أنت المسيح ابن الله الحي

الأنبا . غريغوريوس أسقف عام للدراسات العليا والثقافة القبطية والبحث العلمي


لماذا نحن مسيحيون؟

هذا سؤال يمكن أن نجيب عليه من زوايا كثيرة. لكننا على جميع الأحوال مسيحيون لأننا ننتسب إلى المسيح، ولأننا نؤمن بالمسيح، وقد صرنا تلاميذه أتباعه. قال الكتاب المقدس: «دُعِيَ التَّلاَمِيذُ: مَسِيحِيِّينَ» (أعمال ١١: ٢٦ انظر أيضاً أعمال ٢٦: ٢٨ رسالة القديس بطرس الأولى ٤: ١٦). تماماً كما نسمى نصارى (أو ناصرييبن أعمال ٢٤: ٥). لأننا من أتباع «يسوع الناصري» (متى ٢: ٢٣، ٢٦: ٧١، مرقس ١: ٢٤، ١٠: ٤٧، ١٤: ٦٧ لوقا ٤: ٣٤، ١٨: ٣٧، ٢٤: ١٩، يوحنا ١٨: ٥ و٧، ١٩: ١٩، أعمال ٢: ٢٢، ٦: ١٤، ٢٢: ٨، ٢٦: ٩)، «يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ»(أعمال ٣: ٦، ٤: ١٠)، «يَسُوعُ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ» (متى ٢١: ١١، مرقس ١: ٩، لوقا ١: ٢٦، ٢: ٤، ٣٩، ٥١، يوحنا ١: ٤٥، أعمال ١٠: ٣٨). حيث نشأ (لوقا ٤: ١٦).

على أن آخرين غيرنا يؤمنون بالمسيح ومع ذلك لا يدعون مسيحيين. ذلك أن المسيح عندهم غيره عندنا.

المسيح عندنا نحن المسيحيين ليس مجرد نبي من أمثال موسى وإشعياء وإرميا وغيرهم من الأنبياء...

وإن كان قد أخذ في ناسوته أي إنسانته من بين ما أخذ من وظائف، وظيفة نبي، حي «اَللّٰهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلٱبْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلآبِ هُوَ خَبَّرَ» (يوحنا ١: ١٨)، كما أنبأ عن أمور كثيرة لتحدث في المستقبل القريب والبعيد (كما سنرى ذلك في حينه)...

إنه بالأحرى هو «الكلمة» الذي تكلم على أفواه الأنبياء القديسين جميعاً...

لكنه ليس مجرد نبي مثلهم...

إنه معلمهم ومربيهم كما يقول أكليمنضس الاسكندري (١٥٠م - ٢١٦م) في كتابه «المربى» (كتاب من أهم كتب أكليمنضس الاسكندري وهو في ثلاثة أجزاء).

وليس المسيح عندنا نحن المسيحيين عبد الله.

وإن كان قد أخذ في إنسانيته صورة عبد... حجب صورة الرب ولبس صورة العبد «ٱلَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ ٱللّٰهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلّٰهِ. لٰكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ» (فيلبي ٢: ٦ و٧. انظر أيضاً إشعياء ١: ٤٢، زكريا ٣: ٨).

وليس المسيح عندنا نحن المسيحيين رسول الله كما كان إيليا وأليشع ويوحنا المعمدان وغيرهم من عبيد الله الذين أرسلهم إلى الناس رحمة وهدى...

وليس كما أرسل المسيح تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس ومرقس وغيرهم من الاثني عشر أو من السبعين...

حقاً إن المسيح صاحب رسالة جاء ليبلغها ويحققها لكنه مع ذلك ليس رسولاً كما كانت الرسل من قبله أو من بعده.

وحقاً كثيراً ما قال المسيح إن «ٱلآبِ... أَرْسَلَنِي» (يوحنا ٥: ٢٣، ٣٠، ٦: ٣٩، ٤٤، ٥٧، ٨: ١٦، ١٨، ١٢: ٤٩).

ولكن ما أبعد الفرق بين الإرسالية بهذا المعنى، والإرسال بالمفهوم السائد بالنسبة للأنبياء والرسل من بين الناس...

تلك الأولى إرسالية باطنية في داخل الوحدة الثالوثية (الآب والابن والروح القدس) وأما الأخرى فإرسالية خارجية، إرسالية من الخالق للمخلوق.

ولقد قال المسيح عن نفسه «ٱلآبِ... أَرْسَلَنِي» ليؤكد الوحدانية وينفي وجود جوهرين أو إلهين، وليطمئن اليهود من بني إسرائيل - وهم أهل توحيد - لأنه لا يدعى الألوهة لنفسه مفترقاً عن الآب السماوي، كأنه إله جديد ذو كيان مستقل عن كيان الآب وجوهره... فالمسيح كان دائماً يؤكد على مبدأ الوحدانية، وأنه ليس يوجد غير إله واحد، كيان واحد، ذات إلهية واحدة... فالآب والابن والروح القدس جوهر واحد غير منقسم، وذات واحدة غير متجزئة... لأنه ليس في الوجود غير إله واحد..

إذن لقد قال المسيح عن نفسه أن «ٱلآبِ... أَرْسَلَنِي» ليؤكد على حقيقة الوحدانية، وأن في السماء جوهراً واحداً، وأصلاً واحداً، وذاتاً إلهية واحدة.

لماذا هذا البحث؟

كان منطقياً أن نبدأ السؤال «لماذا هذا البحث؟» «لماذا نحن مسيحيون؟».

ولكننا أرجأناه لنبين أن هذا الموضوع أهم للمسيحيين قبل أي موضوع آخر، لأن كيان مسيحيتهم يقوم عليه، ولأن المسيحيين بغير إيمانهم بلاهوت المسيح لا يكونون مسيحيين...

فإذا كان إيمان المسيحيين في المسيح أنه نبي، وعبد الله ورسوله، فهم بذلك لا يفترقون عن غير المسيحيين ممن يحترمون المسيح ودعوته.. لكن الذي يميّز المسيحيين عن غيرهم ويجعلهم مسيحيين... هو إيمانهم الخاص بالمسيح، الذي يتميزون به عن غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى. قال الإنجيل:

«وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ سَأَلَ تَلاَمِيذَهُ: «مَنْ يَقُولُ ٱلنَّاسُ إِنِّي أَنَا ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ؟» فَقَالُوا: «قَوْمٌ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ ٱلأَنْبِيَاءِ». قَالَ لَهُمْ: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «أَنْتَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْماً وَدَماً لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لٰكِنَّ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضاً: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هٰذِهِ ٱلصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ ٱلْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا» (متى ١٦: ١٣-١٨، مرقس ٨: ٢٧-٢٩، لوقا ٩: ١٨-٢٠).

لقد أبان الإنجيل بهذا ان هناك حيرة بين الناس في زمان المسيح في من هو المسيح، وقد اختلفوا بين قائل أنه يوحنا المعمدان قد قام من بين الأموات في شخص يسوع المسيح، ومن قائل أنه إيليا الذي اختطفته في القديم مركبة نارية إلى السماء قد عاد إلى الأرض في شخص المسيح، ومن قائل أنه إرميا النبي الذي قتله اليهود رمياً بالحجارة وقد عاد إلى الحياة في شخص المسيح...

تلك كانت أقوال تتردد بين الناس في زمن المسيح حتى ذلك الوقت من تاريخ حياته على الأرض، ولكنها كانت جميعها أقوالاً خاطئة تعبر عن حيرة وتردد... وعندما سأل المسيح تلاميذه عن رأيهم فيه من يكون؟ أجاب القديس بطرس وهو أكبر تلاميذه سناً وكان لذلك يتقدمهم في الكلام، معبراً عن ألسنة الباقين من سائر التلاميذ «أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ» (يوحنا ٦: ٦٩) فكانت إجابة بطرس هي جواب جميع التلاميذ الذين عرفوا المعلم عن قرب... وكانت هي الإيمان الخاص الذي يتميز عن إيمان كثيرين من مواطنيهم ومعاصريهم... الإيمان الي توصلوا إليه ككشف ثمين بعد طول عهدهم بمعرفة سيدهم ولم يعرفوه لأول وهلة ولكنه نما فيهم متطوراً من مرحلة إلى مرحلة... ولذلك غبطهم المسيح في شخص بطرس بقوله: «طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (متى ١٦: ١٧) مبيناً بذلك أن حقيقة لاهوت المسيح يخفيها ناسوته، ويحجبها شكل إنسانيته، فلا يرى المتطلع إليه إلا إنساناً ابن إنسان من لحم ومن دم، مشابه للناس جميعاً لأنه في صورة الناس... أما الإيمان بأن «يسوع الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ» على الرغم من اللحم والدم، فهذا إيمان روحاني بأمر غير ملموس يجيء نتيجة كشف إلهي وإعلان سماوي.

على أن المسيح بجوابه على بطرس والتلاميذ معه قد أثنى على إيمانهم بأنه «ابْنُ اللهِ الْحَيِّ» واعترافهم بهذه الحقيقة التي صارت ركيزة الإيمان المسيحي التي يقوم عليها إيمان المسيحيين جميعاً في المسيح ومن دونها لا يكونون مسيحيين.

بل إن المسيح صرّح بعبارة خالدة هي حقيقة أزلية أبدية: «وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي» (متى ١٦: ١٨) أي أن الإيمان بأن «يسوع الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ» هو الصخرة التي يبني المسيح كنيسته عليها ، وبعبارة أخرى أن بناء الكنيسة المسيحية قائم على صخرة، وهذه الصخرة هي الإيمان بأن «يسوع الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ». والاعتراف الذي نطق به القديس بطرس معبراً عن زملائه الرسل الآخرين وكل من آمن بالمسيح بعدهم...

ولما كان القديس بطرس هو أكبر الرسل سناً، وهو المتقدم عنهم في الكلام، والناطق بلسانهم، وكان إيمانه كإيمانهم صحيحاً، واعترافه بالنيابة عنهم سليماً فقد صار - وصار الرسل معه - أول حجر وضعه المسيح على صخرة الإيمان بلاهوته. ولهذا غيّر المسيح اسم الناطق بلاهوته من سمعان إلى «بطرس» حيث ان بطرس معناه «حجر» ، وكذلك - بالسريانية كيفا أو صفا... أي«حجر» وليس صخرة (انظر كتاب الحقائق الجلية في الأبحاث التاريخية، الأدبية والفلسفية تأليف قداسة البطريرك مار أغناطيوس يعقوب الثالث بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، دمشق ١٩٧٢ صفحة ١١٦).

وبطرس إذن ليس هو الصخرة «لأنه مَنْ هُوَ صَخْرَةٌ غَيْرُ إِلٰهِنَا» (٢صموئيل ٢٢: ٣٢، مزمور ١٨: ٣١، ١صموئيل ٢: ٢). ولأن «َٱلصَّخْرَةُ كَانَتِ ٱلْمَسِيحَ» (الرسالة الأولى إلى كورنثوس ١٠: ٤) وإنما بطرس بسبب اعترافه صار أول «حجر» أقيم على هذه الصخرة... والرسل الآخرون كانوا مع بطرس في إيمانه واعترافه ضمناً فكانوا ضمناً معه حجارة مبنية على الصخرة -«صَخْرَ ٱلدُّهُورِ» (إشعياء ٢٦: ٤) - «مَبْنِيِّينَ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ، بَيْتاً رُوحِيّاً، كَهَنُوتاً مُقَدَّساً، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ ٱللّٰهِ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (رسالة القديس بطرس الأولى ٢: ٥) وكان كل منهم حجراً... وكان منهم «بطرس آخر» له الطوبى التي نالها القديس بطرس... وله نفس المفاتيح التي نالها القديس بطرس بإيمانه واعترافه المماثل لإيمان سائر التلاميذ واعترافهم: « وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى ٱلأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطاً فِي ٱلسَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى ٱلأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (متى ١٦: ١٩) حتى أن المسيح له المجد أعاد الكلام عن هذا السلطان مرة أخرى، ولكن في صيغة الجمع، موجهاً الكلام في هذه المرة للتلاميذ والرسل جميعاً «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى ٱلأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطاً فِي ٱلسَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى ٱلأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي ٱلسَّمَاءِ» (متى ١٨: ١٨).

يقول العلامة أوريجينوس (١٨٥ - ٢٥٤ م) : «إذا قلنا نحن أيضاً ما قاله بطرس «أَنْتَ هو الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ».. نصير نحن بطرس. ومن ثم يقال لنا من قبل الكلمة (المسيح): (أنت بطرس).. وسائر القول..»

لكن إذا ظننت أنه على بطرس وحده يبني الله الكنيسة، فماذا نقول عن يوحنا «ابن الرعد» أو عن كل واحد من الرسل؟ ثم هل تجرؤ على القول أنه على بطرس «أَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا»(متى ١٦: ١٨) وأنها تقوى عى سائر الرسل والكاملين من الناس؟ أليس قوله «وأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا» وكذلك قوله الآخر «عَلَى هٰذِهِ ٱلصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي» هو قول للجميع ولكل واحد منهم؟ ثم هل مفاتيح ملكوت السماوات أعطاها الرب لبطرس وحده، وهل أخذها أحد آخر من المطوبين؟ أما إذا كان قوله «أُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ»من نصيب الآخرين أيضاً، فكيف لا تكون كذلك الأقوال الأخرى التي قيلت قبل ذلك والتي قيلت بعد ذلك كأنها موجهة لبطرس (أوريجينوس: تفسيره لإنجيل متى، الجزء ١٢: ٩، ١٠، ١١) ومعنى كلام أوريجينوس أن ما قاله السيد المسيح لبطرس إنما قاله إلى جميع الرسل في شخص بطرس.

ويقول القديس أوغسطينوس (٣٥٤ - ٤٣٠م):

«فالصخرة كانت المسيح، وعلى أساسها قد بنى بطرس نفسه (لأنه لا يستطيع أحد أن يصنع أساساً آخر غير الذي وضع، الذي هو يسوع المسيح) (Augustinus، Tract. ١٢٤ in Joann. n. ٥.)».

ويقول القديس أغسطينوس أيضاً «إني أعلم أنني قد شرحت مراراً كثيرة ما قاله الرب أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي، إنها يجب أن تفهم على هذا النحو أنه عليه هو (أي المسيح) الذي اعترف به بطرس (أَنْتَ هو الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ). وعلى ذلك فإن بطرس بالاسم الذي سمى به يمثل شخص الكنيسة التي بنيت على هذه الصخرة والذي أخذ مفاتيح ملكوت السماوات. لأنه ما قيل له أنت الصخرة Petra بل بطرس Petrus. أما الصخرة فهي المسيح الذي اعترف به بطرس والذي تعترف به الكنيسة كلها (العظة رقم ٢٩٥ في Nat. Apost Petr. et Pauli، n. ١-٤)».

إذن المسيح والإيمان بلاهوت المسيح والاعتراف بأن يسوع المسيح الله الحي، هو الصخرة التي بنى المسيح كنيسته عليها.

فالكنيسة المسيحية إذن، قيامها هو بإيمانها بالمسيح أنه ابن الله الحي... طالما أن الإيمان بلاهوت المسيح قائم فالكنيسة قائمة.. فإذا زال الإيمان بلاهوت المسيح زالت الكنيسة.

لكن الإيمان بأن المسيح ابن الله الحي لن يزول لأنه حقيقة أزلية أبدية... فالكنيسة إذن ستظل باقية ببقاء هذه الحقيقة فيها، وهي الصخرة التي يقوم عليها بنيانها وهذا هو وعد المسيح لها:«وأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا».. وعد لن يسقط أبداً.. لأن المسيح ضامنه.. إن الكنيسة لن تضل أبداً.. لن يزول منها الإيمان بلاهوت المسيح.. لا حاضراً. ولا مستقبلاً.. لن يتزعزع يقينها في اعترافها بأن يسوع هو المسيح ابن الله الحي... قد يظهر هراطقة من حين إلى آخر يشككون في هذه القضية الإيمانية وهذه الحقيقة الأزلية.. وقد ظهر فعلاً هراطقة في التاريخ المسيحي وأهاجوا بفعل الشيطان عاصفة على سفينة المسيح.. وضربت العاصفة على جوانب الكنيسة وكانت العاصفة شديدة حتى لكادت السفينة تغرق.. ولكنها لم تغرق.. ولن تغرق.. فقد أرسل حاميها وضامنها في الوقت المناسب القديس أثناسيوس رسولاً أمسك بدفتها.. وبمعونة علوية ومسحة سماوية قاد السفينة بأمانة وحكمة.. فنجت الكنيسة ولم تغرق.. وتبددت العواصف.. وهدأت الأمواج.. وسارت السفينة في طريقها بأمان.. وخرجت من العاصفة أكثر قوة وأوفر كرامة..

وقامت و تقوم عواصف مثل تلك الأولى.. ولكن المسيح حاميها وضامنها لن يسمح أبداً للكنيسة أن تزول..فسيبقى فيها دائماً الإيمان بلاهوت المسيح.. إلى يوم مجيء المسيح الثاني.. وإلى أن تدخل الكنيسة يوم الراحة الأبدية في ملكوت الله...

هذه إذن هي أهمية القضية اللاهوتية التي نكتب عنها في هذا الكتاب.. ولسنا أول من كتب عنها.. لأنها قضية الحق الأزلي.. الحق الذي أشرق من العلى بمجيء المسيح إلى العالم.. جاء لا ليزول بل ليبقى إلى الأبد.. ولا بد أن يجد مقاومة من الشيطان وجنوده.. ولكنه سيظل هو حق الله.. وسيقى قائماً ما بقيت الحياة وما بقي الخلود.. لأنه حق.. والحق لا يُعلى عليه.

هذه هي أهمية الحقيقة الأزلية الأبدية أن «يسوع الْمَسِيحُ هو ابْنُ اللهِ الْحَيِّ».. الحقيقة المسيحية رقم ١.. والتي بها نكون مسيحيين وبغيرها لا ولن نكون مسيحيين .

ثلاث قضايا هامة أولية

بعد أن شرحنا أهمية الكلام عن لاهوت المسيح، نرى أن نثبت هنا ثلاث قضايا هامة أولية قبل أن نمضي في البرهنة على ألوهية مخلصنا وفادينا يسوع المسيح.

القضية الأولى - عقيدة المسيحيين في المسيح:

قلنا في مقدمة الكتاب أن المسيح عندنا نحن المسيحيين ليس مجرد نبي، ولا رئيساً للأنبياء.. إنه أسمى من الأنبياء جميعاً.. إنه بالأحرى «الكلمة» الذي تكلم على أفواه جميع الأنبياء القديسين.. إنه معلمهم ومربيهم وملهمهم ..

وقلنا أيضاً أن المسيح عندنا نحن المسيحيين ليس عبد الله ورسوله.. إنه الرب الذي لبس صورة العبد..

إنه الكائن الذي كان والدائم إلى الأبد (من القداس الغريغوري - عن سفر الرؤيا ١: ٨). وفي الزمان جاء إلى العالم، محتجباً في إنسانية من طبيعة إنسانيتنا.. فهو الرسول.. وهو المرسل.. وهو الرسالة. هو لنا كل شيء.

كان في السماء (يوحنا ١: ١ و٢) ونزل (يوحنا ٦: ٣٨، ٤١، ٤٢) إلينا على الأرض.. وحل بيننا (يوحنا ١: ١٤) ومعنا (متى ١: ٢٣) وفينا.. ولم يخل السماء من وجوده..

وبعد أن تمم الفداء والخلاص صعد بناسوته إلى السماء ولم يخل الأرض من وجوده.. « وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ إِلَّا ٱلَّذِي نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي هُوَ فِي ٱلسَّمَاءِ» (يوحنا ٣: ١٣) ففي الوقت الذي كان على الأرض، كان في نفس الوقت في السماء.

هو «الكلمة» . «وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللّٰهَ» (يوحنا ١: ١).. «وفي كلمنا الله» (عبرانيين ١: ٢)..

هو الكلمة.. أي هو اللوغوس.. هو العقل الإلهي.. والعقل الأول ومن بعده كل العقول.. فهو خالقها جميعاً.. هو العقل الكائن في الذات الإلهية منذ الأزل، ولم تمر لحظة من الزمان كانت الذات الإلهية ولم يكن العقل في الذات، وإلا فكيف يكون هو الله من غير أن يكون له عقل أو فيه عقل.. وليس العقل في الله جزءاً من الله، لأن الله لا يتجزأ.. إنه كله عقل.. ولا مادة فيه.. إنه العقل الأول.. والمطلق.. وهو العاقل لذاته وللوجود.. والمعقول من ذاته أيضاً.. هو الله الكلمة.. والكلمة الفاعلة.. لأنه هو الخالق.. (كولوسي ١: ١٦، عبرانيين ١: ٢) «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. كَانَ فِي ٱلْعَالَمِ، وَكُوِّنَ ٱلْعَالَمُ بِهِ» (يوحنا ١: ٣ و١٠).

فهو العقل.. وهو الفعل.

هو الله الكلمة.. لأنه تجسد (يوحنا ١: ١٤) أو اتخذ جسداً.. والعقل يتجسد في الكلمة.. والكلمة هو العقل متجسداً..

هو النور الحقيقي (يوحنا ١: ٩) الأزلي وقد صار متحجباً في الناسوت.. لكن من دون أن يبطل الناسوت وجود اللاهوت، وعمل اللاهوت.. إنه بإرادته شاء أن يحتجب في الناسوت ويستتر فيه، حتى يستطيع الإنسان أن يراه ويعيش فقد قال الله في القديم «لأَنَّ ٱلإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ» (خروج ٣٣: ٢٠).

وقال الوحي أيضاً «لأَنَّ إِلٰهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ» (عبرانيين ١٢: ٢٩)، وقال الوحي أيضاً «ٱلَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ ٱلْمَوْتِ، سَاكِناً فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، ٱلَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ» (الرسالة الأولى إلى تيموثاوس ٦: ١٦).

يقترب الله من الإنسان، وتنشأ بينهما علاقة قرب فحب، شاء أن يتخذ جسداً من طبيعة جسدنا، يحتجب فيه حتى لا يحترق الناس بنار لاهوته.

وهو ابن الله الوحيد.. (يوحنا ١: ١٤، ١٨ رسالة القديس يوحنا الأولى ٤: ٩)، الابن بالطبيعة والجوهر.. لأنه من طبيعة الآب ومن جوهره.. وهو واحد معه في الجوهر (يوحنا ١٠: ٣٠).

وهو ابن الله لأننا فيه قد رأينا الله غير المنظور.. (يوحنا ١: ١٨، كولوسي ١: ١٥) «اَللّٰهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلٱبْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلآبِ هُوَ خَبَّرَ» (يوحنا ١: ١٨).

فقد قال المسيح أيضاً «اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى ٱلآبَ» (يوحنا ١٤: ٩).

وهو الله الظاهر في الجسد.. (الرسالة الأولى إلى تيموثاوس ٣: ١٦) هو الله ذاته لابساً صورة إنسان.. الله نفسه مختفياً في شكل إنسان.. هو الله وقد صار له بالتجسد كيان جسدي معروف وملموس في المكان من دون أن يحده مكان.. فقد كان على الأرض وفي السماء في وقت واحد « وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ إِلَّا ٱلَّذِي نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي هُوَ فِي ٱلسَّمَاءِ» (يوحنا ٣: ١٣).

أي أنه حين نزل من السماء واتخذ له جسداً وصار بين الناس ابن إنسان، كان بلاهوته يملأ السماوات، وحين صعد إلى السماء بعد الصليب والقيامة كان ولا يزال يملأ الأرض والسماوات بلاهوته.

المسيح إذن هو الله «فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ ٱللَّاهُوتِ جَسَدِيّاً» (كولوسي ٢: ٩).

القضية الثانية - إن إيمان مسيحيي اليوم في المسيح هو بعينه إيمان المسيحيين الأوائل:

إن إيماننا بلاهوت المسيح لم يتطور ولم يتغير.

ليست عقيدتنا اليوم في المسيح هي فلسفة المحدثين منا. فنحن لا نقول اليوم شيئاً جديداً لم يقل به الرسل الأطهار، وآباء الكنيسة الأوائل.

إن إيماننا هو بعينه الإيمان الرسولي الذي علّم به الرسل ودافعوا عنه ونشروه بين الناس في كل البلاد، وماتوا في سبيله شهداء، ورووا بدمائهم شجرة الإيمان، وأسسوا عليه الكنيسة الجامعة الرسولية.

نقول هذا رداً على كل من زعموا ويزعمون بهتاناً، أن عقديتنا في المسيح قد تطورت. إن في إمكاننا أن نورد ما لا حصر له من النصوص الواردة في الكتب المقدسة، وفي كتب الآباء الرسوليين وجميع آباء الكنيسة منذ أقدم الأزمنة، إيضاحاً وتبياناً لهذه الحقيقة، إن إيماننا اليوم في المسيح هو الإيمان الذي كرز فيه الأقدمون وبشروا به وماتوا في سبيل الذود عنه. ولسوف يجيء ذلك في حينه.

أما الذين قالوا ويقولون بغير ما علّم آباؤنا الأوائل، وبغير ما نعلّم به اليوم، فهم الهراطقة الذين خرجوا على إيمان الكنيسة المسيحية وتعليمها من مثال الآريوسيين في القديم، وشهود يهوه في الأزمنة الحديثة. ولكن هؤلاء خوارج لا يمثلون الإيمان في المسيح: «مِنَّا خَرَجُوا، لٰكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لٰكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا» (رسالة القديس يوحنا الأولى ٢: ١٩).

القضية الثالثة - إن جميع المسيحيين اليوم وما قبل اليوم مجمعون على حقيقة لاهوت المسيح:

ليس هناك خلاف بين المسيحيين في هذه القضية. إن المسيحيين جميعاً على اتفاق في لاهوت المسيح. كلهم يؤمنون بألوهته، وأنه ابن الله الحي، وأنه الله الظاهر في الجسد، وأنه الإله المتأنس. الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت، جميعهم يعلّمون بهذا التعليم في كتبهم وعلى منابرهم، ويعلّمون به أولادهم.

أما شهود يهوه فهم غير مسيحيين. وعلى هذا يجمع الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت. أن مذهب شهود يهوه مذهب يهودي متطرف، وصهيوني أيضاً، يبرأ منه جميع المسيحيين ويعتبرونه هرطقة، وأضلولة، وكفراً.

نقول هذا رداً على بعض المؤلفين الذين نشروا في السنوات الأخيرة كتباً زعموا فيها بأن المسيحيين على اختلاف في شخص المسيح. وليس هذا الزعم صحيحاً.

هناك اختلاف لا يُنكر في بعض المسائل الفرعية، لكن ليس هناك اختلاف بين المسيحيين في عقائد المسيحية العظمى. فجميع المسيحيين من الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت يؤمنون بالله الواحد المثلث الأقانيم، وبلاهوت المسيح، وبسر التجسد، وبسر الفداء، وبالخلود والقيامة وبالحساب وبالثواب والعقاب.

هناك اختلاف في التعبير عن الاتحاد القائم بين لاهوت المسيح وناسوته أي إنسانيته. فالكنائس الأرثوذكسية الشرقية القديمة ومنها كنيستنا، كنيسة الإسكندرية، تقول: إن الاتحاد بين لاهوت المسيح وناسوته اتحاد تام لكن بغير اختلاط وبغير امتزاج وبغير تغيير وأن اللاهوت والناسوت قد صارا باتحداهما طبيعة واحدة هي طبيعة الإله المتأنس، لها صفات الطبيعتين. فالمسيح ذو طبيعة واحدة من طبيعتين. والكنائس الخلقيدونية الشرقية والغربية تقول أيضاً بأن الاتحاد بين لاهوت المسيح وناسوته اتحاد تام، لكنها تخشى القول بأن المسيح ذو طبيعة واحدة خوفاً من أن ينطوي هذا التعبير على امتصاص اللاهوت للناسوت وضياع الناسوت في اللاهوت كما زعم بوطيخا، فتقول: إن المسيح شخص واحد في طبيعتين متحدتين إلهية وإنسانية. ومن هذا يتبين أن هذا الخلاف بين الفريقين ليس خلافاً على شخص المسيح، وليس خلافاً على أنه الإله المتأنس والمتجسد، وليس خلافاً على الاتحاد التام ين لاهوته وناسوته، وإنما كل الخلاف هو في «الصيغة» وفي «التعبير» الذي يعبر بدقة تامة عن هذا الاتحاد التام بين اللاهوت والناسوت.

وإذن فالخلاف القائم هو خلاف على التعبير الأكثر سلامة والأكثر دقة الذي يصف كيفية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح الواحد. أما أن المسيح هو الإله المتأنس، فلا خلاف بين المسيحيين فيه.

يسوع المسيح ينسب إلى ذاته الألوهة

إن التعليم بلاهوت المسيح لم يخترعه المسيحيون ولا ابتكره من عندياتهم، ولكنهم أخذوه أول ما أخذوه عن المسيح رأساً، ثم عن تلاميذه ورسله من بعده ممن أخذوا عنه وتتلمذوا عليه وكانوا امتداداً له في تعليمه.

لقد علم المسيح بألوهته على الرغم من أنه أخفى لاهوته عن الشيطان وعملائه من اليهود.

ففي أكثر من موضوع يوصي تلاميذه ويأمرهم بأن لا يظهروه على حقيقته اللاهوتية للناس إلا بعد أن يقوم من بين الأموات حتى لا يتعطل عمل الفداء.

من ذلك أنه بعد أن تجلى على الجبل بمجد لاهوته أمام تلاميذه: «وَفِيمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ ٱلْجَبَلِ أَوْصَاهُمْ يَسُوعُ قَائِلاً: «لاَ تُعْلِمُوا أَحَداً بِمَا رَأَيْتُمْ حَتَّى يَقُومَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ» (متى ١٧: ٩ مرقس ٩: ٩). ويقول الإنجيل «فَسَكَتُوا وَلَمْ يُخْبِرُوا أَحَداً فِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَبْصَرُوهُ» (لوقا ٩: ٣٦).

بل إنه بعد أن سأل تلاميذه: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» وأجابه تلميذه الأكبر سناً سمعان بطرس بلسان جميع التلاميذ وقال «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!» (متى ١٦: ١٥ و١٦) يقول الإنجيل في نهاية الحوار «حِينَئِذٍ أَوْصَى تَلاَمِيذَهُ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ» (متى ١٦: ٢٠) بل «ٱنْتَهَرَهُمْ كَيْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ عَنْهُ» (مرقس ٨: ٣٠، لوقا ٩: ٢١).

هذا إلى أنه كان يزجر بعض الشياطين إذا صرخوا وأعلنوا أنه ابن الله (مرقس ٣: ١١، ٥: ٧، متى ٨: ٢٩، لوقا ٤: ٤١، ٨: ٢٨). أو أنه قدوس الله (مرقس ١: ٢٤، لوقا ٤: ٣٤). على الرغم من أنه مدح إيمان تلاميذه واعتراف القديس بطرس (متى ١٦: ١٦، يوحنا ٦: ٦٩) واعتراف من سبقه إلى ذلك من أمثال يوحنا المعمدان، قال يوحنا المعمدان: « وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هٰذَا هُوَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ» (يوحنا ١: ٣٤، ٣: ٣٥، ٣٦). ونثنائيل (يوحنا ١: ٤٩) وهو برثولماوس الرسول وآخرين (متى ١٤: ٣٣، يوحنا ١١: ٢٧، أعمال الرسل ٨: ٣٧، ٩: ٢٠، رومية ١: ٤، ١يوحنا ٤: ١٥، ٥: ٥ و١٣). وعلى الرغم من أنه أعلنه صراحة للمولود الأعمى الذي شفاه (يوحنا ٩: ٣٥-٣٨) وأعلنه لرئيس الكهنة عندما استحلفه أثناء المحاكمة أمام مجمع السنهدريم وقال له: «أَسْتَحْلِفُكَ بِٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ قُلْتَ!» (متى ٢٦: ٦٣ و٦٤ مرقس ١٤: ٦١ و٦٢، لوقا ٢٢: ٧٠). بل سبق الملاك جبرائيل وأعلنه للعذراء مريم «ٱلْقُدُّوسُ ٱلْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ٱبْنَ ٱللّٰهِ» (لوقا ١: ٣٥، ١: ٣٢).

من ذلك عندما طرد الرب يسوع الروح النجس من الرجل المصروع، وصرخ الروح النجس قائلاً: «مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ٱلنَّاصِرِيُّ! أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا! أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ، قُدُّوسُ ٱللّٰهِ! فَٱنْتَهَرَهُ يَسُوعُ قَائِلاً: «ٱخْرَسْ وَٱخْرُجْ مِنْهُ!» (مرقس ١: ٢٤ و٢٥، لوقا ٤: ٣٤ و٣٥).

ويروي الإنجيل أنه «أَخْرَجَ شَيَاطِينَ كَثِيرَةً، وَلَمْ يَدَعِ الشَّيَاطِينَ يَتَكَلَّمُونَ لأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ» (مرقس ١: ٣٤).

كما يقول الإنجيل أيضاً «وَٱلأَرْوَاحُ ٱلنَّجِسَةُ حِينَمَا نَظَرَتْهُ خَرَّتْ لَهُ وَصَرَخَتْ قَائِلَةً: «إِنَّكَ أَنْتَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ! وَأَوْصَاهُمْ كَثِيراً أَنْ لاَ يُظْهِرُوهُ» (مرقس ٣: ١١ و١٢).

وكان لا بد للرب يسوع أن يخفي لاهوته عن الشيطان وعملائه من الناس الأشرار حتى لا يفشل تدبير الفداء للإنسان، إذ لو كشف الرب يسوع لاهوته كاملاً كيف كان يمكن للشيطان الذي يريد هلاك الناس، لا خلاصهم، أن يساعد خلاص الناس بتحقيق صلب المسيح وموته؟.. يقيناً لو عرف الشيطان ذلك لما هيّج قادة اليهود ليطلبوا صلب المسيح، ولكان على العكس سعى لتعطيل الصلب، وهذا ما يقوله الوحي عن الشيطان وعملائه: «بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ ٱللّٰهِ فِي سِرٍّ: ٱلْحِكْمَةِ ٱلْمَكْتُومَةِ، ٱلَّتِي سَبَقَ ٱللّٰهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ ٱلدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، ٱلَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هٰذَا ٱلدَّهْرِ لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ ٱلْمَجْدِ» (الرسالة الأولى إلى كورنثوس ٢: ٧ و٨، انظر متى ١١: ٢٥، ولوقا ٢٣: ٣٤، يوحنا ١٦: ٣، أعمال الرسل ٣: ١٧ الرسالة الثانية إلى كورنثوس ٣: ١٤، ١٥).

ذاك هو السبب الأول لإخفاء الرب يسوع لاهوته عن الشيطان وعملائه، أعني لتحقيق تدبير الفداء.

أما السبب الثاني لهذا الإخفاء فهو تحقيق تدبير التجسد لأنه لو نزل الله بكمال لاهوته على الأرض فمن كان يقوى على احتمال نوره؟ ومن كان من البشر يمكنه أن يعيش؟

لقد قال الرب لموسى: «لأَنَّ ٱلإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ» (خروج ٣٣: ٢٠) وقال الرسول بولس إن الله «لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ» (الرسالة الأولى إلى تيموثاوس ٦: ١٦) فلكي يجعل الله ذاته منظوراً كان لا بد أن يحجب لاهوته في جسد يتخذه ستراً له وحجاباً يخفي به لاهوته حتى لا يحترقوا به ويموتوا «لأَنَّ إِلٰهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ» (عبرانيين ١٢: ٢٩).

ومع ذلك وعلى الرغم من هذه الحقيقة الواضحة في الكتاب المقدس، والتي علم بها آباء الكنيسة (انظر كتاب «الشفا في كشف ما استتر من لاهوت سيدنا المسيح واختفى» تأليف أبو شاكر بن الراهب أبو الكرم بطرس بن المهذب شماس كنيسة المعلقة). فإن الرب يسوع أعلن لنا لاهوته وكشف عنه من وقت إلى آخر بلمحات وومضات واضحة أحياناً، ومغلقة أحياناً أخرى، لكنها كانت في مجموعها كافية لأن تجعل حقيقة لاهوته حقيقة مؤكدة بتعليمه هو له المجد. ولسوف نرى بيان ذلك بشيء من التفصيل بالدليل تلو الدليل والبرهان في أثر البرهان.

إن الرب يسوع إذن هو الذي نسب إلى ذاته الألوهة قبل أن ينسبها إليه تلاميذه ورسله من بعده.

فإذا لم يكن الرب يسوع صادقاً فيما نسبه إلى ذاته، كان مجدفاً على الله الواحد، لأنه نسب إلى ذاته ما لا ينسب إلا إلى الله وحده.

ولكن معاذ الله أن ننسب إلى المسيح أنه لم يكن صادقاً في تعليمه، وحاشا لنا أن نقبل أنه كان يدعي الألوهة لذاته من غير حق، وأنه - وهو المخلص - كان مضلاً ومدعياً وأنه جاء ليصرف الناس عن عبادة الله الواحد إلى شخصه هو، الأمر الذي يأبى أن يرتضيه لنفسه أي تقي يخاف الله.

إن أحد قادة اليهود، وواحداً من كبار علمائهم جاء إلى السيد المسيح يناقشه ولم يستطع أن ينكر إيمانه الكامل بصدقه المطلق: «قَالَ لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ ٱللّٰهِ مُعَلِّماً، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هٰذِهِ ٱلآيَاتِ ٱلَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ ٱللّٰهُ مَعَهُ» (يوحنا ٣: ٢).

واعترف الفريسيون بل والهيرودسيون بذلك ولم ينكروا على المسيح صدقه في تعليمه على الرغم من حقدهم عليه. وأرسلوا إليه تلاميذهم قائلين: «يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَتُعَلِّمُ طَرِيقَ ٱللّٰهِ بِٱلْحَقِّ، وَلاَ تُبَالِي بِأَحَدٍ، لأَنَّكَ لاَ تَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ ٱلنَّاسِ» (متى ٢٢: ١٦، مرقس ١٢: ١٤، لوقا ٢٠: ٢٠).

لذلك فإن المسيح يسوع إذا نسب إلى ذاته الألوهة، فهذا تعليم حق، وتعليم السماء لأنه لم يطلب هذا التعليم مجد ذاته.

ولقد قال الرب يسوع: « لِهٰذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهٰذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى ٱلْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ» (يوحنا ١٨: ٣٧) وقال: «وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ»(يوحنا ١٨: ١٤) وقال أيضاً: «أَنَا هُوَ ٱلشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي ٱلآبُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي» (يوحنا ٨: ١٨) «ٱلآمِينُ، ٱلشَّاهِدُ ٱلأَمِينُ ٱلصَّادِقُ، بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ ٱللّٰهِ» (الرؤيا ٣: ١٤، ١: ٥، ١٩: ١١، ٢٢: ٦، الرسالة الأولى إلى تيموثاوس ٦: ١٣). كما يصفه بأنه «ٱلْقُدُّوسُ ٱلْحَقُّ» (الرؤيا ٣: ٧، ٦: ١٠).

١ - يسوع المسيح ينسب إلى ذاته الأزلية:

من هو الأزلي الذي لا بداية له إلا الله وحده؟

يقول النبي في المزمور: «مُنْذُ ٱلأَزَلِ إِلَى ٱلأَبَدِ أَنْتَ ٱللّٰهُ» (مزمور ٩٠: ٢). «كُرْسِيُّكَ مُثْبَتَةٌ مُنْذُ ٱلْقِدَمِ. مُنْذُ ٱلأَزَلِ أَنْتَ» (مزمور ٩٣: ٢).

ويقول حبقوق النبي: «أَلَسْتَ أَنْتَ مُنْذُ ٱلأَزَلِ يَا رَبُّ إِلٰهِي؟» (حبقوق ١: ١٢)، ويقول أيضاً: «الله... مَسَالِكُ ٱلأَزَلِ لَهُ»(حبقوق ٣: ٦).

ويقول إشعياء النبي: « فَإِنَّكَ أَنْتَ أَبُونَا... وَلِيُّنَا مُنْذُ ٱلأَبَدِ ٱسْمُكَ» (إشعياء ٦٣: ١٦)، والأبد هنا هو الأزل، والأزل ما ليس له بداية.

على أن السيد المسيح نسب إلى ذاته الأزلية.

من ذلك:

١ - قوله لليهود:

«أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ». فَقَالَ لَهُ ٱلْيَهُودُ: «لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ، أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟» قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِن»(يوحنا ٨: ٥٦-٥٨).

والذي يعنينا هنا هو قول الرب يسوع «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِن» .

إذن المسيح كائن قبل أن يوجد إبراهيم. فهو إذن أسبق عليه في الزمان على الرغم من أن إبراهيم سبق تجسد الكلمة بآلاف السنين، الأمر الذي دهش له اليهود وقالوا له معترضين: «لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ، أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟».

على أن الأعجب من ذلك هو توكيد الرب يسوع بإصرار «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِن» وكلمة «كائن» هنا لها رنين الكينونة الدائمة، الذي لا يتصف به غير الله وحده. ففعل الكينونة هنا في جميع اللغات أي بالعبرانية واليونانية والقبطية وغيرها معناه « أنا الموجود دائماً» ، في الماضي والحاضر والمستقبل... أنا الكائن في الحاضر، والكائن في الماضي منذ الأزل، والكائن دائماً في المستقبل إلى الأبد... أنا الكائن دائماً منذ الأزل وإلى الأبد.. أنا الازلي الأبدي.. أنا السرمد.. والسرمدي.. أنا الدائم..

وهذا هو التعبير المتسعمل في سفر الرؤيا كثيراً « نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ ٱلْكَائِنِ وَٱلَّذِي كَانَ وَٱلَّذِي يَأْتِي» (الرؤيا ١: ٤).

« أَنَا هُوَ ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ ٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي كَانَ وَٱلَّذِي يَأْتِي، ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (الرؤيا ١: ٨)

« وَٱلأَرْبَعَةُ ٱلْحَيَوَانَاتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ... وَلاَ تَزَالُ نَهَاراً وَلَيْلاً قَائِلَةً: «قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، ٱلَّذِي كَانَ وَٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي يَأْتِي» (الرؤيا ٤: ٨).

«وَٱلأَرْبَعَةُ وَٱلْعِشْرُونَ شَيْخاً ٱلْجَالِسُونَ أَمَامَ ٱللّٰهِ عَلَى عُرُوشِهِمْ خَرُّوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا لِلّٰهِ قَائِلِينَ: «نَشْكُرُكَ أَيُّهَا ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، ٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي كَانَ وَٱلَّذِي يَأْتِي» (الرؤيا ١١: ١٦ و١٧).

«وَسَمِعْتُ مَلاَكَ ٱلْمِيَاهِ يَقُولُ: «عَادِلٌ أَنْتَ أَيُّهَا ٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي كَانَ وَٱلَّذِي يَكُونُ» (الرؤيا ١٦: ٥) الذي يكون دائماً إلى الأبد أي كما يقول المزمور « مُنْذُ ٱلأَزَلِ إِلَى ٱلأَبَدِ أَنْتَ ٱللّٰهُ» (مزمور ٩٠: ٢، مزمور ١٣٥: ١٣).

ويقول سفر الحكمة عن الذين لا يعرفون الله «هم حمقى من طبعهم لم يقدروا أن يعلموا الكائن من الخيرات المنظورة ولم يتأملوا المصنوعات حتى يعرفوا صانعها» (الحكمة ١٣: ١)، ولا شك أن المقصود بالكائن إنما هو الله.

حري بالذكر أن الاسم الذي أعطاه الرب لذاته حين سأله موسى عن اسمه ليبلغه إلى بني إسرائيل تعريفاً لهم بشخص مرسله هو يهوه ومعناه بالعبرانية: الكائن دائماً - أو الدائم: «فَقَالَ ٱللّٰهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ ٱلَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هٰكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَقَالَ ٱللّٰهُ أَيْضاً لِمُوسَى: «هٰكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلٰهُ آبَائِكُمْ، إِلٰهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلٰهُ إِسْحَاقَ وَإِلٰهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هٰذَا ٱسْمِي إِلَى ٱلأَبَدِ» (الخروج ٣: ١٤ و١٥. انظر أيضاً الخروج ٦: ٣: ثم كلم الله موسى وقال له: أنا يهوه. ثم مزمور ٦٨: ٤، مزمور ٨٣: ١٨، إشعياء ٤٣: ١٣، هوشع ١٢: ٥). والمعروف أن يهوه JEHOVAH-YHWH الاسم من الفعل (أهيا) أي (يكون) في المضارع دائماً للدلالة على الوجود الدائم في الماضي والحاضر والمستقبل، الوجود منذ الأزل إلى الأبد... ويقول الكتاب المقدس « الحي الدائم خلق جميع الأشياء عامة. الرب وحده» (يشوع بن سيراخ ١٨: ١). وهو الوجود الذي نسبه الرب يسوع إلى ذاته عندما قال: «قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ» (يوحنا ٨: ٥٨).

يقول القديس أوغسطينوس في شرحه لقول القديس يوحنا في الأصحاح الثاني من رسالته الاولى، عدد ١٤ « كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلآبَاءُ لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلْبَدْءِ».

«قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ» إننا نقول قبل إبراهيم؟ السماء والأرض كونتا قبل الإنسان. والرب كائن قبلها وقبلها بزمن طويل. وبدون منازع يقول: «...قَبْلَ إِبْرَاهِيم أَنَا كَائِنٌ»أما هو فلا يعرف سوى الوجود (الدائم) وليس لديه ماضي ولا مستقبل. يومه، واحد إنما أزلي، وحيد هو ذلك اليوم لا ظلام فيه ولا ليل ولا قياس ولا ساعات ولا هنيهات. سمه ما شئت. إنه نهار إذا شئت.. إذ عنه قد قيل: «وَسِنُوكَ لَنْ تَنْتَهِيَ» (مزمور ١٠٢: ٢٧)، ومتى سمى هذا اليوم. حين قيل للرب: «الْيَوْمَ وَلَدْتُك» (مزمور ٢: ٧). ولده الآب الأزلي ولادة أزلية في الأزل أي لا بداية له ولا نهاية حتى ولا هنيهة زمنية لأنه هو الذي هو، وهذا هو الاسم الذي أعطاه لموسى قائلاً له: «الكائن الذي أرسلني إليكم» ما معنى قبل إبراهيم؟ وقبل نوح؟ وقبل آدم. اصغ إلى الكتاب «قبل الفجر ولدتك» أي قبل السماء والأرض. ولماذا؟ لأن به كل شيء كون، وبدونه لم يكون شيء.

٢ - ومن ذلك أيضاً قوله في مناجاته للآب:

«وَٱلآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا ٱلآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِٱلْمَجْدِ ٱلَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا ١٧: ٥).

هنا لمحة ينسب فيها الرب يسوع إلى ذاته أنه كائن قبل إنشاء العالم، أي أن وجوده لم يبدأ من مريم، منذ ظهوره بالجسد، بل أن وجوده كائن قبل خلق الكون، أي منذ الأزل.

ثم أنه ينسب إلى ذاته المجد الأزلي عند الآب قبل الدهور، والذي أخلى ذاته منه عندما اتخذ صورة عبد وصار في شبه البشر (فيلبي ٢: ٧).

٣ - ومن ذلك أيضاً قوله في مناجاته للآب:

«أَيُّهَا ٱلآبُ أُرِيدُ أَنَّ هٰؤُلاَءِ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا ١٧: ٢٤).

وهذه لمحة أخرى من لمحات الرب يسوع التي يلمح فيها إلى وجوده السابق لا على تجسده فقط، بل على الزمان وإنشاء الأكوان، بل يلمح أيضاً إلى المحبة الأزلية الكائنة بين أقنومه وأقنوم الآب في الأزل وقبل الزمان.

٤ - ومن ذلك قوله في سفر الرؤيا

« أَنَا هُوَ ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ ٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي كَانَ وَٱلَّذِي يَأْتِي، ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (الرؤيا ١: ٨).

والمتكلم الذي ينسب إلى ذاته أنه الألف والياء والبداية والنهاية هو الرب يسوع لأن مطلع الفصل الأول من سفر الرؤيا يبدأ بقوله: «إِعْلاَنُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (الرؤيا ١: ١) ثم أنه بعد ذلك يهدي السلام من لدن «يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱلشَّاهِدِ ٱلأَمِينِ، ٱلْبِكْرِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ ٱلأَرْضِ. ٱلَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ، وَجَعَلَنَا مُلُوكاً وَكَهَنَةً لِلّٰهِ أَبِيهِ، لَهُ ٱلْمَجْدُ وَٱلسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ ٱلآبِدِينَ. آمِينَ. هُوَذَا يَأْتِي مَعَ ٱلسَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَٱلَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ ٱلأَرْضِ. نَعَمْ آمِينَ. أَنَا هُوَ ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ» (الرؤيا ١: ٥-٨).

فالمتكلم والذي ينسب إلى ذاته الأزلية والأبدية، وأنه الألف والياء أي أنه الأول والآخر، وأنه بالتالي لم يكن قبله إله ولا يكون بعده إله إنما هو الرب يسوع المسيح نفسه، لأنه هو بكر من قام من بين الأموات (كولوسي ١: ١٨، أعمال الرسل ٢٦: ٢٣، كورنثوس الأولى ١٥: ٢٠ و٢٣)، وهو الذي أحبنا (أفسس ٥: ٢ و٢٥، غلاطية ٢: ٢٠) وغسلنا من خطايانا بدمه (أعمال ٢٢: ١٦، أفسس ٥: ٢٦، تيطس ٣: ٥)... وهو الذي سيأتي في مجيئه الثاني على السحاب (متى ٢٤: ٣٠، ٢٦: ٦٤، مرقس ١٣: ٢٦، ١٤: ٦٢، لوقا ٢١: ٢٧). وستنظره كل عين وتنوح عليه جميع قبائل الأرض (متى ٢٤: ٣٠) كما سبق أن وصف ذلك وتحدث عنه مراراً في الإنجيل.

فإذا تأملنا هذه الصفات التي ينسبها الرب يسوع إلى ذاته نجد أنها بعينها الصفات التي نسبها الله الآب إلى ذاته:

«أَنَا ٱلرَّبُّ ٱلأَوَّلُ، وَمَعَ ٱلآخِرِينَ» (إشعياء ٤١: ٤).

«أَنِّي أَنَا هُوَ. قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلٰهٌ وَبَعْدِي لاَ يَكُونُ» (إشعياء ٤٣: ١٠).

« أَنَا ٱلأَوَّلُ وَأَنَا ٱلآخِرُ وَلاَ إِلٰهَ غَيْرِي» (إشعياء ٤٤: ٦).

« أَنَا هُوَ. أَنَا ٱلأَوَّلُ وَأَنَا ٱلآخِرُ» (إشعياء ٤٨: ١٢).

٥ - ومن ذلك قوله أيضاً للقديس يوحنا الرائي. مرة ثانية، وهو يعرّف ذاته لعبده وتلميذه يوحنا:

« أَنَا هُوَ ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ. ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ» (الرؤيا ١: ١١).

وهذه هي رواة القديس يوحنا في رؤياه يروي مقابلته للرب يسوع:

«أَنَا يُوحَنَّا أَخُوكُمْ وَشَرِيكُكُمْ فِي ٱلضِّيقَةِ وَفِي مَلَكُوتِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ وَصَبْرِهِ. كُنْتُ فِي ٱلْجَزِيرَةِ ٱلَّتِي تُدْعَى بَطْمُسَ مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ ٱللّٰهِ وَمِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. كُنْتُ فِي ٱلرُّوحِ فِي يَوْمِ ٱلرَّبِّ، وَسَمِعْتُ وَرَائِي صَوْتاً عَظِيماً كَصَوْتِ بُوقٍ قَائِلاً: « أَنَا هُوَ ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ. ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ. وَٱلَّذِي تَرَاهُ ٱكْتُبْ فِي كِتَابٍ وَأَرْسِلْ إِلَى ٱلسَّبْعِ ٱلْكَنَائِسِ ٱلَّتِي فِي أَسِيَّا» (الرؤيا ١: ٩-١١).

ولسوف يتضح بالأكثر أن هذا الصوت العظيم الذي سمعه القديس يوحنا خلفه كان صوت الرب يسوع ذاته. فهنا الرب يسوع مرة أخرى ينسب إلى ذاته ما لا ينسب إلا إلى الله وحده: أنه الألف والياء الأول والآخر، أي أنه الأزلي الأبدي، الأزلي الذي لا بداية له الأبدي الذي لا نهاية له.. أي الدائم.. الكائن دائماً والحاضر دائماً، أو هو يهوه أي السرمدي أو السرمد.

٦ - ومرة أخرى وفي نفس الأصحاح الأول من سفر الرؤيا، وفي ذات الرؤيا التي رآها القديس يوحنا رأى الرب يسوع بذاته يكلمه قائلاً: «لا تخف أنا هو الأول والآخر».

يقول القديس يوحنا بعد أن روى خبر سماعه للصوت العظيم الذي سمعه من ورائه، وكان كصوت بوق، يقول:

«فَٱلْتَفَتُّ لأَنْظُرَ ٱلصَّوْتَ ٱلَّذِي تَكَلَّمَ مَعِي. وَلَمَّا ٱلْتَفَتُّ رَأَيْتُ سَبْعَ مَنَايِرَ مِنْ ذَهَبٍ، وَفِي وَسَطِ ٱلسَّبْعِ ٱلْمَنَايِرِ شِبْهُ ٱبْنِ إِنْسَانٍ، مُتَسَرْبِلاً بِثَوْبٍ إِلَى ٱلرِّجْلَيْنِ، وَمُتَمَنْطِقاً عِنْدَ ثَدْيَيْهِ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ ذَهَبٍ. وَأَمَّا رَأْسُهُ وَشَعْرُهُ فَأَبْيَضَانِ كَٱلصُّوفِ ٱلأَبْيَضِ كَٱلثَّلْجِ، وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ. وَرِجْلاَهُ شِبْهُ ٱلنُّحَاسِ ٱلنَّقِيِّ، كَأَنَّهُمَا مَحْمِيَّتَانِ فِي أَتُونٍ. وَصَوْتُهُ كَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ. وَمَعَهُ فِي يَدِهِ ٱلْيُمْنَى سَبْعَةُ كَوَاكِبَ، وَسَيْفٌ مَاضٍ ذُو حَدَّيْنِ يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ، وَوَجْهُهُ كَٱلشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا. فَلَمَّا رَأَيْتُهُ سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ ٱلْيُمْنَى عَلَيَّ قَائِلاً لِي: «لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ، وَٱلْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتاً وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ ٱلآبِدِينَ. آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ ٱلْهَاوِيَةِ وَٱلْمَوْتِ» (الرؤيا ١: ١٢-١٨).

وواضح من رواية سفر الرؤيا، أن الذي ظهر للقديس يوحنا وقد سمع صوته أولاً من خلفه وبعد ذلك التفت يوحنا ورآه، كان هو السيد المسيح بنفسه في صورة الإله المتأنس، ولذلك قال أنه شبه ابن إنسان.. إذن هو المسيح في ناسوته وقال أنه شبه ابن إنسان، لأن يوحنا رآه في بهاء عظيم وجلال أعظم من الجلال الذي رآه فيه على جبل التجلي (متى ١٧: ١ و٢، مرقس ٩: ١-٣، لوقا ٩: ٢٨-٣٢) رآه منيراً ووجهه يضيء كالشمس عند اشتدادها لذلك كان أبهى وأبرع جمالاً من بني البشر (مزمور ٤٥: ٢) فقال عنه «أنه شبه ابن إنسان».

ثم أنه وصفه بأوصاف الناسوت جميعها كما رآه، فرأى له رجلين ورأساً وشعراً يغطي الرأس، ورأى له عينين، ويدين ووجهاً، وكلها أوصاف الجسد الذي اتخذه الكلمة الأقنوم الثاني وظهر به بين الناس... ثم يقول أن يوحنا عندما رآه خاف جداً من هيبته أكثر مما خافه على جبل التجلي، لأنه هنا يقول أنه من شدة الخوف سقط عند قدميه وصار كالميت. ويضيف أن صاحب الصوت العظيم المهوب وضع يده اليمنى على رأس يوحنا وقال له: «أَنَا هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ، وَٱلْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتاً وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ ٱلآبِدِينَ».إذن المتكلم هو الرب يسوع نفسه لأنه بيده اليمنى التي له في الجسد - وقد وضعها على رأس يوحنا - طمأنه ثم عرفه بنفسه. وفي تعريفه بنفسه نسب إلى ذاته أنه الأو والآخر، وهو ما يتصف به الله وحده ولا أحد سواه، وأضاف بأنه الحي وقد كان ميتاً، وهذا يشير إلى أن ذاق الموت بالجسد في الصليب، مما لا ينطبق إلا على الرب يسوع.

إن رواية القديس يوحنا في رؤياه تدل في تفصيلاتها دلالة قاطعة وحاسمة على أن من تكلم معه، هو الرب يسوع في الناسوت، وأنه نسب إلى ذاته صفة الأزلية في الصليب، مما لا ينطبق إلا على الرب يسوع.

٧ - وفي الأصحاح التالي من سفر الرؤيا نص آخر نطق به الرب يسوع، ونسب فيه إلى ذاته الأزلية حيث يقول:

«وَٱكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ سِمِيرْنَا: «هٰذَا يَقُولُهُ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ، ٱلَّذِي كَانَ مَيْتاً فَعَاشَ» (الرؤيا ٢: ٨) ومن هو الذي كان ميتاً فعاد إلى الحياة إلا الرب يسوع (رومية ٦: ٩) الذي ذاق الموت على الصليب، ثم دُفن وفي اليوم الثالث قام من بين الأموات، ناقضاً أوجاع الموت؟ هذا الذي كان ميتاً وعاد إلى الحياة بالقيامة من الموت، هو بعينه يقول عن نفسه أنه الأول والآخر.. الأزلي الذي لا بداية له، الأبدي الذي لا نهاية له.. فالمتكلم إذن هو الرب يسوع.. والرب يسوع إذن هو الأزلي الذي لا بداية له.

٨ - من ذلك أيضاً قوله:

«أَنَا هُوَ ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ. أَنَا أُعْطِي ٱلْعَطْشَانَ مِنْ يَنْبُوعِ مَاءِ ٱلْحَيَاةِ مَجَّاناً» (الرؤيا ٢١: ٦). والمتكلم هو الرب يسوع، إذ يقول القديس يوحنا إن صاحب هذا القول هو «ٱلْجَالِسُ عَلَى ٱلْعَرْشِ» (الرؤيا ٢١: ٥، ٤: ٢ و٩، ٥: ١، ٢٠: ١١) ثم لأن الرب يسوع يصف ذاته دائماً بأن لديه ينبوع الحياة الذي يروي العطاش. فهو الذي قال للمرأة السامرية: «وَلٰكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ ٱلْمَاءِ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى ٱلأَبَدِ، بَلِ ٱلْمَاءُ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ» (يوحنا ٤: ١٤)

وقال: «مَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَداً» (يوحنا ٦: ٣٥).

وقال: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ ٱلْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيّ» (يوحنا ٧: ٣٧ و٣٨).

أقول أن في هذا النص كذلك من سفر الرؤيا، ينسب الرب يسوع الجالس على العرش في السماء إلى نفسه أنه الألف والياء والبداءة والنهاية، أي أنه ينسب لذاته صفة الأزلية والأبدية التي لا تنسب لغير الله وحده.

٩ - ومن ذلك قوله أيضاً:

«وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعاً وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ. أَنَا ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ، ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ» (الرؤيا ٢٢: ١٢ و١٣) ولما كان الرب يسوع هو الذي وعد بالمجيء الثاني، وأنه سيجازي كل واحد حسب أعماله، كما في قوله: «فَإِنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ» (متى ١٦: ٢٧. انظر أيضاً متى ٢٤: ٣، ٣٠، ٣٧، ٣٩، متى ٢٥: ٣١، ٣٢، ٢٦: ٤٦، مرقس ٨: ٣٨، ١٣: ٢٦، ١٤: ٦٤، لوقا ٢١: ٢٧، يوحنا ٥: ٢٢، ٢٧، ١٤: ٣، ١٨، ٢٨، ٢١: ٢٢، أعمال الرسل ١٠: ٤٢، ١٧: ٣١، رومية ٢: ١٦، ١٤: ١٠، ١٢، الرسالة الأولى إلى كورنثوس ١١: ٢٦، الرسالة الثانية إلى كورنثوس ٥: ١٠، الرسالة الأولى إلى تسالونيكي ٢: ١٩، ٣: ١٣، الرسالة الثانية إلى تسالونيكي ١: ٧، ١٠، ٢: ١، ٨، الرسالة الثانية إلى تيموثاوس ٤: ١، رسالة يوحنا الأولى ٢: ٢٨، الرؤيا ١: ٧، ٢: ٢٥، ٣: ١١، ٢٢: ٧، ٢٠).

فالرب يسوع إذن هو المتكلم بهذا النص القدسي، وهو القائل: «أَنَا ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ، ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ» (الرؤيا ٢٢: ١٣) مؤكداً في كل مرة على أنه الأزلي الأبدي، وأنه ليس غيره إله، لأنه لا يتصف بالأزلية غير الله، ولا يجرؤ أحد غير الله أن يقول عن ذاته: «أَنَا ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ، ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ».

٢ - يسوع المسيح ينسب إلى ذاته الأبدية:

وكما يتصف الله وحده بالأزلية، كذلك يتصف وحده بالأبدية. فالله وحده هو الأزلي لأنه البدء والبداءة والمبدئ لكل شيء، ولا بداية له، وهو وحده الأزلي لأنه لا نهاية له.

يقول الوحي: « مُنْذُ ٱلأَزَلِ إِلَى ٱلأَبَدِ أَنْتَ ٱللّٰهُ» (مزمور ٩٠: ٢).

«مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ إِلٰهُ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلأَزَلِ وَإِلَى ٱلأَبَدِ» (مزمور ٤١: ١٣، ١٠٦: ٤٨، أخبار الأيام الأول ١٦: ٣٦، ٢٩: ١٠، نحميا ٩: ٥، دانيال ٢: ٢٠).

«هٰكَذَا قَالَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْمُرْتَفِعُ، سَاكِنُ ٱلأَبَدِ، ٱلْقُدُّوسُ ٱسْمُهُ» (إشعياء ٥٧: ١٥).

«أَمَّا ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ فَحَقٌّ. هُوَ إِلٰهٌ حَيٌّ وَمَلِكٌ أَبَدِيٌّ» (إرميا ١٠: ١٠ تنظر أيضاً التثنية ٣٣: ٢٧).

فإذا وصفت الحياة بالأبدية، فلأن الله هو الحياة.

وأما ما هو مخلوق فلا يوصف بأنه أبدي، لأن الأزلي هو وحده الأبدي.

نعم يوصف الإنسان بالخلود، وتوصف الملائكة بالخلود. لكن الخلود هو غير الأبدية. الخلود منحة الله للكائنات العاقلة، لأنها ما دامت مخلوقة فهي قابلة للفناء. والخلود إذن منحة ونعمة مفاضة عليها ليست من طبيعتها هي.

على أن السيد المسيح وصف نفسه لا بالخلود فقط بل بالأبدية التي لا يتصف بها غير الله وحده.

(١) قال يسوع المسيح لعبده ورسوله يوحنا «أَنَا هُوَ ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ ٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي كَانَ وَٱلَّذِي يَأْتِي، ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْء» (الرؤيا ١: ٨)

(٢) ويقول القديس يوحنا في رؤياه : «كُنْتُ فِي ٱلرُّوحِ فِي يَوْمِ ٱلرَّبِّ، وَسَمِعْتُ وَرَائِي صَوْتاً عَظِيماً كَصَوْتِ بُوقٍ قَائِلاً: «أَنَا هُوَ ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ. ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِر» (الرؤيا ١: ١٠ و١١). وكان هذا الصو العظيم هو صوت الرب يسوع بعينه، لأن القديس يوحنا التفت لينظر الصوت العظيم الذي تكلم معه، ولما التفت رآه في صورة «ٱبْنِ إِنْسَانٍ، مُتَسَرْبِلاً بِثَوْبٍ إِلَى ٱلرِّجْلَيْنِ، وَمُتَمَنْطِقاً عِنْدَ ثَدْيَيْهِ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ ذَهَبٍ. وَأَمَّا رَأْسُهُ وَشَعْرُهُ فَأَبْيَضَانِ كَٱلصُّوفِ ٱلأَبْيَضِ كَٱلثَّلْجِ، وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ. وَرِجْلاَهُ شِبْهُ ٱلنُّحَاسِ ٱلنَّقِيِّ، كَأَنَّهُمَا مَحْمِيَّتَانِ فِي أَتُونٍ. وَصَوْتُهُ كَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ. وَمَعَهُ فِي يَدِهِ ٱلْيُمْنَى سَبْعَةُ كَوَاكِبَ، وَسَيْفٌ مَاضٍ ذُو حَدَّيْنِ يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ، وَوَجْهُهُ كَٱلشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا. فَلَمَّا رَأَيْتُهُ سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ ٱلْيُمْنَى عَلَيَّ قَائِلاً لِي: «لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ، وَٱلْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتاً وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ ٱلآبِدِينَ» (الرؤيا ١: ١٢-١٨). ولقد شرحنا هذا النص من قبل وبينا أن المتكلم هو الرب يسوع بنفسه، لأن القديس يوحنا رآه في الجسد، ووصف قامته وثوبه الأبيض ومتطقة الذهب عند ثدييه، كما وصف كذلك شعره ورأسه وعينيه وفمه وقدميه وعرفه بنفسه، وفي تعريفه بنفسه وصف الرب يسوع ذاته بأنه « ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ، وَٱلْحَيُّ إِلَى أَبَدِ ٱلآبِدِينَ» أي أنه نسب إلى ذاته الأبدية التي لا يتصف بها غير الله وحده، وأنه سيظل حياً إلى أبد الآباد.

(٣) وقد ألح ربنا يسوع على نفس الحقيقة في وضع آخر، في قوله لعبده ورسوله القديس يوحنا «وَٱكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ سِمِيرْنَا: «هٰذَا يَقُولُهُ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ، ٱلَّذِي كَانَ مَيْتاً فَعَاشَ» (الرؤيا ٢: ٨). وواضح أن الذي ينسب إلى ذاته الأبدية في هذا النص، هو الرب يسوع المسيح لأنه هو الذي مات ثم عاد إلى الحياة بقيامته من بين الأموات.

(٤) وهو بذاته القائل « أَنَا هُوَ ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ. أَنَا أُعْطِي ٱلْعَطْشَانَ مِنْ يَنْبُوعِ مَاءِ ٱلْحَيَاةِ مَجَّاناً» (الرؤيا ٢١: ٦) وكما قلنا سابقاً نقول هنا إن الذي وعد كثيراً وفي مواضع متفرقة أن عنده ماء الحياة، الماء الحي، الذي ينبع إلى الحياة الأبدية هو الرب يسوع، وهو الذي يصف ذاته بأنه الأبدي الذي لا نهاية له.

(٥) ويكرر نفس المعنى، وذات الحقيقة، وهو في مجال الوعد بمجيئه الثاني، والحساب بالثواب ولاعقاب الذي سيجري أمام عرشه الأبيض، ومنبره، لأنه وحده الديان: «هَا أَنَا آتِي سَرِيعاً وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ. أَنَا ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ، ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ» (الرؤيا ٢٢: ١٢ و١٣).

هاتان الصفتان الإلهيتان: الأزلية والأبدية، ينسبهما الرب يسوع إلى ذاته بنفس القوة التي تنسبان بها إلى الله. فإذا لم يكن المسيح هو الله، فكيف يجرؤ يسوع المسيح أن يصف ذاته بالأزلية والأبدية، ويقول بغير تحفظ « أَنَا ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ، ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ» ؟ لو أن إنسان نسب ذلك إلى ذاته لكان مجدفاً. فنحن الآن أمام قضية حادة: إما أن يكون المسيح مجدفاً، وإما أن يكون صادقاً. فإذا كان صادقاً - ولا شك في ذلك - فلا مفر من أن يكون هو الله متجسداً.

٣ - يسوع المسيح ينسب إلى ذاته أنه هو الحياة بعينها، وأنه واهب الحياة ومانحها لمن يشاء:

إن الله وحده هو الحي بذاته، وهو مبدئ الحياة في كل الكائنات. هو الحي الأول، والذي أحيا وحيي غيره من الأحياء وهو ذاته الحياة، وبه يحيا كل حي آخر، والله هو الحي دائماً.. كان هو الحي منذ الأزل، ولا زال حياً، وسيظل هو الحي إلى الأبد. وكان هو باعث الحياة، وأصل الحياة ومبدئ الحياة، ولا زال يبعث الحياة، وسيظل دائماً باعث الحياة ومنشئ الحياة إلى الأبد.

يقول الرب الإله «اُنْظُرُوا ٱلآنَ! أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلٰهٌ مَعِي. أَنَا أُمِيتُ وَأُحْيِي... إِنِّي أَرْفَعُ إِلَى ٱلسَّمَاءِ يَدِي وَأَقُولُ: حَيٌّ أَنَا إِلَى ٱلأَبَدِ»

« حَيٌّ أَنَا يَقُولُ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ» (حزقيال ٥: ١١، ١٤: ١٦، ١٨، ٢٠، ١٦: ٤٨، ١٧: ١٦، ١٨: ٣، ٣٣: ١١، ٣٤: ٨، ٣٥: ٦، ١١).

« حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ رَبُّ ٱلْجُنُودِ» (صفنيا ٢: ٩).

« حَيٌّ أَنَا يَقُولُ ٱلرَّبُّ» (إشعياء ٤٩: ١٨، إرميا ٢٢: ٢٤).

هذه الصفة التي ينفرد بها الله، ولا يتصف بها غيره، نسبها الرب يسوع المسيح إلى ذاته بنفس الدرجة، وبنفس القوة، كما يتصف بها الله تعالى.

١ - فالرب يسوع نسب إلى ذاته أنه هو الحياة ذاتها:

فقد قال الرب يسوع لمرثا أخت لعازر، وأمام جميع من شهدوا معجزة إقامته للعازر بعد أن صار له في القبر أربعة أيام: « أَنَا هُوَ ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ» (يوحنا ١١: ٢٥).

وقال لتلميذه توما وللباقين: « أَنَا هُوَ ٱلطَّرِيقُ وَٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ» (يوحنا ١٤: ٦).

هل يجرؤ أحد غير المسيح على أن يقول بذاته عن ذاته « أَنَا ٱلْحَيَاةُ» ؟

يسوع المسيح يقول: « أَنَا ٱلْحَيَاةُ» ذاتها،.. فليس هو الحي فقط، بل هو الحياة عينها.. ذاتها.. الحياة التي هي أصل كل حياة.. ونبع كل حياة.. هو الحياة بالألف واللام.. ليس هو جزءاً من الحياة.. لكنه الحياة ذاتها.. كلها.. الحياة في جوهرها وحقيقتها وذاتها.. أنا الحياة!

مَن مِن الناس، بل مَن مِن الملائكة يجرؤ على أن يقول «أَنَا ٱلْحَيَاةُ»؟ مَن غير المسيح؟!

٢ - والرب يسوع ينسب إلى ذاته أن له الحياة في ذاته:

يقول الرب يسوع «لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذٰلِكَ أَعْطَى ٱلٱبْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ» (يوحنا ٥: ٢٦).

ليس الابن إذن مخلوقاً، وليست الحياة فيه مرسلة إليه من خارج ذاته، ولكن الحياة فيه هي من ذاته، تماماً كما أن الآب السماوي له الحياة في ذاته. الابن إذن حي، الحياة كائنة فيه من ذاته لأنه هو الحياة، وأصل الحياة، تماماً كما أن الآب السماوي حياته قائمة فيه من ذاته، وليست مبعوثة إليه من خارج ذاته.

وهذا يشكل فارقاً فاصلاً بين المخلوق والخالق. فالمخلوق صار حياً بالحياة التي بعثها فيه الخالق، ولم يكن قبل البعث والخلق حياً. أما الخالق فحي منذ الأزل وهو الحي الأول، والحياة فيه من ذاته، وإلا كان مخلوقاً. والحياة فيه كائنة منذ الأزل، لأنه هو نفسه الحياة. ولو لم كن الحياة فيه من ذاته لكان شأنه شأن كل مخلوق، ولم يكن بالتالي خالقاً، ولم يكون أبداً أن فاقد الشيء لا يعطيه.. فالخالق وحده هو باعث الحياة وأصلها ومنشئها، وهو الحي بذاته، وفي ذاته، وهو الحياة وكل الحياة.

٣ - والرب يسوع نسب إلى ذاته أنه هو معطي الحياة ومانحها:

قال له المجد لليهود: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ ٱلْخُبْزَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ ٱلْخُبْزَ ٱلْحَقِيقِيَّ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، لأَنَّ خُبْزَ ٱللّٰهِ هُوَ ٱلنَّازِلُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ ٱلْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ». فَقَالُوا لَهُ: «يَا سَيِّدُ، أَعْطِنَا فِي كُلِّ حِينٍ هٰذَا ٱلْخُبْزَ». فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: « أَنَا هُوَ خُبْزُ ٱلْحَيَاة. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَداً» (يوحنا ٦: ٢٣-٣٥، ٦: ٤٨-٥١، ٥٣، ٥٧، ٥٨). المسيح إذن هو الخبز الحقيقي الذي نزل من السماء ليعطي العالم الحياة. ولأنه « خبز الحياة الحق» ، الذي تقوم عيه الحياة، ومنه تستمد قوتها، لذلك ففيه الشبع وفي الارتواء، ومن يعرفه ويتغذى به «فلن يجوع أبداً، ولن يعطش أبداً».. والحياة هنا ليست الحياة المادية بمعناها الحسي الظاهر، بل الحياة الحقيقية بمفهومها السري الباطن، باعتبارها الوجود الحي المشبع بالسعادة والرضى والسلام العميق، أي الإحساس العارم بالحياة الهنيئة الغنية بالإشباع التام للروح والنفس والقلب والفكر، والتي ينمو شبعها وارتواؤها نمواً مطرداً، يكفل لها الاستمرار في هذا النعيم الروحي إلى الابد.

والمسيح بقوله هذا أبان أنه معطي الحياة بكل معانيها: فهو معطي الحياة بمعنى «الوجود» من العدم، أي أنه الخالق والموجد والمبدع والبارئ والفاطر وأصل الوجود، فهو أصل الحياة ومنشئها ومبدئها، وهو لذلك علة الكون الأولى، وهو الأول الذي لا أول له، والبدء الذي لا بداية له، وواجب الوجود.. والحي الأول الذي منه نبعت الحياة...

هم هو معطي الحياة بمعنى أنه « غذاء الحياة» الذي يكفل للحياة بقاءها واستمرارها ودوامها.. وبهذا المعنى يصير هو « الحافظ» للحياة وليس الخالق لهافقط، والضامن لوجودها والحامي لها، والنافخ فيها لتبقى شعلتها مضيئة دائماً، وأوارها حامياً، ولهيبها مضيئاً ومشعاً بالنور والحرارة. يقول الرب يسوع لتلاميذه «إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ» (يوحنا ١٤: ١٩) سأبعث فيكم الحياة دائماً.

وبهذا المعنى الأخير للحياة قال الرب يسوع: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَل» (يوحنا ١٠: ١٠)، بمعنى أنه جاء من السماء ليمنح الخراف الناطقة الحياة، فلا تحيا به فقط، بل تكون لها الحياة بغنى يكفل لها البقاء السعيد، وتستمتع بالحياة الرغدة التي تفيض عن حاجة تلك الخراف إلى غيرها من الكائنات، فتحيا الكائنات الأخرى بقوة حياتها ومن وفرة غنى الحياة فيها، أي كما قال الرب نفسه عمن يحيا به أن « تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ» (يوحنا ٧: ٣٨).

ولذلك يبدي ربنا يسوع المسيح أسفه على الذين لم ينتفعوا من الفرصة المتاحة لهم ليغترفوا من الحياة التي يعطيها هو بغنى للذين يطلبونها بإيمان ويسعون إليها، فيقول لليهود: «وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ» (يوحنا ٥: ٤٠) أي هذه الحياة السعيدة المشبعة بالهناء والرضى والسلام، والحياة التي لها قوة ولها معنى ومغزى، وتستحق أن تُسمى حياة حقيقية كاملة غامرة.

٤ - والرب يسوع نسب إلى ذاته أنه يعطي حياة أبدية:

(أ) فهو ليس يمنح الحياة فقط بل أن الحياة التي يمنحها هي أيضاً الحياة الأبدية، الحياة الممتدة إلى ما لا نهاية.

قال الرب يسوع للمرأة السمارية عندما اعتذرت عن إعطائه ماء ليشرب «أَجَابَ يَسُوعُ: «لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ ٱللّٰهِ، وَمَنْ هُوَ ٱلَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيّاً». قَالَتْ لَهُ ٱلْمَرْأَةُ: «يَا سَيِّدُ، لاَ دَلْوَ لَكَ وَٱلْبِئْرُ عَمِيقَةٌ. فَمِنْ أَيْنَ لَكَ ٱلْمَاءُ ٱلْحَيُّ؟ أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ، ٱلَّذِي أَعْطَانَا ٱلْبِئْرَ، وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هٰذَا ٱلْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضاً. وَلٰكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ ٱلْمَاءِ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى ٱلأَبَدِ، بَلِ ٱلْمَاءُ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ» (يوحنا ٤: ١٠-١٤).

وقال أيضاً لليهود « أَنَا هُوَ خُبْزُ ٱلْحَيَاةِ... هٰذَا هُوَ ٱلْخُبْزُ ٱلنَّازِلُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ ٱلإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ. أَنَا هُوَ ٱلْخُبْزُ ٱلْحَيُّ ٱلَّذِي نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هٰذَا ٱلْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى ٱلأَبَدِ... هٰذَا هُوَ ٱلْخُبْزُ ٱلَّذِي نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ... مَنْ يَأْكُلْ هٰذَا ٱلْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَحْيَا إِلَى ٱلأَبَدِ» (يوحنا ٦: ٤٨-٥٨). وقال يناجي الآب على مسمع تلاميذه: «تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهٰذَا وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ ٱلسَّمَاءِ وَقَالَ: «أَيُّهَا ٱلآبُ، قَدْ أَتَتِ ٱلسَّاعَةُ. مَجِّدِ ٱبْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ٱبْنُكَ أَيْضاً، إِذْ أَعْطَيْتَهُ سُلْطَاناً عَلَى كُلِّ جَسَدٍ لِيُعْطِيَ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لِكُلِّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ» (يوحنا ١٧: ١ و٢).

وفي هذه العبارة من فم الرب يسوع يكشف عن سلطانه المطلق على كل ما له جسد، وعلى أن يهب الحياة الأبدية لكل البشر الذين صاروا له بإيمانهم به. وإذا كان الرب يسوع ينسب هذا السلطان إلى الآب أولاً، ويقول أن الآب هو الذي أعطاه هذا السلطان، والآب هو الذي أعطاه المخلصين باسمه فإنه بهذا يشرح العلاقة بين الآب والابن، وأنه ليس هناك تعارض بينهما، في الإرادة والمشيئة، وأنهما واحد في الجوهر. وليست هذه هي المرة الوحيدة التي ينسب فيها الرب يسوع الفضل في كل شيء للآب. إنه دائماً يقول أنه مرسل من الأب وأنه لا يصنع مشيئته بل مشيئة الآب الذي أرسله، مؤكداً بذلك على وحدانية الذات الإلهية، وعلى وحدة المشيئة بينه وبين الآب. وفي هذا ما يطمئن التلاميذ واليهود إلى أن المسيح ليس إلهاً آخر غير الآب السماوي، فليس ثمة إلا إله واحد. وليس الابن على الأرض إلا الله غير المنظور وقد صار منظوراً في المسيح.

وقال كذلك: «خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي... وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً» (يوحنا ١٠ :٢٧ و٢٨).

المسيح إذن لا يهب الحياة فقط بمعنى الخلق والإيجاد، ولا يهب الحياة ما يغذيها ليكفل له البقاء فترة ما، بل أيضاً يهب الحياة الأبدية، أي الحياة الممتدة إلى ما لا نهاية له.. وهي التي تشارك الله وجوده إلى أبد الآباد.

فإذا كان الرب يسوع يهب الحياة فهو الخالق، وهو أيضاً الحافظ. أما أنه يهب الحياة الأبدية، فهذا معناه أيضاً أنه يملك الأبدية، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فهو إذن مبدئ الحياة، وضامن الحياة ومالكها إلى الأبد. من يكون إذن المسيح إلا أن يكون هو الله بذاته؟!

(ب) والرب يسوع المسيح نسب إلى ذاته أنه يمنح الحياة الأبدية لمن يؤمن به:

قال له المجد: «اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ» (يوحنا ٦: ٤٧).

وقال أيضاً: « أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى ٱلٱبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ» (يوحنا ٦: ٤٠) وقال: « اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱلٱبْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَٱلَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِٱلٱبْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً» (يوحنا ٣: ٣٦، انظر أيضاً يوحنا ٣: ١٥ و١٦).

وقال: « مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ ٱلْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ» (يوحنا ٧: ٣٨) فالمؤمن بالرب يسوع سوف لا يمنحه الحياة الأبدية لشخصه فقط، بل يصير كذلك نبعاً فياضاً بالحياة لغيره من الناس.

وقال: «أَنَا هُوَ ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيّاً وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى ٱلأَبَد» (يوحنا ١١: ٢٥ و٢٦).

(ج) والرب يسوع المسيح نسب إلى ذاته أنه يمنح الحياة الأبدية لمن يحفظ كلامه:

قال له المجد: «اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كَلاَمِي فَلَنْ يَرَى ٱلْمَوْتَ إِلَى ٱلأَبَد» (يوحنا٨: ٥١)

(د) ويمنح الحياة الأبدية لمن يعرفه:

قال له المجد: «وَهٰذِهِ هِيَ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ ٱلإِلٰهَ ٱلْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ ٱلَّذِي أَرْسَلْتَهُ» (يوحنا ١٧: ٣).

(هـ) والرب يسوع المسيح نسب إلى ذاته أنه يمنح الحياة الجديدة بالقيامة الثانية:

لقد نسب الرب يسوع إلى ذاته أنه هو بذاته سيقيم الموتى في اليوم الأخير، وأنه سيتولى المؤمنين به، والعاملين مسرته بأن يقيمهم بنفسه إلى حياة أبدية سعيدة، ليحيوا معه إلى الأبد في سعادة كاملة لا نهائية.

قال له المجد: «وَهٰذِهِ مَشِيئَةُ ٱلآبِ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئاً، بَلْ أُقِيمُهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلأَخِيرِ. لأَنَّ هٰذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى ٱلٱبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلأَخِيرِ» (يوحنا ٦: ٣٩ و٤٠).

وقال أيضاً: «لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ ٱلآبُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلأَخِير» (يوحنا ٦: ٤٤).

وقال كذلك: «مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلأَخِيرِ» (يوحنا ٦: ٥٤).

وقال: «أَنَا هُوَ ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ» (يوحنا ١١: ٢٥).

وقال: «لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلآبَ يُقِيمُ ٱلأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذٰلِكَ ٱلٱبْنُ أَيْضاً يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ» (يوحنا ٥: ٢١).

يسوع المسيح إذن هو مانح الحياة بالخلق، ومانح الحياة الثانية بإقامته الموتى من الموت، ومانح الحياة الأبدية إلى ما لا نهاية ولقد برهن على سلطانه على الإقامة من الموت بإقامته ابنة يايرس (متى ٩: ١٨، ١٩، ٢٣-٢٦، مرقس ٥: ٢٢-٢٤، ٣٥-٤٣، لوقا ٨: ٤١، ٤٢، ٤٩-٥٦)، وابن أرملة نايين (لوقا ٧: ١١-١٦)، ولعازر (يوحنا ١١: ١٤-٤٤) بعد أربعة أيام من دفنه. فهو الحياة ذاتها وباعث الحياة على الإطلاق بلا قيد لسلطانه، تماماً كالآب لانه واحد في جوهر اللاهوت، والذات الإلهية الواحدة.

٤ - يسوع المسيح ينسب إلى ذاته أنه حاضر في كل مكان وزمان:

الله وحده هو الذي يوجد في كل مكان ولا يحده مكان، لأنه روح (يوحنا ٤: ٢٤) غير محدود، وليس مادة. أما الإنسان فلأنه محدود فلا يمكنه أن يوجد في أكثر من مكان في وقت واحد. فلا يستطيع أن يكون، مثلاً، في الغرفة وخارج الغرفة في وقت واحد. وتعتبر هذه الحقيقة في عالم الإنسان من البديهيات ومن قوانين الفكر الضرورية.

يقول الرب «أَلَعَلِّي إِلٰهٌ مِنْ قَرِيبٍ يَقُولُ ٱلرَّبُّ وَلَسْتُ إِلٰهاً مِنْ بَعِيدٍ. إِذَا ٱخْتَبَأَ إِنْسَانٌ فِي أَمَاكِنَ مُسْتَتِرَةٍ أَفَمَا أَرَاهُ أَنَا يَقُولُ ٱلرَّبُّ؟ أَمَا أَمْلأُ أَنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ يَقُولُ ٱلرَّبُّ؟» (إرميا ٢٣: ٢٣ و٢٤).

ويقول أيضاً: «فَٱعْلَمِ ٱلْيَوْمَ وَرَدِّدْ فِي قَلْبِكَ أَنَّ ٱلرَّبَّ هُوَ ٱلإِلٰهُ فِي ٱلسَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَعَلَى ٱلأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ. لَيْسَ سِوَاهُ» (تثنية ٤: ٣٩).

ويقول: «لأَنَّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكُمْ هُوَ ٱللّٰهُ فِي ٱلسَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَعَلَى ٱلأَرْضِ مِنْ تَحْتُ» (يشوع ٢: ١١).

ويقول النبي في المزمور: «أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى ٱلسَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي ٱلْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ. إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ ٱلصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي ٱلْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضاً تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ. فَقُلْتُ: «إِنَّمَا ٱلظُّلْمَةُ تَغْشَانِي». فَٱللَّيْلُ يُضِيءُ حَوْلِي! ٱلظُّلْمَةُ أَيْضاً لاَ تُظْلِمُ لَدَيْكَ، وَٱللَّيْلُ مِثْلَ ٱلنَّهَارِ يُضِيءُ. كَٱلظُّلْمَةِ هٰكَذَا ٱلنُّور» (مزمور ١٣٩: ٧-١٢ انظر يضاً أيوب ٢٣: ٨، ٩ إشعياء ٦٦: ١).

أما يسوع المسيح فعلى الرغم من أنه اتخذ إنسانيتنا وصار في شبه الناس لكنه نسب إلى ذاته الوجود في كل مكان، والحضور في غير مكان في وقت واحد، وفي غير زمان.

(١) قال له المجد لنيقوديموس أحد رؤساء اليهود وعلمائهم: « وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ إِلَّا ٱلَّذِي نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي هُوَ فِي ٱلسَّمَاءِ» (يوحنا ٣: ١٣).

في هذا التصريح القدسي، إعلان واضح أن السماء التي بها العرش الإلهي، لم يصعد بعد إليها أحد من الناس (الأمثال ٣٠: ٤، أعمال ٢: ٣٤) لكن ابن الإنسان، أي المسيح، هو وحده الذي نزل منها (يوحنا ٦: ٣٣، ٣٨، ٥١، ٦٢، كورنثوس الأولى ١٥: ٤٧، أفسس ٤: ١٠، يوحنا ١: ١٨، ٣: ٣١) ومع نزوله منها إلا أنه كائن وقائم فيها وموجود بها، بلاهوته الذي يملأ السماوات والأرض. أما أرواح الأبرار والقديسين فتصعد إلى الفردوس (لوقا ٢٣: ٤٣، كورنثوس الثانية ١٢: ٤، الرؤيا ٢:٧) مقر راحة الصديقين، وهو ما يعرف بـ «السماء الثالثة»(كورنثوس الثانية ١٢: ٢) وهو غير السماء (لوقا ٣: ٢١، أعمال ٣: ٢١، ٧: ٤٩) التي بها العرش والملائكة، والتي تعرف «بالملكوت» (متى ٢٥: ٣٤، لوقا ١٢: ٣٣، ٢٢: ٣٠، ٢تيموثاوس ٤: ١٨، يعقوب ٢: ٥) أو «سماء السموات» (الملوك الأول ٨: ٢٧، يشوع بن سيراخ ١٦: ١٨) والتي اعدها الله (متى ٢٥: ٣٤، ٢٠: ٢٣، مرقس ١٠: ٤٠، كورنثوس الأولى ٢: ٩) للأبرار أن يرثوها ولن يدخلوها إلا بعد يوم القيامة والحساب. وأما أرواح الأشرار فتمضي إلى الجحيم (لوقا ١٦: ٢٣، متى ١٦: ١٨، مزمور ٩: ١٧) مقرها المؤفت إلى يوم الدينونة العظيم، بحيث ترسل إلى جهنم (متى ٥: ٢٢، ٢٩، ٣٠، ١٠: ٢٨، ١٨: ٩، مرقس ٩: ٤٣، ٤٥، ٤٧، ٢بطرس ٢: ٤) المعدة لإبليس وملائكته الأشرار، وهي النار الأبدية (متى ٢٥: ٤١، مرقس ٩: ٤٣-٤٨).

يقول القديس أوغسطينوس «أو ليس ذاك الذي صعد إلى السماء جاء إلى أرضنا دون أن يبتعد عن السماء؟ أو ليس هو ذاك الذي يصعد إلى السماء دون أن يتخلى عنا؟» (القديس أوغسطينوس:«شرح رسالة القديس يوحنا الأولى» المقالة السادسة، المحبة الصادقة، فقرة ١٣).

وإذن ابن الإنسان، وهو يسوع المسيح، مع أنه نزل من السماء، لكنه هو على الأرض لم يخل السماء من وجوده، بل ظل قائماً فيها. فعندما كان على الأرض كان لا يزال في السماء.. عندما كا جالساً على حجر العذراء كان في نفس الوقت جالساً على عرشه في السماء.. وعندما كان يكلم نيقوديموس أحد رؤساء اليهود وعلمائهم كان يصغي إلى تسبيح الملائكة أمام عرشه في السماء، ويستمع إلى صلوات جميع مخلوقاته الناطقة.. حقيقة لا يمكن أن نفهمها بالنسبة للإنسان ذلك الكائن المحدود، لكنها لا تعرف إلا عن الله وحده. فكيف ساغ ليسوع المسيح أن ينسب إلى ذاته ما لا ينسب إلا إلى الله وحده: الوجود في كل مكان في وقت واحد، ما لم يكن بهذا يعلن عن وحدانيته مع الآب في جوهر اللاهوت؟!

على أن نزول الابن من السماء (يوحنا ٦: ٣٨، ٤٢) ليس كما ينزل الإنسان من الطابق العلوي إلى طابق أسفل، فإن النزول بهذا المعنى الأخير يقتضي إخلاء الطابق العلوي والحلول في الطابق الأسفل. وهذا لم يحدث بالنسبة للمسيح، فهو ما قال : «نزل من السماء وهو كائن في السماء»، أي كان على الأرض وفي السماء في وقت واحد.

وإذن فنزول الرب يسوع لا بمعنى إخلائه السماء من وجوده، ولا بمعنى الحلول المادي المحصور في المكان، بل نزوله بمعنى تنازله أن يكون له - هو مالئ السماوات وكل الوجود - كيان منظور، تلبس به، وصار للاهوته حجاباً وستراً حتى يصير منظوراً للناس. ولما كان الله عالياً سامياً وأعلى من السماوات، فإذا صار له على الأرض وجود منظور ملموس، فقد نزل في نظر الناس - بهذا المفهوم - من السماء إلى الأرض.

(٢) ولقد روى الإنجيل المقدس قصة إيمان نثنائيل الذي من ناصرة الجليل، والذي صار فيما بعد برثولماوس الرسول أحد الاثني عشر تلميذاً ورسولاً.. هذه القصة بيّنة أخرى على حضور الرب يسوع في كل مكان.

إن نثنائيل التقى به فيلبس الذي كان قد صار حديثاً من أتباع المسيح «فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ وَقَالَ لَهُ: «وَجَدْنَا ٱلَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي ٱلنَّامُوسِ وَٱلأَنْبِيَاءُ: يَسُوعَ ٱبْنَ يُوسُفَ ٱلَّذِي مِنَ ٱلنَّاصِرَةِ». فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ: «أَمِنَ ٱلنَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟» قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: «تَعَالَ وَٱنْظُرْ». وَرَأَى يَسُوعُ نَثَنَائِيلَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ، فَقَالَ عَنْهُ: «هُوَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ حَقّاً لاَ غِشَّ فِيهِ». قَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ: «مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُنِي؟» أَجَابَ يَسُوعُ: « قَبْلَ أَنْ دَعَاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ ٱلتِّينَةِ، رَأَيْتُكَ». فَقَالَ نَثَنَائِيلُ: «يَا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ! أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!» أَجَابَ يَسُوعُ: « هَلْ آمَنْتَ لأَنِّي قُلْتُ لَكَ إِنِّي رَأَيْتُكَ تَحْتَ ٱلتِّينَة؟ سَوْفَ تَرَى أَعْظَمَ مِنْ هٰذَا!» (يوحنا ١: ٤٥-٥٠).

والمتأمل في هذه القصة يعجب من سرعة إيمان نثنائيل، ويذهل من تحوله المفاجئ من رجل لم يكن يتوقع أن يكون في يسوع المسيح شيء من الخير أو الصلاح - نظراً لأنه ناصري، وأهل الناصرة لم يكونوا ذوي صلاح بل كان رأي اليهود فيهم أنهم أشرار بما اختلط لديهم من أفكار وعادات وثنية أفسدت عقيدتهم وديانتهم - إلى رجل آخر زاد إيمانه أضعافاً على إيمان فيلبس الذي دعاه وألح عليه في دعوته، كان نثنائيل متلكئاً في قبول الدعوة رافضاً لها معترضاً عليها حتى لقد قال له فيلبس: تعال وانظر! وهي عبارة لا يقولها إنسان إلا عندما تعييه الحيلة في إقناع رفيقه.

وبينما كان فيلبس الذي دعاه نثنائيل يقول عن يسوع المسيح «يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة» قال نثنائيل موجهاً الخطاب للمسيح «رابي: (أي يا معلم ويا رب - وهو تعبير إجلال يوجه عند مخاطبة كبار المعلمين المرموقين) - أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل».

وهنا لا بد للمرء أن يتساءل: كيف تحولت نظرة نثنائيل هذا التحول المفاجئ؟ إنه عندما قال له الرب يسوع: «هُوَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ حَقّاً لاَ غِشَّ فِيه» أجاب نثنائيل بأسلوب خلا من التوقير الذي استعمله بعد ذلك بقليل.. قال له: من أين تعرفني؟ ولم يزد بتلقيبه حتى بلقب «سيد» وهو تعبير يقتضيه الأدب في مخاطبة الآخرين كما فعل اليونانيون الذين تقدموا إلى فيلبس وسألوه قائلين « يَا سَيِّدُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى يَسُوعَ» (يوحنا ١٢: ٢١) - مما يدل على أن شيئاً واحداً هو الذي صنع في نثنائيل صنيعاً عظيماً ونقله مباشرة من الاحتقار إلى الإعجاب والذهول والإجلال، والاعتراف بأن المسيح ابن الله وأنه ملك إسرائيل؟ فما هو هذا؟

إنه قول المسيح له: « قَبْلَ أَنْ دَعَاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ ٱلتِّينَةِ، رَأَيْتُكَ» !

يؤكد هذا قول الرب يسوع نفسه لنثنائيل بعد أن اعترف به أن ابن الله وأنت ملك إسرائيل.. «هَلْ آمَنْتَ لأَنِّي قُلْتُ لَكَ إِنِّي رَأَيْتُكَ تَحْتَ ٱلتِّينَة؟ سَوْفَ تَرَى أَعْظَمَ مِنْ هٰذَا!»

إذن قصة التينة هي بيت القصيد.. هي سر إيمان نثنائيل بأن الرب يسوع ابن الله، وأنه ملك إسرائيل... وهي سر تلقيبه له بكل احترام: «رابي» بعد أن لم يكن جديراً عنده بلقب «سيد».

فما قصة التيننة؟

يروي التقليد والتاريخ أن نثنائيل كان في طفولته من بين الأطفال الذين انطبق عليهم قرار هيرودس الذي أصدره بقتل «جَمِيعَ ٱلصِّبْيَانِ ٱلَّذِينَ فِي بَيْتِ لَحْمٍ وَفِي كُلِّ تُخُومِهَا، مِنِ ٱبْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ، بِحَسَبِ ٱلزَّمَانِ ٱلَّذِي تَحَقَّقَهُ مِنَ ٱلْمَجُوسِ» (متى ٢: ١٦). ولما علمت أمه بذلك احتالت على نجاته بأن وضعته في سفط ثم صعدت إلى أعلى شجرة التينة التي في بيتها وجعلت السفط وفيه طفلها نثنائيل في تعريشة التينة، فكانت تعريشة التينة بأغصانها المتشابكة والملتفة مخبأ أميناً حيث أحاطت به الأغصان والأوراق من كل جهة. فلما دخل جند هيرودس وفتشوا البيت ولم يجدوا فيه طفلاً خرجوا، ولم يمسوا الطفل نثنائيل بشر. وبهذه الوسيلة نجا نثنائيل من سيف جند هيرودس.

هذه القصة المثيرة، قصة نجاة نثنائيل من الموت لم يكن يعلم بها أحد غير أم نثنائيل، ونثنائيل نفسه فيما بعد، وظل الأمر حبيساً في صدر أمه وفي صدره إلى أن واجهه الرب يسوع بمعرفته له «قَبْلَ أَنْ دَعَاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ ٱلتِّينَةِ، رَأَيْتُكَ» فذهل نثنائل لانه سمع قصة نجاته التي لا يعرفها أحد غيره وغير أمه، من الرجل الذي يلتقي به لأول مرة، وعرفه بشخصه أنه إسرائيل حقيقي لا غش فيه، وأن فيلبس دعاه للمجيء إليه، ولكنه عرفه بما قبل دعوة فيلبس له: عرفه بسر عظيم، سر نجاته..

ومما هو جدير بالتأمل قول الرب يسوع لنثنائيل: رأيتك تحت التينة، أي أنه لم يعرفه فقط، بل رآه أيضاً رأي العيان.. رآه وهو طفل رضيع.. رآه وهو في تعريشة التينة وقد غطته وسترته الأوراق والأغصان من كل جهة.. حينما لم يره أحد من الناس قط، رآه الرب يسوع؟

وأين كان الرب يسوع في هذا الوقت؟

ألم يكن هو أيضاً طفلاً حملته أمه وهربت به إلى مصر تنفيذاً لأمر الملاك الذي ظهر ليوسف في الحلم، وكان هناك في مصر إلى أن مات هيرودس الذي كان يسعى في طلب الطفل الإلهي ليميته؟ (متى ٢: ١٣-٢٠).

إذن كيف رأى الرب يسوع الطفل نثنائيل وهو تحت التينة. إنه لم يذهب إليه بقدميه لأنه كان بعيداً عنه، في بلد بعيد، بعيد.. لكنه قد رآه فعلاً « رَأَيْتُكَ تَحْتَ ٱلتِّينَة» إذن الرب يسوع وهو في مصر قد رأى نثنائيل تحت التينة وهو في بيته في إحدى القرى القريبة من بيت لحم في مقاطعة اليهودية من أرض فلسطين؟

كيف نفسر ذلك إلا بأن المسيح حاضر بلاهوته في كل مكان. فهو وإن كان في مصر، لكنه بلاهوته حاضر في فلسطين وفي كل بقعة من الأرض، وعيناه تخترقان أستار الظلام وتريان على بعد المكان، لأنه لا يحده مكان «وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذٰلِكَ ٱلَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا» (عبرانيين ٤: ١٣). فهل من شك في أنه هو الله؟ هل يمكن لغير الله أن يقول لنثنائيل «رَأَيْتُكَ تَحْتَ ٱلتِّينَة»!

لهذا لم يلبث نثنائيل إن سمع قول الرب يسوع له «قبل أن دعاك فيلبس، أنت ملك إسرائيل» فكان باعترافه هذا أسبق من القديس بطرس في إقراره المشهور «أَنْتَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ»(متى ١٦: ١٦).

(٣) وقال الرب يسوع له المجد « لأَنَّهُ حَيْثُمَا ٱجْتَمَعَ ٱثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِٱسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ» (متى ١٨: ٢٠).

إذن يكون يسوع المسيح موجوداً في كل مكان يجتمع فيه اثنان أو ثلاثة باسمه. وما أكثر ما يمكن أن تتوافر هذه الاجتماعات في أماكن متعددة، لا حصر لها!

أفهل يمكن لإنسان أن يزعم لنفسه هذا؟

لو كان يسوع المسيح مجرد إنسان لكان وجوده، في أكثر من مكان أمراً محالاً لا يقبله عقل، ولا يسيغه منطق.

فلو لم يكن المسيح إلهاً كيف يكون وجوده في أكثر من مكان مقبولاً؟

ثم أن مثل هذه الاجتماعات يمكن أن تكون في أي عصر، وفي أي زمن. وبموجب هذا الوعد المقدس يكون يسوع المسيح حاضراً فيها.

وإذن يسوع المسيح نسب إلى نفسه أن يكون حاضراً دائماً لا في كل مكان فقط، بل وفي كل زمان أيضاً. هل يمكن أن يكون يسوع المسيح مجرد إنسان؟

(٤) ويقول الرب يسوع: « إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً» (يوحنا ١٤: ٢٣).

وهذا وعد لمن يحب المسيح ويحفظ كلامه برهاناً على صدق حبه وعمقه، فإن الآب يحبه لأن الآب يحب الابن وليس بينهما تعارض لأنهما جوهر واحد، ونتيجة لهذا الحب من الآب والابن معاً يتخذان من قلب ذلك الإنسان ومن روحه وجسده مقراً ومقاماً ومسكناً، ويجدان فيه راحتهما.

وإذا كان هذا الوعد مطلقاً، وعداً لكل من أحب المسيح، فالمسيح مع الآب يقيم في قلوب المحبين له إقامة دائمة في وقت واحد. هو إذن في قلوب كثيرة وأماكن كثيرة في وقت واحد، ولا يحده منها مكان أو قلب. وكما أن الآب لا يحده مكان كذلك الابن أيضاً لا يحده مكان، لأنهما معاً دائماً بغير افتراق.

وهذا دليل وحدانية الابن والآب في الجوهر، كما أنه دليل على حضورهما في غير مكان في وقت واحد.

على أن هذا الوعد لا ينحصر تحقيقه في زمان دون زمان. ففي كل زمان طالما وجد من يحب المسيح، فإن المسيح مع الآب يتخذان من قلب هذا الإنسان وقلب كل إنسان آخر في أي زمان، مقراً لهما ومسكناً ومقاماً. هذا يقتضي بالتبعية حضور المسيح في كل زمان، كما يقضتي حضوره في كل مكان.

(٥) وفي سفر الرؤيا يعلن الرب يسوع عن معنى آخر قريب من المعنى السابق، ويؤكد الحقيقة نفسها. يقول « هَئَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى ٱلْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ ٱلْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي» (الرؤيا ٣: ٢٠). وهذا وعد مطلق، يمكن أن يكون من نصيب كثيرين في أماكن متفرقة يفتحون للرب قلوبهم، بالرغبة الصادقة والإرادة الخيرة، فيدخل الرب يسوع إليهم ويغذيهم من دسم نعمته، ويطعمهم بطعامه الباقي (يوحنا ٦: ٢٧) إلى الحياة الأبدية، ولن يترك الواحد منهم ليذهب إلى الآخر، لأنه يستطيع أن يقيم في قلوبهم جميعاً في آن واحد ويشبعهم من طعامه في وقت واحد.

وكما ينطبق هذا الوعد على كثيرين في المكان، ينطبق على آخرين كثيرين في الزمان، ففي كل زمان وإلى نهاية الأيام يظل وعد المسيح قائماً لكل من يفتح له باب قلبه، يدخل فيه ويتعشى معه.

هل يمكن لإنسان أن يعد وعداً كهذا، وعداً يشمل المكان كما يشمل الزمان؟ هل يمكن لغير الله وحده أن يكون حضوره عبر الزمان وعبر المكان، في كل زمان وفي كل مكان؟ فمن يكون المسيح إذن غير الله بذاته؟

(٦) ويقول الرب يسوع كذلك وهو يودع تلاميذه قبيل صعوده إلى السماء: « وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلأَيَّامِ إِلَى ٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ» (متى ٢٨: ٢٠) وهذا وعد بأنه هو بذاته سيكون معهم، على الرغم من مغادرته الأرض بالجسد وصعوده إلى السماء (مرقس ٢٦: ١٩، لوقا ٢٤: ٥١، أعمال ١: ٩-١١). والمقصود بالمعية هنا المصاحبة للتلاميذ بحضوره معهم دائماً ووجدوده في وسطهم كما سبق فقال (متى ١٨: ٢٠)، بما شرحناه من قبل. وهو يؤكد - مع النصوص السابقة - إنه ينسب إلى ذاته الوجود والحضور في كل مكان: في السماء وفي كل مكان في الأرض.

غير أن هذا الوعد لا ينحصر في الوجود المكاني بل ويتعداه إلى الوجود دائماً في الزمان. فإن قوله « وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلأَيَّامِ إِلَى ٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ» ينطوي صراحة على حضوره في كل زمان إلى مجيئه الثاني وبالتالي إلى الأبد.

إن هذا النص، بالإضافة إلى النصوص السابقة بيّنة واضحة على أن الرب يسوع ينسب إلى ذاته صفة ينفرد بها الله وحده، إنه موجود وحاضر في كل مكان، بل وفي كل زمان.

فإذا كان المسيح ينسب إلى ذاته أنه حاضر وموجود في كل زمان ومكان، فهذه دعوى الألوهة. فأما أن تكون دعواه صحيحة - وهي كذلك دعوى صريحة - وإلا كان المسيح مجدفاً لأنه نسب إلى ذاته ما لا ينسب إلا إلى الله وحده.

إذن ليس المسيحيون هم الذين نسبوا إلى المسيح الألوهة ادعاء وافتراءاً، وإنما المسيح الذي آمنوا به هو الذي نسب إلى ذاته بأقواله وأفعاله ما أقنهعم بأن هو لم يكن غير الله متجسداً، أو هو الله في صورة إنسان.. هو الله، ولم يكن الجسد الذي ظهر به غير حجاب احتجب به لاهوته عن الناس، وستار استتر به عن عيونهم ليحل بوجوده في وسطهم دون أن تعمى عيونهم بنوره أو يحترقوا بنار لاهوته.

المسيح إذن هو الله متأنساً.. وبكيانه المنظور ابن الله، له المجد والسجود وبه تليق العبادة والإكرام، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين، آمين.

النصوص المقتبسة من الكتب الكنسية وكتابات الآباء

- القداس الغريغوري - للقديس غريغوريوس الثيؤلوغوس

- القديس إكليمنضس الاسكندري، كتاب المربى، ٣ أجزاء

- العلامة أوريجينوس، تفسير إنجيل متى، الجزء ١٢

- القديس أوغسطينوس، تفسير إنجيل يوحنا، عظة ٢٩٥

- شرح رسالة القديس يوحنا الأولى

- البطريرك مار أغناطيوس يعقوب الثالث، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، كتاب الحقائق الجليلة في الأبحاث التاريخية، الأدبية والفلسفية، دمشق ١٩٧٢

- أبو شاكر بن الراهب أبو الكرم بطرس بن المهذب شماس كنيسة المعلقة، كتاب الشفا في كشف ما استتر من لاهوت سيدنا يسوع المسح واختفى

Call of Hope 
P.O.Box 10 08 27 
D-70007
Stuttgart
Germany

عودة الى صفحة الرد على الاسلام