المراجع : الكتاب المقدس
: قاموس الكتاب المقدس
: من تفسير وتأملات الآباء الأولين : للقمص / تادرس يعقوب ملطي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقديم : بدأ الكتاب المقدس أسفاره بالتكوين ، حيث أعلن بدء الخليقة وبدء الحياة البشرية فى أحضان الله محب البشر .. لكن سرعان ما سقط الإنسان تحت العصيان فخرج من الفردوس يحمل فى نفسه فراغا ليس من يملأه ؛ وفى قلبه موتا أبديا ليس من يقدر أن يفلت منه .
لم يقف الله مكتوف الأيدى أمام محبوبه الإنسان ، فإن كان الإنسان قد خرج معطيا لله القفا لا الوجه ؛ التزم الله فى حبه أن يخرج إليه ليخلصه ويرده إلى أحضانه الإلهية مرة أخرى . وهكذا جاء سفر الخروج يعلن بطريقة رمزية عن خلاص الله المجانى ، فقدم لنا خروج الشعب القديم من أرض العبودية بيد الله القوية منطلقا نحو حرية مجد أولاد الله ، وكأن هذا السفر وهو يقدم لنا حقائق تاريخية واقعية لم يقصد أن يسجل الأحداث لأجل ذاتها ، فهو ليس سجلا تاريخيا . وإنما أراد أن ندخل إلى الأعماق لنكشف خلاصنا الذى نعيشه فى حياتنا الآن
مصر والعبرانيون :
لما كان محور هذا السفر هو خروج العبرانيون من أرض مصر ، لذا فإننا نفهم فرعون بمثل الشيطان الذى يأسر أولاد الله ، ومصر تشير إلى العالم ، والشهوات المصرية إنما تشير إلى شهوات العالم ، والعبرانيين تشير إلى المؤمنين الذين يعيشون كغرباء فى العالم .. فالحديث يأخذ الصورة الرمزية . لكن الآن صارت مصر علامة البركة كوعد الرب : " مبــارك شعبــى مصر " إش 19 : 25 ، " إذ يعرف الرب فى مصر ويعرف المصريون الرب فى ذلك اليوم ويقدمون ذبيحة وتقدمة وينذرون للرب نذرا ويوفون به " إش 19 : 21 ... وصارت " إسرائيل " إنما تشير إلى " إسرائيل الجديد " أى الذين قبلوا الإيمان بالسيد المسيح المخلص ، وليس إسرائيل كأمة وجنس معين .
مقدمة السفر :
تسميته : لم يعط العبرانيون لهذا السفر إسما ، وإنما اعتبروه جزءا لا يتجزأ من التوراة ككل ، فكانوا يدعونه " هوميس سينى " بمعنى " الثانى من الخمسة " أى السفر الثانى من أسفار موسى الخمسة ، أما اسمه فى الترجمة السبعينية فتعنى " خــروج " .
كاتب السفر :
كتب موسى النبى هذا السفر بوحى إلهى ، يظهر ذلك من الدلائل الآتية :
1- يبدأ السفر بحرف العطف " واو " قائلا " وهذه أسماء " ، وكأن هذا السفر هو تكملة للسفر السابق له " سفر التكوين " .
2- قدم لنا السفر أحداثا بدقة بالغة ، وفى كثير من التفاصيل مما يدل على أن الكاتب هو شاهد عيان ، بل أنه قائد عملية الخروج .
3- سجل حوادث خاصة بموسى النبى نفسه مثل قتله المصرى سرا وأنه إلتفت يمينا ويسارا قبل قتله ، وروى لنا تفصيل الحديث بينه وبين العبرانى الذى كان يظلم أخيه ، كما روى لنا أخذ زوجته وإبنيه على حمير وختان إبنه .... الخ .
4- قبل السامريون هذا السفر كأحد أسفار موسى الخمسة ، وهم أعداء اليهود ، فلولا تأكدهم من الكاتب لما قبلوه .
الرأى الأرجح أن خروج اليهود من مصر تم حوالى عام 1447 ق.م. أثناء الأسرة المصرية الثامنة عشر ، أيام تحتمس الثالث ، أو فى زمن أمنوفيس الثانى . هذا يتفق مع قضاة 11 : 26 ، إذ يذكر يفتاح الذى عاش حوالى عام 1100 ق.م.
يتفق هذا الرأى أيضا مع ما ورد فى 1 ملوك 6 : 1 أن بيت الرب قد بنى فى السنة الأربعمائة والثمانين لخروج الشعب من مصر ، فإن كان سليمان قد بدأ فى بناء الهيكل عام 967 ق . م . أو 966 ق . م . يكون الخروج قد تم حوالى عام 1447 ق . م .
شخصية موسى النبى :
لهذا السفر أهمية خاصة ، إذ عرض حياة موسى النبى ، الذى صار ممثلا للعهد القديم كله بكونه مستلم الشريعة والمتكلم مع الله وقائد الشعب فى تحريره من العبودية للدخول به إلى أرض الموعد . لذا حين تجلى السيد المسيح على جبل طابور ظهر موسى وإيليا معه ( مت 17 : 1 – 8 ) . وفى سفر الرؤيا نسمع عن تسبحة موسى التى يترنم بها الغالبون فى السماء ( رؤ15 : 3 ) .
سفر الفداء والخلاص :
بدأ هذا السفر بالذل والأضطهاد وانتهى بظهور مجد اللـــه فى خيمة الإجتماع ، أى فى مسكنه مع عبه ( خر 40 ) .
سفر العبور :
قاسى الشعب الأمرين من العبودية لكنه لم يفكر فى الإنطلاق من الموقع إلا بعد أن أرسل الله لهم موسى يحدثهم عن الأرض التى تفيض لبنا وعسلا ، أى أورشليم ... هنا لم يعودوا يقبلون العبودية أو الأستسلام لها ...
أما عن إمكانية العبور ، فتكمن فى قول النبى : " نزل لينقذهم " خر 3 : 8 .. إنها إمكانيات نزول الله إلينا ...
سفر الوصية والعبادة :
بالرغم من وجود سفر متخصص فى الوصية الإلهية أو الناموس وفى العبادة الموسوية ، لكن موسى أصر أن يختم سفر الخلاص بأمرين : إســتلام الشـــريعة ، وخيمـــة الإجتمــــاع ..
العبادة هى غاية العبور : " إطلق شعبى ليعبدوننى " ... خلالها نتعرف على قانون السماء ( الوصية ) .. ونتدرب على السكنى مع الله ( الخيمة السماوية ) !
+ + +
خروج – الأصحاح الأول
الحاجة إلى مخلص
قصة العبودية :
يروى لنا هذا السفر قصة العبودية فى كثير من التفاصيل ، أولا لأنها تمثل قصة عبوديتنا للخطية التى من أجلها جاء السيد المسيح لتحريرنا . وثانيا لأن هذه التفاصيل تمثل جوانب حية تمس حياتنا وعلاقتنا مع الله . أما السبب الثالث فهو أننا كثيرا ما ننسى أو نتناسى هذه العبودية القاتلة ، لذلك عندما أعلن السيد المسيح رسالته ، قائلا : " تعرفون الحق والحق يحرركم " يو 8 : 32 ، أجابه اليهود : " إننا ذرية إبراهيم ولم نستعبد لأحد قط . كيف تقول أنت أنكم تصيرون أحرارا ؟! "
ويعلق القديس أغسطينوس على هذه الإجابة قائلا :
+ [ حتى إن نظرنا إلى الحرية التى فى العالم ( وليس التحرر من الخطية ) فأين الحق فى قولهم أننا ذرية إبراهيم ولم نستعبد لأحد قط ؟ ألم يبع يوسف ( تك 37 : 28 ) ؟ ألم يؤخذ الأنبياء القديسون إلى السبى ( 2 مل 24 ، حز 1 : 1 )؟ وأيضا أليسوا هم تلك الأمة التى كانت تخضع لحكام قساة فيصنعون اللبن ( الطوب الطينى ) فى مصر ؟ ]
والعجيب أنهم ينطقون بهذا الكلام فى الوقت الذى فيه كانوا مستعبدين للحكم الرومانى ، فإن هذه هى طبيعة الإنسان ، يستسلم للعبودية ويخضع خانعا لها ويظن أنه فى حرية .. لذا سجلت عبودية هذا الشعب وتحريرهم ، حتى نذكر دوما حاجتنا إلى السيد المسيح كمحرر لنفوسنا من أسر الخطية
( 1 ) نشأة بنى إسرائيل فى مصر :
إن كان قد دخل يعقوب وبنيه وأحفاده إلى مصر كعائلة واحدة ، فقد نأت الأمة اليهودية فى مصر ، وصار لها أول قيادة ( موسى النبى ) . لقد ترعرعت بعد موت يوسف ( ع 7 ) ، وسقطت تحت ظلم فرعون وعبودية المصريين ، لكن الله أعد موسى ودعاه للنضال ضد فرعون ليخرج الشعب خلال ذبيحة الفصح .
نزل يعقوب إلى مصر ومعه من صلبه الأثنى عشر أبا ليتغربوا ، ويسقطوا تحت الذل والعبودية لكننا نجد أسماءهم فى سفر الرؤيا قد سجلت على أبواب أورشليم السماوية ( 21 : 12 ) ، كما أحصى عدد المختومين من كل سبط كأولاد لله ينعمون بالأمجاد السماوية . إذن فليظلم العالم أبناء النور ، أما الله فحافظ لأولاده ، يحصيهم وينقش أسماءهم فى سفر الحياة .
" وكان جميع نفوس الخارجين من صلب يعقوب سبعين نفسا " ع 5
ياللعجب ! كيف تخرج نفس من نفس ؟ آدم يقول عن حواء : " هذه الآن عظم من عظامى ولحم من لحمى " تك 2 : 23 ، لكنه لا يقول " هذه نفس من نفسى " ، أيضا لابان ليعقوب : " إنما أنت عظمى ولحمى " تك 29 : 14 ... أما هنا فيقول : " جميع نفوس الخارجين من صلب يعقوب " .. وكأنما أراد أن يعلن عن نوع جديد من القرابة فوق مستوى الجسد ، أراد أن يحمل قرابة روحية نهتم بها .
هذه هى سمة إسرائيل الجديد ، أى الكنيسة ، إنها أم ولود ، تنجب نفوسا مقدسة تحمل سمات السيد المسيح .
أما سر النمو فيكمن فى العبارة التالية :
" ومات يوسف وكل إخوته وجميع ذلك الجيل ، وأما بنو إسرائيل فأثمروا وتوالدوا ونموا وكثروا كثيرا جدا وامتلأت الأرض منهم " ع 6 ، 7 .
يربط هنا بين موت يوسف واثمار إسرائيل ، وكأنه لا نمو للكنيسة – إسرائيل الجديد – إلا بموت السيد المسيح على الصليب !
لقد سقطت حبة الحنطة على الأرض وماتت ، وخلالها جاء كل هذا المحصول . وكما هو مكتوب : " كانت كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جدا " أع 6 : 7 ...
( 2 ) خضوعهم للعبودية :
النتيجة الطبيعية للنمو المتزايد خلال صلب المسيح وموته هو هياج عدو الخير وثورته ، إذ يقول الكتاب : " ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف ، فقال لشعبه : هوذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منا . هلم نحتال لهم لئلا ينموا فيكون إذا حدثت حرب أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا ويصعدون من الأرض . فجعلوا عليهم رؤساء تسخير لكى يذلوهم باثقالهم فبنوا لفرعون مدينتى فيثوم ورعمسيس " ع 8 : 11
من هو هذا الملك الجديد إلا إبليس الذى يرتعب كلما رأى الرب يملك على قلوب أولاده ، يبذل كل طاقاته لتكريس جنوده وإمكانياته الشريرة لأستعباد البشر وإذلالهم بالعمل فى الطين ، أى يجعلهم يرتبكون فى الأعمال الأرضية .
أ – للأشتياق للحياة الأفضل ، فلو بقى الشعب فى راحة لما انطلقوا إلى كنعان .
ب – ليلتصقوا بالرب ، فالضيق يشعرنا باحتياجنا إلى عمل الله فينا ومعنا .
جـ - إن كان الله قد بدى كأنه قد ترك شعبه للمذلة ، لكن الكتاب يؤكد " بحسبما أذلوهم هكذا نموا وامتدوا " ع 12 . إن كانت يد العبودية قد قست لكن الله لم يتركهم ، وعمل على خلاصهم بكل الطرق .
( 3 ) قتل الذكور :
إستدعى فرعون قابلتى العبرانيات شفرة وفوعة ، وطلب منهما أن يقتلا كل طفل ذكر عند ولادته ويستبقيا البنات ، وكان هذا الأمر سهلا ، فقد كانت العادة المتبعة فى مصر فى ذلك الوقت أن تتم الولادة على كرسى خاص ، فتستطيع القابلة أن تقتل الطفل قبل أن يراه أحد ، لكن القابلتان خافتا الله واستبقت الذكور والإناث .
العبرانيات : لقد دعى الشعب اليهودى بالعبرانيين ، نسبة إلى عابر أحد أجداد إبراهيم ( تك 10 : 21 ) ، لذلك كانت كلمة " عبرانى " تشير إلى اليهودى الأصيل وتميزه عن اليهودى الدخيل من الأمم .. ويدعى المؤمنون عبرانيين أيضا ، لأن طبيعة حياتهم " العبور " المستمر ، يشعر أنه غريب ومنطلق على الدوام من الأرضيات نحو السماويات .
مجازاة الله للقابلتين :
يقول الكتاب : " وكان إذ خافت القابلتان الله أنه صنع الله لهما بيوتا " ع 21 . فهل يصنع الله بيوتا ؟ إذ تشير القابلتان إلى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ، فإنه إذ يدرس بمخافة إلهية ويعيشهما المؤمنون كما يجب ، يقيم الله للكتاب موضعا فى أماكن كثيرة ، أى ينفتح مجال الخدمة وتقام بيوت لله . هكذا يحتاج العالم أن يرى فينا كلمة الله عاملة فى قلبنا بخوف إلهى ، فيجد الإنجيل له موضع فى كل قلب .
وقد أثار هذا النص جدلا : لماذا يكافىء الله القابلتين وقد كذبتا على فرعون ؟ ...
والرأى الأقرب للصواب : " ليس لأنهما كذبتا وإنما لأنهما صنعتا رحمة بشعب الله ، لم يكافىء فيهما خداعهما ( لفرعون ) بل معروفهما وحنو ذهنهما وأتيان الرحمة على الأطفال ، وليس خطأهما بالكذب "
طرح الأطفال فى النهر :
يقول الكتاب : " ثم أمر فرعون جميع شعبه قائلا : كل إبن يولد تطرحونه فى النهر ، لكن كل بنت تستحيونها " ع 22
تأمل الخطر الذى يهددك منذ ولادتك الجديدة ؟ أى منذ نوالك المعمودية .. فقد أصعد يسوع إلى البرية من الروح ليجرب من إبليس ( مت 4 : 1 ) ..
لكن السيد المسيح انتصر حتى يفتح لك طريق النصرة
+ + +
خروج – الأصحاح الثانى
إعداد موسى للخدمة
بعد أن كشف الأصحاح الأول عن الحاجة إلى مخلص جاءت الأصحاحات 2 – 4 تتحدث عن إعداد موسى النبى للخدمة :
سمحت العناية الإلهية للشعب بتجربة قاسية ، وفى نفس الوقت كانت تعد لهم المنقذ ( 1 كو 10 : 13 ) .. أعد الله لهم موسى ودربه فى فترة ثمانين عاما حيث مر به فى مراحل ثلاث :
المرحلة الأولى : حيث عاش موسى فى قصر إبنة فرعون أربعين عاما يتثقف بحكمة المصريين وعلمهم ، وفى نفس الوقت كان يرضع لبن شعبه العبرانى . فى هذه الفترة ظن أنه قادر أن يخدم الله معتمدا على فصاحة لسانه وقدرة تدبيره وحكمته ... لكنه فشل .
والمرحلة الثانية : قضاها فى البرية لمدة أربعين عاما يتدرب فيها على معرفة نفسه أنه بدون الله لا يساوى شيئا ... عرف فيها نفسه أنه ثقيل الفم واللسان ( 4 : 10 ) ، عاجز عن العمل بذاته ( 4 : 14 ) .
أما المرحلة الثالثة : فبدأت بلقائه مع العليقة المشوكة الملتهبة نارا ، وتعرف على الله الذى يعمل فى اللاشىء ليقيم أعمالا مجيدة .
نعود بعد هذه المقدمة إلى موسى فى طفولته ، فيتحدث معلمنا بولس الرسول عن والديه كبطلى إيمان قائلا : " بالإيمان موسى بعد ما ولد أخذاه أبواه ثلاثة أشهر لأنهما رأيا الصبى جميلا ولم يخشيا أمر الملك " عب 11 : 23 . ونحن أيضا بالإيمان بالله الذى ينظر فى الخفاء إلى أعمالنا يلزمنا أن نخفى كل فضيلة حتى لا تصير فريسة لفرعون ( إبليس ) وتبتلعها أمواج النهر .
سقط من البردى : يقول الكتاب : " ولما لم يمكنها أن تخبئه بعد ، أخذت له سفطا من البردى وطلته بالحمرة والزفت ووضعت الولد فيه ووضعته بين الحلفاء على حافة النهر " ع 3 .
كان السفط هو الحافظ الظاهر للطفل ، أما دموع أمه فكانت الحافظ المستتر .
فى هذا يقول القديس غريغوريوس النيسى : [ من يهرب من مثل هذه الأمور يلزمه أن يقتدى بموسى ، ولا يكف عن الدموع ، فإنه وإن كان فى أمان داخل التابوت لكن تبقى الدموع هى الحارس القوى لمن خلص بالفضيلة ] .
( 2 ) موسى فى القصر :
إبنة فرعون : إنها تمثل الفلسفات الزمنية ، فهى عقيمة وغير مثمرة ، تتمخض ولكنها لا تلد ، وفى نفس الوقت لا تقف الكنيسة موقف العداء منها ، وإنما كما دخل موسى قصرها وإن كان قد نشأ يرضع لبن أمه ، هكذا تتقبل الفلسفات والعلوم ولا نحتقرها لكننا نتمسك بتعليم وتقليد الكنيسة أمنا وإنجيلها وتعاليمها وفكرها وكل حياتها .
أما من جهة الأسم : فقد دعته إبنة فرعون " موسى " ، الذى يعنى بالمصرية " ماء " ع 10 ، وهو الأسم الذى دعاه به الله نفسه .
( 3 ) موسى يخدم بغيرة بشرية :
إذ تثقف موسى بحكمة المصريين قرابة أربعين عاما ظن أنه قادر أن يخدم الله ، معتمدا على فصاحته وحكمته . ظن فى نفسه أنه شىء فارتبك فى خدمته ، إذ " التفت إلى هنا وهناك " ع 12 ، مهتما بنظرة الناس إليه ، مع أنه خادم الله لا يهيم ببغض الناس أو رضائهم عن خدمته ، ما دام يعلم أن الله هو الذى أرسله ... موسى خرج إلى الخدمة معتمدا على كفاءته الخاصة فخاف وهرب من الخدمة ( ع 15 ) .
هذا ويلاحظ أن ما تعرض له موسى إنما يتعرض له كل من يضع فى قلبه أن يكرس حياته لله ، فيواجه حربين : حرب شمالية ، وأخرى يمينية .
أ – الحرب الشمالية : وهى الحرب ضد الشر الواضح ، وذلك كما رأى موسى الصراع بين رجل غريب الجنس ومن هو من بنى جنسه ، فضرب الأول ضربة قاضية وطمره فى الرمل ، هكذا حمل ذلك صورة رمزية للمؤمن الذى لا يضرب كل إنسانا وإنما يضرب كل شر فى قلبه ويدفنه ، حتى لا يكون للخطية الغريبة عن طبعنا موضعا داخلنا .
ب – الحرب اليمينية : وهى حرب مع البر الذاتى ، حين يظن الإنسان فى نفسه أنه قد ار بارا أفضل من الآخرين ، ليست له خطايا واضحة ، وهذه حرب مثل ما بين العبرانى وأخيه ، أى بين الأنسان وذاته " الأنا " .
كذلك يواجه المؤمن حربين : حرب ضد الخطية ظاهرة وسهلة نسبيا ، وحرب الإنقسام الداخلى فى الكنيسة وهى أخطر وأقسى ... تؤدى إلى هروب الكثيرين من الخدمة ، كما اضطر موسى إلى ذلك
( 4 ) موسى فى أرض مديان
بعد أربعين عاما إنتقل موسى إلى البرية ليتدرب على معرفة حقيقة نفسه أنه لا شىء .. إذ يقول :
" من أنا حتى أذهب إلى فرعون ؟! " 3 :12 ... برغم أن فرعون وبيته ليسوا غرباء عن معرفة موسى لأنه تربى فى بيت فرعون ! .. ولكنه بهذا الفكر الذى ينكر فيه ذاته تأهل لنوال قوة إلهية .
هناك فى البرية سكن رعوئيل الذى تفسيره " الله صديق " ، وتزوج موسى بصفورة إبنته التى تعنى " عصفورة " وأنجب منها جرشوم الذى يعنى غريب .
أما عمل موسى فكان رعاية الغنم ، وفى هذا صورة السيد المسيح الراعى الصالح الذى يرعى حركات النفس الداخلية .
+ + +
خروج – الأصحاح الثالث
العليقــة المتقــــدة نـــارا
( 1 ) العليقة المتقدة نارا :
بينما كان موسى يرعى غنم حميه يثرون ساق الغنم إلى وراء البرية وجاء إلى جبل الله حوريب ، وإذا به يرى عليقة تتقد نارا ولا تحترق ، فقال : " أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم " ع 3 . هنا دخل موسى النبى إلى مرحلة جديدة هى مرحلة اللقاء مع الله الذى هو سر القوة ، والراعى الخفى الذى يعمل لخلاص العالم وبنيان الكنيسة .
والآن إلى أى شىء تشير هذه العليقة المتقدة ؟
نأخذ بعض تأملات الآباء :
· يرى القديس اكليمنضس الإسكندرى أنها إعلانا عن الميلاد البتولى ، فقد ولد السيد المسيح من البتول ، وبميلاده لم تحل بتولية العذراء .
· يرى القديس كيرلس الإسكندرى أن العليقة حملت سر التجسد الإلهى ، فقد اتحد اللاهوت بالناسوت دون أن يبتلع الناسوت ، فإنه ما كان يمكن لموسى النبى أن يبدأ هذا العمل الخلاصى ما لم يتلمس ظلال التجسد الإلهى ، فيتعرف على " الكلمة الإلهى " المتجسد كصديق للبشرية ، صار واحدا منا ، وعاش بيننا ...
· رأى القديس يوحنا الذهبى الفم فى العليقة صورة حية لقيامة السيد المسيح الذى حمل جسدا حقيقيا ، ومات فعلا ، لكنه لم يمسك فى الموت على الدوام .
ويلاحظ أن الكتاب يقول " وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عليقة " ع 2 . وهنا كلمة ملاك تعنى " مرسل " ، وتشير إلى الأقنوم الثانى ، ... فلو أن الذى ظهر ملاك وليس الأقنوم الثانى لما قال " ناداه الله من وسط العليقة ... ثم قال أنا إله أبيك إله ابراهيم وإله اسحق وإله يعقوب . فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله " ع 4 – 6 .
يقول الرب لموسى : " لا تقترب إلى هنا ، إخلع حذاءك من رجليك ، لأن الموضع الذى أنت واقف عليه أرض مقدسة " ع 5 .
نحن ندخل الهيكل حفاة الأقدام كوصية الرب لموسى النبى ، وخلع الحذاء يشير إلى الشعور بعدم تأهلنا حتى للوقوف فى هذا الموضع المقدس الذى فيه تقدم الذبيحة المخوفة التى تشتهى الملائكة أن تطلع عليها ، خلع الحذاء أيضا عند الآباء يحمل معان أخرى كثيرة وعميقة ، نذكر منها :
· أن آدم عندما كان فى الجنة لم يكن بحاجة إلى لبس حذاء ، لأن الأرض لم تكن بعد قد أنبتت شوكا وحسكا ، وكأن بموسى النبى وهو فى حضرة الله كأنه فى جنة عدن ، حيث وجود الله معنا ، فلا حاجة لنا إلى الحذاء لأن الأرض أصبحت مقدسة كجنة عدن بوجود الله .
· كانت الأحذية فى القديم تصنع من جلد الحيوان الميت ، وكأن الله بوصيته هذه يطلب منا أن نخلع عنا محبة الأمور الزمنية الميتة لنلتصق بالسمويات الخالدة حتى نلتقى به .
( 3 ) دعوة موسى :
من خلال العليقة الملتهبة نارا دعى موسى وهو واقف حافى القدمين ليتسلم خدمة شعب الله ، حقا إن المتحدث نارا آكلة ( إش 10 : 7 ) ، والدعوة صدرت عن النار الإلهية ، لكنها لا تؤذى موسى بل تسنده وتلهبه ... كما فغل الروح القدوس النارى فى التلاميذ ، الذى أحرق ضعفاتهم وأعطاهم قوة للحياة الجديدة الكارزة ( مت 3 : 11 ، أع 2 ) .
إذ دعى الله موسى النبى لم يحدثه عن مؤهلاته للخدمة وإمكانياته البشرية بل حدثه عن نفسه ، الإمكانيات الإلهية المقدمة له ، قائلا له : " أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب " ع 6 .
وكانت هذه الكلمات تخرج بسلطان وقوة نارية حتى " غطى موسى وجهه لأنه خاف " ع 7 . تحدث أيضا عن قيامه هو بالخلاص فقد رأى وسمع وعلم مذلة شعبه لذا فهو ينزل لإنقاذهم .
أما سر قوة موسى النبى فهو : " إنى أكون معك " ع 12 . وهوذات الوعد الذى بعطيه لجميع أنبيائه ورسله وكل العاملين فى كرمه . فيقول ليشوع بن نون " كما كنت مع موسى أكون معك ، لا أهملك ولا أتركك " يش 1 : 5 . ويؤكد لأرميا النبى " لأنى أنا معك يقول الرب لأنقذك " أر 1 : 16 ، ويقول لتلاميذه " ها أنا معكم كل الأيام إلى إنقضاء الدهر " مت 28 : 20 .
( 4 ) إعتذار موسى :
أراد موسى أن يستعفى عن الخدمة قائلا : " من أنا حتى أذهب إلى فرعون وحتى أخرج بنى إسرائيل من مصر ؟! " ع 11
طبيعة موسى الضعيفة بالرغم من كونه من رجال الإيمان جعلته يتردد فى قبول الدعوة ، وربما كان ذلك من آثار فشله الأول حين خرج إلى الخدمة متكلا على ذراعه البشرى . فما كان له أن يقول " من أنا ؟ ! " بعد أن عرف أن الله نفسه هو الذى يرسله وهو الذى ينزل ليخلص .
أصر موسى على إعفائه أكثر من مرة ، تارة يضع أسئلة واعتراضات ، كأن يقول " فإذا قالوا ما إسمه ، فماذا أقول لهم " ع 13 والرب يجيبه ، وأخرى يقول " ولكن ها هم لا يصدقوننى " 4 : 1 فيعطيه الرب إمكانية عمل آيات ومعجزات ... ! وثالثة يعترض بسبب ضعفه الشخصى قائلا " أنا ثقيل الفم واللسان " 4 : 10 والله يؤكد له أنه هو خالق الفم واللسان " إذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به " 4 : 12 وإذ لا يجد أى حجة يقول " إستمع أيها السيد ، إرسل بيد من ترسل " 4 : 13 ، حتى حمى غضب الله : 14 فأعطاه هرون شريكا معه فى الخدمة .
( 5 ) إسم الله :
عرف موسى أن الذى يحدثه هو الله ، فسأله عن إسمه " فقال الله لموسى أهيه الذى أهيه ، وقال هكذا قل لبنى إسرائيل أهيه أرسلنى إليكم ... إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب أرسلنى إليكم " ع 14 ، 15 .
أولا : أهيه الذى أهيه AHIAH
هذا الأسم يكشف عن جانبين فى الله : أولا : أنه هو الكائن وحده الذى بجواره يكون الكل كأنه غير موجود ، ثانيا : أنه ليس إسم يقدر أن يعبر عنه .
أى [ اخبرهم أولا أنى أنا هو الكائن حتى يعرفوا الفارق بين من هو كائن وما هو ليس بموجود . كما قدم لهم الدرس الآخر أنه لا يمكن لإسم ما أن يستخدم ليليق بى أنا الذى إليه وحده ينسب الوجود ] .
ثانيا : إلــــه آبائكــم
قول الله لموسى " إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب " ع 15 وتكرارها ثلاث مرات فى هذا اللقاء بين الله وأول قائد للشعب ( ع 6 ، 15 ، 16 ) سحب قلب آباء الكنيسة إلى علامة الصداقة الإلهية الإنسانية فمع أن الله هو إله العالم كله ، إله السمائيين والأرضيين ، إلا أنه ينسب نفسه للأخصاء أصدقائه . إنه لا يود أن يكون سيدا بل صديقا فنراه يكلم موسى وجها لوجه كما يكلم الصديق صاحبه ( خر 33 : 11 ) .
وأخيرا ، نلاحظ أن السيد المسيح إستخدم الأسم ليؤكد للصدوقيين القيامة ، فإن الله إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب إله أحياء وليس إله أموات ( مت 22 : 31 ، 32 ) فإن كان الله هو الحى إنما ينسب لنا ، واهبا إيانا الحياة لنبقى معه إلى الأبد .
( 6 ) سر الأيام الثلاثة :
أمر الله موسى أن يطلب مع الشيوخ من فرعون قائلين : " الرب إله العبرانيين إلتقانا ، فالآن نمضى سفر ثلاثة أيام فى البرية ونذبح للرب إلهنا " ع 18
لقد طلب الرب منهم أن يخرجوا سفر ثلاثة أيام فى البرية ويذبحوا للرب ، وكان فرعون يطلب من موسى وهرون أن تقدم الذبائح فى أرض مصر ، لكن موسى أجابه " لا يصلح أن نفعل هكذا ... نذهب سفر ثلاثة أيام فى البرية ونذبح للرب إلهنا كما يقول لنا " 8 : 26 ، 27 . وأخيرا سمح لهم بالخروج ، لكنه كان يقول لهم " لا تذهبوا بعيدا " 8 : 28 ، أما موسى فأصر على السفر ثلاثة أيام ... لماذا ؟
الطريق الذى يخرج فيه الشعب ليقدم لله ذبيحة إنما هو السيد المسيح نفسه الذى قام فى اليوم الثالث ، وخلال قيامته تقبل كل عبادة وتقدمة منا للآب .
خبرة الأيام الثلاثة أى القيامة مع السيد المسيح اختبرها قبلا إبراهيم أب الآباء ، هذا الذى خرج من بيته ثلاثة أيام وعندئذ رأى العلامة فقدم إبنه ذبيحة حب لله ( تك 22 : 4 ) .
( 7 ) يد الله القوية :
من حين إلى آخر يؤكد الله لموسى قدرته على الخلاص قائلا : " فأمد يدى واضرب مصر بكل عجائبى التى أصنع فيها وبعد ذلك يطلقكم " ع 20 ...
أما غاية هذا العمل الإلهى الخلاصى فهو " أصعدكم .... إلى أرض تفيض لبنا وعسلا " ع 17 – اللبن والعسل إنما يشيران إلى حياة الشبع واللذة الروحية ، لهذا كان المعمدون فى الكنيسة الأولى يشربون أثناء طقس المعمودية لبنا ويأكلون عسلا ، إذ بالمعمودية صار لهم حق الدخول إلى كنعان السماوية الموعود بها .
+ + +
خروج – الأصحاح الرابع
موسى يلتقى بشعبه
بعدما التقى موسى بالله خلال العليقة الملتهبة نارا كان لابد لموسى النبى أن يترك مديان ليلتقى بهرون أخيه وبشعبه فى مصر :
( 1 ) معجزات ثلاث لشعبه
كما ظهر الله لموسى خلال العليقة المتقدة نارا يعلن له سر الخلاص خلال التجسد الإلهى والميلاد البتولى والألم ، كان لابد أن يمنح موسى إمكانية تقديم بعض المعجزات التى تحمل ظلا لهذا السر أى الخلاص ، خلال التجسد الإلهى والصليب . لقد وهبه ثلاث معجزات يمارسها أمام شعبه ، ليس لمجد إظهار قوة فائقة للطبيعة ، وإنما تعلن عمل الله الفائق نحو الإنسان . هذه المعجزات هى : تحويل العصا إلى حية ، وجعل يده اليمنى برصاء ، تحويل الماء إلى دم .
أولا : تحويل العصا إلى حية
سأل الله موسى : ما هذه فى يدك ؟ فقال " عصا " ع 2
ألم يعلم الله ما بيد موسى ، فلماذا سأله هكذا ؟ ... حتى يتذكر أنها كانت عصا قبل أن تتحول إلى حية !
هذه هى طريقة الله فى تعامله معنا كأن يسأل عن لعازر : قائلا " أين وضعتموه ؟ " يو 11 : 34 ، حتى متى أقامه يشهد اليهود أنفسهم أنه أقامه من القبر .
لقد أمر الرب موسى أن يلقى عصاه ، التى دعيت فيما بعد عصا الله ( ع 20 ) على الأرض فتصير حية تبتلع كل حيات المصريين . الله الكلمة هو عصا الله وقوته الذى نزل على الأرض من أجلنا ، هذا الذى لم يعرف خطية صار خطية لأجلنا ( 2 كو 5 : 21 ) لكى يقتل كل خطايانا ، أى حملت المعجزة ظلالا لسرى التجسد والصليب .
ينطبق هذا الرمز بحق على الرب ، لأنه إن كانت الخطية هى حية ، والرب صار خطية ، إذن النتيجة المنطقية واضحة للجميع . بكونه صار خطية صار أيضا حية هذه التى ليست إلا أنها خطية . من أجلنا صار حية لكى يلتهم حيات المصريين التى أوجدها السحرة ويقتلها .
هروب موسى من الحية وخوفه منها ، يمثل هروب التلاميذ من السيد المسيح ، عندما مات على الصليب . فالأنسان يخاف ويرتعب عندما يدرك قوة العمل الإلهى .
أخيرا ، فإن عودة الحية إلى عصا مرة أخرى إنما تشير إلى السيد المسيح الصاعد إلى السموات ، إلى أمجاده بعدما مزق الصك الذى كان علينا ، ليقيمنا معه ويجلسنا معه فى السمويات ، شركاء معه فى المجد ، نستقر فى حضن أبيه ببره .
ثانيا : يده اليمنى برصاء :
إن يد الله الآب اليمنى أو يمين الآب إنما هو الأبن الجالس عن يمينه ، أى قوة الآب ، هذا الذى فى حضنه ، لقد نزل إلينا حاملا خطايانا ( البرص يشير إلى الخطية ) ليغسلنا ويقدسنا ثم يعود بنا إلى حضن أبيه أصحاء بلا خطية ، وكأن هذه الآية إنما تؤكد الآية السابقة .
ويرى القديس أغسطينوس فى قول المرتل " لماذا ترد يدك ويمينك ؟ اخرجها من وسط حضنك . إفن ، والله ملكى منذ القدم فاعل الخلاص فى وسط الأرض " مز 74 ، يرى أنها صرخات موجهة لله الآب حيث يطلب أن يرسل إبنه الوحيد " يمينه " الذى فى وسط حضنه ، ليفن الشر مقدما الخلاص فى وسط كل الأمم .
ثالثا : تحويل الماء إلى دم :
جاءت هذه المعجزة لتثبيت المعجزتين السابقتين ، فإنه لا خلاص لنا إلا خلال دم السيد المسيح ، الذى يقدس مياة قلبنا الباردة .
( 2 ) أنا ثقيل الفم واللسان :
اعتذر موسى النبى عن الخدمة قائلا : " إستمع أيها السيد . لست أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس ولا من حين كلمت عبدك ، بل أنا ثقيل الفم واللسان . فقال له الرب : من صنع للإنسان فما أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيرا أو أعمى ، أما هو أنا الرب ؟! فالآن إذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به " ع 10 – 13 .
متى شعر موسى أنه ثقيل الفم واللسان ؟ حين كان فى القصر إبنا للأميرة إبنة فرعون ، يتدرب بكل حكمة المصريين كان يشعر أنه قادر على الكلام ، أما الآن إذ صار فى حضرة الرب نفسه شعر أنه ثقيل الفم واللسان !
بالوقوف أمام الله اكتشف موسى النبى ثقل فمه ولسانه ، إنسحق فى داخله معتذرا عن الخدمة فتأهل بالأكثر لكى يملأ الله فمه ليخدم . وقد تحدث الآباء كثيرا عن اتضاع موسى .
لم ينفتح فم موسى وحده ليتكلم الله فيه ؛ وإنما أيضا انفتح فم أخيه هرون ، هذا الذى التقى مع موسى عند جبل الله ( ع 27 ) . وكأن كل من يريد أن ينفتح فمه ويتمتع بكلمات الرب والمعرفة الإلهية يلزمه أن يلتقى بموسى ( الناموس ) روحيا على جبل الله أى داخل الكنيسة المقدسة الإلهية .
( 3 ) هرون كسند لموسى :
بالرغم من كل تأكيدات الله لموسى أنه هو الذى يعمل فيه ، وهو ملتزم بإنجاح طريقه ، لكن موسى عاد ليقول : " إستمع أيها السيد . ارسل بيد من ترسل " . حقا ما أتعب القلب البشرى حين يتعب ! لقد حمى غضب الله ( ع 14 ) ، فخسر موسى إنفراده بالرسالة ، وقدم له الله شريكا ، حقا إن الشركة فى الخدمة جميلة ومبهجة فقد أرسل الرب تلاميذه إثنين إثنين ، لكن ما حدث مع موسى كان ثمرة ضعفه وإصراره على الهروب من المسئولية .
على أى الأحوال ، حول الله حتى هذا الضعف للخير ، إذ صار هرون سندا لموسى ، ورمزا للملاك الحارس .
( 4 ) ترك مديان :
إذ أمر الله موسى أن يرجع إلى مصر ليخرج الشعب قال له : " أنظر جميع العجائب التى جعلتها فى يدك ، واصنعها قدام فرعون . ولكننى اشدد قلبه حتى لا يطلق الشعب " ع 21 هكذا سبق فأعلن الله له الإمكانيات التى وهبه إياها وأيضا بالتجارب التى تحيط به حتى لا يخور فى طريق الجهاد ، هذا ما فعله السيد المسيح معنا ، أكد لنا " ثقوا أنا قد غلبت العالم " يو 16 : 33 ، وفى نفس الوقت قال " ها أنا أرسلكم كحملان فى وسط ذئاب " مت 10 : 16 .
يبدو أن زوجة موسى الغريبة الجنس ، صفورة إبنة يثرون ، خافت على إبنها من الختان ، وقد خضع موسى النبى لرأيها ... هكذا حتى العمالقة فى حياتهم الروحية يتعرضون لضعفات قد تدفع لهلاكهم .
كان لزاما على موسى أن ينطلق بزوجته من مديان ليعمل فى كرم الرب ، وكان لزاما عليه أن يختن الإبن ثمرة اتحاده بهذه الزوجة .
قابلهم الملاك ، وأرعبهم هذا اللقاء ، لكن زوجته هدأت الملاك بتقديم إبنها طاهرا ، إذ نزعت عنه العلامة الخاصة بالغرباء ( الغرلة ) تماما .
( 6 ) بدء العمل :
التقى موسى وهرون أى الوصية الإلهية مع العبادة الورعة الكهنوتية ، وتلاقيا مع جميع الشيوخ ، الذين خضعوا لعمل الله وكلماته ، أما الشعب فإذ سمعوا " خروا وسجدوا " ع 27 .
إنها صورة حية لخضوع كل طاقات النفس والجسد للعمل الإلهى خلال قبول كلمة الله والعبادة .
حقا ما أحوجنا أن نعمل فى القلب ، كرم الله المقدس ، خلال كلمة الله وبروح تعبدى ليصير القلب كله مقدسا للرب ، خاضعا له !
+ + +
خروج – الأصحاحان الخامس والسادس
لقاء مع فرعون
إلتقى موسى بالله خلال العليقة ، ثم التقى بهرون فى جبل الله ، وخرج الإثنان إلى جميع الشيوخ وكل الشعب ، والآن لا بد أن يدخلا إلى فرعون نفسه ليلتقيا مع الأسد فى عرينه .
أ – إذ طلب موسى وهرون من فرعون أن يطلق الشعب ليتعبد له على مسيرة ثلاثة أيام ، أى خلال قوة قيامة الرب ، هاج فرعون قائلا : " من هو الرب حتى اسمع له ؟ لا أعرف الرب " ع 2 . أليس هذا هو ذات الروح الذى نطق به المجمع حين دعى الرسولين بطرس ويوحنا " وأوصوهما أن لا ينطقا البتة ولا يعلما باسم يسوع " أع 4 : 18 .
ب – ان حديث فرعون هذا : " لا أعرف الرب " يكشف عن ظلمة الجهل التى يعيش فيها عدو الخير .
جـ - يرى العلامة أوريجانوس فى شكوى فرعون أن موسى وهرون يبطلان الشعب ( ع 4 ) هى شكوى عدو الخير فى كل جيل ، إذ يرى الكثيرون أن تكريس الشباب حياتهم للعبادة والخدمة هو مضيعة للطاقة البشرية .
بدلا من إطلاق الشعب ليعبد الرب شدد فرعون أوامره ضد الشعب لإذلالهم ، متهما إياهم أنهم متكاسلون .
يعلق العلامة أوريجانوس على ذلك قائلا : " حقا قبل أن تعرف الكرازة لا توجد الضيقات والتجارب ، لا تبدأ الحرب قبل أن يبوق بالبوق . لكن ما أن يبوق بوق الكرازة حتى تعطى العلامة للحرب ( الروحية ) وتحل الضيقة " .
( 3 ) تذمر الشعب :
إذ تشدد فرعون فى الأمر قال الشعب لموسى وفرعون " ينظر الرب إليكما ويقضى ، لأنكما أنتنتما رائحتنا فى عينى فرعون وفى عيون عبيده حتى تعطيا سيفا فى أيديهم ليقتلوننا " ع 21
إذ دخل الخوف قلب الشعب تحولت كلمة الله فى فمى موسى وهرون التى لها الرائحة الزكية ، رائحة حياة للحياة ، إليهم رائحة موت لموت ( 2 كو 2 : 15 ، 16 .. ) .
هذا التذمر ليس علته عنف فرعون وتشديد السخرة ، لكنه طبيعة لازمت هذا الشعب طوال سيرهم فى البرية بالرغم من عناية الله الفائقة لهم ... لذلك يليق بنا فى تذمرنا ألا نلوم الظروف المحيطة بنا بل قلبنا المملوء خوفا وعدم ثقة فى الله المخلص .
( 4 ) تأكيدات الرب لموسى :
إذ تذمر الشعب ، صرخ موسى إلى الرب وقال " يا سيد ، لماذا أسأت إلى هذا الشعب ؟ لماذا أرسلتنى ؟ فإنه منذ دخلت إلى فرعون لأتكلم باسمك أساء إلى هذا الشعب ، وأنت لم تخلص شعبك " ( 5 : 32 ، 33 ) .
ما أجمل أن يدخل الخادم مع الله فى عتاب حين يشعر كأن خدمته قد فشلت ، مقدما لله حسابات عمله ؟!
تقبل الله هذا العتاب واستجاب لمرارة قلب خادمه . إن كان فرعون قد أعلن جهله بالله قائلا " لا أعرف الرب " ( 5 : 2 ) فإن تأكيدات الله المتكررة لموسى هى " أنا الرب " ( 6 : 2 ، 7 ، 8 ، 28 ) .
هو الرب الذى عمل فى الآباء قديما إذ ظهر لإبراهيم وإسحق ويعقوب ( 6 : 3 ) ، ويعمل فى الحاضر إذ يسمع أنات شعبه ويخرجهم من تحت الثقل ويحررهم من العبودية ( 6 : 5 ، 6 ) ، ويدبر لهم المستقبل فيدخلهم إلى الأرض التى وعد بها ( 6 : 9 ).
( 5) رؤساء بيت آبائهم :
بعد أن أكد الرب لموسى أنه يحرر الشعب من العبودية ، ذكر الكتاب أسماء بيت آبائهم .. وكأن الرب يريد أن يؤكد أنه ليس فقط يهتم بالشعب كجماعة ، لكنه يهتم بكل واحد فيهم بإسمه . علاقة الله مع شعبه دائما على المستور الحماعى والشخصى فى نفس الوقت ، فى رعايته لهم كجسد السيد المسيح الواحد المقدس ، شعرة واحدة من رأس الجماعة لا تسقط بدون إذنه !
لقد وجد بعض الآباء معان كثيرة لهذه الأسماء ، نذكر على سبيل المثال ما رآه العلامة أوريجانوس فى أسماء بنى قورح : أسير وألقانة وأبيأساف ( 6 : 24 ) ، هؤلاء الذين نظموا صلاة تسبحة جميلة بروح واحد منسجم ، جاءت مقدمتها : " كما يشتاق الإيل إلى جداول المياة هكذا تشتاق نفسى إليك يا الله " مز 42 .
أما سر انسجامهم معا فى الصلاة والتسبيح فهو أن أسير يعنى " تعليم " وألقانة تعنى " ملكية الله " وأبيأساف فى رأيه ترجع لليونانية وتعنى مجمع الأب ، وكأنه إذ تكون النفس كقورح ويكون لها هؤلاء الأبناء معا : حب التعليم المستمر ، والشعور بالتكريس لله أى فى ملكيته ، والأرتباط بروح الجماعة الواحدة ، يفيض فى القلب قصيدة حب وصلاة مقبولة يفرح بها الله .
( 6 ) أنا أغلف الشفتين :
حاول موسى أن يعتذر للرب قائلا " كيف يسمعنى فرعون وأنا أغلف الشفتين ؟! " ( 6 : 2 ، 30 ) . لكن تأكيدات الرب له " أنا الرب " ... أنا أخلص ...
ما أجمل أن يشعر الإنسان بضعفه الروحى وخطاياه كسر فشل لخدمته ، فيقول " أنا أغلف الشفتين " ... ليست فيهما قداسة لتعمل كلماتى بسلطان ضد إبليس ، أو كما يقول نحميا حين سمع عن أخبار الخدمة المحزنة " أنا وبيت أبى قد أخطأنا " ( نح 1 : 6 ) . لم يلم الظروف ولا الآخرين ولا نسب لله أنه قد نسى أولاده بل ألقى باللوم على نفسه هو وبيت أبيه لأنهم أخطأوا .
لقد ادرك موسى مفهوم الختان والغرلة على مستوى روحى داخلى ، لذا حسب شفتيه فى حاجة إلى ختان داخلى ... وجاء بعده أرميا يتحدث عن ختان القلب الخفى ( أر 4 : 4 ) وختان الأذن ( أر 6 : 4 ) ، وتحدث معلمنا بولس الرسول فى أكثر وضوح عن الحاجة إلى الختان الروحى فى المعمودية ، حيث يخلع المؤمن أعمال الإنسان القديم ليحمل جدة الحياة ويكون على صورة خالقه .
+ + +
خروج – الأصحاحات 7 – 10
الضربات العشر
تتحدث هذه الأصحاحات الأربعة ( 7 – 10 ) عن التسع ضربات الأولى بينما تحدث الأصحاحان ( 11 ، 12 ) عن الضربة الأخيرة التى إرتبطت بخروف الفصح
( 1 ) مقدمة للضربات :
قبل أن يبدأ الله بالضربات أكد لموسى عدة حقائق :
أ – أنا جعلتك إلها لفرعون ( ع 1 ) ، أى جعلتك سيدا عليه ، فلا تخافه ولا ترهب قسوة قلبه ، وكما يقول القديس باسيليوس : [ يقدم هذا اللقب برهانا على نوع من السلطان فى التدبير أو فى العمل ] . فالمؤمن يحذر من إبليس لكنه يؤمن بسلطان عليه كقول الرب :
" ها أنا اعطيكم سلطانا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شىء " لو 10 : 19 . وكما يؤكد القديس يوحنا الذهبى الفم فى أكثر من مقال أنه ليس للشيطان سلطان علينا ، إنما يقدم إغراءاته غير الملزمة وحيله وخداعاته لكى نسقط فى فخاخه .
ب – " أخوك يكون نبيك " ع 1 ، أى المتكلم عنك . إذ التحمت الوصية ( موسى ) بالعمل الكهنوتى التعبدى ( هرون ) ، صارت العبادة معلنة للوصية وكاشفة عنها . هذا هو إيماننا أن عبادتنا الليتورجية ليست منفصلة عن إنجيلنا ، بل عاملة به وكارزة ، يستطيع الأمى والطفل أن يدركا الأسرار الأنجيلية خلال بساطة الطقس وروحانيته ويقدر المتعلم والناضج أن يجد أعماق المفاهيم اللاهوتية الأنجيلية فيه .
جـ - غاية الضربات : " يعرف المصريون إنى أنا الرب " ع 5 ، أى يبدد ظلمة الجهل التى طمست عينى الإنسان فى شره . بمعنى آخر ، لم يهدف الله بها إلى إلقاء الرعب فى قلوب الحاضرين ، إنما أراد أن تكون سندا للخلاص .
د – إستدعى فرعون ساحرين : ذكر القديس بولس الرسول إسميهما " مينيس ويمبريس " 2 تيموثاوس 3 : 8 ، عن التقليد اليهودى . قام هذان الساحران بمقاومة موسى وهرون ليس بإلقاء الرعب والتهديد كما فعل فرعون وإنما خلال حرب خطيرة هى حرب التمويه بين الحق والباطل ، عمل الله وعمل إبليس ، فحاولا أن يفعلا ما يفعلانه موسى وهرون لكنهما فشلا ، إذ يقول الكتاب :
- " عصا هرون ابتلعت عصيهم " ع 12
- " فعل كذلك العرافون بسحرهم ليخرجوا البعوض فلم يستطيعوا ... فقال العرافون لفرعون هذا أصبع الله " 8 : 18 ، 19 .
- لم يستطع العرافون أن يقفوا أمام موسى من أجل الدمامل ، لأن الدمامل كانت فى العرافين وفى كل المصريين " 9 : 12 .
بمعنى آخر ، إن كان السحرة حاولوا الخداع بإبراز بعض أعمال تحمل صورة ما فعله موسى وهرون ، وذلك بفعل السحر ، لكنهم كانوا فى ضعف ، وسقط الساحران تحت الضربات كغيرهما ، ولم يكونا قادرين على إبطال الضربات أو إنقاذ فرعون وجنوده ... واضطرا أن يعترفا بقوة " أصبع اللــه " .
فى دراستنا لسفر الرؤيا رأينا حربا مشابهة ، فكما يعلن الثالوث القدوس أعماله مع الإنسان يحاول الثالوث الدنس " الدجال والوحش البرى والوحش البحرى " أن يخدعوا البشر ، بل وأحيانا يقدمون أعمالا تبدو كما لو كانت تشبه أعمال الثالوث القدوس ، مثل عمل المعجزات بفعل شيطانى .
هـ - العصا التى كانت فى يد موسى النبى دعيت " غصا الله " 4 : 20 ، " عصا هرون " 7 : 22 ، " عصا موسى " 10 : 13 . هى عصا الخلاص التى تعمل فى حياتنا تشير إلى الإيمان بالصليب الخشبة المحيية ، لذا دعيت عصا الله ، كما تشير للوصية الإلهية أو كلمة الله الكارزة بالصليب ( عصا موسى ) ، وأيضا تشير للحياة التعبدية التىخلالها ندخل فى حياة الشركة مع المصلوب ( عصا هرون ) . وكأن الإيمان يلتحم بالكتاب المقدس والعبادة بفير انفصال .
و – العصا بين الناموس والصليب : العصا التى جاء بها موسى إلى مصر هى الناموس الذى يضرب به الضربات العشر ، أى يدين الخطية ويفضحها . وهى أيضا الصليب الذى جرد إبليس من سلطانه وقهر قوته معطيا للمؤمنين قوة الغلبة والخلاص .
( 2 ) تحويل الماء دما :
يلاحظ فى الضربات العشر أن الله كان يوجهها ضد آلهة المصريين نفسها ليكشف ضعفها ، إذ يقول " وأصنع أحكاما بكل آلهة المصريين أنا الرب " 12 : 12 . فتحويل مياة النيل إلى دم دنس أوقع المصريين فى حيرة إذ رأوا معبودهم قد صار دنسا ! ومن جهة أخرى كشف لهم أن فكرهم كله جسدانى ، يرون كل شىء حسب اللحم والدم وليس بمنظار روحى .
لقد طلب الرب من موسى أن يذهب إلى فرعون فى الصباح ( ع 15 ) ، لأن حربنا مع عدو الخير تبدأ مع صباح حياتنا الروحية وبدء إنطلاقها . كما طلب منه أن يلتقى به على حافة النهر ، يخرج إليه عند المياة ( ع 15 ) ، وكأن ذلك إعلان للمؤمن أن يلتقى مع صاحب الفلسفات بذات فلسفاتهم ، فلا تخاف الكنيسة من دراسة العلوم الفلسفية ، واشترط أن يأخذ العصا التى تحولت إلى حية فى يده ، فلا إمكانية للغلبة على الشر بدون الصليب واهب النصرة .
أما النتيجة فهى : " يكون دم فى كل أرض مصر فى الأخشاب وفى الأحجار " ع 19 . فإن كان الأرض قد صار " أرض مصر " أى محبا للعالم ، فإن الدم يدخل إليه ليقدسه ، والحجارة الجامدة تتحول إلى حياة " أولاد لإبراهيم " ، كقول السيد المسيح نفسه " إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ " ! .
ويلاحظ أن الماء لم يصر دما للعبرانيين ، وكأنهم وهم كغرباء لا يتأثرون بشرور المصريين .
( 3 ) ضربة الضفادع :
كانت الضفادع مفرزة للإله أوزوريس ، ومن مزامعهم أن إنتفاخها علامة وحى إلهى ، فسمح الله أن تفيض عليهم وتصير ضربة كبرى بالنسبة لهم .
إن كان فرعون قد ألزم الشعب بالعمل فى الطين فقد ناله تأديب قاسى أن تقفز الضفادع من الطين بشكلها القبيح ورائحتها غير المقبولة وصوتها المزعج لتدخل إلى بيته وتقتحم مائدته وسريره ومخازنه السرية ، فتتحول حياته طينا ووحلا ! بالكيل الذى كال به كيل له وازداد .
( 4 ) ضربة البعوض :
كان الكهنة يهتمون جدا بالنظافة ويحترسون من التدنس بالبعوض والقمل ، فضربوا بالبعوض ، الأمر الذى فشل السحرة أن يخرجوه فاعترفوا أمام فرعون قائلين : " هذا أصبع الله " ع 19 .
نقرأ أن الناموس قد كتب بأصبع الله ، وأعطى خلال موسى خادمه الطوباوى ، هنا يفهم الكثيرون أصبع الله أنه الروح القدس .
بسبب كبريائنا يسمح الله للمخلوقات الصغيرة جدا والمزدرى بها أن تعذبنا ما دام الإنسان متكبرا على الله ومتعجرفا ..
( 5 ) ضربة الذباب :
كان المصريون يعبدون آلهة تقوم بطرد الذباب ... فأراد الله أن يكشف عن عجز آلهتهم .
( 6 ) ضربة الوباء الذى أصاب المواشى :
كان المصريون يعتقدون بالقداسة فى بعض الحيوانات ولا سيما العجل أبيس الذى يحسبون أن فيه روح إلههم أوزوريس . فبضربة الحيوانات يدرك المصريون خطأ معتقدهم .
( 7 ) ضربة البثور :
كان للمصريين آلهة كثيرة يقدمون لها أناسا أحياء ، قيل أنهم كانوا يحرقون بعض العبرانيين على مذبح عال ويدرون رمادهم فى الهواء لكى تنزل مع كل ذرة بركة ، لذلك أخذ موسى رمادا من التنور وذراه فنشرته الرياح ونزل على الكهنة والشعب والحيوانات بالقروح والدمامل ، حتى لم يستطع السحرة أن يقفوا أمام موسى من أجل الدمامل ( ع 11 ) . كأن الله أراد أن يعلن أنه إن كان قد طال أناته عليهم لكنه يستطيع أن يخلص هؤلاء الذين يحرقونهم بلا ذنب .
( 8 ) ضربة الرعد والبرد والنار :
كانت هذه الضربة شديدة إذ لم يعتد المصريون على البرد القارص وهذا الجو العنيف . وقد رأينا أن أصوات الرعد كانت تشير إلى إعلانات الله وإنذاراته ، والبرد يشير إلى قتل الزرع الرخيص ( العشب ) الذى أقامه العدو فى القلب ، والنار تحرق الأشواك الخانقة للنفس ليلتهب القلب بمحبة الله .
( 9 ) ضربة الجراد :
الجراد مفسد للزرع ومجلب للقحط ، إذ يبيد كل نبات أخضر ، فكانت الضربة تشير إلى عجز آلهتهم عن إعالتهم حتى جسديا .
( 10 ) ضربة الظلام :
كان المصريون يعبدون الإله رع أى الشمس ، كأن هذه الضربة قد وجهت ضد هذا الإله . وفى نفس الوقت كشفت لهم عن عمى بصيرتهم الداخلية ، وأعلنت عن حاجتهم لمجىء شمس البر الذى يشرق على الجالسين فى الظلمة . وقد بقى الظلام ثلاثة أيام ، لعل ذلك إشارة إلى انتظار النفس للدخول فى نور قيامة السيد المسيح .
موقف فرعون من الضربات :
حاول فرعون أمام هذه الضربات أن يدخل فى مفاوضات مع موسى وهرون مقدما أنصاف حلول غير مجدية ، وإذ أصر موسى وهرون على موقفهما قال " أطلقكم لتذبحوا للرب إلهكم فى البرية ، ولكن لا تذهبوا بعيدا . صليا لأجلى " ( 8 : 28 ) . تظاهر بالورع والحاجة إلى صلاتهما ، لكنه لا يريدهما أن يسيرا الثلاثة أيام كاملة ، أى لا يتمتع الشعب بقوة القيامة مع السيد المسيح المخلص .
- إذ اشتدت الضيقة سمح لهم بالخروج كما يريدون ( أى يسيرون ثلاثة أيام ) ، لكنه قال " إذهبوا أنتم الرجال واعبدوا الرب لأنكم هكذا طالبون " ( 10 : 10 ) . مشترطا أن يتركوا نساءهم وأولادهم ومواشيهم . يسمح لنا العدو أن نتعبد لله لكن بدون نسائنا أى أجسادنا ، لأن الزوجة إنما تشير للجسد ، كقول الرسول للرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم ،... ولا يكون لهم أولاد أى ثمار الروح ، وبدون المواشى أى تقديس الحواس والعواطف . أنه يريد العبادة منفصلة عن كل حياة الإنسان العملية حتى عن تقديس جسده وعواطفه .
- وأخيرا ، سمح لهم أن يخرجوا بنسائهم وأولادهم " غير أن غنمكم وبقركم تبقى " 10 : 24 . وكانت إجابة موسى النبى ؛ عبارته الخالدة :
" لا يبـقى ظــلــف "
نخرج جميعنا بنسائنا وأولادنا ومواشينا ، مقدمين كل شىء للرب ، ولا نترك لأبليس موضع فى حياتنا ... لن نترك له ظلف فى حياتنا ، حتى لا يكون له مجال للعمل الرير فى داخلنا .
موسى النبى الذى رأيناه يحاول أن يستعفى من الخدمة فى حواره مع الرب على جبل سيناء ، خوفا من فرعون ، وقد إمتلأ الآن بقوة روحية يعلن فى شجاعة تامة أمام فرعون
: لا يبقى ظلف !!
+ + +
خروج – الأصحاحان الحادى عشر والثانى عشر
الفصح
بين خروف الفصح وقيامة المسيا :
إن كان الفصح يعتبر نقطة تحول فى تاريخ الشعب القديم ، خلاله عبروا من أرض العبودية إلى البرية منطلقين نحو أرض الموعد ، لذا حمل خروف الفصح بكل طقوسه مفهوما خاصا ، يقام فى أول شهور السنة ( 12 : 2 ) ، يعيدونه كل عام فريضة أبدية ( 12 : 14 ) ، تلتزم به كل الجماعة ( 12 : 6 ) . حمل أيضا مفهوما روحيا يمس حياة الجماعة الكنسية فى علاقتها بالله ، فلم يكن خروف الفصح مجرد تذكار لقصة تاريخية حدثت فى الماضى ، لكنه يمثل عنلا حاضرا ودائما لله فى حياة شعبه .
عيد الفصح أيضا كان يعنى وجود علاقة شخصية بين كل عضو فى الجماعة والله نفسه . هذا فيما يخص خروف الفصح الرمزى ، أما وقد قدم السيد المسيح نفسه " فصحا " حقيقيا عن العالم كله ، صارت آلامه وصلبه ودفنه وقيامته فصحا دائما ومستمرا فى حياة الكنيسة ، تعيده الكنيسة ليس فقط مرة كل عام ، بل وفى كل قداس إلهى ، بل وتختبر قوته خلال حياتها اليومية . صار هذا العمل الفصحى الإلهى موضوع لهج كل مؤمن حقيقى ، خلاله يعبر من مجد إلى مجد ليدخل بالروح القدس إلى حضن الآب .
هذا ما جعل الأصحاحين الحادى عشر والثانى عشر من سفر الخروج مركزا للسفر كله ، بل وبغير مبالغة للعهد القديم كله ، كما أن صلب السيد المسيح وقيامته هما مركز الأنجيل . لذلك رأيت الضرورة ملحة إلى تقديم دراسة دقيقة ومختصرة قدر الإمكان لخروف الفصح على ضوء التقاليد المعروفة فى ذلك الحين ، وعلى ضوء التقليد اليهودى ، وخلال آلام السيد وصلبه وقيامته ، لنعرف أثره فى حياة الكنيسة الجامعة وفى حياة كل عضو فيها .
الفصح والتقاليد القديمة :
فى أيام آدم الأول ، قدم إبناه تقدمتين مختلفتين : قدم هابيل – كرجل صيد – ذبيحة دموية كفارة عن خطاياه تسلمها بلا شك عن والديه ، وقدم قايين من محصولات الأرض بكونه رجل زراعة . على أى الأحوال تسلمت البشرية هذين العملين وشوهت صورتهما خلال إنحراف البشرية عن الطريق الإلهى ، فصارت قبائل البدو فى العالم تلطخ خيامها بعلامة الدم إعتقادا منها أنها تطرد الأرواح الشريرة فلا تؤذيهم . أما القبائل العاملة فى الزراعة فصار لها تقليد مغاير ، يمتنعون عن أكل الخبز المختمر لبضعة أيام فى بداية المحصول الجديد حتى لا يدخل الخمير الخاص بالمحصول القديم مع دقيق المحصول الجديد .. بهذا يرون أنهم يبدأون عاما جديدا بطعام جديد وحياة جديدة .
ويلاحظ أن هذين الطقسين ( رش الدم والإمتناع عن الخمير ) لهما أصل إيمانى نقى ، لكن البشرية إنحرفت بهما عن مسارهما الإيمانى ، فجاء طقس الفصح يرد الطقسين إلى مسارهما السليم من جديد .
والعجيب أن الكنيسة فى احتفالها بعيد الفصح " القيامة " مارست منذ العصور الأولى طقسين متكاملين ومتلازمين ، هما طقس عماد الموعوظين وطقس الأفخارستيا . ففى ليلة العيد يقوم الأسقف بعماد الموعوظين ليحملوا علامة الدم على جباههم الداخلية وفى قلبهم ، ينعمون بالمصالحة مع الله فى إبنه يسوع المسيح بواسطة روحه القدوس . ويتنعمون بروح البنوة الذى يعينهم على العبور نحو الأمجاد الإلهية ، ثم يتقدمون مع بقية المؤمنون للأشتراك فى الطقس الآخر – أى الإفخارستيا – حيث تظهر الكنيسة المجاهدة على الأرض وكأنها وسط جهادها مستقرة حول مذبح الله الأبدى . فتأكل الفطير الجديد على الدوام ، تتمتع بالجسد والدم المقدسين اللذين لا يقدما ولا يشيخا .
هذا هو فصحنا الجديد الذى حمل الفصح القديم ظلا له ورمزا .
فصح شخصى :
أمر الله أن تقوم كل الجماعة بتقديم الفصح ، فهو فصح الكنيسة كلها المتحدة بعريسها ، واشترط فيما بعد أن يقدم فى أورشليم دون سواها ، الموضع الذى دعى اسمه فيه ، لأنه فصح الرب .
هذه الصورة الجماعية الحية لم تتجاهل الجانب الشخصى لكل عضو فى الجماعة ، بل ركزت عليها خلال إتحاد العضو بالجماعة . فلم يأمر الله أن يرش الدم على كل بيت فحسب ، وإنما ألزم كل رجل وإمرأة أن يأكلاه مشويا بالنار . والأكل علامة العلاقة الشخصية والإشتراك الشخصى فى ممارسة الطقس .
حقا لم يكن ممكنا للأطفال الصغار جدا والرضع أن يشتركا فى الأكل لكنهم كانوا يحضرون الطقس ويفرحون به ، بل وخلصوا من الهلاك خلال إيمان والديهم الذين يشتركون فى أكل خروف الفصح .
[ وهكذا المعمودية أيضا للأطفال ، بإيمان والديهم .. حتى لا يهلكوا ! ] .
من الناموس إلى المسيا :
كان عشاء الفصح عند اليهود له طقسه الخاص الذى سجله لنا الأصحاح الثانى عشر من سفر الخروج مع بعض التقاليد الأخرى التى حملت صلوات بركة وتسابيح ومزامير معينة سجلت فى المشنة ( التقليد اليهودى ) .
كان هذا العيد غنيا فى ذكرياته ووعوده التى حملت رعاية الله للإنسان خاصة خلال الخلاص المقدم بالمسيا . فكانوا يعرفون هذه الليلة أنها ذكرى سنوية لخلقة العالم ، ولختان إبراهيم وذبيحة إسحق وخروج يوسف من السجن والعتق المنتظر من السبى ، وظهور المسيا ، ومجىء موسى وإيليا وقيامة الآباء ونهاية العالم .. لهذا قدم السيد المسيح نفسه فصحا للعالم فى عيد الفصح ، ليعلن أن الحقيقة تبتلع الرمز وتدخل به إلى كمال هدفه .
+ يتحقق سر الفصح فى جسد الرب ...
فقد اقتيد كحمل ، وذبح كشاة ،
مخلصا إيانا من عبودية العالم ( مصر ) ،
ومحررنا من عبودية الشيطان كما من فرعون ،
خاتما نفوسنا بروحه ، وأعضاءنا الجسدية بدمه ..
إنه ذاك الواحد الذى خلصنا من العبودية إلى الحرية ،
ومن الظلمة إلى النور ، ومن الموت إلى الحياة ،
ومن الظلم إلى الملكوت الأبدى ...
إنه ذاك الذى هو ( فصح ) عبور خلاصنا ...
هو الحمل الصامت ... الذى أخذ من القطيع ،
واقتيد للذبح فى المساء ، ودفن بالليل ...
من أجل هذا كان عيد الفطر مرا ، كما يقول كتابكم المقدس :
تأكلون فطيرا بأعشاب مرة ،
مرة لكم هى المسامير التى استخدمت ،
مر هو اللسان الذى جدف ،
مرة هى الشهادة الباطلة التى نطقتم بها ضده ..
هكذا .. ذبيحة الحملان وطقس الفصح وحرف الناموس ، هذه قد تحققت فى المسيح يسوع . عوض الناموس جاء اللوغوس ، فصار القديم جديدا ، وصارت الوصية نعمة ، والرمز حقيقة .
من الفصح الأرضىإلى الفصح السماوى :
تحدث القديس أثناسيوس فى رسائله الفصحية كثيرا :
+ والآن يا أحبائى قد ذبح الشيطان ( فرعون ) ، ذلك الطاغية الذى هو ضد العالم كله ، فنحن لا نقترب من عيد زمنى بل عيد دائم سمائى ....
الآن نأكل " كلمة الآب " وتمسح قلوبنا بدم العهد الجديد نعرف النعمة التى يهبنا إياها المخلص ، الذى قال " ها أنا أعطيكم سلطانا لتدوسوا الحيات والعقارب ، وكل قوة العدو " ( لو 10 : 19 ) .
الذين يحفظون العيد فى نقاوة يكون الفصح طعامهم السماوى .
+ + +
الناموس كان مقدمة لعهد النعمة ، ليس فقط خلال الوصايا والكلمات ولكن أيضا خلال الرمز .. والآن نتحدث عن طقس الفصح كما ورد فى سفر الخروج وما يرمز إليه ، بالأستعانة بالنصوص الأنجيلية :
يقول الرب لموسى " إنى نحو نصف الليل أخرج فى وسط مصر " 11 : 4 ،
تمت الضربة فى الليل فى الظلام ، لأنه فى ظل الليل بعيدا عن نور النهار الواضح يتحقق العدل فى الشياطين وجرائمهم القاتمة " وأعطى عجائب فى السماء والأرض دما ونارا وأعمدة دخان . تتحول الشمس إلى ظلمة ، والقمر إلى دم قبل أن يجيىء يوم الرب العظيم المخوف " يوئيل 2 : 30 ، 31
كأنه بالليل حيث يسكن الشيطان فى الظلمة يقتله الرب فى عرينه ، بينما هو مطمئن ليس من يقاومه فيهلك وكل أعماله معه .
( 2 ) فى شهر أبيب أول الشهور :
كلم الرب موسى وهرون قائلا " هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور ، هو لكم أول شهور السنة " ( 12 : 1 ) كأنه فى كل فصح يدخلون عاما جديدا ، ليعيشوا فى حالة تجديد قلبى مستمر فى المسيح يسوع الذبيح .
هذا يعنى أن ذبيحة الفصح الحقيقى بالنسبة لنا هى بدء الحياة الأبدية
ويلاحظ أن " أبيب" تعنى " سنبلة " ، وكأنه خلال الفصح تصير النفس سنبلة الرب أى حصاده .
كان إشارة إلى دخول السيد المسيح أورشليم ليبقى تحت الحفظ حتى يقدم نفسه فصحا من أجلنا . أما اختياره اليوم العاشر فإشارة إلى مجيئه بعد الناموس ( الوصايا ) يكمل الوصية التى كسرها الإنسان ، واهبا لنا إمكانية تنفيذها .
فى اليوم الرابع عشر يكون القمر بدرا ، ولما كانت الشمس رمزا للسيد المسيح والقمر للكنيسة ، كأنه خلال " المسيح فصحنا " 1 كو 5 : 7 ، تكتمل إستنارة الكنيسة ويعلن بهاؤها .
أما أيام الحفظ فهى خمسة ( 10 – 14 أبيب ) تمثل البدايات الخمس للعالم فى تاريخ الخلاص .
آدم به بدأ الجنس البشرى ، ونوح بدأ به العالم الجديد بعد الطوفان ، إبراهيم بدأ كأب للمؤمنين ومن صلبه خرج شعب الله ، وموسى بدأ العالم فى الناموس المكتوب وأخيرا جاء السيد المسيح فى اليوم الخامس ليبدأ عهد النعمة ، فيه قدم نفسه فصحا ، له فاعليته فى كل الحقبات الخمس .
تشير هذه الدعوة إلى دعوة الأمم بكونهم " القريب " الذى ينعم أيضا بذبيحة الفصح الحقيقى .
إشترط أن يكون إما خروفا ، رمز للوداعة كقول إشعياء النبى " ظلم أما هو فتذلل ، ولم يفتح فاه ، كشاة تساق إلى الذبح " 53 : 7 ، أو من الماعز الذى يقدم فدية عن الخطية حسب الناموس ( عدد 7 : 16 ) .
نظره يوحنا المعمدان وقال " هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم " يو 1 : 29 . وفى السماء رآه القديس يوحنا اللاهوتى :
" وفى وسط القسوس خروف قائم كأنه مذبوح " رؤيا 5 : 6
أما كونه صحيحا بلا عيب ، فلأن السيد المسيح قدوس بلا عيب يقدر أن يكفر عن خطايانا بدم نفسه ( عب 9 : 14 ) .
أما كونه ذكرا فإشارة إلى رئاسته ، لكونه عريس كل المؤمنين ( 2 كو 11 : 2 ) ، إذ :
" من له العروس فهو العريس " يو 3 : 29 .
" إبن حول " أى شاب ليس فيه ضعف الشيخوخة ولا يصيبه القدم ، يبقى جديدا فى حياتنا على الدوام ، مع أنه هو القديم الأيام الأزلى .
من جهة تحقق هذا الأمر فى شخص السيد المسيح الذى قيل عنه :
" اجتمع على فتاك القدوس يسوع الذى مسحته هيرودس وبيلاطس البنطى مع أمم وشعوب إسرائيل " أع 4 : 27
إشارة إلى تقديم السيد المسيح نفسه فصحا عن العالم فى ملء الأزمنة .
( 9 ) رش الدم على العتبة العليا والقائمتين ع 7