الأقليات الدينية في فكر الحركات الاسلامية

 

التغيير الذي طرأ على أحكام

أهل الذمة في الدول العلمانية

جاء في كتاب الجـــامع في طلب العلم الشريف للشيخ الدكتور عبد القادر بن عبد العزيز: لقد استمر العمــل على ذلك حتى أواخــر القرن الثاني عشر الهجري ــ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ــ حين تدهورت أحوال الدولة العثمانية وولاياتها المختلفة واتجهت نحو العلمانية بصورها المختلفة من تحكيم القوانين الوضعية بدلا من أحكام الشريعة، واقتباس النظام الديمقراطي الغربي الذي يمنح السيادة للشعب كسلطة عليا بدلا من سيادة حكم الله تعالى في الإسلام، وكان من آثار العلمنة بناء الدولة على أساس المواطنة (والتي تعني التسوية بين جميع السكان في الحقوق والواجبات دون النظر إلى هويتهم الدينية) بدلا من اعتماد الهوية الدينية التي تقسم السكان إلى مسلمين وأهل ذمة.

وكان هذا هو نهاية العمل بأحكام أهل الذمة وسقط هذا المصطلح من الدساتير العلمانية التي تبنت فكرة المواطنة في سائر بلدان المسلمين اليوم، حتى أصبح المسلم من غير أهلها يعامل كغريب ٍ وأجنبي عنها، في حين يُعامل الكافر من أهلها كمواطن له سائر الحقوق.

تقــول ، د. سميرة بحــر ــ في وصف تطور الأحوال في بلدٍ كمصر ــ (ومضت الحكومـات الإسلامية المتعاقبــة في معاملــة لا توصف في جملتها بأنها سيئة باستثناء أمرين أولهما: دفع الجزية التي كانت مظهرا من مظاهر الدولة الثيوقراطية (ويلحق بذلك عدم السماح لهم بحمل السلاح، وعدم قبول شهادتهم ضد المسلمين في المحاكم.. الخ).

وثانيهما: هدم الكنائس التي كان العامة وطغام الناس يفعلون بها ذلك في ثوراتهم، ثم لايلبث النصارى أن يؤذن لهم في إعادة بنائها بأمر الحاكم المسلم.

وجاء في العهد المنسوب إلى الخليفة عمر بن الخطاب «وليس لكم أن تظهروا الصليب في شيء من أمصار المسلمين ولا تبنوا كنيسة ولا موضع مجتمع لصلاتكم، لاتضربوا بناقوس» ــ إلى أن قالت: ــ استمر تقدم الأقباط في الحياة العامة الحديثة مع إخوانهم المسلمين خاصة وأن الوالي سعيد ــ حاكم مصر ــ أدخلهم في صلب الدولة، لأنه كان يريد على الأخص إخراج الأتراك من الوظائف المدنية والحربية، فبدأ يعتمد بدرجة أكبر على المصريين ويفسح لهم المجال واسعا في وظائف الدولة والجيش، واقتضى هذا النزوع المصري منه أن يزيل آخر عقبات الاندماج بين عناصر المصريين باصدار قرار قبول المسيحيين في الجيش وتطبيق الخدمة العسكرية عليهم.

فنصّ الأمر العالي الصادر في جمادى الأولى 1272 هـ على أن «أبناء الأعيان القبط سوف يدعون إلى حمل السلاح أسوة بأبناء المسلمين وذلك مراعاة لمبدأ المساواة».

وكان قد أصدر أمره قبل ذلك بالغاء الجزية المفروضة على أهل الذمة في ديسمبر 1855 م ــ إلى أن قالت ــ وفي عهد الخديوي إسماعيل أيضا تم تعيين قضاة من الأقباط في المحاكم كما ألمحنا. وهو أمر لا يقل أهمية عن التمثيل بالمجالس التشريعية، وتلازم هذا التطبيق مع إلغاء المجالس القضائية القديمة التي كانت تقتصر على القضاة من المسلمين وحدهم مع إحلال محاكم أهلية محلها. فلزم تعيين القضاة بصرف النظر عن الدين ليتكون قضاء يخضع له المصريون بصرف النظر عن الدين أيضا، وكانت دلالة الأمرين السابقين معا (أي تقبل المدارس الأميرية للمصريين جميعا وتعيين قضاة من القبط في المحاكم) هو البدء في بناء مؤسسات الدولة على قاعدة المواطنة وعلى الأساس المدني العلماني) أهـ. من كتاب (الأقباط في الحياة السياسية المصرية) للدكتورة سميرة بحر، ط مكتبة الأنجلو المصرية، ط 2، 1984، صـ 35 ــ 38.

وقد أدرجت في السياق كلمة ــ حاكم مصر ــ وهذا الكلام يهمنا منه السرد التاريخي، وإلا فإن المؤلفة قالت كلاماً مكفراً، وهو وصفها الجزية بأنها أمر سييء، وهى أمر الله تعالى في قوله (حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) التوبة 29.

وإن كنت لا أدري أمنتسبة للإسلام هى أم نصرانية؟.

كذلك ما ذكرته من إعادة بناء الكنائس هو أمر غير مشروع وتهاون من الحكام المسلمين، وتفصيله بمجموع فتاوى ابن تيمية، جـ 28 صـ 632 ومابعدها.

وبإسقــاط الجــزية عن أهــل الكتـاب وبمساواتهم بالمسلمين بما يعني مخالفة الشروط العمرية يكون عهدهم قد انتقض وعادوا كفاراً محاربين.

قال الشوكاني (ثبوت الذمة لهم مشروط بتسليم الجزية والتزام ما ألزمهم به المسلمون من الشروط، فإذا لم يحصل الوفاء بما شُرط عليهم عادوا إلى ما كانوا عليه من إباحة الدماء والأموال،

وهذا معلوم ليس فيه خلاف، وفي آخر العهد العمري: فإن خالفوا شيئا مما شرطوه فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل العناد والشقاق) (السيل الجرار) للشوكاني، 4/ 574.

وقد سبق كلام ابن قدامة في نفس المعنى.

وسواء كان انتقـاض عهد الذمة من جهتهم أو من جهة الحاكم الكافر كما صنع الخديوي سعيد ومن تلاه في حكم مصر، فإن هذا لايؤثر في النتيجة، فالكافر لايعصم نفسه وماله من المسلمين إلا أمان معتبر من جهتهم، فإذا عدم الأمان سقطت عصمته. وهذا مثال لما وقع بشتى بلدان المسلمين.  

وأتى البعـض بشبهــة فقالوا: وما ذنبهم ــ أي أهل الكتـاب ــ إذ كان انعدام عقد الذمة ليس من جهة امتناعهم عنه بل من جهة غياب الدولة الإسلامية، ولعلها لو وجدت لدخلوا في الذمة؟.

والـجواب: أن هذه شبهة فاسدة لأنها من الاحتجاج الفاسد بالقدر، فقيام دولة الإسلام أو ذهابها شئ قدّره الله، فإن وجدت وجدت معها أحكام معينة هذا منها، وإن ذهبت زالت هذه الأحكام.

وهذا يشبه قول من قال ما ذنب هذا الكافر المقلد لأبويه الكافرين ولعله لو ولد لأبوين مسلمين لكان مسلماً، هذا شئ قدّره الله، ولا يحتج بقدر الله لإبطال شرع الله، كالذين ذمهم الله في قوله تعالى (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله، قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه، إن أنتم إلا في ضلال مبين) يس 47، فاحتج هؤلاء بالقدر (وهو أن الله أراد جوع هذا الجائع ولو شاء لأطعمه) على إبطال الشرع (وهو أمرهم بالإنفاق والصدقة)، فحكم الله تعالى بضلال من يحتج بمثل هذا فقال سبحانه (إن أنتم إلا في ضلال مبين). فكذلك أصحاب هذه الشبهة احتجوا بالقدر (وهو إرادة الله تعالى زوال دولة الإسلام) على إبطال الشرع (وهو أن الكافر غير المعاهد مهدر الدم والمال) فنجيبهم بقول الله تعالى (إن أنتم إلا في ضلال مبين).

وأضيـف فأقـول إن إسقـاط أحكــام أهــل الذمــة في بلـد كمصــر قد قـوبل بارتياح وترحيب كبيرين من النصارى، وتبع ذلك مقاومتهم لأي توجه إسلامي للحكومة العلمانية بمصر بداية من مهاجمتهم لفكرة الجامعة الإسلامية التي نادى بها جمال الدين الأفغاني في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وانتهاء باعتراضهم على تطبيق أحكام الشريعة عليهم إذا كان في نية الحكومة المصرية العمل بها أو ببعضها، ومن هذا الباب تقدم الأزهر ووزارة العدل بمشروع قانون الحدود إلى مجلس الشعب لإقراره عام 1977م، وتجمد المشروع في خزانة مجلس الشعب، ولكن هذه الخطوة قوبلت برد فعل عاصف من جهة النصارى فعقدوا مؤتمرهم بالاسكندرية في 17/1/1977م

حضره كبيرهم شنودة وسائر ممثلي الأقباط وأصدر المؤتمر بياناً طالب فيه بالغاء مشروع قانون الردة واستبعاد التفكير في تطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين.

انظر (المرجع السابق) لسميرة بحر، صـ 156، وكتاب (المسألة الطائفية في مصر) ط دار الطليعة 1980م، صـ 36 ــ 37.

وطلبهم الأخير هذا يعتبر نقضاً جماعيا لعقد الذمة لو افترضنا وجوده وسريان مفعوله حينئذٍ.

وبعد: فقد كان هذا عرضـاً موجـزاً لما كان عليه الحال وما آل إليه بشأن أهل الكتاب في بلاد المسلمين، ومع أنه لا يوجد اليوم على ظهر الأرض من يسمون بأهل الذمة، إلا أن هذا لا يمنع من دراسة الموضوع ومعرفة أحكامه خاصة بالنسبة لطلاب العلم المتخصصين، وليدركوا التحريفات التي أراد بعض العصريين إدخالها عليه.

وعلى هذا فسوف أذكر فيما يلي المراجع الأساسية لدراسة هذا الموضوع، ثم أذكر بعض الكتب المعاصرة التي اشتملت على تحريفات في هذا الموضوع وذلك للتحذير منها.

المراجع الأساسية لدراسة هذا الموضوع

1 ــ كتاب الجــزية بكتاب (المغـني) لابن قدامة، وقد ورد في آخر كتاب الجهــاد، وهو في (المغني مع الشرح الكبير) في جـ 10 من صـ 567 إلى آخره.

2 ــ كتــاب الجـزية بصحيح البخاري مع شرحه، وهو في (فتح الباري) 6/ 257 ــ 285.

3 ــ كتاب (أحكـام أهل الذمــة) لابن القيم، في مجلدين طبع دار العلم للملايين، وهو أوسع مرجع في هذا الموضوع. وله مقدمه لمحققه الدكتور صبحي الصالح ولآخر اسمه د. محمد حميد الدين، كلاهما أتى بأخطاء فاحشة سأعرضها ضمن نقد كتابات المعاصرين إن شاء الله.

4 ــ أبــواب الجـزية في كتب السياســة الشرعيـة، (كالأحكــام السلطانيــة) للمــاوردي، و(الأحكـام السلطانية) لأبي يعلى، و(تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام) لبدر الدين بن جماعة، وهذا الكتاب الأخير قد نبهت على بعض أخطاء محققه د. فؤاد عبدالمنعم من قبل عند الكلام في كتب السياسة الشرعية فلتراجع هناك.

5 ــ كتاب (اقتضــاء الصراط المستقيم مخالفــة أصحاب الجحيم) لشيخ الإسلام ابن تيمية، تناول فيه بعض أحكام أهل الذمة.

6 ــ القسم الأخير بالمجلد الثامن والعشرين من مجموع فتاوي ابن تيمية، وقد تكلم فيه عن أحكام بناء الكنائس وهدمها وأحكام الوقف عليها في دار الإسلام، راجع جـ 28 صـ 601 ــ 668، من (الرسالة القبرصية) إلى آخر المجلد.

7 ــ كتاب (الصــارم المسلول على شاتم الرسول) لابن تيمية، وقــد اشتمــل على بعــض أحكــام أهـل الذمة.

فهذه أهم مراجع هذا الموضوع (أحكام أهل الذمة)، والتي بدراستها يتمكن الطالب من تمييز الحق من الباطل في هذا الموضوع، كما يتمكن من نقد الكتب المعاصرة التي تناولته فيميز مافيها من أخطاء.

الصفحة الرئيسية