أنثروبومورفية : (أى خلع الصفات البشرية على الله)

1-     تعريفها: نعنى بهذه الكلمة وفقاً لاشتقاقها اللغوى التشبه بالإنسان، أن ننسب لله هيئة بشرية، وأن له أعضاء وعواطف مثلنا وأخذ عبارات الكتاب المقدس التى تتكلم عن الله ببأن له يدين، أوعينين أو أذنين، بمعناها الحرفى. وقد اقتضت هذه الخواطر، الزجر الإلهى منذ البداية : "ظننت أنى مثلك. أوبخك وأصف خطاياك أمام عينيك" (مز 50: 21).

2-     الأنثروبومورفية فى العهد القديم : والخوف من تهمة "الأنثروبومورفية" أى تصوير الله فى هيئة بشرية أكان له تأثير شديد بطريقة غريبة على كثير من الأذهان، ولكن بدون داع.  فهذه الكثرة الكاثرة من العبارات الأنثروبومورفية (التجسيم) الصريحة، يجب ألا تربكنا، فإن العهد القديم عندما ينسب لله صفات جسمانية أو عقلية أو أدبية شبيهة بما للإنسان، إنما يقصد تقريب الطبيعة الإلهية لأفهامنا، لا أن ينقل لله عيوب ومحدوديات الطبيعة والحياة البشرية.

3-     الأنثروبومورفية عنصر ضرورى : فى كل صور التوحيد الحقيقية، هناك عنصر أنثروبومورفى، لأنها جميعها تفترض تلك الحقيقة السيكولوجية، من وجود تشابه معين ولازم بين الله والإنسان. ومهما يكن كمال مفهومنا عن الله، فإننا لا نستطيع أن ننفى فى عالم الروح تماماً وجود عنصر الأنثروبومور فية (التجسيم)، الذى بدونه لا يمكن أن تكون هناك ديانة. إن من جوهر الوعى الدينى، أن نعترف بالتشابه الموجود فى علاقات الله بالإنسان، وعلاقات الإنسان، بأخيه الإنسان ويحذروننا من التحدث عن "المشيئة الإلهية" أو "القصد الإلهى" على أساس أن ذلك يبدو أنثروبومورفية (تجسيماً) جاوزت الحد، لأنه تشبيه أكثر مما يجب بالبشرية، البسيطة والسيكولوجية البشرية ويسمحون لنا فقط بالكلام عن "الأصل الإلهى" أو "الأساس الإلهى لوجودنا".

4-     الأنثروبومورفية والتفكير البشرى : ولكن هذه الاعتراضات الذهنية تنشاً فى الحقيقة  عن تفسير سطحى للحقائق الأولية للوعى الإنسانى الذى يتطلب فى أعماق الخبرة الداخلية حقاً لا يمكن مصادرته،  فى الحديث عن الطبيعة الإلهية بتعبيرات بشرية على أفضل ما فى استطاعتنا إن الواجب الأول على الفلسفة هو أن تقدر تقديراً صحيحاً هذه الحقائق الأساسية المباشرة فى طبيعتنا البشرية، فالحقائق فى كيانناً
لا يمكن أن تتغير بحسب هواها.
        وإذا كان لنا أن نعبر عن القوة غير المحسوسة والموجودة فى كل مكان والتى عنها تصدر كل الأشياء، فى عبارات القوة العادية، فكما يقول فسك : إن فى عبارة "القدرة غير المحدودة" من الأنثروبومورفية (التجسيم) مالا يقل عما فى عبارة "الشخص غير المحدود".

5-     الأنثروبومورفية والإيمان بالله : وبالإضافة إلى هذا فإن نفس الإنسان لا يمكن أن تقنع بالتعبير الأول، لأن النفس تطلب ما هو أكثر من مجرد الديناميكية، ولكن إذا نسبنا لله صفات معينة تمشياً مع خصائص القوة الوحيدة المتنوعة التى تقف خلف كل ظواهر الطبيعة، فإنما هذا ليساعد على تنقية فكرتنا عن الله من عناصر الأنثروبومورفية غير المقبولة، إن متطلبات التفكير الإنسانى تقتضى منا أن نرمز إلى طبيعة الله بطريقة سيكولوجية، يصبح له بها معنى حقيقى بالنسبة لنا، ومن ثم كانت صور التعبير "شبه الشخصية" أو الأنثروبومورفية (التجسيمية) تكمن فى أكمل مفاهيمنا عن الله، كما تكمن فى الأفكار العتيقة الطائشة عن الأرواح. ولو تخلصنا من كل أنواع الأنثروبومورفية لهدمنا بذلك الاعتقاد بوجود الله.

6-     الفكر الرمزى : إن الكلام ذاته يقال عنه إنه رمز حسى، وهو ما يجعل معرفة الله مستحيلة، إلى هذا الحد تذهب اعتراضات النقاد على الأنثروبومورفية، والكلام بهذا المعنى، يمكن أن يكون رمزاً لله ، ولكنه رمز به يمكن أن نميز أو ندرك الأشياء التى تسمو عن الحس، وهكذا، فإن مفاهيمنا المجردة ليست على أى اعتبار حسية، حتى ولو كانت تعبيراتنا قد انطلقت أصلاً من معنى حسى، ولذا فمن الخطأ أن نفترض أن معرفتنا بالله يجب أن تظل أنثروبومورفية فى محتواها، وأنه لا يمكن التفكير فى الكائن المطلق أو الجوهر المطلق، إلا فى صورة رمزية. والقاعدة فى تطور الدين كما للروح بعامة أن الروحى ينمو دائماً متميزاً عن الرمزى والحسى. وحقيقة أن معرفتنا لله قابلة للنمو، لا تجعل فكرة وجود الله مجرد فكرة نسبية، ومشابهة الله للإنسان من جهة الصفات والعناصر الجوهرية للروح الذاتية، يجب أن تعتبر حقيقة أساسية للكون. وبهذه الطريقة أو بهذا المعنى لابد أن تكون أى فكرة حقيقية عن الله، فكرة تجسيمية (أنثروبومورفية). .

7-     وحدة الوجود : لا يمكنا أن نثبت بطريق مباشر سواء سيكولوجياً أو تاريخياً أن الإنسان قد خلق حقيقة على صورة الله. ولكن من الناحية الأخرى، لا شك مطلقا فى أن الإنسان على الدوام تصور الله على صورة الإنسان، وليس فى طوق الإنسان أن يفعل غير ذلك. ومع أنه قد نزه مفاهيمه عن الله عن الصورة البشرية، ولم يعد يهتم كثيراً بالكلام عن الله باعتباره إلهاً يغار أو يندم أو يعاقب، حسبما يقتضى الحال، فإنه لا يتبع ذلك مطلقاً أن "إرادة الله" و "محبة الله" لم يعد لهما الأهمية القصوى للوعى الدينى. وكل الطاقات الخلاقة فى الإنسان العقلية والجمالية والأخلاقية والروحية تجتمع لاستنباط هذا المثل الأعلى، والإيمان بأنه الكائن المطلق والحقيقة المثالية فى عالم الحقيقة. وحتى فى صور وحدة الوجود الفلسفية،  لم تكف العوامل التى تتحكم فى حياة الإنسان الشخصية عن إبراز نفسها فى مفاهيم وحدة الوجود فى العمليات الكونية أو فى كيان العالم.

8-     المعرفة التشخيصية أو التوسطية : والإنسان يتصور الله على صورة الإنسان،  لأن الله قد عمل الإنسان على صورته (صورة الله)، والله الذى يصوره الإنسان لنفسه، هو قبل كل شئ، إله حقيقى، وليس من صنع العقل ولا شكلاً من اختلاق الخيال،  بل هو أصل كل الأشياء والحقيقة الأولى المبدعة وهكذا نرى أن أى قصور ناتج عن الطبيعة الأنثروبومورفية لمعرفتنا أو مفاهيمنا الدينية ليس خطيرا بالصورة التى يبدو بها لأول وهلة لأنه ليس نتيجة للصفة التشخيصية أو التوسطية لكل معرفتنا مهما كانت ولأن كل خبراتنا هى خبرات بشرية وعليه فهى أنثروبومورفية فليس هناك ما يزعج مطلقا فى استخدام هذه الكلمة "أنثروبومورفية" التى يجب ألا يكون لها أى تأثير معوق على عقولنا حيث أنه فى دائرة الروح تتطهر مفاهيمنا من أى شائبة و صبغة أنثروبومورفية ويصبح وعينا البشرى أكثر صفاء.

9-     التقدم الدينى : والقول كما سلف بأن كل معرفة إنما هى معرفة أنثروبومورفية ليس إلا لندرك طبيعتها المتطورة الجزئية القابلة للخطأ ولأن هذا صحيح على وجه التحديد عن معرفتنا عن الله فإن مفاهيمنا المتحسنة والمستكملة عن الله هى أهم سمات تقدم البشرية دينيا وفى المسار الدينى الطويل الذى استطاع فيه الفكر أن يتخلص من العبء الثقيل لتعدد الآلهة عند اليونان ليصل فى النهاية الى التوحيد الأخلاقى الصارم فى عصرنا الحاضر تخلصت الديانة شيئا فشيئا من ثيابها الأنثروبومورفية الفجة ويجب أن ندرك أن المثال الدينى الذى كونه الإنسان فى مفهومة للشخصية الكاملة هو مثال متأصل فى عالم الحقيقة والواقع ولا يمكن بغير ذلك أن نعرف الله الذى هو فوق الطبيعة إننا لا نستطيع أن ندركه إلا فى ضوء خبرتنا الذاتية الواعية.

10-   الفكر اليونانى : إنه لأمر حديث جدا وبالحرى غير مستنير أن يساء استخدام "الأنثروبومورفية" بإلصاقها للتحقير بكل محاولة لتشكيل مفهوم عن الله وفى أيام الإغريق كان إضفاء صورة بشرية أو جسمية على الآلهة هو الذى جعل زينوفانس يشكو من الأنثروبومورفية فقد رأى زينوفانس هذا أنه لا يجوز مطلقا محاولة رفع نوع معين من الكائنات المحدودة الى مكانة غير المحدود ولذلك أعلن : "هناك إله واحد أعظم من كل الآلهة والناس وهو لا يشبة الخلائق الفانية فى الشكل أو فى الفكر".

11-   الأنثروبومورفية عند الإسرائيليين : ولكن "الأنثروبومورفية" النامية عند اليونان لم تكن تظهر فى جعل الإله بشرا بقدر ما كانت تبدو فى القول بأن "الناس آلهة فانون" (معرضون للموت والفناء) وكانت الفكرة فى ذلك كما قال أرسطو هى أن الناس يصبحون آلهة لفضل عظيم فائق الحد وفى تعظيم طبيعة الإنسان بهذه الصورة كانت الأنثروبومورفية عند اليونان تختلف تماما عنها عند الإسرائيليين حيث كانت تميل لتصوير إلهها لا على شبة أى شئ فى السموات من فوق بل على شبه شئ على الأرض من تحت وبعض أساتذة العلم المحدثين هم سبب الاستخدام الحديث الملوم لهذا التعبير المألوف عندنا وهو مالا يحمدون عليه.

12-   الصعوبة المزدوجة للأنثروبومورفية : والصعوبة هنا مزدوجة فالديانة كما رأينا يجب أن تظل أنثروبومورفية بمعنى أننا لا نستطيع أن نتخلص من أن نغزو للكون أشكالا من عقولنا أو من حياتنا حيث أن الديانة متأصلة فى خبرتنا البشرية وكما سبق القول إن الدين فى هذه الناحية ليس فى موقف أسوأ من العلم لأنه ليس هناك أبعد عن الحق من الادعاء بأن العلم أقل أنثروبومورفية من الدين أو الفلسفة وكأن العلم ليس من نتاج التفكير البشرى ومظهره مثلهما إنه لمن الجلى الواضح أن رجل العلم فى أى مجال يمكن أن يبلغه فى معرفة الحقيقة لا يستطيع أن يهرب من ظله أكثر مما يستطيع رجل الدين أو رجل الفلسفة أن يهرب من شراك طبيعته وقواه لأن المعرفة من اى نوع كانت دينية أو علمية أو فلسفية - يلزمها نوع من أنثروبومورفية الصحيحة لأنها من جوهر العقلانية والطبيعة التى يقول العلم إنه يعرفها هى فى الحقيقة من صنع تصور الإنسان فهى مثل صانعها وليقل العلم ما يشاء فهذه هى الحقيقة الموضوعية للعلم فهى معرفة إذا نظرنا إليها بعين النقد لا تصح إلا ذاتيا وليس من سبيل غير النموذج البشرى يستطيع به العلم أن يدرك كيان العالم وإنه لأمر خطير أن هذا العنصر أو العامل البشرى كثيرا ما اقتحم على نحو غير ملائم عالم الله لينزل به الى مستوى الأهداف والمفاهيم البشرية

13-   الحاجة الى الأرتقاء : وهنا نأتى للوجة الثانى للصعوبة فى الأنثروبومورفية وهو الحاجة الى تحرير الديانة من النزعة الأنثروبومورفية حيث أنها لا يمكن أن تكون الوسيلة الكافية لإعلان الحق طالما كانت أنثروبومورفية مشوبة تجعل الحقيقة خاضعة لظروف نوع معين من الخلائق إنه لمن الجلى الواضح أن الدين الذى يهدف الى رفع الإنسان فوق محدوديات كيانه الطبيعى لا يمكن أن يحقق غايته طالما يظل بكاملة داخل الدائرة البشرية عوضا عن أن يكون كونيا شاملا فائقا مستقلا تماما وهذا هو على وجه التحديد السبب فى أن الدين يعطى حياة الإنسان دفعة روحية بها يرتفع الى مركز جديد للجاذبية مركز اليقين الصادق فى الكون فيرتفع فى الحقيقة فوق الزمان ومحدوديته الى مشاركة السرمدى فى وجوده الكونى الفائق للطبيعة إنه يفعل هذا بدون الإحساس بالحاجة الى الاستسلام للنزعة الأنثروبومورفية الموجودة فى عصرنا والتى تنسب الى الله احتياجه الى موضوع للمحبة وكأن كماله فى ذاته لم يكن كفيلا بتحقيق مثال المحبة غير المحدود فى ذاته وبدون الاعتماد على مثل هذا الموضوع.

14-   الله فى المسيح : ونحن نؤكد أن الله فى المسيح بإعلانه لحقيقة مشابهة الإنسان لله فى كونه أبديا قد كشف عن الأنثروبومورفية الصحيحة فى معرفتنا بالله إنها تتعلق بالصفات الجوهرية والعناصر الأساسية للروح الشخصية فمن السهل أن نرى كيف بدأ خلع الصورة البشرية وأعضاء الجسد البشرى على الله وغيرها من الصفات غير الجوهرية فى الشخصية فما يذكره الكتاب عن يد الله وعين الله وأذن الله ليس إلا تقريبات تتمشى مع نمو الناس روحيا إنه أسلوب للحديث كما يقول كلفن شبيه بلغة المرضعة لطفلها ولكننا نتخلص تماما من عقدة الأنثروبومورفية متى أدركنا تماما ما يقوله إشعياء
(55 : 8) من أن أفكار الله ليست كأفكارنا ولا طرق الله كطرقنا.