليهوديّة، إلى جانب إيمانهم بإلههم القومي الخاص: يهوه. ولم يأخذ يهوه دور الإله المطلق الوحيد، لليهود كما لغيرهم، إلاّ في مرحلة متأخرة من تاريخ اليهوديّة.

لقد كان اليهود من البدو الرّحل؛ وكما يمكن أن نتلمّس من التقويم العبراني القمري، يبدو أنّ الاستقرار - التحضّر جاءهم في مرحلة متأخّرة أيضاً: ولو استطعنا أن نحدّد بدقّة زمن مواءمة اليهود بين التقويمين القمري والشمسي، لأمكننا على الأرجح تحديد تاريخ انتقال اليهود من  الترحّل إلى التحضّر. كذلك فالأعياد اليهوديّة القديمة، كالبيساح مثلاً، تشير إلى طقس عبادة رعوي؛ بعكس تلك الزراعيّة، كالسوكوت مثلاً.

إذن، لقد كان اليهود في العصور الغابرة، شعباً بدويّاً مترحّلاً محاطاً بشعوب زراعيّة حضريّة، راسخة في الحضارة. وما تزال الديانة اليهوديّة تكشف حتى الآن - رغم تحضّر اليهود في أيامنا هذه الذي لا تخطئه العين - عن تلك العناصر المغرقة في بدويتها: وأوّلها مفاهيم الوحدانيّة - وحدانيّة إله؛ وحدانية شعب؛ وحدانية عقليّة؛ وحدانيّة شرع... فالبدو، في مواجهتهم لصعوبات قد لا يواجهها الحضر، بحاجة دائماً إلى مفاهيم الوحدانيّة: إلى العمل ككيان أوحد فريد.

من الرغبة بالتوحد، جاءت وحدانيّة الإله - وحدانيّة الماوراء لا بد أن تستتبع وحدانيّة حاضر.

9

لكن الزراعيّة - التحضّر، في ترفها واستقرارها ورخاء عيشها، تخلق في البداوة-التنقّل  عادة نوعاً من الحقد العاجز: وهذا يتجسّد بأوضح ما يمكن في ميثة قابيل (قايين) وهابيل، التي تحتلّ مساحة لابأس بها من سفر التكوين التوراتي و القرآن . كان قابيل  »يحرث الأرض« - رمز الزراعيّة التحضّر ؛ وكان هابيل »راعي غنم« - رمز البداوة التنقّل. يقدّم كل واحد منهما قربانه الخاص للإله يهوه. يقبل يهوه، كما يقول علماء اليهوديّة الدينيون، قربان البدوي، ويرفض قربان الحضري: يهوه متحيّز لليهود، وهو بالتالي متحيّز للبداوة. لكن الحضارة أقوى من البداوة: هذا ما يدركه علماء اليهوديّة الدينيّون. وهكذا فهم يجعلون قابيل يقتل هابيل؛ مع ذلك، فالحضارة ملعونة، مخيفة، مرفوضة. فيهوه لا يتوقف عن صب جام غضبه على قابيل وذرّيته.

لقد كان اليهود على الدوام مستعبدين ومُذلّين من قبل جيرانهم الحضريين. ولمّا كانوا عاجزين عن الثأر لأنفسهم من هؤلاء الجيران في هذا العالم، اخترعوا لأنفسهم عالم ما وراء ثأروا فيه لأنفسهم من الحضريين عبر رفع سويّة الههم فوق كلّ آلهة الآخرين؛ ومع تزايد الاستعباد، ارتفعت سويّة الثأر العاجز فصار يهوه إلهاً وحيداً ودُفع ببقيّة الآلهة إلى خانة الشياطين أو الأوثان.

لقد كانت رسالة عبدة الأوثان التلموديّة أسوأ تعبير عمّا يمكن أن توصل إليه فكرة الاعتقاد بإله واحد من إساءات للإنسان: يهوه يرفض نظريّاً وجود آلهة آخرين؛ واليهود يرفضون عمليّاً وجود أتباع لغير يهوه.

الإله الواحد تعبير عن حالة قمع؛

الإله الواحد لا يفضي إلا إلى حالة قمع.

10

الحق يقال، إنّ حكاية آدم وحوّاء ونسلهما العظيم التي كاد أحد المفكّرين في الكويت المتأمركة أن يصل بسبب كاريكاتير يشير إليها إلى السجن، تكشف بأوضح ما يمكن عن مأساة العقل في الإسلام: بغض النظر عن لامعقوليّة هبوط الزوجين الأوّلين من جنّة لا يعرف أحد مكانها - ولن يعرف، نتساءل: إذا كان عمر البشريّة على الأرض يتجاوز المليوني عام، وإذا كانت أسماء الجماعة البشريّة الأولى - بحسب التوراة و القرآن - عبريّة بالكامل، واللغة العبريّة، بأحسن حال، لا يتجاوز عمرها ألوف السنوات، فكيف يسمّي يهوه - أو الله لا فرق - مخلوقاته الأولى بلغة لم يخلقها بعد؟ لقد حطّم اليهود، عبر تياراتهم الإصلاحية والعلمانيّة خرافات التوراة والتلمود والمدراش ونثروا بقاياها فوق أرفف العالم، لكن المسلمين ما يزالون مسكونين بهاجس الدفاع عن إرث أولاد عمومتهم، مهما كانت كلفة ذلك العقليّة هائلة..

11

ضمن حالة تعدّديّة الآلهة الحضريّة، كما نجدها في اليونان القديمة على سبيل المثال، كان الإيمان شأناً خاصّاً. بل كان اللاإيمان شأناً خاصّاً. انتق إلهاً واعبده: أو لا تنتق شيئاً على الإطلاق - تلك أبسط متطلّبات العيش الحضاري. أبسط الحريّات تلك المتعلّقة بما لا تمتلك دليلاً على وجوده: هل يكفي الاعتقاد للبرهان على صحّة ما يعتقد به المعتقد؟ من البديهي تماماً أن لا تفرض على الآخرين ما تفتقد إلى أدنى متطلّبات البرهان على صحّته. بالمقابل، فحين تحوّل اليهود من الحالة الرعويّة إلى وضع الاستقرار، صارت التوحيديّة بالنسبة لهم مسألة إرهاب ممنهج، مسفسط: ورسالة عبدة الأوثان التلموديّة، أول وثيقة تكفير تفصيليّة في تاريخ الإنسان، لم تنشأ إلا عن وضع كهذا!!

12

كانت المسيحيّة البولسيّة المتهلّينة حركة اخترقت قلب اليهوديّة لتليّن بالتالي صرامة الإله اليهودي وبداوته، وتعيد إلى علاقته بالانسان نوعاً من الالتحام والألفة: كانت حركة حضريّة، مقارنة بتلك الابيونيّة، اليهوديّة الملامح، البدويّة السمات.

عبر المسيحيّة البولسيّة، عاد الفكر اليوناني ليثبت جدارته في قلب العالم اليهودي - كان بولس الصفعة الأقسى التي وجهتها أثينا الحضارة لصحراء يهودا والسامرة.

لكن الإله المسيحي  لم يتحرّر بالكامل من سيطرة الأغلال اليهوديّة- كان شكله أقرب إلى أحد أنواع التوفيقيّة بين الإله اليهودي البدوي الدكتاتوري الصارم، والآلهة الهلينيّة الحضريّة الديمقراطيّة الليّنة، فكان »الإله الواحد« الذي هو في »ثلاثة أقانيم«. ورغم الأخطاء الفاحشة التي ارتكبتها الكنيسة الكاثوليكيّة على مرّ الزمان، يظل مفهوم المسيحيّة للإله أفضل وأكثر حضارة - بما لا يقارن - من مفهوم اليهود له. بل لقد ساهمت الكنيسة في أوروبا، خاصّة في القرنين الأخيرين، في إضفاء ليونة ملموسة على صرامة الشكل اليهودي للإله، فكانت تلك الحركات الحضاريّة التي شقّت جدار اليهوديّة الأرثوذكسيّة المصمت، والتي تقف على رأسها حركة اليهود الإصلاحيين. مع ذلك، ورغم جهود بولس والتيار الهليني في المسيحيّة، جاء الإسلام، بشكله الابيوني ورائحته التلموديّة المدراشيّة، فأعاد المسألة إلى نقطة البداية.

محمّد هو الصفعة الأقسى التي تلقّاها خدّ بولس.

يهوه هو الله!!!!!

13

لم يكن محمّد أستاذاً مبرّزاً في المدرسة المسيحيّة-البولسيّة-الهلينيّة، لكنه كان طالباً مبتدئاً في الكتّاب اليهودي-الحاخامي-المدراشي -التلمودي-الترغومي-التوراتي. ليس هذا فحسب، بل إن معلوماته حول يسوع كمسيح كانت مستمدّة من أكثر التيارات تهودّاً بين أتباع يسوع: النصرانيّة بشقها الابيوني. لذلك فقد كانت مفاهيمه وآرائه وتصوّراته حاخاميّة متصحّرة، شكلاً ومضموناً

14

كان تحطيم الأصنام حول الكعبة  فعلة اقترفها واحد من أسوأ أصحاب محمّد وأكثرهم  عنفاً ودمويّة وإرهاباً: خالد بن الوليد! امسك ابن الوليد هذا بفأس، وراح يكسّر الأصنام الجميلة المحيطة بالكعبة. وكان ابن الوليد هذا يحطّم الأصنام بيد، ويخلق أوثاناً باليد الأخرى - كان هو ذاته أحد تلك الأوثان. صارت اللات القديمة عائشة جديدة !! صار هبل القديم عمراً جديداً - ... وعلى رأس البانثيون، تربّع محمّد هادئاً، قرير العين - أليس هو رسول الله وشفيعه وممثّله على الأرض؟؟؟

15

رغم كلّ شيء، ظلّ هنالك فرق أساسي بين الأصنام القديمة والأوثان الجديدة: الحضارة! كانت الأصنام القديمة أكثر حضارة من الأوثان الجديدة - وأكثر إعطاء للحريّة. فرغم رفض محمّد عمليّاً الاعتراف بوجود الاصنام القديمة عبر ايمانه المطلق بإله واحد لا صاحب له ولا ولد، فالمكّيون الأرستقراطيّون القدامى لم يقوموا بشيء ضدّه. ولم يفتحوا عليه نار غضبهم فعليّاً إلاّ حين بدأ يشتم آلهتهم-أصنامهم ويحقّرها. بالمقابل، فما إن رسّخ محمّد قدميه في يثرب كنبي معتمد، حتى راح يصفّي كل من راودت له نفسه هجاءه أو التشكيك بنبوته: هل يمكن أن ننسى ما فعله، مثلاً، ببني قريظة؟ وهل يمكن أن ننسى كيف قتل قينتين أثناء استيلائه على مكّة لمجرّد أنهما كانتا تغنيان أشعاراً تتضمّن هجاءً له، مع العلم أن المرأتين ليستا ملك ذاتيهما أصلاً، ولا خيار لهما واقعياً في ما تريدان وما لا تريدان؟ ومايزال هذا التقليد المحمّدي ناجعاً للغاية إلى يومنا هذا.

والاتاه!!! واعزاه!!!

16

الإسلام هو أوسع الأديان الموضوعيّة- بالمعنى السلبي للكلمة - انتشاراً في العالم الآن. ففي تاريخ الفكر، كان ثمّة صراع دائم بين التيارات الذاتيّة والتيارات الموضوعيّة. التيارات الذاتيّة، كالوجوديّة إلى حدّ ما، تضع الذات، أي الإنسان، على رأس اهتماماتها. الذات قبل الموضوع؛ الإنسان قبل الفكرة؛ فالفكرة جاءت أساساً لخدمة الإنسان - وليس العكس.
لا توجد فكرة في هذا العالم أهم من الإنسان: كلّ الأفكار تغدو سخافة ضائعة الملامح حين يُطلب من الإنسان قصّ ذاته وفق باتروناتها. في لحظة مغبرّة من التاريخ البشري، جاءت الماركسيّة بباترون لإنسان معلّب، وطلبت من هؤلاء الذين يزأرون بالحياة قصّ أنفسهم وفق خطوطه. أمسك الماركسيون بالباترون وراحوا يدخلون فيه تلك الكائنات الحلوة التي اسمها البشر؛ وعوضاً عن أن يقصّوا الباترون إذا اكتشفوا أنّه غير متناسب مع الإنسان المُدخل فيه، كانوا يقصّون الإنسان: هذا الرجل ساقه طويلة، والساق في الباترون قصيرة؛ قصّوا إذن ساق الرجل؛ هذا الرجل يده قصيرة-اكسروا عظامه ومطّوها. وهكذا فرّخت الماركسيّة كائنات بشريّة مشوّهة في فترة قياسيّة. ولأن الإنسان جزء من الطبيعة، والطبيعة قاسية على من يشوهها، سقطت الماركسيّة بدوي غير مسبوق.

17

الإسلام هو أشهر تيار في عالمنا الحالي يقدّم الموضوع على الإنسان: كل البشريّة كتلة لا شيئيّة هائلة الحجم مقابل هذا الكتاب الصغير الذي اسمه القرآن . كل الناس حثالات، ديدان ينبغي دوسها دون حماسة أمام فكرة غير ملموسة ماديّاً اسمها الله. بل إن كل من يحيط بنا من كائنات حيّة لا يمكن أن تساوي، إسلامياً، شعرة من رأس رجل مات ولا نعرف عن صورته الفعليّة شيئاً اسمه محمّد. الإنسان عبد الفكرة: هذا هو أبسط ما يمكن أن يختصر الإسلام من تعابير.-والبقيّة تأتي...

18

لماذا سقطت الماركسيّة وتمزّقت باتروناتها وضاعت تحت ثلوج الكرملين، ولم يسقط الإسلام أو يتزعزع حجره الأسود أو تُحرق كتبه الصفراء المأهولة بالديدان واعتقال كل أنواع الصيرورة؟ لأن الماركسيّة، رغم كلّ شيء، إرث غربي؛ وكإرث غربي، لابدّ لها أن تستبقي بين شفتيها قليلاً من رحيق الديمقراطيّة والقبول بالآخر: في دم الماركسيّة بضع كرّيات حمر يونانيّة. الإسلام، بالمقابل، لا يُضخ في قلبه إلا الدم الحاخامي- ومتى كان هذا الدم يمتلك إمكانيّة الجرأة على تصوّر قبول الآخر؟ الإسلام لا يستطيع قبول الآخر- لا وجوداً ولا رأياً ولا تفكيراً: لأن  في ذلك نهايته. وحين ستكون لدى الإسلام إمكانيّة قبول الآخر بشروط هذا الآخر، سينتهي بأسوأ ما انتهت إليه الماركسيّة.

قوّة الإسلام في سيفه لا في أفكاره: واسألوا الرقابات العربيّة؟!

19

هل الوطن بدّ قدسيّ السمات أم أنه قطعة أرض يسكن فيها الإنسان، لا فرق فيها إن كانت في الصين أو البيرو أو النيجر؟ وهل هنالك مواضع مقدّسة ومواضع لا؟ ومن الذي اقترح أن هذا المكان مقدّس وهذا لا؟ الإنسان، الذي يبحث دائماً عن مخدّات قداسة يسكن عليها رأسه، هو الذي اخترع مفهوم قدسيّة المكان، وبمرور الزمن تقدّس  في رأسه المفهوم ذاته فصارت مناقشة المفهوم أحد أشكال التجديف ‍. سلسلة متراكبة من القداسات: ووحده الإنسان غير مقدّس فيها.

20

يقولون: الدفاع عن الوطن؛ ونقول: الدفاع عن الأنظمة التي تستعمر الوطن. الوطن هو المكان الذي أشعر فيه بإنسانيتي؛ وطنيّة الحاكم تتناسب طرداً مع إحساسي بهذه الإنسانيّة في الوطن!

21

التفكير مسألة كانت ومازالت ترمي بصاحبها في غياهب القلق. الإنسان يكره القلق. لكن الإنسان كائن مفكّر. سكينة الذات - التحرّر من القلق - تتعارض بالفعل مع التفكير. وإذا كان الإنسان يخشى التفكير في العصور الغابرة خوفاً على ذاته من القلق، فالإنسان في عصرنا الحالي، خاصّة في تلك المناطق المحكومة بأصابع الفكر غير الذاتي، صار يخشى التفكير خوفاً على ذاته من الآخرين ومن قلق ذاته في آن. من هنا اخترع الإنسان لذاته وللآخرين الذين ينشد تعليبهم لقاح القداسات الذي لم يُخلق أفضل منه لتحصين الذات والآخر من جرثومة التفكير. وكلما ازدادت القداسات وارتفعت سويتها، تضاعفت المناعة ضدّ التفكير في الكائن البشري الضعيف.

قل لي كم تقدّس، أقل لك من أنت .

22

الأرض أم الإنسان؟ من الذي يعطي الآخر وجوده وبؤرويّة كيانه؟ من الذي يعطي الآخر معنى؟ الإنسان هو الذي يعطي الوطن المعنى: اختلاق المعاني مسألة بشريّة. - فدون إنسان لا معنى للمعنى. لماذا على الإنسان إذن أن يموت على مذبح الأرض؟ كم من البشر قتلوا على مرّ العصور على مذبح التراب؟ التراب هو ذاته في أي مكان من العالم. الأرض هي أيضاً ذاتها. لماذا أبررَ لنفسي جريمة أن أقتل في سبيل هذه الأرض، في حين أن الأرض الأخرى التي قد تكون أكثر جمالاً ونقاء لا تستحقّ منّي أن أعرق لأجلها؟ الأرض لا تعرف أبداً أني أحمل عنها هذه المفاهيم غير الطبيعيّة- الأرض أعقل من تلك الغرابات. وأنا لا أقتل ذاتي من أجل الأرض، بل من أجل مفهوم اخترعته لذاتي وأحطت به ذاتي وأدمنته حتّى الاختناق!

قداسة الأرض - مفهوم غير طبيعي أول من يحاربه الأرض، أم الطبيعة.

قداسة الأرض - حكاية عجائز لم يعد بالإمكان تحمّل تكراريتها التي تغتصب قلقنا الداخلي الجميل.

قداسة الأرض - حاجز ذاتي آخر يكبّل تفكيرنا.

23

من مات دون أرضه فهو شهيد: تعبير ردّدّناه كالببغاء النمامة العرجاء منذ خمسة عشر قرناً. لكن قبل أن نناقش هذا التعبير المحفّز للتقيؤ، دعونا نناقش مسألة الشهادة.

هل يعقل أن نضحّي بكيان موجود، اسمه الإنسان، لحساب مفاهيم هوائية، من طراز الشهادة؟ هل يعقل أن يقدّم الإنسان حياته التي يمتلكها، لأشباح مفاهيميّة أقرب ما تكون إلى نوع مستعص من الهيستيريا، كالشهادة؟ ومن الذي يضمن لي، فعليّاً، أني إذا مت سأحظى بما هو أفضل مما أحظى به في هذا العالم؟ هل مات أحد قبلي وجاء فرحاً ليخبرني أن العولام هاباه هو أفضل من عالمنا هذا؟ الشهادة، باختصار، مفهوم غبي يستغلّه الأقوياء والمتنفذون ومهووسو السيطرة لاستغلال الضعاف والإمعات بأفضل ما يمكن.

لقد مات كثيرون  في حربي الخليج، على سبيل المثال، وكان مصطلح الشهادة المملّ الأكثر استخداماُ في أفواه الحكّام: لكننا لم نسمع أن هذا الحاكم أو ذاك استشهد في سبيل القضيّة!! الحاكم، النبي، مؤسسو الحركات المفاهيميّة الكبرى والصغرى على حدّ سواء - كلّهم يشجعون على الشهادة: لكن لغيرهم. هم يريدون أن يكونوا أحياء عند ربّهم يرزقون  في هذه الدنيا: أمّا الناس العاديون، فالأفضل لهم أن  يُرزقوا في غير هذا العالم. موتوا كلّكم في سبيل الوطن، فأنتم شهداء - يقول الحاكم أو النبي؛ موتوا كلّكم من أجل أن يزداد نعيمي في الدنيا - يقول تفسيرنا عديم الحياء. انتحروا لحماية أراضيكم - يقول الحاكم أو النبي؛ انتحروا لأجل بقائي - يقول تفسيرنا غير الحيي؛ حاربوا الأعداء والمتآمرين - يقول الحاكم أو النبي؛ حاربوا الذين يريدون منافستي في حكمكم - يقول تفسيرنا الوقح

24

وماذا يعني إن حكمنا رجل من بني ديننا أو من بني دين غيرنا؟ وماذا لو حكمنا رجل ينطق بلغتنا أم ينطق بلغة لا نفقه منها حرفاً؟ وماذا لو حكمنا رجل يختلف عنّا لوناً وجنساً وروحاً وحضارة؟ ما همّنا نحن من الحاكم إذا كانت علاقتنا به لا تتعدّى تسلّم القرارات والتوجيهات والأحكام؟ ما يهمّنا كمواطنين أن تكون الأحكام المتعلّقة بنا ديمقراطيّة، أن تكون التوجيهات عاقلة، أن تكون القرارت صائبة: بغضّ النظر عن الذي أصدرها لأن علاقتنا بهذا المصدر أحاديّة الجانب.

25

هنا لابدّ من الحديث  في مسألة ستزعج الجميع دون استثناء، وسيتبرّع كلّهم للإدلاء بدلو تخوينهم ومؤامراتهم في تلك البئر المفاهيميّة العفنة: هل كان استعمار الغريب - الفرنسي في الحالة اللبنانيّة مثلاً - أفضل أم استعمار هذا الذي يجمعنا به المكان واللغة وال...؟ وهل كان هؤلاء الذين لا يملّ إعلامنا الغريب  في لا عقلانيته الحديث عن بطولاتهم وأمجادهم في محاربة الاستعمار أبطالاً بالفعل، أم مجرّد قطّاع طرق وانتهازيين ومهووسي حكم ساقهم سوء حظّنا وبلاهة مفاهيمنا في دروب القداسة؟ يجب أن نكون واضحين أكثر ونطرح السؤال التالي، كأشخاص عايشنا الحرب اللبنانية - حرب المفاهيم النتنة - ورأينا بأم العين عمق مأساة التصحّر الفكري في سويسرا الشرق: هل لو كان الفرنسيون موجودين، كأمّة عقلانيّة علمانيّة حضاريّة، لوقعت تلك الحرب البدويّة؟ في اعتقادنا: لا!!! فنصف قرن من الوجود الفرنسي في لبنان، كان سيجعل من هذا الشعب البدوي التوراتي - التلمودي المتصحّر، مجتمعاً مدنيّاً علمانيّاً متحضّراً.

26  

أتخمنا المحتلون من أبناء الوطن بالشعارات. فتارة يريدون الاشتراكية؛ وبعد أن تثبت اشتراكيتهم الفشل الأبهر، يرمون بالاشتراكيّة في صندوق الزبالة ويبدأون البحث عن شعار جديد يضحكون به على الناس. والناس لم يعودوا كما كانوا أيام المحتل الأجنبي المتحضّر: صار الناس يخشون مجّرد التفكير بالمعارضة. فقد كان مسربلاً نجاح المحتل من أبناء الوطن في تحويل هذه الكائنات إلى دجاج من النوعيّة المسمّنة هرمونياً التي يندر مصادفتها في ثقافات أخرى: دجاج يفتقد حتى إلى الديوك - دجاج عقيم. وماذا نقول لهذا المواطن الذي دفع من عرق جبينه وقوت أطفاله ثمن تلك الملصقات التي تحيي الاشتراكيّة باعتبارها الحلّ الوحيد الذي سيخرج كلّ الأوطان من جحيم العبوديّة والاستغلال والظلم إلى نعيم التقدّم والمساواة والتحررّ؟ ماذا سنقول لأولئك الفنانين الذين كدّوا وتعبوا وشحذوا هممهم في سبيل تأليف أغنيات تمتدح الاشتراكيّة - أي، تمتدح الداعين اليها - بعد أن أحيلت أغانيهم الرائعة إلى متحف الكائنات غير الطبيعيّة؟ وماذا سنقول للراقصات اللواتي بذلن الغالي والرخيص وهن يحتفلن مع الاشتراكيين بذكرى حركاتهم العظيمة؟ بعد ربع قرن اكتشف انساننا - أو بقايا ما تركوه لنا من حطام الإنسان - أن الاشتراكيّة مطبقّة بالفعل لكن على نطاقين: الشعب يتشارك بالفقر؛ والحكام وحواشيهم من فنانين وتجّار وكتّاب مأجورين ورجال دين إمّعات يتشاركون بالفحش  في كل ما هو استغلال وفساد واستعباد.

كم يبدو أولئك الذين ماتوا في سبيل الاشتراكيّة مضحكين دون تردّد!! غداً حين سأقابلهم في الجحيم، سأمدّ لهم لساني وأعيّرهم لأنهم ماتوا في سبيل مفهوم اخترعه آخرون استغلّوا سذاجتهم للتربع على القمّة عبر استخدام مفاهيم قابلة للاستهلاك من نوعيّة الاشتراكيّة. وسوف تحرقهم اللات والعزّى بنيران لا تلين لأنهم ساهموا بغباء لا يجارى في إطفاء نار الارستقراطيّة العظيمة والاتيان بكل ما هو رعاعة ومُداس إلى القمّة تحت الظلام الدامس.

27

القوميّة هي ذلك الحمار الأعرج الذي ركبه بعضهم - مقابل الطائفيّة - للوصول إلى السلطة، وما أن تربّعوا فوق قممهم، قتلوه. خلعوا بذلات الرفاقيّة الموشومة بنياشين القوميّة، وارتدوا جلابيب الطائفيّة التي لا توحي الا بأن تلك الكائنات أبعد ما يكون عن الحضارة - وحدهم الرحّل الرعاة بحاجة إلى شعور الانتماء القبلي-الطائفي-المذهبي لبعث نوع من الطمأنينة في دواخلهم وهم يواجهون، بعجز الجاهليين، ظروفاً لا يواجهها أبناء المجتمعات المدنيّة المتحضّرة. لقد أشاد قوميونا الأفاضل جسوراً رائعة، وأبنية يمكن أن تبعث  في الذاكرة تداعيات توحي للمرء بأنه موجود في دولة متحضّرة، لكن الواقع المتهالك يقول إن خلف تلك الجسور والأبنية يكمن إنسان كاره للحضارة، حاقد بعجز على العلم، شاتم لروح العصر - ألم يشتم اليهود من قبل الحضارة باعتبارها كفراً؟

القوميّة مفهوم غبي آخر يمكن إضافته بفخر إلى القائمة الطويلة للغاية من مفاهيمنا الغبيّة.

28

لاشيء يمكن أن يجمع الإنسان بالإنسان أكثر من وعي الإنسانيّة الحضاريّة في العلاقة المتبادلة بين الوجودات البشريّة. لست بحاجة إلى مفاهيم غبيّة متهالكة كي أشعر أن ما يربطني بصديقي الأمريكي لا يمكن فصل عراه؛ لست بحاجة إلى أشباح أفكار محنّطة كي يُخلق بيني وبين ذاك الرفيق الرائع القابع تحت سماء غيسن الألمانيّة تواصل لا يدرك كنهه. شعور الضعف القبلي الأصل والرائحة لا يمسّنا في شيء. لقد مزّقنا شرنقة القبيلة مرّة وإلى الأبد. ولن نرجع أبداً إلى تلك الشرنقة المعقّدة. فحين دفنّا المفاهيم القديمة والأفكار القديمة، دفنّا معها القبيلة مرّة وإلى الأبد.

29

كان الإسلاميّون، كأية جماعة قبليّة بدويّة لا تمتلك حيال الحضريّة إلاّ مشاعر العداء، يطرحون ببراءة متعبة مفهوماً مغرقاً في الموميائية يقول، إن أبعد مسلم في هذا العالم أقرب إلى المسلم الآخر من جاره غير المسلم - ألم يقل أحد الإسلاميين السوريين إن المسلم الباكستاني أقرب إليه من جاره المسيحي؟ جاء بعدهم القوميّون دعاة الاشتراكيّة، فطرحوا أن الرباط القومي هو الأهم، وأن ابن جلدتهم، أيّاً كان تموضعه، أقرب إليهم من غيره، أيّاً كان موضعه أيضاً. والحقيقة أن الإسلاميين ودعاة القوميّة وجهان لعملة واحدة: البدويّة المتخلفّة المعادية للحضريّة. فقصور العقل عند المنغلقين على ذواتهم، يبعث فيهم آراء غريبة لا يمكن أن تخطر ببال من يفهم أن الآخر هو آخر فقط باعتباره آخراً، وليس لأي سبب آخر. الأميركي أو السوري أو اللبناني بالنسبة لي هو آخر بحد ذاته، وليس لأنه أميركي أو سوري أو لبناني . وعلاقتي بهذا الآخر محكومة أبداً بفهمه لي، وتقديره لحريّتي، واحترامه لكرامتي. فالأميركي الذي يقدّر ذلك كلّه، أقرب الي من اللبناني أو السوري الذي يقصر فهمه عن استيعاب ذلك. العلاقة بين الكائنات البشريّة هذه الأيام، في اعتقادنا، محكومة أساساً بمستوى فهم تلك الكائنات للعامل الحضري  في  العلاقة بين الناس. وهكذا فالمسلم الأصولي الذي لا يفهم العالم إلاّ من خلال شريعته، أبعد كثيراً بالنسبة لي من البرازيلي الذي يعرف حقّي كانسان ويعترف به، يفهم واقعي ويتفهمه، يقرر اختلافنا ويقرّ به.

30

الدين، في نهاية الأمر، هو الدجاجة التي باضت القوميّة في هذه البلاد: القوميّة لم تأت نتيجة فهم علمي-علماني لأنطولوجيا الشعب. القوميّة كانت - ومازالت -النتيجة النهائية للدين. وبعد حكم دام أكثر من ثلاثين عاماً لأحد الأحزاب القوميّة في إحدى الدول العربيّة، نتفاجأ بالجهاز الإعلامي  في تلك الدولة بالذات يتحدّث عن »الأمّة الإسلاميّة« كحقيقة لا ريب فيها. لقد أراد بعضهم أن يقدّم في تلك البلاد في المنطقة التي تسكنها أديان متعددة حلاً لأزمة الوحدانيّة - المفهوم الاستفزازي الأشهر - فاكتشفوا القوميّة - لكنّها بيضة دينيّة قشرتها قوميّة. وحين آن أوان الفقس، لم يخرج من تلك البيضة إلا صوص على رأسه عمامة.

31

هل يعرف عوامنا المضلّلون أن اليهود القدامى - واليهود الأرثوذكس حاليّاً - كانوا يرفضون أن يصلّوا بغير اللغة العبريّة: كي تصل الصلاة إلى يهوه، لابدّ من تأديتها بالعبريّة، فالملائكة التي تنقل إلى يهوه كلماتهم التي يعتبرونها مقدّسة، لا تفهم غير تلك اللغة، وبالتالي لا يمكنها أن تنقل أي نصّ بغيرها!وبالتالي كان على اليهودي العربي أو الروسي، على سبيل المثال، أن يؤدّي طقوسه بلغة لا يعرف منها غير كلمات الطقس، بل غالباً ما لا يفهم حتى مدلولات عباراته.

ولأن الإسلام ورث عن أخته الكبرى اليهوديّة معظم مفاهيمه الشاذّة وخرافاته التي لا ريب في عقمها، فقد نشر بين أتباعه نسخة عربيّة عن تلك الأسطورة العبريّة المتهالكة، لكن بعد إضافة لمسات يتطلّبها الوضع الإسلامي الخاص. فلم يعد الله قادراً على التواصل مع بعض الأفراد الذين قدّموا للناس أوراق اعتماد كرسل فحسب، بل انتحل هو أيضاً
- كيهوه تماماً - صفة الإله العنصري الذي ليس على استعداد لأن يسمع صلاة بغير اللغة العربيّة.- لماذا اللغة العربيّة؟ لا أحد يمتلك جواباً عقلانيّاً مقنعاً: موضوع غير منصوص العلّة، وفق التعبير الإسلامي. وصار على المسلم الماليزي أو الزنجباري بالتالي أن يصلّي بلغة لا يعرف عنها سوى قراءة أحرفها دون فهم غالباً -كما يقرأ طفل عربي اللغة الفارسيّة!!!

الله لا يتكلّم إلاّ بالعربيّة؟؟؟

العربيّة بالتالي مقدّسة!!!

32

إذا كان الله لا يجيد الحديث إلاّ بتلك اللغة المقدّسة - العربيّة عند العرب، والعبريّة عند أولاد عمومتهم - الوحيدة، وإذا كانت تلك اللغة وحدها المسموح باستخدامها في لغة الحوار مع الإله: فلماذا خلق اللغات الأخرى؟

كان اليهود يعتقدون قديماً أن يهوه يلعب مع لوياتان كي يتسلّى: جميل!!! ربما كان جلّ جلاله يتسلّى؟

33

لا أحد يجرؤ على مدّ يده إلى تلك اللغة المقدّسة لأنه بالتالي يلعب بلغة الله! تطوير اللغة هو المس بالذات الإلهيّة. لكننا نتساءل ببراءة السذّج: أليست اللغة في نهاية الأمر نتاج فكر ابن زمانه ومكانه؟ أليست اللغة في نهاية الأمر عنصر تفكير مغرق  في قدمه يتمطّى على عتبات البدائيّة؟ كيف يمكن لّلغة أن تتوقف عن التطوّر إذا كانت أصلاً وليدة فعل التفكير الذي لا يتوقف هو ذاته عن التطوّر؟ هل يمكن لمفهوم أو آخر أن يعيق عمل العقل مهما بدا هذا المفهوم مقدّساً؟

وكالسذّج البلهاء نتساءل أيضاً: هل باستطاعة اللغة العربيّة، بوضعها الحالي، أن تساير العلوم الحديثة بتعقيداتها المتراكمة وتفاعلاتها المتلاحقة؟ باختصار: لا!! اللغة العربيّة التي تفتقد أحرف أساسيّة لا غنى عنها  في بعض العلوم ، كالدوائيات مثلاً، والتي التنوين فيها بدائي بعكس السريانيّة مثلاً، لا يمكن أن توفي بالمتطلبات الأبسط لأدنى مراحل البحث. وحين طرح بعضهم كتابة العربيّة بالحرف اللاتيني، انفتحت عليه كلّ بوابات الجحيم كعميل من الطراز الأوّل: مع أن زواج العربيّة من الحرف اللاتيني قد يشكّل نقلة لا بأس بها للطرفين على حدّ سواء. ولا مانع عندنا أن يفتحوا علينا الأبواب التي فتحوها من قبل على المعلّم سعيد عقل: اسمه كاف للردّ على سواه!!!

34

ما أبلد أن يكون الجنس مسألة محوريّة في حياتنا كأفراد وجماعات: الجنس أمر خاص. الجنس فعل نمارسه في الليل تحت وطأة الرغبة التي قد لا تفيد معها كل علوم الأرض، للجمها. الجنس فعل جميل: فلماذا نحيطه بالأساطير. الطيور، الحيوانات، النباتات ، كلّ ماهو طبيعي في هذا العالم يمارس الجنس بطريقته: دون مفاهيم قدسية وأساطير وأسلاك شائكة - فلماذا نصرّ على أن نكون غير طبيعيين؟

لنكن واضحين تماماً، رغم تأكدّنا من أن كؤوس خمرة الحميّة ستلعب برؤوس كثيرين: ما هو الشرف؟ ما معنى أن تكون المرأة ببكارة أو بلا بكارة؟ وهل أن التي لا تمتلك ذلك القفل السحري خالية من الأخلاق؟ وهل أن بكر مصطلح يعني، باختصار شديد: فضيلة؟ الفضيلة، بالمفهوم العربي للكلمة، نتانة معادية للطبيعة. العذريّة، في اعتقادنا، لا تمتلك سوى تعريف وحيد: تلك الفتاة معقّدة جنسياً - إما أنها مدمنة للعادة السريّة، أو إنّها مصابة بزحار الشرف العربي.

35

كم يبدو الجسد العاري جميلاً! اخلع ثيابك، واستلق عارياً - كم ستكون المسألة رائعة! الإنسان جزء من الطبيعة: والطبيعة جاءت بنا عراة إلى كوننا الرائع: فلماذا نحارب الطبيعة؟ من قال إن العري هو الحالة الشاذّة واللباس هو الحالة الطبيعيّة؟ وهل إذا ألبسنا الفتاة من رأسها إلى أسفل قدمها، على الطريقة الإسلاميّة - اليهوديّة، استطعنا إيقاف إفراز البروجسترون  في خلاياها؟ العري حريّة، والحريّة جمال، والجمال نعمة؛ اللباس مفهوم، والمفهوم قيد، والقيد بشع، والبشاعة نقمة! اخلع أثوابك، والبس نقاء الطبيعة، وحريّة الجمال، البس عريّك من المفاهيم الموثّنة، ومن آراء الآخرين المسبقة،ونم في قلب الحياة!

36

في الجنس أمور كثيرة نأخذ منها موقفاً غيبيّاً، مفعماً في الغيبيّة، لا نمتلك له تفسيراً ولا تأويلاً: وعلى رأس ذلك، المثليّة الجنسيّة. ورغم كلّ التقدّم العلمي في دول الغرب، ما يزال الفهم المعتمد لحقيقة المثليّة

هل العذريّة أهم أم احتراق الأنثى اليومي النازف بنار الرغبة؟ أليست العادة السريّة، التي تمارسها الغالبيّة الساحقة من نسائنا، أحد أشكال المضاجعة؟ ولماذا لا يعتبر إيلاج الإصبع عيباً، مع أنّه لا يروي بالكامل، في حين أن إيلاج القضيب عيب قد يستوجب الموت أحياناً، مع أنّه مريح وباعث على الاسترخاء والجمال والحريّة في جسد الأنثى؟ أليس غريباً أن يوجد في هذا العالم من يوافق حتى الآن على جريمة قتل الفتاة غير العذراء؟ البكارة أم الإنسان؟ النهد أم الحياة؟ لماذا يريد الجميع مصادرة الجسد لحساب مفاهيم لا توجد إلا في مشافي المجانين، كالشرف وفق التعريف العربي للمصطلح؟

نعم!!!

نحن علمانيون متطرفون، لا علاقة لنا بالاعتدال، لا من قريب ولا من بعيد؛ ولا نكره شيئاً أكثر من تعبير »الأمّة الوسط« - الأمة الوسط: ماء فاتر لا يُشرَب ولا يستسيغه الفم!

نحن ندعو إلى طرد الدين، بآلهته وملائكته وكتبه ورسله ويومه الآخر، من يومنا الأول والأخير؛ نحن ندعو إلى إبعاد الدين عن الحياة العامة والخاصة، مرّة وإلى الأبد!

لقد مرّت على البشرية ألوف السنوات وهي تحكم من كِذَبٍ مقدّسة – الأديان وعللها ومعلولاتها – أوصلتها إلى درك الحضارة الأسفل، فلولا العقل العلماني الغربي لما خطا الإنسان في درب الارتقاء، بل لو أن الدين – وشراشيبه – لم يوجد لكان الإنسان يقفز عالياً كل يوم نحو مطلق غير محدود؛ ومن حقنا أن نطالب بسيادة أكاذيب مادية غير مقدّسة (-نفترض هنا تواضعاً أن حقائقنا العلمانية أكاذيب -) لا تحدّد الطموح البشري بأطر ميثولوجية، ويمكن للإنسان شطبها بسهولة (إنها غير مقدسة!!!) إذا وجد أنها قد تعيقه.

49

رجال الدين صنفان لا ثالث لهما: صنف غبي، أرعن، متعصب، يؤمن فعلياً بما يقول، ويعتقد أن »حقائقه« تطابق موازين العقل والمنطق (عبارة مريعة حين تخرج من فم شيخ سوري متلفز) [مثلاً: قصة هبوط آدم وحواء من الجنة حتى آخر تلك الخرافة الحاخامية الرائحة الحامضة الطعم تطابق موازين العقل والمنطق؛ هل نذكركم أيضاً بقصة عمنا نوح الذي جمع في حاملة طائراته الأسد والكنغارو والفيل... لا يسأل أحد أين ذهبت المياه حتى لا يتشكك بإيمانه؛ وصنف آخر ذكي، خبيث، يعرف تماماً أن حقائقه مجرد خرافات يقود بها الرعاع من أنوفهم، لذلك فإن حياته تدور بكاملها حول سرمدة أكاذيب يعتاش من ورائها: هؤلاء، باختصار، ديوك الله الروميّة – كما أسماهم نيتشه.

50

أحدث صرعة بين إسلاميي القرن الحادي والعشرين: الديمقراطية وحرية الرأي. الأغرب: أن هنالك من يصدقهم.

الحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها هي أن رائحة الإسلام »الطالبانية« - الطالبان، شاؤوا أم أبوا، هم الأقرب إلى الإسلام الأمثولي – قد »فاحت« بحيث بدا لزاماً على من يريد تصدير الإسلام إلى العالم تعطيره بما يمنع الآخرين من الإقياء: ومن هنا كانت خرافة ديمقراطية الإسلام وحرية الرأي فيه.

هذا كل شيء.

51

لا توجد في الإسلام امرأة محترمة؟

هذا صحيح.

المرأة في الإسلام »متاع« - والبقية تأتي!!!

وماذا بشأن ما تقوله بغايا الماضي، شيخات ومفتيات الحاضر، من »فنانات« مصر المعتزلات؟

لا تصدقوا واحدة منهن. – فالعهر الجسدي أجمل كثيراً من الاستعهار الديني.

في الإسلام يوجد نمطان من النساء لا ثالث لهما: المرأة والجارية. الأولى، الحريم، التي إذا تزوجت ستر الزواج فيها عورة وإذا ماتت ستر القبر بقية العورات، تعيش موتاً مؤجلاً، خلف جدران الذكر الذي يمتلكها تماماً، عملها إنجاب الأولاد لذكر الإسلام الأبدي. والثانية هي الجارية، ملك اليمين، التي تنتقل شبه عارية من رجل لآخر، لا هم لها سوى إرضاء الذكر جنسياً؛ وهي ليست زوجة ولا حريماً، ووضعها الشرعي والمدني أسوأ بكثير من البغايا لأنها لا تستطيع اعتزال المهنة – كما يفعلن في مصر – لأنها ليست ملك ذاتها.

لهذا فالإسلام لا يعرف المرأة – الكيان البشري: أمثولتان بارزتان – أم المؤمنين وعريب.

لا تطلبوا حرية للمرأة، ثقافة للمرأة، وعياً للمرأة، شخصية للمرأة: في الإسلام.

فاقد الأصل لا يعطي فرعاً.

52

مجتمعنا أكثر أخلاقية بكثير من مجتمع الإسلام الأولي في المدينة.

في مجتمعنا، لا توجد نساء يعرضن عراياً قرب الكعبة أو المسجد النبوي، كما كانت الحالة زمن الإمام مالك، الذي بدوره أنجبته أمه الفاضلة بعد سنوات من وفاة الوالد.

في الإسلام الأولي كانت الحريم قلّة – قلّة محجبة، مقبورة، تحتاج إلى قرار ذكوري حتى إذا أرادت التنفس. وكانت الجواري والإماء (النوع المشرّع من الدعارة)، غير المحجبات (كان عمر إذا رأى امرأة محجبة من غير الحرّات ضربها بالدرة – بديمقراطية – حتى يسقط الحجاب عن شعرها)، يتنقلن بسهولة هائلة من هذا الذكر إلى ذاك – بحسب الإمكانيات المادية. والعدد غير محدد شرعياً: ما دمت تمتلك النقود، تستطيع شراء ما تشاء من النساء والمتعة... مكارم أخلاق.

حين أقارن مجتمعنا القبيسي بمثيله في الإسلام الأولي، أشعر بالفخار: كم نحن أخلاقيون.

53

من أطرف الأمور في عالمنا المعاصر أن مشايخ الإسلام ومفتييه ومن على شاكلتهم، والذين يسمّون أنفسهم »بالعلماء« (ليس الأمر نكتة أبداً) يعيّنون من ذواتهم خصوماً وقضاة لكل من خولته نفسه أن يفكّر بغير طريقتهم: في مصر الكنانة أضيف إلى القائمة الغبية أسماء محاميي الأخوان أو أي محام نكرة باحث عن الشهرة.

طرفة اعتراضية:

(لأن الإسلام افتقد على نحو شبه دائم أبسط تعريف للعلم بمعناه الصحيح، فقد عوّض عن ذلك بأن أخذ مشايخه، منظّري الاستنجاء والاستجمار، وأسماهم علماء. وهكذا، صار يوسف القرضاوي زميلاً لألبرت أينشتاين، ومحمد سعيد البوطي زميلاً لباستور، ومحمد العوضي زميل... مدام كوري).

»نحن نفكّر على هذا النحو« - يقول دعاة التفكير المختلف.

»أنتم كفّار« - يقول السادة العلماء!

»نعرف هذا؛ فنحن نكفر بنوعية تفكيركم«. يجيب الدعاة!

»لكن لا بدّ من استتابتكم وتطليق نسائكم أو أزواجكن ومن ثم قتلكم« - يقول السادة المشايخ!

»وما هي حجتكم في دعاويكم هذه يا سادة يا علماء؟» - يسأل الدعاة.

»تقليدنا!! تقليدنا!!« يجيب الوعاظ.

»ولكن تقاليدكم كلها لا تساوي عندنا أكثر من خرافة، ولو كنا اعتقدنا بها أصلاً لالتزمنا بأدق تفاصيلها. نحن على الأقل غير منافقين«.

وسار الرعاع يطالبون بقطع كل رأي غير خاو.

54

تقليد مقدّس!!!

إعجازي؟؟؟

وما أدراك أنه إعجازي!

لأن الله أوجده؟

وما أدراك أن الله أوجده؟

لأنه إعجازي

كان تحطيم الأصنام حول الكعبة  فعلة اقترفها واحد من أسوأ أصحاب محمّد وأكثرهم  عنفاً ودمويّة وإرهاباً: خالد بن الوليد! امسك ابن الوليد هذا بفأس، وراح يكسّر الأصنام الجميلة المحيطة بالكعبة. وكان ابن الوليد هذا يحطّم الأصنام بيد، ويخلق أوثاناً باليد الأخرى - كان هو ذاته أحد تلك الأوثان. صارت اللات القديمة عائشة جديدة !! صار هبل القديم عمراً جديداً - ... وعلى رأس البانثيون، تربّع محمّد هادئاً، قرير العين - أليس هو رسول الله وشفيعه وممثّله على الأرض؟؟؟

رغم كلّ شيء، ظلّ هنالك فرق أساسي بين الأصنام القديمة والأوثان الجديدة: الحضارة! كانت الأصنام القديمة أكثر حضارة من الأوثان الجديدة - وأكثر إعطاء للحريّة. فرغم رفض محمّد عمليّاً الاعتراف بوجود الاصنام القديمة عبر ايمانه المطلق بإله واحد لا صاحب له ولا ولد، فالمكّيون الأرستقراطيّون القدامى لم يقوموا بشيء ضدّه. ولم يفتحوا عليه نار غضبهم فعليّاً إلاّ حين بدأ يشتم آلهتهم-أصنامهم ويحقّرها. بالمقابل، فما إن رسّخ محمّد قدميه في يثرب كنبي معتمد، حتى راح يصفّي كل من راودت له نفسه هجاءه أو التشكيك بنبوته: هل يمكن أن ننسى ما فعله، مثلاً، ببني قريظة؟ وهل يمكن أن ننسى كيف قتل قينتين أثناء استيلائه على مكّة لمجرّد أنهما كانتا تغنيان أشعاراً تتضمّن هجاءً له، مع العلم أن المرأتين ليستا ملك ذاتيهما أصلاً، ولا خيار لهما واقعياً في ما تريدان وما لا تريدان؟ ومايزال هذا التقليد المحمّدي ناجعاً للغاية إلى يومنا هذا.

والاتاه!!! واعزاه!!!

الإسلام هو أوسع الأديان الموضوعيّة- بالمعنى السلبي للكلمة - انتشاراً في العالم الآن. ففي تاريخ الفكر، كان ثمّة صراع دائم بين التيارات الذاتيّة والتيارات الموضوعيّة. التيارات الذاتيّة، كالوجوديّة إلى حدّ ما، تضع الذات، أي الإنسان، على رأس اهتماماتها. الذات قبل الموضوع؛ الإنسان قبل الفكرة؛ فالفكرة جاءت أساساً لخدمة الإنسان - وليس العكس.
لا توجد فكرة في هذا العالم أهم من الإنسان: كلّ الأفكار تغدو سخافة ضائعة الملامح حين يُطلب من الإنسان قصّ ذاته وفق باتروناتها. في لحظة مغبرّة من التاريخ البشري، جاءت الماركسيّة بباترون لإنسان معلّب، وطلبت من هؤلاء الذين يزأرون بالحياة قصّ أنفسهم وفق خطوطه. أمسك الماركسيون بالباترون وراحوا يدخلون فيه تلك الكائنات الحلوة التي اسمها البشر؛ وعوضاً عن أن يقصّوا الباترون إذا اكتشفوا أنّه غير متناسب مع الإنسان المُدخل فيه، كانوا يقصّون الإنسان: هذا الرجل ساقه طويلة، والساق في الباترون قصيرة؛ قصّوا إذن ساق الرجل؛ هذا الرجل يده قصيرة-اكسروا عظامه ومطّوها. وهكذا فرّخت الماركسيّة كائنات بشريّة مشوّهة في فترة قياسيّة. ولأن الإنسان جزء من الطبيعة، والطبيعة قاسية على من يشوهها، سقطت الماركسيّة بدوي غير مسبوق.

الإسلام هو أشهر تيار في عالمنا الحالي يقدّم الموضوع على الإنسان: كل البشريّة كتلة لا شيئيّة هائلة الحجم مقابل هذا الكتاب الصغير الذي اسمه القرآن . كل الناس حثالات، ديدان ينبغي دوسها دون حماسة أمام فكرة غير ملموسة ماديّاً اسمها الله. بل إن كل من يحيط بنا من كائنات حيّة لا يمكن أن تساوي، إسلامياً، شعرة من رأس رجل مات ولا نعرف عن صورته الفعليّة شيئاً اسمه محمّد. الإنسان عبد الفكرة: هذا هو أبسط ما يمكن أن يختصر الإسلام من تعابير.-والبقيّة تأتي...

لماذا سقطت الماركسيّة وتمزّقت باتروناتها وضاعت تحت ثلوج الكرملين، ولم يسقط الإسلام أو يتزعزع حجره الأسود أو تُحرق كتبه الصفراء المأهولة بالديدان واعتقال كل أنواع الصيرورة؟ لأن الماركسيّة، رغم كلّ شيء، إرث غربي؛ وكإرث غربي، لابدّ لها أن تستبقي بين شفتيها قليلاً من رحيق الديمقراطيّة والقبول بالآخر: في دم الماركسيّة بضع كرّيات حمر يونانيّة. الإسلام، بالمقابل، لا يُضخ في قلبه إلا الدم الحاخامي- ومتى كان هذا الدم يمتلك إمكانيّة الجرأة على تصوّر قبول الآخر؟ الإسلام لا يستطيع قبول الآخر- لا وجوداً ولا رأياً ولا تفكيراً: لأن  في ذلك نهايته. وحين ستكون لدى الإسلام إمكانيّة قبول الآخر بشروط هذا الآخر، سينتهي بأسوأ ما انتهت إليه الماركسيّة.

قوّة الإسلام في سيفه لا في أفكاره: واسألوا الرقابات العربيّة؟!

هل الوطن بدّ قدسيّ السمات أم أنه قطعة أرض يسكن فيها الإنسان، لا فرق فيها إن كانت في الصين أو البيرو أو النيجر؟ وهل هنالك مواضع مقدّسة ومواضع لا؟ ومن الذي اقترح أن هذا المكان مقدّس وهذا لا؟ الإنسان، الذي يبحث دائماً عن مخدّات قداسة يسكن عليها رأسه، هو الذي اخترع مفهوم قدسيّة المكان، وبمرور الزمن تقدّس  في رأسه المفهوم ذاته فصارت مناقشة المفهوم أحد أشكال التجديف ‍. سلسلة متراكبة من القداسات: ووحده الإنسان غير مقدّس فيها.

يقولون: الدفاع عن الوطن؛ ونقول: الدفاع عن الأنظمة التي تستعمر الوطن. الوطن هو المكان الذي أشعر فيه بإنسانيتي؛ وطنيّة الحاكم تتناسب طرداً مع إحساسي بهذه الإنسانيّة في الوطن!

التفكير مسألة كانت ومازالت ترمي بصاحبها في غياهب القلق. الإنسان يكره القلق. لكن الإنسان كائن مفكّر. سكينة الذات - التحرّر من القلق - تتعارض بالفعل مع التفكير. وإذا كان الإنسان يخشى التفكير في العصور الغابرة خوفاً على ذاته من القلق، فالإنسان في عصرنا الحالي، خاصّة في تلك المناطق المحكومة بأصابع الفكر غير الذاتي، صار يخشى التفكير خوفاً على ذاته من الآخرين ومن قلق ذاته في آن. من هنا اخترع الإنسان لذاته وللآخرين الذين ينشد تعليبهم لقاح القداسات الذي لم يُخلق أفضل منه لتحصين الذات والآخر من جرثومة التفكير. وكلما ازدادت القداسات وارتفعت سويتها، تضاعفت المناعة ضدّ التفكير في الكائن البشري الضعيف.

قل لي كم تقدّس، أقل لك من أنت .

الأرض أم الإنسان؟ من الذي يعطي الآخر وجوده وبؤرويّة كيانه؟ من الذي يعطي الآخر معنى؟ الإنسان هو الذي يعطي الوطن المعنى: اختلاق المعاني مسألة بشريّة. - فدون إنسان لا معنى للمعنى. لماذا على الإنسان إذن أن يموت على مذبح الأرض؟ كم من البشر قتلوا على مرّ العصور على مذبح التراب؟ التراب هو ذاته في أي مكان من العالم. الأرض هي أيضاً ذاتها. لماذا أبررَ لنفسي جريمة أن أقتل في سبيل هذه الأرض، في حين أن الأرض الأخرى التي قد تكون أكثر جمالاً ونقاء لا تستحقّ منّي أن أعرق لأجلها؟ الأرض لا تعرف أبداً أني أحمل عنها هذه المفاهيم غير الطبيعيّة- الأرض أعقل من تلك الغرابات. وأنا لا أقتل ذاتي من أجل الأرض، بل من أجل مفهوم اخترعته لذاتي وأحطت به ذاتي وأدمنته حتّى الاختناق!

قداسة الأرض - مفهوم غير طبيعي أول من يحاربه الأرض، أم الطبيعة.

قداسة الأرض - حكاية عجائز لم يعد بالإمكان تحمّل تكراريتها التي تغتصب قلقنا الداخلي الجميل.

قداسة الأرض - حاجز ذاتي آخر يكبّل تفكيرنا.

من مات دون أرضه فهو شهيد: تعبير ردّدّناه كالببغاء النمامة العرجاء منذ خمسة عشر قرناً. لكن قبل أن نناقش هذا التعبير المحفّز للتقيؤ، دعونا نناقش مسألة الشهادة.

هل يعقل أن نضحّي بكيان موجود، اسمه الإنسان، لحساب مفاهيم هوائية، من طراز الشهادة؟ هل يعقل أن يقدّم الإنسان حياته التي يمتلكها، لأشباح مفاهيميّة أقرب ما تكون إلى نوع مستعص من الهيستيريا، كالشهادة؟ ومن الذي يضمن لي، فعليّاً، أني إذا مت سأحظى بما هو أفضل مما أحظى به في هذا العالم؟ هل مات أحد قبلي وجاء فرحاً ليخبرني أن العولام هاباه هو أفضل من عالمنا هذا؟ الشهادة، باختصار، مفهوم غبي يستغلّه الأقوياء والمتنفذون ومهووسو السيطرة لاستغلال الضعاف والإمعات بأفضل ما يمكن.

لقد مات كثيرون  في حربي الخليج، على سبيل المثال، وكان مصطلح الشهادة المملّ الأكثر استخداماُ في أفواه الحكّام: لكننا لم نسمع أن هذا الحاكم أو ذاك استشهد في سبيل القضيّة!! الحاكم، النبي، مؤسسو الحركات المفاهيميّة الكبرى والصغرى على حدّ سواء - كلّهم يشجعون على الشهادة: لكن لغيرهم. هم يريدون أن يكونوا أحياء عند ربّهم يرزقون  في هذه الدنيا: أمّا الناس العاديون، فالأفضل لهم أن  يُرزقوا في غير هذا العالم. موتوا كلّكم في سبيل الوطن، فأنتم شهداء - يقول الحاكم أو النبي؛ موتوا كلّكم من أجل أن يزداد نعيمي في الدنيا - يقول تفسيرنا عديم الحياء. انتحروا لحماية أراضيكم - يقول الحاكم أو النبي؛ انتحروا لأجل بقائي - يقول تفسيرنا غير الحيي؛ حاربوا الأعداء والمتآمرين - يقول الحاكم أو النبي؛ حاربوا الذين يريدون منافستي في حكمكم - يقول تفسيرنا الوقح.

وماذا يعني إن حكمنا رجل من بني ديننا أو من بني دين غيرنا؟ وماذا لو حكمنا رجل ينطق بلغتنا أم ينطق بلغة لا نفقه منها حرفاً؟ وماذا لو حكمنا رجل يختلف عنّا لوناً وجنساً وروحاً وحضارة؟ ما همّنا نحن من الحاكم إذا كانت علاقتنا به لا تتعدّى تسلّم القرارات والتوجيهات والأحكام؟ ما يهمّنا كمواطنين أن تكون الأحكام المتعلّقة بنا ديمقراطيّة، أن تكون التوجيهات عاقلة، أن تكون القرارت صائبة: بغضّ النظر عن الذي أصدرها لأن علاقتنا بهذا المصدر أحاديّة الجانب.

هنا لابدّ من الحديث  في مسألة ستزعج الجميع دون استثناء، وسيتبرّع كلّهم للإدلاء بدلو تخوينهم ومؤامراتهم في تلك البئر المفاهيميّة العفنة: هل كان استعمار الغريب - الفرنسي في الحالة اللبنانيّة مثلاً - أفضل أم استعمار هذا الذي يجمعنا به المكان واللغة وال...؟ وهل كان هؤلاء الذين لا يملّ إعلامنا الغريب  في لا عقلانيته الحديث عن بطولاتهم وأمجادهم في محاربة الاستعمار أبطالاً بالفعل، أم مجرّد قطّاع طرق وانتهازيين ومهووسي حكم ساقهم سوء حظّنا وبلاهة مفاهيمنا في دروب القداسة؟ يجب أن نكون واضحين أكثر ونطرح السؤال التالي، كأشخاص عايشنا الحرب اللبنانية - حرب المفاهيم النتنة - ورأينا بأم العين عمق مأساة التصحّر الفكري في سويسرا الشرق: هل لو كان الفرنسيون موجودين، كأمّة عقلانيّة علمانيّة حضاريّة، لوقعت تلك الحرب البدويّة؟ في اعتقادنا: لا!!! فنصف قرن من الوجود الفرنسي في لبنان، كان سيجعل من هذا الشعب البدوي التوراتي - التلمودي المتصحّر، مجتمعاً مدنيّاً علمانيّاً متحضّراً.

الصفحة الرئيسية