الحلقة 62
عمارة وتعدد المصاحف ـ الله واحد في ثالوث
المضيف: جاءنا السؤال التالي: "قدم الدكتور محمد عمارة في أحد برامجه في الفضائية المصرية ردودا على تساؤلاتكم في هذا البرنامج وتكلم عن تعدد المصاحف، وأيضا عن الكلمات الأعجمية، فارجعوا إلى البرنامج لتتعلموا". فهل يمكنك في هذه الحلقة أن تناقش موضوع تعدد المصاحف، ونرجئ الباقي للحلقات القادمة.
الإجابة:
(1) شكرا عزيزي المشاهد لسؤالك.
(2) وأولاً أشكر الله على أن علماء المسلمين بدأوا يتناولون مناقشة المواضيع التي نتساءل عنها.
(3) وإني أعرب عن سعادتي بذلك وأشجع بقية العلماء على أن يحذوا حذو الدكتور عمارة، فهذا هو الحوار الذي نرجوه
(4) وبخصوص موضوع تعدد المصاحف فلي بعض التعليقات المنطقية على إجابة فضيلته.
1ـ قال فضيلته أن تعدد المصاحف يعود إلى أن من كان عنده من الصحابة مصحفا كان يكتب على هوامشه تعليقاته!!!
2ـ وقد فات فضيلته أن يذكر لنا المراجع التي استقى منها هذه المعلومات، وهو الحاصل على درجة الدكتوراه ويعرف حتمية ذكر المراجع الموثقة التي يستشهد بها.
المضيف: هذا كلام معقول فلابد من المرجعية، لكن ما ذا تقول عن رأيه هذا؟
الإجابة:
1ـ أقول إن كان الأمر بهذه البساطة التي ذكرها وهي كتابة تعليقات على الهوامش، هل كان ذلك يدعو عثمان ابن عفان أن يحرق جميع المصاحف ويعرض حياته للاغتيال كما جاء في (الموسوعة العربية الميسرة ص 1187)
2ـ وهل هذا الحل الذي رآه فضيلته كان خافيا على:
· ابن أبي داوود الساجستاني في كتابه (المصاحف من ص 5 إلى ص 50)
· وعَلَىَ، محمد ابن النديم في كتابه (الفهرست ص 58)
· وعلى دائرة المعارف الإسلامية (ج 26 ص8175ـ 8186).
3ـ هذه المراجع وغيرها الكثير قد ذكروا 31 مصحفا مختلفة في نص الكلام وليس في التعليقات الهامشية، وقد أعطوا "بضعة آلاف اختلاف" بينها بحسب ما ذكرته (دائرة المعارف الإسلامية ص 8176 العمود الثاني)، كما أن بينها اختلافات بخصوص عدد السور نفسها، كما ذكرت هذه المراجع التي أشرت إليها سابقا.
4ـ وقد تكلمت بالتفصيل عن ذلك في حلقتين كاملتين من برامج "أسئلة عن الإيمان" [حلقة 29، وحلقة 42) يحسن العودة إليهما.
5ـ لذلك أرجو من فضيلة الدكتور عمارة أن يتوخى الدقة في إجاباته، فنحن نريد أن نعرف الحقيقة، فعقلية القرن الحادي والعشرين الناضجة والمتحررة تريد ردودا منطقية مقنعة.
6ـ وأحب أن أهمس في أذن فضيلته أن هشاشة الردود تأتي بنتائج عكسية، وتدعو الناس للشك في دينهم أكثر، إذ هم يتوقعون إجابات حاسمة قاطعة.
(الله واحد)
المضيف: شكرا، ودعنا نرجئ مناقشة بقية ما قاله الدكتور عمارة إلى جلساتنا المقبلة، أما الآن فننتقل إلى سؤال آخر يقول صاحبه:
"أنا إنسان مسلم وسمعت منذ وقت قريب عن برنامجكم "اسئلة عن الإيمان" ومن يومها وأنا أتابع البرنامج، ولكني أرى أن كل حلقاتكم هي هجوم على الإسلام، ولم تتكلموا عن إيمانكم أنتم في الله، فنحن نعلم أنكم تعبدون ثلاثة آلهة، والقرآن يقول: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد ..." (سورة المائدة 73)
الإجابة:
(1) أولا أحب أن أطمئن السائل العزيز أن برنامجنا ليس هجوميا، ولكننا نحاول في برنامجنا الرد على الاتهامات التي يوجهها إلى المسيحية دعاة الإسلام أمثال ديدات والشعراوي ود. عمارة، وزغلول النجار وغيرهم الكثير في مصر وخارج مصر.
(2) وثانيا أؤكد للسائل أننا لا نعبد ثلاثة آلهة على الإطلاق، وإنما نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يخلو منه مكان، فلا وجود لإله ثان أو ثالث على الإطلاق.
(3) وأحب أن أوضح للمشاهدين جميعا أن القرآن يوضح أننا لسنا المقصودين بعبادة ثلاثة آلهة.
المضيف: ألديك الدليل من القرآن يثبت أن المسيحيين لا يعبدون ثلاثة آلهه؟
الإجابة: نعم
(1) لاحظ قول القرآن بأن الذين يعبدون ثلاثة آلهه هم كفرة، إذ يقول: في (سورة المائدة 73) "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة..."
(2) ولاحظ ما جاء في (سورة آل عمران 55) "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "
(3) فواضح هنا أن المسيحيين الذين تبعوا المسيح ليسوا كفرة بشهادة القرآن.
المضيف: هذا شيء رائع وبرهان قاطع. ولكن هل توجد آيات قرآنية أخرى تؤكد ذلك؟
الإجابة:
(1) نعم، ففي (سورة المائدة 82) يقول: " لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ"
(2) فالمشركون أشد الناس عداوة للمسلمين، أما النصارى فأقربهم مودة للمسلمين. هذه شهادة القرآن.
(3) فلو كان النصارى مشركين لما كانوا أقربهم مودة للمسلمين بل أشدهم عداوة للمسلمين.
(4) إذن فالقرآن يفرق بين النصارى والمشركين.
المضيف: الله الله. هذا منطق جميل، إذن فلماذا شاع عند عامة المسلمين أن النصارى كفرة ومشركين؟
الإجابة:
(1) أعتقد أن السبب الرئيسي هو جهل عامة المسلمين، لأنهم لم يدرسوا قرآنهم جيدا.
(2) والسبب الثاني هو أشاعة علماء المسلمين هذه الفرية خوفا على المسلمين من تأثرهم بالمسيحيين، فيشيعون أنهم كفرة ومشركين، ليقيموا جدارا بينهم لحماية المسلمين من عقيدة المسيحيين.
(3) وقد تناسوا أنهم بهذا يثيرون الفتنة الطائفية ويدفعون الجهلة من المتعصبين المسلمين أن يقتلوا النصارى بحجة أنهم كفرة ومشركين. وبهذا يحرضون على الإرهاب.
(4) ونحن نستنكر ذلك، ونرفض أن ندعى كفرة أو مشركين، ونرجو من قادة الفكر الإسلامي أن يوضحوا ذلك للمسلمين، إن أرادوا أن يضعوا نهاية للإرهاب.
المضيف: هذا كلام حسن وواضح، وحيث أنك أثبت بالبرهان القرآني أن المسيحيين ليسوا كفرة ولا مشركين، فهل يمكن أن توضح للمشاهد إيمان المسيحية بالثالوث: الأب الابن والروح القدس، فربما تساءل قائلا: أليس هؤلاء ثلاثة آلهة؟ ثم أليس في هذه التسميات شبهة علاقة جسدية وحاشا لله من ذلك؟
الإجابة: (1) نحن نتقبل أي تساؤل بفرح، ونقدِّر تعبير الإنسان عما في نفسه بكل حرية، فلسنا ممن يحجرون على الفكر ويمنعون التساؤل.
(2) وأحب أن أؤكد للسائل أن الآب والابن والروح القدس ليسوا ثلاثة آلهه، وإنما هي صفات ذاتية للإله الواحد: صفة الوجود وصفة العقل وصفة الحياة. التي بدونها لا يكون هناك إله.
المضيف: هذا جميل، لأن الله لابد أن يكون موجودا وعاقلا وحيا. ولكن قد يتساءل المشاهد قائلا: ما علاقة هذه الصفات الذاتية: الوجود والعقل والحياة بما تسميه الآب والإبن والروح القدس.
الإجابة: (1) الآب يشير إلى أصل الوجود، فالله موجود بل هو أصل الوجود أي أب الوجود
(2) والروح هو عنصر الحياة فالله حي بروحه.
(3) وأما تعبير "إبن الله" فيشير إلى معنى "الذي من الله"، كما نقول ابن البادية: أي الذي من البادية، أو ابن مصر، وأيضا نقول بنات الأفكار، ونقول الكلمة بنت الشفاة. فهذه التعبيرات ليس فيها شبهة جنس أو تناسل.
(4) فإذ نقول على المسيح الذي هو كلمة الله (بشهادة القرآن) نعني الذي من عند الله، ولا يعني هذا أية علاقة جسدية أو تناسلية بالمرة. فالقرآن يشهد للمسيح أنه ليس له أب جسدي، إذن فابن من يكون؟ نقول أنه ابن الله بالمعنى الروحي وليس بالمعنى الجسدي التناسلي، حاشا.
المضيف: هذا كلام منطقي سليم ولكن هل يمكن أن تبسط الموضوع للمشاهد العادي؟
الإجابة: بالتأكيد (1) نعطي مثلا للتوضيح: الإنسان: له وجود، وله عقل وله روح، ولا نعني بذلك أنه ثلاثة أشخاص، بل شخص واحد موجود عاقل حي.
(2) هكذا الله سبحانه: كائن واحد موجود عاقل حي.
(3) أتريد بساطة أكثر من ذلك؟
ضيف: هذا تشبيه رائع فيه إقناع، وفيه إمتاع. ولكن هل عقيدة التوحيد موجودة في الكتاب المقدس؟ وما هي الأدلة على ذلك؟
الإجابة: (1) نعم عقيدة التوحيد موجودة في الكتاب المقدس.
(2) والدليل هو أن السيد المسيح عندما جاءه رجل يسأله عن أعظم وصية في الكتاب المقدس، أجابه أنها الوصية الأولى التي تقول: "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد .." (مرقس 12: 29)
(2) وهذه الآية جاءت في (سفر التثنية 6: 4) وتقول بالعبرية "شماع يسرائيل يهفي أدونينو يهفي أَحد" التي ترجمت إلى: "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد"
(3) ألم يأخذ القرآن نفس اللفظة واستخدمها في (سورة الإخلاص 1) "قل هو الله أَحد"
(4) وسوف نتكلم في حلقة أخرى عن هذه الآية القرآنية من واقع آراء مفسري القرآن.
المضيف: تقول أن هناك آيات في القرآن تشهد للمسيحيين أنهم موحدون بالله؟ ما هي؟
الإجابة: (1) نعم يشهد القرآن أن المسيحيين موحدون بالله.
(2) جاء ذلك في (سورة العنكبوت 46) "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد"
(3) وفي (سورة آل عمران 113و114) "من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات .."
(4) ويقول أيضا في (سورة البقرة 62) "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، من آمن بالله واليوم الآخر ... فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"
(5) هذه وغيرها الكثير يشهد فيها القرآن بأن المسيحيين موحدون بالله، فكيف يدعي المدعون بأن النصارى ليسوا موحدين؟
المضيف: (1) شكرا جزيلا، ولعل الذين يشاهدوننا ويستمعون إلى هذا الكلام بكل هذه الأدلة، يعرفون حقيقة إيمان المسيحيين: أنهم يؤمنون بالله الواحد له صفات ذاتية بدونها لا يكون، وهي الوجود والحياة والعقل.
(2) بخصوص ما حدث في مصر في الفترة الأخيرة من عنف ضد المسيحيين، سمعنا من يقول أنه نتيجة لبرنامج أسئلة عن الإيمان هذا في قناة الحياة، فما رأيك؟
الإجابة:
(1) وهل كانت حوادث القتل الجماعي في قرية الكشح سنة 2000م بسبب هذا البرنامج؟ الواقع أن بث هذا البرنامج بدأ في عام 2001م.
(2) وهل قَتْلُ المصلين بالرشاشات داخل كنيسة أبو قرقاص في أواخر القرن الماض كان بسبب هذا البرنامج؟
(3) وهل مسلسسل حرق الكنائس الذي توج بحرق كنيسة الخانكة سنة 1972م كان بسبب هذا البرنامج؟
(4) وهل مخطط أسلمة أقباط مصر الذي انتهجته الثورة المباركة وأعلن عنه أنور السادات في المؤتمر الإسلامي في الخمسينات من القرن الماضي قائلا: أنه بعد عشرين سنة لن يبق في مصر من المسيحيين سوى مساحي الأحذية، هل كان ذلك بسبب البرنامج.
(5) وغير ذلك من الأحداث البشعة بطول التاريخ وعرضه منذ استعمار العرب مصر بإسم الإسلام.
(5) والواقع أن المشكلة أعمق من ذلك، المشكلة تنبعث من وجدان المسلم الذي ينفذ تعاليم قرآنه في (سورة التوبة 29) "قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ، مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ"
(6) الأقباط في مصر شعب مسالم، ولكن ما أحب أن أنوه إليه هو أنهم ليسوا شعبا خانعا أو ذليلا، كما يظن البعض، خاصة في عصر الحريات وحقوق الإنسان.
(7) فما أريد أن أنبه إليه هو أن منطق الزمان قد تغير، فلم يعد السيف يبتر حقا من حقوق الحرية، وخاصة حرية العقيدة.
(8) من مبادئ المسيحية السلام والمحبة وأيضا احتمال الاضطهادات فقد قال لنا السيد المسيح: "طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السموات" (مت 5: 11)
(9) هذه المبادئ يدركها الناضجون في الإيمان ويعيشونها، ولكن هناك الصغار والمبتدئين والبسطاء الذين ينبغي أن نساعدهم ونؤمن حرية عقيدتهم.
(10) كلمة أخيرة أقولها: * متى ينبذ المسلم العنف والسيف، ويلجأ إلى المنطق وقوة الكلمة في الحوار.
* متى يتفتح عقل المسلم لفهم دينه ولا يكون كالببغاء يردد ما لا يفهمه؟
* متى ينفتح على قبول آراء الآخرين ليناقشها، وليس أن يرفض مجرد الاستماع إليها.
* متى يفكر المسلم في آخرته هل هو يسلك الطريق السليم المؤدي للحياة الأبدية؟