بداية الكتاب

 

اَلنَّصُ اَلْمُؤَسِّسُ وَمُجْتَمَعُه

اَلسِفْرُ اَلأَوَّلُ وَاَلثَانِى

خليل عبد الكريم

 

الطبعة الأولى 2002

منشورات الجمل, كولونيا , ألمانيا

دار مصر المحروسة

13 شارع قولة امتداد محمد محمود ـ عابدين , القاهرة ـ مصر

تليفون 3960599 ـ فاكس  6360922

 

 

السفر الأول

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

الباب الأول

آيات كريمة أشرقت تحقيقًا لِرغبة القائد

وأخرى تلبية لرجاوات تبعه

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الرابع

الإيضاح والاستدراك والاستثناء

من ص 221 إلى 246

 

1ـ ملاحظة عبيطة تُنْزل آية!!

2ـ الجهاد . والوعيد . والجنات

3ـ والإستدراك يتكرر

4ـ الإستدراك فى كتب التفسير

5ـ أكتاف البعير !!

6ـ إستدراكات العدّة

7ـ التوثيق من كتب التفسير

8ـ استدراك لوحشى قاتل حمزة

9ـ التوثيق من التراث

10ـ سمعنا وعصينا

11ـ فماذا رقم المفسرون

       ختام

 

 

 

*******

 

هذا الفصل يؤكد ما سبق أن زَبَرْنَاه أن الذكر الحكيم فى سوره وآياته الكريمة

ـ باستثناء التى تناولت أُحْدُوثَة الخلق وحكاية آدم وحواء والشيطان وحكاية البطاركة الأماثل

 والتى لها أصول فى الكتاب المقدس لدى اليهود والمسيحيين ـ

 اتصلت بوشائج متينة سواء ( بالمُبَلِّغ ) الذى قرأها على المخاطبين بها أم أنفسهم .

 

*******

ملاحظة عبيطة تُنْزل آية!!

 

هذا ضرب من الآيات لا يعالج مشكلات حازِبة ولا يفكّ معضلات معقدة ولا يلبى طلبات عاجلة ولكنه يوضح ويبيِّن ويشرح حينًا ويستثنى حينًا آخر.

 

وفى المرة الثالثة يستدرك ـ بداهة ـ ما فات جمهرة الذين توجهت إليهم الآيات استيعابه أو الإحاطة به أو فهمه على الوجه الصحيح, ولا نقول الأمثل, لأن أولئك البدو العُربان لا تمكنهم أحوالهم الذهنية والمعرفية والإدراكية من النَقْه والفهم الأمثل, فهم بشهادة القرآن المجيد أكثرهم لا يعقلون وعندما ينفى عن غالبيتهم العقل فهذا ينسحب على المجموع لأن القلة التى قد تعقل هى استثناء ومعلوم أنه ( أى الاستثناء ) لا يغير من الحكم.

 

الخلاصة: إننا عندما نسطّر أن عددًا من الآيات الكريمات جاءت على سبيل الاستدراك نعنى أن عُمالتها ( = وظيفتها ) هى أن يستدرك المخاطَبون ( بفتح الطاء ) ما فاتهم من مدلول قصدت إليه الآية بيد أنه غاب عن فطانتهم ـ لو احتازوا أو تملكوا فطانة ـ إذ لو احتازوها أو تملكوها لما أحوجوا ( مأدبة الله ) لأن يبعث إليهم بآية أو آيات مُصلية أو تالية أو لاحقة تعينهم على الوعى بحقيقة المطلوب منهم.

 

فعلى سبيل المثال عندما هلّت الآية:

{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [ البقرة 187 ].

أخذها بعض صحبه بحرفيتها وأحضر خيطين أبيض والآخر أسود وظل يأكل ويشرب ويعافس زوجته, حتى يتبين له الأبيض من الأسود وبداهة لا يتحقق ذلك إلا إذا أسفر الصباح فذهب أحدهم إلى ( المحلل ) يسأله: فهاله هذا الغباء المطبق وقال له: إنك لعريض القفا. [ الكتبة المحدثون والوعاظ وخطباء المساجد عندما يتحدثون أو يكتبون عن أى صحابى حتى ولو كان مثل بُسرِ بن أرطأة يقول الصحابى الجليل سيدنا فلان رضى الله عنه ].

 

( عن عدىّ بن حاتم قال: لما نزلت: { .... وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ... } عَمَدْت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتى وجعلت أنظر إليهما من الليل ولا يستبين لى فإذا تبين لى الأبيض من الأسود أمسكت, فلما اصبحت, غدوت إلى رسول الله فأخبرته فضحك وقال: إنك لعريض القفا, إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل ) وكنى رسول الله ـ ص ـ بذلك عن بلاهة عدىّ وقلة فطنته. [ غرائب القرآن: للقمى النيسابورى ـ المجلد الثانى ـ ص 280 ].

 

أى لم ينقه مدلول الآية الكريمة وهو طلوع الفجر, ولكن الأسئلة تكررت أى لم تقتصر على فرد.

 

إزاء ذلك غدا من الحتم أن تنبثق آية توضح المقصود من ( الخيط الأبيض والخيط الأسود ) فلمعت كالؤلؤة وأضاءت كالفجر جملة إيضاحية    { مِنَ الْفَجْرِ }:

( روى البخارى عن سهل بن سعيد قال: أُنزلت { وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ } ولم ينزل { مِنَ الْفَجْرِ } من الآية 187 من سورة البقرة, فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم فى رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد { مِنَ الْفَجْرِ } فعلموا أنما يعنى الليل والنهار ) [ لباب النقول للسيوطى ـ ص 23, 24 ].

 

وأورده الواحدى فى ( الأسباب ) واضاف أن البخارى رواه عن ابن أبى مريم ومسلم عن محمد بن سهل عن أبى مريم. [ أسباب النزول للواحدى ـ ص 32 ].

 

أى أن الحديث خرّجه كل من البخارى ومسلم وهما قمة الصحاح الستة, وزَبَرَه الأزهرى فى مقبوله بنصه عن البخارى ومسلم ووصفه بالصحة وأضاف أن النسائى أخرجه فى الكبرى والبيهقى فى السنن وأبو يعلى فى مسنده والطبرى فى تفسيره والطحاوى فى شرح معانى الآثار. [ المقبول للشيخ أبى عمر نادى الأزهرى ـ ص 96 ].

 

ثم نتوجه إلى كتب التفسير, وعلى سبيل المثال:

( وفى الصحيحين أيضًا عن سهل بن سعد: نزلت [ البقرة 187] ولم ينزل { مِنَ الْفَجْرِ } فكان رجال إذا أردوا الصوم ربط أحدهم فى رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله عز وجل { مِنَ الْفَجْرِ }  فعلموا أنه يعنى الليل والنهار). [ غرائب القرآن للقمى النيسابورى ـ ص 280 ].

 

وهكذا تأكدت صحة الحديث لعلو المصادر التى وضعته أمامنا وهو غنى بالمعطيات منها:

1 ـ الآية المذكورة صَفِرًتْ صُفُورًا تامًا من كلمتى { مِنَ الْفَجْرِ } عند انبثاقها أول مرة.

2 ـ دلّت الزيادة والعلة التى استنفرتها على المستوى الحضارى الخفيض لأول من خوطب بالقرآن العظيم. ولو أن الذين تلقوه على درجة ولو معقولة من الوعى لما استدعى الأمر إهلال آية جديدة توضح وتبين وتُسفر عن المقصود.

3 ـ عدىّ بن حاتم الطائى أحد الذين فعلوا ذياك العمل الساذج لا يمكن بحال عدّه من غمار الناس وعامة الأعاريب فأبوه حاتم الطائى أشهر كرماء العُربان وضُرب بجوده المثل وله شعر جيد وقبيلته طيئ من القبائل المشهورة وقد اعتنقت النصرانية وهذا العدىّ من المقدمين فيهم ومع ذلك وصفه ( المتبتل ) بالبه وقلة الفطنة.

4 ـ هذه الواقعة وأضرابها تزيدنا سندًا جديدًا يقوى ما اكدناه أن النصوص المقدسة انبثقت من أحشاء مجتمع بالغ الركود والتأخر وتفتحت أكاميمها فى بيئة شديدة التخلف والتدنى.

 

*******

الجِهَادُ . وَالوَعِيْدُ . وَاَلْجَنَّاتُ

 

إفشاء الديانة التى بشر بها محمد وإرساء دولة بنى سخينة نعنى قريشًا, جِماعه استدعى بطريق الحتم واللزوم عَسءكَرة مجتمع يثرب.

وهنا يتساءل أحد قرائنا: ما برهانك عليه؟.

بحسبة بسيطة سوف يظهر أنه إبان المدة التى عاشها جد الحسنين بين جنباتها خرجت كل شهر ونصف شهر وربما أقل غزوة أو سرية أو بعث خاص من معانيه ( إرسال فرد أو نفر لاغتيال شخصية مؤثرة من الأعداء أو هدم صنم أو كعبة ) , ومن ثم فإن القتال أطلق عليه الجهاد وهو اسم متضلع من النكهة الثيولوجية وشكَّل معلمًا بارزًا فى حياة ذلك المجتمع.

 

وقد مُنِح جزاءً مغريًا من يُقتل فى سبيل نشر العقيدة وتشييد الدولة الجديدة وهو الخلود فى الجنة التى تفيض بأنهار الخمر واللبن والعسل المصفى والحور العين والولدان المخلدون وأنواع اللحوم وأصناف الفواكه ... إلخ.

 

وهى مكافآت سخية تخْلُب لُبّ البدوى الذى يعيش فى صحراء جرداء قرعاء قاحلة جَديبة شحيحة محرومة من جِماعها ويتحلب لها ريقه ويحلم بها يقظة ومنامًا.

 

إذن شدّد القرآن على ضرورة الخروج للقتال  ( الجهاد ) ووعد من يفعلون بما ذكرناه وتوّعد من تقاعس عنه بضروب الزعيد.

 

وتعددت الآيات المتعلقة به ( بالقتال ) أو التى تدور فى فلكه وتمرُج فى مرعاه وتجرى فى مضماره. ومن البديهى أن المُقعَدين والعُمى والزَمْنَى ( = المرضى بأمراض مُزمنة ) لا يشملهم النَفْر إلى القتال, وهذا أمر متعارف عليه لدى كل الشعوب على طول التاريخ. ولكن العُربان المُتبدين والذين حظوا بسماع ( الحبل المتين / القرآن ) يُتلى عليهم لأول مرة لم يدركوا هذه البديههة ربما خوفًا من أن يطولهم الجزاء الرادع المرصود للناكلين أو المتقاعسين عن القتال ( = الجهاد ) أو طمعًا فى ألا تفوتهم المتع الحسية الفائقة اللذة التى مُنى بها المُسرعون إليه.

 

*******

 

هذا ما حدث فعندما تنبثق آية مضيئة كالقمر فيها أمر بالقتال يتردد أصحاب الأعذار بين الخوف والرجاء أو الرهبة والرغبة فيرفلون أو إلى محمد يستوثقون من على استثنائهم من القتال ولا ينصرفون حتى تهلّ آية أخرى أو استدراك يوثّق إعفائهم من حمل عبء الجهاد ( القتال ) تقديرًا لظروفهم:

( أخرج الطبرانى عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله ـ ص ـ وإنى لواضع القلم على أذنى إذ أُمِرَ بالقتال, إذ جاء أعمى فقال: كيف بى وأنا ذاهب البصر؟ فنزلت : {  لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا } سورة الفتح: 17 [ نهاية السول لأبى عمر نادى الأزهرى ].

 

تلألأت الآية 16 من سورة الفتح: { قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } تحض المُخَلّفين من الأعراب على قتال قوم أولى بأس شديد حتى يسلموا. وإن أطاعوا وقاتلوا فلهم الأجر الحسن الذى زَبَرناه قبلاً أما إن نخسوا كعادتهم أو مثلما فعلوا فيما سبق فسوف يلحق بهم العذاب الوجيع.

 

سبق أن سطرنا أن الإسلام انتشر داخل جزيرة العرب بحدّا وحَرّ السيف

وسندنا حديث محمدى شريف خرجه مسلم فى صحيحه علاوة على آية السيف أو القتال ا. هـ .

 

وقد أورده المصنف ذاته فى المقبول بنفس الرواية عند الطبرانى ووصفه بصحة الإسناد. [ المقبول للأزهرى ص 600].

 

ورغم وضوح الأمر وأن الآية مشرقة كالشمس فى رابعة النهار وأن التكليف الذى تضمنته بقتال مشركى العرب كيما يدخلوا الديانة الإسلامية موجهان إلى القادرين على حمل السلاح واستعماله, فقد ذهب ضرير إلى ( سيد الكونين ) يسأله كيف يقاتل وهو محروم من نعمة البصر؟.

 

وفى ميسور ( مقدم ولد آدم ) أن يردّ عليه أن الخطاب غير موجه لك ولا لأمثالك ومن ثم لا معنى لاستيضاحك ... بيد انه هو مضرب الأمثال فى الاجتمال وسعة الصدر والأخلاق الرفيعة, فقد صبر حتى أشرقت الآية السابعة عشر من سورة الفتح رسّخت قاعدة رفع الحرج عن العميان والمرضى, وبالتالى عن جميع أصحاب الأعذار, وأكدت لهم أن كل ما عليهم ينحصر فى طاعة الله و ( المستقيم ) فيما عداه أى القتال والجهاد.

 

فإن وفّوا بها فلهم جنات ( بالجمع ؟ ) يتمتعون فيها بذات اللذائذ المرصودة للمقاتلين.

 

*******

والإستدراك يتكرر

 

أخرج البخارى فى صحيحه عن زيد بن ثابت أن رسول الله ـ ص ـ أملى عليه : { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ......... وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } [ سورة النساء: 95 ].

فجاء ابن مكتوم وقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت ولكنى أعمى, فأنزل الله { غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ } [ سورة النساء: 95 ].

لتكتمل الآية كالاتى: { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا }[ سورة النساء: 95 ]. [ نهاية السول للأزهرى ص 73 ].

 

بطل هذه الواقعة عبدالله بن أم مكتوم قديم الإسلام وبسببه أقبلت كالنجم الثاقب أوائل سورة عَبَس { عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَن جَاءهُ الأَعْمَى  } وعند خروج ( الصيّن ) فى إحدى الغزوات ولاّه على أثرب وربما تعدد أى حدث أكثر من مرة ومنه استخرج بعض الفقهاء جواز تولية الأعمى مقاليد الحكم.

 

إذن الآية الخامسة والتسعون من سورة النساء فى بدى الأمر بزغت كالفجر الصادق وهى مليطة من استثناء أصحاب الضرر فلما أبدى ابن مكتوم عذره أُضيف إليها الإستثناء ولم يعد للعميان والمرضى والزمنى ..إلخ, حرج فى الخنس عن المساهمة فى الغزوات والسرايا, ولقد تأيد هذا الحديث من مصادر أخرى:

 

( روى البخارى عن البراء قال: لما نزلت { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } قال النبى ـ ص ـ:

ادْعِ فلانًا فجاء ومعه الدواة واللوح والكنف فقال أكتب: { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ } وخَلْف النبى ـ ص ـ ابن أم مكتوم فقال: يارسول الله , أنا ضرير , فنزلت مكانها { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ .. }

وروى الترمذى نحوه من حديث ابن عباس وفيه قال عبدالله بن جحش وابن أم مكتوم: إنّا أعميان.

وعند ابن جرير من طرق كثيرة مرسلة نحو ذلك ). [ لباب النقول للسيوطى ـ ص 73 ].

 

هنا نَلْفَى السيوطى يذكر أن الحديث خرّجه البخارى والترمذى وابن جرير أى الطبرى.

 

أما الواحدى النيسابورى فقد صوّر لنا كيفية إضافة { غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ } الآية.

لـ ( عن زيد بن ثابت قال: كنت عند رسول الله  ـ ص ـ  حين نزلت عليه { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ } ولم يذكر{ أُوْلِي الضَّرَرِ } فقال ابن أم مكتوم:

كيف وأنا أعمى لا أبصر؟

قال زيد: فَتَغَشَّى النبى ـ ص ـ فى مجلسه الوحى فاتكأ على فخذى فوالذى نفسى بيده لقد ثقل على فخذى فخشيت أن يرضّها ثم سُرّى عليه فقال: أكتب { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ } فكتبتها ـ رواه البخارى عن ... الزهرى. [ أسباب النزول للواحدى ص 117, 118 ].

 

*******

 

من هذا الحديث ننقه ان الإضافة الاستدراكية هلّت على الفور لا على التراخى, فبعد أن قدّم عبدالله بن ام مكتوم ما يفيد عدم استيعابه واعتراضه وتعجبه لما تم تنزيله فى الآية, إذ إنها من الطبيعى لا تقصد من كلمة { الْقَاعِدُونَ } أصحاب العاهات الذين تكبلهم عن الانخراط فى صف العسكر الغزاة المقاتلين. إنما تنسحب على من يتراخى وهو صحيح البدن والحواس, بعدها مباشرة بَزَغَت كالقمر المضئ جملة { غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ } وقبل أن يغادر ابن أم مكتوم المجلس أصبحت جزءًا عُضويًا من الآية الكريمة.

 

 

*******

الإستدراك فى كتب التفسير

 

ننتقل بعدها إلى ما ورد بشأن هذا الحديث فى كتب التفسير لنزيده متانة ووثوقًا:

( لما نزلت الآية قام ابن أم مكتوم الأعمى فقال: يا رسول الله هل من رخصة فإنى ضرير من البصر فنزل : { غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ }. [ كتاب التسهيل لعلوم التنزيل: لابن جزىّ الكلبى ـ الجزء الأول ـ ص 154 ].

 

مئات الأعوام تفصل ما بين ابن جزىّ الكلبى والألوسى بيد ان المصادر واحدة أو متقاربة, عند تفسيره لهذه الآية المجيدة أورد لنا الألوسى الحديث محفوفًا بخبر أو وقائع نفحتنا بمعطيات على قدر من الأهمية.

( روى مالك عن الزهرى عن خارجة بن زيد قال: قال زيد بن ثابت: كنت اكتب بين يدى النبى ـ ص ـ فى كتف { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ } وابن أم مكتوم عند النبى ـ ص ـ فقال: يا رسول الله قد انزل الله تعالى فى فضل الجهاد ما أنزل وأنا رجل ضرير فهل لى من رخصة؟ فقال النبى ـ ص ـ: لا أدرى, قال زيد وقلمى رطْب حتى غَشَىَ النبى ـ ص ـ ووقع فخذه على فخذى حتى كادت تُدَق من ثقل الوحى ثم جَلَى عنه, فقال لى أكتب يا زيد { غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ }.. [ تفسير الألوسى: تحقيق محمود الشرقاوى ـ الجزء الخامس ـ ص 198 ـ 1416هـ / 1996م ـ كتاب الشعب الدينى ـ مؤسسة دار الشعب بمصر ].

 

وقال محققه إن البخارى أورده فى صحيحه فى تفسير سورة النساء.

 

هنا نجد أن الآية تهادت أو بعضها خاليًا من { غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ } ولولا اعتراض عبدالله بن ام مكتوم, أو مجرد وجوده وقت نزول الآية, لظلّت هكذا بيد أنه غِبّ ما شرح لـ ( الأعظم ) ضُرّه ولو أنه ليس فى حاجة إلى إبانة, وساله أثمة رخصة له وبداهة لأضرابه, أجابه أنه لايدرى.

 

ونكاد نرجّح أن هذا الخبر انفرد بهذه الإجابة المُعجبة لأن عدم دراية ( اللبيب ) مُشكل من كل الوجوه..

 

وبعد قليل أتى الشطر أو الجزء أو البعض الاستدراكى يسعى مسرعًا, إذ قال لزيد ين ثابت أحد كتبة الوحى أكتب { غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ } وغدا استثناء هؤلاء من القتال أو الجهاد أو الغزو الانفتاحى ميثاقًا غليظًا بينهم وبين القرآن, وانحسرت عنهم صفة أو صبغة العَسكرة التى شملت مجتمعهم المبرور !!.

 

ويلفت الإنتباه أن ابن أم مكتوم رغم فقد بصره بيد أنه تمتع ببصيرة فى هذه الخصوصية بالذات وهى أن الذكر الحكيم أبرز فضل الجهاد وهو بداهة يعنى المكافآت المُسيلة للعاب المرصودة فى الدار الآخرة للعسكر الذين يُقتلون فى سبيل نشر الديانة وتأسيس الدولة القرشية, وبمفهوم المخالفة أنه سوف يُحرم منها هو وأنداده بسبب ما بهم من أضرار وعاهات , وهذا يتمثل فى قوله :" يا رسول الله قد انزل الله تعالى فى فضل الجهاد ما أنزل " ولعل هذا هو الباعث الذى وزّه على طرح هذه الملاحظة.

 

ولو أننا لا نسقط من حسابنا التدنى المعرفى والثقافى الذى جعلهم لا يعون أن استحالة عسكرة ذوى الأعذار ترقى لرتبة البديهيات ومن ثمّ فلا ضرورة للنص عليها.

 

 *******

أكتاف البعير !!

 

 إن صيغة الخبر كما اوردها مفسر حديث أو معاصر تحمل دليل ثبوت على إنخفاض المستوى الحضارى لأولئك البدو العُربان ولو أنها جاءت فى احد أطرافه لا فى صلبه.

 

( وعن البراء ـ رض ـ قال: لما نزلت  { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } قال النبى ـ ص ـ اِدْعِ فلانًا فجاؤه ومعه الدواة واللوح والكتف فقال أكتب  { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ } وخَلْف النبى ـ ص ـ ابن أم مكتوم, فقال: يا رسول الله انا ضرير, فنزلت مكانها : { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ .. }. [ فى رحاب التفسير: لعبد الحميد كشك ـ الجزء الخامس ـ ص 993 ـ الطبعة الأولى 1408هـ ـ المكتب المصرى الحديث ـ القاهرة ].

 

فمن الخبر نستخلص أنهم دأبوا على الكتابة على أكتاف البعير وما شابهها من أدوات ساذجة والزمن قبيل منتصف القرن السابع الميلادى فى حين أن قدماء المصريين ابتدعوا الكتابة وعلموها سائر الأمم ولو أن بعض علماء الحضارات يمارى فى هذه الحقيقة التاريخية, إنما الذى لا مشاحة فيه أنهم على الأقل منذ ثلاثة آلاف عام سابقة على القرن السابع الميلادى توصلوا بعبقريتهم الخلاقة إلى صنع أوراق البردى وسجلوا عليها تاريخهم وكافة احوالهم, وما زالت هذه الأوراق, رغم مضى هذا المدى السحيق, محتفظة بمادتها وقوامها وما سُطِر عليها.

 

أليس من مخاريق التاريخ أن اولئك الأعاريب الرحل ـ الذين  شفّ استعمالهم لأكتاف البعير وصروبها كصحائف للكتابة عليها, عم ما هم عليه من بداوة وبدائية وبعد عن المدنية والعلم ـ أن يحتلوا  أرض الكنانة التى علمت الدنيا الحضارة والضمير وأن يفرضوا على مواطنيها لغتهم وثقافتهم وتراثهم وعاداتهم وتقاليدهم ! ويتحول المصريون قادة العالم القديم إلى اتباع لأولئك الأعاريب الحفاة العراة من كل ما يمت إلى الثقافة والعلوم بأوهى صلة؟

 

ولنتساءل ألم يتعلموا من مخالطة الشعوب الأخرى فى رحلتى الصيف والشتاء التى كانت متناهية التنظيم متعاظمة فى الدقةأن هناك كتابة على الورق بمختلف أنواعهفى ذلك الوقت ,

 ألم يكن اليهود والأحبار الساكنين بينهم يحملون توراتهم وهى كتوبة على لفائف الورق,

ألم يتعلم أبناء أثريا بكة فى مدارس الرومان والمصريين ,

ونترك القارئ العزير ليطلق فكره وعقله ويُعمل ضميره فى هذا التساؤل.

 

*******

إستدراكات العِدّة

 

فى الفقرة السابقة ثبت أن الإستدراك هلّ بطلعته البهية بسبب ملاحظة عبيطة, فى حين أن الرد عليها بديهى تلك التى أبداها عبد الله بن ام مكتوم أو من على شاكلته.

 

أم الإستدراك أو هذه الاستدراكات التى بزغت كالنجوم والتى نستطيع أن ننسخ أو نرقم أنها حُبلى بجنين أو أجنة أساميها المعقولية وكُناها المنطقية بل وفى مقدورها ان نخطو خطوة او خطوات قُدثمصا فنسطر أن إكراهات المجتمع وإلتزامات البيئة وضغوط الواقع المعاش هى التى حَزّبَت أصحابها ووَزّّت مُبديها وحثت طارحيها على أن يفعلوا, ومن هذه الزاوية الحياتية تلقاها محمد بصدر رحب ومن رجا آخر : تهادت الإجابات الاستدراكية شافية وافية.

 

 إن انتظار المطلقة مدة من الزمن حتى تنكح زوجًا جديدًا أمر ضرورى للتأكد من براءة الرحم مما يحتمل أن يَعْلَق به من الزوج السايق, وهو أمر عرفه العُربان السايقون على ظهور الإسلام واستقروا عليه, ثم جاء الإسلام فنقشه كما استعار الكثير من الأنظمة فى شتى المناحى, فأشرقت آية كريمة كما السراج المنير { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ } [ البقرة 228 ].

 

ولى تعليق لابد من ذكره فقد اخترع الفرنجة الكفرة الملاعين الذين سيدخلون النار

 جهازًا واختبارات حمل ذات دقة بالغة سواء فى الدم أو البول يمكن بواسطتها معرفة خلو الرحم أو علوقه بنطفة

 وقد نادينا فى إحدى كتاباتنا بأنه لم تعد هناك ضرورة للانتظار ثلاثة أشهر,

فرد علينا أحد الإخوة الأزهريين الطبالين سامحنى الله  وإياه

 أننا ممن يحبون أن تشيع الفاحشة واليعاذ بالله تعالى

  فما قولك يا سيدى القارئ دام فضلك  ا.هـ.

 

ثم تشريع عدة المتوفى عنها زوجها. بقيت أنواع أخر من النسون مثل: المسنات اللاتى غيبهن الحيض, ذوات الأحمال, الصغيرات التى لم يَعْرُكن أى يحضن .

 

أليس مستغربًا فى ذياك المجتمع المدهش أن تُنْكَح طفلة لم تبلغ العاشرة

وقد أخبرتنا كتب السيرة المحمدية التى هى أطيب ريحًا من نشر القطر أن

( صاحب اللواء , متمم مكارم الأخلاق, الذى النكاح من سنته )

وهو فى الخامسة والخمسون أو قريبًا منها

 دخل على التيمية عائشة ولم تبلغ الثامنة أ.هـ.

 

إزاء ذلك تقدم من سمع تلك الآية أو الآيات إلى ( المصدق ) يلحفون فى طلب استدراك يبين حالة أولئك اللاتى لم يوضح القرآن أحوالهن:     ( قال مقاتل لما نزلت { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } قال خلاد بن النعمان بن قيس الأنصارى: يا رسول الله فما عِدة التى لا تحيض وعِدة التى لم تحض وعدة الحبلى؟. فأنزل الله تعالى : { وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } [ الطلاق : 4 ].

 

أخبرنا أبو إسحق المقرئ, أخبرنا محمد بن عبدالله بن حمدون أخبرنا مكى بن عبد أنه قال: لما نزلت عدة النساء من سورة البقرة فى المطلقة والمتوفى عنها زوجها, وقال أبى بن كعب: يا رسول الله إن نساء من اهل المدينة يقلن قد بقى من النساء لم يذكر فيها شئ قال: وما هو؟ قال الصغار والكبار وذات الحمل فنزلت هذه الآية { وَاللائِي يَئِسْنَ } إلى آخرها. [ أسباب النزول للواحدى ـ ص 390 ].

 

فى هذا الخبر المزدوج نجد أن الذى سأل فى شطره الأول هو خلاد بن النعمان بن قيس من بنى قيلة, وفى عجزه من طرح الإستفسار هو أبىّ بن كعب أثربى أيضًا إنما لم يتكلم عن نفسه فقط بل يمكن أن نعدّه وافد النِسون إلى ( أبى إبراهيم ) مما يكشف عن أن طلب الاستدراك جَمْعِىّ لا فرادانى.

 

*******

أخرج ابن شيبة والحاكم وابن جرير وابن أبى حاتم وابن راهويه عن أبى بن كعب. [ المقبول للأزهرى ـ ص 677 ].

قال ... ثم أورد الحديث الذى نفحنا به الواحدى وهو المرقوم قبل قليل باختلاف بسيط وهو أن ( ناسًا من أهل المدينة ) بدلاً من ( نساء من أهل المدينة ) التى ذكرها الواحدى وهذه العبارة ترفع الستار عن أن الأمر لم يشغل بال النسون فحسب بل بل شمل ذُكران القرية ذات الحرتين وهو يوكد ما وسمنا به الرغبة بالجماعية.

 

ولاحظنا أن من اخرج الحديث ثُلّة طيبة من أصحاب كتب الحديث ووصف إسناده بالصحة وهو ذات ما ذهب إليه السيوطى فى اللباب.

ثم أهدانا الأزهرى صاحب المقبول رواية أخرى له. [ ذات الصفحة, ووصفه بأنه صحيح الإسناد ].

 

  *******

التوثيق من كتب التفسير

   بعدها نعرّج على كتب تفسير القرآن الكريم وعلومه الشريفة:

روى أن أناسًا قالوا: يا رسول الله قد عرفنا عدة ذوات الأقراء, فما عدة اللاتى لم يحضن من الصغار والكبار؟ فنزلت الآية: { وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } [ البرهان فى علوم القرآن: لبدر الدين محمد الزركشى ـ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ـ الجزء الأول ـ ص 28, 29 ـ الطبعة الثانية ـ 1391هـ / 1972م ـ نشره عيسى البابى الحلبى ـ بمصر ].

الزركشى صاحب ( البرهان ), وهو من أهم كتب علوم القرآن وقد يضاهيه ( الإتقان ) للسيوطى, أورد الخبر عينه دون إسناد.

 

بيد أنه فى موضع آخر من الصفحة يضعه فى حجرنا بإسناد:

( عن ابن جرير بسنده عن عمرو بن ساباط قال: قال أُبىّ بن كعب : يا رسول الله إن عِدة النساء لم تُذكر فى الكتاب = الصغار والكبار وأولات الأحمال, قال فأنزل الله عز وجل { وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ }, ونقله ابن كثير فى التفسير.[هامش ص 28 من  كتاب ( البرهان فى علوم القرآن ) للزركشى ].

إذن حسبما نسخه الزركشى فى برهانه:

حمله تفسير ابن جرير الطبرى وتكلمنا عنه مرارًا وسطّره ابن كثير فى تفسيره وهو من أجل التفاسير وله مقام محمود عند الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة جعلنا الله منهم وحشرنا فى زمرتهم بِمَنّه وكرمه.

 

  *******

 

بمقدورنا أن نكتفى بما نسخناه عن الزركشى كدليل مساعد للحجج التى نقلناها عن مؤلفات الأسباب, بيد أنه نظرًا لأهمية الموضوع والمادة فإننا نأتى ببراهين أخرى لزيادة التأكيد وترسيخ التوثيق. أما الأهمية التى أوردناها فتتمثل فى شأنين:

أولهما: ما تناوله الاستدراك من مسائل على قدر وفير من الحساسية فهو يعالج أكثر من حالة النسون ( الصغار / الكبار / الحوامل ) أى نسبة كبيرة منهن, وهن يشكلن نصف المجتمع.

آخرهما: يمس ناحية أولاها أولئك العُربان التفاتًا كبيرًا والحق أنها تستحق الاهتمام حتى الآن وهى صحة نسبة الجنين ( أنثى أو ذكر ) لوالده.

 

( روى أن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله قد عرفنا التى تحيض فما عدة التى لم تحض؟ فنزل  : { وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ .. } [ مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير: للفخر الرازى ـ المجلد الخامس عشر ـ ص 576 , أنوار التنزيل وأسرار التأويل: للقاضى البيضاوى].

 

هذا المعاذ بن جبل أثربى من بنى قيلة ومن الصحب المعروفين, أرسله ( الحبيب ) إلى اليمن للفتيا والقضاء, والحوار الذى دار بينهما فى هذه الخصوصية يعتبر من أدلة الاجتهاد.

 

وحتى الآن فإن جميع طلبة الاستدراك هم من مواطنى قرية أثرب.

 

هناك رأى يذهب إلى أن اليهود الذين طردهم قدامى المصريين من المحروسة نزح فريق منهم لمنطقة الحجاز وسموا هذه القرية أثريب على اسم مدينة مصرية معروفة, ثم حُرّفت إلى أثرب كما يحدث عادة.

وقد حاول الأعاريب تعليله فقالوا إنه من الثَرَب أى وهو إما الملامة والتعبير بالذنب أو شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء

 ( المصباح المنير ) للفيومى , و ( المعجم الوجيز ) لمجمع اللغة العربية

وكما يتضح هو تعليل خائب بل فاسد لأن أيًا من المعنيين لا يصلح اسمًا لقرية.

كما أطلقوا عليها طيبة وهو أيضًا اسم مدينة مصرية

وهكذا تنتشر أشعة الحضارة المصرية فى كل إتجاه ا.هـ.

 

إن تفسير ابن عباس أمدنا بتفصيلات عن ذات الخبر غالية القيمة, شديدة النفاسة ( ... فلما بيّن الله عدة النساء اللاتى لم يحضن قام معاذ بن جبل فقال: يا رسول الله: ما عدة النساء اللائى يئسن من المحيض؟ فنزل : { وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ ..  } أى من الكبر من نسائكم إن ارتبتم أى شككتم فى عدتهن فى الطلاق ثلاثة أشهر فقام رجل آخر فقال: أرأيت يا رسول الله فى اللائى لميحضن فى الصغر ما عدتهن؟, فنزل

{ .. وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ.. } من الصغر فعدتهن أيضًا ثلاثة أشهر.

فقام رجل آخر فقال: أرأيت يا رسول الله ما عدة الحمل؟ فنزلت { وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ } يعنى الحُبالى { أَجَلُهُنَّ }  يعنى عدتهم {أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } يعنى ولدهن ). [ تنوير المقياس من تفسير ابن عباس: للفيروزى آبادى صاحب القاموس ـ ص 358, 359 ـ الطبعة الثانية ـ 1370هـ /1950م ـ مكتبة مصطفى البابى الحلبى ـ مصر. ونحن نعلم أن هناك من يشكك فى نسبة هذا التفسير لابن عباس وحتى لو قيل إنه من تصنيف أبى طاهر محمد بن يعقوب ـ الفيروزى آبادى ـ فلا يقدح فى مكانته لأنه من علماء القرن التاسع الهجرى وخاصة فى اللغة وقاموسه المحيط يعتبر من اهم القواميس والمعاجم ].

 

هذا الخبر التحفة يكشف لنا عن عدد الاستدراكات التى لحقت بشأن

 عدة المطلقة ومن توفى زوجها وعن طريقة بزوغها

وكيف أنها تلاحقت الواحدة إثر الأخرى وجماعها فى مجلس واحد.

إن هذا الأثر النفيس لم يتناوله ـ على حد علمنا ـ واحد من البُحّاث فيما يسمى الوحى وطريقة نزوله.

 إنه لشأن مُدهش بل مُحَيّر,

إذ كيف تتابع الاستدراكات بهذه الهيئة وفى جلسة واحدة؟.

 

وهنا يرتفع سؤال يتشح بغلالة شفافة تكشف عن لهفة غائرة فى العمق للعلم والمعرفة:

( الإما / العجب = القرآن ) من الحتم اللازم أنه ألمّ بأحوال النِسون الكبيرات والصغيرات والحُبالى , فلماذا سكت عن توضيح مقدار أو مدة عدتهن كما بين عِدة المطلقة والأرامل؟.

 

أمن الضرورى أن يتقدم اليثاربة الأعاريب أو غيرهم من أتباع ( المِفضال ) باستيضاحات واستبيانات حتى يهلّ الاستدراك ويبزغ الإيضاح ويتهادى البيان؟.

 

ولقارئنا العزير أن يتخيل ويطلق العنان لعقله ولبه ويحاول أن يجد إجابة تريح فؤاده.

 

  *******

 

وهكذا تكاملت أدلة الثبوت من واقع مصادر قيمة من كتب أسباب النزول ومصنفات علوم القرآن والتفاسير صحة الاستدراك أو الاستدراكات التى أشرقت كالشموس الطالعة والدور الرائعة والنجوم اللامعة تتمم ما سبقها وتكمل ما تقدم فى مجال عِدة النِسون.

 

  *******

استدراك لوحشى قاتل حمزة

 

الاستدراكات السوابق جاءت تلبية لمطلب جماعى:

أم المُصلية ( التالية ) فقد بَزَغَت بنا على رغبات فرد واحد:

( عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أتى وحشى إلى النبى ـ ص ـ فقال: يامحمد أتيتك مستجيرًا فأجرنى حتى أسمع كلام الله, فقال رسول الله ـ ص ـ قد كنت أحب أن أراك على غير جوار فأما إذ أتيتنى مستجيرًا فأنت فى جوارى حتى تسمع كلام الله, قال: فإنى أشركت بالله وقتلت النفس التى حرم الله تعالى , وزنيت, هل يقبل الله منى توبة؟. فصمت رسول الله حتى نزل : { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا } [ الفرقان 68 ] , فتلاها عليه, فقال: ارى شرطًا فلعلى لا أعمل صالحًا أنا فى جوارك حتى أسمع كلام الله فنزلت: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } [ النساء 48 ] , فدعا به فتلاها عليه, فقال: ولعلى من لا يشاء وأنا فى جوارك حتى أسمع كلام الله, فنزلت: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر 52 ], فقال: نعم الآن لا أرى شرطًا فأسلم ) [ أسباب النزول للواحدى ـ ص 227 , نهاية السول: لأبى عمر نادى الأزهرى ـ ص 184, 185 , ولباب النقول للسيوطى ـ ص 118, والمقبول لأبى عمر نادى الأزهرى ـ ص 573].

 

طالبها هو وحشى: عبد أسود أفطس رأسه كزبيبة وفوق ذلك هو قاتل حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد ( صاحب المقام المحمود ) والذى وصفه أحد صناديد بنى سخينة بأنه ( الذى فعل به الأفاعيل ) فى غزاة بدر الكبرى.

 

وقبلاً فى قرية التقديس والمسلمون قلة مستضعفون يخافون أن يتخطفهم الناس.

 

غِبّ أن أعلن حمزة إسلامه تنفسوا الصعداء واستطاعوا الظهور وهذا يفسّر نا حزن ابن أخيه ( سيد ولد قصى ) على مقتله فى معركة احد وتمثيل هند بنت عتبة أم الطليق معاوية وبعل الطليق أبى سفيان بجثته تمثيلاً بشعًا مما دفعه إلى أن يقسم أن لو واتته الفرصة ليُمثّلن بسبعين منهم. بيد أنه راجع نفسه الشريفة وعدل عنه لأنهم خاصته وسوف يكونون حلفائه ومنصريه فى غزواته.

 

قتل وحشى حمزة بعد أن وعدته هند بالحرية ثأرًا لمقتل أبيها عتبة فى وقعة بدر الكبرى فانتهز العبد فرصة انهماك حمزة فى القتال ورماه بحربته من خلف ولما تأكد من موته انصرف وتوجه لسيدته فلما تيقنت من حقيقة الأمر طغى عليها السرور وخلعت عليه حُليّها ثم أقبلت على جسد حمزة قاتل أبيها وبقرت بطنه واستخرجت كبده ولاكتها.

بيد أنها لم تستسغها, فلفظتها, وهذا من شقوتها وتعاستها

 إذ لو ابتلعتها لدخلت الجنة كما أخبر ( الرحمة المهداة )؟؟؟؟؟؟؟.

وتفسيره أنه من المستحيل أن تصطلى كبد حمزة بالنار مع أم الطليق معاوية,

فى حين أن سائر جسده يحظى بالنعيم فى الجنة ؟؟؟؟؟؟؟.

يا للعجب على ما تقوله كتب التراث المعالى!!.

 

ولنا تعليق:

هذا الفعل الشنيع من هند يقطع بأن القساوة والتوحش مركوزان فى نفوس أولئك العربان,

مع أنها تُعدّ من ذؤابة بنى سخينة.

فما بالك بنسون العامة والمستضعفون فى بكة , والبدويات ساكنات الخيام والأخبية؟.

وقارن بين سلوك هذه المَرَة المفترسة وما سطره التاريخ عن السلوك البالغ الرقى والتهذيب لنساء مصر القديمة

لتدرك الفرق بين البداوة والحضارة والهمجية والمدنية. ومن ثمّ فإن المقارنة بينهما مستحيلة. أ.هـ.

 

*******

 

قد يسأل القارئ, ما الذى دفع ( صاحب الزوجات الطاهرات ) أن يصبر هذا الصبر على العبد فيتلو عليه ثلاث آيات كريمات ضمّتهن سور متباينة وبداهة أنهن أشرقن فى أوقات متباعدة,

لأن الآية الأولى فى سورة الفرقان : 68,

والثانية فى سورة النساء: 48,

والثالثة والأخيرة فى سورة الزمر : 52,

والأولى والثالثة مكيتان أى سابقتان على حدوث الواقعة بسنوات

والثانية مدنية, أى بزغت كالقمر فى أثرب.

وقد جمعهن بهذا الترتيب العجيب المُعجب حتى يُسّلم؟.

 

الإجابة تتلخص فى أنه أتاه مستجيرًا. وتوجد آية حاسمة فى القرآن تنص على الآتى:

{ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } [ التوبة 6 ].

فإذن حتم لازم على محمد أن يُجيره ويُسمعه آيات من القرآن المجيد ويبلغه مأمنه.

وهذا يوضح لنا قوله للعبد ( قد كنت أحب أن أراك على غير جوار ), ونحن نرجح أن مسلمًا فطّنه كيما يطلب الجوار وسماع آيات من القرآن لينفذ بجلده من القتل وأخذ النبى بثأره لمقتل عمه حمزة والتمثيل بجثته, هذا من شقّ.

 

ومن صوب آخر فإن ( اللوذعى ) هو القدوة فى الصبر واحتمال الأذى, بالإضافة إلى حرصه البالغ على أن يلج الديانة التى يبشر بها أكبر عدد من المخاطبين بمن فيهم العُبدان ذوو الأنوف الفُطْس والبشرة السوداء والشعر الأجعد الأكْحت, إذ بحسب ما سنه لتُبّاعه أن الناس سواسية.

 

ومن ناحية ثالثة والأهم:

فإن  ( الزين ـ الكامل ـ الفطين ) امتاز بفراسة عميقة وبعد نظر ومن ثم حدّس أن وحشيًا بما له من قدرة قتالية عالية ومهارة مشهود لها فى استعمال الحراب, وهى من أدوات الطعن والقتل الهامة عند هؤلاء الأعاربة .... سوف يغدو شديد النفع فى الغزوات والسرايا والبعوث والمغازى التى تعمل جميعها على إشاعة ديانة الإسلام وتوسيع رقعة دولة بنى سخينة,

[ يسمونها للأسف الفتوح, مثل فتح مصر, مع أنه غزو استعمارى استيطانى استنزافى لم تر الكنانة أبشع منه فى تاريخها الحضارى الطويل المجيد, فلم يحدث على تعدد غُزاتها وتنوع جنسياتهم أن استعمرها واستنزف خيراتها واستوطن أرضها الطاهرة مثل أولئك العُربان, بل إنهم فرضوا عليها بالقوة لغتهم الميمونة وثقافتهم المبروكة, قاطعين ألسنة المصريين المتكلمين بلغتهم القبطية الفرعونية الأصل ].

 

ولقد صدقت فراسته, وكيف لا وهو ( الصادق الصادوق ), ففى خلافة التيمىّ عتيق ابن أبى قحافة قتل وحشى مسيلمة الكذاب رأس وقائد ثورة بنى حنيفة باليمامة على دولة بنى قريش, أيضًا رماه بحربته فأرداه قتيلاً, ومن ثم سُمعت منه مرارًا قولته ( قتلت خير الناس يعنى حمزة وأشر الناس أى مسيلمة ).

 

وبمقتله ( = مسيلمة ) انهارت ثورة بنى حنيفة فى حين أنهم إبّان قيادته وحياته صمدوا وقاوموا حتى كبّدوا جيوش الخلافة التيمية خسائر فوادح راح ضحيتها المئات من الصحابة, خاصة حُفّاظ القرأن وقرّائه, ولولا قتل مسيلمة لما تخاذل بنو حنيفة , ولما انهارت مقاومتهم, أى أن العبد الأفطس قدم للدولة القرشية والديانة الجديدة , المتمثلة فى الخلافة التيمية, خدمة تجل عن الوصفف.

 

وهذا واحد من البراهين على أن ( القائد / المقاتل / الغازى ) تمتع بعبقرية عسكرية فاذة ونافذة بعيدة النظر لا نديد لها.

 

*******

التوثيق من التراث

 

نصل إلى محطة توثيق الخبر من صفحات التفاسير التراثية التىتضعها أمة لا إله إلا الله فى مقام التقدير.

 

القرطبى فى الجامع أورد الحديث الذى قدمناه آنفًا بنصه وفصّه, ومن ثم لا نرى موجبًا لتكراره لعدم الإطالة والملالة , وذلك فى ثنايا تفسيره لسورة الزمر. [ تفسير القرطبى ـ الجامع لأحكام القرآن: المجلد الثامن ـ ص 5712, 5713 ـ كتاب الشعب ـ طبعة الريان للتراث ـ القاهرة بدون تاريخ ].

 

وإبان تفسيره لذات السورة ذكر محمد بن احمد بن جزىَ الكلبىَ وهو يتناول آية 53{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم }: ( فقيل فى سببها إنها نزلت فى وحشى قاتل حمزة, لما أراد أن يُسلم وخاف ألا يُغفر له ما وقع فيه من قتل حمزة ). [ كتاب التسهيل لعلوم التنزيل: لابن جزىّ الكلبىّ ـ الجزء الثالث ـ ص 197 ].

 

*******

 

لسنا بصدد الخوض فى الخلاف الذى نشب بين أهل السنة والجماعة وبين المعتزلة حول غفران الله لجميع الذنوب هل هو متوقف على التوبة لأن مشيئته تابعه لحكمه وعدله أم أنه يفعله حتى دون توبة, لأن مشيئته تابعة لملكه وجبروته فهو يغفرها ولا يبالى؟.

 

إنما الذى يعنينا هو ان الزمخشرى ـ وهو معتزلى ويُعدّ تفسيره خير مثل لتفاسير المعتزلة ـ ذكر عن الآية الكريمة: ( وقيل انها نزلت فى وحشى قاتل حمزة ). [ الكشاف للزمخشرى ـ المجلد الثالث ـ ص 403 ].

 

وهكذا تضافرت ثلاثة من أميز التفاسير التراثية ( سنية ومعتزلة ) على إثبات صحة الحديث الذى رقمناه فى فاتحة هذه الفاصلة والذى حملته أربعة من مصنفات ( أسباب النزول ) منها اثنان من كتب السلف يعتبران من اهم ما دون فى هذا العلم, واثنان من المراجع ( الحديثة أو المعاصرة ). وبهذا تتامت براهين الثبوت عليه.

 

*******

 

قبل ختام هذه الفاصلة يجئ مفيدًا فى صدد التوثيق أن هناك من ذهب إلى أن الآية 53 من سورة الزمر, مدنية رغم أن السورة التى احتضنتها مكية, منهم ابن جزىّ الكلبى, والجلالان المحلى والسيوطى. [ كتب التسهيل ـ الجزء الثالث ـ ص 190 ].

 

ومن أصحاب مؤلفات علوم القرآن نكتفى باثنين يعتبران من أعلام من أبدع فيها وهما الزركشى والسيوطى.

 

وفى فقرة عنوانها ( الآيات المدنية فى السور المكية ): سورة الزمر مكية غير قوله { قُلْ يَا عِبَادِيَ .. } الآية 53. [ البهان فى علوم القرآن للزركشى ـ المجلد الأول ـ ص 202 ].

 

اما السيوطى فأورد: قال البيهقى: فى بعض السور التى نزلت بمكة آيات نزلت بالمدينة فألحقت بها. كل نوع من المكى والمدنى منه آيات مستثناة .. وذكر امثلة:

السابع عشر: من سورة الزمر { قُلْ يَا عِبَادِيَ .. } الآية 53. [ الحبير فى علوم التفسير للسيوطى ص 53, 60].

 

وأهمية توثيق أن الآية 53 من سورة الزمر هو أنها تمثل الاستدراك الثالث والأخير الذى تلاه ( الشارع ) على العبد وحشى وبعد سماعه دخل حظيرة الإسلام أى أن هذه الآية أشرقت خصيصًا فى هذه المناسبة أو لأجل هذا الشبب وهو دفع قاتل حمزة إلى اعتناق الإسلام.

 

*******

سمعنا وعصينا

 

هذا الاستدراك علته أن آية كريمة أشرقت فأصابت أتبعة محمد الأوائل بفزع شديد إثر أن قرأها عليهم وهى: { لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ البقرة 284 ]. ولهم عذر, فالحساب على ما يدور فى خلجات النفس وما يعتمل فى حنايا الصدر وما يوسوس به القلب أمر صعب, خاصة أنها , أى النفس, أمارة بالسوء بشهادة القرآن المجيد ذاته.

 

فأرقلوا  (= هرعوا / أسرعوا ) غليه بل إنهم جثوا للركب بين يديه الشريفتين وبثوه شكواهم وحدثوا أن المؤاخذة على ما يبدون ويخفون تعنى الهلكة لهم.

 

وامتعض من هذا الموقف وطلب منهم أن يسمعوا ـ يعنى الآيات الكريمات وتوجيهاتها الساميات ـ ويطيعوا دون نقاش وبغير اعتراض وبلا جدال, ومعناه أن يسحبوا ملاحظاتهم وإلا تساووا مع تَبع ( الكُمَّل ) السابقين الذين قالوا صراحة: سمعنا وعصينا.

 

والذى فاقم الشأن تعقيدًا وزاده مَرْجًا (= القلق والاضطراب والاختلاط ). وضاعف من كدره أن كبار الصحاب من النزحة واليثاربة أسهموا فى رفع الشكاية, أى أن تلك الآية لم تقضّ مضجع المختلطين أو الخامدين أو الأزاعر أو الأخْياف بل الحامّة ( = الخاصة ) والصفوة والأماثل.

 

وإلى هذا الحد البالغ الحروجة ورغم الأمر الحاسم كما السيف القطع بالطاعة المطلقة والتسليم الكامل والإذعان الكلى فقد غدا من الحتم اللازم ورود استدراك يرد إلى الصحاب ـ وهم عدته فى نشر الديانة وسنده فى إقامة الدولة ـ هدوء سرهم وراحة بالهم وسكينة نفوسهم ... إلخ.

 

وهكذا تلألأت الآية التالية لها من ذات السورة العظيمة فروت ظمأهم وبلّت صداهم وأذهبت عطشهم إلى الأبد:

( روى أحمد ومسلم وغيرهما عن أبى هريرة قال:

ولما نزلت هذه الآية { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ } البقرة 284, جاء أصحاب رسول الله ـ ص ـ إلى النبى فجثوا بين يديه للركب وقالوا : يا رسول الله إن كنا نؤاخذ بما أبدينا وأخفينا لقد هلكنا, فقال رسول الله ـ ص ـ أتريدون أن تقولوا كما قال من قبلكم:

سمعنا وعصينا؟

قولوا سمعنا وأطعنا فلما أقترأوها وزلّت بها أنفسهم أنزل الله تعالى: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } البقرة 285 . [ لباب النقول للسيوطى ـ ص36 ].

 

وأضاف أن مسلمًا وغيره عن ابن عباس.

 

وذكر الواحدى أن على رأس الصحب الذين جاءوا إلى ( صاحب التاج ) وأبدوا له تلك الملحوظة أو ذلك التحفظ من المنازيح , أبو بكر وعبد الرحمن بن عوف, ومن ينى قيلة: معاذ بن جبل وناس منهم واضاف أن الحديث رواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن وكيع. [ أسباب النزول للواحدى النيسابورى ـ ص 60 ].

 

أما صاحب المقبول فقد ذهب إلى أن الحديث أخرجه أحمد ومسلم عن ابى هريرة, واما النسائى فقد اخرجه عن ابن عباس وأن له رواية عن ابن عباس ووصفه ( الحديث لابن عباس ) أنه صحيح.

 

وذكر أن ابن عباس أكد أن المسلمين وجِدوا (= حزنوا ) عندما سمعوا الآية 284ـ البقرة. { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } حتى جاءت الأية التالية 286ـ البقرة{ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنـَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَـا فَانصُرْنَا عَلَى الْقـَوْمِ الْكَافِرِينَ } وأردف المصنف أن الحديث أخرجه الحاكم وابن جرير أى الطبرى عن الزهرى وأن الحديث صحيح الإسناد. [ المقبول لأبى عمر ادى الأزهرى ـ ص 149, 150 ].

 

*******

فماذا رقم المفسرون

 

هذا ما أورده أصحاب مصنفات ( الأسباب )

فماذا رقم ( المفسرون ) ومؤلفو كتب علوم القرآن الكريم الأخرى؟.

 

ونبدأ بما أورده القاضى أبو بكر ابن العربى فى مؤلفه ( الناسخ والمنسوخ فى القرآن الكريم ) إذ ذبر ذات الخبر الذى سطرناه قبل قليل ولا مدعاة لتكراره. [ الناسخ والمنسوخ فى القرآن الكريم: للقاضى أبى بكر بن العربى ـ تحقيق عبد الكبير العلوىـ الجزء الثانى ـ ص 34ـ الطبعة الأولى 1408هـ / 1998م ـ وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ـ المملكة المغربية ].

 

وأول ما نبدأ به فى نطاق المفسرين, ما زبدنا به شيخهم نعنى الطبرى:

( عن مجاهد قال: كنت عند ابن عمر فقال: {  وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } الآية, فبكى فدخلت على ابن عباس فذكرت له ذلك فضحك ابن عباس فقال: يرحم الله ابن عمر وما يدرى فيم ازلت؟ إن هذه الآية حين أنزلت غمّت أصحاب رسول الله ـ ص ـ غمًا شديدًا وقالوا

يا رسول الله: هلكنا ! فقال لهم رسول الله ـ ص ـ قولوا: سمعنا وأطعنا, فنسختها: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } إلى قوله : { وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ }

[ تفسير الطبرى ـ جامع البيان عن تأويل آى القرآن: لأبى جعفر محمد بن جرير الطبرى ـ تحقيق محمود محمد شاكر ومراجعه أحمد محمد شاكر ـ الجزء السادس ـ ص 108ـ الطبغة الثانية 1971م ـ دار المعارف ].

 

ويبين من هذا الأثر ما يقال عم العدوىّ ابن العدوىّ : عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه درج على التفسير الحرفى للنصوص واتباع ما جاء بها والتقيد دون أى حيدة أو تمييز, بل إن عمرو بن عبيد ( من زعماء المعتزلة ) هاجم عبدالله بن عمر واعتبره حشويًا. [ نشأة الفكر الفلسفى فى الإسلام: لعلى سامى النشار ـ ص 380 ـ الجزء الأول ـ الطبعة الثامنة 1977 ـ دار المعارف المصرية ].

 

ولعل القارئ يسأل ما المقصود بالحشوية؟.

( هناك بعض النصوص تقرر أن عمر بن عبيد هو أول من أطلق هذا الاسم وأنه سمى به عبدالله بن عمر, فقد كان عبدالله بن عمر يقبل الأحاديث والسنن والآثار كيفما كانت ). [ ذات المرجع ص 374 ].

 

ثم نعود إلى سياقة التنقير:

الفخر الرازى يضع فى حجورنا لائحة بأسماء كبار التبّاع الذين هرعوا إلى النبى غِبّ أن هلّت الآية { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ }:

( يروى عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن أبى جبل إلى النبى ـ ص ـ فقالوا: يا رسول الله, كُلفنا من العمل بما لا نطيق, إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت فى قلبه وإن له الدنيا, فقال النبى ـ ص ـ فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا, قولوا سمعنا وأطعنا, فقالوا سمعنا وأطعنا واشتد ذلك عليهم فمكثوا فى ذلك حولاً فأنزل الله تعالى { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا... }

 

نُسخت هذه الآية, فقال ـ ص ـ إن الله تجاوز عن أمتى ماحدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا به. [ مفاتيح الغيب ـ التفسير الكبير: لفخر الدين الرازى ـ المجلد الرابع ـ ص 29ـ طبعة الغد العربى ].

 

هذا الأثر الشريف ملئ بالمعطيات رفيعة الدرجات منها:

أن رؤوس المنازيح هم الذين آدتهم الآية الكريمة ويكفى أن يمشى فى مقدمهم التيمىّ عتيق صاحبه فى الغار والعدوىّ عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف أحد النجباء وعضو هيئة المبشرين العشرة بالجنة ومن اليثاربة العرب معاذ بن جبل الذى أرسله قاضيًا ومفتيًا إلى اليمن.

أن قالة هؤلاء المتنفذين تشى بمعارضة جارفة تصل إلى تخوم العصيان وتمثل ذلك قولهم ( كُلفنا من العمل بما لا نطيق ), أى أن الآية الكريمة كلفتهم بما لا طاقة لهم به.

عندما أمرهم النبى بالطاعة يبدو أم الأمر كما جاء بالحديث اشتد عليهم أى رغم تلفظهم بكلمات السمع والطاعة استمروا فى العُسرة والمعاناة.

ولا شك أن ( الألمعى ) أدرك ما هم فيه من ضيق وعنت وكرب.

ومن ثم فإنه بعد عام كامل بزغت كالهلال الآية الاستدركية {  لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا... } ومنه نعلم أن الاستدراك من الجائز أن يأتى تاليًا بعد سنة كاملة.

 

*******

     

أما القمى النيسابورى فقد زبدنا بخبر ثمين إذ إنه حمل طرفًا من الحوار الذى جرى بين الأصحاب وبين ( الناسك ) وبعبارة أخرى أوضح إعتراضهم ثم رده عليهم:

( عن ابن عباس وأبى هريرة واللفظ له, لما نزلت { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ.... } اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ـ ص ـ فأتوا رسول الله ـ ص ـ ثم بركوا على الركب فقالو: أى رسول الله كُلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والسلام والصدقة وقد اُنزلت عليك هذه الآية ولا نُطيقها, قال رسول الله ـ ص ـ:

أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير, فلكا قرأها القوم وزلت بها ألسنتهم أنزل الله عز وجل { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا...   } [ غرائب القرآن للقمى النيسابورى ـ المجلد الثال ـ ص 32 ].

 

التُباع فى هذا الخبر وصلت بهم الحالة الشعورية التى انتابتهم بعد الآية الأولى أن بركوا على الركب ولنذكر أن الذى فعله سادة غطاريف لا عُبدان أو موالى بل ولا بُغاث أوشاب أغمار, حتى وإن كانوا أحرارًا, مما يقطع بأن وقع الصدمة غلئر وليس سطحيًا وذكروا له أن الأعمال أى الأوامر أو التكاليف التى أمرهم بها أدوها على الوجه الأكمل.

 

بيد أن فحوى الآية لايطيقونه, هنا صكّهم برد قاطع كالسيف البتار ودعاهم إلى السمع والطاعة ليس هذا فحسب بللطلب الغفران.

 

ويضيف الخبر أنهم بعد ان قرأوها أو اُقرِئُوها زَلّت بها ألسنتهم. أى أن الصحاب تعجلوا فىالحكم على الآية المجيدة فأنزلقت ألسنتهم وبعدت عقولهم وكمحصلة اكيدة أنزل الله فى أثرها { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ.... } إلخ ).

 

بيد أن القمى النيسابورى وضع أيدينا على معلومة هامة, وهى أنه بعد أن وردت آية { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ... } التى أهمّت الصحببة وآدتهم ( بالدال ) ورفعوا بشأنها شكواهم بزغت آية كريمة هى { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ.... } توسطت بين الأولى والأخيرة وكأنما جاءت مقدمة للآية الاستدراك الأخيرة أو الثالثة وهى { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا...   }.

 

إن هذا الرأى الذى ساقه المصنف يتسم بالجِدة إذ لم نقرأه لغيره ممن أطلعنا على كتبهم.

 

وبالمعقولية لأن النسخ أو ما نسسميه الاستدراك من المقبول منطقيًا أن تسبقه فترة تمهيد أو إعداد أو تهيئة فى هذا الموقف على وجه التعيين. لماذا؟.

لأنه يتعلق بالناحية التربوية أى تربية القارئ لأصحابه. ولعل هذا يزيح الستار عن علة ما زبره افخر الرازى من أن الاستدراك تهادى بعد حول كامل.

 

بخلاف الاستدراكات المتقدمة التى تحتم مواقفها ظهور آياتها الكريمة

إما على الفور وإما على ريث إنما لا تنتظر لمدة اثنى عشر قمرًا.

 

ولعلنا بما قدمنا قد أفلحنا فى طرح البراهين القواطع على صحة انبثاق الاستدراك الذى حملته سورة البقرة والذى جاء ردًا على ملاحظة حازبه تقدم بها وهم جاثون على ركبهم جماجم [ جمع جمجمة, وجمجمة القوم رأسهم ( شجر الدر ) صنعة أبى الطيب عبد الواحد اللغوى ـ ت 351هـ ـ تحقيق محمد عبد الجواد ـ ص 41 ـ الطبعة الثالثة ـ 1985 ـ دار المعارف المصؤية ] الصحبة من منازيح وأثاربة,

 

 

 *******

 

ختام

فى ختام السفر الأول

لعلنا قد وفقنا فى تقديم البراهين المؤكدة والحجج الدامغة والأدلة الموثقة فى قيام الوشيجة المحكمة والرابطة القوية بين ( الفرقان / القرآن ) والذين توجه إليهم بالخطاب على كافة المستويات ومختلف الصُعُد وفضلاً عن شدة الأسْر التى تسمها فهى ليست علاقة جامدة أو ذات طرف واحد, بل هى متحركة ذات طرفين, صاعدة ومردودة أى قبول واعتراض واستدراك وأخيرًا إيجاب, رغبة وتحقيق, وفى احيان شكاية يقابلها رفع لعلة التظلم وإزالة لسبب التشكى من الآيات المنزلة.

 

وفى أحيان ثانية رجاوات وموافقة عليها لفظًا ومعني.

 

وأحيانًا أخرى استبيانات لمصتنقصات وتأويلات واستدراكات لا يتأخر الوحى فى إزالة اللبس عنها وفك المعضلة فى التو واللحظة.

 

وهكذا نخرج من جِماعه أنها علاقة جدلية .

 

وبهذه الخاصية غدا حتمًا مقضيًا أن تهل الآيات نجومًا وتفاريق تعالج المشاكل والأحوال والتقلبات اليومية لهؤلاء الأعاريب.

 

 

 *******

 

قريبًا

 

السفر الثانى

من ص 247 إلى 522

*******

 

   

بداية الكتاب