هل تجسَّد الله؟

خدام الرب


الجزء الأول: ألوهية المسيح
الفصل الأول: شهادة المسيح عن ألوهيته
الفصل الثاني: شهادة الرسل لألوهية المسيح
الفصل الثالث: ألقاب وصفات المسيح الألوهية
ثانياً: صفات المسيح
الفصل الرابع: وجود المسيح الأزلي قبل التجسد
الفصل الخامس: معجزات المسيح
الفصل السادس: أهمية الإيمان بألوهية المسيح
الجزء الثاني: المسيح الإِنسان
الفصل الأول: دلائل بشريّة المسيح
الفصل الثاني: التجسّد
الفصل الثالث: الميلاد العذراوي
الفصل الرابع: تواضع المسيح
الفصل الخامس: مجد المسيح
الفصل السادس: عصمة المسيح
الجزء الثالث: العلاقة بين الطبيعتين
الفصل الأول: ابن الله وابن الإنسان
الفصل الثاني: انسجام الطبيعتين
الفصل الثالث: وظائف المسيح الثلاث
الفصل الرابع: المسيح مكمّل نبوات الوحي
الخاتمة
مسابقة الكتاب

الجزء الأول: ألوهية المسيح

شهادة المسيح عن ألوهيته هي أهم شهادة، فهو لم يكن يتمتع بشركة متواصلة باللّه فحسب، بل كان لديه اقتناع واضح أنه هو نفسه ذو طبيعة إلهية. هذا ما نراه بوضوح حين أجاب عن سؤال أمّه وهو في الثانية عشرة من عمره: «لِمَاذَا كُنْتُمَا تَطْلُبَانِنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأبِي؟» (لوقا ٢: ٤٩). كانت هذه العبارة من التعبيرات الأكثر شيوعاً في تعليم المسيح. ثم أنه نسب لنفسه مكانة مساوية للّه الآب: «أَنَا وَٱلآبُ وَاحِدٌ» (يوحنا ١٠: ٣٠). وكذلك يذكر الإنجيل مكانة المسيح المساوية للآب، كما جاءت في فصول بشارة يوحنا التالية: (٥: ٣ و١٢: ٤٤ و ٤٥، و ١٤: ٩) «لِكَيْ يُكْرِمَ ٱلْجَمِيعُ ٱلابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ ٱلآبَ. مَنْ لا يُكْرِمُ ٱلابْنَ لا يُكْرِمُ ٱلآبَ ٱلَّذِي أَرْسَلَهُ» و «ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِي لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي. وَٱلَّذِي يَرَانِي يَرَى ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي» و«اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى ٱلآبَ».

يكشف المسيح وحده عن اللّه بحق: «كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلابْنَ إِلا ٱلآبُ، وَلا أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلآبَ إِلا ٱلابْنُ وَمَنْ أَرَادَ ٱلابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَه» (متى ١١: ٢٧). وفي مَثَل الكرّامين الأشرار كشف المسيح عن كونه الإبن وارث الكرمة، معطياً نفسه مركزاً أسمى من الأنبياء. فهو الذي رُفض وذُبح، كما أنه هو الذي صار «رَأْسَ ٱلزَّاوِيَةِ» (متى ٢١: ٣٣ - ٤٥).

كان عمله مطابقاً لعمل الآب: «لأنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهٰذَا يَعْمَلُهُ ٱلابْنُ كَذٰلِكَ» (يوحنا ٥: ١٩). وشهادة المسيح عن بنوته وعن شركته الخاصة مع الآب وألوهيته كانت واضحة لليهود، حتى أنهم في إحدى المناسبات التقطوا حجارة وحاولوا رجمه بها، فقال لهم يسوع: «أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي - بِسَبَبِ أَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟» أَجَابَهُ ٱلْيَهُودُ: «لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ، بَلْ لأجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلٰهاً» (يوحنا ١٠: ٣٢ و ٣٣). وعندما اشتكوا عليه أمام بيلاطس قالوا: «لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ٱبْنَ ٱللّٰهِ» (يوحنا ١٩: ٧).

وكلمات المسيح في الأسبوع الأخير من حياته على الأرض هي كلمات اللّه بالذات. فلو أن إنساناً عادياً نطق بها لاعتبره البشر مجدفاً، لكن يسوع حثَّ تلاميذه على أن يكون إيمانهم به مماثلاً لإِيمانهم باللّه: «أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللّٰهِ فَآمِنُوا بِي» (يوحنا ١٤: ١). كما أنه أخبرهم بأنه سينطلق إلى السماء ليُعِدّ لهم مكاناً، وأنه سيعود ليأخذهم إليه. كما أنه كشف عن كونه «الطريق والحق والحياة»وأنه لا يمكن لإِنسان أن يأتي إلى الآب إلاّ به، وأن من يعرفه يعرف الآب، ومن يراه يرى الآب، فهو والآب واحد. هو ذاهب إلى الآب، وكل صلوات يرفعونها باسم يسوع تكون مقبولة. ووعد يسوع المسيح تلاميذه أنه سيرسل إليهم الروح القدس الذي هو الأقنوم الثالث في الثالوث الأقدس. ذلك أن الروح القدس سيقوم بوظيفة المعزي والرفيق والمعلم، فهو الذي يحفظ تعاليمهم من الخطأ، وهو الذي يعطي البصيرة الروحية لكل المؤمنين. وكشف المسيح أنه هو المصدر الحقيقي لحياة الكنيسة، وعلى كل مؤمن أن يتَّحد به كما أن كل غصن حي يبقى متصلاً بالشجرة. هم لم يختاروه بل هو الذي اختارهم، حتى أنه قد أصبحت بينهم وبين «العالم» هوَّة عظيمة. ومن يبغض المسيح يبغض أباه أيضاً. وقال يسوع إنّ كل الأشياء التي للآب هي له، وكل ما يطلبونه من الآب باسمه يُعطَى لهم. فهو قد خرج من عند الآب وأتى إلى العالم، وكان مزمعاً أن يترك العالم ليعود إلى الآب (يوحنا ١٤ - ١٦).

في صلاته الشفاعية المدونة في الفصل السابع عشر من الإنجيل كما رواه يوحنا، طلب المسيح من الآب أن يمجد الابن (أي يسوع نفسه) وقد بنى طلبه هذا على أساس أن تمجيد الابن يؤول إلى تمجيد الآب أيضاً. ثم أننا في تلك الصلاة نرى أنه نسب لنفسه سلطة منح الحياة الأبدية لجميع الذين أعطاه إياهم الآب، وهي الحياة الناتجة عن معرفة اللّه التي ترتبط بمعرفة يسوع بالذات. لكن يسوع ذكر أيضاً أن المجد الذي طلبه من الآب هو نفس المجد الذي للآب، وهو أيضاً ذات المجد الذي شارك فيه الآب أصلاً قبل تكوين العالم.

وأثناء محاكمته أمام مجلس السبعين شهد يسوع المسيح جهاراً وعلانية بألوهيته، وعندما تمَّت المحاكمة حُكم عليه بالموت لأنه كان قد نطق «بتجديف»، حسب ادّعاء اليهود، إشارة إلى شهادته عن ألوهيته. فقد سأله رئيس الكهنة: «أَأَنْتَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱلْمُبَارَكِ؟» فَقَالَ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ. وَسَوْفَ تُبْصِرُونَ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ ٱلْقُوَّةِ، وَآتِياً فِي سَحَابِ ٱلسَّمَاءِ». فَمَزَّقَ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ ثِيَابَهُ وَقَالَ: «مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ قَدْ سَمِعْتُمُ ٱلتَّجَادِيفَ! مَا رَأْيُكُمْ؟» فَٱلْجَمِيعُ حَكَمُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ مُسْتَوْجِبُ ٱلْمَوْتِ» (مرقس ١٤: ٦١ - ٦٤).

وعندما أسند المسيح إلى تلاميذه الرسالة العظمى (أي المناداة بالإنجيل في سائر أنحاء العالم) بعد قيامته من الموت وقبل صعوده إلى السماء قال لهم: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى ٱلأَرْضِ، فَٱذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ ٱلأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِٱسْمِ ٱلآبِ وَٱلابْنِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلأَيَّامِ إِلَى ٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ» (متى ٢٨: ١٨ - ٢٠).

نلاحظ من كلمات السيد المسيح هذه أنه أورد اسمه (الإبن) واحداً في الثالوث الأقدس، الذي هو الآب والإبن والروح القدس، إذ أوصى المؤمنين به أن يعمّدوا بذلك الاسم، ووعدهم أنه يكون معهم كل الأيام إلى انقضاء الدهر. وعندما نسب إلى نفسه «كل سلطان في السماء وعلى الأرض» كان يعني أنه يملك القدرة على كل شيء. أما وجوده مع أتباعه كل الأيام إلى انقضاء الدهر فيعني أنه موجود وحاضر في كل مكان. ثمّ أن ممارسة المعمودية «باسم الآب والإبن والروح القدس» يضفي صيغة في غاية الأهمية بالنسبة لهذه الفريضة المقدسة. ونلاحظ أن الصيغة هي صيغة الجمع (الآب والإبن والروح القدس) ثلاثة أقانيم أو كيانات مميزة، لكل واحد إسم خاص به. ثم نلاحظ أنه لم يقُلْ باسم الآب وابن وروح قدس، بحذف ال التعريف عن أقنومي الابن والروح القدس، كما لو أن الأمر كان يخص أقنوماً واحداً له ثلاثة أسماء. فالأمر عكس ذلك. كل أقنوم في الثالوث الأقدس سُمّي بصيغة المفرد، و «ال التعريف» كُررت لكل منهم بصورة دقيقة وواضحة. فمع أن الأقانيم الثلاثة موحَّدون في طبيعة وصفة واحدة (أي اللّه)، إلاّ أنهم يبقون مميزين كأقانيم الواحد عن الآخر. فما أكده يسوع المسيح في هذه الوصية هو أن إيمان أتباعه، ومن يؤمنون بواسطة مناداتهم بالإنجيل، مبنيٌّ على اسم اللّه المثلث الأقانيم «الآب والابن والروح القدس». ومما لا شك فيه أنه قد أشار إلى نفسه في اسم «الابن» واضعاً نفسه على ذات المرتبة مع «الآب» و«الروح القدس» ذلك أنه معهما الإله الواحد السرمدي الكائن بذاته.

شهد يسوع المسيح أنه يتمتع بصفة الألوهية، ولا بد لكل من يدرس العهد الجديد (أي الإنجيل) بطريقة موضوعية أن يصل إلى نفس النتيجة. وهذا هو الانطباع السائد بين الجماهير الغفيرة من قراء العهد الجديد عبر العصور والأجيال.

الفصل الثاني: شهادة الرسل لألوهية المسيح

تقف شهادة من شاركوا في كتابة أسفار الإنجيل (العهد الجديد) في انسجام تام مع تعاليم المسيح وشهادته عن ألوهيته.

ظهر الملاك جبرائيل لزكريا وأخبره أنه سيكون له ولامرأته أليصابات ابن تُسنَد إليه مهمة خاصة وهي «لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْباً مُسْتَعِدّاً» (لوقا ١: ١٧) والملاك نفسه عندما كشف لمريم بأنها ستكون أمّاً للمسيح المنتظر أخبرها بأن ذلك الطفل «يَكُونُ عَظِيماً، وَٱبْنَ ٱلْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى ٱلأَبَدِ، وَلا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ» (لوقا ١: ٣٢ و ٣٣). هذه المزايا لا يمكن أن تكون لمن لم يكن إلهاً بالفعل.

«ٱسْمَهُ يَسُوعَ، لأنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ» (متى ١: ٢١). هذه مهمة يستحيل على شخص أقل من اللّه أن ينجزها. والبشير متى عندما أتى على ذكر إحدى نبوات العهد القديم الخاصة بالمسيح قال: «وَهٰذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ ٱلرَّبِّ بِٱلنَّبِيِّ: «هُوَذَا ٱلْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ٱبْناً، وَيَدْعُونَ ٱسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» ٱلَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللّٰهُ مَعَنَا» (١: ٢٢ و ٢٣) وهي نبوة مستقاة من نبوة إشعياء ٧: ١٤.

أما المجوس(حكماء المشرق) الذين كانوا قد أُعطوا بصيرة روحية معجزية بعد سفرهم الطويل سعياً وراء الملك الموعود به، فما أن وصلوا إلى بيت لحم مكان ولادة يسوع حتى «خَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ» (متى ٢: ١١). والركوع والسجود له بهذا الأسلوب هو جهل وتجديف، لو لم يكن المسيح هو اللّه الذي ظهر في الجسد.

شهد يوحنا المعمدان وقال عن نفسه إنه مجرد مجهِّز وممهِّد لطريق الآتي بعده، الأعظم منه بكثير، حتى أنه ليس مستحقاً أن يحل رباط حذائه، أي أنه لم يكن مستحقاً أن يكون خادماً له. وعندما ظهر المسيح وتعمد بالماء على يده بعد إصرار مُلحّ، رأى يوحنا المعمدان السموات مفتوحة، وروح اللّه نازلاً عليه (أي على يسوع المسيح) وصوت اللّه الآب من السماء قائلاً: «هٰذَا هُوَ ٱبْنِي ٱلْحَبِيبُ ٱلَّذِي بِهِ سُرِرْتُ»(متى ٣: ١٧). وفي اليوم التالي أشار يوحنا إلى يسوع قائلاً: «هُوَذَا حَمَلُ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ ٱلْعَالَمِ» و «... ٱلَّذِي يُعَمِّدُ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ». و «هٰذَا هُوَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ»(يوحنا ١: ٢٩، ٣٣، ٣٤).

نجد في مقدمة الإنجيل حسب يوحنا ١: ١ تصريحاً واضحاً عن ألوهية المسيح: «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللّٰهِ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللّٰهَ». وقد نسب الرسول يوحنا هذا (وهو غير يوحنا المعمدان) إلى المسيح أموراً لا تُنسب لغير اللّه. فالكلمة وسيلة التعبير عن الفكر، هي بالذات نسبة المسيح إلى اللّه. الكلمة تكشف عن فكرة معينة، والمسيح يكشف عن اللّه بالذات. فالمسيح جاء ليُظهِر اللّه للبشر: «اَللّٰهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلآبِ هُوَ خَبَّرَ» (يوحنا ١: ١٨). لقد وضَّح يوحنا أزلية المسيح في مضمون التعبير «في البدء». عند بدء أو خليقة العالم كان المسيح «موجوداً». الفعل هو بصيغة الماضي التام في اللغة الأصلية (اليونانية). وهو يبرز فكرة وجود المسيح منذ الأزل. وقد عبّر عن ذلك أحد كبار اللاهوتيين بقوله: «الكلمة كان عند اللّه منذ الأزل، في رفقة الآب كأقنوم مشارك في الألوهية. ومع أنه كان أقنوماً مميزاً، إلا أنه لم يكن كائناً منفصلاً عن اللّه، فالكلمة كان اللّه».

في مقدمة الإنجيل حسب يوحنا اعتبر «الكلمة» (المسيح) كائناً في البدء قبل كل شيء. ليس ذلك فقط بل نرى أن «كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان» (العدد الثالث). أمّا في العدد الرابع عشر فنقرأ: «وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ ٱلآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً». والبشير يوحنا نفسه في رسالته الأولى ٤: ٢ قال عن المسيح «قَدْ جَاءَ فِي ٱلْجَسَدِ»، فهو يريدنا أن ندرك أن المسيح لم يكن مجرد رفيق اللّه الأزلي، بل أنه هو اللّه الأزلي بالذات. استعمل يوحنا كلمة «جسداً» ليشير بصورة عامة إلى الطبيعة البشرية بما تتضمنه من محدودية وضعف. وكشف في مقدمة الأناجيل بكل بساطة عن حقيقة اللّه الأزلي وهو يأخذ وجوداً يشارك فيه الاختبار البشري العادي مع البشر. وبإيجاز فإن اللّه تجسّد في الإِنسان يسوع المسيح«عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ ٱلتَّقْوَى: ٱللّٰهُ ظَهَرَ فِي ٱلْجَسَدِ» (١ تيموثاوس ٣: ١٦).

وعندما جهر الرسول بطرس بشهادته العظمى لم يكن يعبّر عن مجرد معتقده الشخصي بل كان يعبر عن معتقد غالبية التلاميذ حين قال ليسوع: «أَنْتَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ ٱلْحَي» (متى ١٦: ١٦). وهكذا نرى أنه مع مواصلة يسوع الكشف عن ماهية اللّه للبشر فإن توما أكثر التلاميذ تشكُّكاً وصل إلى مرحلة السجود عند قدمي المسيح والاعتراف بالقول: «رَبِّي وَإِلٰهِي» (يوحنا ٢٠: ٢٨)، هذا القول قَبِلَه المسيح بلا تردد، ولذلك يمكن اعتباره تأكيداً مباشراً من المسيح نفسه، وجزءاً لا يتجّزأ من إعلانه لحقيقة ألوهيته وأنّ قيام الرسل بالمعجزات هو دليل إضافي على ألوهية المسيح. فالمعجزة التي شفى بها بطرس الرجل الأعرج الواقف على باب الهيكل، فعلها بطرس باسم المسيح، إذ قال للرجل: «بِٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱلنَّاصِرِيِّ قُمْ وَٱمْشِ» (أعمال الرسل ٣: ٦) وبالفعل مشى الرجل وزالت علّته. لكن ذلك أغاظ زعماء اليهود الذين اعتقلوا بطرس ورفيقه يوحنا لمحاكمتهما. وفي معرض ردّ بطرس على اتهاماتهم واعتراضاتهم قال: «إِنْ كُنَّا نُفْحَصُ ٱلْيَوْمَ عَنْ إِحْسَانٍ إِلَى إِنْسَانٍ سَقِيمٍ، بِمَاذَا شُفِيَ هٰذَا، فَلْيَكُنْ مَعْلُوماً عِنْدَ جَمِيعِكُمْ وَجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ، أَنَّهُ بِٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱلنَّاصِرِيِّ، ٱلَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمُ، ٱلَّذِي أَقَامَهُ ٱللّٰهُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، بِذَاكَ وَقَفَ هٰذَا أَمَامَكُمْ صَحِيحاً» (أعمال الرسل ٤: ٩ و ١٠) وعندما أخرج الرسول بولس الروح الشرير من إمرأة قال: «أَنَا آمُرُكَ بِٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا» (أعمال ١٦: ١٨) أمّا إستفانوس أول شهيد مسيحي فقد شهد قبل موته قائلاً: «أَنَا أَنْظُرُ ٱلسَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ قَائِماً عَنْ يَمِينِ ٱللّٰهِ» (أعمال الرسل ٧: ٥٦).

شهد بولس في تعليمه مراراً لألوهية المسيح. وحالما اهتدى إلى المسيح ذهب إلى مجامع اليهود في دمشق وشرع يبشر بالمسيح قائلاً: «أَنْ هٰذَا هُوَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ» (أعمال الرسل ٩: ٢٠)، وقد كشف في رسالته إلى أهل كولوسي عن كون المسيح «صُورَةُ ٱللّٰهِ غَيْرِ ٱلْمَنْظُورِ» (كولوسي ١: ١٥). كما أنه صرّح بأن «فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ ٱللاهُوتِ (أي اللّه) جَسَدِيّاً» (كولوسي ٢: ٩). كذلك قال لأهل كورنثوس: «اللّه كان في المسيح مُصالحاً العالم لنفسه» (٢ كورنثوس ٥: ١٩). وفي رسالته إلى أهل رومية عندما أشار إلى كون اليهود أنسباء المسيح ذكر موضوع ألوهية المسيح فقال:«وَمِنْهُمُ ٱلْمَسِيحُ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ، ٱلْكَائِنُ عَلَى ٱلْكُلِّ إِلٰهاً مُبَارَكاً إِلَى ٱلأَبَدِ» (٩: ٥). كذلك نجد بولس يحث المسيحيين في مقاطعة فيلبي على اتّباع مثال المسيح يسوع أيضاً، «ٱلَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ ٱللّٰهِ (أي مشاركاً كلياً في الطبيعة الإلهية، أي صفات اللّه)، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلّٰهِ. (أي أنه لم يختر عن أنانية أن يبقى في تلك الحالة المباركة بينما يظل البشر تحت وطأة الخطية والبؤس) لٰكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي ٱلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى ٱلْمَوْتَ مَوْتَ ٱلصَّلِيبِ» (فيلبي ٢: ٦ - ٨). وهكذا أصبح إنساناً قابلاً لنفسه محدودية الطبيعة البشرية. قدّم نفسه وهو الإله المتجسد بديلاً عن شعبه، وهكذا أيضاً أنجز عمله الخلاصي في حمله للعقاب المفروض على خطاياهم (وهو الألم والموت بالنيابة عنهم). ويضيف: «لِذٰلِكَ رَفَّعَهُ ٱللّٰهُ أَيْضاً» (أي أن المسيح الإله المتجسد رُفع. وليس المقصود هنا إضافة لطبيعته الإِلهية، فهي كاملة لا ينقصها شيء، بل أن الطبيعة البشرية المتواضعة التي أخذها المسيح على نفسه هي التي أُعطي لها المجد والإكرام). ويتابع الرسول فيقول إن اللّه الآب «أَعْطَاهُ ٱسْماً فَوْقَ كُلِّ ٱسْمٍ» ألا وهو اسم «يسوع» (أي مخلص) «لِكَيْ تَجْثُوَ بِٱسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي ٱلسَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى ٱلأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ ٱلأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ ٱللّٰهِ ٱلآبِ» (فيلبي ٢: ٩-١١) (التعبير رب يدل هنا على الربوبية أو الألوهية المطلقة). فإن أولئك الذين أوحى إليهم اللّه بكتابة العهد الجديد أشاروا إلى المسيح بتعابير وأوصاف وأسماء العهد القديم نفسها التي استعملت بشأن اللّه، فهم أشاروا إليه ك «أدوناي» وهو الاسم العبري الذي يعني«رب». وكلمة رب تُستعمل أيضاً عندما يكون الإسم العبري «يهوه» الذي يعني «الرب الإِله».

عندما ننتقل إلى الرسالة إلى العبرانيين فإننا نجد الكاتب ينسب الربوبية والألوهية للمسيح. يبدأ بالقول إن اللّه كان قد كلّم البشر في الأزمنة القديمة (أي في أيام التوراة) بواسطة الأنبياء، مستخدماً أساليب متنوّعة. «اَللّٰهُ، كَلَّمَنَا فِي هٰذِهِ ٱلأَيَّامِ ٱلأَخِيرَةِ (أي حقبة العهد الجديد) فِي ٱبْنِهِ - ٱلَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، ٱلَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ ٱلْعَالَمِينَ. ٱلَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ ٱلْعَظَمَةِ فِي ٱلأَعَالِي» (عبرانيين ١: ١-٣).

أما الرسول يوحنا، كاتب سفر الرؤيا فيخبرنا في معرض وصفه للمدينة السماوية المقدسة «أورشليم الجديدة» أنها لا تحتاج إلى الشمس ولا إلى القمر ليضيئا فيها، لأن «مَجْدَ ٱللّٰهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَٱلْحَمَلُ سِرَاجُهَا» (سفر الرؤيا ٢١: ٢٣). والتعبيران «اللّه» و «الحمل» هنا هما مترادفان، يتحدثان عن واحد وهو يسوع المسيح. قام جميع من أوحى إليهم اللّه بكتابة أسفار الأناجيل (العهد الجديد) بتسجيل تعاليم ومعجزات ومواعيد المسيح مفترضين واقع كلامه عن ألوهيته، وكانوا هم أيضاً أعظم وأنسب وأصدق شهود لألوهيته، إذ كانوا قد عرفوه عن كثب. قال عنهم المسيح:«وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً لأنَّكُمْ مَعِي مِنَ ٱلابْتِدَاء» (يوحنا ١٥: ٢٧).

أما سجلات التاريخ منذ نشأة الكنيسة المسيحية فكلها تُظهِر أنهم قد قدموا شهاداتهم لسيدهم وربّهم بكل أمانة، واستشهد كثيرون في سبيل إيمانهم بالمسيح يسوع.

وفوق شهاداتهم نجد شهادات المؤمنين الذين لم ينتسبوا إلى مجموعة رسل المسيح. فمثلاً نجد قائد الكتيبة الرومانية التي أشرفت على الصلب، إذْ أبصر المسيح مصلوباً أعلن: «حَقّاً كَانَ هٰذَا ٱلإِنْسَانُ ٱبْنَ ٱللّٰهِ!» (مرقس ١٥: ٣٩). وأما الأبالسة (الكائنات الملائكية الذين سقطوا وأصبحوا شياطين) والذين كانوا على معرفة بعظمة المسيح الإلهية قبل تجسده، فإنهم عندما أمرهم المسيح أن يخرجوا من الأشخاص الذين كانوا قد سيطروا عليهم، قالوا فيما هم خارجون: «مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ٱبْنَ ٱللّٰهِ؟ أَجِئْتَ إِلَى هُنَا قَبْلَ ٱلْوَقْتِ لِتُعَذِّبَنَا؟» (متى ٨: ٢٩).

على أن قيامة المسيح من الأموات هي البرهان القاطع على طبيعته الإِلهية. لم يكن موت المسيح وقيامته رغم إرادته، بل كانا في نطاق قوّته وخياره الثابتين. عندما تكلم المسيح عن حياته قال:«لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضاً» (يوحنا ١٠: ١٨). وكان قد تنبأ مراراً عن قيامته من الموت قائلاً: «وابن الإِنسان يُسلّم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه إلى الأمم.... ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم» (مرقس ٨: ٣١ و٩: ٣١ و١٠: ٣٣ - ٤٤، ولوقا ١٨: ٣٣ و٢٤: ٧، ومتى ٢٠: ١٩ و٢٧: ٦٣)، ويشير بولس إلى القيامة كبرهان جازم على لاهوت المسيح فيقول: «وَتَعَيَّنَ ٱبْنَ ٱللّٰهِ بِقُوَّةٍ... بِٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ: يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ رَبِّنَا» (رومية ١: ٤).

الفصل الثالث: ألقاب وصفات المسيح الألوهية

أولاً: ألقاب المسيح

«يسوع» هو الاسم الذي يعني مخلّص، وهو ما نسبه الملاك للمسيح عندما كشف حقيقة مجيئه لكل من يوسف ومريم. قال الملاك ليوسف: «وَتَدْعُو ٱسْمَهُ يَسُوعَ، لأنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ»(متى ١: ٢١) وقال لمريم: «هَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ٱبْناً وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ» (لوقا ١: ٣١). «يسوع» هو الصيغة اليونانية للاسم العبري «يشوع» الذي يعني «يهوه هو الخلاص». أما وقد دُعي المسيح بـ «يسوع» فقد عبَّر هذا عن أهمية المهمة الخلاصية التي جاء لينجزها.

واسم المسيح يعني «الممسوح». وكان اللقب المعروف للمخلّص، وكثيراً ما استُعمل كاسم عَلَم. و «مسيح» يعني الممسوح من قِبَل الرب، وهذا له أساس قوي ومتواصل في تاريخ الشعب العبري عندما كان يتم احتفال تتويج ملوكهم بالمَسْح بالزيت (راجع صموئيل الأول ٩: ١٦ و ١٠: ١ وسفر صموئيل الثاني ١٩: ١٠). فالملك كان يُدعى أحياناً «مسيح يهوه» (راجع سفر صموئيل الأول ٢٤: ٦). إذن لقب «المسيح» هو للتذكير بأن الملك هو من أعلى طراز، أما الإسم المركب «يسوع المسيح»، فالمقصود منه هو «المخلص الممسوح» أي المخلص صاحب المكانة عند اللّه.

تبيِّن لنا سجلات العهد الجديد حقيقة هامة هي أنّ يسوع تقبَّل من الناس أسمى الألقاب. فقد سمح لهم بأن يصفوه بما يوصف به اللّه. مع أنه منع غيره من قبول ألقاب مثل «المعلم» أو «السيد»(متى ٢٣: ٨ - ١٠) نجده يقبل لنفسه تلك الألقاب (يوحنا ٤: ٣١ و ٩: ٢)، بل أنه أكثر من ذلك امتدح من أعطوه إياها إذ قال: «أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّماً وَسَيِّداً، وَحَسَناً تَقُولُونَ، لأنِّي أَنَا كَذٰلِكَ»(يوحنا ١٣: ١٣). وعندما كانوا يهيئون دخوله للقدس في موكب كبير، أرسل المسيح اثنين من تلاميذه ليأتيا بجحش، وأمرهما أن يقولا لصاحبه إن «... ٱلرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ» (مرقس ١١: ٣). ويُدعى المسيح عبر صفحات العهد الجديد «سيداً» ليس بمجرد المعنى الذي فيه يقدم للبشر قسطاً من السلطة والشرف أو المكانة، بل بمعنى كونه حقاً السيد الأسمى ومطلق السيادة في ملكوته. وهو ربّ المسيحيين المؤمنين به، مثلما كان اليهود يؤمنون أن يهوه هو الرب في أيام العهد القديم.

قيل عنه في الإنجيل حسب لوقا ٢: ١١ و ٦: ٥ «وُلِدَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱلرَّبُّ» و «ابن الإِنسان هو ربّ السبت». وفي الرسالة إلى فيلبي ٢: ١١ و ٤: ٥ «... يَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ ٱللّٰهِ ٱلآبِ»، ثم «الربّ قريب».

في الرسالة الأولى إلى كورنثوس ٢: ٨ ذكر: «رب المجد» وورد في الإنجيل حسب متى ١٥: ٢٢ «ارحمني يا سيد» وكتب بولس الرسول في الرسالة إلى رومية ١٠: ٩ «لأنَّكَ إِنِ ٱعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِٱلرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ ٱللّٰهَ أَقَامَهُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ». ومن سفر أعمال الرسل ١٠: ٣٦ «يُبَشِّرُ بِٱلسَّلامِ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. هٰذَا هُوَ رَبُّ ٱلْكُلِّ». ويضيف سفر الرؤيا في ٤: ٨ و ٤: ١١ و ١٩: ١٦ ما يلي: «قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، ٱلَّذِي كَانَ وَٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي يَأْتِي». «أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا ٱلرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ ٱلْمَجْدَ وَٱلْكَرَامَةَ وَٱلْقُدْرَةَ، لأنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ».

«وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ ٱسْمٌ مَكْتُوبٌ: مَلِكُ ٱلْمُلُوكِ وَرَبُّ ٱلأَرْبَابِ».

لقد أعلن الوحي المقدس المسيح ربّاً للجميع، للذين في السماء وعلى الأرض. له يجب أن تسجد جميع المخلوقات اعترافاً بسلطانه المطلق. وحده له الحق فينا والسلطان علينا لأنه الخالق والفادي.

استعمل الرسول بولس عادة اصطلاحاً تقديمياً في رسائله هو «ٱللّٰهِ أَبِينَا وَٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» كشهادة إيمان مسيحية للّه (راجع الرسالة إلى رومية ١: ٧ والرسالة الأولى إلى كورنثوس ١: ٣ والرسالة الثانية إلى كورنثوس ١: ٢ والرسالة إلى غلاطية ١: ٣)، الصيغة المركبة هذه هي إشارة للإله الذي يعبده المسيحيون، وهي تشير لكل من الآب والابن في مساواة مطلقة. هكذا فإن الآب والابن متحدان معاً، لا انفصال أو تفريق بينهما في وحدانية جوهرهما ومع ذلك فإنهما يتمتعان باستقلال ذاتي، فبعض الأعمال تنسب للواحد دون الآخر، مثلاً في الرسالة إلى غلاطية ١: ١-٣ نقرأ عن «يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ وَٱللّٰهِ ٱلآبِ وَرَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأجْلِ خَطَايَانَا». أما البركة الرسولية فهي: «نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ ٱللّٰهِ، وَشَرِكَةُ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمين» (٢ كورنثوس ١٣: ١٤). ففيها يبقى اسم الرب يسوع المسيح مرتبطاً في مساواة مطلقة مع الآب والروح القدس، كمصدر لكل بركة روحية.

كانت قد نُسبت أسماء متنوعة وكثيرة للّه في العهد القديم، نسبها العهد الجديد أيضاً للمسيح. فالبشير متّى عند تسجيله لولادة المسيح نسب إليه الاسم «عمانوئيل» إذ يقول: «وَهٰذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ ٱلرَّبِّ بِٱلنَّبِيِّ: «هُوَذَا ٱلْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ٱبْناً، وَيَدْعُونَ ٱسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» (ٱلَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللّٰهُ مَعَنَا)» (متى ١: ٢٢ و ٢٣. إشعياء ٧: ١٤).

في العهد الجديد يظهر المسيح كملكنا وفادينا في هيئة شخصية أزلية. ويقول الرسول يوحنا في معرض وصفه للرؤيا التي رآها عن عظمة المسيح المتسلط على كل شيء. «فَلَمَّا رَأَيْتُهُ سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ ٱلْيُمْنَى عَلَيَّ قَائِلاً لِي: لا تَخَفْ، أَنَا هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ، وَٱلْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتاً وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ ٱلآبِدِينَ. آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ ٱلْهَاوِيَةِ وَٱلْمَوْتِ» (رؤيا ١: ١٧ - ١٨). وفي نبوة إشعياء ٤٤: ٦ نقرأ: «هَكَذَا يَقُولُ ٱلرَّبُّ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ وَفَادِيهِ، رَبُّ ٱلْجُنُودِ: أَنَا ٱلأَوَّلُ وَأَنَا ٱلآخِرُ وَلا إِلَهَ غَيْرِي». وكما رأينا فإن يسوع المسيح يدعى «ربّاً» مراراً وتكراراً في العهد الجديد. لكن هذا الموقف لا ينفرد به العهد الجديد وحده، فالعهد القديم، في معرض التنبؤ عن المسيح، أشار إليه بوضوح أحياناً بنفس اللقب. هذا ما نجده في مزمور ١١٠: ١ «قَالَ ٱلرَّبُّ لِرَبِّي: ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ». (قابل هذا بما ورد في الإنجيل بحسب متى ٢٢: ٤٤ حيث ينسب المسيح لنفسه تلك الإشارة من سفر المزامير. وكذلك نقرأ في نبوة ملاخي ٣: ١«وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ ٱلسَّيِّدُ ٱلَّذِي تَطْلُبُونَهُ».نسب العهد الجديد ليسوع إسم «اللّه» أكثر من عشر مرّات (راجع يوحنا ١: ١ و ١٨ و ٢٠: ٢٨ ورسالة يوحنا الأولى ٥: ٢٠ والرسالة إلى العبرانيين ١: ٨ ورسالة الرسول بطرس الثانية ١: ١ وسفر أعمال الرسل ١٨: ٢٦ و ٢٠: ٢٨ والرسالة إلى رومية ٩: ٥ والرسالة الثانية إلى تسالونيكي ١: ١٢ والرسالة إلى تيطس ٢: ١٣ والرسالة الأولى إلى تيموثاوس ٣: ١٦).

هذا ما يتفق عليه علماء تفسير الكتاب من شتى المذاهب هو أن يسوع، كما أعلن العهد الجديد، هو نفسه ربّ العهد القديم. فكتبة العهد الجديد ينسبون للمسيح أقوالاً من العهد القديم هي في أصلها كانت تشير إلى «أدوناي» أو «يهوه» إسمي الألوهية في العهد القديم. (قابل نبوة أشعياء ٤٠: ٣ مع الإنجيل حسب مرقس ١: ٣ ونبوة يوئيل ٢: ٣٢ مع سفر أعمال الرسل ٢: ٢١ والرسالة إلى رومية ١٠: ١٣ ونبوة إشعياء ٤٥: ٢٣ مع الرسالة إلى فيلبي ٢: ١٠ ... قابل أيضاً نبوة إرميا ٩: ٢٤ مع الرسالة الأولى إلى كورنثوس ١: ٣١ و ١٠: ١٧ ومزمور ٦٨: ١٨ مع الرسالة إلى أفسس ٤: ٨، ونبوة إشعياء ٢: ١٩ مع الرسالة الثانية إلى تيموثاوس ٤: ١٤ وسفر الرؤيا ٢٢: ١٣).

علينا أن نلاحظ إذن أن المسيح يُدعى في العهد الجديد بالألقاب التالية:

في الإنجيل بحسب متى:

«يسوع، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم» ١: ٢١

«عمانوئيل، أي اللّه معنا» ١: ٢٣

«المسيح ابن اللّه الحي» ١٦: ١٦

«يسوع المسيح» ١٦: ٢٠

«ابن الإِنسان» ١٧: ٩

«معلم» ٢٣: ١٠

في الإنجيل بحسب لوقا:

«يسوع الناصري، قدّوس اللّه» ٤: ٣٤

في الإنجيل بحسب يوحنا:

«الكلمة» ١: ١

«كل شيء به كان» ١: ٣

«كُّوٍّن العالم به» ١: ١٠

«الابن الوحيد» ١: ١٨، ٣: ١٦

«ابن اللّه» ١: ٣٤ و ٤٩، ٢٠: ٣١

«ملك إسرائيل» ١: ٤٩

«المسيح مخلّص العالم» ٤: ٤٢

«الخبز الحي» ٦: ٥١

«الباب» ١٠: ٧

«الراعي الصالح» ١٠: ١١

«القيامة والحياة» ١١: ٢٥

«المسيح ابن اللّه الآتي إلى العالم» ١١: ٢٧

«الطريق والحق والحياة» ١٤: ٦

«الكرمة الحقيقية» ١٥: ١

في سفر أعمال الرسل:

«القدوس البار» ٣: ١٤

«رئيس الحياة» ٣: ١٥

«مخلّص» ٥: ١٣

في الرسالة إلى رومية:

«إلهاً مباركاً» ٩: ٥

في الرسالة الأولى إلى كورنثوس:

«قوة اللّه وحكمته» ١: ٢٤

«ربّ المجد» ٢: ٨

«رأس كل رجل» ١١: ٣

في الرسالة الثانية إلى كورنثوس:

«صورة اللّه» ٤: ٤

في الرسالة إلى غلاطية:

«فادي» ٣: ١٣

في الرسالة إلى فيلبي:

«ربّ» ٢: ١١

في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس:

«ربّ الأرباب» ٦: ١٥

في الرسالة إلى العبرانيين:

«وارث لكل شيء» ١: ٢

«بهاء مجد اللّه ورسم جوهره» ١: ٣

«رئيس الخلاص» ٢: ١٠

«رئيس كهنة عظيم» ٤: ١٤

«رئيس الإِيمان ومكمّله» ١٢: ٢

«وسيط» ١٢: ٢٤

في رسالة بطرس الثانية:

«المخلّص» ١: ١

في سفر الرؤيا:

«الرب الكائن» ١: ٨

«الكائن والذي كان والذي يأتي» ١: ٨

«القادر على كل شيء» ١: ٨

«الأول والآخر» ١: ١٧

«الحيّ» ١: ١٨

«الألف والياء البداية والنهاية» ٢١: ٦

ثانياً: صفات المسيح

نجد عبر صفحات العهد الجديد الخصائص والصفات الإِلهية الثابتة للمسيح، وذلك لا يحدث على سبيل المجاملة كما في حالات امتداح مخلوقين أتقياء، بل أن ما ينسب إلى المسيح من صفات هو من النوع الذي لا يمكن أن يُنسب سوى للّه وحده. فيما يلي نعرض قائمة بتلك الخصائص:

١ - بلا خطية:

في الإنجيل بحسب يوحنا ٦: ٦٩ نجد إقراراً مهمّاً أعلنه الرسول بطرس عن المسيح الذي آمن به: «أَنْتَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ ٱلْحَيِّ». وفي رسالته الأولى يقول بطرس عن سيده: «لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلا وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ» (٢: ٢٢). ويصرح الرسول بولس بدوره فيقول عن المسيح: «لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً» (٢ كورنثوس ٥: ٢١)، أما كاتب الرسالة إلى العبرانيين فيقول في المسيح: «قُدُّوسٌ بِلا شَرٍّ وَلا دَنَسٍ، قَدِ ٱنْفَصَلَ عَنِ ٱلْخُطَاةِ...» (٧: ٢٦) وقد تحدث المسيح نفسه عن قداسته وكماله. ففي يوحنا ٨: ٢٩ يقول مشيراً إلى كمال أخلاقه وعصمته عن الخطأ بالنسبة لشريعة اللّه: «لأنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ». وفي يوحنا ٨: ٤٦ تحدّى معارضيه الذين سعوا للتشكيك في نزاهته قائلاً: «مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟» إضافة إلى ذلك فإن الإنجيل يحدثنا عن إقرار الشياطين، ألدّ أعدائه، فيقولون عنه: «قدّوس اللّه» (مرقس ١: ٢٤). هذه كلها اعتبارات مهمّة، خاصة وإن الكتاب المقدس لا يسمح بأن تُضفى مثل هذه الصفات من الكمال على أي من خلائق اللّه.

٢ - الأزلية:

مقدمة الإنجيل بحسب يوحنا لها مقامها الفريد من جهة الكشف عن أزلية المسيح. ففي العدد الأول نرى تعريفاً مهمّاً للمسيح ككلمة اللّه المتجسد: «في البدء كان الكلمة»، وفي نفس السفر نجد إعلانات واضحة من فم المسيح نفسه عن أزليته، فيقول عن نفسه: «قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ» (يوحنا ٨: ٥٨). ثم في صلاته الشفاعية الخاصة صلّى المسيح للآب قائلاً: «مَجِّدْنِي بِٱلْمَجْدِ ٱلَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا ١٧: ٥)، «لأنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ ٱلْعَالَمِ» (العدد ٢٤) بالإضافة إلى هذا نجد مضمون النبوات التي تحدثت عن المسيح في أسفار أنبياء العهد القديم قبل مجيئه بمئات السنين. فالنبي إشعياء دعاه في سفره «أباً أبدياً» (٩: ٦) والنبي ميخا قال عنه: «مَخَارِجُهُ مُنْذُ ٱلْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ ٱلأَزَلِ» (٥: ٢). إذن المسيح هو ملك جميع الدهور.

٣ - مصدر الحياة: خالقها ومبدعها:

تطرّق الوحي الإِلهي إلى وصف المسيح كما يلي في الإنجيل بحسب يوحنا:

  • «فِيهِ كَانَتِ ٱلْحَيَاةُ» - ١: ٤
  • «أَنَا هُوَ ٱلطَّرِيقُ وَٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى ٱلآبِ إِلا بِي» - ١٤: ٦
  • «أَنَا هُوَ ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ» - ١١: ٢٥
  • «لأنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذٰلِكَ أَعْطَى ٱلابْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ» ٥: ٢٦

فليس المسيح إذن مجرد مصدر للحياة فحسب، بل أنه هو الحياة الحقيقية ذاتها.

٤ - الثبات المطلق وعدم التغيّر:

توجز الرسالة إلى العبرانيين وتحسم الأمر هكذا: «يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْساً وَٱلْيَوْمَ وَإِلَى ٱلأَبَدِ» (١٣: ٨). «وَأَنْتَ (إشارة إلى المسيح) يَا رَبُّ فِي ٱلْبَدْءِ أَسَّسْتَ ٱلأَرْضَ، وَٱلسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَلٰكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ. وَلٰكِنْ أَنْتَ أَنْتَ، وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى» (١: ١٠ - ١٢).

٥ - القدرة المطلقة على كل شيء:

لم يتردد السيد المسيح مطلقاً في الكشف عما لديه من قدرة في الوقت المناسب. هذا لا يقتصر على مجرد إجراء المعجزات والعجائب، وكذلك لا غموض في تصريحاته عن هذا الموضوع: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى ٱلأَرْضِ» (متى ٢٨: ١٨)، «كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي» (متى ١١: ٢٧).

كتب الرسول بولس بوحي من الروح القدس في رسالته التعليمية إلى المؤمنين في أفسس: «وَأَخْضَعَ (أي اللّه الآب) كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْساً فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ» (أفسس ١: ٢٢). أما كاتب الرسالة إلى العبرانيين فيعرّف المسيح أنه: «حَامِلٌ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ» (١: ٣). وفي سفر الرؤيا يخبرنا الوحي أن المسيح هو «ٱلرَّبُّ ٱلْكَائِنُ... وَٱلَّذِي يَأْتِي، ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (١: ٨)، والنبي إشعياء تنبأ عنه قائلاً فيه «الإِله القدير» (إشعياء ٩: ٦).

لكن الأمر لم يقتصر على مجرد بيانات. إنما ما قيل في المسيح، سواء على فمه هو أو على فم غيره، بوحي من اللّه، كان دائماً مدعَّماً بالأعمال الخارقة للطبيعة والتي أُجريت علناً وشهد لها الجميع، الأصدقاء والأعداء على السواء. فقد أقام الموتى (راجع يوحنا ١١: ٤٣، ٤٤ ولوقا ٧: ١٤ و١٥) . وكشف أنه هو الذي سينجز عملية القيامة الأخيرة لجميع الأموات عندما قال: «إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْقُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ ٱلَّذِينَ فَعَلُوا ٱلصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ ٱلْحَيَاةِ وَٱلَّذِينَ عَمِلُوا ٱلسَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ ٱلدَّيْنُونَةِ» (يوحنا ٥: ٢٨، ٢٩).

٦ - العلم المطلق بكل شيء:

قال التلاميذ للسيد المسيح: «اَلآنَ نَعْلَمُ أَنَّكَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ...» (يوحنا ١٦: ٣٠)، والإنجيل المقدس يكشف لنا حقيقة عِلْم المسيح بما يجري في عقول وأفئدة البشر. فعندما صرح للمفلوج بغفرانه لمعاصيه كشف في نفس الوقت عن الاشمئزاز الصامت لمعارضيه بتصريحه هذا: «فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، فَقَالَ: لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِٱلشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟» (متى ٩: ٤).

وهذا ما يسجله أيضاً البشير يوحنا:

«لٰكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، لأنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ ٱلْجَمِيعَ. وَلأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجاً أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ ٱلإِنْسَانِ، لأنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي ٱلإِنْسَانِ» (٢: ٢٤،٢٥).

«لأنَّ يَسُوعَ مِنَ ٱلْبَدْءِ عَلِمَ مَنْ هُمُ ٱلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، وَمَنْ هُوَ ٱلَّذِي يُسَلِّمُهُ» (٦: ٦٤).

«فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ» (١٨: ٤).

وورد في رسالة بولس إلى كولوسي أنه «... ٱلْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ ٱلْحِكْمَةِ وَٱلْعِلْمِ» (٢: ٣). وقال المسيح عن نفسه: «وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلابْنَ إِلا ٱلآبُ، وَلا أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلآبَ إِلا ٱلابْنُ»(متى ١١: ٢٧). إن ما يكشف عنه المسيح هنا هو في غاية الأهمية. فهو يفهمنا الحقيقة الأساسية في ألوهيته، وهي أن ذاته وكيانه اللاهوتييْن هما على درجة شاهقة من العظمة حتى أنه لا يمكن لأحد غير اللّه نفسه إستيعابهما. ليس ذلك فقط، بل أوضح المسيح لنا من جهة أخرى أن طاقة معرفته اللاهوتية هي غير محدودة كمعرفة اللّه الآب الكاملة والتامة.

كشف الإنجيل بكل تأكيد أن يسوع كان يتمتع بعلم وحكمة مطلقين لا حدود لهما. قال أحد المفكرين بهذا الأمر: «إن أعظم الدلائل على قدرة المسيح الخارقة في فحص وتحليل وقراءة ما يتضمنه قلب الإِنسان من أسرار هي ما كشف عنه بخصوص كل من نثنائيل، والمرأة السامرية، وتلميذه الخائن يهوذا، وتلميذه المغرور بنفسه بطرس. أخبر المسيح وأشار إلى وقائع المستقبل، فتحدث عن موته وقيامته وعودته إلى الأرض». إن مسيرة التاريخ كانت مفتوحة أمام عينيه، فهو قد تتبع متضمنات ما سبق وصار، وهو رأى مسبقاً الأعمال المعجزية الخارقة التي كان سينجزها تلاميذه، كما أنه أخبر عن هزيمة إبليس العتيدة وانتصار ملكوت اللّه الذي يلازم ذلك. فالأرض والسماء، الأزل والأبد، اللّه والإِنسان كل شيء مكشوف أمام عينيه.

٧ - الوجود الكلي الذي لا يحده مكان ولا زمان:

عرّفت بشارة يوحنا المسيح على أنه «اَلابْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلآبِ هُوَ خَبَّرَ» (١: ١٨). في ذلك تأكيد ليس فقط على أن المسيح ذو علاقة لاهوتية مباشرة باللّه، بل أيضاً هنالك تشديد على أنه بالرغم من تجسُّده ووجوده على الأرض بين البشر فإن صلته الوثيقة ولحمته الحميمة مع اللّه بقيت دون تغيير أو تحوير. فعند تجسده لم يكن يعبّر عن مجرد علاقته السابقة باللّه، أي أنه كان مع اللّه، بل أنه بقي أيضاً مع اللّه. هذا في الواقع ما يعنيه العدد الأول من بشارة يوحنا والذي يقول دون إبهام: «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ (أي المسيح)، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللّٰهِ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللّٰهَ». فالمسيح إذن كان مع اللّه وبقي عند تجسده في صورة بشرية «كائن» مع اللّه. ويلقي يسوع نفسه ضوءاً على تلك الحقيقة في قوله: «وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ إِلا ٱلَّذِي نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي هُوَ فِي ٱلسَّمَاءِ» (٣: ١٣). قال المصلح الشهير يوحنا كالفن بصدد هذا النص من الإنجيل: «المسيح تجسد، ولكنه لم يُحصَر ولم تقلّ قيمته، فابن اللّه نزل من السماء بطريقة معجزية خارقة للطبيعة، في نفس الوقت الذي فيه بقي موجوداً في السماء. لقد اختار أن يولد من عذراء بطريقة عجيبة لكي يعيش على الأرض ويُعلَّق على الصليب. لكنه في الوقت ذاته لم يكفّ عن أن يملأ الكون بوجوده، كما كان الكون معمَّراً بوجوده منذ البداية».

ثم نلاحظ أن المسيح نفسه كشف عن حقيقة وجوده الكلي وغير المحدود عندما قال: «حَيْثُمَا ٱجْتَمَعَ ٱثْنَانِ أَوْ ثَلاثَةٌ بِٱسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ» (متى ١٨: ٢٠) وكذلك في قوله: «هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلأَيَّامِ إِلَى ٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ» (متى ٢٨: ٢٠). إنّ نصّ الإنجيل الأخير هذا ورد على لسان يسوع عندما كان مجتمعاً برسله على جبل الزيتون بعد قيامته من الأموات. وهو هنا يطمئنهم ويؤكد لهم استمرارية وجوده وقوته معهم، حتى أنه أزاح الستار على أنّ تأثيره عليهم ومعهم لن يكون تأثير معلّم أو نبي ميت ومقبور، بل هو تأثير من هو حاضر وحيّ دائماً. أما كونه موجوداً في كل مكان فهذا يعني أنه يبقى دائماً قريباً، قادراً على حماية وتعزية شعبه حتى لا يصيبهم أذى أو أسى غير ما يراه هو ويسمح به لأجل صالحهم ومنفعتهم. لقد كان حضور المسيح مع تلاميذه بعد قيامته من الموت أكثر وضوحاً من وجوده الجسماني قبل موته. فبعد قيامته أصبح إيمانهم وعلاقتهم به قوة انتصارية دافعة، بينما كان اعتبارهم له قبل موته دائم التأرجح والتشكك. أشار الرسول بولس إلى حقيقة وجود المسيح المطلق في كل مكان بقوله: «مِلْءُ ٱلَّذِي يَمْلأُ ٱلْكُلَّ فِي ٱلْكُلِّ» (أفسس ١: ٢٣).

٨ - الخلق:

مرة أخرى نجد أن تقديم الإنجيل بحسب يوحنا للمسيح واضح ومختصر ومفيد: «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ» (١: ٣) - «كُوِّنَ ٱلْعَالَمُ بِهِ» (١: ١٠). وما أوحى به الروح القدس عبر كتابة الرسول بولس ليس أقل شأناً في الشهادة للمسيح الخالق: «فَإِنَّهُ فِيه (في المسيح) خُلِقَ ٱلْكُلُّ: مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى ٱلأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لا يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشاً أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاطِينَ. ٱلْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. اَلَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ ٱلْكُلُّ» (كولوسي ١: ١٦ و ١٧). أما كاتب الرسالة إلى العبرانيين فكتب عن الأمر مذكِّراً بما كان أنبياء العهد القديم قد سبق وقالوه عن المسيح القادم إلى العالم: «وَأَمَّا عَنْ ٱلابْنِ (فقال اللّه على لسان داود): كُرْسِيُّكَ يَا أَللّٰهُ إِلَى دَهْرِ ٱلدُّهُورِ...» (عبرانيين ١: ٨). وهكذا كان قد ورد في المزمور ٤٥: ٦. وفي (١: ١٠ و١١) يتابع كاتب الرسالة إلى العبرانيين اقتباسه من أقوال الأنبياء عن المسيح: «وَأَنْتَ يَا رَبُّ فِي ٱلْبَدْءِ أَسَّسْتَ ٱلأَرْضَ، وَٱلسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَلٰكِنْ أَنْتَ تَبْقَى...» وهذا ما ورد في مزمور ١٠٢: ٢٥. وكاتب هذه الرسالة هنا سعى ليس لمجرّد تذكيرنا بما يقوله العهد القديم في المسيح، بل أيضاً لإِيقافنا على حقيقة كون العهد القديم يقول في المسيح ما لا يُقال سوى في اللّه بالذات، فهو كان قد سبق وقال في المسيح: «حَامِلٌ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ» (عبرانيين ١: ٣) وهذا ما ينطبق تماماً على ما ورد في رسالة الرسول بولس الأولى إلى المؤمنين في كورنثوس: «... وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ، ٱلَّذِي بِهِ جَمِيعُ ٱلأَشْيَاءِ» (٨: ٦).

لقد كتب بصدد هذا الموضوع أحد كبار المفكرين المسيحيين يقول: «يخبرنا الكتاب المقدس أن المسيح هو خالق الكون بأسره، ما هو منظور وما هو غير منظور. هذا لا يتضمن فقط ما في الكون الطبيعي والمادي من شموس ونجوم لا تُحصى، بل أيضاً جميع أنواع الحياة الشخصية بما في ذلك الملائكة والبشر. الجميع مدينون له بوجودهم، وهو يشرف على كافة أرجاء الكون، حامياً له من التفكك والانحلال والخراب. وتفيدنا كلمة اللّه أن المسيح هو مصدر كل الأشياء ما يُرى وما لا يُرى، وهو الغاية النهائية لكل الخليقة. إذن ليس المسيح هو خالق كل الأشياء فقط، بل إنها جميعاً خُلقت لأجله هو، فهو الآخِر كما هو الأول، وهو النهاية كما هو البداية».

٩ - السلطان والحق في مغفرة الخطايا:

عندما شفى يسوع المفلوج وغفر له خطاياه تململ الكتبة متسائلين في سرّهم: «لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هٰذَا هٰكَذَا بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلا ٱللّٰهُ وَحْدَهُ؟» (مرقس ٢: ٧). لكن يسوع عرف ما في قلوبهم وبادرهم قائلاً: «وَلٰكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ ٱلإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى ٱلأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ ٱلْخَطَايَا....» (مرقس ٢: ١٠). وأما المفلوج فقد أمره يسوع، بعد أن غفر له خطاياه، أن يحمل سريره ويذهب إلى بيته. وهكذا فإننا نرى أن المسيح يربط بين صلاحيته لمغفرة خطايا البشر وقدرته الألهية على شفاء أمراضهم. وهو لم يتكلم عن مجرد السلطة على مغفرة خطية الآخرين، بل أكّد أنه هو نفسه البديل الذي يحمل عقاب الخطية عنهم. وأعلن لتلاميذه بعد قيامته من الموت «وَأَنْ يُكْرَزَ بِٱسْمِهِ بِٱلتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ ٱلْخَطَايَا لِجَمِيعِ ٱلأُمَمِ» (لوقا ٢٤: ٤٧). أمّا شهادة يوحنا المعمدان الذي جاء ليمهد الطريق لمجيء المسيح فقد كانت واضحة وجلية أمام الجميع: «هُوَذَا حَمَلُ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا ١: ٢٩)، وبشّر الرسول بطرس الأمم قائلاً: «لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ ٱلأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِٱسْمِهِ غُفْرَانَ ٱلْخَطَايَا...» (أعمال الرسل ١٠: ٤٣) وكتب بولس الرسول: «لَنَا فِيهِ ٱلْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ ٱلْخَطَايَا» (كولوسي ١: ١٤). وكتب الرسول يوحنا في رسالته الأولى:«وَدَمُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ» (١: ٧). ليسوع المسيح إذن المقدرة على مغفرة خطايا الآخرين، لأنه هو نفسه كان مزمعاً أن يدفع ثمن ذلك الفداء الثمين.

١٠ - مؤسس الخلاص:

لدينا مجموعة بيانات وتصريحات في الكتاب المقدس تعلّمنا أن السيد المسيح هو مؤسس ومنبع الخلاص. وهذه البيانات والتصريحات تدعو الناس إلى الإِيمان بالإله الحقيقي الوحيد. وغاية الإِيمان الحياة الأبدية. ورد في الإنجيل بحسب يوحنا ٣: ٣٦ «اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱلابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَٱلَّذِي لا يُؤْمِنُ بِٱلابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ ٱللّٰهِ». هذه شهادة يوحنا للمسيح أنه في الإيمان الخلاص، وفي الخلاص الحياة الأبدية. أجاب بولس وسيلا في أعمال الرسل ١٦: ٣١ على رغبة سجَّانهما المتلهفة لمعرفة الحق: «آمِنْ بِٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ». أما المسيح نفسه فكلماته لم تكن أقل وضوحاً بهذا الشأن إذ يقول: «أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللّٰهِ فَآمِنُوا بِي» (يوحنا ١٤: ١).

يؤكد يوحنا أيضاً أن المؤمنين يرثون الحياة الأبدية، ولم يكن هذا ليحصل لولا محبة اللّه الآب. «لأنَّهُ هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ... اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لا يُدَانُ، وَٱلَّذِي لا يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِٱسْمِ ٱبْنِ ٱللّٰهِ ٱلْوَحِيدِ» (يوحنا ٣: ١٦ و ١٨). ويخبرنا يوحنا أيضاً بلسان السيد المسيح عن السبب الجوهري للإيمان. فما هي المحبة وما هو الخلاص والحياة الأبدية إن لم يؤكد لنا يسوع أنه حي إلى الأبد؟ فالإيمان به هو الأمل الوحيد للانتصار على الموت، حيث يصرح لنا: «أَنَا هُوَ ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى ٱلأَبَدِ...» (يوحنا ١١: ٢٥، ٢٦).

ولهذا، فالإيمان بالمسيح مرتبط تماماً بالإيمان باللّه، وكلمة اللّه لا تفرق بينهما. ففي الإنجيل بحسب يوحنا ١٢: ٤٤ يأتي قول المسيح: «ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِي لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي»، وفي ٦: ٢٨ - ٤٠ من نفس الإنجيل المقدس ترى هذه العبارات: «مَاذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ ٱللّٰهِ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «هٰذَا هُوَ عَمَلُ ٱللّٰهِ: أَنْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ.. َأنَا هُوَ خُبْزُ ٱلْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلا يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلا يَعْطَشُ أَبَداً... لأنَّ هٰذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى ٱلابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلأَخِيرِ». وقال: «أَنَا ٱلْكَرْمَةُ (الحقيقية) وَأَنْتُمُ ٱلأَغْصَانُ. ٱلَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هٰذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأنَّكُمْ بِدُونِي لا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئاً. إِنْ كَانَ أَحَدٌ لا يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجاً كَٱلْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي ٱلنَّارِ، فَيَحْتَرِقُ»(يوحنا ١٥: ٥، ٦). وأيضاً في ١٠: ٩ يقول: «أَنَا هُوَ ٱلْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى». وفي ١٠: ٢٧ و ٢٨ يقول: «خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى ٱلأَبَدِ، وَلا يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي». أما الصلاة الشفاعية المدوَّنة في يوحنا ١٧: ٣ ففيها قال السيد المسيح: «و ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ ٱلإِلٰهَ ٱلْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ ٱلَّذِي أَرْسَلْتَهُ».

راجع أيضاً هذه الآيات ذات البيان الواضح التي وردت في الإنجيل بحسب متى ١٠: ٣٢ و ١١: ٢٧، ٢٨.

  • فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ ٱلنَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضاً بِهِ قُدَّامَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ.
  • لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلابْنَ إِلا ٱلآبُ، وَلا أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلآبَ إِلا ٱلابْنُ وَمَنْ أَرَادَ ٱلابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ.
  • تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ ٱلْمُتْعَبِينَ وَٱلثَّقِيلِي ٱلأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.

ومن يوحنا ٨: ٢٤: «إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ».

ومن سفر الرؤيا ٢: ١٠ «كُنْ أَمِيناً إِلَى ٱلْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ ٱلْحَيَاةِ».

ومن أعمال الرسل ٤: ١٢ «وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ ٱلْخَلاصُ. لأنْ لَيْسَ ٱسْمٌ آخَرُ تَحْتَ ٱلسَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ».

إنّ اسم «يسوع» هو من مصدر إلهي وهو يعادل «يشوع» بالعبرية ومعناه «يهوه المخلّص» أو «اللّه هو المخلصّ». فقبل أن يأتي المسيح إلى عالم البشر وصفه الملاك الذي بشّر به هكذا«تَدْعُو ٱسْمَهُ يَسُوعَ، لأنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ» (متى ١: ٢١) حتى أن يوحنا الرسول طرح بوضوح القصد الحقيقي من كتابته في قوله: «وَأَمَّا هٰذِهِ (أي الأمور المختصة بيسوع) فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِٱسْمِهِ» (يوحنا ٢٠: ٣١).

تحمل هذه التصريحات أعظم وأثمن وأكرم الوعود. أنها بكل تأكيد لا تدع مجالاً للشك في أن الإيمان بالمسيح أمر ضروري للخلاص، وأنه بمعزل عنه لا يوجد أمل في الخلاص. ومن المستحيل على أحد أن يأتي بتصريحات ساطعة وباهرة كالتي صرح بها السيد المسيح بخصوص شخصيته وتأثيره على حياة الآخرين. لقد قال أحد عظماء اللاهوتيين: «من الواضح أن اللّه بالذات في عدم محدوديته لا يسعه أن يقدم شيئاً أعظم قدراً ولا أسمى منزلة مما يهب السيد المسيح لشعبه، فهم موجَّهون للتطلّع إليه كمصدر كل بركة وواهب كل عطية صالحة وخالصة الكمال. إنها لأروع الصلوات وأكثرها تعبيراً تلك التي ختم بها الوحي الإلهي الرسالة إلى مؤمني مقاطعة غلاطية والتي تقول: نعمة ربّنا يسوع المسيح مع روحكم أيها الإخوة. آمين».

١١ - موضوع الصلاة والعبادة:

نقرأ بوضوح في الإنجيل عن مناسبات عديدة سجد فيها البشر للمسيح وعبدوه. فالبشير متى يذكر لنا أنه لما أرشد اللّه المجوس (حكماء المشرق) إلى مكان ولادة مخلّص البشر في بيت لحم بفلسطين، فإنهم «خَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ» بمجرد رؤيتهم للطفل يسوع (٢: ١١). وعندما مشى المسيح على الماء فإن الذين كانوا في السفينة سجدوا له قائلين: «بِٱلْحَقِيقَةِ أَنْتَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ» (١٤: ٣٣)، سجدت له أيضاً المرأة الكنعانية قائلة: «يَا سَيِّدُ أَعِنِّي» (١٥: ٢٥)، وكذلك تلاميذه عندما ظهر لهم في الجليل بعد قيامته «وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ» (٢٨: ١٧).

ويذكر البشير لوقا في ٢٤: ٥١ و ٥٢ عن صعود المسيح إلى السماء «ٱنْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ. فَسَجَدُوا لَهُ».

أمّا يوحنا فيخبرنا عن سجود الأعمى للمسيح بعد أن أعاد إليه بصره وأمره بالاغتسال في بركة سلوام (٩: ٣٨)، وأيضاً عن تلميذه توما عند رؤيته لسيده بعد قيامته من الموت إذ سجد له قائلاً:«رَبِّي وَإِلٰهِي» (٢٠: ٢٨). وهو هنا لم يكتف بالسجود له، بل أشار إليه كإِلهه وربّه الذي يتعبَّد له. وجدير بالذكر أن المسيح لم يوبّخه على ما تكلّم به، بل تجدر الإِشارة هنا إلى أن هؤلاء الناس من ملوك إلى تلامذة وأناس عاديين ومن كانوا بحاجة إلى شفاء من مرض أو علة جسدية، جميعهم قد تساووا في السجود له معترفين بألوهيته. ففي كافة الظروف والمناسبات لم يعترض يسوع المسيح بتاتاً على سجود البشر له وعبادتهم إياه، بل تقبّل تلك المواقف البشرية كأمور ضرورية ولائقة به.

أعطى يسوع شهادات مهمة جداً تتعلق بألوهيته وباستحقاقه للعبادة، وإذ أراد من المؤمنين به أن يضعوا ثقتهم به ويتّكلوا عليه اتكالاً كاملاً في كل أمور حياتهم جَاءهم بهذا التأكيد قائلاً: «حَيْثُمَا ٱجْتَمَعَ ٱثْنَانِ أَوْ ثَلاثَةٌ بِٱسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ» (متى ١٨: ٢٠)، وكذلك قبل صعوده إلى السماء قال لهم: «هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلأَيَّامِ إِلَى ٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ» (متى ٢٨: ٢٠).

إن تصريحات كهذه لا يمكن أَخْذها إلاّ من منطلق رغبة المسيح في الكشف عن ألوهيته، فمَنْ غير اللّه يستطيع أن يكون في كل مكان؟ من هنا كانت محتويات أسفار العهد الجديد ومواقف الكنيسة المسيحية الرسولية الأولى التي اتفقت في إصرارها على تقديم الإكرام والعبادة المختصين باللّه وحده، ليسوع المسيح: «لِكَيْ يُكْرِمَ ٱلْجَمِيعُ ٱلابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ ٱلآبَ. مَنْ لا يُكْرِمُ ٱلابْنَ لا يُكْرِمُ ٱلآبَ ٱلَّذِي أَرْسَلَهُ» (يوحنا ٥: ٢٣). وقد عبّر المؤمنون عن ذلك ليس أثناء ظروف حياتهم العادية فحسب، بل حتى تحت أشد ويلات الاضطهاد، كما دعا القديس إستفانوس في صلاته، عندما استشهد لأجل مناداته بالإنجيل، للمسيح: «أَيُّهَا ٱلرَّبُّ يَسُوعُ ٱقْبَلْ رُوحِي» (أعمال الرسل ٧: ٥٩).

إن السجود والتعبد للمسيح هما من ركائز المناداة بالإنجيل، ومن المتطلبات الرئيسية للذين ينتمون للمسيح وينالون خلاصه. من هنا طرح المسيح في الإنجيل أهمّ الأسئلة إطلاقاً: «ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟» وقد وردت عليه ردود كثيرة جميعها تفيد بضرورة الإيمان بالمسيح والتعبُّد له. وفيما يلي نسرد بعضاً منها:

  • «آمِنْ بِٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ» (أعمال الرسل ١٦: ٣١).
  • «إِنِ ٱعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِٱلرَّبِّ يَسُوعَ، خَلَصْتَ» (رومية ١٠: ٩).
  • «لأنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ يَخْلُصُ» (رومية ١٠: ١٣).
  • «لِكَيْ تَجْثُوَ بِٱسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَة... ٍوَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ» (فيلبي ٢: ١٠، ١١).
  • «وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلائِكَةِ ٱللّٰهِ» (عبرانيين ١: ٦).

ثم أن هناك التصريحات الرسولية التي يصعب عدّها والتي سجلها الوحي الإلهي، وكلّها تؤكد على ربوبية المسيح واستحقاقه أن يُعبَد. نورد منها على سبيل المثال ما يلي:

  • «رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (٢ بطرس ٣: ١٨).
  • «مُسْتَحِقٌّ هُوَ ٱلْحَمَلُ ٱلْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ ٱلْقُدْرَةَ وَٱلْغِنَى وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلْقُوَّةَ وَٱلْكَرَامَةَ وَٱلْمَجْدَ وَٱلْبَرَكَةَ.. لِلْجَالِسِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَلِلْحَمَلِ ٱلْبَرَكَةُ وَٱلْكَرَامَةُ وَٱلْمَجْدُ وَٱلسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ ٱلآبِدِينَ» (الرؤيا ٥: ١٢، ١٣).

لقد شدد الرسول بولس على عقيدة الربوبية في بداية كل رسالة كتبها، وهو دائماً يذكر الاسمين «ابن اللّه» و «الرب يسوع المسيح» بطريقة عفوية على أساس كونهما متساويين في إشارتهما لألوهية المسيح. فإن الرب يسوع المسيح ابن اللّه هو الذي يهب النعمة والسلام. ومع ذلك فإن بولس لم يدع مجالاً للشك في أنه كان متمسكاً بوحدانية اللّه، فهو يقول: «لَيْسَ إِلٰهٌ آخَرُ إِلا وَاحِداً»، (١ كورنثوس ٨: ٤-٦). وهذا هو الإله الوحيد الذي قدّم بركته للمؤمنين بواسطة ما يُعرَف بالبركة الرسولية التي تقول: «نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ ٱللّٰهِ، وَشَرِكَةُ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ» (٢ كورنثوس ١٣: ١٤). وما هذه سوى صلاة موجهة إلى المسيح لأجل نعمته، وإلى الآب لأجل محبته، وإلى الروح القدس لأجل شركته المقدسة.

هذه الحقائق التي يضعها الوحي الإلهي بين أيدينا لا يوجد تفسير مفهوم لها سوى ذلك الذي تمسكت به الكنيسة المسيحية عبر العصور، أي أن اللّه هو في ثلاثة أقانيم، هم جميعاً واحد في الجوهر، ومتساوون في القدرة والمجد.

لكننا إذا قارنا تلك التعبيرات الإنجيلية التي تنسب الصلاة والعبادة للمسيح، مع الأخرى التي تُبرِز وحدة اللّه وجلاله، والمجد الذي ينفرد به دون سواه، لا يكون أمامنا مفر من التسليم بأن الوحي الإلهي إنما يكشف عن أن العبادة هي لإله واحد، وأن المسيح هو في نفس الوقت مَن يعبده المؤمنون. فكلمة اللّه تقول: «اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَٱخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي ٱلأَرْضِ لأنِّي أَنَا ٱللّٰهُ وَلَيْسَ آخَرَ»(إشعياء ٤٥: ٢٢)، وجاء أيضاً في نبوة إرميا ١٧: ٥ «مَلْعُونٌ ٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى ٱلإِنْسَانِ وَيَجْعَلُ ٱلْبَشَرَ ذِرَاعَهُ».

إضافة إلى ذلك هناك تصريحات الوحي الإلهي الكثيرة التي تدين الوثنية والتعبُّد لغير اللّه. من هنا كان الأمر بسيطاً للغاية. فهي واحدة من اثنتين: إمّا أن ألوهية المسيح التي يعلّمها الكتاب المقدس هي حق، أو أن الكتاب المقدس مضلّل وليس من اللّه.

تضع كلمة اللّه اعتراف الإِنسان بألوهية المسيح والارتكان له والإتكال عليه اتكالاً مطلقاً كالمخلّص الوحيد على مرتبة عالية جداً. وقد اعتبر هذا الاعتراف دليلاً على صدق انتماء الفرد للّه.

١٢ - ديّان كل البشر:

يشغل موضوع الدينونة النهائية مكاناً مهماً ضمن تعليم يسوع المسيح. فهو يشدد على أن دينونة البشر واقعة فحسب، بل أنه أكد على أن المسيح هو بالذات الذي سيقوم بدور الديان. فهو الذي سيصدر الأحكام النهائية على كل البشر، وهو الذي يقرر المصير الأبدي لكل منهم. فقد قال: «لأنَّ ٱلآبَ لا يَدِينُ أَحَداً، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ٱلدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ، لِكَيْ يُكْرِمَ ٱلْجَمِيعُ ٱلابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ ٱلآبَ... تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ ٱلآنَ، حِينَ يَسْمَعُ ٱلأَمْوَاتُ صَوْتَ ٱبْنِ ٱللّٰهِ، وَٱلسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ... فَيَخْرُجُ ٱلَّذِينَ فَعَلُوا ٱلصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ ٱلْحَيَاةِ وَٱلَّذِينَ عَمِلُوا ٱلسَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ ٱلدَّيْنُونَةِ» (يوحنا ٥: ٢٢-٢٩).

ربما يكون الفصل الخامس والعشرون من الإنجيل حسب متى أهم نص في الوحي الإلهي فيما يخص التعليم عن نهاية العالم. وهو يوجه أنظارنا إلى كون المسيح الملك الديّان، فيقول: «وَمَتَى جَاءَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ ٱلْمَلائِكَةِ ٱلْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ ٱلشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ ٱلرَّاعِي ٱلْخِرَافَ مِنَ ٱلْجِدَاءِ، فَيُقِيمُ ٱلْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَٱلْجِدَاءَ عَنِ ٱلْيَسَارِ. ثُمَّ يَقُولُ ٱلْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا ٱلْمَلَكُوتَ ٱلْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ... ثُمَّ يَقُولُ أَيْضاً لِلَّذِينَ عَنِ ٱلْيَسَارِ: ٱذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاعِينُ إِلَى ٱلنَّارِ ٱلأَبَدِيَّةِ ٱلْمُعَدَّةِ لِإِبْلِيسَ وَمَلائِكَتِهِ... فَيَمْضِي هٰؤُلاءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَٱلأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ» (عدد ٣١-٤٦).

لقد أكد السيد المسيح على أنه الرب الديان، الذي بيده مصير البشر، منذ بداية خدمته الجمهورية. فعندما ألقى عظته الرسمية الافتتاحية لتلك الخدمة (المعروفة بالموعظة على الجبل) قال لجماهير مستمعيه: «لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ. بَلِ ٱلَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ. كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ: يَا رَبُّ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ بِٱسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِٱسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِٱسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! ٱذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي ٱلإِثْمِ» (متى ٧: ٢١ - ٢٣).

وأفادنا رسل المسيح بالحقيقة عينها، فالرسول بطرس قال عن يسوع: «هٰذَا هُوَ ٱلْمُعَيَّنُ مِنَ ٱللّٰهِ دَيَّاناً لِلأَحْيَاءِ وَٱلأَمْوَاتِ» (أعمال الرسل ١٠: ٤٢). والرسول بولس قال: «لأنَّهُ لا بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعاً نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ ٱلْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِٱلْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْراً كَانَ أَمْ شَرّاً» (٢ كورنثوس ٥: ١٠). وهذه لم تكن قناعات الرسل فحسب، بل أن الكنيسة المسيحية تمسكت بها، مضيفة إياها إلى لائحة معتقداتها الأساسية.

لم يتردد الربّ يسوع أبداً أن ينسب إلى نفسه أسمى امتيازات الألوهية. فهو لم يعمل ذلك فقط، بل رحّب بما نسبه له الآخرون من ميزات الربوبية وألقابها الجوهرية مثل: القداسة، الأزلية، السلطان على مغفرة الخطايا، القدرة على افتداء حياة الناس، الحق في أن يُصلَّى إليه ويُعبَد، وسلطان الحكم النهائي على مصير البشر.

الفصل الرابع: وجود المسيح الأزلي قبل التجسد

في سلسلة من البيانات المتتابعة والهامة جداً، يبلغنا السيد المسيح أموراً جوهرية عن نفسه. لقد حرص كل الحرص على أن يعرفنا أن وجوده لم يبدأ عند ولادته في بلدة بيت لحم، إنما هو «أتى»أو «نزل» من السماء إلى الأرض، وأنه «أُرسل من قِبَل الآب». فمن الواضح أنه كان موجوداً قبل ذلك. تلك البيانات التي نحن بصددها لا تمثل مجرد شهادة فريدة لمهمته الإلهية على الأرض، بل أنها تشهد أيضاً لأصله السماوي. إنها تقدم المسيح لنا ليس فقط كأعظم بني البشر، بل كمن سَبق وجودُه تجسدَه. إنها إشارات أزليته وسرمديته واضحة، وتؤكد أنه لم يكن لوجوده بداية ولن تكون له نهاية. إنه هو البداية والنهاية. وقد نبعث تصريحات السيد المسيح هذه عن وعيه وإدراكه لوجوده الأزلي. وهكذا فإن المسيح يضع نفسه في مكانة أعلى وأهم من مكانة أصله البشري والأرضي. وهذا ما يفسر لنا كلام المسيح للبشر عن الأمور الروحية السامية، طالباً إليهم أن يكيّفوا حياتهم بمقتضى تعاليمه الهامة. وهذه بعض النصوص الكتابية التي تدعم وجهة نظرنا:

  • «لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأنْقُضَ ٱلنَّامُوسَ أَوِ ٱلأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ».
  • «لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاماً عَلَى ٱلأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاماً بَلْ سَيْفاً. فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ ٱلإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَٱلابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَٱلْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. وَأَعْدَاءُ ٱلإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ». (متى ٥: ١٧ و ١٠: ٣٤ - ٣٦). ليس المقصود هنا تسبيب الخصام، بل أن حياة الإيمان الجديدة تتسبَّب في عداء ومعارضة لأصحابها، لدرجة أن ينبذهم أهلهم ومجتمعهم غير المؤمن.
  • «لِنَذْهَبْ إِلَى ٱلْقُرَى ٱلْمُجَاوِرَةِ لأكْرِزَ هُنَاكَ أَيْضاً، لأنِّي لِهٰذَا خَرَجْتُ».
  • «لا يَحْتَاجُ ٱلأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ ٱلْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى ٱلتَّوْبَةِ».
  • «لأنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ أَيْضاً لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ». (مرقس ١: ٣٨ و ٢: ١٧ و ١٠: ٤٥).
  • «لأنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ» (لوقا ١٩: ١٠).

ومن بشارة يوحنا النصوص الكتابية التالية:

  • «لَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ إِلا ٱلَّذِي نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي هُوَ فِي ٱلسَّمَاءِ».
  • «اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ ٱلْجَمِيعِ، وَٱلَّذِي مِنَ ٱلأَرْضِ هُوَ أَرْضِيٌّ، وَمِنَ ٱلأَرْضِ يَتَكَلَّمُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنَ ٱلسَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ ٱلْجَمِيعِ، وَمَا رَآهُ وَسَمِعَهُ بِهِ يَشْهَدُ،... لأنَّ ٱلَّذِي أَرْسَلَهُ ٱللّٰهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلامِ ٱللّٰهِ».
  • «فَإِنْ رَأَيْتُمُ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ صَاعِداً إِلَى حَيْثُ كَانَ أَّوَلاً...».
  • «لأنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ... لأنِّي لَسْتُ وَحْدِي، بَلْ أَنَا وَٱلآبُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي».
  • «أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ، أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هٰذَا ٱلْعَالَمِ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هٰذَا ٱلْعَالَمِ».
  • «خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ ٱلآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى ٱلْعَالَمِ، وَأَيْضاً أَتْرُكُ ٱلْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى ٱلآبِ» (٣: ١٣، ٣: ٣١ - ٣٤، ٦: ٦٢، ٨: ١٤ و ١٦، ٨: ٢٣، ١٦: ٢٨).

ولم يصرّح المسيح فقط بوجوده قبل مجيئه إلى العالم، بل أيضاً أنه كان موجوداً منذ الأزل. هذا ما نراه في النصوص الإنجيلية التالية كما رواها القديس يوحنا:

  • «قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ» .
  • «وَٱلآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا ٱلآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِٱلْمَجْدِ ٱلَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ ٱلْعَالَمِ».
  • «لأنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ ٱلْعَالَمِ» (٨: ٥٨، ١٧: ٥، ١٧: ٢٤).

هنا نجد دلالة قاطعة أن علة وجوده هي من ذاته وليست من مصدر خارجي. هذا يذكّرنا بما ورد في التوراة في سفر الخروج ٣: ١٤ «أهيه الذي أهيه» وهو تعبير يشير إلى عظمة اللّه وجلاله، وليس فقط إلى وجوده. «أهيه» أو «يهوه» هو الإسم العبري للّه، والمترجم في العربية ب «الرب». والترجمة الحرفية للتعبير «أهيه الذي أهيه» هي: «الكائن الذي هو كائن». وهو الاسم الذي يشدّد على كون اللّه هو وحده الكائن الأزلي، بمطلق ما في ذلك من تعبير. فهو وحده الذي يتصرّف بحرّية واستقلالية مطلقتين. هذا ما أراد اللّه أن يعرّف نفسه به لعبده موسى. ويسوع هنا ينسب لنفسه ذات الإسم «الكائن الذي هو كائن» أي اللّه الكائن بذاته منذ الأزل. ونجد نفس المعاني فيما ينسبه سفر الرؤيا للمسيح حيث يتكلّم يوحنا الرائي على لسان يسوع فيقول: «أَنَا ٱلأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ، ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ» (سفر الرؤيا ٢٢: ١٣).

لم يكشف يسوع إذن عن وجوده السابق للتجسد فحسب، بل أيضاً كشف عن أن ذلك الوجود هو أزلي. هذا يطابق تماماً بيانات الآخرين عنه في الإنجيل (العهد الجديد)، فيوحنا المعمدان قال عن المسيح: «يَأْتِي بَعْدِي، رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي، لأنَّهُ كَانَ قَبْلِي» (يوحنا ١: ٣٠). بالطبع لم يكن المقصود هنا أن يسوع وُلد قبل يوحنا المعمدان، لأن يوحنا كان قد وُلد قبل يسوع ببضعة أشهر، ولكن المقصود بالتعبير «صار قدّامي» الإشارة إلى رتبة المسيح الأسمى من رتبة يوحنا. فالمسيح هو الكلمة ذو الكيان السابق، المعادل للآب من جهة كل شيء، بما في ذلك عملية الخلق. يسوع المسيح هو الأساس الذي «صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ ٱلآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً» (يوحنا ١: ١٤).

أمّا بولس الرسول فيعطينا ما يمثّل قمة الحق الإلهي المكشوف للبشر فيقول: «صَادِقَةٌ هِيَ ٱلْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُولٍ: أَنَّ ٱلْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى ٱلْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ ٱلْخُطَاةَ» (١ تيموثاوس ١: ١٥)، ويكتب أيضاً إلى المؤمنين في كولوسي: «فِيهِ (أي في المسيح)خُلِقَ ٱلْكُلُّ: مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى ٱلأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لا يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشاً أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاطِينَ. ٱلْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. اَلَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ ٱلْكُلُّ» (كولوسي ١: ١٦، ١٧) وكتب بولس أيضاً عن المسيح إلى تلميذه تيموثاوس قائلاً: «ٱللّٰهُ ظَهَرَ فِي ٱلْجَسَدِ» (١ تيموثاوس ٣: ١٦).

أمّا كاتب الرسالة إلى العبرانيين فيقول: «يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْساً وَٱلْيَوْمَ وَإِلَى ٱلأَبَدِ» (عبرانيين ١٣: ٨)، فالمسيح بقي «هو هو» دون تغيير، مع كل تغيير طرأ على غيره. «هو هو» في هذا الجيل الحاضر كما في الماضي القريب أو البعيد. «هو هو» في المستقبل أيضاً. وفي هذا المسيح الثابت، الذي لا يعتريه تغيير ولا ظل دوران، يجد المؤمن سنده وملجأه الأبدي الأكيد.

ولا تقتصر هذه البيانات على كتابات العهد الجديد (الإنجيل). فهناك نبؤات كتبها أنبياء العهد القديم بخصوص المسيح المنتظر والتي سبقت مجيئه بمئات السنين، ولم تتحدث عن مجرد ولادته المتوقعة كإنسان كامل، بل أنها أيضاً أكّدت حقيقة وجوده قبل مجيئه إلى الأرض، فأظهرت أن وجوده السابق يرجع إلى الأزل وقبل أن يوجد الزمن نفسه. هذا ما وضّحه النبي ميخا الذي كتب سفره حوالي سبعمائة عامٍ قبل مجيء المسيح. ففي معرض نبوته عن مكان مولد المسيح يقول: «أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمَِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي ٱلَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطاً عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ ٱلْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ ٱلأَزَلِ» (ميخا ٥: ٢). والنبي أشعياء الذي عاش في نفس الفترة التي عاش فيها النبي ميخا، وصف المسيح، بروح النبوة فقال إنه يكون«عَجِيباً، مُشِيراً، إِلَهاً قَدِيراً، أَباً أَبَدِيّاً، رَئِيسَ ٱلسَّلامِ» (إشعياء ٩: ٦).

يبرز يسوع المسيح عبر كل التاريخ البشري كالمنتظَر مجيئُه قبل مئات السنين. لم تكن هناك نبؤات ولا توقُّعات بمجيء غيره من الشخصيات التاريخية لأنه لم يكن كالإسكندر الكبير أو نابليون أو غيرهما من القادة الذين لم ينتظرهم أحد في أوقات وأمكنة ظهورهم. وحتى قبل وجود الأنبياء أنفسهم قطع اللّه الوعد بمجيئه، فبمجرد أن وقع أبوانا الأولان آدم وحواء في خطية العصيان، وكسرا وصية اللّه، جاء الوعد بقدوم المخلّص، فقد أخبر اللّه إبليس المتمثل بالحية الخادعة بأن نسل حواء «هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ» (تكوين ٣: ١٥). وهذا ما تحقق في عمل المسيح الكفاري وانتصاره التاريخي الساحق على إبليس. ولكن على مرّ الزمن توالت المواعيد والبيانات على فم أنبياء اللّه بمجيء المسيّا والمخلّص المنتظَر، حتى أنّه في عصر ولادة المسيح من مريم العذراء ومجيئه إلى العالم كان هناك شعور وتوقع عام بقرب مجيئه، وكان أسلوب وموضوع ولادته واضحين لمنتظري تحقيق مواعيد اللّه، فقد وُصف في الأسفار المقدسة كمَن «نزل» من السماء إلى الأرض. وكمَنْ شارك الآب في مجده منذ الأزل، لا بل وكمَنْ «خرج من عند الآبَ» (يوحنا ١٦: ٢٨). أي كمَنْ هو في أوثق وأهم المعاني، واحد مع اللّه. كلماته ذاتها لا تترك مجالاً للشك في أنه يعتبر نفسه زائراً للأرض من عالم أسمى، وأنه جاء في مهمة سماوية خاصة على الأرض لخلاص البشر وفدائهم.

قال أحد كبار اللاهوتيين: «في دراستنا ليسوع المسيح، من المهم جداً أن نتفهم حياته على ضوء وجوده السابق لقدومه إلى عالم البشر، فتجسُّده لم يكن مجرد ولادة رجل عظيم، لأن تجسد المسيح يعني دخول اللّه إلى حيّز ومحيط الوجود البشريين. وهكذا نكون على إدراك مستمر أنه في يسوع المسيح نلتقي وجهاً لوجه مع الإله المتجسد. ومن جهة أخرى فإن إدراكنا لهذا الأمر يولّد فينا تقديراً لائقاً بالخدمة التي جاء للقيام بها من أجلنا. من باب المستحيلات أن يكون مفهومنا للمسيح يتفق مع عظمة ما قام به، ما لم ندرك أن ابن الإِنسان قد جاء لا ليُخدَم بل ليَخْدِم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين» (متى ٢٠: ٢٨).

الفصل الخامس: معجزات المسيح

معجزات السيد المسيح هي برهان قاطع على ألوهيته. إن تعريف المعجزة حسب مفهوم الوحي الإلهي هو عمل أو حدث علني أُجري بقوة اللّه المُباشرة، بقصد إثبات صحة رسالة الرسول. لكن المعجزات التي قام بها السيد المسيح تختلف من حيث طبيعتها ومداها وأسلوبها عن المعجزات التي جرت على أيدي الأنبياء والرسل. وأساس الاختلاف هذا هو أنه بخلاف الوضع مع الأنبياء والرسل، فإن المسيح حقق ما حققه من أعمال معجزية بقوته هو، لا بواسطة قوة خارجة عنه. عندما تحققت المعجزات على أيدي الرسل والأنبياء أصرّوا دائماً على أن ما عملوه لا يرجع إلى قوتهم الشخصية. مثلاً عندما انشطرت مياه البحر الأحمر وعبر بنو إسرائيل على اليابسة في قلب المياه، لم يتردد كليم اللّه موسى في أن ينسب العمل للّه (خروج ١٤: ١٣). وهذا أيضاً ينطبق على أيام العهد الجديد. فعندما شفى الرسولان بطرس ويوحنا الرجل الأعرج الواقف على بوابة الهيكل كان ردُّهما على تعجّب الجموع التي شاهدت المعجزة هكذا: «مَا بَالُكُمْ تَتَعَجَّبُونَ مِنْ هٰذَا، وَلِمَاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا كَأَنَّنَا بِقُوَّتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هٰذَا يَمْشِي؟» (أعمال الرسل ٣: ١٢). وعندما شفى بولس مريضاً في مقاطعة لسترة، وشرع الناس بتقديم ذبائحهم له ولزميله برنابا، سارع برفض ذلك، وبإعطاء المجد للّه قائلاً: «نَحْنُ أَيْضاً بَشَرٌ تَحْتَ آلامٍ مِثْلُكُمْ» (أعمال الرسل ١٤: ١٥). لكن عندما شفى المسيح المرضى وأخرج الأرواح النجسة أو أقام الموتى أو أوقف هيجان البحر، فإنه قام بكل ذلك بقوته غير المحدودة. وقد كشف عن تلك الحقيقة بدون تردد قائلاً: «... اَلأَعْمَالُ ٱلَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا بِٱسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي...» (يوحنا ١٠: ٢٥)، «إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فَلا تُؤْمِنُوا بِي. وَلٰكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ، فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِٱلأَعْمَالِ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ ٱلآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ» (يوحنا ١٠: ٣٧، ٣٨). لقد جاء تلميذا يوحنا المعمدان ليسألا المسيح إن كان هو المسيّا المنتظر أم لا، فأجابهما المسيح: «... ٱذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَٱلْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَٱلْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَٱلصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَٱلْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَٱلْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ...» (متى ١١: ٤ و ٥). اللّه هو الذي أقرّ ونظّم قوانين الطبيعة، وهو وحده يقدر أن يغيّرها أو يعطلها كما يشاء. لقد أبرز المسيح قوته وعظمته وجلاله في كل مرة أجرى فيها معجزة، مقدِّماً بذلك برهاناً ساطعاً على ألوهيته.

إن عدد المعجزات التي قام بها المسيح كان كبيراً جداً، وقد سجّل الإنجيل حوالي أربعين منها، كانت بمثابة أمثلة لإبراز قوة المسيح الشفائية، ومقدرته على إقامة الموتى والتسلُّط على قوى الطبيعة. وهناك إشارات في الإنجيل إلى أن الكثير من معجزات المسيح لم تُسجّل (راجع متى ٤: ٢٣، ٢٤ ويوحنا ٢٠: ٣٠).

الفصل السادس: أهمية الإيمان بألوهية المسيح

يعلّم الكتاب المقدس ألوهية المسيح بجلاء ووضوح. وهذا الأمر مفروغ منه بالنسبة لكل من يؤمن أن الكتاب هو كلمة اللّه. لا يوجد مجال للجدل في أنّ يسوع المسيح عرّف نفسه في الإنجيل على أنه اللّه المتجسد. ومن المؤكد أن البشر الذين اختارهم اللّه لتدوين سجلات العهد الجديد كانوا يتمسكون بهذه الحقيقة الهامة والسامية، ولم يترددوا في عبادة المسيح كاللّه. ثم أن الكنيسة المسيحية عبر العصور بكافة طوائفها تمسكت بألوهية المسيح الذي تتعبَّد له. هذا واضح من كافة السجلات العقائدية، من قوانين الإيمان إلى الترانيم الروحية والكتابات التعبُّدية. ففي كتابات وسجلات كل جيل وقرن نجد أن التمسّك بألوهية المسيح هو عقيدة كل من قرأوا سجلات الوحي الإلهي وتبنّوا تعاليمها.

إن إنكار ألوهية المسيح واعتباره مجرد معلّم أو نبي عظيم، يتناقض مع مضمون الوحي الإلهي. فإنكار تعاليم الوحي الإلهي يبعد الإِنسان عن منبع الحكمة والحق، ويدفعه إلى تفاسير عقلانية سطحية لأمور لا يمكن فهمها إلاّ بالحكمة الروحية التي أوحى بها اللّه. فالحياة كل الحياة تكمن في هذا الإدراك الروحي، والاعتراف المخلص بألوهية الفادي. هذه هي الحياة الأبدية أن يؤمن البشر بالمسيح المخلّص. إن عدم وجود هذا الإيمان الكتابي بالمسيح يقود إلى موت روحي أبدي. المسيح هو الحياة، ولذلك فإن «اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱلابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَٱلَّذِي لا يُؤْمِنُ بِٱلابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ ٱللّٰهِ» (يوحنا ٣: ٣٦).

التمسُّك بألوهية المسيح حسب تعليم الكتاب المقدس أمر ضروري للغاية، بحيث يُعتبر المقياس الأساسي للتمييز بين الحق والباطل، وهذا ما يوجّه انتباهنا إليه الرسول يوحنا في قوله: «أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ، لا تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ ٱمْتَحِنُوا ٱلأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ ٱللّٰهِ؟ لأنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى ٱلْعَالَمِ... وَكُلُّ رُوحٍ لا يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي ٱلْجَسَدِ فَلَيْسَ مِنَ ٱللّٰهِ. وَهٰذَا هُوَ رُوحُ ضِدِّ ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي سَمِعْتُمْ أَنَّهُ يَأْتِي، وَٱلآنَ هُوَ فِي ٱلْعَالَمِ» (رسالة يوحنا الأولى ٤: ١ - ٣).

يشدد الرسول بولس على العقيدة الكتابية الصحيحة بقوله: «وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (١ كورنثوس ١٢: ٣). ومعنى هذا: إن الذي استنار من الروح القدس يعترف بالمسيح يسوع كربّ ومخلّص، لأنه آمن بألوهية المسيح. فالذي يتأمل يسوع بعينيه غير المستنيرتين من الروح القدس لا يرى فيه سوى إنسانيته. وقد يصل إلى الإقرار بأن المسيح كان رجلاً عظيماً، وبأن مبادئه سامية للغاية. هذا كل ما يمكن لإِنسان غير مستنير أن يراه في المسيح. لكن ذلك غير كاف، لأنه نصف الحقيقة. وحالما يجدّد الروح القدس الإِنسان، وينير بصيرته الروحية، يرى نفسه خاطئاً أمام اللّه، محكوماً عليه بالقصاص، ويرى في نفس الوقت بعين الإيمان الجديدة أن يسوع المسيح هو حقاً ابن اللّه المتجسد الذي صُلب لأجل خطاياه، وقام من الأموات، وهو جالس الآن عن يمين اللّه الآب بكل سلطان وعظمة. كتب أحد كبار لاهوتيي القرن التاسع عشر عن هذه الحقيقة قائلاً: «كل من يؤمن أن يسوع الناصري هو اللّه الذي ظهر في الجسد، ويحبه ويطيعه، يكون قد وُلد من اللّه. أما الذي ينكر هذا الحق فهو ليس إلاّ عدو المسيح. من ينكر الابن ينكر الآب أيضاً. فنكران الواحد هو نكران للآخر». وهذا ينطبق تماماً على ما أورده الوحي الإلهي على لسان الرسول بولس عندما كتب قائلاً: «... إِنْ كَانَ إِنْجِيلُنَا مَكْتُوماً، فَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُومٌ فِي ٱلْهَالِكِينَ، ٱلَّذِينَ فِيهِمْ إِلٰهُ هٰذَا ٱلدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ، لِئَلا تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي هُوَ صُورَةُ ٱللّٰهِ» (٢ كورنثوس ٤: ٣، ٤). وبناء على هذا التعليم فإن الهالكين هم الذين لا يرون ولا يؤمنون أن يسوع هو اللّه المتجسد، لأن معرفة المسيح والإيمان به واضحة وجليّة. ففي الحياة مع المسيح المجد والبركة والهناء والحيوية. من المحال أن تكون الحياة هنيئة بمعزل عن مصدرها وبارئها. فالذي يؤمن بالمسيح يحيا إلى الأبد، لأن الإِنسان لا يحيا من ذاته، بل المسيح هو الذي يحيا فيه. لهذا فإن حياتنا مستترة مع المسيح في اللّه، وبذلك أصبحنا كاملين فيه لا ينقصنا شيء. فإننا بواسطة الإيمان به فقط نحصل على الفرح الحقيقي بسبب محبته وافتدائه لنا. ويشرح الرسول بولس أهمية محبتنا للّه فيقول: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لا يُحِبُّ ٱلرَّبَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا» (أي مرذولاً ومخذولاً) (١ كورنثوس ١٦: ٢٢)، الكتاب المقدس يشدد على أن نكران ألوهية المسيح ورفض قبوله وعدم محبته والثقة به وعبادته وخدمته كإله، هي سبب دينونة اللّه على كل الذين يسمعون الإنجيل ويرفضونه.

إن ألوهية المسيح هي واقع أرسخ من أن يُرفَض، وهي حق أخطر من أن يُنبذ بدون عقاب، لأن الذين يؤمنون بذلك يخلصون، والذين ليس لهم عيون ليبصروا ويؤمنوا فهم بعدم إيمانهم قد أهلكوا أنفسهم. «اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱلابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَٱلَّذِي لا يُؤْمِنُ بِٱلابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ ٱللّٰهِ» (يوحنا ٣: ٣٦).

الجزء الثاني: المسيح الإِنسان

الفصل الأول: دلائل بشريّة المسيح

في الجواب على السؤال: «من هو فادي مختاري اللّه؟» يقول كتاب أصول الإِيمان: «إن الفادي الوحيد لمختاري اللّه هو الرب يسوع، الذي وهو منذ الأزل ابن اللّه، صار إنساناً، وهكذا كان ولا يزال إلهاً وإنساناً معاً، ذا طبيعتين متميزتين وأقنوم واحد إلى الأبد» وفي الجواب على السؤال: «كيف صار المسيح إنساناً وهو ابن اللّه؟» يجيب: «إن المسيح ابن اللّه صار إنساناً باتخاذه لنفسه جسداً حقيقياً ونفساً ناطقة، إذ حُبل به بقوة الروح القدس في رحم مريم العذراء، ووُلد منها بدون خطية».

كما رأينا في الفصول السابقة أن المسيح يتمتع بطبيعة إلهية، وله كل صفات وألقاب اللّه. ومع هذا كلّه علينا ألاّ ننسى أنه، وهو على الأرض، قد تمتع بطبيعة بشرية حقيقية وكاملة. فقد كان عظماً من عظامنا، ولحماً من لحمنا، عاش أثناء وجوده على الأرض كأي إنسان آخر، عُرضة لكل الصعوبات والتجارب والآلام. فمن جهة ناسوته أو طبيعته البشرية، هو واحد منّا تماماً، كما كان متحداً باللّه من جهة لاهوته أو طبيعته الإِلهية. فعندما كان طفلاً كانت له مشاعر ومزايا الأطفال، وعند نموه «تَقَدَّمَ فِي ٱلْحِكْمَةِ وَٱلْقَامَةِ وَٱلنِّعْمَةِ، عِنْدَ ٱللّٰهِ وَٱلنَّاسِ» (لوقا ٢: ٥٢).

من فم أمه تعلم أولاً أمور اللّه الطاهرة، وعند ركبتيها كان يركع مراراً كثيرة ليصلي. لقد نما في بلدة الناصرة التي لم تكن لها مكانة معتبرة ولا شهرة ذائعة. أمّا يوسف ومريم فقد احتفظا بتلك العجائب التي رافقت طفولة يسوع. ومن المرجح أنّ أمّه لم تخبر بها إلاّ الفريق المقرّب من تلاميذه بعد قيامة المسيح. أمّا رفقاء وأقرباء ومعاصرو المسيح فلم يلاحظوا على الأغلب أنه خلال نموه كان يتمتع بمزايا فائقة للطبيعة. ومن المرجح أن يوسف الذي كان خطيب أمّه مات قبل أن يشرع يسوع في خدمته الجهارية. وبما أن يسوع كان الابن البكر، فإن مسؤولية إعالة أمّه وبقية أسرته وقعت على عاتقه، وكنجّار كان يعرف معنى الكدّ اليومي. ومع أن الكتاب المقدس يسمّي المسيح «آدم الثاني» فإنه لم يأت إلى عالم البشر كإنسان بالغ، بل مرّ بكل مراحل الاختبارات البشرية من طفولته حتى رجولته. لقد عاش يسوع المسيح حياة بشرية في كل لحظة وساعة ويوم من وجوده في عالم البشر.

تمتع يسوع المسيح بطبيعة بشرية أصيلة، وعاش حياة بشرية إعتيادية. ولقد تضمَّن أول مواعيد الوحي الإِلهي بمجيء المخلّص حقيقة ناسوت المسيح، للتأكيد على أنه سيكون «نسل المرأة» الذي يسحق رأس الحية (تكوين ٣: ١٥). هناك إذن في مطلع سجلات الوحي الإِلهي دلالة قاطعة على أن اللّه قصد أن يستخدم نائباً بشرياً للقيام بمهمة الفداء. أما الوعد المعطى لإبراهيم فيدل أيضاً على أن العهد الأبدي المقام معه من اللّه سيتحقق في نسله (تكوين ١٧: ١٩ و ٢٢: ١٨). ذلك هو الوعد الذي تحدث عنه الوحي الإِلهي على لسان الرسول بولس، عندما قال إنه لم يتم في الشعب اليهودي عامة بل في المسيح بالذات (غلاطية ٣: ١٦ و ١٧). أما داود فكان قد تلقَّى وعداً أن نسله سيجلس على عرشه من بعده إلى الأبد (٢ صموئيل ٧: ٢ - ١٦) و(أخبار الأيام الثاني ٦: ١٦)، هذا ما ورد في قول المزمور ١٣٢: ١١ «مِنْ ثَمَرَةِ بَطْنِكَ أَجْعَلُ عَلَى كُرْسِيِّكَ». أما النبي إشعياء الذي تحدث في نبوته عن مجيء الفادي بتفصيل عجيب، فتنبّأ أن المسيح سيُولد من عذراء بطريقة معجزية (إشعياء ٧: ١٤)، والنبي ميخا ذكر أن المخلص سيُولد في بيت لحم (ميخا ٥: ٢).

وينسب العهد الجديد إلى المسيح مشاعر واختبارات بشرية حقيقية. فيما يلي بعضها:

١ - الولادة:

  • «وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ...» (متى ٢: ١).

  • «أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ...» (لوقا ٢: ١١).

٢ - النمو:

  • «وَكَانَ ٱلصَّبِيُّ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِٱلرُّوحِ، مُمْتَلِئاً حِكْمَةً...».

  • «وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي ٱلْحِكْمَةِ وَٱلْقَامَةِ وَٱلنِّعْمَةِ، عِنْدَ ٱللّٰهِ وَٱلنَّاسِ» (لوقا ٢: ٤٠ و٥٢).

٣ - التعب:

  • «فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ ٱلسَّفَرِ، جَلَسَ هٰكَذَا عَلَى ٱلْبِئْرِ...» (يوحنا ٤: ٦).

٤ - النوم:

  • «غَطَّتِ ٱلأَمْوَاجُ ٱلسَّفِينَةَ، وَكَانَ هُوَ نَائِماً» (متى ٨: ٢٤).
  • «وَكَانَ هُوَ فِي ٱلْمُؤَخَّرِ نَائِماً. فَأَيْقَظُوهُ..» (مرقس ٤: ٣٨).

٥ - الجوع:

  • «فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيراً».

  • «وَفِي ٱلصُّبْحِ إِذْ كَانَ رَاجِعاً إِلَى ٱلْمَدِينَةِ جَاعَ» (متى ٤: ٢ و ٢١: ١٨).

٦ - العطش:

  • «يَسُوعُ... قَالَ: أَنَا عَطْشَانُ» (يوحنا ١٩: ٢٨).

٧ - الغيظ:

  • «فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ ذٰلِكَ ٱغْتَاظَ» (مرقس ١٠: ١٤).

  • «فَنَظَرَ حَوْلَهُ إِلَيْهِمْ بِغَضَبٍ، حَزِيناً عَلَى غِلاظَةِ قُلُوبِهِمْ» (مرقس ٣: ٥).

٨ - الحنو والعطف:

  • «وَلَمَّا رَأَى ٱلْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ» (متى ٩: ٣٦).

  • «فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ (على الأبرص) وَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ» (مرقس ١: ٤١).

٩ - المحبة:

  • «فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ» (مرقس ١٠: ٢١).
  • «وَاحِدٌ مِنْ تَلامِيذِهِ، كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ...» (يوحنا ١٣: ٢٣).

١٠ - الفرح:

  • «كَلَّمْتُكُمْ بِهٰذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ» (يوحنا ١٥: ١١).

١١ - الحزن والهمّ:

  • «وَٱبْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ» (متى ٢٦: ٣٧).

  • «بَكَى يَسُوعُ...» (يوحنا ١١: ٣٥).

  • «اَلآنَ نَفْسِي قَدِ ٱضْطَرَبَتْ» (يوحنا ١٢: ٢٧).

١٢ - التجربة:

  • «ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ مِنَ ٱلرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ» (متى ٤: ١»).

  • «لأنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّباً يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ ٱلْمُجَرَّبِينَ» (عبرانيين ٢: ١٨).

  • «لأنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلا خَطِيَّةٍ» (عبرانيين ٤: ١٥).

١٣ - الصلاة:

  • «صَعِدَ إِلَى ٱلْجَبَلِ مُنْفَرِداً لِيُصَلِّيَ» (متى ١٤: ٢٣).
  • «وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى ٱلأَرْضِ» (لوقا ٢٢: ٤٤).
  • «ٱلَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ» (عبرانيين ٥: ٧).

١٤ - التألُّم:

  • «هُوَ مَجْرُوحٌ لأجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلامِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا» (إشعياء ٥٣: ٥).

  • «هٰكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ... أَنَّ ٱلْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ» (لوقا ٢٤: ٤٦).

  • «مَعَ كَوْنِهِ ٱبْناً تَعَلَّمَ ٱلطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ» (عبرانيين ٥: ٨).

١٥ - الموت:

  • «فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضاً بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ ٱلرُّوحَ» (متى ٢٧: ٥٠).
  • «أَنَّ ٱلْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ ٱلْكُتُبِ» (١ كورنثوس ١٥: ٣).

    كانت للمسيح طبيعة بشرية حقيقية، بما فيها من مزايا البشر الإعتيادية، كما كان أيضاً عرضة لنفس الميول البشرية الطبيعية. أمّا كون طبيعة الربّ يسوع المسيح البشرية تامة فهو واضح من قول الوحي الإلهي: «يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ (أي البشر) فِي كُلِّ شَيْءٍ» (عبرانيين ٢: ١٧) إن يسوع المسيح بكل وعي وعن قصد سابق دعا نفسه «إنساناً» قائلاً: «تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي، وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِٱلْحَقِّ» (يوحنا ٨: ٤٠). وقد دعاه البعض من معاصريه «إنساناً» هذا ما قاله بيلاطس عنه: «هُوَذَا ٱلإِنْسَانُ» (يوحنا ١٩: ٥).

  • «يَسُوعُ ٱلنَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ ٱللّٰهِ» (أعمال الرسل ٢: ٢٢).
  • «يُوجَدُ إِلٰهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ ٱللّٰهِ وَٱلنَّاسِ: ٱلإِنْسَانُ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ» (١تيموثاوس ٢: ٥).

أمّا سلسلة الأنساب التي تدل على سلالة يسوع المسيح البشرية فلها دلالاتها القاطعة على ناسوته (راجع متى ١: ١ - ١٧ ولوقا ٣: ٢٣ - ٣٨). تلك اللوائح من شأنها الدلالة ليس فقط على ناسوت المسيح، بل أيضاً على كونه الوريث الملوكي والشرعي لداود. ثم أن لقب «ابن الإِنسان» بغضّ النظر عمّا يحويه من معنى شاسع وعميق، هو في معناه الأساسي يشير إلى طبيعة المسيح البشرية. هذا وإن الكنيسة المسيحية على مدى العصور والأجيال كانت دائماً تعتقد أن مسيحها لم يكن إلهاً فحسب، بل إنساناً أيضاً.

إن محدوديات يسوع في مجالات المعرفة تكوِّن موضوعاً شيقاً للدراسة، فكما لاحظنا أنه «كان يتقدم في الحكمة وفي القامة والنعمة عند اللّه والناس»، وكإنسان لم يكن عليماً بكل شيء، فإن الطبيعة البشرية تتصف بالمحدودية، وإذ تمتع بها يسوع فقد أُلحقت به المحدودية التي للبشر. من نتائج هذه المحدودية نرى أنه تعجّب من إيمان قائد المئة (لوقا ٧: ٩)، كما أنه أبدى عدم معرفته وقت انقضاء العالم. ففي إحدى عظاته قُبَيل صلبه بأيام أخبر تلاميذه عن وعي وقصد أنه لم يكن يعرف وقت انقضاء العالم: «وَأَمَّا ذٰلِكَ ٱلْيَوْمُ وَتِلْكَ ٱلسَّاعَةُ فَلا يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلا مَلائِكَةُ ٱلسَّمَاوَاتِ، إِلا أَبِي وَحْدَهُ» (متى ٢٤: ٣٦). راجع أيضاً (مرقس ١٣: ٣٢).

كان يسوع يستعمل قوة معجزية فوق الطبيعة عندما كان يعالج حالات طالبي الشفاء. فعندما لمست ثوبه امرأة مصابة بنزيف دم مزمن، سأل وهو بين الجموع عن الذي لمسه، لأنه شعر أن قوة خرجت منه (لوقا ٨: ٤٥. راجع أيضاً مرقس ٥: ٢٥ - ٣٤). كذلك عندما أخبره مبعوث أسرة لعازر أنه مريض، عرف يسوع على الفور أن لعازر قد مات. وكان يعرف كذلك أن القصد من المرض «لَيْسَ لِلْمَوْتِ، بَلْ لأجْلِ مَجْدِ ٱللّٰهِ، لِيَتَمَجَّدَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ بِهِ» (يوحنا ١١: ٤). ورغم معرفة يسوع على التّو أن لعازر مات سأل: أين وضعوه، وبكى مع الأختين الثاكلتين. لكنه ما برح أن أظهر قوته الفائقة للطبيعة بإقامة لعازر من الأموات بعد موته بأربعة أيام. (راجع يوحنا ١١: ١ - ٤٤). وعند عودته من بيت عنيا جاع ورأى من بعيد شجرة تين عليها ورق، وعندما اقترب إليها لم يجد فيها ثمراً، فأيبسها بمجرد أمر منه. (راجع مرقس ١١: ١٢ - ١٤ و ١١: ٢٠).

كتب عن موضوع ناسوت المسيح أحد كبار علماء اللاهوت يقول: «أخبرنا يسوع استناداً إلى البشير مرقس ١٣: ٣٢، أنه كان يجهل وقت يوم الدينونة، كما وأنه أظهر لنا مراراً رغبته في الحصول على معلومات من البشر. لقد كان بالفعل محدوداً في طبيعته البشرية، ولكن بدون أي نقص في صفاته. وكان أيضاً عُرضة للتجارب، كما يشعر دائماً بحاجته للاعتماد على اللّه. وهو رجل صلاة مُلِمٌ بالفرق بين ما يتعارض مع مشيئة اللّه وشريعته، وما ينسجم ويتفق معها. لم يكن يتمتع بعقل إنسان فقط، بل بقلب إنسان أيضاً، وأكثر من ذلك إنسان بدون خطية. ومن الضروري أن ندرك أنه قد نما تماماً كما ينمو البشر، وهذا لا ينطبق على أيام حداثته فحسب، بل أيضاً على كل مرحلة من مراحل حياته البشرية على الأرض. فقد تمّ نموّه في المعرفة والحكمة والإحترام والإحسان والقوة الأخلاقية والطهارة والقداسة. لقد كان من الطبيعي أن ينمو يسوع المسيح نموّاً عادياً، تماماً كما ينمو البشر في كافة جوانب الطبيعة البشرية».

كان من الضروري للمسيح أن يختبر كل ما هو للإِنسان. ولكن مع كل هذا التشديد الضروري على الدلائل المؤكدة لصحة وحقيقة وأصالة ناسوت المسيح، فإنه من الواجب التشديد على الأدلة المؤكدة لأصالة وكمال طبيعته الإلهية. ففي نفس الوقت الذي يبدو فيه المسيح غير عالم بقضية معيَّنة (راجع مرقس ١٣: ٣٢) فإنه يَظهَر كمَنْ هو عالم بكل شيء. (يوحنا ١٦: ٣٠ و ٢١: ١٧). وفي نفس الوقت الذي نرى فيه أنه رغب في الحصول على معلومات من مصادر خارجية، وسأل عن أمور لا يعرفها، وتعجّب من أمور، فإنه أظهر أيضاً أنه كان ملمّاً بكل ما يحدث أو ما قد حدث دون أن يخبره أحد. لقد علم بتفاصيل حياة نثنائيل السرية (يوحنا ١: ٤٧)، كما أنه كان على علم بخفايا حياة السامرية (يوحنا ٤: ٢٩)، ثم أنه كان يعرف حتى أفكار أعدائه بالتمام (متى ٩: ٤). نعم لقد كان على علم بكل ما في الإِنسان (يوحنا ٢: ٢٥). وهذا الواقع المزدوج لم يكن بالأمر المشوش أو المزعج، بل أنه كان يمثل أعظم انسجام وأعمق تضامن. صحيح أن المبعوث أخبره بمرض لعازر، ولكنه لم يكن في حاجة لمن يخبره أن لعازر قد مات. وعلى نفس المنوال نرى كيف أنه في الوقت الذي عبّر فيه عن ناسوته ومشاعره في بكائه على لعازر وحزنه عليه، فإنه عبّر عن ألوهيته بإقامة لعازر من الموت بمجرد أمر نطق به.

إيجازاً لما سبق، فإننا في كل مكان نرى هذه الحقيقة المزدوجة العجيبة في حياة يسوع المسيح، أي أنه، له المجد، كان يتمتع بطبيعة إلهية وبشرية في آن واحد. والذين يَصِلون إلى معرفة يسوع المسيح من العهد الجديد، يجدون أنه لم يكن إنساناً فحسب، بل إنه كان أعظم، وكان يشعر مع من يقترب إليه من البشر. لقد تقبَّل بصدر مفتوح إحضار الأمهات أطفالهن إليه، كما فتح قلبه للسامرية مصغياً لها بصدق واهتمام عند لقائه بها. إنه الإِنسان الذي شعر بعمق مع مريم ومرثا وشاركهما البكاء على أخيهما لعازر. لقد صادق صيادي الجليل الفقراء والذين كانت مظاهرهم الخارجية تدعو للنفور وثقافتهم المحدودة تبعدهم عن الناس.

أما نحن فنجد أنفسنا مرتبطين به بأقوى وأوثق الروابط الشخصية من المحبة والصداقة. فلنا تماماً، كما كان للمسيحيين الأوّلين، يقول: «أنتم أحبائي» مع أنه خالقنا وربنا. ونحن بالفعل نتكل عليه ونطيعه، ولكننا ندعوه صديقاً لنا. فالحقيقة هي أننا لا نكون قد دخلنا بالفعل إلى حياة الشركة معه ما لم نتعرف عليه، ليس فقط كربنا وخالقنا، بل أيضاً كصديقنا الحميم. لقد قال لتلاميذه: «لا أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيداً، لأنَّ ٱلْعَبْدَ لا يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لٰكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي» (يوحنا ١٥: ١٥). وعبر العصور والأجيال لا زال صوته يدوي قائلاً: «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ ٱلْمُتْعَبِينَ وَٱلثَّقِيلِي ٱلأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ» (متى ١١: ٢٨).

كل مسيحي يشعر بما قد قام به يسوع من أجله، يجب أن يشعر كما اختبر التلميذ يوحنا أنه «التلميذ الذي كان يسوع يحبه». وياله من خطأ فادح أن يلجأ البعض لشفاعة البشر ووساطتهم، أحياء كانوا أم أمواتاً، كواسطة للوصول إلى المخلّص. إننا بتصرّف كهذا نكون قد أبعدنا المسيح عن المؤمنين الذين أحبهم ومات عنهم، مكفراً عن خطاياهم، وقام في اليوم الثالث لتبريرهم (رومية ٤: ٢٥).

الفصل الثاني: التجسّد

جواباً على السؤال: «كيف صار المسيح إنساناً وهو ابن اللّه؟» يجيب الكتاب المختصر لأصول الإِيمان: «إن المسيح ابن اللّه صار إنساناً باتّخاذه لنفسه جسداً حقيقياً ونفساً عاقلة، إذ حُبل به بقوة الروح القدس في رحم مريم العذراء، ووُلد منها ولكن دون خطية».

خُلق الإِنسان، خلافاً لكل الحيوانات، على صورة اللّه، وأُعطي طبيعة روحية وعقلية ونفساً حية. يقول الرسول بولس إن اللّه « لَيْسَ بَعِيداً. لأنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ» (أعمال الرسل ١٧: ٢٧، ٢٨). ومع أنّ العنصرين الإلهي والبشري متميزان واحدهما عن الآخر، ليسا أجنبييْن أحدهما عن الآخر، وليسا أيضاً متضادّين أو متعارضين. فالإِنسان هو شرارة من نار عظيمة، أو إناء فارغ بحاجة لأن يمتلئ من النبع غير المحدود، لذلك فلا معنى لوجوده سوى في صلته باللّه. وبما أنّ الإِنسان مخلوق على صورة اللّه، أُعطي سلطة على مخلوقات وموجودات الأرض (راجع سفر التكوين ١: ٢٨) إنه في الواقع يتمتع بمركز إلهي مصغَّر ومحدود. ويقول الوحي الإِلهي عن البشر: «أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو ٱلْعَلِيِّ كُلُّكُمْ» (مزمور ٨٢: ٦)، وهذا ما اقتبسه المسيح عندما وجّه كلامه لليهود قائلاً: «أَلَيْسَ مَكْتُوباً فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ» (يوحنا ١٠: ٣٤). إذن الترابط بين العنصرين الإِلهي والبشري هو من متضمَّنات ونتائج خَلْق اللّه للإِنسان. وبما أنّ الإِنسان خُلق على صورة اللّه، فإن كلمة اللّه الأزلي أمكنه وهو كامل الألوهية أن يصبح ابن الإِنسان، ذلك لأن الإِنسان هو بالطبيعة ابن اللّه.

لم تكن عملية التجسُّد غاية في حد ذاتها، بل كانت وسيلة للغاية، وهي خلاص البشر، لأن الإِنسان بسقوطه في خطية العصيان وعدم الثقة في قول اللّه قد فصل نفسه عن اللّه، وأفقد نفسه كل القدرة على تدبير خلاصه بنفسه. لهذا السبب أخذ اللّه على نفسه مسؤولية خلاص الإِنسان. ومن أجل ذلك حدث التجسّد. فاللّه الذي تجسّد في جسم بشري أخذ مكان الإِنسان تجاه متطلبات الشريعة والعدالة الإلهيتين. ولأنه إله يمكنه أن يعطي قيمة غير محدودة لذلك الألم والموت. «فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ ٱلأَوْلادُ فِي ٱللَّحْمِ وَٱلدَّمِ ٱشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذٰلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِٱلْمَوْتِ... إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَوْفاً مِنَ ٱلْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعاً كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ ٱلْعُبُودِيَّةِ... مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيماً، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِيناً فِي مَا لِلّٰهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا ٱلشَّعْبِ» (عبرانيين ٢: ١٤ - ١٧).

وبما أن النص الذي أورده الوحي الإلهي في رسالة الرسول بولس إلى فيلبي ٢: ٥ - ١١ هو الأكثر وضوحاً في عقيدة التجسد، يشير هذا النص أنّ المسيح «كَانَ فِي صُورَةِ ٱللّٰهِ... لٰكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ». وقد وردت في رسائل الرسول بولس الموحى بها من الروح القدس إشارات أخرى لموضوع التجسد، (٢ كورنثوس ٨: ٩): «رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ ٱفْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ». وفي غلاطية ٤: ٤ و٥ يقول: «لَمَّا جَاءَ مِلْءُ ٱلّزَمَانِ، أَرْسَلَ ٱللّٰهُ ٱبْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ ٱمْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ ٱلَّذِينَ تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ، لِنَنَالَ ٱلتَّبَنِّيَ». وفي كولوسي ١: ١٩ يقول الوحي الإلهي عن المسيح: «... فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ ٱلْمِلْءِ». وفي ٢: ٩ من نفس الرسالة يقول: «فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ ٱللاهُوتِ جَسَدِيّاً».

المسيح إذن، في ولادته من امرأة أخذ لنفسه طبيعة بشرية. ومع أنه بقي على سموّه الإلهي إلاّ أنه صار إنساناً حقاً، فإن حلول «كل ملء اللاهوت» في جسد المسيح يعني أن اللّه لبس لباساً جسدياً... وكل من يتطلّع إلى يسوع المسيح يرى بدون شك جسداً وإنساناً، ولكن في المسيح نرى اللّه بالذات، بكل كمال لاهوته في لباس إنساني. يسوع المسيح هو إذن «ٱللّٰهُ ظَهَرَ فِي ٱلْجَسَدِ»(تيموثاوس الأولى ٣: ١٦).

لم تكن غاية اللّه من التجسّد أن يوفر الفداء لبني البشر فحسب، بل كانت الغاية أيضاً أن يعلن عن ذاته للبشر بصورة أكثر كمالاً مما أوضحه كل الأنبياء. ففي فترة العهد القديم كلّم اللّه البشر بواسطة الأنبياء، كاشفاً لهم شيئاً عن طبيعته وعن حالة الإِنسان الخاطئة التعيسة، وأيضاً عن مخططه الإلهي للخلاص. لكن فترة العهد الجديد التي نعيش فيها، تتميز بأنّه في المسيح جاء اللّه شخصياً، وفي شخص المسيح وعمله أعطى اللّه للبشر وحياً عن نفسه وعن مخطط الخلاص. فالإله الأكبر العظيم الذي خلق هذا العالم جاء فعلاً إلى العالم وعاش بينه. هذا هو سرّ التجسد أنّ البشر بأعينهم المجردة رأوا من هو في الحقيقة اللّه بالذات.

المسيح هو نهاية وكمال الوحي الإلهي للبشر، «اَللّٰهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ» (يوحنا ١: ١٨).لكن في المسيح، اللّه الذي هو الروح غير المحدود، كشف عن نفسه للبشر في كونه قد صار على هيئة البشر المحدودة، حتى أنه في استطاعة البشر المحدودين أن يدركوه في نطاق قدرتهم المحدودة. وعندما دخل المسيح في تلك العلاقة الحيوية الشخصية مع الطبيعة البشرية أضفى عليها بركة لا تُحصى، وذلك نتيجة لتداخل اللاهوت فيها عَبْر عملية التجسد. وبهذا فإن الطبيعة البشرية أصبحت ذات مكانة أسمى من مكانة الملائكة نفسها، لأن اللّه لم يختر أن يقترب بمثل هذه العلاقة الشخصية الحميمة مع أي من خلائقه سوى مع بني البشر. «فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ ٱلأَوْلادُ فِي ٱللَّحْمِ وَٱلدَّمِ ٱشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذٰلِكَ فِيهِمَا... لأنَّهُ حَقّاً لَيْسَ يُمْسِكُ ٱلْمَلائِكَةَ، بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ» (عبرانيين ٢: ١٤ - ١٦)، كما أن الطبيعة البشرية التي اتخذها المسيح لنفسه في التجسُّد ستبقى له إلى الأبد. لقد أحضرها معه حين قام من الموت وعاد بها إلى الآب. ففي السماء ظهر ليوحنا كشبه ابن إنسان في صورة بشرية (رؤيا ١: ١٣)، كذلك فإن إستفانوس وهو يستشهد رأى مجد اللّه، ويسوع قائماً عن يمين اللّه في مركز الإكرام والعظمة والقوة (أعمال الرسل ٧: ٥٦)، وهكذا فإنه بقيامة المسيح وصعوده وجلوسه على عرش العظمة رفع معه الطبيعة البشرية، وأوصلها فوق كل مكانة في الكون. إن الإقامة القصيرة التي قضاها على الأرض لم تكن مجرّد حضور إلهي أو ظهور وقتي للّه في صورة بشرية، بل كانت تجسّداً حقيقياً ودائماً. كان بعض شخصيات العهد القديم قد شاهدوا ظهورات إلهية، مثل إبراهيم (تكوين ١٨: ١ - ٣٣) ويعقوب (تكوين ٣٢: ٢٤ - ٣٠) وموسى (خروج ٢٤: ٩ - ١١، ٣٤: ٥، ٦) ويشوع (يشوع ٥: ١٣ - ١٥) ووالدي شمشون (قضاة ١٣: ٢ - ٢٢) وإشعياء (إشعياء ٦: ١ - ٥) وأصدقاء دانيال الثلاثة: شدرخ وميشخ وعبدنغو (دانيال ٣: ٢ - ٣٠). لكن تجسّد المسيح كان يختلف عن تلك الظهورات إختلافاً جوهرياً. ففي التجسُّد وُلد اللّه كطفل في بيت لحم، ولمدة ثلاث وثلاثين سنة استمر ذلك الوَصْل بين اللّه والطبيعة البشرية، بصورة بدت فيها الطبيعة البشرية واضحة جلية.

ولا يمكن المغالاة في تقدير أهمية عقيدة التجسد المسيحية، فإن صحة واستقامة المسيحية كالدين الفدائي والخلاصي الموحى به من اللّه تثبتان أو تسقطان مع هذه العقيدة بالذات. ولعلّ أوضح بيان لهذا الواقع هو ما ورد في رسالة يوحنا الأولى، والتي أوحي بها في وقت تزايد فيه عدد المرتدين وناكري الإِيمان، وقد كان القصد منها ترسيخ إيمان المؤمنين ضد الضلالات التي انتشرت بكثرة وشراسة. أما إحدى تلك الضلالات الرئيسية فكانت ضلالة نكران تجسّد المسيح، لذلك لم يصرّ يوحنا على الاعتراف بحقيقة أن يسوع قد أتى إلى العالم بالجسد فحسب، بل أنه جعل من هذه الحقيقة أساساً من أساسات الإنجيل إذ يقول: «كُلُّ رُوحٍ لا يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي ٱلْجَسَدِ فَلَيْسَ مِنَ ٱللّٰهِ. وَهٰذَا هُوَ رُوحُ ضِدِّ ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي سَمِعْتُمْ أَنَّهُ يَأْتِي، وَٱلآنَ هُوَ فِي ٱلْعَالَمِ» (١ يوحنا ٤: ٣)، ثم يضيف قائلاً: «كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ ٱللّٰهِ.. مَنْ لَهُ ٱلابْنُ فَلَهُ ٱلْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ فَلَيْسَتْ لَهُ ٱلْحَيَاةُ... وَنَعْلَمُ أَنَّ ٱبْنَ ٱللّٰهِ قَدْ جَاءَ وَأَعْطَانَا بَصِيرَةً لِنَعْرِفَ ٱلْحَقَّ. وَنَحْنُ فِي ٱلْحَقِّ فِي ٱبْنِهِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. هٰذَا هُوَ ٱلإِلٰهُ ٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ» (رسالة يوحنا الأولى ٥: ١ - ٢٠).

الفصل الثالث: الميلاد العذراوي

في الفصول الأولى من الإنجيل بحسب متى ولوقا ترد بيانات مفصّلة عن ولادة يسوع المسيح من العذراء مريم. وهي توضح لنا كيف أن الإله الرحيم المحب يتدخَّل لأجل خلاص شعبه تحقيقاً لمواعيده وتتميماً لنبوّات وحيه الطاهر. أما التدخل الإلهي الخلاصي فقد حمل طابعاً معجزياً. ولم يكن حدوث المعجزات التي ارتبطت بمجيء المسيح إلى عالم البشر (بما فيها ميلاده العذراوي) لمجرد سدّ حاجات فردية مختلفة ومتشعّبة، ولم يكن مجرد أحداث متفرِّقة، بل كانت المعجزات كلها مرتبطة معاً ضمن نطاق تتميم المخطط الإلهي للفداء، والسيد المسيح هو مركزه.

لم تكن المعجزات المدوَّنة في الوحي الإلهي - سواء كانت في العهد القديم أو الجديد من الكتاب المقدس (خاصة تلك التي تختص بتجسّد المسيح وقيامته من الموت) - لم تكن من صنع ظروف تاريخية أو اجتماعية عارضة، لأننا لو وضعنا نصب أعيننا أن المسيح شخصية غير اعتيادية، فإنه يسهل علينا إدراك ضرورة ارتباط تاريخية دخوله وخروجه من عالم البشر بمظاهر تاريخية معجزية غير اعتيادية. لذلك، ونحن نتعرّض لموضوع ولادته المعجزية من عذراء، لا بد لنا أن نضع في اعتبارنا الظروف الإجتماعية والتاريخية التي رافقت عملية مجيئه إلى عالم البشر. في لوقا ١: ٢٦ - ٣٨، يسجل لنا الوحي الإلهي أن يوسف خطيب مريم كان نجاراً ذا وضع اجتماعي متواضع. واختار اللّه أن يكون حبل مريم بالمخلّص معجزياً بواسطة الروح القدس، وأعلنت بشارة الملاك لمريم أن المسيا المولود منها سيكون له عرش داود بالذات. سمع يوسف عن الأمر وقرر حل خطبته من مريم بهدوء، دون أن يسيء إلى سمعتها. لكن ملاك الرب منعه حتى من تنفيذ الأمر بمثل هذا اللطف، وعرّفه ببراءة مريم وبضرورة عدم تخليه عنها، وأن المولود منها سيكون من الجهة القانونية ابناً له، مع أنّه لم يكن له به أي علاقة جسدية. تقبل يوسف مشيئة اللّه بإيمان، وحلّت الطمأنينة في قلبه، وزال الإنزعاج. وهكذا تأمَّن مولد المسيا من عذراء، في الوقت الذي كانت له عبر يوسف تغطية أبوية قانونية، مثل باقي أقرانه.

ينسجم سجلّ ولادة المسيح هذا مع مكانته العظيمة ورسالته العظيمة ورسالته السامية بين البشر. لقد كان مولده ضمن العائلة الروحية والجسدية لشعب اللّه، وخاصة في المحيط الذي تمسّك بتعاليم التوراة والأنبياء. جاء متواضعاً، ومن نسل داود الذي كان مثال العظمة الدينية والروحية والملكية بين اليهود. لكن أسلوب مجيئه المعجزي هذا يعكس أمراً هاماً للغاية. فمن جهة كان يجب أن يكون إلهاً حقّاً، وهذا تمّ عبر أسلوب حبل أمّه به. ومن جهة أخرى كان من المفروض أن يتمتع بطبيعة بشرية حقيقية، وهذا تمّ بولادته من امرأة كما هو الحال مع باقي البشر. لعل تلك الحقيقة المزدوجة هي جوهر ولبّ عملية التجسّد نفسها. فلو أنّ المسيح جاء بدون أحد هذين العنصرين، الإلهي والإِنساني، لما انطبقت عليه أوصاف المسيا المنتظر، ولما تمّت النبوّات التي أشارت إلى مجيئه من عذراء (راجع نبوة إشعياء ٧: ١٤) كما أشارت إلى وجوده الأزلي السابق، وإلى كونه الرب الآتي للبشر بالذات (راجع نبوة إشعياء ٩: ٦ - ٧ ونبوة ميخا ٥: ١ - ٤). ثم أنه لو لم يتوفر فيه هذان العنصران، الإلهي والبشري، لما كان صالحاً لأن يكون فادي البشر والوسيط بينهم وبين اللّه. أما وأن ملامح كل من ألوهيته وبشريته قد تجلّت في ولادته العذراوية، واستمرت في الوضوح عبر حياته الأرضية وحتى قيامته من الأموات بعد صَلْبه، فإنه لم يعُدْ هناك مجال للشك في كونه هو ابن العذراء، الإله المتجسد، الذي توقَّعت قدومه أجيال المؤمنين.

لكن أهمّ جوانب ولادة المسيح العذراوية هو الجانب التاريخي لها. لم تكن الولادة العذراوية مجرد ادّعاء تمسكت به مريم أو أقاربها للتأكُّد من تطبيق نبوّات الأنبياء عن الوليد المنتظر، أو لستر فضيحة صدمت العائلة. صحيح أن مريم كانت أول من عرف بالأمر، لكن معرفتها جاءت قبل إتمامه. لقد أخبرها الملاك بمشيئة اللّه الطاهرة لها قبل أن يتم شيء. ثم أن اللّه كشف عن تلك الحقيقة ليوسف خطيبها، وللرعاة في البرية، وحكماء المشرق الذين ساروا وراء النجم غير المعتاد الذي دلّهم على مكان ولادة الصبي. أمّا أليصابات أمّ يوحنا المعمدان فقد أوحى لها اللّه بتلك الحقيقة وهي في شهرها السادس من الحمل، ولم يتبقَّ على ولادة ابنها سوى ثلاثة أشهر، إذ أنه بمجرد لقاء مريم شعرت بتحرُّك غير طبيعي للجنين الذي تحمله، وقد تفهّمت فوراً، بإرشاد إلهي، أن مريم هي العذراء الموعودة التي كانت ستحمل الملك المنتظر الذي يأتي ابنها ليجهّز الطريق لمجيئه. (راجع الإنجيل حسب لوقا ١: ٢٣ - ٥٥).

لا يخفى على بال أحد أن ولادة يوحنا المعمدان نفسه وحبل أمّه به لم تكن خالية من عنصر تدخُّل المشيئة الإلهية المعجزي، لكن مع أن حبل أليصابات بابنها يوحنا جاء في مثل هذا العمر المتأخر، بتدخُّل إلهي لإصلاح عقمها هي وزوجها، فقد كان مولد يوحنا طبيعياً واعتيادياً، وليس بطريقة معجزية غير معتادة، كما هو الحال مع المسيح. (راجع لوقا ١: ٥ - ٢٣) أمّا عنصر عدم التشابه الجوهري بين مولد يوحنا المعمدان ومولد المسيح، فقد ارتكز في ولادة المسيح العذراوية. فمع تدخّل الإرادة والقوة البشرية في عملية مجيء يوحنا المعمدان إلى العالم، بقي مجيئه إلى عالم الأحياء نتيجة حبل طبيعي، اشترك فيه زكريا وأليصابات. أما ولادة يسوع فجاءت نتيجة لحبل معجزي من عمل اللّه المباشر لم يكن لرجل أي دور فيه على الإطلاق. فيما عدا ذلك الأمر فإن المسيح، كيوحنا وغيره من البشر، حملته أمه في بطنها تسعة أشهر، كما وأن عملية خروجه من بطن أمّه جاءت على نحو طبيعي معتاد. من هنا جاء تركيز المشيئة الإلهية في توضيح فرادة مجيء المسيح إلى عالم البشر على ولادته العذراوية بالذات، وذلك تشديداً، ليس على انفراده بالدور الخلاصي الذي جاء لتنفيذه فحسب، بل أيضاً لتمتُّعه بطبيعتيه الإلهية والبشرية. صحيح أنه كان في استطاعة اللّه أن يأتي إلى عالم البشر بأسلوب مختلف، لو كانت تلك مشيئته. لكن اختياره لوسيلة الولادة من عذراء حقق ما أراده هو بأسلوب واضح وملفت لانتباه البشر.

وقد دلَّ ميلاد المسيح من العذراء مريم على أمرين هامين بالنسبة لهويته. أولاً: إن طبيعته الإلهية لم يكن لها أم، وثانياً: إن طبيعته البشرية لم يكن لها أب. ابن الإِنسان لم يكن ابن أي إنسان. ثم أن هذين الأمرين فصلا المسيح عن الطبيعة الساقطة الموروثة عن آدم التي أصابت باقي البشر. فلولا ميلاده العذراوي لما صَلُح لتنفيذ عملية الخلاص كإنسان، لأنه بدون ذلك يكون قد وُلد في الخطية كباقي البشر. ولولا ميلاده العذراوي ما كان قد حمل تلك الهوية والطبيعة الإلهية غير المحدودة، التي هي وحدها تخوّله حمْل خطايا عدد لا يُحصى من البشر الهالكين.

الفصل الرابع: تواضع المسيح

يخبرنا الرسول بولس في رسالته إلى فيلبي ٢: ٨ أن المسيح «وضع نفسه» عند إنجازه لعملية الفداء. وقد عبّر كتاب أصول الإِيمان عن هذا الموضوع بقوله: «كان اتضاع المسيح بولادته، وذلك في حالة متدنّية، وبجعله تحت الشريعة، وبتحمُّله مشقات هذه الحياة وغضب اللّه والموت اللعين على الصليب، وبدفنه ومكوثه تحت سلطان الموت إلى حين».

بحسب هذا البيان فإن المرحلة الأولى في اتضاع المسيح كانت في ولادته. إنه رئيس المجد الذي يشترك في بهاء وجلال اللّه الآب، لكنه تنازل لكي يتخذ (في وحدة شخصية ومستمرة مع ذاته) طبيعة هي أدنى حداً من طبيعته الأصلية. حتى لو أنه دخل العالم كملك متسربل بالأرجوان ومتوّج بالذهب لكان ذلك تنازلاً كبيراً. أمّا أن يكون قد وُلد كطفل عاجز يتكل تماماً على أمّه، وأن يكون فقيراً لدرجة أنه لم يكن له موضع ليسند رأسه، وكانت حياته معرَّضة للخطر بسبب اضطهاد هيرودس لدرجة أن والديه فرّا هاربين إلى مصر. هذه الأمور تكشف بجلاء عن تنازله الكلي واتضاعه المطلق، لصالحنا. وهذا ما يصعب على عقولنا إدراكه. فمع أنه كان مصدر الشريعة نفسها فقد اعتاد في نموّه على محدودية كيانه البشري، وأخضع نفسه لمتطلبات الختان. وهكذا أخذ مكانه تحت الشريعة كما لو كان يهودياً عادياً.

وسكن المسيح في بيت حقير في قرية وضيعة ومحتقرة هي الناصرة، وسط جيران خشنين، وفي محيط ضيق ومنكمش، يهمله دوماً أصحاب الشأن. ومع أنه ربّ الجميع فإنه كان خاضعاً ليوسف ومريم كطفل بشري عادي. كما عمل كادحاً في حانوت النجار، وأخضع نفسه لمشقات المساكين والمتضعين. لقد دفعته خدمته الجهارية للاتصال بكل صنف ولون من البشر، ابتداءً بالضعفاء والخطاة، ونزولاً بالسفلاء والمنحطين، فلم يتردد عن التعامل معهم جميعاً. ومع أنه كان إلهاً قدّوساً طاهراً، فقد عاشر هؤلاء يوماً بعد يوم، وكأنه واحد منهم. وكان يأكل مع العشارين المحتقرين ومع الفريسيين المتكبرين. لقد تعرّض للجوع والعطش وشعر بهما مرّات كثيرة. لم يكن له موضع ليسند رأسه، حتى أنه لم يكن لديه ما في جعبة أدنى الأنبياء في مجتمعه. فقد قاسى عداوة مرّة واضطهاداً من زعماء اليهود. ومع أن اتضاع المسيح استمر بشكل أو بآخر عبر كافة مراحل حياته الأرضية، فقد ازدادت وطأة آلامه لدى اقتراب خدمته الخلاصية من نهايتها. لقد تعرّض في المرحلة الأخيرة من حياته على الأرض لاختبار أعمق وأقسى، هو اختبار الذل والبغض من أعدائه. وصلت المذلة إلى ذروتها عندما جرّه أعداؤه محتقراً ومذلولاً وسط صيحات اللامبالاة القاسية وعواطف الشعب الهائجة ضدّه، والمنادية بجهل وغباء: «اصلبه! اصلبه!». فبدأ يحمل الدينونة الهائلة التي كان قد سبق رآها آتية على الأمّة اليهودية، عبئاً عليه. وكان تألمه وموته على الصليب أشدّ أنواع الموت وأكثرها رهبة وعذاباً.

لم تكن الآلام الجسدية كل ما كان عليه أن يتحمّله على الصليب، فبما أنه كان يقوم بعمله الخلاصي عن شعبه، أي بذل نفسه فدية، فإنه عومل كما لو كان هو بالذات قد أخطأ واستحقّ العذاب. حتى أن حضور الآب الذي كان يلازمه في كل لحظة من لحظات حياته حجب عنه في تلك اللحظات تماماً كما يحجب الظلام نور الشمس. أمّا نفسه الحسّاسة فقد تُركت لتتألم وحدها، في خصام عنيف مع قوى الشر الغاشمة التي سعت باستماتة يصعب وصفها في هذا الظرف الأخير، آملة في تفشيل عمله الفدائي. أما صراخ عذابه: «إلهي إلهي، لماذا تركتني؟» فهو دليل على شدّة تألمه. أمّا نحن فلا يمكننا أن نتفهّم ولو جزئياً مشقة ما تحمّله وهو معلّق على خشبة الصليب. ولكننا نعلم أنه لم يعمل أية خطية، ولم يكن للموت أي حق فيه. لقد أخذ مكاننا باختياره، وتحمّل العقاب الذي استحققناه نحن. وهكذا صار لنا كفارة عن خطيتنا. لذلك لا يمكننا مجرّد طرح مسؤولية صلبه على يهود ورومان ذلك العصر وحدهم، بل ما يمكننا فعله هو أننا بالتوبة والاتضاع نعترف بمظهر الجريمة الأوسع - فخطيتنا نحن، وخطيتهم هم، هي التي جلبت عليه تلك الآلام المبرحة. لقد تألم بصورة خاصة لأجل المعذبين أفراداً وجماعات، بغضّ النظر عن العصر الذي يعيشون فيه، لأنه حمل عنهم ذلك الحمل.

ثمّ أنّ اتضاع المسيح تُوِّج بدفنه في مقبرة أُعدّت لبشر لم يكن موتهم متوقَّعاً فحسب، بل كان أمراً محتوماً، ففي دفنه اشترك مع كل البشر الذين يموتون ويُدفنون، والذين تنحل أجسادهم وتزول. ولكن جسده لم ينحل، بل قام من الأموات أمجد قيامة بعد ثلاثة أيام.

الفصل الخامس: مجد المسيح

جواباً على السؤال: «على أي أساس يقوم ارتفاع السيد المسيح؟» يقول كتاب أصول الإِيمان: «إن مجد السيد المسيح يقوم على أساس قيامته من الأموات في اليوم الثالث، وصعوده إلى السماء، وجلوسه عن يمين اللّه الآب، وعودته لدينونة العالم في اليوم الأخير».

لا يتعلّق ارتفاع السيد المسيح بطبيعته الإِلهية، التي هي الآن، والتي كانت دائماً مباركة وممجدة، بل أن التمجيد يتعلّق بطبيعته البشرية، لأن طبيعته الإِلهية لا تتغير، ولذلك فهي غير قابلة للزيادة أو النقصان. إن اتضاعه كان مؤقتاً، وقد ابتدأ بولادته وتمّ بدفنه، ولا يمكن تكرار هذا على الإطلاق. أمّا إرتفاع السيد المسيح فإنه مستمر، وقد ابتدأ بقيامته وصعوده، وما زال قائماً حتى الآن، وهو جالس عن يمين اللّه الآب، ويدير أمور ملكوته بصورة مستمرة. إنّ هذا سيكشف عنه بصورة كاملة عند نهاية العالم حين يأتي بمجد أبيه، مع الملائكة القديسين ليدين الأمم ويعيّن لكل فرد مصيره الأبدي.

لم تكن قيامة السيد المسيح مجرد خطوة أولية لتمجيده، بل إنها أيضاً واحدة من أعظم حقائق الإنجيل. بهذا العمل انتصر السيد المسيح على الموت، وخرج حيّاً من القبر. هذا هو البرهان على أنّ عمله الفدائي كان ناجحاً تماماً، وكان انتصارهُ انتصاراً تاماً على الموت. وقد أظهرت أيضاً أنّ عمله هذا قد أنجز جميع مطاليب الشريعة الإِلهية التي سنّها اللّه عند الخليقة الأصلية: بأن النفس التي تخطئ يجب أن تموت. لذلك فإن الموت لم يعُدْ له أي حكم عليه، ولا على أيٍ من الذين مات عنهم وافتداهم. لقد برهنت القيامة أيضاً على أنه كان كما قال تماماً، أي ابن اللّه، مساوٍ للّه الآب، اللّه الذي ظهر في الجسد. وبما أنه تألم ومات ليس بسبب خطية ارتكبها، بل كالقائد الذي ينوب عن شعبه، فإن قيامته هي الضمان على أنه في الوقت المعيّن سيقيم أيضاً شعبه المنتسب إليه انتساباً حيّاً في قيامة مجيدة. ذلك يعني أنّ الإنجيل هو حق، وأنّ الشيطان قد دُحر نهائياً. انتصرت الحياة على الموت والحق على الباطل والخير على الشر والسعادة على البؤس. كل تلك الانتصارات هي أبدية دائمة كما أبرز الرسول بولس أهمّيتها الحقيقية القصوى: «وَإِنْ لَمْ يَكُنِ ٱلْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضاً إِيمَانُكُمْ.... وَإِنْ لَمْ يَكُنِ ٱلْمَسِيحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ. أَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَاكُمْ! إِذاً ٱلَّذِينَ رَقَدُوا فِي ٱلْمَسِيحِ أَيْضاً هَلَكُوا! إِنْ كَانَ لَنَا فِي هٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ فَقَطْ رَجَاءٌ فِي ٱلْمَسِيحِ فَإِنَّنَا أَشْقَى جَمِيعِ ٱلنَّاسِ. وَلٰكِنِ ٱلآنَ قَدْ قَامَ ٱلْمَسِيحُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ ٱلرَّاقِدِينَ. فَإِنَّهُ إِذِ ٱلْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضاً قِيَامَةُ ٱلأَمْوَاتِ. لأنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ ٱلْجَمِيعُ هٰكَذَا فِي ٱلْمَسِيحِ سَيُحْيَا ٱلْجَمِيعُ. وَلٰكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُتْبَتِهِ. (المسيح هو الباكورة، ثم يتبعه الذين له، والذين سيقيمهم عند مجيئه الثاني)» (١ كورنثوس ١٥: ١٤ - ٢٣).

النتيجة الأولى والأكثر تأثيراً للقيامة ظهرت في التغيير التام الذي حدث في عقول التلاميذ وقلوبهم. فمع أنهم بعد الصلب كانوا مثَبطَّي العزم تماماً، ومع أنهم أوشكوا على فقدان الإِيمان بالمسيح كالمسيّا الحقيقي المنتظر، فإنهم على ضوء القيامة أصبحوا مقتنعين اقتناعاً كاملاً أن مسيحهم الذي قام من الأموات هو ابن اللّه، المسيّا الموعود به، مخلّص العالم. ومنذ ذلك الحين لم يزحزحهم شيء عن اعتقادهم هذا، فخرجوا يبشرون في كل مكان، وأظهروا أنهم مستعدون لأن يتألموا وحتى أن يموتوا إذا دعت الضرورة لأجل الإنجيل. ونحن نعلم أن بعضهم استشهدوا في سبيل خدمتهم له، والتاريخ يخبرنا أن أكثر تلاميذ السيد المسيح انتهت حياتهم الأرضية بالاستشهاد لأجل مسيحهم.

والنتيجة الثانية لارتفاع السيد المسيح كانت صعوده. يذكر البشير مرقس بشكل موجز أنه بعد أن تكلّم المسيح مع التلاميذ «ٱرْتَفَعَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ ٱللّٰهِ» (مرقس ١٦: ١٩)، ويمين اللّه هو بالطبع مركز الإكرام والتأثير والقوة والجلال. يقول البشير لوقا إن المسيح أَخْرَجَ التلاميذ «إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَبَارَكَهُمْ. وَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ ٱنْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ» (٢٤: ٥٠، ٥١). أمّا سرد حادثة الارتفاع سرداً وافياً فقد قام به لوقا في سفر الأعمال. فبعد تدوين كلمات يسوع الأخيرة للتلاميذ يصف الوحي الإِلهي: «وَلَمَّا قَالَ هٰذَا ٱرْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ. وَفِيمَا كَانُوا يَشْخَصُونَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ، إِذَا رَجُلانِ قَدْ وَقَفَا بِهِمْ بِلِبَاسٍ أَبْيَضَ وَقَالا: أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هٰذَا ٱلَّذِي ٱرْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى ٱلسَّمَاءِ سَيَأْتِي هٰكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقاً إِلَى ٱلسَّمَاء» (أعمال الرسل ١: ٩ - ١١).

بهذا الخصوص قال أحد مشاهير اللاهوتيين:

  1. كان صعود المسيح بكل أقنومه، كالإله المتجسد. ابن اللّه المتسربل بطبيعتنا ذات الجسد الحقيقي والنفس الناطقة، هو الذي صعد.
  2. كان صعود المسيح منظوراً. فالتلاميذ شاهدوا كل هذه العملية، ورأوا المسيح يرتفع تدريجياً عن الأرض و «يصعد» حتى حجبته سحابة عن مرآهم.
  3. كان الصعود انتقالاً محلياً لشخصه من مكان إلى آخر، من الأرض إلى السماء، فالسماء هي إذن «مكان». أمّا مكان وجود السماء بالنسبة للأرض فلم يكشف عنه الوحي الإلهي، ولكن حسب عقيدة الكتاب المقدس، السماء هي مكان محدد أو معيّن من الوجود، حيث يظهر حضور اللّه بطريقة خاصة، وهو محاط بملائكته الأبرار.. وبأرواح قدّيسيه الأبرار الذين ماتوا على رجاء قيامته.

السماء هي موطن السيد المسيح، وهي عرشه وهيكله. فالصعود أو الارتفاع شكَّلا الوجه المقابل لنزوله إلى الأرض. في فصل سابق كنا قد بحثنا في موضوع وجوده السابق ورأينا أنه قد «أتى»أو «أُرسل» في مهمة خاصة للفداء. وإذ أتمّ ذلك العمل بنجاح تام، عاد إلى موطنه السماوي لاسترداد مكانته الأصلية العليا. هذا وعالمنا الحاضر بما فيه من معالم الشرّ ليس المكان الملائم لوجود الفادي في حالة مجده الكامل، ولا يمكن أن يصلح عالمنا لإِقامة المسيح الدائمة إلاّ بعد أن يكون قد تعرّض لعملية تطهير وإعادة خلق تجعل من العالم الحاضر هذا سماء جديدة وأرضاً جديدة. ثم بما أنّ السيد المسيح قد جهّز كفّارة فعلية، وأوفى كل المتطلبات القانونية المترتبة على شعبه، فإنه كان من الضروري أن يضع حياته في من خصّتهم تلك الكفّارة، وذلك بواسطة عمل الروح القدس. فالروح القدس هو الذي يجدد نفوس البشر، ويعدّهم إعداداً كاملاً للوطن السماوي. ولكي ينجز ذلك فإنه يقوم بإنارة ألبابهم الروحية، وحثّهم وتوجيههم إلى الإِيمان والتوبة، ومِنْ ثمَّ يدفع بهم في مسيرة مطَّردة نحو التقديس. هذا وإنه بدون قوة الروح القدس المجددة والخلاّقة يبقى البشر تحت عبء خطاياهم دون انتفاع بعمل المسيح الخلاصي. ولكن مباشرة الروح القدس لعمله الجليل هذا تفترض أن تسبقها عودة المسيح المخلّص لمجده الأصلي مع الآب. لقد قال المسيح لتلاميذه: «خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لا يَأْتِيكُمُ ٱلْمُعَزِّي، وَلٰكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ» (يوحنا ١٦: ٧). فالبركة العظيمة الخاصة التي تنبأ عنها الأنبياء وقالوا إنها من ميزات عصر المسيّا، هي بركة الروح القدس. أما منح الكنيسة تلك البركة فكان مرتبطاً بصعود الفادي. لقد تمجّد لكي يمنح التوبة ومغفرة الخطايا، ولكي يجمع شعبه من كل الأمم وفي كل العصور ليصبح عمله الخلاصي فخراً في حياة المؤمنين. وكان عرشه السماوي أنسب مكان للكشف عن كمال عمله الكفّاري.

ومعاملات اللّه مع البشر في هذا العالم تشتمل على ثلاثة أشكال متميزة، لكل أقنوم من أقانيم الثالوث الأقدس صلة خاصة بأحدها. في تدبير اللّه الأبدي كان يوجد ما يمكننا أن ندعوه تقسيم العمل بين أقانيم اللاهوت، واتِّباع ترتيب معيّن للحوادث. كان عمل الآب في الخلق والعناية الضابطة لكل شيء. وقد امتدّ عبر حقبة العهد القديم وحتى ولادة يسوع المسيح في بيت لحم. أما عمل الابن فقد اختصَّ بعملية الفداء وقد ابتدأ بولادته في بيت لحم واستمر حتى يوم الخمسين. ففي أثناء ذلك الوقت قام بتجهيز كفارة عملية، وأنجز كل المطاليب الشرعية عن شعبه، بحيث يمكن أن يُنقلوا من حالتهم في الخطية والشقاء إلى حالة الخلاص. إنّ عمل الروح القدس يختص بتطبيق عملية الخلاص الكفارية التي حضّرها الابن، وترسيخها في حياة المؤمنين، وقد بدأ عمل الروح القدس هذا بشكله الكامل والواضح في يوم الخمسين عندما تأسست كنيسة العهد الجديد. ويمتد هذا العمل الخاص للروح القدس حتى النهاية وحتى اكتمال عملية الخلاص وتجميع الكنيسة.

والنتيجة الثالثة لارتفاع المسيح هي جلوسه عن يمين اللّه. من هناك يوجّه أمور ملكوته ويحافظ على نظامه الكامل. ولكي يكون حُكم وساطته ناجحاً تماماً، كان من الضروري أن يُعطَى حكماً مطلقاً حيث قال: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى ٱلأَرْضِ» (متى ٢٨: ١٨). هذا ما قاله عندما عهد إلى تلاميذه بتبشير العالم أجمع، ولقد سجّل الوحي الإلهي على لسان بولس قوله: «لأنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ حَتَّى يَضَعَ جَمِيعَ ٱلأَعْدَاءِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ». ثم قال: «آخِرُ عَدُّوٍ يُبْطَلُ هُوَ ٱلْمَوْتُ» (كورنثوس الأولى ١٥: ٢٥، ٢٦). وقد أمر المسيح تلاميذه أن يذهبوا «وَيُتَلْمِذُوا جَمِيعَ ٱلأُمَمِ» (متى ٢٨: ١٩). ويؤكد انتماء تلك الشعوب للإله الحقيقي بواسطة المعمودية «وَعَمِّدُوهُمْ بِٱسْمِ ٱلآبِ وَٱلابْنِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ»، والرسالة التي يجب أن يتضمنها ذلك التبشير العام هي بالطبع اللّب الحيوي للإنجيل «وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ» (متى ٢٨: ٢٠). هذا وسنبحث في الموضوع مليّاً عندما ندرس موضوع «المسيح كملك».

والنتيجة الرابعة والأخيرة لرتفاع المسيح ستكون مجيئه الثاني بقوة ومجد عظيم، ليكون الديّان للعالم أجمع. فسيظهر حينئذ في جسد قيامته محاطاً بالملائكة، وسيجلس على عرش مجده. (متى ٢٥: ٣١). «سَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ» (سفر الرؤيا ١: ٧). هذا هو يسوع ذاته الذي حينما كان على الأرض رفضه شعبه، وحوكم كمجرم أمام محكمة بيلاطس، ودين بظلم وجلس مع الأثمة. وسينال الناس من شفتي السيد خبر ثوابهم أو عقابهم النهائي. وحينئذ، إذ يكون عهد وساطته قد تم، وتُوّج بالنجاح الكامل، فإنه يسلّم الملكوت للآب، ويستعيد علاقته الأصلية بأقنومي الثالوث الآخرين. ويشترك تماماً بالمجد الذي كان له مع الآب قبل إنشاء العالم. وسيملك مع الآب والروح القدس إلى الأبد على المفديين، «وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ ٱلْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ ٱلابْنُ نَفْسُهُ أَيْضاً سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ ٱلْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ ٱللّٰهُ ٱلْكُلَّ فِي ٱلْكُلِّ» (١ كونثوس ١٥: ٢٨).

هذا إذن ما نعنيه بارتفاع المسيح، ويجب أن نعيد إلى ذاكرتنا أنه لم تكن طبيعة يسوع الإلهية هي التي ارتفعت بل طبيعته البشرية هي التي ارتفعت، أي أن الإِنسان يسوع المسيح هو الذي أخذ جسد القيامة وصعد إلى السماء، والذي يشترك في حكم الوساطة، والذي ستراه كل الشعوب حينما يأتي ثانية إلى العالم في اليوم الأخير.

الفصل السادس: عصمة المسيح

التعرض لأمر عصمة المسيح وعدم ارتكابه لأي خطأ أو شرّ، وتوافر كافة مزايا الكمال والطهارة والقداسة في حياته، هو أمر في غاية الحيوية بالنسبة للعقيدة المسيحية عن المسيح بمجملها. وعصمة المسيح هي العمود الفقري لصموده النهائي وثبات مؤهلاته لأن يكون وسيطاً حقيقياً بين اللّه والناس. فلو أنه أخفق ولو في زلّة واحدة خلال حياته على الأرض لتهدّم كل البناء الذي جاء لإقامته.

عصمة المسيح قبل كل شيء هي المحك الأساسي لكون المسيح ذا طبيعة إلهية. ثم أنها الدليل على أنه كان الإِنسان الصالح الوحيد الذي بمقدرته، المبنيَّة على الطهارة والكمال، تمكّن من حمل عقاب الآخرين. إضافة إلى ذلك فإن قيامة المسيح من الموت ما كانت ممكنة إطلاقاً لو لم يتمتع المسيح بتلك العصمة المطلقة عن الخطأ. لعل تلك الحقائق هي من أكثر إعلانات الإنجيل نصاعة وجلاء.

ومن المناسب أن نبدأ في عرض موضوعنا هذا بالنظر إلى أوصاف المسيّا التي قدَّمتها نبوّات أنبياء وأسفار العهد القديم. فقد كان من المفروض فيه أن يكون تقيَّ اللّه الذي لم ير فساداً (مزمور ١٦: ١٠) وأن يكون عمانوئيل وليد العذراء الذي يعرف «عبد اللّه الذي يعقل الخير» (إشعياء ٧: ١٥، ١٦)، و «عبد اللّه الذي يَعْقِلُ، يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدّاً... َبِحُبُرِهِ شُفِينَا... وَٱلرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا... عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْماً، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ... ٱلْبَارُّ...» (إشعياء ٥٣). من هنا كان يجب على الملاك الذي بشرّ مريم أن يُعرّفها أن المولود منها هو « ٱلْقُدُّوسُ... ٱبْنَ ٱللّٰهِ» (لوقا ١: ٣٥).

ولم تكن الشهادة لعصمة المسيح في الوحي الإلهي مجرد تصريحات، بل أنها كانت مدعمة بحقائق ملموسة وظاهرة للعيان، وموضوعية لدرجة أذهلت من عاصروا المسيح، ولفتت انتباههم. هذا مهم للغاية، لأن الكثيرين أُخذوا بمعجزات المسيح لدرجة أنهم اعتقدوا أن ذلك هو السبب الجوهري الوحيد الذي سحر الجموع التي تبعته وآمنت به. صحيح أنّ الأغلبية الساحقة بين الذين تبعوا المسيح في مطلع خدمته اجتذبتهم القوة الخارقة التي سيطر فيها على العوامل الطبيعية، لكن الواقع أن ذلك لم يكن العامل الوحيد لاجتذاب أي من أتباعه ورسله الذين التصقوا به وكرّسوا حياتهم لخدمته. لقد كان لأخلاقه لمعان وطهارة، وكان لأسلوب ودوافع حياته أعظم الأثر وأعمق الوَقْع على هؤلاء، بل لعلّ ذلك هو العامل وراء حياة الطهارة والقداسة التي مارسها ملايين من المسيحيين عبر الأجيال.

ولم تأت الشهادة لعصمة المسيح من ملائكة اللّه والمؤمنين فحسب، بل أيضاً من بعض أعدائه. مثال ذلك ما ورد على لسان الخائن يهوذا الذي أسلمه للموت مقابل حفنة نقود. فهو إذ شعر بالندم على عمله المرذول هذا، ألقى بتلك النقود على الأرض أمام الذين أعطوها له وقال: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاً» (متى ٢٧: ٤). ثم أن زوجة الحاكم بيلاطس التي أزعجها منامها، خبر القبض على يسوع وتسليمه لسلطان زوجها للمحاكمة، قالت لزوجها: «إِيَّاكَ وَذٰلِكَ ٱلْبَارَّ» (متى ٢٧: ١٩)، وبيلاطس نفسه، إذ أدرك سمو المسيح وطهارته، وبعد أن منعه جُبْنه وخوفه من اليهود على مركزه من إطلاق سراح المسيح قال لهم: «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هٰذَا ٱلْبَارِّ» (متى ٢٧: ٢٤)، أما ذلك المذنب الذي كان أحد الاثنين اللذين صُلبا معه، إذ أدرك براءة وطهارة المسيح، قال: «أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ، لأنَّنَا نَنَالُ ٱسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هٰذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئاً لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ» (لوقا ٢٣: ٤١). كما أنّ القائد الروماني للمجموعة العسكرية التي أشرفت على صلبه، إذ صعقته حقيقة السمو الأخلاقي والأدبي للمسيح المصلوب، قال: «حَقّاً كَانَ هٰذَا ٱبْنَ ٱللّٰهِ» (متى ٢٧: ٥٤).

لكن شهادة المؤمنين والرسل لعصمة المسيح لا تقلّ أهمية عن تصريحات هؤلاء، خاصة وهم مجموعة الناس الذين تقرّبوا إليه وتعرّفوا على ما قد نسميه بحياته الخاصة. وهم بالطبع أول من تقع عليه مسؤولية الردّ على ادعاءات المعارضين، ولذلك كان لزاماً عليهم أن يكونوا الأكثر حرصاً على عدم التورُّط في تصريحات أو أقوال يستعملها أعداؤهم لمحاولة إثبات ضلالهم. ومع ذلك نجد أن التردد لم يطرأ على بالهم وهم يؤكدون عصمة سيدهم عن الخطأ، فقال الرسول بطرس عنه: «أَنْتَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ ٱلْحَي» (يوحنا ٦: ٦٩). و «لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلا وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ»(١بطرس ٢: ٢٢)، وقال الرسول يوحنا عنه: «لَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ» (١ يوحنا ٣: ٥). أما كاتب الرسالة إلى العبرانيين فقال: «مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا (ولكن) بِلا خَطِيَّةٍ» (٤: ١٥)، وقال:«بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلّٰهِ بِلا عَيْبٍ» (٩: ١٤). ثم يأتي دور الرسول بولس، مضطهد أتباع المسيح، الذي اهتدى بعد ذلك وقال عن المسيح: «لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً» (٢كورنثوس ٥: ٢١).

ويسجّل لنا الوحي الإِلهي كيف وضع المسيح نصب عينيه منذ البداية الطاعة الكاملة والمطلقة لشريعة اللّه، وكيف أنه لم يتزحزح عن إصراره هذا حتى قاده ذلك إلى الموت (فيلبي ٢: ٨). وتدل تصريحات المسيح نفسها على وعيه الدائم بضرورة القيام دوماً بما يُرضي اللّه (يوحنا ٩: ٤). كان يسوع في صراع مستمر ضد مغريات إبليس الهادفة لإسقاطه وتفشيل مهمته الخلاصية، والواقع أنّ مواجهته المباشرة مع عدو الخير كانت جزءاً لا يتجزأ من عملية التحضير لخدمته الجهارية، بل إنها كانت مفتاح تلك الخدمة، لأنها كانت تمثّل الحاجز الرئيسي الذي كان يجب عبوره قبل البدء في تلك الخدمة. عندما نقرأ ما دوّنه الوحي الإِلهي بهذا الخصوص نرى أن محاولات إغراء إبليس ليسوع في البرية كانت مبنيَّة على نفس عناصر الإغراء التي تعرّض لها أبوانا آدم وحواء (قارن تكوين ٣: ١ - ٧ مع لوقا ٤: ١ - ١٣). تلك العناصر تركزت على شهوة الجسد (الأكل) وشهوة العيون (المنظر الخارجي المغري للأشياء) وشهوة العظمة الاجتماعية (أي تحسين وضع الفرد ومركزه الاجتماعي). وبينما الرغبة في أكل ثمرة الشجرة المحرّمة والتمتع بمظهرها الجميل، والسعي للوصول إلى مركز الإله الخالق (الذي وعدت الحية حواء به) كانت قد أضعفت صمود حواء وآدم وأسقطتهما في العصيان، فإن المسيح استطاع، ورغم شدة جوعه بعد أربعين يوماً من الصوم والضعف الجسدي، أن يردّ إبليس ويقهره بعد كل هجوم. لم يثبت آدم وحواء في كلمة اللّه ومواعيده، وصدّقا تشكيك الشيطان في صدقها. أما يسوع فكان متسلحاً بكلمة الحق الموحى بها من اللّه، التي بواسطتها صدّ كل تيارات الهجوم الشيطانية. عندما عاود إبليس الكرَّة الهجومية محاولاً إغراء يسوع عن تكميل مهمته الخلاصية، كان يسوع واعياً لذلك، ووقف له بالمرصاد. وقد أخبر يسوع تلاميذه بذلك قائلاً: «... رَئِيسَ هٰذَا ٱلْعَالَمِ (أي الشيطان) يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ» (يوحنا ١٤: ٣٠).

ولعل أبرز وأعظم ما ورد في الوحي الإِلهي من أدلّة على عصمة يسوع عن الخطأ، ما قاله هو في مواجهته للقيادات اليهودية الدينية التي بنَتْ حياتها على تقوى خارجية زائفة مفعمة بالرياء. فبعد أن قال لهم إنهم ينتسبون إلى إبليس الكذَّاب والقتّال، وإنهم ينفذون شهواته الشريرة، نراه يتحداهم مشيراً لعصمته، وإلى تلك الهُوَّة الأخلاقية والروحية الساحقة التي تفصله عنهم، فيقول: «مَنْ مِنْكُمْ (يستطيع أن) يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟» (يوحنا ٨: ٤٦). والمسيح هنا لم يكن يقصد التمييز بين كماله وعصمته، وبين شرّ وفساد ورياء هؤلاء القادة فحسب، بل أنه طرح وبدون تردد حقيقة تميُّزه عن كافة الجنس البشري، بذلك الكمال وتلك العصمة.

صحيح أن يسوع في تجسُّده خضع لكافة مغريات وتجارب السقوط في العصيان التي يتعرض لها البشر، لكنه هو وحده لم يسقط، وهو وحده لم يكن من الممكن أن يفشل. لقد كان من المستحيل أن يرتكب خطية، لأنه وهو في طبيعة بشرية محدودة كان لا يزال يتمتع بطبيعة إلهية. والله لا يمكن أن يرتكب خطأ. هذا أمر جوهري للغاية بالنسبة لتأهله لأن يأخذ على عاتقه تلك المهمة الخلاصية الهامة التي حملها. من هنا كان لعصمته وكماله حق تحمُّل نتيجة خطية عدد لا يُحصى من بني البشر. من هنا أيضاً مثَّل انتصاره على الموت، الانتصار على الخطية التي تقودهم إلى الموت وبالتالي تأمين الحياة الأدبية الأكيدة لهم، وليس مجرد الوفاء بمتطلبات العدالة الإلهية بالنيابة عنهم. (راجع ١ كورنثوس ١٥: ٥١ - ٥٨).

الجزء الثالث: العلاقة بين الطبيعتين

الفصل الأول: ابن الله وابن الإنسان

أولاً: المسيح ابن الله:

لقب «ابن الله» من أهم الألقاب المنسوبة للمسيح، فهو اسم يسترعي الكثير من الانتباه، لكرامة المسيح، وخاصة من جهة ألوهيته التي تدل على أنه مؤهل تماماً للتحدُّث عن أمور الله. إنه ذلك الجانب من طبيعته الذي حاز إعجاب نثنائيل عِندما أدرك مندهشاً أن المسيح يعرف ماضيه المستور، فهتف: «يَا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ! أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!» (يوحنا ١: ٤٩). أمّا المعارضة لطبيعة المسيح الإلهية والاشمئزاز منها فقد اتضحت جلياً في محاولة التشكيك التي أجراها إبليس عندما تحدّى المسيح قائلاً: «إن كنت ابن الله، فقُلْ أن تصير هذه الحجارة خبزاً» و «إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللّٰهِ فَٱطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ» (أي من جناح الهيكل العلوي) (متى ٤: ٣، ٦). هذا حدث أيضاً عند إخراج المسيح للشياطين الذين صرخوا عند خروجهم: «مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ٱبْنَ ٱللّٰهِ؟ أَجِئْتَ إِلَى هُنَا قَبْلَ ٱلْوَقْتِ لِتُعَذِّبَنَا؟» (متى ٨: ٢٩). أما تعليق المسيح على القصد من موت لعازر وإقامته له من الموت فكان: «لأَجْلِ مَجْدِ ٱللّٰهِ، لِيَتَمَجَّدَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ بِهِ» (يوحنا ١١: ٤). أمّا اعتراف التلميذ بطرس عن المسيح في قوله له: «أنت هو المسيح ابن الله الحي» (متى ١٦: ١٦) فكان نتيجة لإدراكه لإلوهية المسيح. وصرّح البشير يوحنا أيضاً أن القصد من كتابة بشارته هو «لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللّٰهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِٱسْمِهِ» (يوحنا ٢٠: ٣١).

يجب أن نفهم هذين التعبيرين «الآب» و «الابن» على أساس وجهة نظر المفهوم العبري في الكتاب المقدس أن «الآب» و «الابن» هما نظيران متطابقان ومتساويان في الطبيعة والكيان. ففي كل مرة يدعو فيها الكتاب المقدس المسيح بلقب «ابن الله» يقصد أن يشدّد على حقيقة وأصالة ألوهيته. فهو ذو الطبيعة نفسها التي للآب تماماً. وكما أن أي ابن بشري تكون طبيعته بشرية مطابقة لطبيعة أبيه، هكذا المسيح ابن الله هو مثل أبيه في جوهر طبيعته الإلهية، تلك الطبيعة التي لا يشارك فيها الله أي مخلوق. الآب والابن والروح القدس هم واحد، معاً في جوهرهم وطبيعتهم وأزليتهم، وهم متساوون في القدرة والمجد، كانوا ولا زالوا موجودين في أقانيمهم الثلاثة المميزة. وعلينا أن نتذكر أن الاسمين «الآب» و «الابن» ليسا بالضرورة كافيين للتعبير الكامل والتام عن العلاقة التي تربط الأقنومين الأول والثاني في الثالوث، ومع ذلك يبقى هذان الإسمان أفضل ما لدينا، نحن البشر، للتعبير عن هذه العلاقة. وعلاوة على ذلك فإنهما يعبّران لنا في الكتاب المقدس ليس فقط عن وحدتهما في الجوهر والطبيعة، بل أيضاً عن علاقة الودّ والمحبة المتبادلة بينهما. المسيح يسوع هو ابن اللّه الازلي، أمّا نحن فنصير أولاد الله المتبنّين بالنعمة. المسيح هو ابن الله بحقه الأزلي الخاص، أمّا نحن فنصبح أولاداً لله بالتبني عندما نُولد من جديد وتصبح الحياة الجديدة في المسيح من نصيبنا، أي عندما يُحسَب لنا برّه وطهارته. وصيرورتنا أولاداً للّه لا تعني أن تكون لنا الألوهية التي للمسيح، لكنها تعني أننا قد عدنا إلى مشابهة أخلاقية وروحية أكمل من تلك التي كانت لنا عند الخليقة، والتي تشوهت وتحطّمت ونُقضت معالمها بواسطة الخطية. اللّه هو أب الرب يسوع المسيح بمعنى خاص يختلف كل الاختلاف عن كونه أب المؤمنين به. صحيح أن يسوع تحدّث لتلاميذه عن اللّه كأبيهم الذي في السموات، لكنه في الوقت نفسه أظهر أن أُبوَّة اللّه لهم هي بمعنى محدود وليس بالمعنى غير المحدود الذي يرتبط هو فيه بأُبوَّة الآب. فبنوّتهم للّه هي نتيجة ارتباطهم بالمسيح الذي هو الابن الحقيقي الكامل لله. وأوضح المسيح ذلك في قوله لتلاميذه: «ٱلآبَ نَفْسَهُ يُحِبُّكُمْ، لأنَّكُمْ قَدْ أَحْبَبْتُمُونِي، وَآمَنْتُمْ أَنِّي مِنْ عِنْدِ ٱللّٰهِ خَرَجْتُ» (يوحنا ١٦: ٢٧). هذا ما عبّر عنه البشير يوحنا بجمال باهر حين قال: «أَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلادَ ٱللّٰهِ، أَيِ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱسْمِهِ»(يوحنا ١: ١٢).

لا يتفق الكتاب المقدس مع النظرية الشائعة بين الذين تشرّبوا الفلسفة الدهرية صاحبة النظرية التي تدعي أن الجميع أخوة. فالكتاب المقدس يعلمنا أن البنوَّة لا تُبنى على العلاقة التي نتجت عن كون اللّه هو خالق البشر أجمعين، إنما هي مبنية على العلاقة الروحية التي يحصل بواسطتها البشر على الخليقة الجديدة في المسيح. وكخليقة جديدة يصبح المؤمنون أولاداً للّه، بإيمانهم بالمسيح. إنّ الله هو أب الجميع بمعنى أنه مصدر حياتهم، لكن أولاده الحقيقيين بين البشر هم الذين «وُلدوا من جديد» (يوحنا ٣: ٣). «إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي ٱلْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ» (٢ كورنثوس ٥: ١٧). «لأنَّ كُلَّ ٱلَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ ٱللّٰهِ فَأُولٰئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ ٱللّٰهِ» (رومية ٨: ١٤). كل المسيحيين الحقيقيين هم «أَبْنَاءُ ٱللّٰهِ بِٱلإِيمَانِ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ» (غلاطية ٣: ٢٦). «فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ فَأَنْتُمْ إِذاً نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ ٱلْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ» (غلاطية ٣: ٢٩).

فمعنى كلمة «أب» - خارج دائرة التبني بواسطة المسيح - معنى سطحي جداً، لأنه في المسيح وحده نقدر أن نعرف الله بالحقيقة: «وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلابْنَ إِلا ٱلآبُ، وَمَنْ أَرَادَ ٱلابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ»(متى ١١: ٢٧). أمّا أولئك الذين يبقون في خطيتهم وسقوطهم، دون تجديد روح الله فهُمْ ليسوا أولاداً للّه، بل هم أولاد إبليس لأنهم كإبليس وشركاء له في طبيعته الشريرة، لأنهم «بِٱلطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ ٱلْغَضَبِ» (أفسس ٢: ٣). قال يسوع لمقاوميه: «أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا» (يوحنا ٨: ٤٤)، «أَنَا أَتَكَلَّمُ بِمَا رَأَيْتُ عِنْدَ أَبِي، وَأَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مَا رَأَيْتُمْ عِنْدَ أَبِيكُمْ... لَوْ كَانَ ٱللّٰهُ أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي، لأنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ ٱللّٰهِ وَأَتَيْتُ» (يوحنا ٨: ٣٨ - ٤٢).

هذا ما علّمه أيضاً الرسول بولس، عندما قال للساحر: «أَيُّهَا ٱلْمُمْتَلِئُ كُلَّ غِشٍّ وَكُلَّ خُبْثٍ! يَا ٱبْنَ إِبْلِيسَ! يَا عَدُوَّ كُلِّ بِرٍّ! أَلا تَزَالُ تُفْسِدُ سُبُلَ ٱللّٰهِ ٱلْمُسْتَقِيمَةَ» (أعمال الرسل ١٣: ١٠). وعندما نؤمن بالمسيح نصير أولاداً للّه لأنه «سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ» (أفسس ١: ٥)، أما المسيح فهو ابن الله بنوة أصيلة، إذ أنه قال عن نفسه: «أَنَا وَٱلآبُ وَاحِدٌ» (يوحنا ١٠: ٣٠). و«اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى ٱلآبَ» (يوحنا ١٤: ٩) و «مَنْ لا يُكْرِمُ ٱلابْنَ لا يُكْرِمُ ٱلآبَ» (يوحنا ٥: ٢٣)، وقال بولس عنه: «صُورَةُ ٱللّٰهِ غَيْرِ ٱلْمَنْظُورِ» (كولوسي ١: ١٥) وإن «ٱللّٰهَ كَانَ فِي ٱلْمَسِيحِ مُصَالِحاً ٱلْعَالَمَ لِنَفْسِهِ» (٢كورنثوس ٥: ١٩) و «فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ ٱللاهُوتِ جَسَدِيّاً» (كولوسي ٢: ٩) أما كاتب الرسالة إلى العبرانيين فقد قال إن المسيح « بَهَاءُ مَجْدِهِ (مجد اللّه)، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ» (عبرانيين ١: ٣). وإضافة إلى كل ذلك فإن عظات السيد المسيح التي نجدها في العهد الجديد تدل على إحساسه ووعيه الدائم بألوهيته، لأنه كان يدرك النوعية الخاصة لعلاقته باللّه الآب، وكذلك كان اللّه الآب مدركاً كل الإدراك لبنوّة المسيح يسوع الفريدة.

ومساواة المسيح للّه ووحدته معه واضحان في اللقبين «الآب» و «الابن». ويبدو جلياً من جواب اليهود للمسيح عندما شفى مريضاً في يوم السبت، قال: «أبِي يَعْمَلُ حَتَّى ٱلآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ»ونتيجةً لكلامه: «كَانَ ٱلْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ ٱلسَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ ٱللّٰهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِٱللّٰهِ» (يوحنا ٥: ١٧، ١٨). بعد ذلك حاولوا قتله رجماً بالحجارة قائلين له:«لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ، بَلْ لأجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلٰهاً» (يوحنا ١٠: ٣٣). والقول إن المسيح هو ابن اللّه، كان محور تهمة رئيس الكهنة له، التي أدّت لإصدار مجلس السبعين (السنهدريم) الحكم بالموت على المسيح (متى ٢٦: ٦٣ - ٦٦)، وقتئذ قال اليهود لزعمائهم: «لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ٱبْنَ ٱللّٰهِ» (يوحنا ١٩: ٧). أما يسوع فلم ينكر تلك التهمة قط، بل على العكس اعترف علانية بصحة قولهم. وقد علّق على موضوعنا هذا أحد كبار علماء تفسير اللاهوت قائلاً: «كما أن المسيح أخذ عن أبيه السماوي الطبيعة الإِلهية، وهو أمر متميز ومختلف عن ناسوته. يشير الكتاب المقدس إلى المسيح باسمين فيدعوه أحياناً ب ابن اللّه». وأحياناً أخرى ب «ابن الإِنسان». أما عبارة «ابن الإِنسان» فلا يمكن فهمها إلا على أساس أنها نموذج لما يجب أن يكون الإِنسان عليه. هذا هو معنى الأصل العبري ل «ابن الإِنسان» والذي يشير على أنه ذرية آدم. كذلك فإن تسمية المسيح بـ «ابن اللّه» تشير إلى ألوهيته وكيانه الأزليين. فمن البديهي أن يشير كونه «ابن الإِنسان» إلى طبيعته البشرية. (مبادئ الديانة المسيحية - الفصل الأول ص ٤٤٢).

يتضح لنا إذن أن لقب «ابن اللّه» كان المقصود منه إبراز المسيح في طبيعته الجوهرية كإله، فالذي وُلد من نسل داود بحسب الجسد هو أيضاً نفسه الذي تبيّن بقوة أنه ابن اللّه (رومية ١: ٣، ٤)، وذاك الذي، حسب الجسد، أتى من نسل عبراني قد تعيَّن أيضاً «عَلَى ٱلْكُلِّ إِلٰهاً مُبَارَكاً إِلَى ٱلأَبَدِ» (رومية ٩: ٥). فعلينا أن نؤمن بالابن كما نؤمن بالآب، وأن نكرم الواحد كما نكرم الآخر.

ثانياً: المسيح ابن الإِنسان:

استعمل يسوع لقب «ابن الإِنسان» مراراً كثيرة عندما أشار إلى نفسه، ويبدو أن هذا اللقب كان مفضّلاً لديه. وكانت عبارة «ابن الإِنسان» موضوع الكثير من الدراسات والنقاش عبر التاريخ المسيحي. والمعنى الحقيقي والرئيسي الذي ينطوي عليه لقب «ابن الإِنسان» هو أنّ يسوع كان إنساناً بكل معنى الكلمة. إنه الإِنسان المثالي الكامل. نرى في المسيح البشرية في كمالها، دون تشويه ولا تلوُّث، وهو المثال الذي بواسطته ينسَّق البشر حياتهم. وبما أن للمسيح طبيعة بشرية، فهو ذو علاقة حيوية بجميع أعضاء الجنس البشري، وبناء على تدبير اللّه، له الحق في تمثيلهم جميعاً أمام الحضرة الإِلهية.

يستعمل المزمور الثامن هذا اللقب إشارة إلى البشر عامة فيقول: «مَنْ هُوَ ٱلإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ وَٱبْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟» (مزمور ٨: ٤). لكن العهد الجديد إذ ينسبه للمسيح فإنه يعطي الاصطلاح مدلولات تفوق البشر، فيقول سفر دانيال، من ضمن نبوة عن عودة المسيح إلى السماء: «وَإِذَا مَعَ سُحُبِ ٱلسَّمَاءِ مِثْلُ ٱبْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى ٱلْقَدِيمِ ٱلأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَاناً وَمَجْداً وَمَلَكُوتاً لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ ٱلشُّعُوبِ وَٱلأُمَمِ وَٱلأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لا يَنْقَرِضُ» (دانيال ٧: ١٣، ١٤). هذا فهمه اليهودي بدون تردد على أنه إشارة لهويّة المسيّا المنتظر. وأشار المسيح إلى تلك النبوة وهو على يقين تام من انطباقها عليه فقال: «وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلامَةُ ٱبْنِ ٱلإِنْسَانِ فِي ٱلسَّمَاءِ. وَ... جَمِيعُ قَبَائِلِ ٱلأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ آتِياً عَلَى سَحَابِ ٱلسَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. فَيُرْسِلُ مَلائِكَتَهُ بِبُوقٍ عَظِيمِ ٱلصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ ٱلأَرْبَعِ ٱلرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ ٱلسَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا» (متى ٢٤: ٣٠، ٣١ - راجع أيضاً لوقا ٢١: ٢٧).

تُنتقى الأسماء عادة بقصد إبراز ملامح فريدة معينة، كإطلاق لقب على إنسان ما بقصد إظهار خلاصة شخصيته. فيُقال مثلاً عن فلان «الطيب القلب» وعن آخر «النبيل». واللقب هنا يدل على شخصية صاحبه ويعطي فكرة عن نوعيته. فالناس لا يُسمُّون تبعاً لملامح مشتركة مع غيرهم، بل تبعاً لتلك الملامح الخاصة التي تميّزهم عن أندادهم من البشر. أما المسيح فقد تميّز منذ الأزل بالألوهية التي شارك فيها الآب والروح القدس. فهو شريك لكل من أقنومي اللاهوت الآخرَيْن في ميزات حضورهما في كل مكان، وأزليتهما، وعلمهما بمطلق كل شيء. أما موضوع التجسُّد فكان مختصاً بالمسيح وحده. تلك هي ميزته الخاصة في نطاق اللاهوت. من هنا لم يكن مدهشاً أن يكون «ابن الإِنسان» هو لقب المسيح الزائر المتوقع للأرض ولساكنيها.

ولا بد من ملاحظة أن المسيح استعمل لقب «ابن الإِنسان» عندما تحدث عن مجيئه (الإنجيل بحسب متى ٢٤: ٤٤ و ٢٥: ٣١ و ٢٦: ٢٤): «... لأنَّهُ فِي سَاعَةٍ لا تَظُنُّونَ يَأْتِي ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ».

«وَمَتَى جَاءَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ ٱلْمَلائِكَةِ ٱلْقِدِّيسِينَ مَعَهُ».

«إِنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ».

كما جاء في الإنجيل بحسب لوقا ١٩: ١٠ «ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ». «فَإِنْ رَأَيْتُمُ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ صَاعِداً إِلَى حَيْثُ كَانَ أَّوَلاً» (يوحنا ٦: ٦٢).

لقد دُعي لقب «ابن الإِنسان» على نحو ملائم جداً لقباً «انتقالياً» ليس فقط لما يعنيه ذلك من تكاتف المسيح مع الجنس البشري تكاتفاً تاماً عند تجسده، بل أيضاً لما في ذلك من إشارة لأصله الأسمى قبل التجسُّد.

الفصل الثاني: انسجام الطبيعتين

لعل أهم وأخطر الانحرافات العقائدية في تاريخ المسيحية هو ما يتعلَّق منها بتشويش العلاقة القائمة ما بين طبيعتي المسيح الإِلهية والبشرية. والواقع أنّ تلك الانحرافات تركزت بصورة خاصة في الإخلال بالتوازن القائم ما بين هاتين الطبيعتين، وذلك بتفضيل إحداهما على الأخرى، أو إعطاء الواحدة مكانة تُفْقِد الطبيعة الأخرى نصيبها أو دورها في اتزان البناء القائم في شخصية يسوع المسيح. لكن تلك الانحرافات كثيراً ما ارتكزت على إساءة فهم فقرة أو أخرى من الوحي الإِلهي. وإساءة الفهم هذه طالما وجدت مسبباتها في استخلاص تعابير واردة في الكتاب المقدس وتفريغها من قرائنها النصية الواردة فيها، وتجاهل مواقعها ضمن مجمل ما ورد في سجلات الوحي الإلهي المعينة التي حوتها، خصوصاً وأنّ سجلات الوحي الإلهي تشتمل على تعبيرات فيها تشديد على طبيعة المسيح الإلهية، وأخرى فيها تشديد على طبيعته البشرية، إلى جانب تلك التي تجمع ما بين خواص الطبيعتين. من هنا كانت إمكانيات إساءة الفهم، لأن البعض بنوا استنتاجاتهم على أساس الافتراض أن المسيح كان إلهاً فقط، وفتّشوا على ما يؤكد مزاعمهم هذه في الوحي الإلهي. وأكد البعض على أنه مجرد إنسان وسعوا إلى إثبات ذلك من خلال نصوص الوحي الإلهي في تلك التعبيرات التي تركز على جانب الطبيعة البشرية فيه. وهكذا ظهرت البدعة تلو الأخرى، وكلها تشير إلى خطأ فادح أساسي، هو عدم التمسُّك بالهيكل الكامل للحقيقة.

يشهد الواقع التاريخي ليسوع المسيح الإِله والإِنسان. فيسوع تمتَّع بقدرات فاقت جداً معطيات الطبيعة البشرية، لكن من جهة أخرى فإن طبيعته البشرية طابقت تماماً تلك التي تمتَّع بها معاصروه من البشر. ومع أنه يصعب علينا، بل ولا يجوز لنا أن نحاول الفصل بين العناصر الطبيعية وفوق الطبيعية في شخص المسيح، فإنَّ دلائل التمييز بين الطبيعتين البشرية والإِلهية الكامنة في السيد المسيح هي اثنان: العهد الجديد، والمعتقدات العلنية الراسخة عند المؤمنين الأوائل الذين عاصروه. كان أمراً بديهياً للذين اهتدوا للإنجيل وآمنوا بالمسيح أنّه اللّه المتجسد. فهذا الأمر لم يكن في حاجة إلى إثبات، بالرغم من تنوّع الدلائل التي تشير إلى ذلك بانسجام مطلق. وهذه الدلائل لم تترك لأحد مجالاً للشك في صدقها واستقامتها. فهل كان ممكناً ليسوع المسيح أن يتمتع بطبيعتيه بانسجام كامل؟ تلك لم تكن القضية، بل كان ذلك أمراً مفروغاً منه، إذ لم يكن من داع للبحث عن دلائل عليه، فالذين عاصروه وعايشوه بالذات هم الذين استخدمهم اللّه في تدوين ما أوحى به عن هذا الأمر لأجيال المؤمنين اللاحقة من بني البشر، إذا سجّلوا شهاداتهم عنه: «ٱلَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا... قَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ... وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هٰذَا...» (١ يوحنا ١: ١ - ٤).

أضاف الرب في التجسّد إلى طبيعته الإِلهية نوعية أخرى هي الطبيعة البشرية (الأمر الذي من شأنه تكوين شخصية مزدوجة). لم تكن الإضافة بمعنى وجود شخصية إضافية، بل بمعنى إضافة نوعية بشريّة إلى الطبيعة اللاهوتية. ففي الوقت الذي لم يتخلّ فيه عن طبيعته الإِلهية لم يتَّخذ لنفسه شخصية جديدة، بل أخذ لنفسه جميع الجوانب البشرية الاعتيادية التي يتمتَّع بها البشر، أي أنه أصبح إلى جانب كونه إلهاً، إنساناً أيضاً. هذا كان في طبيعتين متميِّزتين، ولكنه كما كان منذ الأزل، بقي هو ذاته شخصاً واحداً.

من المؤكد أن هذا الأمر يتضمَّن ما يمكن تسميته لغزاً لا يمكن استيعابه بشكل كامل، لكن طبيعة هذا اللغز ليست غريبة على اختبارنا نحن البشر، فذلك اللغز بالذات كامن في طبيعتنا البشرية نحن أيضاً. إن الإِنسان يحتوي على جوهرين مختلفين في الأساس. فهو من جهة روح أو نفس غير مادية، خاضعة لتأثيرات فكرية وروحية.. ومن الجهة الأخرى هو جسد مادّي، خاضع لكل العوامل والقوى الفيزيائية والكيمائية والكهربائية التي تعمل في العالم من حوله. هذان الجانبان في الطبيعة البشرية لم يُصهرا ولم يَختلطا، ولم تكن نتيجتهما هيكلاً ثالثاً دُعي بالإِنسان، بل أنّ هذين الجانبين بقيا قائمين أحدهما إلى جانب الآخر في انسجام كامل، كما بقيت خواص كل منهما متميّزة في الإِنسان ذاته. وظلّ كل منهما خاضعاً لشرائع دائرته بكل دقّة كما لو أنه كان منفصلاً انفصالاً كاملاً عن الآخر. ومع ذلك، عند الإِشارة إلى أي من هذه الخواص الإِنسانية إنما تكون الإِشارة إلى شخصه بالذات. فلا نقول جسد فلان عمل كذا أو نفس فلان قالت أو فكّرت كذا، بل نقول فلان عمل وفكّر وقال كذا وكذا.

هكذا الأمر بالنسبة لطبيعتي المسيح، فمع أنهما متميّزتان إحداهما عن الأخرى فإن ما يُنسب لإِحداهما إنما ينسب لشخص المسيح ككل. من هنا كانت ضرورة الحذر من السقوط أي إساءة فهم تلك التعابير الإنجيلية التي تبدو وكأنها متناقضة في وصفها للمسيح. فمنها ما يشير إلى أن المسيح شخص غير محدود، وهي تشير إلى طبيعته الإِلهية، ومنها ما يشير إلى محدوديته، وهي تلك التي ترد في قرينة الحديث عن طبيعته البشرية. فهو إذن محدود كإنسان ولكنه غير محدود كاللّه، وهو ذو بداية كإنسان عند ولادته في بيت لحم، ولكنه أيضاً هو اللّه الموجود أزلاً. وهو كان على علم بكل شيء، وفي نفس الوقت كانت طبيعته البشرية محدودة المعرفة. فهو من جهة تركيب طبيعته «مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ ٱلْجَسَدِ» كما يقول الكتاب المقدس، لكن الكتاب المقدس يقول أيضاً إنه «تَعَيَّنَ (أي تبرهن) ٱبْنَ ٱللّٰهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ ٱلْقَدَاسَةِ، بِٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ» (رومية ١: ٣، ٤). خلاصة الأمر هي أنّ الكتاب المقدس يقدمه على أساس أنه «ابن داود»، وفي نفس الوقت هو«الأزلي قديم الأيام»، ابن مريم هو، وفي نفس الوقت «إله فوق الجميع، مبارك إلى الأبد». هو الشخص الذي شعر بالإرهاق أثناء رحلاته الصعبة مشياً على الأقدام، وهو في نفس الوقت من يقول عنه الوحي الإِلهي «حامل كل الأشياء بكلمة قدرته». وهو الذي «جاع أخيراً» بعد أربعين يوماً من الصوم، وفي نفس الوقت هو نفس الشخص الذي أشبع الآلاف وقال عن نفسه: «أَنَا هُوَ خُبْزُ ٱلْحَيَاةِ... ٱلَّذِي نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هٰذَا ٱلْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى ٱلأَبَدِ...» (يوحنا ٦: ٤٨ - ٥١) هو الذي قال إنه لا يقدر أن يعمل شيئاً بدون الآب، وفي نفس الوقت هو الذي بدونه«لم يكن شيء مما كان». إنه «عظم من عظامنا ولحم من لحمنا»، ومع ذلك تمتَّع بمساواة مطلقة مع اللّه. هو الذي أخذ على نفسه «صورة عبد» تمتَّع بكونه «صورة اللّه». قال الوحي الإِلهي عنه إنه «ينمو في القامة» كما قال عنه إنه «هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد»، «يتقدم في الحكمة» ومع ذلك فقد عرف كل شيء. قيل عنه «مولود تحت الناموس (الشريعة)» لكنه قال عن نفسه إنه «ربّ السبت وأعظم من الهيكل»، نفسه حزنت واضطربت وهو «رئيس (أو مصدر) السلام». هو الذي سار إلى الموت تحت إمرة الحاكم الروماني، كما أنه هو الذي دُعي «ملك الملوك وربّ الأرباب»، وهو الذي قال عن ذلك الموت: «أَضَعُ نَفْسِي... لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي (أي يقتلني) بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضاً» (يوحنا ١٠: ١٧، ١٨). لقد صعد إلى السماء وغاب عن تلاميذه وكنيسته، لكنه نفس الشخص الذي قال: «حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون في وسطهم» وقال لتلاميذه قبل الصعود إنه سيكون معهم «إلى انقضاء الدهر».

إذن الوحي الإِلهي يقدّم المسيح لنا أحياناً كإله وأحياناً كإنسان، لكي نفهمه ونعرفه ونؤمن به كشخص واحد في طبيعتين، كإله كامل وكإنسان كامل، وليس لكي يعطينا الخيار ما بين واحدة من طبيعتيه هاتين. إنه اللّه المتجسّد الذي كانت حياته الأرضية تعبيراً عن أنّ اللّه جاء إلى عالم البشر، وكشف عن نفسه، ووضع الأساليب التي يمكن للبشر استيعابها، بصيرورته إنساناً مثلهم. وهكذا فإن طبيعتي المسيح الإلهية والبشرية اتّحدتا بحيث أنّ الصفات أو الخواص المنسوبة لأي منهما نُسبت إلى شخصية الواحد ككل، فسواء دَعَوْناه يسوع أو المسيح، ابن اللّه أو ابن الإِنسان، فإننا نقصد الإِشارة إلى نفس الشخص. عندما نقول إن يسوع عطش، فإننا نعني أنه كشخص كامل في ألوهيته وناسوته قد عطش وليس جسده فقط. وعندما نقول إنه تألمّ نقصد بتألّمه كشخص وليس كمجرد جسد، وهو إذ أخذ مكان الإِنسان على الصليب ومات عنه، فإنه لم يعمل ذلك كإنسان فقط، بل إننا نعني أيضاً أن اللّه في المسيح أخذ مكان الإِنسان على الصليب ومات لأجلنا نحن البشر. كل ذلك يعبّر عن الحقيقة، لكن وجب علينا بالطبع أن نُبقي نصب أعيننا حقيقة فرادة شخصه، التي مكّنته من إنجاز ذلك العمل الخلاصي المجيد.

لعل أهم ما يواجهنا به الوحي الإِلهي من تعبيرات في شأن انسجام طبيعتي المسيح هو ما نُسب فيه إليه من أعمال وقُوى وصفات تنطبق على الطبيعتين في إشارة جليّة إلى المسيح الواحد. هذه التعبيرات التي تنطبق على طبيعته لا يمكن فهمها أو تفسيرها إلاّ إذا أدركنا أن هاتين الطبيعتين متّحدتان عضوياً بشكل غير قابل للفصم أو الانحلال، في شخص واحد هو الإله الإِنسان. فالوحي الإِلهي الطاهر يقول عن أعداء المسيح: «صَلَبُوا رَبَّ ٱلْمَجْدِ» (١ كورنثوس ٢: ٨) ويشير إلى «...كَنِيسَةَ ٱللّٰهِ ٱلَّتِي ٱقْتَنَاهَا بِدَمِهِ» (أعمال الرسل ٢٠: ٢٨)، ويقول: «يُوجَدُ إِلٰهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ ٱللّٰهِ وَٱلنَّاسِ: ٱلإِنْسَانُ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُي» (١ تيموثاوس ٢: ٥). إنّ العبارة «مريم والدة الإِله» التي يستعملها بعض المسيحيين تحمل فقط بعض الحقيقة، إذ أن المولود منها كان ابن اللّه. لكننا في نفس الوقت يجب أن نتذكر أن مريم كانت والدة يسوع المسيح من جهة طبيعته البشرية فقط. لقد كان من الضروري لفادي البشر أن يكون إلهاً وإنساناً معاً، لذلك صار إنساناً ليأخذ محل الإِنسان فيتألّم ويموت لأجله. فلو كان إلهاً فقط لما أمكنه عمل ذلك. وضرورة كونه إلهاً هي لإعطاء القيمة والمدى غير المحدودين المطلوبَيْن في الذبيحة الصالحة للتكفير عن خطايا البشر. من ناحية ثانية لو كان المسيح مجرد إنسان لما كان بإمكانه الموت حتى عن شخص واحد. خلاصة الأمر إذن أن طبيعته البشرية جعلت ألمه وموته ممكنَيْن، بينما طبيعته الإِلهية جعلت لهذين العنصرين: الألم والموت، القيمة والمدى غير المحدودين والصالحين لتمثيل عدد لا يُحصَى من الخطاة. هذا ما طرحه بوضوح بالغ يوحنا كالفن عندما قال: «لكي يمكن للإِنسان أن يتصالح مع اللّه، كان لزاماً عليه وهو الذي دمّر نفسه بمعصيته أن ينفذ مطاليب العدالة الإِلهية بتحمُّل عقاب خطيته. وأدرك اللّه في رحمته استحالة ذلك على الإِنسان، فكشف عن نفسه في المسيح كإنسان حقيقي، وأخذ لنفسه صفة آدم الثاني ممثلاً بنفسه بني البشر، وجاعلاً من نفسه بديلاً عنهم في طاعة شريعة اللّه، واضعاً جسده ثمناً للوفاء بمطاليب العدالة الإِلهية، وهكذا تحمّل بنفسه القصاص المتوجِّب على عصياننا جميعاً في طبيعة إنسانية معادلة لطبيعتنا التي فيها ارتكبنا ذنب العصيان. لأنه بما أنه كان من غير الممكن للطبيعة الإِلهية الروحية الموت، فإنه أضاف إلى طبيعته الإِلهية طبيعة بشرية صالحة لذلك».

المسيح إذن في تجسُّده وحّد مع نفسه طبيعة بشرية، وبقيت شخصيته واحدة متّحدة متجانسة ومتناسقة دون تشويش أو اختلال.

الفصل الثالث: وظائف المسيح الثلاث

إنّ الانسجام الكامل في طبيعتي المسيح الإِلهية والبشرية الذي تعرضنا له في الفصل السابق له موقع مركزي وحيوي خصَّ تحقيق جميع المقاصد الإِلهية المتعلقة بعالم البشر، وليس فيما خصَّ عملية الخلاص وحدها. لكن تنفيذ عملية الخلاص هو جزء لا يتجزأ من مجمل تلك المقاصد. صحيح أنّ فداء بني البشر هو المحور الأساسي الذي ترتكز عليه مجموعة مخططات اللّه. وهذا طبيعي، لأن سقوط البشر بسبب عصيانهم لشريعة اللّه هو المحك الذي أوجب ليس فقط عملية التجسد والخلاص، بل أيضاً جميع التأثيرات الفرعية التي لزم أن يخطط اللّه لاستئصالها أو إصلاحها أو إعادة بنائها. أمّا تحقيق المسيح لجميع هذه المقاصد الأزلية، وعلى رأسها فداء البشر، فقد جرى ضمن نطاق وظائف أو أدوار رسمية ثلاث، إذ توجّب عليه أن يكون نبياً وكاهناً وملكاً.

أولاً: المسيح النبي

كانت وظيفة المسيح النبوية ضمن الخواص المميزة للمسيّا الذي تنبأت عنه أسفار العهد القديم. والواقع أن النبوة الواردة بهذا الشأن كانت إحدى النبوات الواردة في الوحي الإِلهي عن مجيء المسيح، وقد جاءت على لسان النبي موسى: «يُقِيمُ لَكَ ٱلرَّبُّ إِلٰهُكَ نَبِيّاً مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ» (التثنية ١٨: ١٥)، أمّا في العهد الجديد فقد أشار الرسول بطرس ضمن إحدى مواعظه العامة مشيراً إلى هذه النُبوّة، ومطبّقاً إياها على المسيح: «مُوسَى قَالَ لِلآبَاءِ: إِنَّ نَبِيّاً مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ ٱلرَّبُّ إِلٰهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كُلِّ مَا يُكَلِّمُكُمْ بِهِ» (أعمال الرسل ٣: ٢٢).

وتختصّ وظيفة النُبوّة في الكتاب المقدّس بأولئك الذين تكلّموا للبشر بالنيابة عن اللّه. من الطبيعي أن يكون المسيح ذا مكانة خاصة ضمن دائرة أنبياء اللّه. والواقع أن هذا أمر حيوي بالنسبة لمهمة المسيح التي جاء إلى عالم البشر لتنفيذها. كان العديد من الأنبياء الحقيقيين قد سبقوا مجيء المسيح، وجميعهم تكلّموا بكلام اللّه للشعب، لكن ما أوحى اللّه لهم به كان ذا طبيعة تمهيدية وغير مكتملة. لقد كانوا جميعاً يرمزون للمسيح النبي الأعظم، الذي كانوا قد أتوا من أجل التمهيد لمجيئه.

يعتقد البعض أن اللّه أرسل مزيداً من الأنبياء الواحد تلو الآخر، لعدم نجاح الأنبياء السابقين في إتمام مهماتهم، أو لسبب حاجة الناس لمن يذكّرهم بما سبق وأوحى به للأنبياء الذين أتوا في أجيال سابقة. لكن ذلك ليس مفهوم الكتاب المقدس. إنّ أنبياء اللّه لم يفشلوا، ولا واحد منهم، في تحقيق ما أراد اللّه تحقيقه عن طريقهم. أمّا سبب تعدّد الأنبياء، وتوالي قدومهم من عند اللّه في حقبة العهد القديم، فمرجعه أنّ لكل منهم دوره في التمهيد لمجيء المسيح. من المهم للغاية أن ندرك هذه الحقيقة، لأنها ترينا أن الوحي الإِلهي بواسطة أنبيائه لا يعتريه تناقض أو نقصان، حتى أن اللّه يسعى لإصلاح ما تهدّم بإرسال مزيد من الأنبياء، فاللّه لا يسمح بأي فشل في تأدية أنبيائه لمهمتهم، ولا بأي تشويش يؤثر على ما ينقلونه منه للبشر الآخرين. لذلك لا يجوز لنا الإعتقاد بأي شيء من هذا القبيل، إلاّ إذا كنا نعتقد أن اللّه غير جدّي فيما يعمل، أو أنه غير قادر على إنجاز ما يريد عمله، وهو بالطبع تفكير خاطئ وغير صحيح عنه. فاللّه وهو كلّي السيادة، أعطى عصمة خاصة لأنبيائه حين دوَّنوا الوحي كاملاً بدون خطأ. وهو في نفس الوقت، بحكمته وسلطانه، عمل على حماية ما دوَّنوه من التحريف أو الفقدان، عبر الأجيال.

لقد أدّى كل نبي دوره بكل أمانة وجدارة، مدعوماً بقوة اللّه، في التحضير التدريجي لمجيء المسيح. فلو أنّ اللّه كشف عن كل شيء دفعة واحدة لما كان من الممكن لبني البشر استيعابه. من هنا كانت ضرورة الطبيعة التدريجية والتقدُّمية للوحي الإِلهي. كما أن ذلك هو السرّ الحقيقي وراء ذلك الترابط والتكامل بين أدوار الأنبياء الظاهر في أسفار الكتاب المقدس. إن المرء الذي يتأمّل بالتدقيق في مسرة هؤلاء الأنبياء لا بد يرى أن الوحي الإلهي قد أخذ شكل هرم متدرّج الأطوار، بنى فيه كل نبي على ما سبق وبناه أقرانه من قبله. أمّا قمة الهرم فيقف عليها المسيح مكمّل الوحي وخاتمه. ليست هذه صورة خيالية أو تخميناً بشرياً، بل نجده مدوناً ضمن ما أوحى به اللّه نفسه، إذ قال عن مؤمنيه على لسان الرسول بولس: «مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ ٱلرُّسُلِ وَٱلأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ ٱلّزَاوِيَةِ، ٱلَّذِي فِيهِ كُلُّ ٱلْبِنَاءِ مُرَكَّباً مَعاً يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّساً فِي ٱلرَّبِّ» (أفسس ٢: ٢٠، ٢١).

بيد أنّ هناك اختلافاً جوهرياً آخر بين دور المسيح كنبي وأدوار أنبياء اللّه. لقد تكلم الأنبياء كبشر مسوقين من عند اللّه وليس من عندياتهم، بينما تكلّم المسيح كاللّه. كانوا دائماً يصحبون رسالتهم بتعبيرات مثل: «هكذا يقول الرب» ولم تكن لديهم السلطة ولا القدرة على قول أي شيء بالنيابة عن اللّه، إلاّ ما كان قد أَوحى به اللّه إليهم. أمّا يسوع فقد كان يؤكد في رسالته على الدوام أنه يقول ما يقوله بسلطته هو. عندما أشار لأقوال الأنبياء قال: «قيل لكم»، لكن عندما أشار إلى ما يقوله هو قال: «أمّا أنا فأقول» أو «الحقّ الحقّ أقول لكم». تحدث الأنبياء بالنيابة عن اللّه، أمّا المسيح فتحدث بالإِصالة عن نفسه وانطلاقاً من سلطته الشخصية، فأدهش معاصريه الذين لاحظوا أنه يختلف عن الأنبياءورجال الدين، «لأنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَٱلْكَتَبَةِ» (متى ٧: ٢٩ ومرقس ١: ٢٢)، «لأنَّهُ بِسُلْطَانٍ يَأْمُرُ حَتَّى ٱلأَرْوَاحَ ٱلنَّجِسَةَ فَتُطِيعُهُ» (مرقس ١: ٢٧ ولوقا ٤: ٣٦). وقد صرّح يسوع أكثر من مرة بأن له سلطاناً يفوق ما هو لأي بشر (متى ٩: ٦ ومرقس ٢: ١٠ ولوقا ٥: ٢٤)، ثم أنه أعطى رسله الذين أوحى لهم بكتابة الإنجيل بواسطة الروح القدس، أعطاهم السلطان في مهماتهم النبوية. (متى ١٠: ١ ومرقس ٦: ٧ ولوقا ٩: ١). إذن فهو في مهمته النبوية عبّر عن سلطة لم تكن للأنبياء البشر، بالإضافة إلى الحق الذي عبّر عنه في إعطاء السلطة للأنبياء البشر.

بالرغم من أن يسوع أشار إلى نفسه كنبي، لديه رسالة خاصة من اللّه الآب (راجع لوقا ١٣: ٣٣ ويوحنا ٨: ٢٦ - ٢٨، ١٢: ٤٩و ٥٠، ١٤: ١٠ و ٢٤)، إلاّ أن أعماله النبوية الخاصة لم تكن في حاجة إلى تأكيد شفوي على مركزه النبوي، فقد تنبّأ عن المستقبل (متى ٢٤: ٣ - ٣٥، لوقا ١٩: ٤١ - ٤٤). ثم أنّ تعاليم المسيح كانت ذات طبيعة نبوية في صبغتها الغالبة. كان من الطبيعي إذن أن يشير إليه الناس كنبي (متى ٢١: ١١ و ٤٦، لوقا ٧: ١٦، ٢٤: ١٩، يوحنا ٦: ١٤، ٧: ٤٠ و ٩: ١٧). وبالرغم من أن مواصفات النُبوَّة الشائعة في حقبة العهد القديم انطبقت عليه من جهة علاقة تصريحاته بالماضي والحاضر والمستقبل (راجع خروج ٧: ١، تثنية ١٨: ١٨، عدد ١٢: ٦ - ٨، إشعياء ٦، إرميا ١: ٤ - ١٠، حزقيال ٣: ١ - ٤ و ١٧)، إلاّ أن المسيرة النبوية الجوهرية التي طغَت على خدمته كمَنَت في مقدرته الدائمة على تفسير الشريعة الإلهية وتطبيقها على الحياة اليومية المعاصرة. أما تفسيره للشريعة الإِلهية فقد كان مدعوماً دائماً بحياته الطاهرة، وسلوكه الذي لم تكن به شائبة أخلاقية. في هذا لم تنطبق عليه مواصفات في مفهوم الوحي الإِلهي ليست مجرّد إدعاء بالحصول على وحي أو رسالة من اللّه، لكنها مصحوبة بقوة معجزية خارقة تدل على أن اللّه هو مصدرها، ثم أنها أيضاً مصحوبة بحياة نقية طاهرة يتحلّى بها النبي، دلالة قاطعة على أن تكريسه للنبوة هو من اللّه. هذا بالطبع مغاير لادِّعاءات الكثيرين من الأنبياء المزيفين، فهؤلاء اتَّسمت ادِعاءاتهم بخلّوها من القيمة المعجزية الإِلهية. ومع أنهم ادَّعوا المقدرة على القيام بالمعجزات، فإن سجلاتهم تشهد أن المعجزات التي ادَّعوها كانت من نسج خيالهم، ولم تكن من مصادر موثوق بها، لأن المعجزات الحقيقية التي مصدرها قوة اللّه لا تحصل في الخفاء بل في العلن، وإلاّ لما كان لحصولها أي معنى. بيد أن الحياة الأخلاقية للأنبياء الكذبة عبر التاريخ تتَّسم بفساد جنسي ورغبة قوية في التسلُّط على الآخرين، بالإضافة إلى الخوف الدائم من المعارضين والسعي للبطش بهم. أمّا الأنبياء الحقيقيون والذين كان يسوع مثالهم الأسمى فإن تقواهم الحقيقية لم تكن تخفى على أحد. ثمّ أنهم عبّروا عن ثقة دائمة في اللّه، وعن رغبة دائمة في طاعة شريعته وأوامره الخاصة، حتى وإن قادهم ذلك إلى الموت. أما ثقتهم في اللّه فقد دلّت عليها حياة التضحية التي مارسوها كل يوم، لأنه لم يكن يهمّهم إرضاء البشر على الإطلاق بل إرضاء اللّه في كل ما يقولونه ويعملونه ويفكرون فيه. أما المعجزات التي صحبت خدمتهم فلم يستعملوها لنيل ربح شخصي، بل على العكس نراهم يقشعرون عندما يحاول أحد أن يعطيهم سلطة إلهية، أو عندما يعتقد البعض أن معجزاتهم تلك ناتجة عن مقدرة كامنة فيهم.

من هنا وجب علينا أن نتذكر أن يسوع لم يكن مجرد نبي عادي، فإن تفوّقه المعجزي والأخلاقي لم يكن الفارق الجوهري الوحيد، لأنه بعكس باقي أنبياء الوحي الإِلهي تمتع بمركزه وخدمته النبويتين من قبل مجيئه إلى عالم البشر. إن «روح المسيح» هو الذي دلَّ الأنبياء وقادهم وأوحى إليهم من قَبْل مجيئه (١ بطرس ١: ١٠ - ١٢).

كما أن مهمة المسيح النبوية امتدّت إلى المستقبل، حتى بعد عودته إلى يمين العظمة في السماء، لأنها كانت ذات فعالية قبل وأثناء تجسّده. فهو إذ صعد إلى السماء واصل خدمته النبوية عبر رسله الأطهار (راجع أعمال الرسل ١: ١). ثم أنه لا يزال يقوم بمهمته النبوية تلك بواسطة الروح القدس المعزِّي الذي أرسله إلى كنيسته لينعشها ويقويها ويطبق في حياتها مطالب كلمته الطاهرة (يوحنا ١٤: ٢٦، ١٦: ١٢ - ١٤).

ثانياً: المسيح الكاهن

كانت وظيفة المسيح الكهنوتية أيضاً ضمن الخواص المميزة للمسيّا الذي تنبأت عنه أسفار العهد القديم، فقد قيل عنه: «أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى ٱلأَبَدِ» (مزمور ١١٠: ٤). كما قالت النبوة إنه: «يَبْنِي هَيْكَلَ ٱلرَّبِّ، وَهُوَ يَحْمِلُ ٱلْجَلالَ وَيَجْلِسُ وَيَتَسَلَّطُ عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَيَكُونُ كَاهِناً عَلَى كُرْسِيِّهِ» (نبوة زكريا ٦: ١٣). أما الوصف الكامل لمركزه وخدمته الكهنوتية فقد ورد قبل مجيئه إلى عالم البشر بنحو سبعمائة سنة، وذلك على لسان النبي إشعياء في الفصل الثالث والخمسين من نبوّته التي تُعتبر من أجمل سجلات الوحي الإِلهي.

وتُعتبر وظيفة الكهنوت في الكتاب المقدس موازية لوظيفة النبّوة. فبينما يقوم النبي بنقل رسالة من اللّه إلى البشر، أو بالتكلُّم للبشر بالنيابة عنه، فإن الكاهن هو الشخص الذي يقوم بتمثيل البشر أمام اللّه، وذلك إما بتقديم ذبائحهم للّه بالنيابة عنهم، وإما بنقل صلواتهم وطلباتهم إلى اللّه. إن ذلك بالطبع يعود لفقدان البشر المقدرة على الوقوف أمام اللّه بأنفسهم بسبب فسادهم وخطيتهم. لأجل هذا السبب رتّب اللّه وجود الكهنة من بين البشر الذين أهّلهم وأعدّهم للقيام بتلك المهمة الكهنوتية. فلم يكن الشخص العادي يقدر أن يقترب من قدس الأقداس داخل الهيكل حيث تُقدَّم الذبائح والصلوات الشفاعية الخاصة، لأن الإِنسان في حالته الساقطة مفصول أخلاقياً وروحياً عن اللّه، وهو ذو طبيعة مغايرة لطبيعة اللّه الطاهرة، لذلك ليس باستطاعة الإنسان القدوم إلى محضر اللّه بنفسه. أما الكهنة الذين أقامهم اللّه عبر أجيال حقبة العهد القديم فقد أُعطوا الحق في تمثيل بني البشر أمام المحضر الإِلهي، فكان الكاهن يأخذ على نفسه مهمة إعادة تلك العلاقة الطبيعية التي كانت بين اللّه وبني البشر إلى ما كانت عليه قبل السقوط، ولو بشكل جزئي ومؤقّت. وهكذا أُوقعت على الكاهن مسؤولية الاعتراف العلني بخطية وعصيان من يمثّلهم أمام اللّه، كما أنه يقوم بتقديم الذبائح الرمزية التي تعبّر عن الرغبة في التوبة عن حالة التمرّد تلك والتكفير عنها.

إذن تقع على عاتق الكاهن مهمتان: تمثيل بني البشر، والتشفُّع فيهم أمام اللّه. في العهد الجديد نرى أن كهنة العهد القديم لم تكن مهمّتهم رغم عظمتها وفعاليتها وجدّيتها سوى مهمّة رمزية، ترمز إلى الكاهن الأعظم الذي سعى هؤلاء الكهنة للتشبُّه به. إن المسيح هو المرموز إليه في الذبائح والصلوات التي قاموا بتقديمها. لعلّ أوضح ما ورد في الوحي الإِلهي عن هذا الأمر هو في المضمون الكلّي للرسالة إلى العبرانيين، التي أكدت تفَوُّق مركز المسيح الكهنوتي، وألوهيته، وتفَوُّق مركزه النبوي على كافة الأنبياء. فبينما أشارت كتب العهد الجديد الأخرى إلى عمل المسيح الكهنوتي (راجع مرقس ١٠: ٤٥، يوحنا ١: ٢٩، رومية ٣: ٢٤ و ٢٥، ١ كورنثوس ٥: ٧، غلاطية ١: ٤، أفسس ٥: ٢، ١ يوحنا ٢: ٢، ١ بطرس ٢: ٢٤ و ٣: ١٨)، فإن دور الرسالة إلى العبرانيين الخاص هو في شرح ذلك العمل وتوضيح أهميته. كما أنها لا تدع مجالاً للشك في أحقّية المسيح للقبه الكهنوتي المجيد. في الرسالة إلى العبرانيين دُعي المسيح «رئيس كهنة اللّه» (٣: ١) و«ورَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ» (٤: ١٤) و «كَاهِنٌ إِلَى ٱلأَبَدِ» (٥: ٦) و «رَئِيسَ كَهَنَةٍ إِلَى ٱلأَبَدِ» (٦: ٢٠) و «رَئِيسُ كَهَنَةٍ... قُدُّوسٌ بِلا شَرٍّ وَلا دَنَسٍ، قَدِ ٱنْفَصَلَ عَنِ ٱلْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ» (٧: ٢٦) و «رَئِيسَ كَهَنَةٍ... قَدْ جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ ٱلْعَظَمَةِ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ خَادِماً لِلأَقْدَاسِ وَٱلْمَسْكَنِ ٱلْحَقِيقِيِّ ٱلَّذِي نَصَبَهُ ٱلرَّبُّ لا إِنْسَانٌ» (٨: ١، ٢).

ومثلما تميّز يسوع كنبي من بين جميع الأنبياء، تميّز أيضاً عن جميع الكهنة. هذا ما نراه في جانبي خدمته الكهنوتية بوضوح: أي في عمله الكفاري كفادي البشر والبديل الحقيقي عنهم أمام اللّه، وفي عمل وساطته وخدمته الشفاعية كالممثل الأوحد لكنيسته المفديَّة، أمام اللّه.

ويطرح الوحي الإِلهي أمامنا حقيقة راسخة لا نزاع عليها بالنسبة إلى عمل المسيح الكفاري، وهي أنه هو وحده الذي كان مؤهَّلاً لأن يكون فادي البشر، والذي باستطاعته معالجة معضلة سقوطهم وخطيتهم. وما كانت ذبائح العهد القديم سوى رموز يتذكر بها البشر خطيتهم، ويتطلعون إلى قدوم ذلك المخلّص الذي يذبح قانونياً بالنيابة عنهم «لأنَّ أُولٰئِكَ بِدُونِ قَسَمٍ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً وَأَمَّا هٰذَا فَبِقَسَمٍ مِنَ ٱلْقَائِلِ لَهُ: أَقْسَمَ ٱلرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى ٱلأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ. عَلَى قَدْرِ ذٰلِكَ قَدْ صَارَ يَسُوعُ ضَامِناً لِعَهْدٍ أَفْضَلَ. وَأُولٰئِكَ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً كَثِيرِينَ لأنَّ ٱلْمَوْتَ مَنَعَهُمْ مِنَ ٱلْبَقَاءِ، وَأَمَّا هٰذَا فَلأنَّهُ يَبْقَى إِلَى ٱلأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لا يَزُولُ. فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضاً إِلَى ٱلتَّمَامِ ٱلَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى ٱللّٰهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ. لأنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هٰذَا، قُدُّوسٌ بِلا شَرٍّ وَلا دَنَسٍ، قَدِ ٱنْفَصَلَ عَنِ ٱلْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ ٱلَّذِي لَيْسَ لَهُ ٱضْطِرَارٌ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ أَنْ يُقَدِّمَ ذَبَائِحَ أَّوَلاً عَنْ خَطَايَا نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ خَطَايَا ٱلشَّعْبِ، لأنَّهُ فَعَلَ هٰذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ فَإِنَّ ٱلنَّامُوسَ (أي الشريعة) يُقِيمُ أُنَاساً بِهِمْ ضُعْفٌ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ. وَأَمَّا كَلِمَةُ ٱلْقَسَمِ ٱلَّتِي بَعْدَ ٱلنَّامُوسِ فَتُقِيمُ ٱبْناً مُكَمَّلاً إِلَى ٱلأَبَدِ» (عبرانيين ٧: ٢١ - ٢٨). إذن ذبيحة المسيح تختلف عن ذبائح الآخرين من عدة جوانب:

أولاً: هي ذبيحة حقيقية. فالذبائح السابقة لم تكن لها سوى فائدة واحدة، وهي أنها كانت ترمز إليه «لأنَّهُ لا يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا... تِلْكَ ٱلذَّبَائِحَ عَيْنَهَا، ٱلَّتِي لا تَسْتَطِيعُ ٱلْبَتَّةَ أَنْ تَنْزِعَ ٱلْخَطِيَّةَ» (عبرانيين ١٠: ٤ - ١١)، أما يسوع فكان إنساناً طاهراً، ولا يحل محل الإِنسان سوى إنسان، «لِذٰلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى ٱلْعَالَمِ يَقُولُ: ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً لَمْ تُرِدْ، وَلٰكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَداً»(عبرانيين ١٠: ٥).

ثانياً: إن ذبيحة المسيح هي ذات مدى غير محدود، فهو كالكاهن الإِلهي غير المحدود قدّم ذبيحة غير محدودة الفعالية، «لأنَّ ٱلْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِيَدٍ أَشْبَاهِ ٱلْحَقِيقِيَّةِ، بَلْ إِلَى ٱلسَّمَاءِ عَيْنِهَا، لِيَظْهَرَ ٱلآنَ أَمَامَ وَجْهِ ٱللّٰهِ لأجْلِنَا. وَلا لِيُقَدِّمَ نَفْسَهُ مِرَاراً كَثِيرَةً، كَمَا يَدْخُلُ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ إِلَى ٱلأَقْدَاسِ كُلَّ سَنَةٍ بِدَمِ آخَرَ» (عبرانيين ٩: ٢٤ - ٢٥).

ثالثاً: إن ذبيحة المسيح هي أبدية الأثر. «فَبِهٰذِهِ ٱلْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً... فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ ٱلْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى ٱلأَبَدِ عَنْ يَمِينِ ٱللّٰهِ،... لأنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى ٱلأَبَدِ ٱلْمُقَدَّسِينَ» (عبرانيين ١٠: ١٠، ١٢، ١٤).

إلى جانب الذبيحة العظمى التي قدّمها يسوع كفّارة عن خطايا الكثيرين، فإن وظيفته الكهنوتية لها جانب آخر هو شفاعته بالنيابة عن مفدييه. في هذا الصدد يقول الرسول يوحنا: «إِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ (أي من المؤمنين) فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ ٱلآبِ، يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْبَارُّ» (١ يوحنا ٢: ١). والشفيع هو الشخص الذي يُعِين المذنبين ويدافع عنهم، وهو محامي الدفاع أمام محكمة العدالة الإِلهية. بالنسبة للمؤمنين«مَنْ هُوَ ٱلَّذِي يَدِينُ؟ اَلْمَسِيحُ هُوَ ٱلَّذِي مَاتَ، بَلْ بِٱلْحَرِيِّ قَامَ أَيْضاً، ٱلَّذِي هُوَ أَيْضاً عَنْ يَمِينِ ٱللّٰهِ، ٱلَّذِي أَيْضاً يَشْفَعُ فِينَا» (رومية ٨: ٣٤). «هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ» (عبرانيين ٧: ٢٥). إنه «... يَظْهَرَ ٱلآنَ أَمَامَ وَجْهِ ٱللّٰهِ» لأجل المؤمنين (عبرانيين ٩: ٢٤). أمّا عظمة شفاعة المسيح فقاعدتها هي عظمة ذبيحته الكفارية. أمّا نتيجة تلك الشفاعة النهائية فهي في مجيئه الثاني، «هٰكَذَا ٱلْمَسِيحُ أَيْضاً، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلا خَطِيَّةٍ لِلْخَلاصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ» (عبرانيين ٩: ٢٨).

ثالثاً: المسيح الملك

من الطبيعي جداً أن يكون للمسيح نصيبه الأزلي في التسلُّط على الكون، وهو الإِلهيّ الطبيعة. ذلك هو حقّه الإِلهي. لكن المسيح له مكانته الملكية الخاصة بصفته الوسيط بين اللّه والناس، مخلّص البشر الخطاة. إذن مَلَكية المسيح التي نحن بصددها الآن تتعلق به كابن اللّه المتجسّد فهو في طبيعته البشرية إنسان أعطي سلطة خاصة لتكميل ملكوته الروحي في الكنيسة، وذلك بحفظها وحمايتها وقيادتها نحو المجد الأبدي.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن المسيح أيضاً بصفته الفادي والوسيط، لديه سلطة خاصة كملك على كل المخلوقات، بما في ذلك الأبالسة والبشر غير المؤمنين. هذا بالطبع يرجع إلى مَلَكيته الفريدة في النهاية عندما «يضع جميع أعدائه موطئاً لقدميه» (مزمور ١١٠: ١)، وحين يكون قد أخضع الكل وصار الكل في الكل. (راجع رسالة كورنثوس الأولى ١٥: ٢٤ - ٢٨).

إن الجانب الأول من ملكية المسيح إذن يرتبط بعلاقته بالمفديين. فهو ملكهم الروحي، وله سلطة على خلاص وفداء النفس. تلك المسؤولية كانت ضمن مواصفات المسيح المنتظر التي كان قد سبق للمشورة الإلهية وقضت بها: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي» (مزمور ٢: ٦). هذا هو الوعد المُعطَى للملك داود، الذي كان رمزاً للمسيح الملك الحقيقي. إن الوحي الإلهي يقول في هذا الصدد: «أَقْسَمَ ٱلرَّبُّ لِدَاوُدَ بِٱلْحَقِّ، لا يَرْجِعُ عَنْهُ: مِنْ ثَمَرَةِ بَطْنِكَ أَجْعَلُ عَلَى كُرْسِيِّكَ» (مزمور ١٣٢: ١١). لأجل هذا السبب دُعي يسوع «ملك اليهود» و «ابن داود»، ولعل هذا هو السبب الرئيسي من وراء ما تضمنه الوحي الإلهي لتلك القوائم الطويلة عن أنساب المسيح، بسبب ضرورة إثبات صلة قرابته بالملك داود. وقد سبق الوحي الإلهي ووصف المسيح بأن «تكون الرياسة على كتفه.... لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته، ليثبتها ويعضدها بالحق والبر، من الآن إلى الأبد...» (إشعياء ٩: ٦ - ٧، راجع أيضاً ميخا ٥: ٢ وزكريا ٦: ١٣). أمّا بشارة الملاك لمريم فقالت عن المسيح الموعود بقدومه: «هٰذَا يَكُونُ عَظِيماً، وَٱبْنَ ٱلْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ ٱلرَّبُّ ٱلإِلٰهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى ٱلأَبَدِ، وَلا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ» (لوقا ١: ٣٢ - ٣٣). هذا ما أقرّت به الجماهير الغفيرة عندما هتفت قائلة: «مُبَارَكٌ ٱلْمَلِكُ ٱلآتِي بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ» (لوقا ١٩: ٣٨)، أمّا يسوع فقد أشار إلى طبيعة مملكته تلك عندما دحض أقوال زعماء اليهود الذين اتّهموه بالتآمر على نظام الحكم الروماني، فقال: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هٰذَا ٱلْعَالَمِ...» (يوحنا ١٨: ٣٦).

هذا الجانب الروحي لمَلكية المسيح هو في موضعه المَلكي على شعبه المؤمن. وهذه الملكية تتخذ إطاراً روحياً على قلوب وحياة المؤمنين، ولها بُعد روحي هو خلاص الخطاة. أمّا وسائط هذا الجانب من مُلكه فهي روحية أيضاً: فهو يحكم بواسطة كلمته وروحه. وهو يعبّر عن مُلكه هذا بواسطة تجميع وحكم وحماية وتكميل كنيسته. إن مُلك المسيح هذا يُسمّى في العهد الجديد «ملكوت الله» أو «ملكوت السموات». ومهما تكن التسمية فإن أعضاء الملكوت الروحي الذي يملك عليه المسيح هم المواطنون أعضاء كنيسته الحقيقية المفدية التي اقتناها بدمه الطاهر (راجع أعمال الرسل ٢٠: ٢٨).

لكن للتأثير الروحي لمملكة المسيح، الذي هو ملكوت النور، بُعد أوسع من حياة المؤمنين. فحيثما وُجدت كنيسته وتزايد تأثيرها على المجتمع، يُلاحظ نمو غير عادي للوفاء والمحبة والعدالة وروح الطهارة والقداسة والجد والتضحية والسلام. هذا ما يعكسه مَثَلاَ الزارع والشبكة اللذان ضربهما المسيح نفسُه (متى ١٣: ٢٤ - ٣٠ و ٤٧ - ٥٠). فالمسيح عندما يملك على قلب البشر ينقلهم من ملكوت الظلمة، حيث هم بالطبيعة مستعبَدين للشرّ، إلى ملكوت النور حيث كل جمال وحُسن وصلاح (متى ١٢: ٢٨، لوقا ١٧: ٢١، رسالة كولوسي ١: ١٣)، وإذ يرى الناس الحياة متغيرة في هؤلاء والمخلوقة من جديد بواسطة روح المسيح، يمجدون الله، (متى ٥: ١٦). من هنا كان امتداد تأثير ملكوت المسيح.

لكن ملكوت المسيح المعطَى له بعد التجسد امتد بشكل أوسع إِثر قيامته، لذلك صرّح لتلاميذه قائلاً: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى ٱلأَرْضِ» (متى ٢٨: ١٨). كان هذا جزءاً لا يتجزأ من مقاصد الله الأزلية وعمله «ٱلَّذِي عَمِلَهُ فِي ٱلْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ، فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ ٱسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هٰذَا ٱلدَّهْرِ فَقَطْ بَلْ فِي ٱلْمُسْتَقْبَلِ أَيْضاً، وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْساً فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، ٱلَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ ٱلَّذِي يَمْلأُ ٱلْكُلَّ فِي ٱلْكُلِّ» (أفسس ١: ٢٠ - ٢٣). ومع أنه قبل تجسده كان يتمتع بمثل هذا السلطان على كل شيء، إلاّ أنه بعد قيامته رسّخ بشكل جديد مُلكه على الكل، وهو في ذلك يتحكّم في جميع ظروف مسار التاريخ البشري بأسره، لأجل تكميل عمله الكفّاري، ولأجل حماية كنيسته من كل خطر من شأنه عرقلة مسيرتها الروحية نحو الكمال الذي أراده لها.

تحتوي أسفار العهد القديم على الكثير من المظاهر والإشارات والنبوَّات التي وجَّهت المؤمنين وجهَّزتهم لمجيء المسيح إلى عالمهم البشري. هذا واضح جدّاً لدرجة أن الوحي الإِلهي يبدو وكأنه قد رسم في تلك السجلاّت طريقاً إلى استراحة نهائية بديعة. إن ظهور المسيّا الآتي يتضح تدريجياً عبر صفحات العهد القديم كالغاية النهائية لكل شيء، حين يكشف الرب الإله عن نفسه في ألمع وأكثر الصور وضوحاً، فيصبح «عمانوئيل» أي أنّ اللّه حلّ بين البشر.

لقد كان من الضروري أن يتخذ الأمر ذلك الشكل التدريجي في تاريخ البشر. فلو أن الوحي الإلهي كشف عن عملية التجسُّد الإِلهي بشكل مفاجئ، لما كان في وسع الناس فَهْم الأمر على الإطلاق. كان لا بد لتلك الخطوات التمهيدية أن تأخذ مجراها، لأن الأمر لم يقتصر على مجرّد تحضير الظروف التاريخية والإجتماعية والروحية الملائمة لمجيء المسيح، بل لأن البشر أنفسهم كانوا بحاجة إلى تحضير لكي يفهموا الظروف والأحداث، فيفهمون معنى التجسّد الإِلهي والقصد منه. من هنا كانت الطبيعة التدريجية لنبوات العهد القديم المختصّة بالمسيح. أما تحقيق السيد المسيح لمواصفات ومتطلّبات تلك النبوة فهو مذهل في دقّته وتفاصيله، لأنه يُعرِّف المرء أن المسيح هو وحده الذي يعطي مسار الوحي الإلهي في العهد القديم مغزاه وقصده وكماله.

ولعلّ المدهش في هذا الأمر هو أن نبوات العهد القديم الخاصة بقدوم المخلّص كانت قد بدأت مع بداية سجلاّت الوحي الإِلهي نفسها، وسارت جنباً إلى جنب مع تطوُّرات الأحداث. فعندما حدث السقوط نتيجة عصيان اللّه والأكل من الثمار المحرّمة للشجرة التي في وسط الجنّة، وعد الرب آدم وحواء أنه من نسل حوّاء سيأتي من يسحق رأس الحية التي دبّرت المكيدة (تكوين ٣: ١٥). إنّ لهذا علاقة خاصة بميلاد المسيح العذراوي من امرأة، والذي تعرّضنا له في الفصل الثالث من الجزء الثاني. من هنا طبَّق الوحي الإِلهي ذلك القول على أسلوب مجيء المسيح بالقول: «... لَمَا جَاءَ مِلْءُ ٱلّزَمَانِ، أَرْسَلَ ٱللّٰهُ ٱبْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ ٱمْرَأَةٍ...» (غلاطية ٤: ٤). كان لا بدّ إذن للمسيح، نسل المرأة، أن يتصارع وجهاً لوجه مع الشيطان مدبّر السقوط، لأن المسيح هو المخلّص من هذا السقوط. لقد واجه المسيح إبليس في مرحلة تجاربه التحضيرية قبل شروعه في خدمته العلنية (لوقا ٤: ١ - ١٤)، هناك دحره وأثبت تفوُّقه عليه. كما أنه صارع إبليس عندما أخرج أجناده من سُكناهم في عشرات البشر الذين كانوا قد سيطروا عليهم واستعبدوهم. لأجل ذلك دُعي محرّراً (مرقس ٥: ١ - ٢٠ ولوقا ٤: ٣١ - ٣٧).

لقد سبق مجيء المسيح إلى عالمنا كثيرون ادّعوا أنهم هم «المخلّص المنتظر»، كما جاء بعده كثيرون ادّعوا الشيء نفسه. لكن سرعان ما سقطت إدّعاءاتهم وذهبت أدراج الرياح بمجرّد أن كشف الواقع كيف أن المسيح وحده هو الذي انطبقت عليه أوصاف وتوقعات نبوات الوحي الإِلهي. لعلّ هذا هو السبب الرئيسي من وراء وجود تلك التفاصيل الدقيقة في النبوات عن المخلّص المنشود. ويتساءل البعض عن أهميّة تلك اللوائح الطويلة لسلسلة أنساب المسيح التي أوردها الإنجيل. لكن تلك الأهمية كامنة في ضرورة التيقُّن المطلق من صحة هويته. فقد كان مفروضاً أن يأتي من نسل إبراهيم عبر ابنه إسحق وحفيده يعقوب بالذات، من سبط يهوذا ومن نسل داود بالذات أيضاً. كما كان من المفترض أن يُولد في بيت لحم، وأن يقضي بعضاً من طفولته في مصر، وتكون نشأته في الجليل. كل هذه كانت أدلّة وبراهين تاريخية توفّرت فيه.

لكن نبوّات الوحي الإِلهي تطرّقت لمواصفات أخرى يجب توفّرها في المسيّا المنتظر، لها علاقة حيوية ومباشرة بمهمته الخلاصية كالإِنسان المعصوم من الخطأ، المؤهَّل لأَخْذ مكان البشر، وكاللّه المتجسِّد الذي بوسعه إكمال المهمّة المرسومة. من جهة طبيعته البشرية كان لا بدّ وأن يتمتع بعاطفة قوية ومحبة قلبية لبني البشر، تعبيراً عن استعداده للتألُّم والموت عنهم، كما كان من المفروض عليه أن يبرز كإنسان فوق العادة وفريد من نوعه (راجع إشعياء ١١: ٢ - ٥ و ٤٢: ٢ - ٦: . أمّا من جهة طبيعته الإِلهية فقد كان من الضروري إدراك وجوده المسبق، وكونه قد «أتى» إلى عالم البشر من عالم آخر (راجع إشعياء ٦٣: ١). كان من المفروض أيضاً أن تنطبق عليه أوصاف لا تنطبق إلاّ على اللّه، فيُدعى «عمانوئيل» (أي أن اللّه حلّ مع البشر). و «يسوع» (أي المخلّص) و «الإله القدير» و «الآب الأبدي» و «رئيس السلام» (إشعياء ٧: ١٤ و ٩: ٦).

كان يجب أن يكون نور العالم الذي يقضي على الظلمة (قارن إشعياء ٩: ٢ مع يوحنا ٨: ١٢). فلو أن بني البشر لم يكونوا على وعي بالظلمة الروحية حولهم لما كان لمجيء النور الروحي من معنى. والواقع أن أحداث وسجلات العهد القديم لم تقتصر إشارتها في التمهيد لمجيء المسيح على النبوّات الواضحة والمباشرة. لقد كان كل شيء يشير بصورة أو بأخرى لمجيء المخلّص ويمهّد له. وقد أجمع علماء الكتاب المقدّس على أن معاملات اللّه مع شعبه في العهد القديم أبرزت بوضوح إفلاس البشر الروحي وفشلهم الذريع في إرضاء اللّه بواسطة مجهوداتهم الدينية الخاصة، مما حتّم أن يكون الحل للمشكلة من خارج نطاق قدراتهم الشخصية. كان من الواضح إذن أنه إذا أمكن الوصول إلى حلّ لمعضلة فشل البشر في إرضاء عدالة وقداسة اللّه، فإن ذلك لا بدّ أن يأتي عبر مبادرة إلهية خاصة. لكن مع كل ذلك كان على البشر أن يدركوا حاجتهم إلى تقديم ذبائح رمزية للتكفير عن خطاياهم، كما كانوا في حاجة إلى إدراك مدى الهوة الروحية التي تفصلهم عن قداسة اللّه، مما تطلّب وجود الكهنة الوسطاء بينهم وبين اللّه. فلو أن المسيح جاء فجأة لتقديم نفسه كالكاهن والوسيط والذبيحة الحقيقية التي تحطّم الحاجز بين اللّه والناس، لما فهم البشر مهمته على الإِطلاق. لقد كان عليهم إدراك وجود ذلك الحاجز الروحي الذي أقامته الخطية بينهم وبين اللّه، ومِن ثمَّ حاجتهم إلى إزالة ذلك الحاجز. عندئذ فقط يأتي «ملء الزمان» أي يصبح كل شيء جاهزاً ومُعدّاً لعملية التجسُّد والخلاص.

يشهد التاريخ بشكل قاطع لواقعة الصلب، كما أن النبوات كانت قد سبقت وتحدثت عنها بالتفصيل (راجع نبوّة إشعياء ٥٣)، لكن الكتاب المقدس بعهديه يطرح الأمر على شكل ضرورة ملحّة ومحتومة لاسترجاع تلك العلاقة الروحية المفقودة بين اللّه الخالق وبني البشر المخلوقين. فمجيء الأنبياء ونزول الشرائع الإِلهية، وكافة متضمَّنات الوحي الإِلهي لهم، جميعها لها أدوارها الخاصة في التحضير لمجيء المسيح. إضافة إلى ذلك فإننا نجد أن مسار التاريخ البشري حول محيط شعب اللّه في العهد القديم، إبتداء من عبوديتهم في مصر وخروجهم منها، إلى تأسيس مملكتهم تحت قيادة الملك داود وابنه سليمان، وتطورها التدريجي وصولاً بتحطُّمها وسبي الأمّة بأسرها إلى بلدان نائية - كل هذا أشار باتزان وانسجام وترابط كامل إلى ضرورة تدخّل اللّه المباشر وإنجازه لعملية الخلاص.

لكن دور النبوّات التي قدمت إشارات ومواصفات مباشرة عن المخلّص الآتي يبقى جوهرياً في العملية كلّها. لقد كان من الضروري أن يُعطَى البشر الأدلّة والعلامات التي تمكنّهم من التمييز بين من ادَّعوا كذباً أنهم المسيّا المنتظر، وبين صدق المسيّا الحقيقي. فلو أن الأمر تُرك لهم للتخمين لفقدت سجلات الوحي الإِلهي مقصدها وحيويتها وانسجامها، ولكان الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام كل مدّعي بالنبوة أن يطبق على نفسه مواعيد اللّه بقدوم المخلّص.

والأنبياء الذين أوحى لهم اللّه بتفاصيل قدوم المخلّص، اعتبروا أنفسهم أدوات طيّعة في التمهيد لذلك الحدَث الذي كان سيقع في «الأيام الأخيرة» أو في «ملء الزمان». لم يبدر على لسان أحدهم، ولا حتى تلميح واحد، على أنه هو أفضل الأنبياء. كل واحد منهم أدّى دوره في التمهيد لمجيء المسيح بدون تردد أو رغبة في تحسين مركزه الشخصي أو تجميع أتباع له. عندما تحدّث موسى عن مجيء المسيح قال للشعب: «له تسمعون» (تثنية ١٨: ١٥) وعندما تحدث داود، دعاه «ربّي» (مزمور ١١٠: ١) حتى يوحنا المعمدان قال عن المسيح: «ٱلَّذِي يَأْتِي بَعْدِي، ٱلَّذِي صَارَ قُدَّامِي، ٱلَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقٍّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ» (يوحنا ١: ٢٧)، «هٰذَا هُوَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ» (يوحنا ١: ٣٤)، «هُوَذَا حَمَلُ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا ١: ٢٩). وكان السيد المسيح نفسه قد أشار لأقوال كثيرين منهم مصرحاً: «إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي ٱلأَنْبِيَاءِ: وَيَكُونُ ٱلْجَمِيعُ مُتَعَلِّمِينَ مِنَ ٱللّٰهِ. فَكُلُّ مَنْ سَمِعَ مِنَ ٱلآبِ وَتَعَلَّمَ يُقْبِلُ إِلَيَّ. لَيْسَ أَنَّ أَحَداً رَأَى ٱلآبَ إِلا ٱلَّذِي مِنَ ٱللّٰهِ. هٰذَا قَدْ رَأَى ٱلآبَ. اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. أَنَا هُوَ خُبْزُ ٱلْحَيَاةِ. آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا ٱلْمَنَّ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا. هٰذَا هُوَ ٱلْخُبْزُ ٱلنَّازِلُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ ٱلإِنْسَانُ وَلا يَمُوتَ. أَنَا هُوَ ٱلْخُبْزُ ٱلْحَيُّ ٱلَّذِي نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هٰذَا ٱلْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى ٱلأَبَدِ. وَٱلْخُبْزُ ٱلَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي ٱلَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا ٦: ٤٥ - ٥١). إذن السيد المسيح نفسه رأى أن دور كل الأنبياء وكل متضمَّنات الوحي الإِلهي كانت لأجل التحضير لمجيئه. عندما تذكّرت المرأة السامرية أقوال الأنبياء قالت للمسيح: «أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ مَسِيَّا، ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ ٱلْمَسِيحُ، يَأْتِي. فَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُخْبِرُنَا بِكُلِّ شَيْءٍ». كان ردّ يسوع عليها: «أَنَا ٱلَّذِي أُكَلِّمُكِ هُوَ» (يوحنا ٤: ٢٥ - ٢٦). وعندما قال له اليهود: «أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي مَاتَ. وَٱلأَنْبِيَاءُ مَاتُوا. مَنْ تَجْعَلُ نَفْسَكَ؟» لم يتردد يسوع في أن يكشف عن تفوُّقه وعظم مكانته فوق كل الأنبياء، فأجابهم: «أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ... قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِن»(يوحنا ٨: ٥٣ - ٥٨).

خلاصة القول إذن هي أن المسيح لم يحقق نبوات العهد القديم فحسب، بل أنه كان محور وقصد كل متضمنات الوحي الإلهي.

حياة يسوع المسيح تحقق المخطط الإلهي المرسوم

عندما ندرس تعاليم المخلّص في الإنجيل المقدس، ندرك تواً أن السيد المسيح جاء إلى عالم البشر لإتمام رسالة خاصة، وأنه عاش حياته وحقق عمله الخلاصي تبعاً لمخطط إلهي رُسم مسبقاً. وكان ذلك المخطط واضحاً وجلياً أمام عينيه، كما يظهر لنا منذ بدء حياته العلنية. وبالرغم من أهمية كل لحظة في حياته فإنه لم تبْدُ عليه ملامح استعجال الأمور، إذ أنه كان يملك الوقت الكافي للقيام بجميع تفاصيل مهمته الخلاصية كذلك لم يكن مرة واحدة فريسة للظروف، بل كان دائماً سيدها وموجّهها. لم تبعده معارضة البشر عن هدفه المنشود، إذ أنه سار نحو تحقيق الرسالة التي أسندها اللّه إليه.

لقد كانت حياة المسيح بأكملها تسير على ضرورة إنجاز ذلك المخطط الإِلهي. من هنا كان قوله في مستهل سيرته العلنية: «يَنْبَغِي لِي أَنْ أُبَشِّرَ ٱلْمُدُنَ ٱلأُخَرَ أَيْضاً بِمَلَكُوتِ ٱللّٰهِ، لأنِّي لِهٰذَا قَدْ أُرْسِلْتُ» (لوقا ٤: ٤٣)، ثمّ «ٱبْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيراً، وَيُرْفَضَ مِنَ ٱلشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ» (مرقس ٨: ٣١) وقد أخبر ملاك الرب بعض التلاميذ بقيامة سيدهم من الموت صبيحة ذلك الحدَث قائلاً: «لَيْسَ هُوَ هٰهُنَا لٰكِنَّهُ قَامَ! اُذْكُرْنَ كَيْفَ كَلَّمَكُنَّ وَهُوَ بَعْدُ فِي ٱلْجَلِيلِ قَائِلاً: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ فِي أَيْدِي أُنَاسٍ خُطَاةٍ، وَيُصْلَبَ، وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ يَقُومُ» (لوقا ٢٤: ٦ - ٧).

في بحثنا لموضوع وجوده الأزلي السابق لتجسُّده أشرنا إلى التعبيرات التي يستعملها الإنجيل للإشارة إلى ذلك، مثل «جاء» أو «أُرسل» لينجز مهمة معينة. أما بشأن إنهاء مهمته وتركه للعالم فإن ذلك كان ضرورة إلهية. والخطة الإِلهية للمسيح تضمَّنت أحداثاً مثل رحلة المسيح الأخيرة إلى القدس، ورفض زعماء الكهنة وشيوخ اليهود له، ثم خيانة يهوذا، فالقبض عليه، ومِنْ ثمَّ تألُّمه وموته على الصليب وقيامته في اليوم الثالث.

لم تكن هذه الأمور متوقَّعة فقط، أو سبق وأخبرت بها نبوات الأنبياء فحسب، بل إن الإنجيل عرضها جميعاً كأمور حتمية في عملية إنجاز رسالة المسيح الخلاصية. فبعد قيامته من الموت قال المسيح لتلاميذه: «... هٰذَا هُوَ ٱلْكَلامُ ٱلَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ، أَنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَٱلأَنْبِيَاءِ وَٱلْمَزَامِيرِ». حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا ٱلْكُتُبَ. وَقَالَ لَهُمْ:«هٰكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهٰكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ ٱلْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ، وَأَنْ يُكْرَزَ بِٱسْمِهِ بِٱلتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ ٱلْخَطَايَا لِجَمِيعِ ٱلأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ» (لوقا ٢٤: ٤٤ - ٤٧).

إن قيام شخص يتمتّع بمثل هذه المكانة الإِلهية بمهمة كهذه، يتضمّن اتِّضاعاً في كل خطوة من خطوات تلك الرسالة. لم يتعرض المسيح للإهانة من الفقر والإرهاق والجوع فحسب، بل أنه اختبر مقاومة مريرة من معارضيه والسلطات الدينية المعاصرة له. واختبر المسيح ذروة الاتضاع في آلامه النهائية وموته ودفنه. وكما ذكرنا سابقاً، كان المسيح قد أظهر اتّضاعه بأخذه طبيعة بشرية، مولوداً كطفل ضعيف، ومعرَّضاً لكافة محدوديات وضعفات الطبيعة البشرية لثلاث وثلاثين سنة. ومع ذلك فإن رسالته تُوصف في الإنجيل على أساس كون كل عنصر فيها تمّ على أكمل وجه وبصورة عفوية لا يعتريها تكلُّف. فكل فكرة وردت للسيد المسيح للتهرُّب من تتميم رسالته باستخدام قوّته الفائقة الطبيعة وربح مجد البشر، نظر إليها كتجربة ابتدعها الشيطان. لقد جاء إلى عالمنا لإتمام رسالة واحدة وصريحة، وهي أن يكون كفارة عن الخطية بواسطة آلامه وموته. وكانت كل الأمور التي قادت إلى هذا العمل الأساسي قد رسمها اللّه بالذات، ولم يقدر أي بشري أن يغيّر من مجراها.

يظهر لنا بكل جلاء أن آلام وموت المسيح كانت منجزات وانتصارات لا كوارث وفواجع. لقد حدد هو بنفسه، وليس أعداؤه، تاريخ وساعة الصلب. ومع أن عملية الصلب بدت غريبة ومذهلة لتلاميذه، إلاّ أنها لم تكن سوى تكملة لمهمة جاء للقيام بها، لفتح باب جديد وثابت لملكوت من العزّة والحياة.

ويعكس سفر أعمال الرسل جمال السلطان والتوجيه الإلهيين في حياة يسوع المسيح. فعملية الصَلب مع كونها أبشع شرّ في تاريخ البشرية، أشار إليها سفر الأعمال على أنها من ترتيب إلهي مسبق. نقرأ مثلاً: «لأنَّهُ بِٱلْحَقِيقَةِ ٱجْتَمَعَ عَلَى فَتَاكَ ٱلْقُدُّوسِ يَسُوعَ، ٱلَّذِي مَسَحْتَهُ، هِيرُودُسُ وَبِيلاطُسُ ٱلْبُنْطِيُّ مَعَ أُمَمٍ وَشُعُوبِ إِسْرَائِيلَ، لِيَفْعَلُوا كُلَّ مَا سَبَقَتْ فَعَيَّنَتْ يَدُكَ وَمَشُورَتُكَ أَنْ يَكُونَ» (أعمال الرسل ٤: ٢٧، ٢٨). وقد وعظ بطرس الرسول أهل القدس قائلاً: «هٰذَا (أي يسوع) أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ ٱللّٰهِ ٱلْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ ٱلسَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ» (أعمال الرسل ٢: ٢٣).

ثم لا يجب أن يفوتنا أن نلاحظ مدى السلطان العجيب الذي عبّر عنه يسوع المسيح في معرض أحاديثه. لقد لجأ العديد من الأنبياء الذين سبقوا مجيئه لبدء نبوّته بالقول: «هكذا يقول الرب». لكن المسيح لم يلجأ إلى نفس الأسلوب، ولم يشر إلى سلطة خارجة عنه، بل كان يضع نفسه في علاقة اللّه بشعبه، ولذلك تكلّم باسمه وبسلطته الشخصية النهائية. ففي الإنجيل حسب متى حيث وردت موعظة المسيح على الجبل، تكلّم بمكانة المشرّع المتسلّط. وقد ذكر المسيح أوامره مراراً وتكراراً على أساس أنها جزء من شريعة اللّه، وقال: «سمعتم أنه قيل.... وأما أنا فأقول....».

اعتبر المسيح المضطهَدين لأجله معادلين للأنبياء الذين اضطُهدوا في سبيل اللّه (متى ٥: ١١، ١٢)، وكذلك أعطى نفسه حق المشرّع الأعلى الذي يسمح للبشر بالدخول في ملكوت السموات وقال:«لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ. بَلِ ٱلَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ. كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ: يَا رَبُّ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ بِٱسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِٱسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِٱسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! ٱذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي ٱلإِثْمِ» (متى ٧: ٢١ - ٢٣).

وكشف البشير متى عن تفوُّق المسيح على سائر معاصريه من علماء إسرائيل قائلاً: «فلما أكمل يسوع هذه الأقوال بُهتت الجموع من تعليمه، لأنه كان يعلّمهم كمَنْ له سلطان وليس كالكتبة». وقد نسب المسيح لنفسه سلطة تفوق سائر الفرائض والشرائع المقدسة التي أوحى بها اللّه لشعبه. فدعى نفسه «... أَعْظَمَ مِنَ ٱلْهَيْكَلِ!... ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ ٱلسَّبْتِ» (متى ١٢: ٨) «والسَّمَاءُ وَٱلأَرْضُ تَزُولانِ وَلٰكِنَّ كَلامِي لا يَزُولُ» (متى ٢٤: ٣٥).

لا بد إذن أن المسيح عرّف عن نفسه، لا كمن هو في حاجة إلى خلاص، بل كمخلّص... وليس كعضو في جماعة الإِيمان (أي الكنيسة) بل كرأسها... ليس كمؤمن مثالي، بل كمن هو موضوع إيمان جميع المؤمنين. وهو لم يصلِّ فقط، بل هو من تُرفَع إليه الصلاة. ثم أخيراً قدّم نفسه ليس معلّماً للبشر فحسب، بل ربّاً وسيّداً لهم.

مسابقة الكتاب

عزيزي القارئ، إن أرسلت لنا إجابة صحيحة على ١٥ سؤالا من الأسئلة التالية نرسل لك كتابا جائزة، نرجو أن ترسل مع الإجابة اسمك وعنوانك واضحين حتى نرسل لك الجائزة.

  1. اذكر بعض الأمور التي تفرد المسيح بها.
  2. منذ متى تمتع المسيح بصفته الإلهية؟ اذكر آية تبرهن إجابتك، مع ذكر الشاهد الكتابي.
  3. في مثل الكرامين الأردياء الذي ورد في متى ٢١: ٢٣-٤٥ أعطى المسيح نفسه مكانة أعظم من الأنبياء، اشرح الفكرة.
  4. أذكر آيتين قالهما المسيح في الأسبوع الأخير من حياته تُظهران أنه الله.
  5. أذكر شهادة من يوحنا المعمدان عن ألوهية المسيح.
  6. أذكر شهادة من انجيل يوحنا عن ألوهية المسيح.
  7. أذكر شهادة من الرسول بولس عن ألوهية المسيح.
  8. أذكر خمسة ألقاب للمسيح توضح ألوهيته.
  9. أذكر صفتين للمسيح توضحان ألوهيته، مع آية كتابية عن كل منهما، مع ذكر شاهدها.
  10. ما الفرق بين ما قاله المسيح عن معجزاته وما قاله غيره من الأنبياء عن معجزاتهم؟
  11. أذكر برهانين بشاهدين من الكتاب المقدس على أن المسيح إنسان.
  12. لماذا تجسّد المسيح؟
  13. اشرح كيف كان المسيح نهاية وكمال الوحي الإلهي للبشر.
  14. ماذا كان أكبر ما وصل اليه تواضع المسيح لأجل خلاصنا؟
  15. أذكر أربع خطوات في ارتفاع المسيح، بعد تواضعه.
  16. ما هي البركة التي نحصل عليها من عصمة المسيح الكاملة؟
  17. أذكر بعض المناسبات التي استعمل فيها المسيح لنفسه لقب «ابن الإنسان».
  18. المسيح النبي - ما هو وجه الشبه ووجه الخلاف بينه وبين غيره من الأنبياء؟
  19. ما هما وظيفتا الكاهن - وكيف يقوم المسيح بهما؟
  20. أذكر خمس نبوات عن صلب المسيح جاءت في العهد القديم وتم تحقيقها في العهد الجديد.

أرسل الإجابة فقط بدون تعليقات أخرى لا علاقة لها بالموضوع لئلا تُهمل، ونحن بانتظار إجابتك.

Call of Hope 
P.O.Box 10 08 27 
70007
Stuttgart
Germany

الصفحة الرئيسية