صموئيل الثانى

الباب الأول

[ للقمص / تادرس يعقوب ملطي ]

________________________________________________

انتصارات داود النبى

فى السفر السابق ظهر داود النبى كرجل الله الحق ، الذى غلب وانتصر ، لا على الآخرين ، بل فى حياته الداخلية . لقد سقط شاول الملك مطارده بين يديه على الأقل مرتين ولم يقبل أن يمد يده على مسيح الرب . وعندما ثار على نابال الأحمق وعزم أن ينتقم لنفسه سمع لمشورة أبيجابل الحكيمة وباركها لأنها منعته عن الأنتقام لنفسه . الآن سقط شاول وبنيه فى الحرب ، فانكشف بالأكثر اتساع قلب داود بالحب الخالص . لقد نسى إساءات شاول واضطهاداته المستمرة ، كما لم ينشغل بنفسه بكونه مستحقا أن يتولى عرش المملكة ، إنما رثى شاول ويوناثان ، متذكرا الجوانب الطيبة فيهما ، فحسبهما حلوين . وكان يرثيهما بقلبه ودموعه كما بلسانه وشفتيه .

استحق صاحب هذا القلب الكبير أن يتمتع بنصرات مستمرة على الأمم المحيطة به والمقاومة حيث ثبتت مملكته ، لا ليتسلمها سليمان ابنه من بعده فحسب ، وإنما بالحرى ليأتى من نسله المسيا المخلص يملك إلى الأبد على قلوب مؤمنيه ، مقيما ملكوت الله داخلهم .

+  +  +

الأصحاح الأول

داود يرثى شعبه

انتصر داود على عماليق ورد المسبيين  وعاد يحمل الغنائم الوافرة ليوزع منها على شيوخ يهوذا ، ويجدد المساكن بعد حرق صقلغ ( 1 صم 30 ) ، أما قلبه فكان ملتهبا من جهة شعبه ، إذ يعلم كيف ضعف الجيش وفارق روح الرب شاول بينما اتسم جيش الفلسطينيين بالقوة والنظام .. فى اليوم الثالث من وصوله إلى صقلغ جاء عماليقى يبشره بموت شاول مسيح الرب ، وكان ينتظر مكافأة مدعيا أنه ضرب شاول فى أنفاسه الأخيرة فنال عقوبة ، ورثى داود شاول ويوناثان وكل الشعب .

( 1 ) عماليقى يبشر بموت شاول

فى اليوم الثالث من وصول داود إلى صقلغ بينما كان مهتما بإعادة بنائها كان قلبه يئن مع ضيقة شعبه . متوقعا بين لحظة وأخرى أن تصله أنباء عن المعركة ، وإن كانت الأنباء متوقعة مقدما . جاء غلام بثياب ممزقة وعلى رأسه تراب يخبره بنتائج المعركة .

أما قصة هذا الغلام العماليقى ، فبحسب التقليد اليهودى هو ابن دواغ الأدومى : شعر أن داود سيملك لا محالة ، أراد أن يكون أول مبشر بخبر موت شاول ويوناثان ، غالبا ما رواه الغلام كان كذبا ، لكنه أراد أن يكسب ود داود . أخبره بأن شاول ويوناثان قد ماتا وكأنه لم يصر هناك وارث للعرش سوى داود ، قال عن شاول فقط : " فوقفت عليه وقتلته " . رأى علامات الضيق والحزن على وجه داود فأكمل حديثه : " لأنى علمت أنه لا يعيش بعد سقوطه " . أخيرا أراد أن يهنئه بالملك كوارث لشاول ، فقدم له إكليل شاول وسواره لأنه هو أولى من يستلمهما .

فى الآثار الأشورية غالبا ما يصور المحاربون وقد لبسوا حليا خاصة أسورة على أذرعتهم .

واضح من القصة أنها مختلقة وذلك بمراجعة 1 صم 31 : 3 .... الخ .

صورة مؤلمة لقصة أحكم الغلام حبكها لكى يكسب ود داود ! لكن داود الحلو فى حبه وإخلاصه حكم على الغلام من فمه كقاتل لمسيح الرب . لقد كذب العماليقى ، وجنى ثمرة كذبه قتله لنفسه ، كما دفع حياته الجسدية للهلاك عوض المكافأة .

( 2 ) داود يبكى شعبه

لم يفكر داود ولا رجاله فى التشفى فى شاول المقاوم لهم زمانا طويلا ، ولا فيمن يستلم الحكم من بعده ، .....الخ وإنما ندبوا وبكوا وصاموا إلى المساء من أجل موت شاول ويوناثان ومن أجل موت الكثير من الشعب وانكساره .

تعلم سليمان الحكيم هذه المشاعر الرقيقة من أبيه ، فقال : " لا تفرح بسقوط عدوك ، ولا يبتهج قلبك إذا عثر ، لئلا يرى الرب ويسوء ذلك فى عينيه فيرد عنه غضبه " أم 24 : 17 ، 18 ؛ " الفرحان ببلية لا يتبرأ " أم 17 : 5 .

لم يوجد من يبكى شاول ويرثيه من الأعماق إلا ذاك الرجل الذى أبغضه شاول لسنوات طويلة ومعه رجاله، لقد حمل داود ظلا للسيد المسيح الذى بكى على أورشليم الساقطة بينما كانت تستخدم كل طاقاتها لقتله ( مت 23 : 37 ؛ لو 13 : 34 ) !

( 3 ) داود يعاقب العماليقى

تعجب داود كيف يتجاسر إنسان مفتخرا أنه قتل مسيح الرب وهو جريح فى المعركة ، لذا سأل الغلام : " من أين أنت ؟ " فقال له : " أنا ابن رجل غريب عماليقى " ..... عاد ليسأله : " كيف لم تخف أن تمد يدك لتهلك مسيح الرب ؟ " . إذ لم يكن يتوقع مثل هذا السؤال صمت ، فحكم بصمته على نفسه : " دمك على رأسك لأن فمك شهد عليك قائلا : أنا قتلت مسيح الرب " .

( 4 ) مرثاة لشاول ويوناثان

تقف كل نفس أمينة أمام هذه المرثاة العجيبة فى خشوع لتحيى الحب الصادق النابع من قلب داود تجاه مضطهده شاول وصديقه يوناثان . تهتز كل مشاعر داود أمام نبأ قتلهما فلم يقدر أن يحبس دموعه ولا أن يصمت بلسانه فسجل لنا هذه المرثاة .

عبر داود النبى عن مشاعره الأمينة بمرثاة لشاول ويوناثان ، وقد طلب من بنى يهوذا أن يتعلموها لكى تبقى ذكراهما دائمة . سجلت فى كتاب شعرى مشهور فى ذلك الحين يسمى " سفر ياشر " وهو كتاب أدبى وليس سفرا من أسفار الكتاب المقدس ( يش 10 : 13 ؛ 1 مل 8 : 35 )

دعا داود مرثاته " نشيد القوس " ربما من أجل ذكره قوس يوناثان المحبوب لديه ( 2 صم 1 : 22 ) .

هذا النشيد أو هذه المرثاة ليست مزمورا موحى به بل هى قصيدة شعرية تكشف عن مشاعر حب وإخلاص .

+ " الظبى يا إسرائيل مقتول على شوامخك " 2 صم 1 : 19 : ربما قصد بالظبى يوناثان ، إذ كانت سرعة الحركة من أعظم سمات المحارب ، فكان يوناثان سريعا فى حركته كالظبى ، لكنه وجد مقتولا على شوامخ إسرائيل ، أى على جبال حلبوع الشامخة .

+ " كيف سقط الجبابرة  ؟!"  : ربما كان هذا القول قرارا فى النشيد ، فقد دعى شاول وابنه ورجالهما جبابرة لم ينتظر سقوطهم ، كانوا سندا للكثيرين ، لكنهم سقطوا فسقط الجميع وراءهم .

+ " لا تخبروا فى جت ، لا تبشروا فى أسواق أشقلون ، لئلا تفرح بنات الفلسطينيين ، لئلا تشمت بنات الغلف " 2 صم 1 : 20 . اختار جت بكونها أعظم مدن الفلسطينيين وأشقلون المدينة التى فيها أعظم هياكل عشتاروت ربما أرسل إليها سلاح شاول ويوناثان ( 1 صم 31 : 10 ) .

+ " يا جبال جلبوع لا يكن طل ولا مطر عليكن ولا حقول تقدمات ، لأنه هناك طرح مجن الجبابرة مجن شاول بلا مسح بالدهن . من دم القتلى من شحم الجبابرة لم ترجع قوس يوناثان إلى الوراء وسيف شاول لم يرجع خائبا " 2 صم 1 : 21 ، 22 . هذه جميعها اصطلاحات شعرية تصور خطورة الكارثة التى حلت على جبال جلبوع حيث تلطخت بدماء ملوكية ، دماء جبابرة بأس ، يطلب ألا يكون عليها طل ولا مطر فتجف وتصير قفرا بعد موت الجبابرة ، ولا يكون بها حقول تأتى بثمار يقدم منها تقدمات للرب أو ما يستحق أن يقدم عنها عشور أو بكور حيث حل بها الخراب ، فقد سقطت أسلحة الجبابرة ، سيف شاول لم يمسح بالدهن ليقاتل به ( كانت العادة أن يمسح السيف قبل استعماله ) ، لقد سقط عليه وتلطخ بدمه عوض الدهن ، كانت قوس يوناثان وأيضا سيف شاول دائمى العمل فى قتل الجبابرة أما الآن فتوقفا !  

تذكر داود انتصارات شاول الكثيرة وغلبته على أعدائه ( 1 صم 14 : 47 ) .

+" شاول ويوناثان المحبوبان والحلوان فى حياتهما لم يفترقا فى موتهما ، أخف من النسور وأشد من الأسود " 2 صم 1 : 23 . أظهر داود نقاوة قلبه الداخلية فإنه لم ينطق بكلمة واحدة تسىء إلى شاول ، ولا حتى بالتلميح ، إنما امتدحه مع محبوبه يوناثان . تطلع إليهما كمحبوبين ، فقد أحب يوناثان أباه شاول وبقى سندا له فى البلاط ، أمينا فى عمله ، حلوا فى تصرفاته ، ملاصقا له حتى الموت وإن كان لم يسترح لحسد أبيه نحو داود ولم يشترك معه فى التصرفات الخاطئة .

مدحهما داود على سرعتهما فى الحركة وشجاعتهما فى القتال مشبها إياهما بالنسور والأسود .

+ " يا بنات إسرائيل أبكين شاول الذى ألبسكن قرمزا بالتنعم ، وجعل الذهب على ملابسكن " 2 صم 1 : 24 .

كانت لشاول خطاياه من عصيان وعناد وجنون وحسد لكن داود تجاهل هذا كله فى مرثاته ، مذكرا النسوة الباكيات بأعماله الجبارة ، فقد حارب وغلب ، واستقرت البلاد فى أيامه حتى لبست النساء القرمز متنعمات وتحلين بالذهب لأنهن فى أمان من الأعداء والسبى .

+ " قد تضايقت عليك يا أخى يوناثان ، كنت حلوا لى جدا ، محبتك لى أعجب من محبة النساء " 2 صم 1 : 26 ، محبة النساء لرجالهن عجيبة ، إذ يتركن بيوت آبائهن وأهلهن ويلتصقن برجالهن ، ... أما حب يوناثان فكان أعذب وأحلى . لقد بقى فى بيت أبيه محتملا التعييرات بسبب داود ، كان يعلم أن داود يحتل عرشه ، فكان يهيىء له الطريق بفرح مقدما حياته فدية عنه ، كان بحق حلوا فى حبه ! أى شىء أعذب من الحب الأخوى الخالص الذى لا يطلب ما لنفسه بل ما لصديقه ! .

+  +  +

الأصحاح الثانى

داود يملك على يهوذا

لقد أيقن داود أنه هو الملك المختار من قبل الرب ، لكنه استشار الرب أولا إن كان يصعد إلى إحدى مدن يهوذا .

وبعد سؤال الرب صعد داود إلى حبرون حيث مسح ملكا على بيت يهوذا ، لم ينس داود المعروف الذى صنعه رجال يابيش جلعاد مع شاول بعد موته ، أقام أبنير أيشبوشت بن شاول ملكا على جلعاد والأشيريين ويزرعيل وافرايم وبنيامين وكل إسرائيل . بدأ أبنير بالحرب ضد رجال داود حيث غلبه رجال داود ؛ عاد فطلب أبنير أن تتوقف هذه الحرب الأهلية فقبل الطرفان إلى حين

( 1 ) مسح داود ملكا على يهوذا

مات شاول ويوناثان ، وكانت الخلافة لأيشبوشت بن شاول ، اسمه الأصلى " أشبعل " 1 أى 8 : 33 ، أى " رجل البعل " أو " رجل ذو سيادة " . ولما كانت كلمة " بعل " قد تخصصت لإله الفينيقيين لذا تغير اسمه إلى أيشبوشت لتعنى " رجل الخزى " ، إذ كان ضعيفا غير قادر على العمل ، يحركه أبنير رئيس جيش شاول كيفما يريد .

أما داود الذى سبق فمسحه صموئيل ملكا سرا وسط إخوته ( 1 صم 16 ) ، فكان عند موت شاول ويوناثان فى صقلغ فى أرض الفلسطينيين ، وقد خلا له الجو إلى حد كبير ليستلم العرش ، أما هو فبحكمة واتزان لم يتسرع طالبا الحكم وإنما رأى أنه لا داعى لبقائه خارج وطنه .

داود – كرجل الله – سأل الرب فجاءت الأجابة الإلهية بالتوجه إلى :

" حبرون " من أعظم مدن يهوذا المقامة بين الجبال كحصون طبيعية . هناك جاءه رجال يهوذا ومسحوه ملكا علانية .

إن كانت " حبرون " تعنى " اقترانا " ، فإنه ما كان يمكن لداود أن يمسح ملكا ما لم يصعد هو وأسرته ورجاله إليها ليأتيه رجال يهوذا هناك . أقول إننا لن ننعم بالمسحة المقدسة لنحسب " ملوكا وكهنة " رؤ 1 : 6 ؛ 5 : 10 ما لم ننعم بالأتحاد مع ربنا يسوع " ملك الملوك " ، نقدم له حياتنا كلها ، النفس مع الجسد بكل إمكانياتهما وقدراتهما ومواهبهما ... لننعم بشركة مع الله فى ابنه يسوع المسيح ، فنملك معه .

يرى القديس يوحنا الذهبى الفم : أنه فى العهد القديم كان الروح القدس يهب مسحة للبعض فيقيم ملوكا أو كهنة أو أنبياء ، أما فى العهد الجديد – ففى المسيح يسوع – نلنا جميعا مسحة ليكون كل واحد منا ملكا وكاهنا ونبيا ، ملكا من حيث تنعمنا بالملكوت ،

 وكهنة إذ نقدم أجسادنا ذبيحة ( رو 12 : 1 ) ،

 وأنبياء إذ يعلن لنا ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن ( 1 كو 2 : 9 ) .

يرى البعض أن فى مسح داود ملكا على بيت يهوذا ( 2 صم 2 : 4 ) بواسطة رجال يهوذا كشفا عن نقطة ضعف اتسم بها سبط يهوذا ألا وهى ميله نحو الأنعزالية والأنفراد عن بقية الأسباط مما سبب متاعب كثيرة فيما بعد وانقسامات فى الشعب ، بل وانقسمت المملكة إلى أثنتين : مملكة إسرائيل ( 10 أسباط ) ومملكة يهوذا ( يهوذا وبنيامين ) إلى أيام السبى .

هذا ويلاحظ أن داود مسح ملكا ثلاث مرات :

( أ ) سرا فى بيت أبيه ( 1 صم 16 : 13 ) .

( ب ) مسحه على بيت يهوذا ( 2 صم 2 : 4 ) .

( ج ) مسحه على كل إسرائيل ( 2 صم 5 : 3 ) .

( 2 ) داود يمتدح أهل يابيش جلعاد

أول عمل قام به داود بعد مسحه ملكا على بيت يهوذا هو اهتمامه بمن قاموا بدفن شاول ويوناثان ، لقد عرف أنهم أهل يابيش جلعاد فأرسل إليهم يمتدحهم قائلا لهم :

" مباركون أنتم من الرب ...

والآن ليصنع الرب معكم احسانا وحقا ،

وأنا أيضا أفعل معكم هذا الخير ...

والآن فلتتشدد أيديكم وكونوا ذوى بأس ، لأنه قد مات سيدكم شاول وإياى مسح بيت يهوذا ملكا عليهم " 2 صم 2 : 5 – 7 .

هذا التصرف من جانب داود يستحق التقدير فقد قدم البركة ، والمكافأة ، وأستفاد من طاقات الآخرين لبنيان المملكة  ، إنها صفات القائد الناجح .

( 3 ) أبنير يقيم إيشبوشت ملكا

أقام الله داود ملكا حيث مسحه بيت يهوذا ليقيم فى حبرون سبع سنوات ونصف ( 2 صم 2 : 11 ) بعدها مسح ملكا على جميع الأسباط . من الجانب الآخر انشغل أبنير رئيس جيش شاول فى استرجاع بعض المدن التى فقدت فى معركة جلبوع ؛ صار يجاهد لمدة خمس سنوات ونصف بعدها أقام ايشبوشت بن شاول ملكا على إسرائيل ( ما عدا سبط يهوذا ) ، وعبر به إلى محنايم كعاصمة للمملكة . كان أبنير خائفا من داود لئلا يطرده من منصبه كرئيس جيش .

( 4 ) أبنير يثير حربا أهلية

بقى داود أمينا ومخلصا لشاول ويوناثان ، لم يفكر قط فى اغتصاب العرش رغم مسحه ملكا مرتين ، مكتفيا أن يعمل وسط سبطه يهوذا ، لكن أبنير عم شاول أراد أن يخضع يهوذا إيشبوشث ، فخرج ومعه رجال إيشبوشث من محنايم إلى جبعون ، واضطر يوآب وعبيد داود أن يخرجوا أيضا دون داود ، والتقى الطرفان على بركة جبعون كل على جانب مقابل الآخر ، يبدو أن رجال كل طرف من الطرفين لم يستريحوا لمقاتلة إخوتهم .... ولو ترك الأمر هكذا لرجع الطرفان كما قال يوآب فيما بعد لأبنير ( 2 صم 2 : 27 ) . لقد جلس الجميع على طرفى البركة ( 2 صم 2 : 13 ) ولم يتأهبوا للقتال ، أراد أبنير أن يلهب الجو فطلب أن يتقاتل بعض الغلمان ، قام 12 غلاما من كل طرف ، فأمسك كل واحد برأس صاحبه وضرب سيفه فى جنب صاحبه وسقط الأربعة وعشرين غلاما ، ودعى هذا الموضع " حلقث هصوريم " أى " صقل السيوف " .

أثار هذا المنظر الطرفين فقام الكل يتقاتلون ، وانكسر أبنير ورجاله أمام عبيد داود .

( 5 ) أبنير يقتل عسائيل

هزم أبنير ورجاله ، فهرب ، لكن عسائيل أراد أن يلحق به ويقتله ، وكان رئيسا لإحدى فرق الجيش ، خفيف الرجلين كالظبى لكنه لم يكن قويا فى الحرب كأخيه يوآب ولا كأبنير .

كلمة " عسائيل " معناها " الله يعمل " وهو ابن صروبة أخت داود ، أخو يوآب وابيشاى . ربما أخذه الحماس ليلحق بأبنير ليضع حدا فاصلا للحرب ، ويسرع بتسليم خاله داود الملك .

تطلع أبنير وراءه فشاهد عسائيل ، أراد أن يثنيه عن ملاحقته ، بدون جدوى ، فضربه أبنير بزج الرمح ضربة خفيفة كى لا يقتله ، أى ضربه بخلف الرمح ، ومع ذلك دخل الرمح فى بطنه وخرج من خلفه ، وسقط عسائيل ميتا .

إذ كان الجميع يحبونه هو وأخاه يوآب ، كان كل من يأتى إلى الموضع الذى سقط فيه يقف .

( 6 ) سعى يوآب وراء أبنير

سعى يوآب وأبيشاى وراء أبنير لينتقما لأخيهما عسائيل حتى الغروب عندما جاء أبنير إلى تل أمة الذى تجاه جيح .

اجتمع بنو بنيامين الين كانوا يطلبون نجاح إيشبوشث وقائده أبنير ، واستعدوا لمقاومة يوآب . فنادى أبنير يوآب ، وقال له : " هل إلى الأبد يأكل السيف ؟! ألم تعلم أنها تكون مرارة فى الأخير ؟! فحتى متى لا تقول للشعب أن يرجعوا من وراء إخوتهم ؟! " 2 صم 2 : 26 . هكذا شعر أبنير أن القتال لن يتوقف والخراب سيحل بالجميع لذا طلب من يوآب أن يرجع هو ورجاله عن مقاتلة إخوتهم . أجابه يوآب محملا إياه مسئولية ما حدث ...

أما قبول يوآب وقف الحرب بالرغم من قتل أخيه ، إنما لأنه يدرك ما فى قلب خاله داود الملك ، إنه لا يسعى ليملك بمقاتلة إخوته ، إنما ينتظر عمل الله الهادىء .

دفن القتلى فى أرض المعركة ، أما عسائيل فدفن فى بيت لحم فى مقبرة أبيه ( 2 صم 2 : 32 ) .

عبر أبنير الأردن إلى محنايم ، وذهب يوآب إلى حبرون حيث يملك داود .

+  +  +

الأصحاح الثالث

أبنير ينضم إلى داود

( 1 ) حرب بين بيت شاول وبيت داود

إذ ملك ابنير نسيب شاول إيشبوشث على إسرائيل ( ما عدا سبط يهوذا ) بقى داود صامتا ينتظر يد الله ومواعيده الأمينة والصادقة ، فإنه لم يسع نحو إخضاع الأسباط تحت حكمه ولا مقاومة الملك الجديد ، بدأ إيشبوشث حربه بتحريض وقيادة أبنير الذى كان يصر على أن يبقى الملك فى يد شاول بالرغم من ادراكه أن الله حلف لداود أن يهبه الملك ( 2 صم 3 : 10 ، 11 ) .

كانت الحرب طويلة بين بيت شاول وبيت داود المصر على عدم مقاومة الملك أو الأساءة إلى بيت شاول . قيل : " وكانت الحرب طويلة بين بيت شاول وبيت داود ، وكان داود يذهب يتقوى وبيت شاول يذهب يضعف " 2 صم 3 : 1 . خلال هذه الفترة كان الله يعمل وسط شعبه ليجتذبهم تدريجيا نحو داود لا خلال القهر والألزام بل خلال حياته المقدسة الهادئة .

( 2 ) أبنير يقاوم إيشبوشث

كان داود يملك على القليل ( سبط واحد ) وإيشبوشث يملك على الكثير ( بقية الأسباط ) ، لكن داود حمل مجده فى داخله خلال إيمانه بالله العامل فيه ، أما إيشبوشث فارتكزت قوته على أبنير نسيبه ورئيس جيشه ، لذا كان الأول يزداد مجدا من يوم إلى يوم والثانى يزداد انهيارا من وقت إلى آخر .

دخل أبنير على سرية شاول فعاتبه إيشبوشث الضعيف الشخصية بعنف ، ليس دفاعا عن الحياة المقدسة وإنما لأنه حسب أنه بذلك يريد أن ينسب الملك إلى نفسه . لم يقبل أبنير هذا العتاب لأنه هو الذى أقامه ملكا . فى عنف وبخ الملك قائلا لـه : " ألعلى أنا رأس كلب ليهوذا ؟! أليوم أصنع معروفا مع بيت شاول أبيك مع إخوته ومع أصحابه ولم أسلمك ليد داود وتطالبنى بإثم امرأة ؟!

 ربما أراد أبنير أن يستغل الفرصة لينحاز إلى داود عندما رأى أن يد الرب معه . إذ قال لإيشبوشث : " كما حلف الرب لداود كذلك أصنع له . لنقل المملكة من بيت شاول وإقامة كرسى داود على إسرائيل وعلى يهوذا من دان إلى بئر سبع " ( أى من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ) .

كان أبنير معتدا بذاته ، يظن أنه يستطيع أن يتعامل مع داود مثلما يتعامل مع إيشبوشث ؛ يقيم ويعزل ملوكا ، لكنه لم يدرك أنه قبلما يتحقق مسح داود ملكا على كل الأسباط يموت ابنير ، إنه يمثل الذراع البشرى المتشامخ الذى يظن أن الأمور تجرى بيده بدون المعونة الإلهية .

لذا يقول داود النبى فى المزمور : " لا تتكلوا على الرؤساء ، ولا على ابن آدم حيث لا خلاص عنده ، تخرج روحه فيعود إلى ترابه .... طوبى لمن إله يعقوب معينه ورجاؤه على الرب إلهه " مز 146 : 3 – 5 .

( 3 ) إقامة عهد بين أبنير وداود .

لقد صمت إيشبوشث أمام تهديدات أبنير ولم ينطق بكلمة لأنه نال الملك من يده لا من يد الله ، معتمدا على ذراع بشر ، أما أبنير فلم يكن محتاجا إلى وقت للتفكير فى الأمر ، إذ يبدو أن فكرة التخلى عن إيشبوشث قد سيطرت عليه تماما ، لهذا " أرسل أبنير من فوره رسلا إلى داود قائلا : لمن هى الأرض ؟! يقولون اقطع عهدك معى وهوذا يدى معك لرد جميع إسرائيل إليك " 2 صم 3 : 12 ، هكذا يتعهد أبنير – خلال رسله – أن يرد جميع الأسباط إلى داود على أن يقيله فى خدمته ويعفو عن كل ما فعله من عصيان .

قبل داود الملك هذا العرض مشترطا لإقامة العهد أن ترد إليه زوجته الأولى ، ميكال ابنة شاول التى أعطاها والدها لفلطئيل بن لايش ( 1 صم 25 : 44 ) .

لماذا وضع داود هذا الشرط ؟

يرى البعض أن داود طلبها ليس حبا فيها وإنما لأسباب سياسية ، وهو ابراز أنه أولا وقبل كل شىء نسيب شاول الملك فينال أمام الأسباط نوعا من الشرعية فى تولى الملك ، ورأى آخرون فى هذا التصرف ردا لكرامة داود الذى اغتصبت زوجته وسلمت لآخر .

هناك رأى آخر ، فهو يستطيع أن يرد ميكال بعد تولى العرش ، ولكنه فى هذه الحالة سيحسب عنيفا ومستغلا لسلطاته ، إنما أراد داود أن يبرز أنه أمين لزوجته ميكال التى أحبها ، هذه الأمانة فى نظره أولى من تسلمه الملك . إن لم يكن أمينا مع زوجته فكيف يرعى هذا الشعب كله .

بناء على طلب أبنير : قام إيشبوشث برد ميكال ( أخته ) إلى داود ، وكان رجلها يسير معها ويبكى وراءها إلى بحوريم .

( 4 ) يوآب يغدر بأبنير

كنا نتوقع من داود النبى والملك أن يتحرك فرحا ليستغل الفرصة ليجمع الأسباط تحت سلطته ، لكن ما حدث أنه وقف فى حب وثقة بالله يتأمل عمل الله معه ، فكان المتحرك هو أبنير ، إذ بادر بالوفاء بوعده ، متحدثا مع شيوخ إسرائيل عن إقامة داود ملكا كطلبهم السابق وتحقيقا لمشيئة الله . أخذ أبنير عشرين رجلا من شيوخ الأسباط ، وانطلقوا إلى داود الذى أقام لهم وليمة علامة الأتحاد وإقامة عهد معهم .

تأثر أبنير بلقاء داود مع العشرين شيخا لذا طلب من داود أن يسمح له بالذهاب إلى الأسباط لتدبير الأمور الخاصة بتجليسه رسميا ملكا ( 1 أى 11 : 1 – 3 ) . 

عاد يوآب مع رجاله وسمع بما تم بين داود وأبنير فثارت ثائرته ، ربما لأنه كان يخشى أن يحتل ابنير مركزه ، لقد انتهر داود الملك متهما ابنير أنه جاسوس جاء ليخدع الملك حتى يخرج ويثير الأسباط لمحاربته ، أما داود فصمت ليس خوفا من يوآب كما صمت إيشبوشث أمام أبنير ، وإنما استخفافا بفكر يوآب ، وتصرفاته المتهورة فى مواقف كثيرة .

استدعى يوآب أبنير سرا ( دون علم داود الملك ) ، وإذ مال إليه اغتاله انتقاما لأخيه عسائيل ، ولأنه خشى أن يحتل مركزه كرئيس جيش داود .

لم يكن لائقا برجل حرب كيوآب أن يقتل إنسانا أئتمنه على نفسه وجاءه يتفاوض معه ، إنما كان يجب أن يصارحه ويبارزه إن أراد ... فقد أوصى موسى الشعب : " ملعون من يقتل قريبه فى الخفاء " تث 27 : 24 .

( 5 ) داود يحزن على أبنير

كم كان داود شهما ونبيلا عندما أعلن رسميا وشخصيا براءته من قتل أبنير ورفضه هذا الغدر من جانب يوآب ، معلنا للجميع أن ما صنعه يوآب لا يليق برجل إيمان ولا برجل حرب وأن تأديب الرب سيحل به ( 2 صم 3 : 29 ) .

أعلن داود رأيه رسميا بسيره وراء نعش أبنير وطلبه من الشعب أن يمزقوا ثيابهم ويتمنطقوا بالمسوح ويلطموا أمام جثمان ابنير ، كما أعلن عن براءته من قتل أبنير بسلوكه الشخصى فقد بكى عليه وصام النهار كله . لقد تأثر به الشعب جدا وبكوا معه ، نسى داود أن ابنير عدوه الذى كان يثير الحرب بينه وبين إيشبوشث وتذكر أنه قائد عظيم كان يمكن الأنتفاع منه فى محاربة الوثنيين .

فى مرثاته قال : " هل كموت أحمق يموت أبنير ؟! يداك لم تكونا مربوطتين ورجلاك لم توضعا فى سلاسل نحاس . كالسقوط أمام بنى الإثم سقطت " 2 صم 3 : 33 ، 34 .

لم يعزل داود يوآب من عمله ربما لأنه لم يجد مثله كرجل حرب وربما لأنه رأى أن ما فعله يوآب كان يهدف إلى الدفاع عن مملكة داود حاسبا أبنير جاسوسا ومخادعا . 

+  +  +

الأصحاح الرابع

نهاية مملكة شاول

بقتل ابنير غدرا بيد يوآب انتهت مملكة شاول إذ كان إيشبوشث ملكا صوريا ، قتله أخوان " بعنة وركاب " غدرا وهو على سرير فراشه نائما ، ولم يبق وارثا للمملكة إلا مفيبوشث بن يوناثان ، كان أعرج يعجز عن تولى العرش .

( 1 ) انهيار ايشبوشث

" ولما سمع ابن شاول أن ابنير قد مات فى حبرون ارتخت يداه وارتاع جميع إسرائيل " 1 صم 4 : 1 . عدم ذكر اسمه هو نوع من الأحتقار ، فقد خسر إيشبوشث كرامته وقوته لأن مملكته قامت على ابنير الذى غدر به يوآب ، خبر خيانة أبنير لإيشبوشث والغدر بأبنير حطم نفسية الملك الشكلى فارتخت يداه ، بل وارتاع الشعب كله ، فقد مات القائد الشجاع ولا يعرفون ماذا يفعل بهم داود .

( 2 ) قتل إيشبوشث

غدر به بعنة وركاب ابنا رمون من بئيروت التى للجبعونيين ، من بنى بنيامين ( 2 صم 4 : 2 ) . هذان كانا فى خدمة الملك ، انتهزا الأحداث ، وشعرا بانهيار الملك وتخلى الشعب عنه ، فأرادا اللحاق بخدمة داود الملك بتقديم رأس منافسه إيشبوشث . هذان خانا الملك الذى أقامهما فى البلاط للخدمة ، بجانب أنهما من ذات سبطه ، مما يجعل جريمتهما أكثر بشاعة .

لقد دخلا بيت إيشبوشث بحجة أنهما يطلبان حنطة وكان ذلك فى وقت الظهيرة – ما بين الساعة الثانية عشرة والثالثة بعد الظهر ؛ وجدا الملك نائما على سريره فقطعا رأسه وجاءا بها إلى داود مقدمين تعليلا لاهوتيا : " قد أعطى الرب لسيدى الملك انتقاما فى هذا اليوم من شاول ومن نسله " 2 صم 4 : 8 .

بقتل إيشبوشث خلى الجو تماما لداود إذ لم يعد من بيت شاول سوى مفيبوشث بن يوناثان ، كان ابن خمس سنين حينما قتل أبوه وجده فى الحرب ، فحملته مربيته وهربت ، وإذ كانت مسرعة وقع فانكسرت عظام رجليه والتحمت خطأ فى غير موضعهما فصار أعرج ( 2 صم 4 : 4 ) ، غير قادر على تولى العرش لعجزه الجسدى ولصغر سنه ( حوالى 12 سنة ) .

( 3 ) الأنتقام لإيشبوشث

أكد داود النبى للخائنين الشريرين أنه ليس فى حاجة إلى عون الأشرار مثلهما بل هو متكل على الله الذى فدى نفسه ( 2 صم 4 : 9 ) . إنه لم يستحسن قتل شاول ولا ابنير فكيف يقبل قتل رجل على سرير فراشه ؟!

طلب الدم البرىء منهما ، فقطعت أياديهما التى قتلت ؛ والأرجل الى هربت ، وعلقت جثتاهما على بركة حبرون حتى يدرك القادمون للأستقاء أن داود لا يملك خلال هرق دم برىء ، وأنه لا يسر بهذين الخائنين ، أما رأس إيشبوشث فدفنت بتكريم فى مقبرة ابنير فى حبرون .

هذا التصرف يفرح قلب الله الذى أقام داود ملكا كما يسر قلوب البنياميين وأتباعهم ، إذ يرون داود لا يحمل عداوة تجاه بيت شاول بل محبة وإخلاصا .

+  +  + 

الأصحاح الخامس

مسح داود ملكا

أخيرا مسح داود ملكا على جميع الأسباط فى الوقت المناسب ، بعد أن تعلم فى السنوات الماضية حياة الجهاد بلا ملل ، والأتضاع فلا يطلب لنفسه مجدا زمنيا ، والحب فلا ينتقم لنفسه .

لقد مارس داود أعمال محبة تسندها مشاعر صادقة فملك وغلب بالرغم من مقاومة الأعداء له .

( 1 )  مسح داود ملكا

هذه هى المرة الثالثة التى فيها مسح داود ملكا حيث خضع الكل له ، لقد حان الوقت لتوليه الملك باختياره وإجماع الشعب عليه ، جاء إليه الشيوخ :

" هوذا عظمك ولحمك نحن ، ومنذ أمس وما قبله حين كان شاول ملكا علينا قد كنت أنت تخرج وتدخل إسرائيل ، وقد قال لك الرب : أنت ترعى شعبى إسرائيل وأنت تكون رئيسا على إسرائيل " 2 صم 5 : 1 – 2

لقد تدرب داود على الجهاد والحب ، عرف كيف يقاوم حسد شاول بسماحة فى أدب ورقة ، وكيف يقابل موت شاول وأبنير وإيشبوشث بغير شماتة إنما بنبل وحب يرثيهم وينتقم لكل دم برىء ، قبل مشورة أبيجابل الحكيمة بفرح عندما طلبت منه ألا ينتقم لنفسه إذ ينتظر الكل منه أن يعطى ويبذل لا أن يطلب ما لنفسه .... بهذه الروح التى عاشها لسنوات طويلة وخبرات متلاحقة فى الرب قابل الشيوخ فى حبرون بمحبة ، دون أن يعاتبهم بكلمة أو يحمل مشاعر ضيق تجاههم ، برغم مطاردتهم لـه لسنوات سابقة ...! لقد كان داود رمزا للملك الحقيقى رب المجد يسوع ، الذى مسح أزليا ليملك ، لكنه جاء فى ملء الزمان يسلك طريق الصليب فى اتضاع ، صالحنا ونحن بعد أعداء ( رو 5 : 10 ) دون أن يجرح مشاعرنا بسبب جحودنا السابق أو مقاومتنا له . إنه فى رقة الحب الحقيقى يقرع باب القلب ليدخل ويملك إن فتحنا له بكامل حريتنا دون قهر أو إلزام من جانبه علينا !

( 2 )  نصرة داود على اليبوسيين

كانت يبوس – تمثل مساحة صغيرة إن قورنت بأورشليم فى أيام سليمان . كانت تناسب أن تكون العاصمة لداود أكثر من حبرون ، لأن موقعها منيع للغاية ، فهى مرتفعة ( مز 48 : 2 ) ، حولها جبال ( مز 125 : 2 ) تحيط بها وديان عميقة من ثلاثة جوانب يبلغ عمق بعضها 800 قدم ؛ ولأنها على تخم يهوذا وبنيامين فترضى السبطين ( يهوذا الذى خرج منه داود ، وبنيامين الذى يضم بيت شاول الملك ) .

كان اليبوسيون واثقين أن داود لن يستطيع الأستيلاء على حصنهم بسبب مناعته ، حتى لوكان من بداخله عمى وعرج ، لذا فى استخفاف قالوا له :

 " لا تدخل إلى هنا ما لم تنزع العميان والعرج " 2 صم 5 : 6 . 

أعلن داود عن المكافأة لمن يضرب المدينة حتى يبلغ إلى القناة ، أى إلى النفق تحت الأرض من الوادى إلى فوق ، فإن من يبلغ القناة يدخل الحصن ، لم يذكر ما هى لأنها لا تحتاج إلى ذكر ، إذ عنى أن يصير المنتصر " رأسا وقائدا " 1 أى 11 : 6 ؛ وقد حقق يوآب ابن صروية ذلك .

دخل يوآب المدينة وصار رأسا ( 1 أى 11 : 6 ) ، وسكن داود ورجاله القلعة أو الحصن ودعاه " مدينة داود " .

استولى داود على يبوس وجعل منها مدينته الخاصة ، تحمل اسمه ، قيل :

" وبنى داود مستديرا من القلعة فداخلا " 2 صم 5 : 9 ، ماذا تعنى الأستدارة إلا أن المدينة صارت كما فى شكل دائرة ليس لها نقطة بداية ولا نقطة نهاية ، بمعنى أنها حملت سمة جديدة هى الأرتفاع فوق الزمن لتصير مدينة سماوية خالدة لا يقدر الموت أن ينهى كيانها ، هذه هى كنيسة العهد الجديد التى كانت مدوسة بالأقدام ( يبوسا ) صارت بعريسها السماوى وملكها ابن داود سماوية .

" فكان داود يتزايد متعظما والرب إله الجنود معه " 2 صم 5 : 10 ، كان داود يتزايد فى العظمة لأن الرب " إله الجنود " معه . هنا يدعى الرب :

" إله الجنود " وكأنه هو القائد الحقيقى لشعبه وهو المحارب عنهم ليهبهم النصرة والمجد . هذه هى خبرة داود النبى التى عبر عنها فى مزاميره فجاء فيها : " الرب نورى وخلاصى ممن أخاف ؟! الرب حصن حياتى ممن ارتعب ؟! مز 27 : 1 .

( 3 ) صداقة حيرام له 

مع كل نصرة حقيقية يواجه المؤمن أمرين : مقاومة من العدو تؤول به إلى نصرة جديدة ، وأيضا انجذاب البعض لله العامل فيه ، هكذا إذ تزايد داود متعاظما لأن رب الجنود كان معه أثار ذلك بعض الأعداء لمقاومته بالأكثر ، وفى نفس الوقت انجذبت إليه بعض الممالك المجاورة تمجد الله فيه ، كما يظهر ذلك من نصرف حيرام ملك صور .

كانت صور فى ذلك الوقت قد بلغت العظمة ، بعث ملكها رسلا إلى داود وتكونت بينهما صداقة دامت حتى أيام سليمان ، بل وقامت هذه الصداقة بين الدولتين فى أيام عاموس النبى ( عا 1 : 9 ) .

تعاونت المملكتان معا وصارتا فى ود ، كانت إسرائيل تستخدم صور كبلد ساحلى لتحقيق وارداتها وتوزيع مصنوعاتها ، بينما استخدمت صور مملكة إسرائيل كطريق لتجارتها تشترى أيضا منها الغلال والمحاصيل .

سلامنا مع الله فى داخلنا يثمر سلاما مع الغير ويحول الظروف المحيطة بنا لخدمتنا وبنياننا ، حتى مقاومة الأشرار يحولها الله لنمونا وفرحنا الداخلى .

( 4 ) تثبيت مملكته

بعد حوالى 20 عاما من مسحه سرا فى بيت لحم قيل : " وعلم داود أن الرب قد أثبته ملكا على إسرائيل ، وأنه قد رفع ملكه من أجل شعبه إسرائيل " 2 صم 5 : 12 .

انتظر داود هذه السنوات الطويلة فى إيمان وبصبر ليتدرب بنعمة الله على رعاية شعب الله ، والآن يثبت الله مملكته من أجل شعبه ، هكذا يليق بنا – مهما بلغت مواهبنا وقدراتنا ومهما تعاظم نجاحنا – أن ندرك أنها عطايا إلهية قدمت لنا من أجل بنيان الجماعة المقدسة .

من أجل البشرية تجسد السيد المسيح ومن أجلها ملك على خشبة وقام وصعد إلى السموات ومن أجلها يأتى على السحاب ليجمع مؤمنيه ويرفعهم إلى حضن الآب ، هكذا نحن كأعضاء جسده يليق بنا أن نحمل ذات فكره فنضرم كل موهبة فينا لبنيان الغير ، يقول القديس بولس : " المحبة ...... لا تطلب ما لنفسها " 1 كو 13 : 5

( 5 ) مقاومة الأعداء وهزيمتهم

إن كان نجاح داود أعطاه نعمة فى عينى حيرام ملك صور ليرسل له خشب أرز وبنائين علامة الصداقة العملية إلا أنه فى الجانب المقابل ، ضاعف نجاحه هذا من مقاومة الأعداء ، مع كل نصرة نتوقع مقاومة وحربا إن لم تكن من الخارج فمن الداخل ، لذا قيل فى سفر أبن سيراخ : " يا بنى إذا تقدمت لخدمة الرب أعدد نفسك للتجربة " 2 : 1

رأى الأعداء فى مسح داود ملكا على كل الأسباط وتزايده فى المجد خطرا عليهم خاصة أن الشعب كله صار بقلب واحد معه ، لم يخشونه فى حبرون لكونه ملكا على سبط واحد فاستهانوا به ، ولأنه فى حبرون كان خاضعا لهم ، أما فى يبوس فصار مستقلا ومحصنا وصار نجمه يلمع ويتلألأ ، لذا فتشوا عليه للخلاص منه ، أما هو فلم يكن متوقعا الحرب لذا نزل مع حرسه الخاص إلى حصنه القديم " عدلام " ، فتش عنه الأعداء المنتشرون فى وادى الرفائيين .... فى الحصن انحاز إليه بنو جاد ، وكان العدد قليلا جدا إن قورن بجيش الأعداء ، سأل الرب خلال أبياثار الكاهن ( 1 صم 23 : 11 ؛ 30 : 7 ، 8 ) الذى سمح له بالحرب ...

ما أحوجنا أن نتكل على راعى نفوسنا الذى يتقدم قطيعه ليسير الكل وراءه ومعه ، قائلين مع المرتل : " جعلت الرب أمامى فى كل حين ، لأنه عن يمينى فلا أتزعزع " مز 16 : 8 .

جاء داود برجاله ليقف وراء العدو ويقاومه مقابل أشجار البكاء ، عندما شعر بحضرة الرب وتقدمه ليحمله فى طريق الجهاد ، واهبا له النصرة بنعمته .

نزل داود ورجاله إلى وادى الدموع لكى يتقبل نعمة الله المجانية أكثر فأكثر ، فينطلق من قوة إلى قوة ، فى وادى الدموع انفتحت بصيرته ليرى الله يتقدمه ممهدا له طريق النصرة ، ومحطما العدو أمامه ، وكأن الحضرة الإلهية التى تملأنا تعزية وسط الدموع ، ترعب العدو وتحطمه تماما .

هرب الأعداء تجاه الشمال الشرقى وليس نحو أرضهم فى الغرب لكى يحتموا فى الحصن الموجود فى جبع ( 1 صم 13 : 3 ) . وإذ لم يحميهم هذا ساروا نحو أرضهم حتى جبعون ، ومنها ساروا فى طريق عقبة بيت حورون إلى مدخل جازر أى طريق جازر . ، وهى على تخم أرضهم وتبعد حوالى 18 ميلا شمال غربى أورشليم . 

+  +  +

الأصحاح السادس

إحضار تابوت العهد

إذ كان داود يتعظم وكان رب الجنود معه يهبه النصرة والغلبة حتى استقر فى أورشليم كعاصمة لمملكته ، أراد أن يؤكد أن الرب هو الملك الحقيقى مدبر أمور الشعب وواهبهم الغلبة ، لذا فكر فى إحضار تابوت العهد إلى أورشليم كعلامة منظورة لقوة الله غير المنظورة

( 1 ) موكب التابوت

جمع داود ثلاثين ألفا من المنتخبين ، لا ليحاربوا ، بل ليحتفلوا بإحضار التابوت إلى أورشليم ، اشترك هذا العدد الضخم فى الأحتفال تكريما لله سر فرح شعبه . هنا تبرز حكمة داود الروحية ، إذ لم يرد أن ينشغل الشعب بالنصرة على الأعداء كمجد شخصى له وإنما سحب قلوبهم إلى الله نفسه ، لكى تتهلل بالرب مخلصهم الحقيقى .

تابوت العهد كممثل للحضرة الإلهية حمل اسم رب الجنود كقائد حقيقى لشعبه الأبطال روحيا ، الرب الجالس على الكروبيم ( 2 صم 6 : 2 ) ؛ الله هو رب الجنود المهوب ، مركبته سماوية هم جماعة الكاروبيم الملتهبون نارا ، يحل وسط شعبه برحمته أبا مترفقا يسندهم ويفرح أعماقهم .

بدأ الموكب من " بعلة يهوذا " ، وهى إحدى مدن الجبعونيين ( يش 9 : 17 ) على تخم يهوذا وبنيامين ، وضع فيها التابوت بعد إرجاعه من أرض الفلسطينيين ( 1 صم 6 : 19 ) .

وضعوا التابوت على عجلة جديدة ، ربما مقتدين بما فعله الفلسطينيون ، لكنهم بهذا خالفوا الناموس إذ كان يجب أن يحمله بنو قهات ( عد 1 : 51 ) على الأكتاف وليس على عجلة .

كانا عزة وأخيو ابنا ابيناداب ( غالبا كانا حفيديه ) يسوقان العجلة ، أخيو يتقدمهما ليقودهما بينما كان داود وكل بيت إسرائيل يلعبون بفرح ورقص يعزفون بكل أنواع آلات الطرب أمام الرب ، بالرباب والدفوف والصنوج والجنوك ( آلة موسيقية ) .

( 2 ) ضرب عزة

تحرك الموكب حتى بلغ بيدر ناخون أو كيدون ( 1 أى 13 : 9 ) ، عند موضع دراسة غلال رجل يدعى ناخون أو نكون أو كيدون ، هناك أنشمصت الثيران ، أى ذعرت وأخذت تركض وترفس ، فمد عزة يده إلى تابوت الله وأمسكه كى لا يسقط ، فضربه الله هناك ومات .

لماذا أماته الرب ؟ أما تحسب هذه قسوة فى التأديب ؟

( أ ) كان يجب أن يحمل التابوت على أكتاف اللاويين لا على عجلة ، لقد سمح الله للوثنيين أن يضعوه على عجلة جديدة تجرها بقرتان ، إذ كانت ترمز لكنيسة العهد الجديد الحاملة لشخص المسيح فى داخلنا بكونه رأسها ، تضم  الكنيسة شعبين : من اليهود ومن الأمم ، لم يكن الوثنيون فى ذلك الوقت قد تهيأوا لحمل تابوت العهد ، إذ لا شركة بين الله وبليعال ( 2 كو 6 : 14 ) . أما بنو قهات فكانوا يمثلون جماعة المؤمنبن الذين تأهلوا ليكونوا سماء ثانية يحملون الله فى داخلهم ، لذلك كان يلزمهم أن يصروا على التمتع بحقهم فى حمل التابوت دون العجلة الجديدة .

الله لا يطلب عجلة جديدة ولا تقدمات هذا العالم بل الأكتاف الداخلية المقدسة التى تصير كالشاروبيم تحمل الله ، الله يريد قلوبنا لا إمكانياتنا .

( ب ) كان يجب على عزة أن يعرف الناموس ، خاصة وأن التابوت وجد فى بيت أبيه وجده لمدة حوالى 70 سنة ، وأنه لا يليق لمسه . قيل " لا يمسوا القدس لئلا يموتوا " عد 4 : 15 .

( ج ) ربما اعتاد عزة أن يمد يده إلى التابوت بغير وقار ، وقد تجاسر بالأكثر حين فعل ذلك علانية أمام كل الجماعة .

( د ) أراد الله تأكيد الحاجة إلى " مخافة الرب " جنبا إلى جنب مع " الحب الإلهى " ، كى يعيش داود وكل الشعب فى مخافة ووقار مع حب ودالة .

لقد كان الدرس قاسيا لكى يتعلم الجميع منه ، وذلك كما حدث مع حنانيا حين كذب على الرسل ( أع 5 : 5 ) .

اغتاظ داود لأن فرح الجماعة تحول إلى حزن وخوف ، ولأن ارتباكا ملأ الجميع واضطر الكل أن ينصرفوا ... وخاف داود أن ينتقل التابوت إلى مدينته قبل التيقن من سر غضب الله على عزة

مال داود بالتابوت إلى بيد عوبيد آدوم الجتى ، غالبا من جت رمون فى نصيب دان فى الجنوب ( يش 19 : 45 ) أعطيت لبنى قهات ( يش 21 : 24 ) ، كان عوبيد آدوم [ اسمه يعنى " آدوم يعبد " ] من القورحيين من نسل قهات ( عد 16 : 1 ) ، تمتع ببركة بقاء التابوت فى بيته لمدة ثلاثة أشهر .

نود هنا أن نشير إلى أن داود لم يستشر الرب عندما رغب فى نقل التابوت إلى مدينته ، ربما بسبب الفرح من فكرة نقل التابوت ونوال البركة الإلهية ...

( 3 ) إحضار التابوت إلى أورشليم

قبل عوبيد آدوم تابوت العهد فى بيته بوقار وخشوع لذلك بارك الرب بيته ( 1 أى 13 : 13 ، 2 صم 6 : 12 ) ، وبارك كل ما له ، لذلك فكر داود النبى فى إحضاره إلى أورشليم كما ورد ذلك بالتفصيل فى ( 1 أى 15 ) .

تم ذبح ثيران وعجول .. شكرا لله الذى أعانهم ولم يصبهم ما حل بعزة .

أرتدى داود أفودا من الكتان تحت الجبة ، لكى يعلن عن أتضاعه وعن نقاوة القلب ، لقد رقص داود أمام التابوت معبرا بذلك عن أعماقه الداخلية التى تهتز فى تهليل أمام الرب ، عبر داود عن فرحه بالتابوت فى مزموره الثلاثين ( 29 حسب الترجمة السبعينية ) ، جاء فيه :

" لأن للحظة غضبه ، حياة فى رضاه ،

عند المساء يبيت البكاء وفى الصباح الترنم ،

 حولت نوحى إلى رقص لى .

حللت مسحى ومنطقتنى فرحا ،

لكى تترنم لك روحى ولا تسكت ،

يارب إلهى إلى الأبد أحمدك " مز 30 : 5 – 11 .

وضع داود مزمورا خاصا بالأحتفال بقدوم تابوت العهد إلى مدينته ، افتتحه بالصيغة التقليدية : " يقوم الله ، يتبدد أعداؤه ، ويهرب مبغضوه من أمام وجهه مز 68 : 1 .... عبر هذا المزمور بقوة عن بركات حلول الله وسط شعبه كسر فرح وتهليل ( مز 68 : 3 ، 4 ) ...

وضع أيضا المزمور 24 ليعلن أن بهجته الشديدة بتابوت العهد لا تعنى حصر سكنى الرب فى موضع معين ، إنما هو لرعاية الرب للبشرية كلها ، إذ يقول : " للرب الأرض وملؤها ؛ المسكونة وكل الساكنين فيها " مز 24 : 1 ..... الخ

فى ختام هذا المزمور الرائع يرى داود النبى فى دخول التابوت إلى أورشليم صورة رمزية لصعود السيد المسيح إلى أورشليم العليا بعد نصرته فى معركة الصليب ، إذ يقول :

 " أرفعن أيتها الأرتاج رؤوسكن وارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد ، من هو هذا ملك المجد ؟

الرب القدير الجبار ، الرب الجبار فى القتال ... رب الجنود هو ملك المجد " مز 24 : 7 – 10 .

( 4 ) احتقار ميكال له

كانت ميكال تحب داود ( 1 صم 18 : 20 ) ، أنقذته من يد أبيها ( 1 صم 19 : 13 ) ، لكنها لم تكن قادرة أن تشاركه حبه لله وغيرته وإيمانه ، لذا رأت فى خلعه لجبته الملوكية ورقصه أمام التابوت نوعا من السفاهة ، استقبلته باحتقار قائلة له : ما كان أكرم ملك إسرائيل اليوم حيث تكشف اليوم فى أعين إماء عبيده كما يتكشف أحد السفهاء " 2 صم 6 : 20 .

ميكال تمثل الأنا القابعة فى داخل النفس ، المتقوقعة والمغلقة ، تطلب ما للأنا ، ولا تنفتح على الله والناس ، لذا أصيبت بعمى البصيرة الداخلية وتحجر القلب وفقدان الحس الداخلى تجاه العمل الإلهى الفائق . أما داود النبى فيمثل النفس التى تخلع حب العظمة الزمنية ، وتنفتح بالأتضاع المملوء حبا نحو الله والناس ، فتتحول عن مسوح الحزن إلى منطقة الفرح ، وتعبر من بكاء المساء إلى صباح القيامة !

بارك داود الشعب وأعطى كل واحد رغيف خبز وكأس خمر وقرص زبيب ، رغيف الخبز يشير إلى وحدة الكنيسة وتبادل الحب بين أعضائها إذ تجتمع الحنطة معا فى رغيف خبز ، وكأس الخمر يشير إلى شركة الفرح بالروح ، أما قرص الزبيب فيشير إلى عذوبة الكنيسة وحلاوتها باتحادها .

لم ينس داود بيته فجاء ليباركه ، لكن ميكال انتهرته ، أما هو ففى حزم وبخها على نظرتها غير الأيمانية .

يختم الأصحاح بالقول بأنه لم يكن لميكال ولد من داود ، .... عقر ميكال ربما كان ثمرة لتمردها على الرب ولكبريائها .  

+  +  +

الأصحاح السابع

اشتياق داود لبناء بيت الرب

شعر داود النبى والملك بإحسانات الرب إليه فأراد أن يبنى له بيتا ، إذ حسب أنه ليس من اللائق أن يسكن هو فى بيت من الأرز بينما يسكن تابوت العهد فى خيمة من الشقق

( 1 ) رغبة داود فى بناء بيت الرب

لم يتبع الكاتب التسلسل الزمنى ، إذ أراد الكشف عما ورد فى قلب داود النبى والملك من جهة بناء بيت للرب عوض الخيمة مباشرة بعد ذكره إحضار التابوت إلى مدينة داود ، بينما ما جاء هنا غالبا ما تحقق بعد الحرب التى وردت فى الأصحاح التالى ، لقد قيل هنا : " وأراحه الرب من كل الجهات من جميع أعدائه " 2 صم 7 : 1 .

بلا شك ظهر هذا الفكر فى أعماق داود النبى عندما بدأ فى بناء بيته ، وربما اشتهى أن يبنى بيت الرب قبل بيته ، حاسبا الله أولا فى كل أمور حياته ، هذا الفكر تزايد بالأكثر بعدما أحضر التابوت إلى مدينته ، لكنه لم يتحدث مع ناثان النبى إلا بعدما استراح من الحروب ، قاصدا أن يبنى بيتا ضخما جدا يحتاج بناؤه إلى أزمنة سلام ، أى إلى تفرغ للبناء دون ارتباك بالحروب .

كان ناثان نبيا أمينا لله وللملك وله وقاره الخاص ، قام بحزم وشجاعة لكنه فى أدب بتوبيخ الملك عندما أرتكب الخطية مع امرأة أوريا الحثى ( 2 صم 12 : 1 – 15 ) . قام هو وجاد الرائى بترتيب خدمة بيت الرب ( 2 أى 29 : 25 ) . عمل مع بثشبع على إقامة سليمان ملكا ( 1 م 8 – 45 ) .

وافق ناثان فى البداية على طلب داود الخاص ببناء بيت الرب ، إذ حسبه طلبا صالحا ولائقا ، لكنه إذ استشار الرب ألا يعمل ذلك بل يترك الأمر لأبنه من بعده .

( 2 ) ابن داود هو الذى يبنى البيت

يبدو أن الله تحدث مع ناثان خلال رؤيا الليل ( 2 صم 7 : 4 ، 17 ) ، وقد رفض الله أن يبنى داود بيتا مقدما له هذا التعليل بأن الله لم يسكن فى بيت منذ إخراجه للشعب من مصر ، ولا طلب ذلك منهم . أكد الله ذلك لئلا يظن شعبه أنه حقق لهم انتصارات لأجل إقامة هيكل عظيم له ، هم أنفسهم بيته الحى . يود أن يسكن فى وسطهم معلنا حضوره الدائم فيهم خلال الحياة المقدسة . هذا ما كشفه العهد الجديد بأكثر وضوح ، عندما طلب التلاميذ من السيد المسيح أن ينظر الأبنية العظيمة التى للهيكل . أكد لهم أنه لن يبقى حجر على حجر إلا وينقض ( مت 24 : 1 ، 2 ) ؛ إن ما يمجد الله ليس فى المبانى الضخمة المادية ، بل فى النفوس الحية التى أقامها السيد المسيح من الأموات ، لذلك أبرز الله معاملاته مع داود كيف أقامه الله من المربض من وراء الغنم ليصير رئيسا لشعبه ، كيف كان معه أينما وجد واهبا له النجاح والغلبة ، وكأنه مع كل نصرة روحية وكل نجاح داخلى يعلن بيت الرب المجيد فينا .

على أى الأحوال ، لم يحرم الله داود سؤل قلبه ، إنما وعده بتحقيق ذلك خلال ابنه الذى يخرج من أحشائه ، مقدما تبريرا لذلك كما جاء فى ( 1 أى

22 : 8 ) بأن داود سفك دما كثيرا وعمل حروبا عظيمة ، لذلك يليق بناء بيت الرب فى أيام سليمان حيث تكون أيامه سلاما .

يقول القديس اغسطينوس :

[ من يظن أن هذا الوعد العظيم ( 2 صم 7 : 12 – 16 ) قد تحقق فى سليمان يخطىء خطأ عظيما ، إذ يسمع القول " هو يبنى لى بيتا " لكنه لا يسمع للقول : " بيته يبقى أمينا وتكون مملكته أمامى إلى الأبد " ليته ينصت ويتأمل بيت سليمان المملوء نساء غريبات يتعبدن لآلهة غريبة ، بل والملك نفسه الذى كان حكيما قد خدع بواسطتهن وسقط فى عبادة الأوثان نفسها ، ليته لا يتجاسر أحد فيظن أن الله قد وعد بذلك باطلا أو أنه كان غير قادر أن يعرف ما سيكون عليه سليمان هذا وبيته .

إذن ، يليق بنا ألا نشك فى أن هذه الأمور قد تحققت فى المسيح ربنا الذى جاء من نسل داود حسب الجسد ( رو 1 : 3 ) ، لئلا تكون نظرتنا هنا باطلة مثل اليهود الجسدانيين الذين يدركون أن الأبن المذكور هنا والموعود به لداود ليس سليمان ومع ذلك فبعماهم العجيب عن الموعود به ( المسيح ) والمعلن عنه يقولون إنهم ينتظرون آخر .

( 3 ) داود يشكر الله

جلس داود غالبا على الأرض وأحنى رأسه أمام الرب ليشكره من أجل هذا الوعد الذى أنعم به عليه قائلا : " من أنا يا سيدى ؟! وما هو بيتى ؟! حتى أوصلتنى إلى هنا ؟! 2 صم 7 : 18 . لقد أدرك أنه ليس عن اشتحقاق شخصى ولا عن كرامة لبيت أبيه نال هذا الوعد الإلهى ، إنما هو نعمة إلهية فائقة جاءت به إلى كرسى الملك ليكون فى حضرة الرب ينعم بسكناه وحلوله معه وسخاء نعمه عليه .

ما أحوجنا أن نجلس فى هدوء داخلى أمام الرب نسمع مواعيده المفرحة ونتحدث معه ، مدركين عظمة عطيته المجانية ، فقد أقامنا من الفساد وجعلنا له ملوكا وكهنة ، وحسبنا أبناء له ننعم بشركة أمجاده .

" وبماذا يعود داود يكلمك وأنت قد عرفت عبدك يا سيدى الرب " 2 صم 7 : 20 . شعر داود بالخجل أن يتحدث مع الله الذى يعرفه تماما ؛ يعرف ضعفات داود وخطاياه ومذلته كما يعرف محبته وغيرته وجهاده وصبره ... ليس شىء مخفيا عن الله .

" فمن أجل كلمتك وحسب قلبك فعلت هذه العظائم كلها لتعرف عبدك " 2 صم 7 ك 21 . ما تقدمه من عطايا فائقة ليس من أجل بر ذاتى فى الأنسان وإنما من أجل وعدك الإلهى ، وكلمتك الثابتة إلى الأبد ، حسب محبتك السرمدية تقدم المواعيد العظمى لعبدك .

من أجل وعده لشعبه أعطى داود هبات كثيرة ، فقد ثبت الله لنفسه شعبا يفتديه بكونه إلههم الذى يتمجد فيهم . من أجل الكنيسة المقدسة التى تحمل اسم المسيح يمنح أسراره الفائقة لمؤمنيه .

يختم داود صلاته بطلب البركة : " فالآن ارتض وبارك بيت عبدك ليكون إلى الأبد أمامك ، لأنك أنت يا سيدى الرب قد تكلمت ، فليبارك بيت عبدك ببركتك إلى الأبد " 2 صم 7 : 29 .

 هذه هى البركة ، أن يكون الأنسان أمام الله على الدوام .

+  +  + 

الأصحاح الثامن

انتصارات داود المستمرة

لم يكن داود منشغلا بمجده الذاتى ولا باتساع رقعة مملكته وإنما كان مهتما بملكوت الله ، لهذا لم يسع نحو إخضاع الأسباط تحت سلطانه إنما كان مشغولا بخدمة الجميع ورعايتهم بكونهم شعب الله ، الآن دخل داود النبى فى حروب كثيرة وتكررت العبارة : " وكان الرب يخلص داود حيثما توجد " 2 صم 8 : 6 ، 14 . حصل على هدايا وغنائم كرسها لخدمة بيت الرب . 

كإنسان حكيم مهتم بملكوت الله لم تشغله الحروب الخارجية عن الأهتمام بتدبير أمور مملكته الداخلية بحكمة واتزان .  

( 1 ) نصرته على الأمم المجاورة

كانت حروب داود النبى ضد الأمم الوثنية التى انجرفت تماما فى الرجاسات مع العنف والقسوة ، تشير إلى جهاد المؤمن ضد الخطية بكل رجاساتها وعنفها .

لقد ضرب داود :

( أ ) الفلسطينيين : " أخذ زمام القصبة من يد الفلسطينيين " 2 صم 8 : 1 ؛ أى أخذ جت وقراها ، بكونها قصبتهم وزمام دولتهم المتسلطة على يهوذا ودان ، إذ كانت جت على تخم يهوذا وبالقرب من دان .

( ب ) الموآبيين : سبق أن أودع داود والديه لدى ملك موآب ( 1 صم 22 : 3 ، 4 ) ، لسنا نعرف متى تحولت هذه الصداقة إلى عداوة لتستمر بعد ذلك . ربما كان موآب يسند داود عندما كان شاول يقاومه ، يهدف بذلك إلى مقاومة شاول كملك رسمى ، لكن إذ صار داود ملكا واتحدت الأسباط معا تحت قيادته واستقرت مملكته ثار موآب ضده .

ضرب داود المدينة ، قتل الثلثين ، واستبقى الثلث يدبرون أمورهم الداخلية مقابل دفع جزية ، وقد تحققت ببوة بلعام : " يقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفى موآب " عد 24 : 17 .

بقى موآب يدفع الجزية حتى موت آخاب حيث ثار ملك موآب ضد إسرائيل وعصاه ( 2 مل 3 : 3 ، 4 ) .

( جـ ) السوريين أو الأراميين : كانت آرام تضم فى الشمال مملكتين عظيمتين متمايزتين : آرام صوبة ( يظن البعض أنها حمص ) تسيطر على عدة ملوك ؛ وآرام النهرين ( عاصمتها دمشق )

 بدأ داود بمحاربة هدد ( هدر ) عزر ملك آرام صوبة ، ضربه داود من الغرب فى حماه ( 1 أى 18 : 13 ) ، من الوراء فجاء ملك آرام دمشق لنجدته فضربه داود [ يرى البعض أن آرام دمشق هى ذاتها آرام النهرين ، موقعها فدان آرام حيث عاش الآباء ابراهيم واسحق ويعقوب ] .

بضرب داود آرام صوبة وآرام دمشق حطم كل ممالك آرام العظيمة ؛ ولكى لا تتجمع جيوشهم ثانية لمحاربته أقام محافظين فى صوبة ودمشق ، وألزمهم بدفع جزية .

استولى داود على أتراس الذهب ( مطلية بالذهب ) ، وهى أتراس حراس الملك ، وجاء بها إلى أورشليم ، كما جاء بنحاس كثير جدا من مدينتى هدد .. استخدم سليمان الحكيم النحاس الذى أخذ من هاتين المدينتين فى صنع بحر النحاس والأعمدة والآنية النحاسية .

( 2 ) توعى ملك حماة يقدم هدايا لداود

أرسل توعى أو توعو ملك حماة ابنه إلى داود ليسأل عن سلامته ويباركه بسبب ضربه هدد عزر ، الذى كان عدوا لتوعى . قدم الأبن هدايا : آنية فضة ، آنية ذهب ، آنية نحاس ، قدسها داود لحساب بيت الرب . هكذا قبل داود هذه الأرسالية ، معلنا أنه لا يهوى الحرب بل يطلب السلام .

( 3 ) تقديس الغنائم والهدايا

كان داود الملك يهيىء الطريق لسليمان ابنه لبناء بيت الرب من جانبين :

( أ ) إخضاع الأمم المقاومة مثل آرام النهرين وآرام صوبة وآدوم ، وإقامة علاقات ود مع الأمم المسالمة مثل مملكة حماة ... حتى يعيش سليمان متفرغا لبناء بيت الرب فى جو من السلام .

( ب ) إعداد الأمكانيات للبناء ، إذ لم يستخدم داود الغنائم والهدايا لصالحه الخاص ولا لإثراء أسرته وسبطه وإنما قدم الغنائم مع الهدايا لحساب بيت الرب .

ميز داود النبى بين التماثيل الذهبية والآنية الذهبية ، الأولى حرقها ( 2 صم 5 : 21 ) والثانية خصصها لخدمة بيت الرب . الأولى أى الأصنام تشير إلى الشر الذى يجب تحطيمه تماما ، فإن الله ليس فى حاجة إلى الذهب والفضة ... والثانية تشير إلى تحويل الطاقات والمواهب المستخدمة للشر إلى طاقات ومواهب لحساب ملكوت الله . الله يرفض الشر ويقدس ما دنسناه خلال الشر ، يكره الخطية لا الخطاة .

قيل أيضا : " ونصب داود تذكارا عند رجوعه من ضربه ثمانية عشر ألفا من آدوم فى وادى الملح " 2 صم 8 : 13 . هكذا أقام نصبا تذكاريا يعلن تحطيمه آدوم ( أى ما هو أرضى ) ... ما هو هذا النصب إلا صليب ربنا يسوع المسيح الذى حولنا عن الزمنيات إلى السماويات .

( 4 ) تدبير أمور المملكة الداخلية

كما نجح داود فى حروبه ضد الأمم المقاومة وكسب صداقات الأمم المسالمة نجح أيضا فى الأهتمام بشئون مملكته الداخلية ورعاية شعب الله على خلاف شاول الذى كان قويا فى الحروب وفاشلا فى سياسته الداخلية .

أولا : اهتم بكل الشعب وبالقضاء لهم بالعدل : " وملك داود على جميع إسرائيل ، وكان داود يجرى قضاء وعدلا لكل شعبه " 2 صم 8 : 15

ثانيا : نجح فى توزيع المسئوليات على قادة يسندونه ، فأقام :

يوآب على الجيش - يهوشفاط بن أخيلود مسجلا يكتب أحكام الملك ويحفظها - صادوق بن أخيطوب ، وأخيمالك بن أبياثار كاهنين – سرايا كاتبا – بناياهو بن يداع رئيسا على الجلادين – بنو داود حسبوا كهنة وهذا لا يعنى ممارستهم للعمل الكهنوتى بل كشفعاء عن الشعب أمام داود ، يقدمون لداود طلبات الشعب الحقيقية ....

+  +  +    

الأصحاح التاسع

داود ومفيبوشث

عادة إذ يستريح الأنسان ويستقر ينسى الماضى بالآمه ويتجاهل مشاعر الغير ، أما داود النبى والملك صاحب القلب الكبير فنجاحه واستقراره دفعه بالأكثر إلى بحثه عن راحة الآخرين ، لقد أراحه الله من جميع أعدائه ، وبعد موت شاول ويوناثان بحوالى 15 سنة لم ينس عهده مع يوناثان ( 1 صم 20 : 14 – 17 ) ، فبدأ يسأل إن كان قد بقى أحد من بيت شاول لكى يصنع معه إحسانا من أجل يوناثان . سمع عن مفيبوشث بن يوناثان ، الأعرج الرجلين ، فاستدعاه ليرد له حقول جده شاول ويقيمه ضيفا دائما يأكل معه على مائدته كأحد أفراد أسرته .

( 1 ) داود يستدعى مفيبوشث

من العادات القديمة أن يقتل الملك الجديد كل نسل الملك السابق لئلا يقاوموه ويطلبوا الملك لأنفسهم ( 2 مل 11 : 1 ) ، أما داود النبى فأدرك أنه لم يستلم الملك من يد إنسان بل من الله ، ولأنه لم يضع قلبه على المجد الزمنى بل مجد الله لذا لم يخف على كرسيه ولا طلب قتل نسل شاول ، إنما على العكس إذ استقر بدأ يبحث عمن بقى من نسل شاول ليصنع معه معروفا ( 2 صم 9 : 1 ) .

استدعى صيبا عبد شاول ووكيله قبل موته ، فامتثل أمام داود الملك وأخبره بأنه يوجد بعد أبن ليوناثان أعرج الرجلين ( 2 صم 9 : 3 ) ، وأنه فى بيت رجل غنى يدعى ماكير بن عميئيل فى لودبار بجلعاد شرقى الأردن .

( 2 ) داود يرد حقول شاول لحفيده

كان داود النبى والملك نبيلا للغاية فى تعامله مع مفيبوشث ، كريما فى عطائه له :

( أ ) تحدث معه وهو صبى صغير السن وأعرج كإنسان معجب به ، يسر بالحديث معه ، ذى كرامة ... لقاء داود معه كان أثمن بكثير وأعظم من الحقول التى ردت إليه ، إذ أعطاه هذا اللقاء ما يريح نفسه الداخلية ويشبعها ، الأمر الذى لا تقدر كل مقتنيات العالم أن تهبها للإنسان .

( ب ) يبدو أن مفيبوشث كان خائفا أن يقتله الملك ، لذا طمأنه داود قائلا له : " لا تخف ، فإنى لأعملن معك معروفا من أجل يوناثان أبيك " 2 صم 9 : 7 . ما زرعه يوناثان من حب خالص وأمانة فى صداقته لداود يجنيه أبنه مفيبوشث بعد موت أبيه بسنوات .

( جـ ) قدم داود حبا عمليا له : " أرد لك كل حقول شاول أبيك " 2 صم 9 : 7 ، وطلب من صبيا ( يبدو أنه رجل طماع وخبيث أراد فيما بعد عندما طرد داود أن يغتصب هذه الممتلكات ) أن يعمل هو وبنوه وعبيده فى حقول شاول لحساب حفيده مفيبوشث .

( د ) أخيرا حسبه كأهل بيته : " وأنت تأكل خبزا على مائدتى دائما " 2 صم 9 : 7 ... لم يحتمل مفيبوشث هذا الكرم الشديد والحب المتدفق والرقة غير المتوقعة حتى وهو أعرج : " سجد وقال : من هو عبدك حتى تلتفت إلى كلب ميت مثلى ؟! " 2 صم 9 : 8 .

سبق أن سجد داود ليوناثان بكونه ولى العرش ( 1 صم 20 : 41 ) ، وها هو ابن يوناثان يسجد لداود كملك .

داود فى سخائه يرمز إلى السيد المسيح ، الذى يدعونا إليه لنلتقى معه كأحباء ؛ ينزع عنا الخوف ، ويرد لنا ما قد فقد منا ( الطبيعة الصالحة التى خلقنا عليها ) كما وهبنا أن نجلس على مائدته السماوية نتناول جسده ودمه المبذولين سر خلاص وتمتع بالحياة الأبدية .

+  +  +

الأصحاح العاشر

تآمر الرؤساء على داود

أراد داود صاحب القلب الكبير أن يصنع معروفا مع حانون ملك عمون من أجل ما فعله أبوه ناحاش معه ، لكن المشيرين أساءوا الفهم وأثاروا الملك ضده مدعين أن داود أرسل جواسيس – ولا معزين – ليقتحم المدينة ، فتحالف حانون مع الملوك المحيطين به لمحاربة داود ... لكن داود انتصر عليهم .

كانت هذه الحروب وأمثالها فرصة ليسجل لنا داود النبى بعض مزاميره ( مز 2 ، 20 ، 21 ، 60 ، 110 ) التى تنبأت عن ثورة الأمم ، وتآمر الرؤساء على السيد المسيح حتى يصلب ، ويبقى الأشرار يتحالفون ضد كنيسته فيتمجد السيد المسيح فى الكنيسة المضطهدة .

( 1 ) حانون يهين رسل داود

أساء مشيرو حانون ملك بنى عمون الظن بداود إذ حسبوا أن رسله للتعزية جواسيس لأقتحام المدينة ، وبمشورتهم الشريرة أثاروا حربا عظيمة أدت إلى هلاك الكثيرين ، ما أخطر إساءة الظن على حياتنا .

جاء رسل داود إلى مدينة ربة أو ربة عمون ، اسمها الحديث عمان ، عاصمة شرق الأردن ، يمر بها الطريق التجارى بين دمشق وشبه الجزيرة العربية .

استمع حانون لمشيريه الأشرار فحلق نصف لحى الرسل وشق ثيابهم .... يعتبر هذا العمل عند العبرانيين إهانة عظيمة ، سمع داود الملك فذهب إليهم وطلب منهم ألا يرجعوا إلى أورشليم حتى لا يخجلوا من لقائهم مع رجال البلاط ، هكذا حمل داود مشاعر رقيقة ، إذ يهتم بمشاعر كل إنسان ويخشى أن تجرح !  

( 2 ) الغلبة على بنى عمون وملوك آرام

شعر بنو عمون أن إهانة سفراء داود موجهة إلى الدولة كلها ، ملكا وشعبا ، وأنه لا بد أن ينتقم داود منهم ، فاستأجروا آراميين من ممالك آرام وتحالفوا معهم على محاربة داود ، هكذا دفعت إساءة الظن إلى حرب طاحنة بين دول وممالك كثيرة !

إذ سمع داود بتحالف هذه الممالك معا ضده لم يخف وإنما بالأكثر تمسك بوعود الله له ، فاستعد للحرب متكئا على قوة الرب نفسه ، قائلا :

" لماذا ارتجت الأمم وتفكرت الشعوب فى الباطل ..

قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه ..

 الساكن فى السموات يضحك ، الرب يستهزىء بهم ..

إنى أخبر من جهة قضاء الرب .

قال لى : أنت أبنى ، أنا اليوم ولدتك ، أسألنى فأعطيك الأمم ميراثا لك وأقاصى الأرض ملكا لك ...

فالآن أيها الملوك تعقلوا ..... " مز 2

لم يكن ممكنا لداود برجاله المشاة أن يقاوم هذه الممالك المجتمعة التى تحاربه من بنى عمون والآراميين ، والتى خرجت بمركبات وخيل .. إنما اتكل على قوة الله ، قائلا :

" يارب بقوتك يفرح الملك ، وبخلاصك كيف لا يبتهج جدا ؟! " مز 21 : 1

" هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل ، أما نحن فأسم الرب إلهنا نذكر " مز 21: 1

رأى داود خلال هذه المعركة التى طرفاها الله نفسه وقوات الظلمة أى ابليس ، معركة الصليب حيث تجمعت قوات الظلمة ضد الأبن الوحيد الجنس ، لذا أنشد قائلا :

" قال الرب لربى أجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك " مز 110 : 1

خرج بنو عمون واصطفوا للحرب عند مدخل المدينة ، غالبا " ربة " ، بينما كان الآراميون ( السوريون ) فى السهل ( الحقل ) مقابل ميديا ( 1 أى 19 : 7 ) حتى يسهل تحرك مركباتهم .

بحكمة قسم يوآب رجاله قسمين ، أخذ الجبابرة معه متجها نحو الآراميين بينما ذهب أخوه أبيشاى متجها نحو بنى عمون ، واتفقا معا أنه إن ضعف طرف يسنده الآخر .

 خاف بنو عمون وهربوا ، والآراميون لم يستطيعوا الوقوف أمام يوآب ورجاله الأبطال ، عاد يوآب وأبيشاى مستحسنين تأجيل الحرب لمدة سنة كاملة ( 2 صم 11 : 1 ) .

اتفاق يوآب مع أخيه ابيشاى أن يكون كل منهما مستعدا لنجدة الآخر يكشف عن أحد ملامح الجهاد الروحى ، وهى مساندة العضو لأخيه .

( 3 ) الغلبة على هدر عزر

حاول الآراميون أن يردوا اعتبارهم وسمعتهم فتجمعوا من جديد لمحاربة رجال داود ؛ وقد بعث إليهم هدر عزر ملك آرام صوبا ( 2 صم 8 : 3 ) شوبك رئيس جيشه ، لكن داود غلبه وقتل شوبك فى الحرب ، فخاف الملوك الخاضعون لهدر عزر وتصالحوا مع داود واستعبدوا له ولم يعودوا يساندون بنى عمون بعد .

+  +  +  

قصـــــــة سقـــــوط داود النبى ، وتوبتــــــــــه [ صموئيـــــل الثــــــانى ]

الأصحــاح الحــادى عشــر 

سقوط داود مع بثشبع

بينما ذهب جيش إسرائيل للحرب بقيادة يوآب ، نجد أن داود أقام فى أورشليم . استسلم داود للتراخى وتمشى على السطح وترك العنان لعينيه تتطلعان إلى امرأة ... فانحدر تدريجيا حتى ارتكب خطايا بشعة .

 ( 1 ) تراخى داود

الخطوة الأولى فى السقوط هى التهاون والأسترخاء ، لم يسقط داود فى مثل هذه الخطية ( الزنا ) حين كان يجاهد فى صباه وشبابه وهو يرعى الغنم ، وحين عمل فى البلاط الملكى لدى شاول ، وحين صار طريدا أمام الملك ، وأيضا حين كان ملكا على سبط واحد ، وحين اهتم بخلاص الأسباط جميعها ، أما الآن وقد استقرت مملكته وتزايد فى المجد وصار له بيت من الأرز ترك الحرب ليوآب رئيس جيشه واسترخى فى بيته فى أورشليم .

فى وقت المساء عوض الصلاة من أجل المجاهدين قام عن سريره وتمشى على سطح البيت :

" فرأى من على السطح امرأة تستحم وكانت المرأة جميلة المنظر جدا " 2 صم 11 : 2 ...

حياة التراخى خلقت فراغا فى القلب والحواس ليطلب الأنسان شبعا لحواسه بجمال خارجى .

( 2 ) السقوط التدريجى

" فأرسل داود وسأل عن المرأة ، فقال واحد : أليست هذه بثشبع بنت أليعام امرأة أوريا الحثى .. فأرسل داود رسلا وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها وهى مطهرة من طمثها ، ثم رجعت إلى بيتها " 2 صم 11 : 3 ، 4 .

كان داود قويا ، لم يسقط قط منذ صباه فى الزنا ، ولا قتل أحدا بظلم ، ولا مال يمينا أو يسارا عن الشريعة اللهم إلا فى بعض لحظات ضعف بسيطة ، كيف يسقط الآن وهو ملك قوى ونبى مختار وقاض عادل للشعب ؟!

لعل داود لم يكن يتوقع فى نفسه أنه ينحدر يوما إلى هذا السقوط الشنيع ، لكن الخطية خاطئة جدا ومخادعة للغاية ، تعرف كيف تلقى شباكها وفخاخها لتصطاد الجبابرة تدريجيا ...

لقد نسى داود الآتى :

-         أنه مسيح الرب ونبيه الذى نال نعما إلهية عظيمة ...

-         أنه فى حالة حرب ، وكان يليق به أن ينزل المعركة ....

-         يغتصب امرأة متزوجة كاسرا الشريعة التى تطلب قتل الأثنين ( لا 20 : 10 ) .

-         يخون بطلا أمينا يدافع عن مملكته ، وهو رجل غريب الجنس متهود .

لقد كان الوقت مساء ( 2 صم 11 : 2 ) حين قام داود عن سريره يتمشى على سطح بيته ويتطلع نحو امرأة تستحم . كان الوقت ملائما للسقوط ، لأن " شمس البر " قد غرب عنه ، وحلت الظلمة حوله ، فعاش كما فى ليل .

( 3 ) علاجه البشرى

بحسب الشريعة كانت بثشبع مستوجبة القتل ، لذلك أرسلت إلى الملك ليدبر أمر خلاصها من الموت ، أرسل داود إلى رجلها يطلبه من الحرب لينزل إلى بيته ، فيحسب الحمل منه وتختفى آثار الجريمة ، لكن أوريا لم يرض أن ينام فى بيته مادام إخوته يجاهدون فى الميدان !

لقد وبخ الله داود على لسان أوريا دون أن يدرى ، إذ قال له :

" إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون فى الخيام وسيدى يوآب وعبيد سيدى نازلون على وجه الصحراء ، وأنا آتى إلى بيتى لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتى ؟! وحياتك وحياة نفسك لا أفعل هذا الأمر " 2 صم 11 : 11 .

لقد حسب أوريا أن إيمانه بالله وقدسية حياته بل وشهامته كرجل حرب بل وإنسانيته ، هذه جميعها تمنعه عن أن يدخل بيته فى ذلك الوقت ليأكل ويشرب بينما المعركة دائرة .

استخدم داود كل وسيلة إخفاء جريمته ، دعا الرجل حاسبا أنه يجد فى هذه الدعوة فرصة لممارسة العلاقات الجسدية مع زوجته الجميلة ، وأصدر الأمر إليه أن يدخل بيته فرفض حبا فى الله وداود وشعبه وتكريما لإخوته فى الحرب ، وأخيرا أسكره ... وحتى بعد سكره لم ينزل إلى بيته ( 2 صم 11 : 13 ) .

( 4 ) تسليم أوريا الحثى

ضاق الأمر جدا بداود الجبار ، فأحدرته الخطية إلى السقوط فى سلسلة مرة من الخطايا البشعة ، إذ سلم بطله الأمين خطابا يحمل رسالة خفية بقتله على يدى الأعداء دون ذنب .

استهان داود بالعدل واحتقر روح الأمانة والأخلاص مسلما القائد الأمين ومعه نفوسا بريئة للموت بأيدى الأعداء لا لسبب سوى ستر فضيحته وإخفاء الحقيقة عن الأعين .

هل أدرك يوآب سر هذه الرسالة المختومة ؟

ربما لم يدركها فى البداية وكان عليه أن يطيع أمر سيده . لكنه قطعا فهم ما وراءها عندما تزوج داود بأمرأة الرجل بعد انقضاء فترة الحزن مباشرة .

كانت بالنسبة ليوآب فرصة ثمينة ليحقق طلب الملك فلا يعود الملك يذله على قتله لمنافسه أبنير ( 2 صم 3 ) . شعر داود بنوع من المذلة أمام يوآب ، لهذا نجد يوآب يتجاسر ويتحدث مع داود بعد قتله أبشالوم كما بسلطان ( 2 صم 19 : 5 – 8 ) ، وقد حاول عزله من منصبه فلم يقدر فأوصى ابنه سليمان بقتله ( 1 مل 2 : 5 ، 6 )

هكذا التحمت قساوة نفس داود مع النجاسة ، فالأنسان الساقط تحت ثقل النجاسة تجده عنيفا وقاسيا فى أعماقه حتى وإن كان له مظهر الرقة والوداعة ، والأنسان العنيف فى أعماقه ينهار أمام شهوة الجسد فى مذلة .

نعود إلى داود لنجده قد اشتعل غضبا بسبب محاولة يوآب اقتحام المدينة والأقتراب منها جدا ، أخبروه بأن أوريا الحثى مات فسكن غضبه !

سمعت بثشبع عن موت رجلها فندبته سبعة أيام حسب العادة القديمة ، ثم ضمها داود الملك زوجة له ، حاسبا أن ستارا قد أسدل على جريمته إلى الأبد ، فاستراح ضميره إلى عام كامل .

" وأما الأمر الذى فعله داود فقبح فى عينى الرب " 2 صم 11 : 27 .

الله ليس عنده محاباه ، فإن كان داود قد جاهد كثيرا من أجل الله ولبنيان شعبه لكنه لا يتستر على جريمته هذه ، ولا يقبل هذا الفعل الشرير ... إنه ينتظر توبته ، فإن استكان ضميره يرسل له من يوقظه ويوبخه .

كانت المرأة بعيدة لكن الشهوة قريبة ؛ وكأن ما نرتكبه من خطايا ليس هو ثمرة الظروف إنما لأننا نملك الخطية فينا ، تقودنا وتسحبنا إلى حيث تشاء  .

الأصحاح الثانى عشر

اعتراف داود النبى

عاش داود النبى عاما كاملا مع خطيته لم يبكته ضميره عليها بالرغم من خبراته الروحية القديمة ومعرفته للناموس وعمله كقاض للشعب يحكم بالعدل ، كان محتاجا إلى ناثان ليبكته على عمله ويحفزه على الأعتراف بما أرتكبه .

( 1 ) ناثان يوبخ داود

أرسل الرب ناثان إلى داود ليوقظ ضميره ، فروى له قصة الرجل الغنى الذى أبى أن يذبح إحدى نعاجه لضيفه ، مغتصبا نعجة الفقير الوحيدة الصغيرة التى اقتناها لنفسه ورباها وكبرت معه ومع بنيه جميعا ، أكلت من لقمته وشربت من كأسه ، ونامت فى حضنه وكانت له كأبنة . حمى غضب داود على هذا الغنى المغتصب أخاه الفقير وأصدر حكمه :

" حى هو الرب أن يقتل الرجل الفاعل ذلك ، ويرد النعجة أربعة أضعاف ، لأنه فعل هذا الأمر ولأنه لم يشفق " 2 صم 12 : 6

أجابه ناثان النبى : " أنت هو الرجل " 2 صم 12 : 7

الضيف الجائع هى شهوة داود التى ثارت فيه خلال تراخيه وتهاونه مع الخطية ، فأراد أن يشبعها باغتصابه بثشبع الصغيرة الوحيدة المحبوبة جدا لدى رجلها ، هذه التى عاشت معه تشاركه حياته وأكله وشربه وسرير نومه ، رافقته زمانا بكل أحاسيسها ومشاعرها ، والآن يغتصبها الغنى جدا داود الذى أقامه الله ملكا والذى تهاون بالناموس بزواجه كثيرات ، فى كل يوم كان داود يتعظم جدا لأن رب الجنود كان معه ( 2 صم 15 : 10 ) . كان الله يود أن يقدم له أكثر فأكثر لكنه بخطيته أغلق على نفسه دون فيض النعم المجانية .

بحسب الشريعة لا يقتل السارق إنما يرد أربعة أضعاف ، لكن ظروف السرقة كما وصفها ناثان ( وتنطبق على داود ) أغضبت داود جدا فطلب قتل الرجل دون أن يدرك أنه يحكم على نفسه ، خاصة وأنه لم يسرق نعجة وحيدة بل امرأة إنسان مخلص وأمين ، اغتصبها فى ظروف حرب وقتل رجلها .... فماذا يستحق ؟

كان يمكن أن يتعرض ناثان لذات مصير أوريا الحثى ، كان صريحا وحازما وأيضا مملوءا حبا .... فتح أبواب الرجاء أمام داود الملك .

جاء ناثان ليتحدث مع داود خفية دون أن يقف ليشهر به علانية ، وإن كان الله قد سمح بنشر كل ما حدث لأجل خلاصنا ، هكذا يليق بنا عند توبيخنا للغير أن نلتقى بهم خلال دائرة الحب والصداقة ، لا التشهير العلنى أمامهم أو فى غيبتهم .

( 2 ) تأديب داود

محبة الله لداود دفعته أن يرسل له ناثان لإيقاظ ضميره ولتأديبه علانية ، فمن الأفضل له أن يفضح هنا فى الزمان الحاضر فيتوب ويرجع إلى الله عن أن يغطى على جراحات النفس فيهلك الأنسان فى خطيته أبديا ، لذلك قال ناثان لداود :

" والآن لا يفارق  السيف بيتك إلى الأبد ، لأنك احتقرتنى وأخذت امرأة أوريا الحثى لتكون لك امرأة . هكذا قال الرب ، هانذا أقيم عليك الشر من بيتك وآخذ نساءك أمام عينيك وأعطيهن لقريبك فيضطجع مع نسائك فى عين هذه الشمس ، لأنك أنت فعلت بالسر وأنا أفعل هذا الأمر قدام جميع إسرائيل وقدام الشمس " 2 صم 12 : 10 – 12

يبدو أن هذ التأديب كان قاسيا للغاية لكنه كان ضروريا لخلاص نفسه وخلاص الآخرين :

( أ ) أوضح أن هذا التأديب هو الثمر الطبيعى للخطية ، فما يجتنيه داود إنما القليل من ثمار فعله  :  فمن جهة مات ابنه الذى من بثشبع ، واغتصب أمنون بن داود ثامار أخته ( 2 صم 13 : 1 – 22 ) فقتله أخوه أبشالوم ( 2 صم 13 : 23 – 38 ) ، وقام أبشالوم على أبيه داود ليغتصب منه الملك واضطجع مع سراريه أمام جميع إسرائيل ( 2 صم 16 : 22 ) وطلب قتل والده ( 2 صم 17 : 2 ) فقتل هو ( 2 صم 18 : 14 ، 15 ) ، وقتل أدونيا بأمر أخيه سليمان ( 1 مل 2 : 25 ) .... هذه جميعا تمت داخل بيت داود لكن يؤكد الله أن ما تم إنما هو ثمر طبيعى داخلى للفساد الذى قبله داود بإرادته .

( ب ) خلال تأديبات داود التى حلت ببيته أوضح الكتاب المقدس خطورة دور الأسرة وقدسيتها ، فما أرتكبه داود أثمر فى حياة أولاده ، وإن كانوا لا يعاقبون على خطئه ، إنما يذوقون هنا مرارة ما ورثوه عن أبيهم ، الآباء الفاسدون يقدمون لأبنائهم فسادا ، والمباركون يقدمون لهم البركة .

( جـ ) كانت العقوبة قاسية بالنسبة لداود لأنه قائد ؛ كان يليق به أن يكون مثالا لشعبه ، لذا صارت عقوبته مضاعفة . فالعقوبة ليست ثمنا معادلا للخطية ، لكنها تأديب لإصلاح المخطىء ومن هم حوله ، تختلف حسب ظروف كل إنسان .

( د ) لتأكيد أنه ليس عند الله محاباه ، فإنه وإن كان قد أقامه نبيا وملكا وقاضيا ، وله تاريخ مجيد فى حياة مقدسة لكنه متى أخطأ يستوجب التأديب .

( 3 ) توبة داود

دخل داود النبى إلى أعماقه ليكتشف ضعفاته دون تقديم أى مبررات خارجية لنفسه . شعر أنه أخطأ بلا عذر ، وحسب خطيته موجهة ليس ضد أوريا الحثى ولا بثشبع وإنما أولا وقبل كل شىء ضد الله نفسه . لم يخجل كملك عظيم ونبى وقاض ومنظم لأمور العبادة أن يعترف لله فى حضرة ناثان النبى قائلا :

 قــد أخطــأت إلى الــرب   2 صم 12 : 13

شعر أن الخطية فى داخله مرة للغاية لذا وجب عليه أن يتقيأها ، وكما يقول ماراسحق السريانى : [ تذكر أن كل لذة يتبعها غثيان ومرارة كصديقين متلازمين ] . لقد تقيأ المر الذى فى داخله فى خجل من نفسه ومن خطيته لا من الأعتراف أمام ناثان .

جاءت إجابة ناثان تعلن حب الله الفائق : [ الرب قد نقل عنك خطيتك ، لا تموت ] ...

بحسب الشريعة كان يجب أن يقتل لكن الله فى رحمته عفا عنه فلا يقتل ، كما بالتوبة ينعم بالخلاص – خلال الذبيحة المقدسة – فلا يموت بل يتمتع بالحياة الغالبة للموت .

خلال هذه التوبة الصادقة سجل لنا داود النبى الكثير من " مزامير التوبة " مثل مز 6 ، 32 ، 38 ، 51 ، 102 ، 130 ، 143 يتوجها المزمور الخمسون ( مز 51 ) الذى ننشده مع كل صلاة طالبين مراحم الله بالتوبة الصادقة :

" ارحمنى يا الله كعظيم رحمتك ،

ومثل كثرة رأفتك تمحو إثمى ، تغسلنى كثيرا من إثمى ،

 ومن خطيتى تطهرنى ، لأنى عارف بإثمى ، وخطيتى أمامى فى كل حين ........... " .

+ أيا كنت أنت يا